ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: سنتمندی تاریخ در قرآن از منظر شهید صدر (دیدگاههای قرآنی و نوآوریهای شهید صدر در فلسفۀ نظری تاریخ) ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
المؤلف: جواد سلیمانی
المصدر: تاریخ اسلام درآینه پژوهش، السنة السابعة، العدد الأول، المتسلسل ٢٥، ربيع ١٣٨٩
الملخص
إن اتساع نطاق التاريخ وعدم الإحاطة به، واستحالة اختبار النظريات التاريخية كما هو ممكن في العلوم التجريبية، وقابلية الخطأ الخاصة بالبيانات التاريخية، جعلت عملية إثبات القوانين واستخلاص السنن الحاكمة على التاريخ من خلال الدراسات التاريخية والاجتماعية أمراً بالغ الصعوبة؛ إلى درجة أن العديد من نظريات مدعي اكتشاف قوانين التاريخ تُبطل بعد فترة من الزمن. في مثل هذه الظروف، يمكن أن يكون الاستعانة بتعاليم الوحي المعصوم طريقاً مفتوحاً لا تستطيع العلوم تحقيقه.
في هذا المقال، تم عرض وجهات النظر والاستنباطات القرآنية للشهيد الصدر ـ قدس سره ـ حول أصل سنن التاريخ وبعض السنن الحاكمة عليه بشكل موجز ومنظم ومتسق. استنبط الشهيد الصدر في بعض مجالات فلسفة التاريخ آراءً جديدة من القرآن الكريم تستحق الاهتمام والدراسة.
المقدمة
تنقسم فلسفة التاريخ إلى قسمين: فلسفة نظرية وتاريخ علمي؛ موضوع فلسفة التاريخ النظرية هو الأحداث والوقائع التي تحققت في تاريخ البشرية، أما فلسفة علم التاريخ فتتحدث عن البيانات، الوثائق والآثار المتبقية من التاريخ، وتبحث في منهج البحث في التاريخ، ومدى واقعية البيانات التاريخية وصحتها. اهتم الشهيد الصدر في كتابه القيم “السنن الاجتماعية وفلسفة التاريخ في مدرسة القرآن”[1] بفلسفة التاريخ النظرية، وليس بفلسفة علم التاريخ. ومن وجهة نظر الشهيد الصدر، تعود أهم الأسئلة في فلسفة التاريخ إلى ستة أسئلة أساسية هي:
١. هل للتاريخ البشري سنن من منظور المفاهيم القرآنية؟
٢. هل للتاريخ البشري قوانين تحكم مسار حركته وتطوره؟
٣. كيف بدأ التاريخ البشري؟
٤. كيف تم نمو وتطور هذا التاريخ؟
٥. ما هي العوامل الرئيسية لنظرية التاريخ؟
٦. ما هو دور الإنسان في صنع التاريخ؟[2]
يحاول في هذا الكتاب أن يجيب على هذه الأسئلة استناداً إلى القرآن الكريم إجابات مناسبة.
١. إمكانية استخراج السنن التاريخية من القرآن
يطرح الشهيد الصدر قبل الإجابة على السؤال الأول إشكالية أساسية مفادها أن القرآن كتاب هداية وإرشاد، وليس كتاباً علمياً أكاديمياً نتوقع منه اكتشاف قوانين علمية. لذلك، فإن توقع اكتشاف قوانين علمية من القرآن غير مبرر.
ويقول في رفع هذه الإشكالية إن هناك فرقاً أساسياً وجوهرياً بين مشهد التاريخ وغيره من مشاهد الطبيعة والوجود؛ فمشهد التاريخ هو مشهد التحول والتغير في المجتمعات، ورسالة القرآن ككتاب هداية وإرشاد هي تحويل البشر. لذلك، يمكن استخراج القوانين الحاكمة على تحولات وتغير المجتمعات من داخل كتاب رسالته تحويل المجتمعات البشرية. والتحول هو موضوع يعبّر عنه القرآن بعبارة «إخراج الناس من الظلمات إلى النور».[3]
الهداية والتحول في القرآن
من وجهة نظر الشهيد الصدر، القرآن كتاب التحول، وقد أرسل الله الأنبياء للتحول. والهدف من التحول هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وهو ما أشار إليه الشهيد الصدر في الصفحة ٧٦ من كتاب السنن الاجتماعية في مدرسة القرآن. الآيات التالية تعبر عن هذا المعنى:
ـ كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَي النُّورِ (ابراهیم: ١)
ـ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَي النُّورِ (ابراهیم: ۵)
ـ هُوَ الَّذي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَ مَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ (احزاب: ۴٣)
ـ هُوَ الَّذي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ (حدید: ٩)
ـ لِيُخْرِجَ الَّذينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّور (طلاق: ١١)
أبعاد التحول في القرآن
يرى الشهيد الصدر أن التحول وإحداث التغيير الجذري في المجتمع في القرآن الكريم له بُعدين:
أ: … الأوامر، الطرق والقوانين التي تمهد لعمل التغيير والتحول في المجتمع. هذا البُعد من التحول هو البُعد الإلهي والسماوي للتحول الذي يظهر في قالب «الدين والمذهب» ويرسله الله إلى نبيه، ومع نزوله يدعو لمواجهة ومجابهة كل السنن والقوانين المادية للتاريخ؛ لأن هذا الدين والمذهب أكبر وأسمى وأعلى من الظروف التي نزل فيها، والبيئة والمجتمع الذي وُجد فيه، والشخص المكلف بتحمل المشقات والصعوبات في تبليغه.[4]
ب. العمل على التغيير والتحول في قالب إجراء عملي من قِبَل مجموعة من الناس تتألف من «النبي(ره) والصحابة والرفاق» لذلك النبي؛ يجب أن يُدرس هذا الجزء من التغيير والتحول في قالب إجراء عملي في مواجهة موجات اجتماعية متنوعة وفي خضم أنواع من الصراعات والمنافسات والمعارك الأيديولوجية والاجتماعية والسياسية والعسكرية. في مثل هذا المنظور، نجد النبي ورفاقه وصحابته كناس مثل غيرهم من الناس، حيث تسود عليهم وتغلب عليهم السنن التاريخية السائدة على باقي الجماعات والفئات والجماهير عبر الزمن.[5]
العلاقة وخصائص أبعاد التحول
لذا، فإن التغيير والتحول الذي أحدثه القرآن، والذي كان النبي(ره) هو العامل والمنشأ له، له جانبان: أ: الجانب الإلهي الذي هو فوق التاريخ؛ ب: الجانب التاريخي الذي هو جهد وبذل بشري من قِبَل مجموعة من المجتمع، في مواجهة جهود وبذل مجموعات أخرى؛ السنن التاريخية والقوانين والضوابط التي وضعها الله تعالى لتنظيم الظواهر والرموز الكونية في الساحة المعروفة بالتاريخ هي الحاكمة على هذا الجانب. من هنا، عندما يطرح القرآن الكريم البعد الثاني للتغيير والتحول الاجتماعي، يتحدث عن الأفراد والأشخاص، لا عن الرسالة السماوية؛ يتحدث عن بشر بخصائص إنسانية وبشرية، خاضعين لنفس القوانين التي تحكم المجتمعات الأخرى».[6]
يبدو أن المقصود من قِبَل الشهيد صدر بـ«الرسالة السماوية» هو البعد الأول للتحول، أي الطرق والبرامج والأساليب للتحول. وربما هناك عنصر ثالث وهو النوايا والأهداف الإلهية التي يسعى الله لتحقيقها في سياق التاريخ. والقرآن هو برنامج ذلك التحول السماوي والأنبياء هم المنفذون له. لذلك، يمكن للقرآن أن يكون كتابًا يُستخلص منه فلسفة التاريخ.[7]
٢. العلاقة بين الرسالة السماوية والسنن التاريخية
سبق وذكر أن المقصود من قِبَل الشهيد صدر بالرسالة السماوية هو المذهب والدين، وهو أحد الركنين الرئيسيين للتحول، والديانات والكتب السماوية من بينها القرآن الكريم تتولى بيان ذلك. الآن يُطرح السؤال: ما هي العلاقة بين الرسالة السماوية والسنن التاريخية؟ هل الرسالة السماوية مثل أصحابها ومنفذي الدين خاضعة للسنن التاريخية وأحيانًا تُهزم على يد المعارضين وتُهزم؟ أم أنها دائمًا منتصرة وغالبة؟ يجيب الشهيد صدر عن هذا السؤال قائلاً:
عندما يريد القرآن الكريم أن يتحدث عن هزيمة المسلمين في غزوة أحد ـ الهزيمة التي وقعت بعد تحقيق النصر العظيم والحاسم في غزوة بدر ـ كيف يعرض هذه الخسارة والهزيمة؟ هل يقول إن الرسالة السماوية بعد النصر والنجاح في غزوة بدر تعرضت للهزيمة والإخفاق في غزوة أحد؟ لا؛ لأن الرسالة السماوية أسمى وأعلى من مقاييس ومعايير الهزيمة والنصر بالمفهوم المادي للكلمة. الرسالة السماوية لا تهزم ولن تهزم أبدًا؛ الذي يُهزم ويقع في الخسران والهزيمة هو الإنسان؛ حتى لو كان هذا الإنسان هو تجسيد الرسالة السماوية؛ لأن هذا الإنسان خاضع لحكم وسيطرة السنن والقوانين التاريخية.»[8]
لكن الرسالة السماوية فوق السنن التاريخية؛ لذلك، من وجهة هذا القول، لدينا في القرآن رسالة سماوية وهنالك السنن التاريخية التي تسيطر على الإنسان والتاريخ المادي، لكنها لا تسيطر على الرسالة السماوية. ربما يخسر بعض المسلمين بسبب الضعف؛ لكن الله يُتمم رسالته عبر جيل آخر.
