ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: شکوفایی تفسیر موضوعی در بستر قرن اخیر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
المؤلف : سجادی، سیدابراهیم
المصدر: فصلنامه پژوهشهای قرآنی / شماره٧
القرن الرابع عشر هو بيئة نمو الأفكار الحديثة والحركات الجديدة في المنهج والرؤية لدى العلماء والمصلحين في المجتمعات الإسلامية.
كان الشعور العميق لدى المثقفين والعلماء المسلمين بضرورة التحول الثقافي والاجتماعي، وإزالة غبار الركود والتخلف العلمي والعملي عن وجه الأمة الإسلامية، شعلة مباركة تجلت مظاهرها في القرن الرابع عشر أكثر من أي عصر آخر.
ما تشكل في ضوء هذا الشعور يستحق الدراسة من منظورين:
أ. التحول في الفهم الديني وتفسير المفاهيم الأخلاقية والعقائدية
ب. التحول في هيكل التنظيم وطريقة تقديم الإدراكات والمعارف الدينية إلى المجتمع.
الحركة الأولى كانت جوهرية وأساسية، والحركة الثانية كانت شكلية وبنيوية في خدمة تسريع التحول الجوهري وتمهيد الطريق له. النظرة الجديدة والفهم الحديث للمعارف الدينية، لا محالة، كانت تتطلب اتخاذ زاوية جديدة ومنهج حديث، إذ إن المنهج الثابت والزوايا المغلقة للنظر عادة ما تؤدي إلى نتائج متشابهة ومتماثلة. وأولئك الذين كانوا يقلقون من ضيق الأفق الذهني، وقلة التفكير، والتجزئة، والسطحية، وضعف الفهم الديني في المجتمع، كانوا إلى جانب البحث عن طرق عملية لفتح آفاق واسعة من الحيوية والتقدم أمام أعين جيلهم القلق، يبحثون عن أساليب تلبي هذه الحاجة.
الابتعاد عن التجزئة والتفكير السطحي يتطلب نظرة شاملة ومتعددة الأبعاد. وكان هذا المثل الأعلى الذي يمكن تحقيقه في اتساع وشمولية التفسير الموضوعي.
وهكذا، نبت التفسير الموضوعي على فروع فكر الحيوية والإصلاح والسعي نحو الكمال لدى علماء الدين في القرن الرابع عشر، وحقق ثماره.
يعتقد بعضهم أن أول مظاهر هذا المنهج الجديد تشكلت في (الأزهر)، لكن ما لا شك فيه هو أن فصل النمو قد حان في المجالس والجماعات الإسلامية الرائدة، وتمهيد الأرضية لنمو النظرة الشمولية والنظامية للدين والمعارف السماوية للقرآن، ومن ثم في فضاء ثقافي واحد، بل في فضاءات مختلفة، حظي التفسير الموضوعي بالاهتمام واعتُرف به.
أساسان في أساس التفسير الموضوعي
بين المفسرين الذين اهتموا بالتفسير الموضوعي، يظهر أساسان: فئة من المفسرين يبحثون منذ البداية عن العناوين والفصول التي وردت في نص القرآن، ويجب بجهد المفسر أن تُعرف الآيات المرتبطة بها في سورة واحدة أو في القرآن كله وتُدرس. وبناءً على هذا الاعتقاد، يكون التعريف الذي يُعطى للتفسير الموضوعي هو:[1]
(التفسير الموضوعي هو علم يبحث في القضايا القرآنية التي لها هدف واحد، من خلال جمع الآيات المتفرقة والمرتبطة بتلك القضايا ودراستها بشكل خاص وبناءً على ظروف معينة، بهدف فهم معاني الآيات والتعرف على عناصر القضايا والروابط بينها.)[2]
فئة أخرى من مفسري التفسير الموضوعي يرون أن المحور الموضوعي يمكن أخذه من القضايا الواقعية والاحتياجات الفكرية والاجتماعية خارج نص القرآن، وفي نطاق آيات الوحي يتم دراسة المعارف والرسائل القرآنية:
(الدراسة الموضوعية هي طرح مسألة من المسائل العقائدية أو الاجتماعية أو المتعلقة بالوجود التي تطرح في الحياة، والقيام بدراستها وتقييمها من وجهة نظر قرآنية حتى يتضح رأي القرآن وتوجيهه في تلك المسألة.)
للشهيد الصدر تعبيران في تعريف التفسير الموضوعي، أحدهما يتوافق مع المعنى المقصود. يقول:
(الاستفسار من القرآن عن النتائج البشرية هو تعبير عن التفسير الموضوعي.)[3]
هاتان النظرتان اختلفتا أحياناً، لأن:
- في الرؤية الأولى، المواضيع القرآنية محددة ومحصورة مسبقاً، والمفسر يأخذ الموضوع من القرآن ويقوم بدراسته وتقييمه في ضوء القرآن. أما في الرؤية الثانية، فالقرآن يراقب القضايا الفكرية الحياتية وله توجيهات لكل مسألة، وبناءً عليه يواصل إبداء الرأي والتوجيه جنباً إلى جنب مع التجارب البشرية إلى ما لا نهاية.[4]
- الفئة الأولى تعتبر مناقشات مثل تفسير القرآن بالقرآن، والبحث الشامل في الناسخ والمنسوخ في القرآن، أو دراسة العقوبات القرآنية تفسيراً موضوعياً.[5] أما الفئة الثانية فتعتبر هذه المناقشات بحوثاً تفسيرية أو قرآنية، لكنها لا تسميها تفسيراً موضوعياً.[6]
تاريخ التفسير الموضوعي
رغم أن التفسير الموضوعي ازدهر وانتشر في القرن الرابع عشر، إلا أنه يمكن تتبع جذوره في تفسير المعصومين (ع).
البحث في جذور هذا المنهج التفسيري يمكن أن يزيد من مصداقيته ويمنحه دعماً شرعياً وحجية.
بعض الباحثين في القرآن استندوا إلى مفهوم كلمة (مثاني) في الآية 23 من سورة الزمر (الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني) واستنتجوا أن المثاني صفة للقرآن، أي أن بعض آيات القرآن تراقب بعضها البعض وتوضح بعضها البعض.[7]
لذا، فإن التفسير الموضوعي الذي يقوم على الجمع بين الآيات والاستنتاج منها له تأييد قرآني. يقول النبي (ص):
(القرآن يفسر بعضه بعضاً.)[8]
بعض أجزاء القرآن تفسر أجزاء أخرى.
