ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: شهید صدر و عقل گرایی ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص: الشهيد صدر قدّم تحليلاً دقيقاً لوجهات النظر المعرفية، لا سيما في مجال النزاع بين العقلانية والتجريبية. فالعقلانية التي تقف في مواجهة التجريبية تعني الإيمان بالمعارف والقضايا القبلية. ويُعرّف مكتبه المعرفي بـ«المكتب الذاتي» الذي يتفق مع العقلانيين في الإيمان بالمعارف القبلية، ويقر بفطرية مبدأ استحالة التناقض؛ كما يرى الأحكام الرياضية من منظور واقعي ومبني على نظرية التجريد، باعتبارها بديهية وفطرية. ومع ذلك، في نقاش السببية، وببيان التمييز بين السببية العقلية والتجريبية، حكم بإمكانية السببية بمعناها العقلي، كما أنه لا يقبل بديهية المبدأ الأول للاستقراء (مبدأ عدم استمرار التكرار)، ويبتعد عن العقلانيين الأرسطيين. وفي النهاية، رغم اختلاف الشهيد صدر في بعض المبادئ البديهية ومسار المعرفة مع العقلانيين، فإنه يُعتبر «أساسياً عقلياً».
المؤلف: عماد طیبی، محمدمهدی مشکاتی
المصدر: پژوهشهای معرفتشناختی، ربيع وصيف 1398، العدد 17، ص 65 إلى 81.
المقدمة
كلمة عقل من تلك الكلمات المستخدمة بكثرة التي تُستعمل بمعانٍ مختلفة بين عامة الناس والفلسفة نفسها. فالعقل بين العامة يحمل غالباً معنى مقدساً يعبر عن أمر صحيح أو منطقي.
وربما تصور كثير من الناس عن الفلسفة هو أنها مجرد حوار عقلي حول الأشياء، ويعتبرون الفلسفة معرفة عقلية. أما في الفلسفة نفسها، فالعقل من المسلّمات اللفظية التي تُستخدم بمعانٍ مختلفة في مجالات الوجوديات، والمعرفة، والعلم، والأخلاق، وغيرها. وعندما نتحدث عن العقلانية أو أولوية العقل، فهذا يشير إلى وجود توجه مقابِل يؤكد على شيء مختلف عن العقل. مثلاً، أولوية العقل في مقابل أولوية الوحي أو الإيمان في هذا الموقف تختلف في مسألة هل العقل وحده قادر على إدراك واكتشاف الحقيقة أم الإيمان (الوحي)؟ وهذا هو الخلاف بين الأشاعرة والمعتزلة. وكذلك الموقف المختلف لأولوية العقل في مقابل أولوية الإرادة هو هل العلم الإلهي فقط هو الذي يشمل الحقائق الأزلية مثل مبدأ التناقض، أم أن إرادة الله تشمل هذه الحقائق أيضاً؟ بعض المفكرين يرون أن الحقائق الأزلية هي من علم الله ومن إرادته معاً (دکارت، ١٣٧٤، ٦٧-٦٣)، بينما يرى آخرون أن هذه الحقائق هي فقط من علم الله ومستقلة عن إرادته (اسپینوزا، ١٣٧٦، ٩-٨). في هذا المعنى، يُعتبر أمثال ديكارت من أصحاب أولوية الإرادة، وأمثال سبينوزا من أصحاب أولوية العقل.
أما المفهوم الذي نركز عليه في هذا المقال فهو أولوية العقل مقابل أولوية التجربة. يعرف قاموس كامبريدج الفلسفي العقلانية بأنها: الموقف الذي فيه يُعطى العقل أولوية على سائر طرق اكتساب المعرفة، أو بعبارة أشد، الطريق الوحيدة الحصرية لاكتساب المعرفة (٨٠٤ ,١٩٩٩ ,audi). كما يُعرف التجريبية بأنها: نوع من النظريات المعرفية التي تقوم على أساس أن التجربة لها الأسبقية في المعرفة البشرية وتبرير المعتقدات (٢٩٥ ,١٩٩٩ ,audi). وبما أننا نريد في هذا البحث دراسة موقف الشهيد صدر من العقلانية، نعتمد تعريفه الخاص ونقارن المواقف المعارضة لهذا التعريف. في تعريفه للعقلانية يكتب: العقلانيون يؤمنون بالقضايا والمعارف التي يدركها الإنسان قبلياً، وهي مستقلة عن الحس والتجربة (١٣٨٢، ١٨٢). وأما في مقابل العقلانية، فيعرف التجريبية قائلاً: المقصود بالمكتب التجريبي هو المكتب الذي يؤمن بالتجربة والاختبار، ويعتبر الحس أساساً ومبدأً رئيسياً للمعارف والإدراكات التي يملأ بها الفكر البشري نفسه. وهذا المكتب ينكر أي علم سابق أو معرفة قبلية مستقلة عن الحس والتجربة (المرجع نفسه، ١٠٩).
وبناءً على التعريفات التي قُدمت للعقلانية والتجريبية، يمكن القول إن الخلاف الأساسي بين الموقفين هو في وجود أو عدم وجود المعارف القبلية. أما موقف العقلانيين أنفسهم في تحديد أي فئة من المعارف هي قبلية وما هي خصائصها، فهو مختلف؛ لكن التجريبيين ينكرون وجود أي معرفة قبلية. والمعرفة القبلية أو ما قبل التجربة هي في الحقيقة معرفة مستقلة عن التجربة لا تُكتسب عن طريق التجربة أو الملاحظة، وهذه المعرفة دائماً معنا، وبعبارة أخرى لا يمكن نفيها وهي بديهية. مع الإشارة الضمنية لأفلاطون، فإن أول من أشار صراحة إلى البديهية هو أرسطو (ارسطو، ١٣٧٩، ١٢٧-٤٧)، ومن هذه الناحية هو مؤسس العقلانية في الفلسفة. والكلمة الفطرية التي تُستخدم للمعارف القبلية غالباً ما تكون مرادفة للبديهي والمطلق للمعارف البديهية (مظفر، ١٣٨٧، ج ٢، ٢٢١). لكن من وجهة نظر بعض المفكرين، تُعتبر الفطريات أحياناً نوعاً من القضايا البديهية التي رغم وضوحها وبيانها تحتاج إلى برهان أو يمكن الاستدلال عليها (جوادی آملی، ١٣٧٩، ١٥٠- ١٤٧).