٣. سيطرة السنن التاريخية على جميع البشر، سواء المؤمنين أو غير المؤمنين
الأمر الآخر الذي يؤكد عليه الشهيد صدر هو مسألة عمومية السنن التاريخية؛ فهو يرى أن السنن التاريخية موجودة لجميع الأفراد. على سبيل المثال، يُختبر جميع البشر وفقًا لسنة الابتلاء، أو أن الجميع سيصلون إلى تعاليم الأنبياء. استدلاله على هذه الحقيقة هو الاستشهاد بهذه الآية: «تُديرُ هذه الدهورُ الملكَ بين الناسِ تناوبًا». ( آل عمران: ١۴٠)
في هذا المقام، يبدأ بالحديث عنهم بوصفهم بشراً وناسًا، ويقول إن هذه القضية ترتبط ارتباطًا حتميًا بالسنن التاريخية؛ لأن المسلمين في غزوة بدر ـ حيث توفرت الشروط اللازمة والمنطقية للنصر وفقًا لنفس المعايير والمقاييس التي حددتها السنن التاريخية للنجاح ـ انتصروا. ومن ناحية أخرى، بعد تلك الغزوة، في غزوة أحد، حيث أُعدت الظروف بطريقة تجعلهم محكومين ومجبرين على الهزيمة وفقًا لقوانين ومعايير السنن التاريخية، هُزموا: «إن أصابكم في القتال ضررٌ فَقدْ أصابَ الذينَ كفروا ضررٌ مِثلُهُ، وتلكَ الأيامُ نُداولُها بينَ الناسِ». (آل عمران:١۴٠)[9]
يريد القرآن في هذا العرض أن يقول: فلا تظنوا أن الانتصار حق إلهي لكم أنتم المسلمون؛ بل الانتصار حق طبيعي لكم إلى حد معين وفي حال تمكنكم من توفير الشروط اللازمة والكافية له بناءً على ٧٩ منطق سنن التاريخ ـ وهي السنن التي وضعها الله تبارك وتعالى بشكل تكويني لا تشريعي[10] ـ وحيث إنه لم تتوفر لكم شروط الانتصار في غزوة أحد، فهُزِمتم.[11] بل إن القرآن يبيّن أفقًا أبعد، ويهدد هذه الجماعة البشرية، أي المسلمين، الذين كانوا أنقى وأنقى الجماعات في ميدان التاريخ، ويحمّلهم هذا الخطأ، بأنهم إذا لم يؤدوا واجبهم ورسالتهم، فلن تتوقف الرسالة السماوية؛ بل سيُستبدل بهم جماعة أخرى؛ لأن السنن التاريخية ستزيحهم وتُقيم جماعات أخرى قد وفرت شروطًا أفضل وأعلى لأداء دورها، أي الشروط اللازمة لتقديم صورة أمة شاهدة وحاضرة في الميدان. لذلك، فإن هذا «الاستبدال» والاستبدال حتمي وواجب التنفيذ إذا لم تتحقق لدى أمة الإسلام شروط «الأمة الشهيدة» الحتمية؛ كما يقول الله تعالى في القرآن الكريم: «إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ…» (توبه: ٣٩) و «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ …» (مائده: ۵۴).[12]
سنة عدم هزيمة الرسالة السماوية
يقول القرآن المجيد في هذا الشأن:
إن لم تخرجوا للجهاد يعذبكم الله عذابًا أليمًا ويستبدل قوما غيركم وأنتم لا تضرونه شيئًا والله على كل شيء قدير.(توبه: ٣٩)
يستفاد من هذه الآية الكريمة أن الرسالة السماوية التي يسعى الأنبياء لتحقيقها ليست خاضعة لتقلبات حظوظ الأمم. فإذا خانت الأمم قادتهم الدينيين والسماويين ولم تسلك طريق الحق والعدل وأظهرت ضعفًا في مواجهة الباطل، فإن الله سيستبدل بهم أمة أخرى تتابع رسالتهم وتناصر دين الله. كما ورد في آية أخرى:
يا أيها الذين آمنوا! من يرتد منكم عن دينه، سيأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، يكونون للذين آمنوا رؤوفًا رحيمًا، وللكفار شدادًا، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم. هذه نعمة من الله يؤتيها من يشاء والله واسع عليم.(مائده: ۵۴)[13]
بعد بيان هذا المعنى، وهو أن القرآن كتاب التغيير وأن التغيير والتحول في الجانب العملي يتم على يد بشر هم أنفسهم تحت سيطرة قوانين التاريخ، يشير الشهيد صدر إلى ضرورة رسم هذه القوانين لهداية البشر الذين ينوون التحول:
الجزء العملي من برنامج التغيير والتحول (الخروج من الظلمة إلى النور)، أي الجانب البشري الذي يجب أن يطبق هذا البرنامج في نفسه، خاضع ومطيع لسنن وقوانين التاريخ. لذلك، يجب أن يحتوي القرآن الكريم على إرشادات وتصويرات في هذا المجال لتحديد الإطار العام للنظرية القرآنية والإسلامية بشأن سنن التاريخ.[14]
أصل سنن التاريخ في القرآن
يشير القرآن إلى سنن التاريخ بطرق مختلفة. ومن الآيات التي تبين أصل سير السنن التاريخية بين الأمم السابقة، هذه الآية: «كان لكم في قصص السابقين عبرة. فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. فاطلعوا على أثرهم في الأرض، كيف كان عاقبة المكذبين».( آل عمران: ١٣٧)
تشدد هذه الآية على سير السنن وقوانين التاريخ، وعلى متابعة وبحث الأحداث والوقائع التاريخية لاكتشاف واستخلاص تلك السنن والقوانين، وأخذ العبرة منها.[15] وفي بعض الآيات ذُكرت أمثلة على السنن التي هي من قوانين الله الثابتة غير المتغيرة. «قد كذب الذين من قبلك فصبروا على ما أُوذوا حتى أتتهم نصرتنا. لا يبدل كلام الله». (انعام: ٣۴)
توضح هذه الآية للنبي صلى الله عليه وسلم أن هناك سنة وقانونًا جاريًا عليه كما كان على الأنبياء السابقين الذين اختلطت تجربتهم به وكانوا معرضين لتلك السنة والقانون، وأن النصر والنصرة والنجاح النهائي سيأتيهم قريبًا؛ لكن النصر والنصرة والنجاح النهائي له شروط مثل الصبر والثبات وعدم التراجع، وبما أن الطريق الوحيد للوصول إلى هذا النصر أو تحصيل هذه النصرة والنجاح هو الصبر والمقاومة، يقول: «فصبروا على ما كذبوا وأُوذوا حتى أتاهُم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله …» (انعام: ٣۴).[16]
يرى الشهيد صدر أن «الكلمة» في الآية المذكورة تدل على قانون وعلاقة وسنة لا تتغير. ومن ثم، يعتبر العلاقة بين الصبر والثبات في سبيل الدعوة الإلهية والنصرة والاتباع الإلهي مثالًا على السنة:
لذلك، لدى الله رسالة و«كلمة» لا تتغير ولا تتحول عبر التاريخ، وهذه الرسالة و«الكلمة» الثابتة هي العلاقة الراسخة والربط المباشر بين نصر وانتصار ونصرة الله وبين مجموعة من الشروط والوقائع، وقد تم شرحها في آيات متفرقة وجُمعت إجمالًا هنا.[17]
ثم يستشهد بالآيات التالية كنماذج وأمثلة على السُّنّة: «فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذيرٌ ما زادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً. اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَ مَكْرَ السَّيِّئِ وَ لا يَحيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الْأَوَّلينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْديلاً وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْويلاً» (فاطر: ۴٢ ـ ۴٣).