وقال الإمام علي (ع):
(ينطق بعضه ببعض.)[9]
بعض آيات القرآن تفتح فمها وتتحدث في ضوء بعض الآيات الأخرى.
وقد استفاد النبي الأكرم (ص) عملياً من النظرة الموضوعية في تفسير الآيات، حيث استخدم بعض الآيات لتوضيح معنى آيات أخرى.[10]
وكذلك فعل علي (ع) في إثبات حقيقة خارجية مثل ولادة طفل عمره ستة أشهر، من خلال جمع الآيات والتفسير الموضوعي.[11]
يكتب الشهيد الصدر:
«قد يُطرح هذا السؤال: ما الضرورة من الوصول إلى الرؤى الأساسية والنظريات الجوهرية للقرآن، في حين نرى أن النبي (ص) لم يُعبر عن هذه الرؤى على شكل سلسلة من النظريات المحددة والعامة.
والحقيقة أن النبي (ص) كان يقدم نظريات القرآن، ولكن من خلال مساواتها وتطبيقها عمليًا في ميدان الحياة. وكل مسلم كان يتواجد في ذلك الجو، كان يدرك هذه النظريات ولو بشكل إجمالي.»[12]
وفي هذا السياق، هناك من يرى أن عمرو بن بحر الجاحظ (م 255هـ) هو أول من فسر القرآن بهذه الطريقة، وطرح عناوين مثل: (العذاب في القرآن)، (الملائكة في القرآن) وغيرها للنقاش.[13] ويعتقد بعضهم أن أول تفسير موضوعي هو تفسير قتادة بن دعامة (م: 118 هـ).
وبشكل عام، ما يمكن تتبعه تحت عنوان التفسير الموضوعي في آثار علماء القرآن قبل القرن الرابع عشر، يختصر في أربعة أنواع:
- تفسير القرآن بالقرآن، وهو أكثر أنواع التفسير الموضوعي فائدة.
- تفسير آيات الأحكام.
- البحوث التي أُجريت تحت عنوان (الأشباه والنظائر في القرآن)، بحيث يُدرس معنى كلمة قرآنية في جميع الآيات. وأول مفسر قام بهذا العمل هو مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ).
- جمع الآيات المتعلقة بموضوع معين ودراستها، مثل آيات النسخ والمنسوخ وغيرها.[14]
العمل العملي في التفسير الموضوعي هو أحد المناقشات النظرية والنظريات الأساسية فيه، إثبات التناسب في القرآن، حيث تقوم نظرية وحدة موضوع القرآن وكذلك وحدة الموضوع في السور على ذلك، وقد أكد علماء القرن الرابع عشر على العلاقة المتينة بين التفسير الموضوعي وعلم التناسب.[15]
أول عالم تحدث عن علم التناسب هو الشيخ أبو بكر النيسابوري (م 324هـ) والفخر الرازي.
مجالات الاهتمام بالتفسير الموضوعي
على أي حال، في القرن الرابع عشر، جذب المنهج التفسيري الذي لم يُعطَ الاهتمام اللازم لقرون طويلة، المفسرين إليه.
ما أعدّ مجالات التفسير لتبني هذا المنهج، عوامل ومجالات عدة، سنشير إلى بعضها التي لها أهمية أكبر.
1. الأسلوب الخاص للقرآن في بيان المعارف تدريجيًا
يصرّ مجموعة من المفسرين والخبراء في الدراسات القرآنية على أن القرآن يذكر كل موضوع بشكل متفرق وفي سور مختلفة، وفي كل موضع يبيّن جانبًا من أبعاد ذلك الموضوع، وأن كل موضوع لا يُدرك بشكل كامل إلا بجمع وتلخيص جميع الآيات المتعلقة به.[16] وهذه النظرة الشاملة وجمع الآيات في موضوع قرآني معين هي شكل من أشكال التفسير الموضوعي.
2. نمو العلوم البشرية
إذا لم ينم هذا الأسلوب التفسيري في الماضي بالشكل اللازم، فإن أحد أسباب ذلك هو عدم وجود التخصصات اللازمة لتحليل المسائل العلمية والاجتماعية في القرآن… ومع توفر هذه المهارات، ازدهر التفسير الموضوعي، وتم الكشف عن حقائق في القرآن لم تكن في ذهن المفكرين السابقين (بسبب عدم توفر الطرق الحديثة).
3. الجهد لإظهار الرؤى العلمية والاجتماعية للإسلام
يرى بعض الباحثين أن اللجوء إلى التفسير الموضوعي كان نتيجة اهتمام المصلحين بمواجهة ثقافة الاستعمار الغازية، ويقولون:
(هذا الهجوم دفع العلماء الدينيين إلى دراسة الرؤى العلمية والاجتماعية للإسلام في النصوص الدينية، وإثبات توافق رؤى القرآن مع الحضارة والعلم، وكشف التوجيهات والرؤى الإسلامية – القرآنية لحل مشاكل الحياة في العصر الحاضر.)[17]
4. دحض اتهامات المستشرقين
رأى بعض المستشرقين أن القرآن يحتوي على مواد متفرقة دون وحدة في الموضوع أو ترتيب أو ترابط.[18] وفي مواجهة هذا الاتهام، سعى العلماء المسلمون إلى دراسة تفسير القرآن بشكل موضوعي.[19]
5. تقدم التقنية وإمكانات البحث
تلبية المتطلبات العلمية والدراسات في التفسير الموضوعي تحتاج إلى معاجم دقيقة وشاملة يمكن من خلالها دراسة كل آية بسهولة في ارتباطها مع آيات أخرى، وهذه الأدوات والظروف توفرت في القرون الأخيرة أكثر من السابق.[20]
ثلاث صور من ترابط مفاهيم القرآن
شكلت فكرة النظامية في معارف القرآن أحد الأسس القديمة للبحث الموضوعي في التفسير. وعندما ندرس آراء علماء القرآن في مجال ترابط معارف القرآن، تظهر ثلاث نظريات رئيسية تضم في داخلها العديد من الآراء.
النظريات الثلاث الرئيسية هي:
- نظرية الارتباط النظامي لمفاهيم القرآن.
- نظرية وحدة موضوع كل سورة.
- الارتباط والتوافق بين التعبيرات المتفرقة في القرآن حول موضوع واحد.