المعرفة السابقة والبديهيات أو الفطريات قُسّمت من قبل الفلاسفة العقلانيين إلى أنواع مختلفة، وقد اعتُبرت مفاهيم أو مقولات مختلفة منهم بديهيات. على سبيل المثال، عدّ ديكارت ثلاثة مبادئ: ١. استحالة اجتماع الوجود والعدم لشيء واحد في زمن واحد، ٢. استحالة العدم في العلة الفاعلة للأشياء، ٣. الإرادة الحرة للإنسان، وكذلك مفاهيم مثل الله، النفس، الامتداد من البديهيات (دکارت، ١٣٩١، ١٤ و ٤٦ و ٤٨ و ٦٥ و٨٢). كانط يعتبر الزمان والمكان والمقولات الاثني عشر، ومنها العلية، بديهية Kant (٢٥٧-٢٣٣). أما الفلاسفة والمنطقيون المسلمون فقد قسموا البديهيات إلى تصورية وتصديقية؛ فالتصورات البديهية هي مفاهيم عامة لا تقبل القسمة إلى جنس وفصل، مثل مفاهيم الوجود، العدم، العلة، المعلول وغيرها من المعقولات الثانوية؛ وكذلك التصديقات أو الأحكام البديهية لديهم تشمل ستة أقسام: الأوليات، المحسوسات، المتواترات، التجارب، الفطريات، الحدسيات (سبزواری، ١٤٢٣هـ، ج ١، ٣٢٤؛ طباطبائی، ١٤١٦هـ ،٢٥٢). كثير من المفكرين الإسلاميين في باب التصورات يعطون الأسبقية للحس والتجربة، وفي باب التصديقات يعطون الأسبقية للعقل؛ أي أن الحس يدرك أولاً التصورات الحسية والمشاهدات، ثم يُبنى العقل المفاهيم العامة؛ وبالفعل يرون أن التصورات الحسية مقدمة على التصورات العقلية. في المرحلة التالية تأتي التصديقات العقلية وفي النهاية التصديقات الحسية. في الحقيقة، يجب القول إن الحكماء الإسلاميين في مجال التصديقات يعطون الأسبقية للعقل، رغم أنهم يعتبرون التصورات الحسية مقدمة عليه، مع اختلاف آرائهم في كيفية تحويل التصورات الجزئية إلى كلية (خسروپناه، ١٣٨٤، ٥٢ و ٥٣).
الشهيد صدر، كفيلسوف إسلامي معاصر، تناول في كتابيه فلسفتنا و الأسس المنطقية للاستقراء بحثاً في مجال معرفيّات المعرفة، وقدم نظرية معرفية تختلف عن السابقين؛ وقد كتب الأسس المنطقية للاستقراء بعد فلسفتنا، ويذكر الشهيد صدر أن بعض مواقفه في هذا الكتاب تختلف عن فلسفتنا (صدر، ١٣٨٢، ٢٧). في الواقع، في كتابه المتأخر ابتعد أكثر عن بعض مواقف المنطق الأرسطي، وبطرح عنوان مدرسته المعرفية الذاتية حاول أن يميز مواقفه إلى حد ما عن مواقف العقلانيين والتجريبيين. ورغم أن نظريات الشهيد صدر في مجال أصول الفقه والاقتصاد حظيت باهتمام ودراسة إلى حد ما، إلا أن الدراسات البحثية حول نظرياته الفلسفية والمعرفية قليلة، والكتب والمقالات المتوفرة تركز أكثر على شرح النظرية المعرفية الكلية لديه، مع ندرة التحليل التفصيلي أو المقارن أو النقدي. حاول الشهيد صدر تقديم مدرسته المعرفية كمدرسة مستقلة عن العقلانية والتجريبية، ومن الأسئلة التي يمكن طرحها في هذا الصدد: إلى أي مدى وفي أي المواقف ابتعد عن العقلانية، وما هي أسباب مواقفه؟ هل يختلف في أصل كل المبادئ عن العقلانية، وإذا لم يكن كذلك، فمن أين ينفصل عن العقلانيين؟ سنبحث هذه المسألة من خلال تحديد أي القضايا والمعارف يعتبرها الشهيد صدر بديهية أو غير بديهية، وما هي المواقف المعرفية الأولية التي تستند إليها هذه الآراء، وما هي الأسباب. هذا الترتيب غير موجود في كتبه، لكننا سنعالج الموضوع بفهم عام لنظريته المعرفية وبالاعتماد على كتابيه المعرفيين.
العقلانية
عرّف الشهيد صدر مدرسته المعرفية باسم المدرسة الذاتية، ونقد كل من المدرسة العقلانية والمدرسة التجريبية في مسائل معرفية تتعلق بمصادر المعرفة ونموها، متخذًا مواقف مستقلة تجاه كل منهما. فهو يرى المدرسة الذاتية في مقابل التجريبية ومتفقًا مع العقلانية في موضوع مصادر المعرفة، ويكتب:
“يعتبر علماء المدرسة التجريبية التجربة والوعي الحسي المصدر الوحيد للمعرفة، ويعتبر مفكرو المدرسة العقلية القضايا والمعارف السابقة المستقلة عن الحس والتجربة الحسية مصدرًا لاكتساب المعرفة، ولهذا يتوافقون مع المدرسة الذاتية” (١٤٢٤، ١٢٤).
وبالنظر إلى تقسيم البديهيات إلى تصورات وتصديقات، وبالاعتماد على مبادئ الحكمة المتعالية لملا صدرا وقبول بعض النظريات المعرفية لأرسطو، كما فعل غيره من المفكرين الإسلاميين قبله، ينكر وجود التصورات البديهية بالفعل، لكنه يقبل وجود بعض التصديقات والقضايا البديهية.
إن إنكار وجود التصورات البديهية من وجهة نظر الشهيد صدر يستند إلى تحليله للنفس، لأن هذه التصورات يجب أن تكون موجودة في النفس. فهو يرى نظرية استذكار أفلاطون قائمة على قبول فرضيتين: قدم النفس الإنسانية ونظرية المثل، وهما فرضيتان لا يقبلهما بناءً على مبادئه الفكرية. وبالاعتماد على نظرية الحركة الجوهرية لملا صدرا، والجسمانية في الحدوث والروحانية في البقاء للنفس، لا يقبل نظرية قدم النفس الإنسانية لأفلاطون، وكذلك وبناءً على نظرية الكليات لأرسطو وأخذ الكليات من تجريد المفاهيم المحسوسة، يعتبر نظرية المثل لأفلاطون غير مقبولة (صدر، ١٣٩٣، ٢٧-٢٤).