«وَ لَوْ قاتَلَكُمُ الَّذينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَ لا نَصيراً. سُنَّۀ اللَّهِ الَّتي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّۀ اللَّهِ تَبْديلاً…» (فتح: ٢٢ ـ ٢٣).[18]
تُبيّن هذه الآيات صراحةً مبدأ قانونية التاريخ.
القرآن وتحفيز اكتشاف قوانين التاريخ
يقول الشهيد صدر:
في دراسة القرآن المجيد، نواجه آيات أخرى تؤكد وتحث على البحث والدراسة والتفكير في الأحداث والوقائع التاريخية بهدف تحصيل نظرية قائمة على الاستقراء، وبهدف استخراج واكتشاف القوانين والسنن. الآيات التالية في هذا السياق: «أَ فَلَمْ يَسيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَۀ الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ لِلْكافِرينَ أَمْثالُها» (محمد: ١٠). «أَ فَلَمْ يَسيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَۀ الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ…» (یوسف: ١٠٩). «فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَۀ أَهْلَكْناها وَ هِيَ ظالِمَۀ فَهِيَ خاوِيَۀ عَلى عُرُوشِها وَ بِئْرٍ مُعَطَّلَۀ وَ قَصْرٍ مَشيدٍ أَ فَلَمْ يَسيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتي فِي الصُّدُورِ» (حج٢٢/ ۴۵ ـ ۴۶).[19]
«وَ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحيصٍ. إِنَّ في ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهيدٌ» (ق۵٠/ ٣٧ ـ ٣۶).
من مجموع هذه الآيات … يتضح أن القرآن يؤكد بطريقة جازمة أن ميدان التاريخ له قوانين وسنن وضوابط، تمامًا كما هي الحال في ميادين ومجالات أخرى من الكون التي لها طقوس وسنن خاصة بها.[20]
ريادة القرآن في التحذير من قانونية التاريخ والدعوة لاكتشاف سننه
من وجهة نظر الشهيد صدر، القرآن هو أول كتاب سماوي يحذر البشرية من سنن التاريخ ويحثها على اكتشافها، وما يدل على اهتمام الغرب بهذا الموضوع هو متأخر ومرهون بتأثره بالتحذيرات القرآنية. بعبارة أخرى، هذا المفهوم القرآني هو فتح عظيم من هذا الكتاب المقدس؛ لأن القرآن هو أول كتاب في عالم الثقافة والمعارف البشرية يؤكد على هذا المفهوم ـ أي قانونية وسنن التاريخ ـ ويصر على قطعيته وإطلاقه وشموليته، واستخدم كل الوسائل المقنعة والمفهّمة ليقف في وجه نظرية العشوائية في الأحداث التاريخية أو النظرية الإسلامية التي تؤسس تفسير الأحداث والوقائع التاريخية على عالم الغيب.[21]
وبعبارة الشهيد صدر، كان الإنسان العادي والبسيط يفسر الأحداث والوقائع التاريخية على أنها كتلة متراكمة قائمة على الصدفة والاحتمال، وأحيانًا يحللها بناءً على القضاء والقدر والاستسلام لأوامر الله تعالى؛ أما القرآن الكريم فيوقظ عقل الإنسان ويفتح تفكيره على أن ميدان التاريخ له سنن وقوانين، وأنك كإنسان لكي تكون فاعلًا وناجحًا ومؤثرًا، يجب أن تكتشف تلك السنن والقوانين … لكي تتمكن من السيطرة عليها، وإلا فستكون محكومًا لتلك السنن والقوانين…
هذا الفتح العظيم الذي يبيّنه القرآن الكريم هو ذاته الأساس الذي أيقظ فكر الإنسان، وبعد عدة قرون أدرك ضرورة فهم التاريخ بشكل علمي، وكان ذلك بعد مرور ثمانية قرون على نزول القرآن. وقد بدأ هذا الإدراك على يد المسلمين أنفسهم، حيث بذل ابن خلدون جهدًا في دراسة التاريخ واكتشاف سننه وقوانينه، وبعد ذلك بأربعة قرون على الأقل، توجه الفكر الأوروبي في بدايات ما يسمى بالنهضة إلى هذا الاتجاه، محاولًا الحصول على ذلك المفهوم القرآني الذي فشل المسلمون في الغوص في أعماقه.[22]
من منظور هذا الفيلسوف القرآني، التاريخ «هذا المفهوم القرآني استُوعبته المدارس الفكرية الغربية في أوائل عصر النهضة، وبدأت هناك مناقشات وأبحاث متنوعة ومختلفة حول معرفة التاريخ وفهم السنن والقوانين التاريخية. وبناءً على ذلك، نشأت توجهات أيديولوجية، مادية، ومتوسطة، وعدة مدارس فكرية أخرى، كل منها يسعى إلى تفسير وتحديد قوانين وسنن التاريخ. وربما يُعد المادية التاريخية أشهر هذه المدارس وأوسعها وأثرها في التاريخ ذاته. لذلك، فإن كل هذه الجهود البشرية هي في الحقيقة استمرار لنفس اليقظة التي أحدثها القرآن، وهذه العظمة والرفعة تخص القرآن حصراً لأنه طرح هذا النمط من التفكير لأول مرة في ميدان البصيرة والمعرفة البشرية.[23]
ضرورة الوعي بالسنن الإلهية
ربما يظن البعض أن معرفة السنن الإلهية الحاكمة للتاريخ ليست ضرورية؛ فهذه السنن سواء علمنا بها أم لم نعلم، وسواء أردنا ذلك أم لم نرده، فهي تجري في التاريخ، وعلمنا وجهلنا بها لا يؤثر في أفعالنا وسلوكنا ومصيرنا. لكن الشهيد صدر لم يقبل هذا التفكير، ويعتقد أن الوعي بالقوانين الحاكمة للتاريخ وعدم استثناءها يجعل الإنسان ينظم توقعاته وسلوكه بناءً عليها، ويصل إلى السعادة في مسار حياته، ولا تُهدر طاقته وقوته، ولا يطلب من الله ما هو توقع خاطئ ومخالف للقانون الحاكم للتاريخ. ومنذ بيان سنة العون الإلهي ونصر أهل الحق في حال الصبر والثبات على الشدائد يقول:
النصر ونصرة الله قريبان؛ لكن له طريق خاص (يريد القرآن أن يقول ذلك) لأن نصرة الله والنصر ليسا أمرًا يُعطى هبة، ولا يتحققان صدفة وعشوائية، وليسا ظاهرة عمياء بلا هدف. النصر ونصرة الله قريبان؛ لكن اهدِ إلى ذلك الطريق؛ وهو الطريق الذي يجب أن تعلم أن السنن والقوانين التاريخية تحكمه، ويجب أن تقبل أن منطق التاريخ يسير فيه. يجب أن تعرف وتؤمن بهذه الأمور لكي تتمكن من توفير نصر الله تعالى.