الرؤية الأولى
هذا الاعتقاد بأن مجموع معارف القرآن له هيكل متماسك وارتباط وتنظيم منطقي، أدى إلى دقة وعمق يُختصران في ثلاث وجهات نظر:
أ. عرض إجمالي للعناوين الرئيسية
حاول بعضهم تقديم العناوين الرئيسية لموضوعات معارف القرآن، مع الإشارة إلى أن جميع مباحث القرآن تقع ضمن هذه الفصول الفرعية، وبسبب الترابط المنطقي بين هذه العناوين، فإن القرآن كله يشكل وحدة منظمة.
يكتب العلامة الطباطبائي:
(القرآن، رغم اتساع معرفته المذهل، فإن جميع معارفه ورسائله المتعددة والمتنوعة، من الأخلاق إلى الأحكام، والعبادات، والمعاملات، والقضايا السياسية والاجتماعية، والوعيد والوعود، والقصص والمواعظ، كلها تعود إلى عدة أصول هي:
التوحيد، والنبوة، والمعاد وفروعها، وما يتعلق بهداية العباد وإصلاح دنياهم وآخرتهم.)[21]
وهو نفسه يكتب عن كيفية ترابط التوحيد مع الأخلاق والسلوك من منظور القرآن:
(التوحيد في مقام الاعتقاد، مثلاً، يظهر في إثبات أسماء وصفات الله الحسنى والاعتقاد بها، وفي مقام الأخلاق، يجعل الإنسان متخلقًا بأخلاق حميدة مثل: الرضا، التسليم، الشجاعة، العفة، السخاء… ويطهّره من الصفات الدنيئة، وفي مرحلة العمل، يدفعه إلى الأعمال الصالحة والابتعاد عن المحرمات الإلهية.)[22]
يلخص محمد عبده المحاور الأساسية والمبادئ الجوهرية لمعاني القرآن في الأمور التالية:
- التوحيد.
- البشارة بوحدانية الله والتحذير من معارضيها.
- العبادة التي تُحيي وتثبت التوحيد في القلوب.
- بيان الطريق الذي يؤدي إلى النعم الدنيوية والأخروية وكيفية سلوكه.
- قصص تتعلق بالمؤيدين والمعارضين لدين الله بقصد التذكير وتعريف السنن الإلهية المتعلقة بالبشر.[23]
يعتقد بعض المحققين:
(القرآن يعترف ببداية ونهاية لهذا العالم، ويحدد مسارًا يُطلق عليه التوحيد والمعاد والرسالة، وكل معارف الدين تعود إلى هذه الأقسام الثلاثة.)[24]
ويرى فريق آخر أن مباحث القرآن تنقسم إلى أربعة أقسام:
- التوحيد الذي يشكل الغرض الأساسي في القرآن.
- القصص وسير الأمم والأنبياء… بهدف إظهار عظمة وقدرة الله.
- تشريع القوانين الفردية والاجتماعية بقصد تنظيم حياة الإنسان الدنيوية وضمان مصالحه.
- النظام الأخلاقي في القرآن الذي هو من ثمرات الإيمان ويُعد ضمانًا لتنفيذ التشريع.[25]
دخل رشيد رضا في شرح أوسع وذكر عشرة أهداف لمعاني القرآن:
- أسس الدين (الإيمان بالله والمعاد والعمل الصالح).
- الرسول وواجبات النبوة.
- خصائص الإسلام.
- الإصلاح الاجتماعي والسياسي بناءً على أسس خاصة.
- الواجبات والمهام الفردية.
- النظام السياسي الإسلامي.
- الإرشادات والنظام الاقتصادي.
- الحرب والجهاد.
- حقوق الإنسان، الدينية والاجتماعية للمرأة.
- مكافحة نظام العبودية.[26]
يرى الأستاذ مصباح يزدي، من المفكرين المعاصرين الإمامية، أن مجموع المعارف القرآنية يتألف من: علم الله، علم الكون، علم الإنسان، علم الطريق، علم المرشد، بناء الإنسان، البرامج التعبدية، الأحكام الفردية والاجتماعية، وكل منها مرتبط بالآخر ارتباطًا منطقيًا، والمحور في هذه المجموعة من المباحث هو علم الله.[27]
من بين الباحثين غير المسلمين، لدى المستشرق الفرنسي (جول لابوم) رأي جدير بالدراسة. فقد قسم جميع آيات القرآن إلى ثمانية عشر فصلًا، وذكر لكل فصل فروعًا بلغ مجموعها 350 فرعًا. وعناوين القرآن من وجهة نظره هي:
التاريخ، محمد، الدعوة، بني إسرائيل، التوراة، النصارى، ما وراء الطبيعة، التوحيد، القرآن، الدين، العقائد، العبادات، الشريعة، النظام الاجتماعي، العلوم والفنون، التجارة، تهذيب الأخلاق والنجاة.[28]
هدف الباحثين الذين دُرست آراؤهم هو أمران: التعرف على المحاور الأساسية واكتشاف الروابط بينها، وهذان الهدفان في إطار وحدة الموضوعات وتنظيم معارف القرآن.
ب. وحدة المفهوم في سورتي البقرة
هذا الإدراك، المتمثل في ترابط معاني القرآن، لم يكن له أساس في كلام المفسرين السابقين، وفي القرن الرابع عشر الهجري اقتصر صاحب المنار على تذكير مختصر بهذا الشأن، وذلك بالنسبة لبعض السور فقط.[29]
أما المفسر الذي يُعتبر أول من صاغ هذه الصورة فهو (سعيد حوي)، الذي أعد مؤلفه (الأساس في التفسير) في 11 مجلدًا و6799 صفحة عام 1398، وطُبع في عام 1405. ويعتبر السورة الفاتحة مقدمة القرآن[30]، ويعد سورة البقرة وحدة واحدة تتألف من مقدمة وثلاثة أقسام وخاتمة[31]، وتحتوي على جميع موضوعات القرآن، أما السور الأخرى فتتناول كل منها موضوعًا من مضامين سورة البقرة، وقد يتكرر محور معين في القرآن عدة مرات لهدف خاص. وفي خاتمة دراسته يكتب: سورة البقرة ذُكرت 24 مرة في القرآن.[32]
فمثلاً، تتحدث الآيات الخمس الأولى من سورة البقرة عن التقوى، وتشرح سورة آل عمران هذا الموضوع.[33]
وتشرح سورة المائدة الفسق وآثاره، وهو مضمون الآيتين 26 و27 من سورة البقرة.[34]
أما سورة الأنعام فموضوعها الجدل مع الكفار حول عبودية الخلق لله، وهو ما أُشير إليه في الآيتين 28 و29 من سورة البقرة.[35]
موضوع سورة الأعراف هو الهداية، وهو مضمون الآية 38 من سورة البقرة.[36]
وتتحدث سورتي الأنفال والتوبة عن الحرب والجهاد، وهو محتوى الآيات 216 و217 و218 من سورة البقرة.[37]
وتعتبر سورة يونس موضوعها عدم الشك في القرآن، وهو ما ذُكر في أول آية من سورة البقرة.[38]
موضوع سورة يوسف هو نزول القرآن من عند الله، وهو ما تتحدث عنه الآيات 21 ـ 25 من سورة البقرة.[39] وهكذا…
وتعد سورة الكهف شرحًا آخر لقضايا المتقين والمنافقين والكفار التي ذُكرت في مقدمة سورة البقرة.[40]
أما السور الصغيرة في القرآن فكل منها يتعلق بموضوع من موضوعات سورة البقرة؛ فمثلاً موضوع سورتي (الفلق) و(الناس) هو الاستعاذة، ويرتبط بآيات 30 ـ 38 من سورة البقرة التي تناقش قصة آدم وإغواء الشيطان فيها.[41]
رغم أن رؤية سعيد حوي متاحة للمفسرين والباحثين منذ سنوات، إلا أنه يبدو أنه لم يُجرَ تقييم جاد أو إبداء رأي جدي بشأنها.