ينتقد الشهيد صدر آراء العقلانيين مثل ديكارت وكانط في موضوع التصورات البديهية، ويذكر أن ما دفع العقلانيين لقبول هذه النظرية في تبرير التصورات البشرية هو أنهم لم يستطيعوا أن يعزو سلسلة من التصورات إلى الحواس لأنها ليست معانٍ محسوسة، ولذلك فهي بطبيعتها تُستمد من النفس (المرجع نفسه، ٢٨). وفي نقده للتصورات الفطرية يشير إلى أنه إذا استطعنا أن نجد مصدرًا آخر غير ذات النفس لهذا النوع من التصورات، فلن نحتاج إلى اعتبارها فطرية. نقده هنا يستند إلى بساطة النفس وعدم إمكانية وجود تصورات كثيرة بالفعل في النفس البسيطة، وكذلك إلى مخالفة فرض التصورات البديهية عند الولادة للوجدان. وفي موضوع التصورات البديهية، يطرح الشهيد صدر نفس النظرية المتداولة عند الحكماء الإسلاميين التي تقول: «الأفكار الفطرية موجودة بالقوة في النفس البشرية وتكتسب صفة الفعلية بفعل التطور والنمو» (المرجع نفسه، ٣١)؛ وفي هذا المنظور، التصورات البديهية ليست موجودة بالفعل في النفس، بل موجودة بالقوة وفي وعي النفس اللاواعي، وتدخل إلى الوعي الواعي مع تطور النفس. هذا الرأي يستند إلى نظرية التجريد، بمعنى أن المعقولات الثانوية تُجرد من المعقولات الأولية التي تنشأ من الإحساس، والتصورات مثل الوجود والوحدة والجوهر هي معقولات ثانوية (المرجع نفسه، ٣٨).
الشهيد صدر يؤمن بوجود التصديقات والقضايا والمبادئ البديهية. ودليله على وجود التصديقات البديهية يستند إلى الأساس المعرفي. فقد قسم المعارف والقضايا إلى قسمين: ١. الضروري والبديهي، و٢. النظري، وبسبب السببية بين المعارف يؤمن بأن كل معرفة تنشأ من معرفة سابقة، وهذه المعرفة السابقة تنشأ بدورها من معرفة أخرى، حتى نصل في النهاية إلى المعارف الأولية التي لم تنشأ من معارف أخرى وهي ضرورية (المرجع نفسه، ٤٢-٤١).
مبدأ استحالة التناقض
رأينا أن الشهيد صدر كان مؤمنًا بالمبادئ والقضايا السابقة للخبر، وبذلك فهو عقلاني، ولكن ما هي القضايا التي يعتبرها مصداقًا للقضايا السابقة للخبر، البديهية أو الفطرية؟! أول قضية يطرحها معظم العقلانيين كنموذج أساسي لمعرفة سابقة للخبر وفطرية هي مبدأ استحالة التناقض؛ ودليلهم على ذلك هو أن القضية أو الحكم المعرفي يعني إمكانية صدقه أو كذبه، وإذا لم يُقبل مبدأ استحالة التناقض بمعنى أن المعرفة لا يمكن أن تكون صحيحة وكاذبة في آن واحد، ولم يُتخذ أساسًا، فسوف ينهار النظام المعرفي بأكمله ولن نستطيع إطلاقًا أن نُسند الصدق أو الكذب لأي شيء. الشهيد صدر في مناقشته لمبدأ استحالة التناقض يكتب:
هذا الأصل ضروري لكل معرفة، وبدونه لا يمكن تأييد أي قضية. فإذا كان التناقض ممكنًا، فهناك احتمال أن تكون القضية كاذبة في الوقت الذي نثبت فيه صدقها، وهذا يعني أنه بسقوط أصل عدم التناقض، ستفقد جميع قضايا الفلسفة والعلوم، مهما كانت أشكالها، قيمتها (صدر، ١٣٩٣، ٤٣).
في الواقع، ذلك الحكم أو القضية التي إذا لم تُقبل فلن يكون من الممكن أساسًا الحديث عن معرفية أي حكم هي مبدأ استحالة التناقض؛ تعريف المعرفة كحكم له إمكانية صدق وكذب يعني تعريفها بعدم إمكانية اجتماع الصدق والكذب في آن واحد في حكم معرفي. ووفقًا لمنظور التماسك، إذا لم يُقبل مبدأ عدم التناقض، فلا بد من القول إما أن لا يوجد أي تماسك بين أي حكم وآخر في نظام معرفي، أو أن كل حكم، سواء كان صحيحًا أو خاطئًا، متماسك مع أي حكم آخر، وبالتالي تنهار البنية الكاملة لعلم المعرفة.
الأحكام الرياضية
كانت الرياضيات، التي تشمل الهندسة والحساب، قبل ظهور الهندسات اللاإقليدية تُعتبر غالبًا علمًا مطلقًا ويقينيًا، وكان كثير من الفلاسفة والعلماء يعتبرون مقولات العلم الرياضي مثالًا على العلم المطلق واليقيني، وكانوا يحاولون الاقتراب من منهج الرياضيات. وكان النظام الإقليدي وطريقة استنتاجه من البديهيات يُعتبران نموذجًا كاملاً للرياضيات، ولكن بعد ظهور الهندسات اللاإقليدية تضعف هذا النظر (رنان، ١٣٩٢، ٦٥٢ – ٦٥٤). والسؤال الأساسي كان: من أين تأتي هذه القطعية واليقين في المبادئ الرياضية؟ هل هذه المبادئ أيضًا سابقة للخبر وما قبل التجربة وبديهية؟! كان العقلانيون يرون المبادئ الرياضية سابقة للخبر وما قبل التجربة، وكان ديكارت يعتقد أن حقائق الحساب والهندسة تتعامل مع موضوع نقي وبسيط بحيث لا يُتصور أن التجربة قد تثير شكوكًا فيها (١٢ ,١٩٨٥ ,Descartes). وكان كانط يعتبر المبادئ الرياضية تركيبية سابقة للخبر (٢٨١ ,١٩٥٣ ,Kant). أما التجريبيون مثل الوضعية المنطقية فكانوا يرون أن مقولات الرياضيات نوع من التماثل أو التوتولوجيا، وكانوا يعتقدون أنه بما أن مقولات الرياضيات ليست ناتجة عن التجربة، فهي مقولات تحليلية ولا تقدم معرفة جديدة لنا (آیر، ١٣٨٥، ٧١ – ٩٤).