أحيانًا قد يكون الدواء قريبًا من المريض؛ لكن إذا لم يكن المريض على علم بالمعادلة العلمية التي تثبت أن هذا الدواء يقتل ميكروب مرضه ويزيله، فلن يستطيع تناول هذا الدواء مهما كان قريبًا منه. لذلك، فإن الوعي بالسنن والآداب التاريخية هو الذي يتيح للإنسان إمكانية النصر».[24]
تميّز قوانين التاريخ عن سائر العلوم من حيث الطرح في القرآن
من منظور الشهيد صدر «السنن والقوانين التاريخية تختلف عن قوانين الفيزياء والكيمياء والفلك وعلوم الحيوان والنبات؛ لأن هذه السنن والقوانين لا تدخل ضمن نطاق التأثير المباشر على سير التاريخ؛ أما تلك السنن والقوانين التاريخية فتؤثر مباشرة على عملية التغيير والتحول ـ في البعد الإنساني والبشري ـ. لذلك، لا بد أن نتوقع من القرآن أن يقدم في هذا الخصوص خطوطًا عامة ونظريات كلية».[25]
نطاق طرح قوانين التاريخ في القرآن
بعد بيان ضرورة رسم القوانين الحاكمة للتاريخ في القرآن من أجل تغيير المجتمع، يرى الشهيد صدر أن توقع كشف كل تفاصيل التاريخ وقوانينه أمر غير لائق:
ليس من اللائق أن نتوقع أن يتحول القرآن إلى كتاب دراسي في علم التاريخ والقوانين بحيث يحتوي على كل التفاصيل والحالات التفصيلية للتاريخ وقوانينه ـ حتى تلك التفاصيل والحالات التي لم يتدخل النبي(ره) في تطور وتحول المجتمع بشأنها ـ … فالقرآن في نطاق التغيير العملي للمجتمع يعبر عن رسائله المتعلقة بساحة التاريخ، ويبيّن السنن والقوانين التاريخية إلى الحد الذي يوضح الإجراءات العملية للنبي(ره) من أجل التغيير، وبالقدر الذي يبرر ويوجه ويخلق بصيرة ووعيًا مناسبًا للأحداث والظروف والأحوال».[26]
هذا الكلام يدل على أنه من وجهة نظر هذا العالم الكبير، لم تُذكر كل القوانين الحاكمة للتاريخ في القرآن؛ بل فقط القوانين التي يؤدي معرفتها إلى فهم عناصر الثورة في إجراءات النبي(ره) نحو التحول، وأن يعمل الناس أيضًا وفقًا لهذه القوانين في إصلاح المجتمعات. لذلك، فإن السنن والتواريخ المذكورة في القرآن تبرر حركة رسول الله(ره) وتشكل نورًا يهتدي به السائرون على دربه؛ لكنها لا تشكل كل السنن التاريخية، ولا يزال بإمكان الباحثين اكتشاف سنن أخرى.
السنن التاريخية في القرآن
بعد بيان إمكانية وضرورة طرح قوانين التاريخ في القرآن لهداية وإرشاد أهل الحق نحو الإصلاح الاجتماعي وخروج الناس من الظلمات إلى النور، أخذ الشهيد صدر أصل قانونية التاريخ من منظور القرآن كمسلّم به، وبدأ في بيان القوانين الحاكمة للتاريخ في القرآن. ويقدم ثلاث طرق للبيان في القرآن، ثم يشير إلى بعض السنن الحاكمة للتاريخ:
القرآن المجيد في آيات مختلفة، بلغات متعددة ومختلفة، يوضح ويجسد هذه الحقيقة بأن للتاريخ قوانين وسنن…
١. في بعض الآيات يأتي بصيغة عامة وشكل كلي، أي يشير إلى سنة تاريخية معينة بشكل عام.
٢. في بعضها الآخر يُطرح على مستوى عام، أي كمثال ونموذج.
٣. وفي المجموعة الثالثة من الآيات، يُحث على الاستقراء التاريخي والبحث والاستقصاء الاستقرائي للوصول إلى سنة تاريخية».[27]
في الظاهر، يسعى الشهيد صدر إلى بيان وتقديم أدلة على قانونية التاريخ من منظور القرآن؛ ولكن في الواقع، بعد شرح طريقة عرض السنن التاريخية في القرآن الكريم، يتناول شرح بعض السنن الإلهية الحاكمة على التاريخ بالطريقة الأولى والثانية.
أ) بيان السنة بشكل معين
يقدم الشهيد صدر بعض السنن التالية كمثال على بيان سنة معينة في القرآن.
١. «الأجل» العام لمجتمع
تخبر بعض آيات القرآن الكريم عن موت الأمم وتطرح واحدة من السنن الإلهية وهي هلاك الأمم؛ أي كما أن لكل إنسان عمر يبدأ وينتهي، فإن للجماعات عمرًا وبعد انتهاء عمرها تصاب بالموت. انظر إلى هاتين الآيتين:
ـ «لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ» (یونس: ۴٩).
ـ «وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ» (اعراف: ٣۴).
في هاتين الآيتين الكريمتين نلاحظ أن «الأجل» يُنسب إلى «الأمة»، أي إلى وجود جماعي لمجموعة من الناس وليس إلى فرد معين. لذلك، بجانب الأجل الفردي، وهو فترة زمنية محدودة وحتى فردية يمتلكها كل إنسان كفرد، هناك أجل وموعد آخر مرتبط بوجود جماعي للأفراد، وهذا الوجود الجماعي يشكل مجتمعًا يكون أفراده أمة واحدة قومية؛ يتواصلون ويتصلون ببعضهم البعض عبر علاقات وروابط قائمة على مبادئ وأهداف ناشئة من قواهم واستعداداتهم. يصف القرآن مجتمعًا بهذه الشروط والخصائص بـ«أمة»[28] ويعتبرها ذات حياة وموت وحركة[29].
بجانب الآيتين المذكورتين، هناك آيات أخرى تحمل نفس المعنى:
«وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَ لَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ» (حجر: ٣ـ ۴)؛ (لم نهلك أي مجتمع إلا وله سجل محدد. لا تسبق أمة أجلها ولا تتأخر).
ـ «مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ» (مؤمنون: ۴٣).