ج. ترابط معارف القرآن بناءً على علم الدلالة
هذه النظرية هي الصورة الثالثة التي قُدمت لنظام معارف القرآن. وتعتمد هذه الصورة على علم الدلالة[42] الذي طرحه العالم الياباني (توشيهيكو إيزوتسو). وعلى الرغم من أن هدفه الرئيسي في هذا البحث هو تقديم رؤية كونية وعلم كون قرآني من خلال دراسة الكلمات المفتاحية في القرآن،[43] إلا أنه أشار ضمن عمله إلى الروابط بين مفاهيم الكلمات المفتاحية في القرآن، وكتب:
(قد يظن البعض أن كل ما يجب القيام به هو استخراج جميع الكلمات المهمة من القرآن الكريم التي تتعلق بمفاهيم وأفكار مهمة مثل الله، الإسلام، النبي، الإمام، الكافر، وغيرها، ثم دراسة المعنى القرآني لكل من هذه الكلمات، لكن هذا العمل في الواقع ليس سهلاً إلى هذا الحد؛ لأن هذه الكلمات أو المفاهيم في القرآن لم تُستخدم كلٌ منها بمعزل عن الكلمات الأخرى، بل ترتبط ارتباطًا وثيقًا ببعضها البعض، وتحصل على معناها الملموس والدقيق من مجموع شبكة العلاقات المتبادلة. وبعبارة أخرى، تشكل هذه الكلمات مجموعات كبيرة وصغيرة متنوعة فيما بينها، وهذه المجموعات بدورها ترتبط بطرق مختلفة مع بعضها البعض، وفي النهاية تشكل كلًا منظّمًا ومنسقًا وشبكة معقدة للغاية. وما يهمنا حقًا في هذا السياق هو هذا النوع من النظام والجهاز التصوري الذي يُستخدم في القرآن أكثر من المفاهيم والتصورات المنفردة والمعزولة عن بعضها.)[44]
المؤلف في الفصل الأول من كتابه يشرح الروابط بين الكلمات المفتاحية في القرآن، ويولي اهتمامًا كبيرًا لثلاث كلمات هي (المفتاح)، (المركز) و(حقل الدلالة).
وفقًا لرأيه، تشكل الكلمات المفتاحية في القرآن مجموعات عديدة تمثل حقول الدلالة القرآنية، وفي كل حقل يوجد مركز أو محور تحيط به الكلمات المفتاحية الأخرى لذلك الحقل؛ على سبيل المثال:
الإيمان، الله، التصديق، الإسلام، الشكر، التكذيب، العصيان، الكفر، وغيرها تشكل حقلًا دلاليًا، ويُعتبر الإيمان المحور فيه، والكلمات: الكفر، الله، الشرك، العصيان، التكذيب، الاستكبار، الظلم، الضلال، الفسق، تشكل حقلًا آخر، ومحوره كلمة الكفر، والكلمات: الصراط المستقيم، التيه، الضلال، الغوّية، العوج، الرشاد، الهداية والهدى تشكل حقلًا ثالثًا، ومركزه كلمة الصراط.
وبهذا الشكل، تكون كلمة الكفر في الحقل الثاني هي المحور، وفي الحقل الأول كلمة عادية، والكلمات: التكذيب، العصيان، الله والكفر تُعد من الأعضاء المشتركة بين المحور الأول والثاني، وكلمة الضلال تربط المحور الثاني بالثالث.[45]
إيزوتسو تابع نظريته بمنهجية مدروسة وحجج مقنعة تستحق الإعجاب، وباختصار، البحث الذي قدمه يتمتع بقوة وثبات ملحوظين.
نظرية وحدة الموضوع لكل سورة
الصورة الثانية التي قُدمت عن معارف القرآن في القرن الرابع عشر هي وحدة الموضوع في سور القرآن. ومع ذلك، ليس من المؤكد تمامًا أن هذه النظرة تعود إلى القرن الرابع عشر، فبعضهم يعتقد أن هذه الفكرة طرحت لأول مرة على يد (ابن قيم الجوزية)[46]، ويعتبر البعض الآخر فخر الرازي أول من نادى بهذا الاعتقاد.[47] كما تحدث الشاطبي[48] والبقاعي[49] عن وحدة الموضوع في سور القرآن.
على أي حال، في القرن الرابع عشر، قبل مفسرون بارزون مثل العلامة الطباطبائي،[50] محمد عبده،[51] سعيد حوي، سيد قطب،[52] وعلماء مثل عبد الله دراز،[53] محمد عبد الله شحاتة، محمد البهي، محمود شلتوت، فكرة وحدة الموضوع في السور بشكل مقبول، وطبقوها عمليًا في تفسير السور. فمثلاً، تناول شلتوت في (إلى القرآن الكريم) أهداف كل سورة وبيّنها. وعبد الله محمود شحاتة وضع أساس كتابه (أهداف كل سورة ومقاصدها) على هذا الموضوع. كما بذل محمد باقر حجتي جهدًا ملحوظًا في هذا المجال في كتابه (مدخل إلى البحث في أهداف ومقاصد سور القرآن).