يشرح الشهيد الصدر وجهة نظر كانط حول أحكام العلوم الرياضية وينتقدها. في الواقع، كانط، استنادًا إلى وجهة نظر مثالية، يرى أن الحقائق الرياضية، نظرًا لقطعيتها ويقينها، من صنع النفس، أما الشهيد الصدر، استنادًا إلى وجهة نظر واقعية، فيعتبر الحقائق الرياضية ذات واقع موضوعي ويرى أن قطعيتها نابعة من فطرية وضرورة تلك الحقائق (صدر، ١٣٩٣، ١٥٣ و ١٥٢). بشكل عام، لا يعتبر الشهيد الصدر الأحكام والقضايا الرياضية، مثل معظم العقلانيين، نابعة من النفس نفسها ولا يرضخ للإيديالية الناجمة عن هذا الفكر، بل يتفق مع النظريات المعرفية السائدة لدى المفكرين الإسلاميين قبله، ويؤمن بالواقعية ونظرية التجريد، معتبرًا أن القضايا الرياضية حقائق موضوعية خارجية ومستقلة عن النفس، لكنه يرى أن هذه الأحكام والقضايا من حيث التطبيق مستقلة عن التجربة (المرجع نفسه، ١٧٠). يستخدم الشهيد الصدر عبارات مثل “اثنان زائد اثنان يساوي أربعة” فقط كمثال على الأحكام الرياضية، وفي كتابه “الأسس المنطقية للاستقراء” يستخدم العبارات التي يسميها صراحة بالبديهيات الاحتمالية في تبرير مسألة الاستقراء (صدر، ١٣٨٢، ٢٠١- ١٩٨). لذلك، يمكن أن يشمل عدد المبادئ أو القضايا السابقة للخبرة من وجهة نظره العديد من الحالات، لكن ما هي القضايا والأحكام الضرورية والبديهية؟! في تعريفه للطريقة الذاتية، يقسم الشهيد الصدر المعارف البشرية إلى ثلاث فئات: ١- المعارف الأولية السابقة للخبرة التي تشكل أساس معرفة الإنسان ٢- المعارف الثانوية الناشئة عن ولادة حقيقية من المعارف الفئة الأولى ٣- المعارف الثانوية الناشئة عن ولادة ذاتية وشخصية من المعارف الفئة الأولى. يعتبر أصل تناقض الامتناع من الفئة الأولى، أما مبادئ الهندسة الإقليدية فهي من الفئة الثانية من المعارف. هذه المبادئ تُستنتج فقط بناءً على البنية الشكلية ودون النظر إلى مادة القضايا من المعارف الفئة الأولى، ومن هذه الناحية جميع أحكام هذه الفئة ضرورية (المرجع نفسه، ١٨٨ – ١٨٦)؛ لكن الأمر ليس كما لو أن هذه المعارف موجودة في النفس منذ الولادة، ومن هذه الناحية يمكن نقد ومراجعة مسألة أولوية العديد من هذه المبادئ، ومن بين العبارات التي ناقشها الشهيد الصدر بالتفصيل وقدم نقدًا ونظريات جديدة حول أولوية وجودها، مبدأ العلية ومبدأ عدم تكرار الصدفة المعروف بالمبدأ الأولي للاستقراء.
مبدأ العلية
يُعد مبدأ العلية من أكثر المواضيع إثارة للجدل في علم المعرفة. خصوصًا مع التحديات التي أثارها ديفيد هيوم حول هذا المبدأ، حيث برزت مسألة فطرية مبدأ العلية أو عدمها كنقطة رئيسية للتمييز بين العقلانيين والتجريبيين، وربما يمكن القول إن الخلاف كان حول تعريف وطبيعة العلية. أما هيوم نفسه، كونه تجريبيًا ملتزمًا بمبادئ التجريبية، فقد فسّر العلة بأنها أمر نفسي، أي عادة ذهنية (١٥-٧ ,١٩٧٨ ,Hume). وبعده وضع كانط العلية ضمن مقولات الفهم السابقة للخبرة (٢٥٧-٢٣٣ ,١٩٩٣ ,Kant). يرى الشهيد الصدر في كتابه “فلسفتنا” أن مبدأ العلية فطري، ويقول: الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أننا نستطيع تصور مفهوم العلية، سواء أقرينا به أم لا، ولا يمكن القول إن تصور العلية ينشأ من تصور أمرين متعاقبين (صدر، ١٣٩٣، ٣٦). لكنه في كتاب “الأسس المنطقية للاستقراء” قدم تحليلًا أدق للعلية وميز بين نوعين من العلية: العلية العقلية والعلية التجريبية. يمكن تلخيص الفرق بين العلية العقلية والعلية التجريبية وفق تحليل الشهيد الصدر في عدة نقاط:
١- العلية بالمعنى العقلي تعني علاقة ضرورة، أما بالمعنى التجريبي فهي تعني تتابع زمني متكرر لحدثين بالصدفة.
٢- العلية بالمعنى العقلي تعني علاقة شمولية بين مفهومين، أما بالمعنى التجريبي فهي تمثل علاقات مستقلة بين الأفراد.
٣- بناءً على المعنى العقلي، للأشياء المتماثلة نتائج متماثلة، أي إن أفراد مفهوم معين مرتبطون بعلاقة سببية مع بعضهم البعض. فإذا كان فرد من أفراد ماهية ما سببًا لفرد من ماهية أخرى، فإن أفراد الماهية الأولى يمكن أن يكونوا سببًا لجميع أفراد الماهية الثانية، أما في المعنى التجريبي للعلية، فلا يوجد مثل هذا الترابط بين أفراد ماهية وأخرى (صدر، ١٤٢٤، ٢٣٥).