وبهذا، كما نرى، الفرد لأنه يتحرك ويتحلى بالحيوية فهو حي ثم يموت. والمجتمع والأمة أيضًا كيان حي ثم يصاب بالموت والهلاك، وكما أن موت الفرد يخضع لقانون وأجل وسنة معينة تأتي، فإن للأمم والمجتمعات آجال ومواعيد وفترات زمنية دقيقة ومحددة، وهناك قوانين وسنن تحدد أجل كل أمة أو مجتمع[30].
٢. سنة موت وحياة المجتمعات
عودة هذه السنة، كما يشير الشهيد صدر في النهاية، هي نفس سنة أجل المجتمعات؛ ولكن بما أن المؤلف طرحها بشكل منفصل، فإننا نستخدم نفس الطريقة:
أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وَيَظُنُّوا أَنَّمَا هُوَ جَائِزٌ أَجَلُهُ فَأَنَّىٰ لَهُ الْقَوْلُ بَعْدَ ذَٰلِكَ وَهُمْ يَصْدِقُونَ؟ (اعراف: ١٨۵)
ظاهر هذه الآية يشير إلى أجل وموعد وزمن متوقع أن يكون قريبًا أو يهدد الناس وينذرهم بأنه قريب ولا يفصل بينهم وبين وقوعه زمن طويل. هذا هو الأجل الاجتماعي والموعد والفترة الزمنية للمجتمع، وليس الأجل الفردي؛ لأن المجتمع لا يموت أفراده جميعًا في وقت واحد عادة، وهذا المجتمع بناءً على وجوده الروحي والكلي قد يقترب أجله. إذًا الأجل الاجتماعي هو حالة تصيب المجتمع ككل، وليس حالة فردية تصيب شخصًا أو فردًا معينًا. والدليل على ذلك أنه إذا نظرنا إلى الناس من منظور فردي ودرسناهم كأفراد، فإن أجل كل فرد يختلف عن الآخر؛ ولكن إذا نظرنا إليهم من منظور اجتماعي واعتبرناهم مجموعة واحدة مرتبطة ببعضها البعض في الظلم والعدل والفرح والحزن، فلن يكون إلا أجل واحد وفترة زمنية واحدة. هذا هو الأجل الاجتماعي والموعد المحتوم للمجتمع. وهكذا، فإن الآية الكريمة التي ذكرناها تقع من حيث الدلالة في سياق الآيات السابقة[31].
٣. سنة عقاب المجتمعات في الدنيا
يعتقد الشهيد صدر بالاستشهاد ببعض الآيات أن المجتمعات تعاقب في هذه الدنيا، وأن هذا العقاب لا يشمل فقط الظالمين، بل يشمل حتى الأبرياء.
رَبُّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۖ إِن يُؤَاخِذْهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ ۖ بَل لَّهُمْ مَوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا ۗ وَالَّذِينَ ظَلَمُواْ حَقَّتْ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ ۗ وَلَهُمْ مَوْعِدٌ لَّن يُخْلَفُواْ» (کهف: ۵٨ ـ ۵٩)[32]
أو يقول:
لَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّى ۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ» (فاطر: ۴۵)
يمكن الاستفادة من هذه الآية الكريمة أن التاريخ والمجتمع، بخلاف الأفراد، يستحقون العقاب بسبب أفعالهم السيئة. في مثل هذه الحالة، عندما ينزل العقاب الإلهي، يشمل المجتمع بأكمله[33].
القرآن الكريم في هاتين الآيتين تحدث عن أنه لو أراد الله تعالى أن يعاقب الناس بسبب الظلم والاعتداءات التي ارتكبوها وبسبب ما فعلوه من أعمال قبيحة ومكروهة، لما ترك على سطح الأرض أي كائن حي؛ أي أنه كان سيهلك الجميع ويدمرهم.
ثم يطرح سؤالاً مقدراً ويجيب عليه: «تصور هذا المفهوم القرآني الذي يستفاد من الآيات المذكورة قد يكون صعباً؛ لأن جميع الناس عادةً ليسوا ظالمين وجائرين. ومن بين هؤلاء الناس، يوجد الأنبياء والأئمة وخلفاؤهم الكرام. فهل يمكن تعميم الموضوع على الأنبياء والقادة العادلين الصالحين للمؤمنين، واعتبار تلك الشخصيات الرفيعة مشمولة بالهلاك والدمار؟».[34]
في جواب هذا السؤال، يقول الشهيد الصدر أولاً إن شمول هذه الآية أدى إلى أن بعضهم استشهد بهاتين الآيتين وانتقد أصل عصمة الأنبياء، ومن ثم أقرّ بالعذاب الأخروي للأنبياء.[35] لكنه يرى أن هذه الآيات تشير إلى العذاب الدنيوي للمجتمعات، وأن العذاب الدنيوي للمجتمعات، خلاف العذاب الأخروي، يشمل الأبرياء أيضاً كما صرّح القرآن الكريم، ولا يتعارض مع عصمة الأنبياء والأئمة عليهم السلام. وما يتعارض مع العصمة هو العذاب الفردي الأخروي الذي يتحقق فقط بسبب الذنب والعصيان. ولهذا يقول: «الحقيقة أن هاتين الآيتين تتحدثان عن العقاب الدنيوي لا عن العقاب والعقوبة في الآخرة».[36]
تفسير الشهيد الصدر حول شمول العذاب العام لجميع أفراد المجتمع في الآيتين الكريمتين (کهف: ۵٨ ـ ۵٩ و فاطر: ۴۵) هو كما يلي:
الكلام عن النتيجة الطبيعية والنتيجة الحتمية لنتائج أمة ومجتمع من خلال طريق الظلم والعصيان والطغيان، ففي مثل هذه الحالة، هذه النتيجة الطبيعية لا تصيب فقط مجموعة معينة من ذلك المجتمع أي الظالمين والجائرين، بل تشمل جميع الأفراد وأعضاء ذلك المجتمع، مع أن هوية كل منهم وطريقة سلوكهم وتصرفاتهم ليست متشابهة. نرى أنه حيثما أصابت أمة بني إسرائيل بسبب ظلمهم وطغيانهم وتمردهم، مصيبة التيه والضياع، لم تكن هذه المصيبة تقتصر على الظالمين والجائرين من بني إسرائيل فقط، بل شملت شخصية مثل موسى(عليه السلام) الذي كان أنقى وأنزه وأشجع الناس في مواجهة الظلم والطواغيت.[37]
ويواصل الشهيد الصدر مثلاً ابتلاء المجتمع الإسلامي بخليفة ظالم مثل يزيد بسبب الانحراف والضلال:
شخص مثل يزيد بن معاوية يتربع على عرش الخلافة والحكم، ويسيطر على دمائهم وأموالهم وأعراضهم وعقائدهم. هذه الفاجعة وهذه المصيبة لم تقع فقط على الظالمين والفاسدين من ذلك المجتمع، بل شملت حتى الإمام الحسين(عليه السلام) الذي كان أنقى وأفضل وأنزه وأسمى الناس. نعم، فاجعة حكم عنصر فاسد مثل يزيد وضعت الإمام المعصوم مثل الإمام الحسين(عليه السلام) في مأزق، وجعلت ذلك العظيم وأصحابه وأهله عرضة لتلك المجازر القاسية والوحشية.[38]
ثم يستشهد لصحّة قوله بآيتين أخريين من القرآن: «وفقاً لهذا المنطق وهذا السنّة، إذا أصاب المجتمع في الدنيا عذاب، فإن قانون وسنة التاريخ تقتضي أن هذا العذاب لا يشمل فقط الفاسدين والظالمين في ذلك المجتمع، بل يشمل جميع الطبقات، ولهذا يقول القرآن الكريم: فاحذروا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصةً واعلموا أن الله شديد العقاب.(انفال: ٢۵)
يقارن الشهيد الصدر هذه الآية بالآية الكريمة «لا يحملُ كلُّ نفسٍ إِلاّ وِزرَها»( فاطر: ١٨) ويستنتج أن العقاب الأخروي يقع دائماً على الفاعل المباشر للذنب، بينما العقاب الدنيوي يشمل نطاقاً أوسع ويؤثر على مستوى أوسع. وهكذا، فإن الآيتين الكريمتين اللتين ذُكرتا، الكهف: ٥٨-٥٩ والفاطر: ٤٥، تتحدثان عن سنن التاريخ لا عن العقاب والعذاب الأخروي أو العقاب وفق معايير يوم القيامة».[39]
٤. انهيار المجتمعات بسبب طرد الأنبياء
يعتقد الشهيد الصدر أن من السنن المحددة في القرآن، سنة انهيار المجتمعات بسبب طرد أنبياء الله. والمقصود بالانهيار هنا هو فقدان التماسك الاجتماعي لتلك المجتمعات. ولإثبات قوله يستشهد بالآية التالية: «كادوا يخرجونك من الأرض لتخرج من قبلهم، وما كانوا مؤمنين. وسنةَ ربك لم تَبدلْ.(اسراء: ٧٧ ـ ٧۶) ثم يشرح هذه السنة في الآية قائلاً:
يحاول أهل مكة إخراجك من هناك لتغادر تلك الديار، لأنهم قد يئسوا من القضاء عليك وعلى كلامك ورسالتك ومهمتك، ولهذا لم يبق لهم سوى طريق واحد وهو إخراجك من مكة… في هذه الحالة، لن يدوم المعارضون طويلاً وسرعان ما يزولون. المقصود بعدم دوامهم وعدم بقائهم طويلاً ليس أن عذاباً من السماء سينزل عليهم؛ لأن أهل مكة بعد نزول هذه الآية الكريمة جعلوا النبي في حيرة ورعب بشأن الاستمرار في الإقامة في تلك المدينة، وبعد ذلك خرج النبي من مكة. وهو الذي لم يكن له ملجأ وأمان في مكة، تركها متجهاً إلى المدينة، ولم ينزل عذاب من السماء على أهل مكة.