محمد بهي بحث 24 سورة من سور القرآن تحت عنوان (التفسير الموضوعي للقرآن الكريم).
مع ذلك، لم تُرسَخ بعد فكرة الربط بين مفاهيم كل سورة في القرآن بشكل كامل وشامل، ولا يزال أنصار هذا الفكر يسعون لاكتشاف موضوع كل سورة، ولم تتبلور آراؤهم بعد بشكل نهائي؛ إذ مثلاً في سورة النساء، يؤكد سعيد حوي أن الموضوع الرئيسي هو (التقوى)،[54] بينما يرى محمد بهي وسيد قطب أن الموضوع هو المجتمع الذي يشمل الأسرة أيضًا، ويتحدثان في هذه السورة عن عوامل التماسك، المخاطر الداخلية والتهديدات الخارجية التي تهدد بنية المجتمع المتماسكة.[55]
مثال آخر على اختلاف آراء أنصار هذا الفكر هو موضوع سورة البقرة، الذي تم تصويره بطرق مختلفة:
المؤلف في (النبأ العظيم) يرى أن سورة البقرة تتكون من مقدمة وأربعة مقاصد وخاتمة:
المقدمة تناقش شأن هداية القرآن.
المقصد الأول: يدعو عامة الناس إلى الإسلام.
المقصد الثاني: يتولى دعوة أهل الكتاب إلى الإسلام.
المقصد الثالث: يشرح بعض قوانين الإسلام.
المقصد الرابع: يتحدث عن دوافع التزام المؤمنين بالتعاليم الدينية.
الخاتمة تعبر عن بيان وتقديم الذين قبلوا الدين.[56]
العلامة الطباطبائي عن موضوع سورة البقرة يقول:
(قبول عبودية الله يستلزم أن يؤمن المؤمن بكلامه الذي يُبلغ به الأنبياء، وألا يفرق بين الأنبياء.)[57]
سعيد حوي يكتب:
سورة البقرة تحتوي على مقدمة، ثلاثة أجزاء وخاتمة. في المقدمة التي تشمل العشرين آية الأولى من السورة، يُذكر ثلاث مجموعات من الناس؛ وهم المتقون، الكافرون والمنافقون.
في الجزء الأول؛ من الآية 21 إلى 167، محور النقاش هو دعوة الناس إلى التقوى.
في الجزء الثاني الذي يبدأ من الآية 168 وينتهي بالآية 207، تُناقش التقوى، شروطها وأركانها.
الجزء الثالث، أي الآيات من 208 إلى 284، يتولى بيان القوانين الإسلامية.
الخاتمة التي تتكون من الآيتين الأخيرتين من السورة، هي ملخص لجميع موضوعات السورة.[58]
لذلك، لا يزال تحديد الموضوع المحوري لكل سورة بحاجة إلى بحث ودراسة، ولا يزال هناك من يشكك في صحة هذا الرأي[59] أو مثل أمين الخولي وعفت الشرقاوي ينكرانه.[60]
العلاقة والتوافق بين التعبيرات المتفرقة في القرآن حول موضوع واحد
الاكتشاف الثالث، من تماسك المعارف القرآنية التي تُعتبر حقيقة لا جدال فيها في الأوساط البحثية، هو وحدة المواضيع المرتبطة بموضوع معين. كما يتضح، فإن أسلوب التعبير في القرآن هو بطريقة تجعل موضوعًا ما يُطرح مرارًا وتكرارًا بشكل متفرق في سور مختلفة وفي مناسبات متعددة ومن زوايا مختلفة. بحيث قد لا يُرى ارتباط بينها من النظرة السطحية، في حين أن هذه التعبيرات المتفرقة حول موضوع واحد، ليست فقط مترابطة ارتباطًا قويًا بل تكمل وتوضح بعضها البعض أيضًا.
وهذا الباحث المتمكن هو الذي يستطيع بسهولة أن يعرض من هذه الأجزاء الظاهرة متباعدة، وحدات منظمة.
المفسرون المسلمون، بل والباحثون غير المسلمون أيضًا، وجدوا محتوى القرآن عبارة عن مواد مجزأة وفي الوقت نفسه متماسكة ومتصلة تحتاج إلى البحث وجمع جديد.
(بوكاي) من باحثي القرآن غير المسلمين يكتب:
(يجب استرجاع وجهة نظر القرآن في كل مجال بجمع الآيات المتعلقة به من جميع أنحاء القرآن)[61]
المستشرقون أبدوا اهتمامًا بتفسير القرآن موضوعيًا منذ عام 1837م، وقد نشر المستشرق الهولندي (فت) بحثًا في خمسة أجزاء بعنوان: (محمد والقرآن) في المجلة الهولندية (والدليل) عام 1845م.[62]
اتساع موضوعات القرآن في نظر مفسري القرن الرابع عشر الهجري
لم يكن دهشة الباحثين في مجال المعارف القرآنية في القرن الرابع عشر فقط لأنهم رأوا مواد القرآن منظمة في إطار موضوعات كثيرة بشكل غير مرئي، بل إلى جانب ذلك كان شمولية القرآن وآفاق موضوعاته الواسعة تبدو لهم معجزة.
إلى جانب الباحثين المسلمين، اعترف باحثون مثل (بوكاي) بأن أكثر وجهات النظر العلمية ثباتًا هي وجهات نظر القرآن، وأن هذا الكتاب السماوي قد طرح مسائل حول خلق النجوم، الأرض، طبقة الحيوان، طبقة النبات وتكاثر البشر، لا يُرى فيها أي أثر للخطأ.[63]
اكتشف العلماء في هذا القرن أن القرآن له وجهات نظر في فروع مختلفة من العلوم الطبيعية، وفي مجالات العلوم الإنسانية المختلفة، علم النفس، التشريع، علم الاجتماع، العقائد، الاقتصاد، النظام التربوي، وغيرها، يقول الكلمة الفصل.[64]
وهكذا، تم قبول شمولية القرآن على هذا النحو،[65] مع إضافة هذا البيان:
(إذا تحدث القرآن عن الظواهر الجوية والمسائل البيولوجية والحيوية، فهو يختلف عن نظر عالم أحياء، فالقرآن يريد من كل ذلك أن يقدم للبشر نتيجة توحيدية وروحية.)[66]
المفسرون بنظرة كهذه للقرآن، بذلوا جهدًا في التفسير الموضوعي، وباعتقادهم هذا بحثوا في موضوعات مختلفة من العلوم الإنسانية والطبيعية، حتى أن كتبًا مثل (دستور الأخلاق في القرآن)، (من علم الطب القرآني)، (علم النفس في القرآن)، (الريح والمطر في القرآن)، (العدالة الاجتماعية في الإسلام) وعشرات الكتب الأخرى كتبت، وتم دراسة مئات الموضوعات العلمية من وجهة نظر القرآن.