يلخص الشهيد الصدر الأسباب التي أُدخلت لنفي علاقة العلية بالمعنى العقلي في أربعة أسباب: منطقية، فلسفية، علمية وعملية، ويرد على كل منها. السبب المنطقي الذي طرحه أنصار المنطق الشرطي لنفي علاقة العلية بالمعنى العقلي هو أن صدق أو كذب القضية يتم عن طريق الإدراك الحسي للإنسان، وفقط في هذه الحالة تكون القضية ذات معنى، وبما أن علاقة العلية بالمعنى العقلي تشمل ضرورة بين ظاهرتين وهذه الضرورة لا يمكن معرفتها بالحس، فإن المنطق الشرطي يعتبر علاقة العلية بالمعنى العقلي بلا معنى. يوجه الشهيد الصدر نقدين لهذا الرأي: الأول أن هذا الرأي متناقض لأنه يفترض إمكانية إثبات (معنوية) القضية كصفة تترتب بعد افتراض صدق وكذب القضية، ومن الناحية المنطقية، تكون القضية ذات صدق وكذب فقط إذا كانت ذات معنى (صدر، ١٣٨٢، ٦٢٦). النقد الثاني هو وجود قضايا لا يمكننا إثبات صدقها أو كذبها بالمعلومات الحسية لدينا، لكنها تُعتبر ذات معنى ونؤمن بصحتها، مثل القضية: كلما زادت معرفة الإنسان، لا تزال هناك أشياء في الطبيعة لا يمكن للإنسان الوصول إلى معرفتها (المرجع نفسه، ٦٢٧).
السبب الآخر الذي أُثير لنفي معنى العلية العقلي هو سبب فلسفي مبني على مبادئ التجريبية.
التجريبي الذي يعتبر التجربة المصدر الوحيد للمعرفة والإدراك يرى أنه بما أن عنصر الضرورة لا يمكن تجربته، فلا يمكن قبول العلية العقلية (١٥-٧ ,١٩٧٨ ,Hume). الشهيد الصدر في نقد هذا الرأي يوضح أن من وجهة نظر التجريبيين أنفسهم، الإيمان بنفي قضية ما مثل الإيمان بإثبات قضية ما يجب أن يُثبت بالتجربة، ومن هذه الناحية وفق هذا الرأي لا يتم نفي العلية ولا إثباتها، ومن هذه الناحية تكون القضية التي تعبر عن العلاقة الضرورية بين السبب والمسبب قضية احتمالية (صدر، ١٣٨٢، 630).
الدليل الآخر على نفي علاقة العلية هو الدليل العلمي المبني على النظرية المعيارية لميكانيكا الكم ومبدأ عدم اليقين لهايزنبرغ، والذي يدعي أن العلية غير متوافقة مع العالم الذري Heisenberg (١٩٢٧، ١٩٧). رد الشهيد الصدر هو أن عدم إمكانية الوصول إلى تفسير علّي في العالم الذري لا يعني نفي قانون العلية، بل على الأكثر يثير الشك في وجود العلية. تأييدًا لكلام الشهيد الصدر يمكن القول إن ميكانيكا الكم بوهم اليوم تقدم تفسيرًا علّياً للعالم الذري يختلف عن التفسير القديم الذي كان ينفي العلية (١٦٦-٧٩ ,١٩٥٢ ,Bohm).
الدليل الرابع على نفي العلية قدمه برتراند راسل، وهو ما يُسمى بالدليل العملي، حيث يتم تفسير العلية العقلية على أنها تكرارات معدودة وإحصائية، بمعنى أننا عند تكرار حدثين ألف وباء نقوم بالتعميم ونفترض أن ألف سبب باء، وننفي هذه العلاقة فقط إذا كان هناك عائق في الفترة الزمنية بين حدوث ألف وحدوث باء يمنع تحقق باء، وبما أن عدّ عوائق عدم تحقق باء غير ممكن، فإن الوصول إلى العلية العقلية غير ممكن، ونحن نستخدم العلية فقط عمليًا وفي التعميم الاستقرائي (راسل، ١٣٥٩، ٢١٩-٢٢٥). الشهيد الصدر في نقد هذا الرأي يكتب: «كل نسبة إحصائية هي نتيجة استقراء وتعميم نسبة التكرار، وهذا التعميم متوقف على فرض العلية العقلية ولو على مستوى الاحتمال» (١٣٨٢، ٤١٥). أي أن الاستقراء نفسه مبني على فرض العلية العقلية، ولا يمكن لأي تعميم استقرائي أن يكون مستقلًا عن مبدأ العلية.
لذلك، الشهيد الصدر بنقده لأسباب مختلفة رُفِضت بها علاقة العلية بالمفهوم العقلي، وبأنه لا يوجد يقين أو اعتقاد جازم بنفي العلية العقلية، يعتبر العلية بالمفهوم العقلي محتملة. وهو خلافًا لكتابه فلسفتنا حيث قدم تحليلًا مختصرًا للعلية واعتبرها في البداية مبدأً أوليًا بديهيًا، في كتاب الأسس المنطقية للاستقراء يعتمد على اعتبار مبدأ العلية بالمفهوم العقلي احتمالًا، ويستخدمه لتبرير مسألة الاستقراء، وبالطبع باستخدام طريقة استقرائية يعرفها على أنها علم إجمالي، يثبت أيضًا يقينية مبدأ العلية.
المبدأ الأولي للاستقراء
مسألة الاستقراء خصوصًا للتجريبيين الذين يعتبرون التجربة المصدر الوحيد للمعرفة هي مسألة أساسية وجوهرية (راسل، ١٣٦٧، ٨٧). لأنه إذا لم يُبرر الاستقراء في التجريبية، فإن أساس نمو المعرفة كله ينهار. نمو المعرفة كما ورد منذ زمن أرسطو يتم من خلال الاستدلال وينقسم إلى قسمين رئيسيين: الأول القياس وهو سير المعرفة من العام إلى الخاص، والثاني الاستقراء وهو السير من الخاص إلى العام. الاستقراء أيضًا ينقسم إلى استقراء تام واستقراء ناقص. الاستقراء التام يشمل جميع الحالات والأفراد، والنتيجة تشمل جميع الحالات والأفراد، ومن وجهة نظر الأرسطيين الاستقراء التام يقيني وموثوق تمامًا؛ أما الاستقراء الناقص فيشمل عددًا محدودًا من الحالات أو الأفراد ولا يشمل الجميع، ومن هذه الناحية فهو ظني (مظفر، ١٣٨٧، ج ٢، ١٦١).