والمقصود بعدم دوامهم – على الأرجح – هو أن هؤلاء الناس بعد طرد رسول الله(صلى الله عليه وآله) لن يبقوا كجماعة معارضة صامدة؛ أي أن موقعهم الاجتماعي – وليس موقعهم الشعبي والإنساني كمجتمع – سينهار، ونتيجة فعلهم السيئ – وهو طرد النبي – ستكون انهيار الكيان الاجتماعي وفقدان التماسك والوحدة لتلك الجماعة. وفي هذه الحالة، لن يطول بهم الأمر؛ لأن هذه الظاهرة النبوية التي لم يستطع المعارضون والأعداء المنظمون محاصرتها، ستجعل المعارضين والأعداء هدفاً لرعدة واهتزاز، وستزلزل ذلك المجتمع، وهذا ما حدث فعلاً.
بعد طرد رسول الله (ره) من مكة، لم يمض وقت طويل حتى فقدت مكة مكانتها كمركز للمقاومة والمعارضة ضدّه، ولم تمض سنوات قليلة حتى تحولت إلى جزء من دار الإسلام واحتلت ضمن نطاق الدولة الإسلامية. ولهذا، فإن الآية الكريمة محل النقاش تطرح أحد السنن التاريخية وتؤكد قائلة: «وَ لا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْويلاً؛ في سنتنا لا تجد تغييراً».[40]
ب. بيان السنة في قالب مثال
يشير الشهيد الصدر إلى بعض السنن التي وردت في القرآن على شكل أمثلة:
١. سنة تأثير الإنسان كأساس في التغيرات الاجتماعية
تعتبر بعض المدارس الفكرية البشرية إرادة الإنسان واختياره خاضعين لإرادة المجتمع وتاريخه، وترى الأفراد كواجهة والمجتمع والتاريخ كأساس للتغيرات التاريخية.[41] لكن الشهيد الصدر يرى من منظور القرآن أن إحدى السنن الإلهية في التاريخ هي أن التغيرات الاجتماعية تتم على يد الإنسان وبإرادة واختيار الأفراد، لا المجتمع والتاريخ. لذلك، ليس فقط إرادة الأفراد ليست خاضعة لإرادة المجتمع، بل إن الإنسان هو حجر الأساس للتغيرات الاجتماعية. انظر إلى هذه الآية: «إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِم…» (رعد: ١١).
ويقول الشهيد الصدر مستنداً إلى هذه الآية: «المحتوى الداخلي والنفسي والفكري للإنسان هو الأساس، والوضع الاجتماعي هو الواجهة. هذه الواجهة لا تتغير إلا تبعاً لتغير الأساس وتحولاته.
الآية الأخيرة تطرح العلاقة بين الحالة الروحية والمعنوية والفكرية للإنسان والوضع الاجتماعي، وبعبارة أوضح العلاقة بين داخل الإنسان وخارجه. الخارج يُبنى على العوامل الداخلية ويرتبط بالداخل. لذلك، إذا تغير داخل المجتمع، فإن الوضع الخارجي والعلاقات الاجتماعية والمعايير التي تحكم العلاقات بين أفراد المجتمع ستتغير وتتبدل. إذن، هذه سنة تاريخية وقانون من قوانين التاريخ يربط بين الأساس والواجهة. انظر أيضاً إلى هذه الآية الكريمة: «ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَ أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ»(انفال: ۵٣).[42]
٢. سنة نصر أهل الحق
يقول الله تعالى: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَ الضَّرَّاءُ وَ زُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَ الَّذينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ» (بقره: ٢١۴).
يرى الشهيد الصدر أن هذه الآية تعبر عن سنة النصر والنصرة الإلهية للمؤمنين بعد تحملهم المشقات والثبات على الحق، ويؤكد أن النصر الإلهي والفوز ودخول الجنة لا يتحقق لأي أمة مؤمنة، بل فقط لأولئك الذين يصبرون على الحق ويتحملون المشقات العميقة. لذلك يقول:
هنا ينفي القرآن احتمال أن يتوقع المسلمون استثناء سنة التاريخ في شأنهم، ويطرح السؤال: هل مع عدم تعرضكم للظروف المعيشية التي تعرضت لها المجتمعات السابقة (التي انتصرت ودخلت الجنة) بكل ما فيها من مشقات وضغوط شديدة – كما وصفها القرآن بالزلزال والاضطراب الشديد – تظنون أن سنة التاريخ وقوانينه ستستثنيكم وتدخلون الجنة منتصرين؟[43]
ثم يقول:
الحالات الصعبة والمكابدة مثل «البأساء» (الحرب) و«الضراء» (المجاعة) التي إذا اتسعت وعمقت تصبح كزلزال واهتزازات شديدة تهز المجتمع، هي في الحقيقة مدرسة للمجتمع وامتحان لإرادة وعزيمة الأمة لقياس مدى مقاومتها وثباتها، ومن خلالها تكتسب القوة والقدرة اللازمة لتصبح «أمة وسط» في العالم وبين شعوب الأرض.[44]
٣. صراع الأنبياء مع المترفين
يرى الشهيد الصدر أن من سنن التاريخ صراع الأنبياء مع المترفين والمبذرين. يتناول هذا السنن في جزأين من الكتاب؛ أولاً في مناقشة السنن التي وردت في قالب أمثلة، ثم في مناقشة الرموز المصطنعة. ويستشهد بعدد من الآيات التي تبين صراع هذه الفئة مع الأنبياء: «وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ. وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ» (سبأ: ٣۵ـ ٣۴).