شروط التفسير الموضوعي
المفسرون وباحثو القرآن في القرن الرابع عشر، بالإضافة إلى الشروط العامة التي اعتبروها ضرورية لعمل تفسير القرآن، أكدوا على شروط خاصة فيما يتعلق بالتفسير الموضوعي.
الشروط العامة للتفسير
نظرًا لأن شرح هذه الشروط يبعد النص عن موضوع البحث الرئيسي، يكتفى بذكر قائمة هذه الشروط.
- طهارة الروح والاستعداد والشوق الروحي لفهم معارف الوحي.[67]
- الإلمام بالقواعد النحوية والأسس اللغوية والدقائق الأدبية والتعبيرية للغة العربية.[68]
- الإلمام بتاريخ الإسلام وأسباب النزول.[69]
- الإلمام بالتفسير وآراء المفسرين.[70]
- الإلمام بالأحاديث والسنة النبوية(ص) وأهل البيت(ع) وربطها بآيات القرآن.[71]
- الاهتمام بالسياق الخاص وملاءمة ومكانة الآية، وعلاقتها بالآيات التي قبلها وبعدها.[72]
النظرة النظامية لمفاهيم القرآن، شرط التفسير الموضوعي
معرفة السياق العام والانتباه إلى الترابط النظامي بين آية وأخرى في نفس الموضوع، وكذلك الموضوعات المتقاربة والمماثلة، من الشروط الخاصة للتفسير الموضوعي، حتى يمكن القول:
النظر إلى القرآن كله، هو أحد المبادئ الأساسية للمفسرين الموضوعيين في العصر الحديث.[73]
يكتب محمد عبده في هذا الصدد:
(قيل إن بعض آيات القرآن تفسر بعضها، وأفضل دليل على صحة معنى اللفظ هو توافقه مع سياق الكلام وملاءمته لهدف القرآن.)[74]
يقول الأستاذ ناصر مكارم:
(كل أجزاء الوجود تشكل وحدة مترابطة، والطريقة الصحيحة لدراستها هي أن ندرسها جميعًا في ارتباطها ببعضها البعض.
وفي كتاب التدوين؛ أي القرآن المجيد، الأمر نفسه، فهناك علاقات دقيقة ورقيقة بين جميع الموضوعات القرآنية ويجب تفسيرها في ارتباطها ببعضها البعض.)[75]
يكتب الأستاذ جوادي آملي:
(القرآن كله مثاني؛ أي متصل ومتفاعل، ويُضيء بعضها بعضًا، ويتكئ بعضها على بعض، ويلجأ بعضها إلى بعض، وهذا دليل على إتمام القرآن.)[76]
وقد استقى العلامة طباطبائي،[77] والأستاذ جوادي آملي[78] وعدنان شريف[79] جذور هذا المنهج من القرآن نفسه، حيث قال:
(اللّه نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربّهم)
الزمر / 23
لأن صفة المثاني للقرآن تعني أن العلاقة بين آياته من نوع العلاقة والرقابة المتبادلة.
يكتب العلامة طباطبائي:
(إن من عجائب القرآن أن آية من آياته لا يمكن أن ترشد إلى معنى أو تستخلص معنى بمفردها. كلما أُضيفت آية إلى آية مناسبة، تقدم حقيقة جديدة من الحقائق، ثم تؤكد الآية الثالثة تلك الحقيقة (المكتشفة) وتشهد لها. هذا من خصائص القرآن وسماته… هذا طريق لا يسلكه أحد. لو سار المفسرون على هذا الطريق، لكانت ينابيع القرآن الصافية وكنوزه العظيمة أكثر من الآن وأيسر وصولاً إلينا.)[80]
وعلى هذا الأساس، فإن النظر مع التفكر في كل القرآن له أهمية خاصة لدى الباحثين الموضوعيين، وتجاهل أو التقليل من قيمة السياق العام يقلل بشدة من قيمة عملهم.
التعرف العلمي على الموضوع، الشرط الثاني للتفسير الموضوعي
في نظر الشهيد الصدر، يبدأ التحرك التفسيري في الدراسات الموضوعية للقرآن من واقع حياة الإنسان والحقائق الفكرية الموجودة فيه، وليس باختيار موضوع من القرآن وآياته المرتبطة به:
(يبدأ التفسير الموضوعي عمله بالتعرف واكتساب نتاج التجربة الفكرية البشرية وفهم أفكارها ومحتواها، ثم يتوجه إلى القرآن. وليس بهدف فرض التجربة البشرية على القرآن، أو توفير دوافع الخضوع والانقياد للقرآن أمام العلوم البشرية! بل الهدف هو وضع التجربة البشرية مع آيات القرآن في سياق بحثي، ليظهر رأي القرآن بوضوح تجاه الموضوع الذي اختبره الإنسان.)[81]
(رسالة التفسير الموضوعي في كل مرحلة وفي كل عصر هي أن يحمل كل التراث الثقافي البشري والأفكار والمفاهيم التي تعلمها المفسر معه، ويضعها أمام القرآن ليحكم القرآن على مجموع هذه المكتسبات البشرية.)[82]
وبذلك، يكون القرآن مرجعاً ويُبدِي رأيه في التجربة البشرية، ومع تزايد التجارب البشرية إلى ما لا نهاية، يستمر تعبير القرآن عن رأيه إلى ما لا نهاية. وبناءً على التجربة الإنسانية، يصبح الإثراء والخصوبة والفهم الصحيح للقرآن ممكنًا.)[83]
فئة أخرى من المفسرين لم ترغب في إدخال التعرف العلمي على الموضوع والمعرفة بالعلوم البشرية والتجريبية في فهم القرآن إلى هذا الحد، لكنها أكدت على قيمته وكتبت:
(لكن هذا المعنى (غنى محتوى القرآن وعدم حاجته إلى غيره) لا يعني أن يتعامل الإنسان مع القرآن بجهل، ويتجاهل ما اكتسبه من علوم ومعارف، ويقف أمام هذا الكتاب الإلهي كفرد بسيط غير متعلم، لأن هناك فرقًا بين الفرض والاحتمال… كلما استفاد الإنسان في مدرسة الخلق من آيات كتاب الله التكويني، ازداد وعيه، زادت قدرته على احتمال آيات الكتاب المنظوم.)[84]
من بين العلماء السنة، توجه بعضهم مثل مؤلف (منهجيّة البحث في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم)[85] ومؤلف (دستور الأخلاق في القرآن) إلى هذا الاتجاه.[86]
عدم تدخل الذهنيات، الشرط الثالث للتفسير الموضوعي
كل من سعى بصدق إلى الوصول إلى رؤية القرآن في المجالات العقائدية والاجتماعية والعلمية، اشتكى من الانحرافات والنظرات المتعصبة والأحكام المسبقة. وعلى هذا الأساس، اعتبروا إزالة الميول والارتباطات التصورية ضرورية للمفسرين الموضوعيين، حتى لا تتلوث نتائجهم بغبار التفسير بالرأي والميول الدينية والفلسفية والاجتماعية، والارتباط بالمذاهب البشرية، والمعرفة الطبيعية، والأفكار والأهداف المرحلية.[87]
الاستفادة الصحيحة من روايات أهل البيت(ع) في التفسير الموضوعي
السعي لفهم المعارف الموضوعية من القرآن، إلى جانب كل الأعمال القيمة والآفاق المضيئة، له ممرات خطرة، منها الانزلاق في التفسير بالرأي الذي ذكرناه، ومن ذلك أيضاً الغربة عن معارف أهل البيت النقية التي سنشير إليها الآن.