تم تعريف الاستقراء بتعريفات متقاربة لكنها متعددة، الاستقراء هو أي استنتاج من سلوك الأشياء في الماضي حول سلوكها في المستقبل، أي أي استنتاج مما لوحظ إلى ما لم يُلاحظ (لیدیمن ،١٣٩١، ٣٢٤). بونجور الفيلسوف الأمريكي المعاصر أدخل الاحتمال في تعريف الاستقراء وعرّفه على النحو التالي:
في حالة تحقق شرط المقدمة الاستقرائية، وجود تفسير (غير مجرد تماثل أو صدفة) لاستقرار وتلاقي النسبة الملاحظة أمر محتمل جدًا (وكلما زاد عدد الحالات الملاحظة زاد هذا الاحتمال) (١٣٨٢، ٢٣٧).
في هذا التعريف، يُطرح الاستقراء على أنه إذا كانت المقدمة الاستقرائية صحيحة، فالنتيجة الاستقرائية على الأرجح صحيحة، وهذا التعريف مبني على التصور الحدسي بأن نظامًا موضوعيًا من نوع يجعل نتيجة الاستدلال الاستقرائي معيارًا صحيحًا هو أفضل تفسير لصحة المقدمة الاستقرائية. الشهيد الصدر يعرف الاستقراء هكذا:
نقصد بالاستقراء استدلالًا تكون نتيجته أعم من المقدمات التي ساهمت في تكوين تلك النتيجة. مثل هذا الاستدلال: «هذه القطعة من الحديد تتمدد بفعل الحرارة»، «تلك القطعة من الحديد أيضًا تتمدد بفعل الحرارة»، «القطعة الثالثة من الحديد أيضًا تتمدد بفعل الحرارة»، إذًا «كل حديد يتمدد بفعل الحرارة»… في الاستدلال الاستنباطي الذي يتم عبر القياس، يكون السير عادة من العام إلى الخاص، بينما في الاستدلال الاستقرائي يكون السير عكس ذلك ومن الخاص إلى العام (١٣٨٢، ٢٤).
الشهيد الصدر يرى أن العيوب الموجهة إلى الاستدلال الاستقرائي ثلاثة:
١- إثبات قانون العلية العام: يجب على الاستدلال الاستقرائي أن يثبت أن لكل ظاهرة طبيعية سببًا، لأنه بدون إثبات ذلك قد يكون وجود التمدد في الحديد بلا سبب، بل وجودًا عفويًا (المرجع نفسه، ٤٨).
٢- إثبات العلية الخاصة: على فرض قبول قانون العلية العام، تبقى مسألة أن لكل ظاهرة سببًا خاصًا ومحددًا، مثلًا سبب تمدد المعدن هو الحرارة وليس شيئًا آخر.
٣- إثبات توحيد الطبيعة: بعد أن استطاع الدليل الاستقرائي إثبات قانون العلية العام والعلية الخاصة، يجب أيضاً التطرق إلى هذه المسألة التي تفيد بأن سبب الظاهرة سيستمر عبر الزمن وحتى المستقبل وسيظل دائماً سببها. مثلاً، الحرارة ستظل دائماً سبب التمدد وستظل قوانين الطبيعة موحدة.
يرى الشهيد صدر أن العقلانيين يبررون ثلاث مسائل متعلقة بالاستقراء باللجوء إلى عدة مبادئ أولية، أي عدة مبادئ مستقلة عن الحس والتجربة. في مسألة العلية العامة، يؤمن العقلانيون بالمبدأ الأولي للعلية، بمعنى أن «كل حادث له سبب». في مسألة توحيد الطبيعة بمعنى أن السبب ألف هو سبب ب على مر الزمن، يؤمن العقلانيون بالمبدأ الأولي لتوحيد الطبيعة، بمعنى أن «الحالات المتشابهة في الطبيعة لها نتائج متطابقة». أما في مسألة العلية الخاصة، فيؤمن العقلانيون بمبدأ أولي آخر يمكن تسميته مبدأ عدم استمرار تكرار الصدفة، بمعنى أن «الصدفة والعشوائية ليست دائمة ولا تحدث في الغالب»؛ بعبارة أخرى، إذا كان هناك علاقة علة ومعلول بين شيئين، فإن تزامنهما لن يتكرر في كل أو معظم الأوقات (المرجع نفسه، ٥٠).
يقول الشهيد صدر في ما يتعلق بردود المنطق الأرسطي على هذه الثلاث مسائل إن هذا المنطق قد حل مسألة العلية العامة وتوحيد الطبيعة بشكل فلسفي وعقلي، ولا يناقشها (المرجع نفسه، ٥٢)، لكنه يقدم شروحات أكثر في مسألة العلية الخاصة وينتقدها نقداً صريحاً.
من وجهة نظر أرسطو، الاستقراء التام يقيني ومطمئن تماماً، أما الاستقراء الناقص فيشمل عدداً محدوداً من الحالات أو الأفراد ولا يشمل الجميع. يبرر الأرسطيون الاستقراء الناقص بالاعتماد على هذا المبدأ الأولي بأن التكرار والتزامن المفرط بين ظاهرتين ليس صدفة. في الواقع، يعتبرون الاستقراء الناقص نوعاً من القياس الذي كبرى فيه هذا المبدأ الأولي، وصغراه تزامن الظاهرتين ألف وب، والنتيجة أن الظاهرة ألف سبب الظاهرة ب. كان هذا الرأي في الاستقراء هو الرأي السائد بين كثير من فلاسفة المسلمين.
لكن نقد الشهيد صدر للأرسطيين يتعلق بأخذ مبدأ عدم تكرار الصدفة أو مبدأ الاستقراء كمبدأ أولي. هو أيضاً يؤمن بالمعارف العقلية الأولية مثل الأرسطيين، لكنه لا يقبل أن تكون الصدفة في الطبيعة دائمة وغالبة كمعرفة أولية عقلية (المرجع نفسه: ٦٣). بالطبع، لا ينكر هذا المبدأ الذي ينفي تكرار الصدفة النسبي كقضية، لكنه لا يعتبره معرفة سابقة وأولية. يقول: «نقاشنا هو في عقلانية هذا القانون واعتباره معرفة سابقة وأولية» (المرجع نفسه، 73).