على مر التاريخ، كان هناك علاقة بين مقام النبوة وموقع الأغنياء والأعيان والمترفين والمبذرين في كل مجتمع وأمة. هذه العلاقة تمثل سنة تاريخية وقانوناً من قوانين التاريخ، وليست ظاهرة عارضة أو صدفة حدثت في فترة معينة، لأنه لو كانت صدفة وعرضية لما كانت مطروحة بشكل شامل وعام: «وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا…».[45]
لذا، هناك علاقة سلبية تصل إلى حد الطرد والنفي والتعارض بين الموقع الاجتماعي للنبوة والموقع الاجتماعي للمترفين. في الحقيقة، هذه العلاقة تعتمد على دور النبوة في المجتمع ودور الأغنياء والأعيان المترفين والمبذرين في المجتمع. هي في الواقع جزء من رؤية شاملة وموضوعية للمجتمع… نقيض النبوة والرسالة هو موقع الأغنياء والأعيان والمترفين.
وفي الآية الكريمة التالية يقول الله تعالى:
«وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا. وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا» (اسراء: ١٧ ـ ١۶). في هذه الآية أيضًا يُطرح علاقة محددة بين الظلم والفساد الذي يهيمن ويطغى وبين الهلاك والدمار الذي يتجه إليه المجتمع بشدة. وهذه العلاقة ـ كما تؤكد الآية المذكورة ـ علاقة مطلقة وشاملة عبر التاريخ تشكل سنة من سنن وقوانين التاريخ».[46]
ويقول معتمدًا على أن الدين هو مدمّر للرموز الزائفة في المجتمع والتاريخ، وأن تدمير هذه الرموز لا يتوافق مع مصالح الأشراف والمترفين:
في اللحظة التي يتحول فيها كل من هذه الرموز الزائفة خلال ظروف التغيير والتحول ـ كما شرحنا سابقًا ـ إلى تمثال، يصبح فريق من الناس، بسبب ارتباط مصالحهم ووجودهم المادي والدنيوي وإمكانات اللهو والترف لديهم ببقاء ذلك الرمز المتحول إلى تمثال، مناصرًا ومدافعًا طبيعيًا عن ذلك الرمز. هذا الفريق الذي أقام علاقة مصلحية وروابط تكتيكية مع التمثال المعين، يقف دائمًا في مواجهة الأنبياء من أجل دعم مصالحه وأموره الدنيوية وظروف اللهو والترف والأعيان والأشراف الخاصة به.[47]
يرى الشهيد الصدر أن هذا الصراع والمواجهة الشاملة ليست أمرًا عاديًا أو عرضيًا؛ أي ليس من الاستثناء أن يقف فريق من المترفين في التاريخ مع الأنبياء، بل هي سنة لا استثناء فيها. ولهذا يقول في المتابعة:
القرآن الكريم في هذا السياق كشف عن إحدى سنن وقوانين التاريخ، وهي أن الأنبياء كانوا دائمًا في مواجهة طبقة الأشراف والمترفين في مجتمعهم كقطب صراع، وكان هذا الفريق دائمًا يقف في صفوف المعارضة والعداء للأنبياء. فمن الواضح بعد تحول رمز إلى تمثال، من يستفيد منه؟ هو من بين طبقة الأشراف والمترفين في المجتمع، وهم نفس الأشراف والمكدسون للثروات الذين يعتبرون عامة الناس مجرد فئة من اللهّاة، ويجعلون وجود ذلك التمثال ذريعة وتبريرًا لوجودهم في المجتمع. وهكذا، من الطبيعي أن تقف هذه الطبقة من الأعيان والأشراف والمترفين، وهذه الفئة المستفيدة دائمًا، في خط معادٍ للأنبياء، وهذا ما نلاحظه في هذه الآيات من كلام الله تعالى.[48]
وفي هذا المقطع، بالإضافة إلى الآيتين ٣٤ و٣٥ من سورة سبأ، يستشهد بالآيات التالية:
«وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ …».
«سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ».
«وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ…» (مؤمنون: ٣٣).[49]
٤. سنة تأثير العدل في الرفاه الاجتماعي
من القوانين الحاكمة للتاريخ أن الالتزام بالتقوى والأوامر الدينية يؤدي إلى زيادة النعم المادية والمعنوية. الشهيد الصدر يستند إلى هذه الآيات الثلاث ليبيّن هذه السنة التي تعكس تأثير العدل في التوزيع والالتزام بالدين على توسع الإنتاج والرفاه المادي للمجتمع، حيث يقول الله تعالى:
«وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ …» (مائده: ۶۶)
«وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ» (اعراف: ٩۶)
«وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا» (جن: ١۶)
هذه الآيات الثلاث تتحدث عن علاقة محددة، وهي العلاقة بين الثبات على تنفيذ أحكام الله وعمليّة تطبيق الأوامر الإلهية وبين كثرة الخيرات والبركات والإنتاج. وإذا أردنا التعبير عنها بلغة العصر، فهي العلاقة بين العدل في التوزيع وكثرة الإنتاج. وهنا نلاحظ أن القرآن الكريم يؤكد هذا المنطق بقوله إنه إذا ساد العدل في التوزيع في مجتمع ما، فإن النتيجة المباشرة لذلك هي كثرة الإنتاج.
القرآن يكرر العدل في التوزيع مرة بعبارة: «لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا…» ومرة أخرى بعبارة: «وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا…» ومرة ثالثة بعبارة: «وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ…»»[50]
وبعد بيان هذه السنة، يتناول شرحًا أوسع لها:
السبب في هذه العلاقة ـ أي العلاقة بين العدالة في التوزيع وكثرة الإنتاج ـ هو أن الأديان السماوية جاءت لإقامة العدالة في التوزيع ومن أجل خلق علاقات عادلة في التوزيع. إذا التزمت المجتمع بالعدالة في التوزيع وأخذ معاييرها في الاعتبار، فلن يعاني من ضيق بسبب الثروة المكتسبة ولن يقع الناس في الفقر والضيق من هذه الناحية، بل إن ثروة المال والخيرات والبركات في المجتمع ستزداد أيضًا؛ ولكن الناس يظنون أن العدالة في التوزيع تؤدي إلى فقر وضيق الناس. بينما وفقًا لقانون وسنة التاريخ، تؤكد الحقيقة والواقع عكس هذا التصور. سنة التاريخ تؤكد بقوة أن تطبيق الأديان والمذاهب الإلهية والسماوية واستخدام الأوامر والأحكام الدينية بشكل جاد وحازم في علاقات التوزيع يؤدي دائمًا وباستمرار إلى كثرة الإنتاج وزيادة المحصول وزيادة الثروة، وفي النهاية يؤدي إلى فتح أبواب الخير والبركة من السماء والأرض على الناس، وهذا أيضًا من السنن والقوانين التاريخية.[51]
النتيجة
بشكل عام، يمكن بيان ابتكارات الشهيد الصدر في فلسفة التاريخ من منظور القرآن الكريم، والتي تدور أكثر حول محور السنن الإلهية في التاريخ، على النحو التالي:
أ) من ابتكارات الشهيد الصدر طريقة إجابته على مسألة إمكانية استخراج السنن التاريخية من القرآن. عادةً ما يعتمد العلماء الإسلاميون على أوامر القرآن الكريم في الاستفادة من عبر قصص السابقين وذكرها وأمور من هذا القبيل لإثبات إمكانية ذلك؛ لكن الشهيد الصدر، مع مراعاة هدف القرآن في تغيير المجتمعات، يعتبر شرح السنن والقوانين الحاكمة على التاريخ للمؤمنين ضرورة عقلية.
ب) تحديد نطاق بيان السنن التاريخية في القرآن، من ابتكارات الشهيد الصدر الأخرى.
ج) طرح مسألة طريقة بيان السنن التاريخية في القرآن، من الخصائص والابتكارات الأخرى له.