التمحيص والتدقيق في نصوص الآيات والسور القرآنية واستخلاص نقاط جديدة وجذابة منها، قد يثير الاعتقاد بعدم الحاجة إلى التدبر في السنة وروايات النبي وأهل البيت! لكن الحقيقة أن شرعية هذا التحرك التفسيري يجب أن نتعلمها من المفسرين الحقيقيين، وهم النبي وعترته. وقد أكد بعض العلماء على هذه النقطة، واعتبروا مساواة وتوافق الفهم التفسيري الموضوعي مع معارف أهل البيت أمراً ضرورياً ومصدر ثقة.[88]
[1] . من هذه الأنواع التعريفات التي وردت في الكتب التالية: مصطفى مسلم، مباحث التفسير الموضوعي / 16؛ مكارم شيرازي (پیام قرآن، مدرسه أمیرالمؤمنین، 1367) 1/ 20؛ بيومي، محمد رجب، التفسير القرآني (مصر، المؤسسة العربية الحديثة) / 91؛ رومي، محمد بن عبدالرحمن، بحوث في أصول التفسير ومناهجه (مکتبة التوبة ، 1413) / 62.
[2] زاهر عواض، دراسات في التفسير الموضوعي /7 نقلًا عن: مباحث في التفسير الموضوعي / 16.
[3] . صدر، محمد باقر، المدرسة القرآنية /23.
[4] مصطفى مسلم، مباحث في التفسير الموضوعي / 16 و 17؛ صدر، محمد باقر، المدرسة القرآنية / 17.
[5] صدر، محمد باقر، المدرسة القرآنية / 17.
[6] جوادي آملي، تفسير موضوعي قرآن مجيد (مرکز فرهنگى رجاء، 365 ) 1/ 15.
[7] جوادي آملي، تفسير موضوعي قرآن مجيد (مرکز فرهنگى رجاء، 365 ) 1/ 15.
[8] شهرستاني، سيد هبة الدين، تنزيه التنزيل، نقلًا عن: خرمشاهي، بهاء الدين، قرآنيات (نشر مشرق، طهران) / 323.
[9] نهج البلاغة، الخطبة 133.
[10] صدر، محمد باقر، المدرسة القرآنية / 30.
[11] العمري، أحمد جمال، دراسات في التفسير الموضوعي للقصص القرآني (مصر، مکتبة الخانجى، 1406) / 50.
[12] صدر، محمد باقر، المدرسة القرآنية / 34.
[13] دغامين، زياد خليل محمد، منهجية البحث في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (عمان، دارالبشیر، 1416) / 17 ـ 18.
[14] المرجع نفسه / 19.
[15] رومي، محمد بن عبدالرحمن، بحوث في أصول التفسير ومناهجه / 62.
[16] دغامين، زياد خليل محمد، منهجية البحث في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم / 106؛ رومي، محمد بن عبدالرحمن، مباحث في التفسير الموضوعي / 57.
[17] جوادي آملي، تفسير موضوعي قرآن مجيد، 1/ 36؛ ناصر مكارم، رسالة القرآن، 1/ 22؛ بوكاي، مقارنة بين التوراة والإنجيل والقرآن والعلم، ترجمة دبير، (دفتر نشر فرهنگ إسلامي)/ 269؛ سبحاني، مفاهيم القرآن؛ شرقوي، عفت، قضايا إنسانية في أعمال المفسرين (دارالنهضة العربیة، بیروت، 1980) / 7.
[18] دغامين، زياد خليل محمد، منهجية البحث في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم / 19؛ سبحاني، جعفر، مفاهيم القرآن (قم، انتشارات توحید، 1404) 1/ 16.
[19] شرقوي، عفت، قضايا إنسانية في أعمال المفسرين (بیروت، دارالنهضة، 1980) 81/ 82؛ صدر محمد باقر، المدرسة القرآنية / 37.
[20] أجنتس جولد تسهير، مذاهب التفسير الإسلامي، ترجمة عبدالحليم نجار (مصر، مکتبة خانجى، 1314 هـ) / 4.
[21] طباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن (مؤسسة مطبوعاتي إسماعيليان) 1/ 40.
[22] طباطبائي، محمد حسين، الميزان، ترجمة محمد باقر همداني موسوي، (دفتر إصدارات إسلامي) 10/ 203.
[23] رشيد رضا، المنار (بيروت، دار المعرفة) 1/ 36.
[24] جوادي آملي، عبد الله، تفسير موضوعي قرآن مجيد، 1/ 41.
[25] بوطي، محمد سعيد رمضان، روائع القرآن (دمشق، مكتبة فارابي) / 165.
[26] رشيد رضا، الوحي المحمدي، ترجمة محمد علي خليلي (تهران، بنیاد علوم اسلامى، 1361)؛ رشيد رضا، المنار، 11/ 206 ـ 293.