ينتقد الشهيد صدر أولية هذا المبدأ بتحليله وفق وجهة نظر أرسطو. استدلاله هو أن الصدفة تعني العشوائية، والعشوائية في مقابل الضرورة… والضرورة نوعان: ضرورة منطقية وضرورة واقعية. الضرورة المنطقية هي نوع من العلاقة بين قضيتين أو مجموعتين من القضايا، حيث أن فرض أي انفصال أو تباعد بين هاتين القضيتين أو المجموعتين يؤدي إلى تناقض… أما الضرورة الواقعية فهي علاقة علة ومعلول بين شيئين مثل النار والحرارة، الحرارة والغليان، تناول السم والموت… هذه العلية لا تتضمن أي ارتباط منطقي بالمعنى السابق، لأن فرض أن النار لا تولد حرارة أو لا تسبب الغليان لا يحمل تناقضاً جوهرياً في ذاته (همان، ٦٤ – ٦٥). يعتبر الشهيد صدر الصدفة ضد الضرورة، وعلى هذا الأساس يقسم الصدفة إلى نوعين: الصدفة المطلقة والصدفة النسبية. الصدفة المطلقة هي أن الشيء لا يكون له سبب على الإطلاق، مثل غليان الماء بلا سبب؛ أما الصدفة النسبية فهي أن يحدث حادث معين بسبب اكتمال سببه، ويصادف حدوثه حادث آخر في نفس الوقت، مثل أن يصل ماء معين إلى درجة حرارة ١٠٠ درجة ويغلي وفي نفس اللحظة تصل درجة حرارة ماء آخر إلى الصفر ويتجمد (المرجع نفسه، ٦٥).
من وجهة نظر أي فلسفة تؤمن بمبدأ العلية كمبدأ أولي عقلي، الصدفة المطلقة مستحيلة لأنها تتعارض مع مبدأ العلية؛ أما الصدفة النسبية فلا تستحيل فلسفياً لأنها لا تتعارض مع مبدأ العلية. وهكذا نفهم أن التزامن بين حدثين أحياناً يكون مجرد صدفة نسميها صدفة نسبية، وأحياناً يكون ناتجاً عن مبدأ العلية بين الحدثين. التزامن الناتج عن مبدأ العلية دائم وشامل، أما التزامن في الصدفة النسبية فيحدث أحياناً وليس بشكل شامل ومتكرر باستمرار (المرجع نفسه، ٦٦ – ٦٧).
السؤال الذي يطرحه الشهيد الصدر هنا هو: إلى أي مدى يُستبعد التكرار والتتابع في الصدفة النسبية؟ هل الصدفة النسبية شائعة بقدر عمر الطبيعة، وهل لا تتكرر عبر الأزمنة الماضية والحاضرة والمستقبلية؟ لا يمكننا أن نعتبر احتمال الصدفة النسبية مستبعدًا ولا أن نكتشف العلية ما لم نكن معاصرين للطبيعة في الأزمنة الماضية والحاضرة والمستقبلية، وهذا الأمر لا يتوافق مع الواقع؛ لذلك تُستنتج علاقة العلية زمنياً من حالات الاستقراء حين يحدد الأصل العقلي الأولي الذي يقول إن تكرار الصدفة النسبية بشكل مستمر مستحيل، عدد هذا التكرار في التجارب (المرجع نفسه، ٦٨ – ٧١). ويكتب: يبدأ اختلافنا مع هذا المنطق من هذه النقطة الأساسية، لأن ما يجعلنا نستبعد تكرار الصدفة النسبية بشكل مستمر ليس معرفة عقلية سابقة، بل إذا قبلنا ذلك، فإن أفضل فرض هو أنه لا يوجد سوى استقراء في الطبيعة، والنتيجة من هذا الاستقراء هي اكتشاف هذا القانون بأن تكرار الصدفة النسبية في الطبيعة لا يمكن أن يكون دائمًا (المرجع نفسه، ٧٢).
الشهيد الصدر والأساسية
النظام المعرفي الذي يؤسسه الشهيد الصدر ويبيّنه في باب المعارف السابقة والاصول الأولية، يقوم على اتخاذ مواقف في نقاش تبرير المعرفة. أحد شروط المعرفة الصادقة هو تبريرها، والسؤال هو: كيف تُكتسب معرفة مبررة؟ هناك وجهتا نظر رئيسيتان، إحداهما الأساسية والأخرى التماسك. في وجهة النظر الأساسية، تُحال معتقداتنا المعرفية إلى معتقدات أساسية يكون صدقها يقينيًا ومبررًا بطريقة غير معتقدية، أما في وجهة نظر التماسك، فالتبرير متعدد الجوانب والمعارف تقع ضمن هيكل شبكي، وتكون هذه المعارف مبررة حين تتوافق مع بعضها البعض؛ لكن بين الأساسيين هناك وجهتا نظر رئيسيتان تقومان على الاعتقاد بالتجريبية أو العقلانية. التجريبيون يرون أن المعتقدات الأساسية ناتجة عن الإدراك الحسي أو البيانات الحسية التي هي مبررة ويقينية، والعقلانيون يرون المعتقدات الأساسية بديهيات تُعتبر المعارف غير البديهية يقينية بالإحالة إليها. الشهيد الصدر يدافع صراحة عن وجهة نظر الأساسية العقلية ويعتبر تبرير المعارف ناتجًا عن معارف بدهيّة أولية ضرورية، ويكتب:
كل المعارف والعلوم التصديقية تعود إلى سلسلة من المعارف الأساسية الضرورية، ولا يمكن إثبات ضرورتها بالدليل أو إقامة البرهان على صحتها، بل العقل يشير إلى ضرورة الخضوع لها والاعتقاد بصحتها وسلامتها، مثل مبدأ استحالة التناقض، مبدأ العلية، والمبادئ الأولية في الرياضيات؛ فهي أشعة عقلية أولى، وبإرشاد هذه الأشعة يجب بناء بقية المعارف والعلوم بثبات (صدر، ١٣٩٣، ١٧٠- 172).