د) طرح ومناقشة خصائص السنن الإلهية من ابتكارات هذا الشهيد أيضًا؛ بحيث لم يُرَ ذلك في آثار العلماء الدينيين الآخرين، وإذا طرحه البعض بعد ذلك، فكان مقتبسًا من الشهيد الصدر.
هـ) القرآن يؤكد لأول مرة على قانونية التاريخ ويحث البشر على تعلم واكتشاف هذه القوانين والاستفادة منها. بينما اكتشف الغرب هذه الحقيقة بعد عدة قرون من نزول القرآن، واهتم باكتشاف القوانين الحاكمة على التاريخ.
و) لكل مجتمع، مثل أفراده، عمر وموت وحياة، وحياة المجتمعات تعتمد على إقامة التماسك الاجتماعي، وموتها مرتبط بالتفرقة والانقسام.
المجتمعات، بالإضافة إلى العقاب الأخروي، تتعرض في هذه الدنيا أيضًا للعقاب والعذاب الإلهي. الأمم التي تدير ظهرها لأنبيائها تصاب بانهيار التماسك الاجتماعي.
من منظور القرآن، أساس التحولات الاجتماعية هو الإنسان والتغيرات الداخلية فيه. بعبارة أخرى، التحول هو شكل المجتمع الخارجي وروح الأفراد هما أساس التغيرات الاجتماعية.
ي) من السنن الإلهية الحاكمة على التاريخ، نصر وانتصار أهل الحق في مواجهة أهل الباطل؛ ولكن هذه السنة مشروطة بالصبر والتحمل في الشدائد والابتلاءات والثبات في ميدان الجهاد مع الكفر.
ك) صراع المترفين والملذذين مع أصحاب الدعوة السماوية من السنن الحاكمة على التاريخ.
رغم اعتقاد الماديين، فإن الالتزام بالعدالة في توزيع دخل المجتمع يؤدي إلى زيادة الإنتاج والمحاصيل والرفاه الاجتماعي ويفتح أبواب خزائن الله على الناس.
[1] هذا الكتاب قُدّم في البداية على شكل دروس نُشرت تحت عنوان المدرسة القرآنية. ثم كتب السيد جلال الدين الصغير تعليقات على هذه المجموعة من المحاضرات ونشرها تحت عنوان السنن التاريخية والفلسفة الاجتماعية في المدرسة القرآنية. ثم قام السيد حسين منوچهري بطباعة هذا العمل بعنوان السنن الاجتماعية وفلسفة التاريخ في مذهب القرآن.
[2] انظر: سيد محمد باقر صدر، السنن الاجتماعية وفلسفة التاريخ في مذهب القرآن، ص ٧١
[3] انظر: المرجع نفسه، ص ٧٣ ـ ٧٦
[4] انظر المرجع نفسه، ص ٧٦
[5] انظر: المرجع نفسه، ص ٧٧
[6] انظر: المرجع نفسه، ص ٧٨
[7] المرجع نفسه، ص ٧٨
[8] انظر: المرجع نفسه، ص ٧٨ ـ ٧٩
[9] المرجع نفسه، ص ٧٩
[10] الراد من ذلك هو حالة تدخل على الشيء من خارج أصله. ولشرح المصطلحين «تكويني» و«تشريعي» نقول مثلاً إن الدين في ذات الإنسان أمر تكويني؛ لأنه أصل لا ينفصل عن طبيعة الإنسان. أما الصلاة فهي أمر تشريعي؛ لأنها وُضعت بناءً على إرادة الشارع، وهو عامل خارجي ومنفصل عن ذات الإنسان. (الهامش علي الصغير)
[11] الشهيد صدر، السنن الاجتماعية وفلسفة التاريخ في مذهب القرآن، ص ٨٠ ـ ٨١.
[12] المرجع نفسه، ص ٨٠
[13] انظر: المرجع نفسه، ص ٨١
[14] المرجع نفسه، ص ٨٢
[15] المرجع نفسه، ص ٩٥
[16] المرجع نفسه، ص ٩٥ – ٩٦
[17] المرجع نفسه، ص ٩٦
[18] المرجع نفسه، ص ٩٦ – ٩٧
[19] المرجع نفسه، ص ١٠٤ ـ ١٠٥
[20] المرجع نفسه، ص ١٠٥ ـ ١٠٦
[21] المرجع نفسه، ص ١٠٦
[22] المرجع نفسه، ص ١٠٦ ـ ١٠٧
[23] المرجع نفسه، ص ١٠٧ ـ ١٠٩
[24] المرجع نفسه، ص ١٠٠
[25] المرجع نفسه، ص ٨٢
[26] المرجع نفسه، ص ٨٢
[27] المرجع نفسه، ص ٨٤
[28] يبدو أن الشهيد الكبير يجعل الأساس الرئيسي والمحور الأساسي لتكوين المجتمعات هو الأفكار والمثل العليا. (الهامش، علي الصغير)
[29] المرجع نفسه، ص ٨٥ ـ ٨٦
[30] المرجع نفسه، ص ٨٦ ـ ٨٧
[31] المرجع نفسه، ص ٨٧ ـ ٨٨
[32] المرجع نفسه، ص ٨٨
[33] المرجع نفسه، ص ٨٨
[34] المرجع نفسه، ص ٨٩
[35] انظر: المرجع نفسه، ص ٨٩
[36] المرجع نفسه، ص ٨٩. هناك فريق من مفسري القرآن الكريم لا يوافقون على هذا القول ويعتقدون أن العقاب والجزاء المشار إليهما في الآية الكريمة هما العقاب الأخروي وعقاب يوم القيامة. فقط الشهيد صدر وعدد من المفسرين المعاصرين عبروا عن الرأي المعاكس. وما يتضح بجلاء من حقيقة عدل الله وبديهية عصمة الأنبياء هو أن المقصود من هذا العقاب ليس سوى العقاب الذي تفرضه السنن التاريخية في هذه الحياة الدنيا؛ لأن المحاكمة والمحاسبة في الآخرة تخص كل فرد على حدة، فمن كان صالحاً ينال الثواب، ومن كان فاسداً ينال العقاب، استناداً إلى هذا الأصل القرآني «وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى» (انعام ۶/ ١۶۴) و (اسراء ١٧/ ١۵)، فلا يشترك أحد في عقاب آخر. بينما هنا الموضوع يتعلق بالشعب كمجموعة، وغالباً ما توجد ضمن هذه المجموعة فئة من الأشخاص الصالحين. (الهامش علي الصغير).
[37] المرجع نفسه، ص ٨٩ – ٩٠
[38] المرجع نفسه، ص ٩٠ – ٩٢
[39] المرجع نفسه، ص ٩٢ ـ ٩٣
[40] المرجع نفسه، ص ٩٣ ـ ٩٥
[41] انظر: الكاتب، جواد سليماني، «مقالة قانونية المجتمع والتاريخ من منظور العقل والدين»، تاريخ في مرآة البحث، العدد ١٥، ص ١١٨ ـ ١١٩.
[42] المرجع نفسه، ص ٩٧ ـ ٩٩
[43] المرجع نفسه، ص ٩٩ ـ ١٠٠
[44] المرجع نفسه، ص ١٠٠
[45] المرجع نفسه، ص ١٠١
[46] المرجع نفسه، ص ١٠١ ـ ١٠٢
[47] المرجع نفسه، ص ٢٢٩
[48] المرجع نفسه، ص ٢٢٩ – ٢٣٠
[49] المرجع نفسه، ص ٢٣٠ – ٢٣١
[50] المرجع نفسه، ص ١٠٢ ـ ١٠٣
[51] المرجع نفسه، ص ١٠٤