[27] مصباح يزدي، محمد تقى، معارف قرآن (قم، دفتر انتشارات اسلامى، 1374) / 5 ـ 20.
[28] مصطفى مسلم، مباحث في التفسير الموضوعي/ 22.
[29] رشيد رضا، المنار 288 ـ 289.
[30] سعيد حوي، الأساس في التفسير (مصر، دارالاسلام، 1412) 1/ .
[31] المرجع نفسه، 1/ 61.
[32] المرجع نفسه، 11/ 6770.
[33] المرجع نفسه، 2/ 685.
[34] المرجع نفسه، 3/ 1295.
[35] المرجع نفسه، 3/ 1557.
[36] المرجع نفسه، 4/ 3518.
[37] المرجع نفسه، 4/ 2101.
[38] المرجع نفسه، 5/ 2413.
[39] المرجع نفسه، 5/ 2525.
[40] المرجع نفسه، 8/ 4163.
[41] المرجع نفسه، 11/ 6760.
[42] إيزوتسو في تعريف الدلالة اللغوية يكتب: (الدلالة اللغوية كما أفهمها هي بحث وتحليل تحليلي للكلمات المفتاحية في اللغة بهدف التعرف في النهاية على النظرة الكونية لشعب يستخدم تلك اللغة ليس فقط كوسيلة للتحدث والتفكير بل والأهم كوسيلة لتصور وتفسير العالم الذي يحيط بذلك الشعب). توشيهيكو إيزوتسو، الله والإنسان في القرآن، ترجمة أحمد آرام (شرکت سهامى انتشار، تهـران، 1361) /4.
[43] المرجع نفسه / 4.
[44] المرجع نفسه / 5.
[45] المرجع نفسه / 51 ـ 52.
[46] دغامين، زياد خليل محمد، منهجية البحث في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم/ 98.
[47] المرجع نفسه/ 99.
[48] المرجع نفسه/ 100.
[49] المرجع نفسه/ 102.
[50] طباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، 1/ 16 و 15/ 78.
[51] عبد الله محمود شحاتة، مدخل إلى البحث في أهداف ومقاصد سور القرآن، ترجمة محمد باقر حجتي (دفتر نشر فرهنگ اسلام، 1369) / 27.
[52] حوي، سعيد، الأساس في التفسير، 2/ 687.
[53] دراز، محمد عبد الله، النبأ العظيم (الكويت، دار القلم) / 142.
[54] حوي، سعيد، الأساس في التفسير، 2/ 977 و 980 و 1270.
[55] التفسير الموضوعي للقرآن الكريم ـ تفسير سورة النساء (مصر ، مکتبة وهب، 1400) / 3 و 10؛ سيد قطب، في ظلال القرآن (دار احیاء التراث العربى، بیروت، 1391 ) 2/ 205.
[56] دراز، محمد عبد الله، النبأ العظيم / 163.
[57] طباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، 1/ 43 و 2/ 440.
[58] حوي، سعيد، الأساس في التفسير، 1/ 61 و 1/ 673.
[59] منهجية البحث في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم / 120.
[60] المرجع نفسه / 111.
[61] بوكاي، مقارنة بين التوراة والإنجيل والقرآن والعلم، ترجمة مهندس دبير / 253 و 269.
[62] الصغير، محمد حسين علي، المستشرقون والدراسات القرآنية (مکتب الاعلام الاسلامى، 1413 هـ)/ 72.
[63] بوكاي، مقارنة بين التوراة والإنجيل والقرآن والعلم، ترجمة مهندس دبير (دفتر نشر فرهنگ إسلامي) / 73.
[64] عدنان شريف، من علم الطب القرآني (بيروت، دار العلم للملايين) / 10.
[65] . جوادي آملي، عبد الله، تفسير موضوعي قرآن مجيد، 1/ 73.
[66] الشهيد المطهري، التعرف على القرآن، ( صدرا، 1372) 4/ 197.
[67] عدنان شريف، من علم الطب القرآني / 24؛ جوادي آملي، تفسير موضوعي قرآن مجيد.
[68] قاسمي، جمال الدين، محاسن التأويل (دارالفکر، بیروت، ط 2 1398) 1/ 325.
[69] سبحاني، جعفر، منشور جاويد القرآن (کتابخانه عمومى امام أمیرالمؤمنین، 1360) 3/303؛ رومي، محمد بن عبدالرحمن، اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر، 3/ 891؛ دغامين، زياد خليل محمد، منهجية البحث في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم / 43.
[70] مصطفى مسلم، مباحث في التفسير الموضوعي / 53.
[71] جوادي آملي، عبد الله، المرأة في مرآة الجلال والجمال (مرکز نشر فرهنگى رجاء، 1371) / 51.
[72] عائشة، عبد الرحمن، التفسير البياني للقرآن الكريم (دار المعارف، مصر، 1388) 1/7.
[73] رومي، فهد بن سليمان، منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير /231؛ التفسير البياني للقرآن الكريم، 1/ 7.
[74] المرجع نفسه /240.
[75] مكارم شيرازي، ناصر، رسالة القرآن، 1/ 19.
[76] جوادي آملي، عبد الله، تفسير موضوعي قرآن مجيد، 1/ 129.
[77] طباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن 1/ 3 ـ 12 ، 12 / 190.
[78] جوادي آملي، عبد الله، تفسير موضوعي قرآن مجيد، 1/ 29.
[79] عدنان الشريف، من علم الطب القرآني / 24.
[80] طباطبائي، محمد حسين، الميزان، 2/ 314.
[81] صدر، محمد باقر، المدرسة القرآنية، 25 و 28.
[82] المرجع نفسه / 22.
[83] المرجع نفسه / 22 ـ 24.
[84] جوادي آملي، عبد الله، تفسير موضوعي قرآن مجيد، 1/ 74.
[85] دغامين، زياد خليل محمد، منهجية البحث في التفسير الموضوعي / 44.
[86] دراز، محمد عبد الله، دستور الأخلاق في القرآن / 17.
[87] دغامين، زياد خليل محمد، منهجية البحث في التفسير الموضوعي / 44؛ حكيم، محمد باقر، علوم القرآن / 83؛ صغير، محمد حسين علي، دراسات قرآنية / 36؛ دراز، محمد عبد الله، دستور الأخلاق في القرآن / 18.
[88] جوادي آملي، عبد الله، المرأة في مرآة الجلال والجمال / 52.