لكن ربما يُفهم من النظرة السطحية إلى النظرية التي يقدمها الشهيد الصدر حول تبرير الاستقراء ظاهريًا أنها نوع من الأساسية التجريبية، بتحليل أنه يعتبر التبرير وطريقة توسع المعارف مبنية على الاستقراء، والاستقراء بدوره مبني على توسع البيانات التجريبية الحسية، مشابهًا لتحليل برتراند راسل للاستقراء. برتراند راسل، رغم كونه تجريبيًا، يعترف بضرورة الرجوع إلى أساس غير تجريبي، ويقبله عمليًا، وهو ما يسميه الأصل الأولي للاستقراء (راسل، ١٣٦٧، ٨٧). لكن الشهيد الصدر يتبنى وجهة نظر مختلفة. أولاً، ينتقد رأي راسل لأنه يقبل أصل الاستقراء دون أي دليل (صدر، ١٣٨٢، ١٢٧). كما يبني كل منطق استقرائه على بدهيات الاحتمال التي هي مجموعة من المبادئ الرياضية البديهية (المرجع نفسه، ١٩٨-
٢٠١). من هذه الناحية، رغم كل التعقيدات التي في نظريته حول الاستقراء والتي تقربه أحيانًا إلى نظريات التجريبيين، إلا أنه في المجمل أساسي عقلي يستفيد حتى في تبرير الاستقراء من البديهيات.
نتائج المقال
الشهيد الصدر هو في المجمل صدرائي يؤسس فكره على فلسفة إسلامية صدرائية سابقة عليه. العديد من أسس معرفته مرتبطة بمفاهيم وجودية ونفسية صدرائية مثل الحركة الجوهريّة، الجسمانية الحدوث، والروحانية البقاء للنفس، وغيرها. هو واقعي أساسي ويؤمن بوجود الأحكام السابقة. نقد بكل حرية وابتكار كل من نظريات العقلانيين والتجريبيين، واستفاد من المدرستين لكنه سلك مسار معرفي خاص به وعرّفها باسم المدرسة الذاتية. الشهيد الصدر في نقاش مصادر المعرفة، باعتقاده بالمعارف السابقة، عقلاني، لكنه في نمو المعرفة والولادة الذاتية والشخصية يقترب من نظريات التجريبيين. أفكاره في كتاب الأسس المنطقية للاستقراء أصبحت أكثر اكتمالًا مقارنة بفلسفتنا، وعلى الأقل في مبدأ العلية ينتقل من القطعية إلى الاحتمالية في العلية العقلية. بقبوله مبدأ استحالة التناقض كمعرفة أصلية، يعتبر الأحكام الرياضية بما فيها قواعد نظرية الاحتمال الأساسية بديهية، لكنه في مبدأ العلية يحكم باحتمالية العلية العقلية، وعلى هذا الأساس يبرر المعرفة الناتجة عن الاستقراء أيضًا بالاحتمال والعلية العقلية، لكنه لا يقبل أولوية مبدأ الاستقراء أو ما يسمى بمبدأ عدم تكرار الاستمرارية، ويبتعد عن وجهة نظر العقلانيين قبله.
قائمة المراجع
أرسطو. (١٣٧٩). الميتافيزيقا (ما بعد الطبيعة)، ترجمة شرف الدين الخراساني، طهران، حكمة.
سبينوزا، باروخ. (١٣٧٦). الأخلاق، ترجمة محسن جهانگيري، طهران، مركز النشر الجامعي.
آير، ألفريد جونز.(1385). اللغة، الحقيقة والمنطق، ترجمة منوچهر بزرگمهر، طهران، شفيعي.
بونژور، لورنتس.(1382). تبرير الاستقراء؛ حل عقلاني للمسألة الكلاسيكية للاستقراء، ترجمة رضا صادقي، فلسفة الدين، العدد 2، الصفحات 215-252.
جوادى آملى، عبد الله.(1379). معرفية في القرآن، قم، مؤسسة إسراء.
خسروپناه، عبد الحسين.(1384). نظرية البديهية في الفلسفة الإسلامية، فصلية ذهن، العدد 24، الصفحات 45-76.
ديكارت، رينيه.(1374). مبادئ الفلسفة، ترجمة منوچهر صانعي، طهران، منشورات آگاه.
نفسه.(1391). تأملات في الفلسفة الأولى، ترجمة أحمد أحمدي، طهران، سمت.
راسل، برتراند.(1367). مسائل الفلسفة، ترجمة منوچهر بزرگمهر، طهران، خوارزمي.
نفسه.(1359). علمنا بالعالم الخارجي كأساس لتطبيق المنهج العلمي في الفلسفة، ترجمة منوچهر بزرگمهر، طهران، دار الترجمة والنشر.
رنّان، كالين.(1392). تاريخ علم كمبريدج، ترجمة حسن أفشار، طهران، نشر مركز.
سبزواري، حاج ملاهادي.(١٤٢٣هـ ). شرح المنظومة، قم، نشر ناب.
صدر، محمد باقر.(1382). مبادئ منطق الاستقراء، ترجمة محمد علي قدس بور، قم، يمين.
نفسه.(1393). فلسفتنا، ترجمة محمد حسن مرعشي شوشتري، طهران، خرّسندي.
نفسه.(١٤٢٤هـ ). الأسس المنطقية للاستقراء، قم، الأولى: شريعة.
طباطبائي، سيد محمد حسين.(١٤١٦ ق ). نهاية الحكمة، قم، جمعية مدرسين حوزة علمية قم.
ليديمن، جيمس.(1391). فلسفة العلم، ترجمة حسين كرمي، طهران، حكمة.
مظفر، محمد رضا.(1387). المنطق، ترجمة علي شيرواني، قم، دار العلم.
Audi, Robert.(1999). The Cambridge Dictionary of Philosophy 2nd Edition, المملكة المتحدة،
Cambridge University Press.
Bohm, David.(1952). Physical review, 85.
Descartes.(1985). The Philosophical Writings of Descartes, Trans by J.
Cottingham, R. Stoothoff & D. Murdoch, 2vols, المملكة المتحدة، Cambridge University Press
Heisenberg, Werner.(1927). Zeitchrift fur physik, 43.
nd
Hume, David.(1988). A Treatise of Human Nature, Ed by P. H. Nidditch, 2
Edition, المملكة المتحدة، Oxford University Press.
Kant, Immanuel.(1993). Critique of Pure Reasen, Trans by N. Kemp Smith, MC
Millan.
Kant, Immanuel.(1953). Prolegomena to Every Future Metaphysic, Trans by P. E.
Lucas, Mannchester, Perussische Akademie der Wissenschaten.

