حقيقة الواقع من منظور الشهيد صدر وملاصدرا

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: واقعیت‌ از نگاه شهید صدر و ملاصدرا ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: تُبحث في هذا المقال حقيقة الواقع من وجهة نظر الشهيد صدر و ملاصدرا وكيفية التعرف عليها. ففي حين اعتبر صدر المتألهين مساواة الواقع بالوجود أمرًا بديهيًا ورأى أن معرفة الحقيقة هي ذاتها علم الوجود، ينكر الشهيد السيد محمد باقر صدر بداهة هذه المساواة ويحاول أن يبيّن، بالاستشهاد بأحكام صادقة لا وجود مطابق لها في الخارج، أن الواقع أعم من الوجود. وعلى الرغم من أن هذا الادعاء له أنصار في الفكر الإسلامي مثل المعتزلة، إلا أن الشهيد صدر ابتعد عن المعتزلة في دافع طرح هذا الادعاء، ومضمونه، والأدلة المقدمة له، وقدم رؤية متينة. على أي حال، فإن نتيجة هذا الاختلاف الأساسي بين الشهيد صدر وملاصدرا هي وصفان مختلفان تمامًا للعالم الواقعي، رغم أن علاقة الواقع بالوجود، والماهية، والمعقولات الثانية الفلسفية، والمعدومات، والمدركات العقلية العملية في هذين المنظورين تتقارب كثيرًا. تبحث الدراسة الحالية بنظرة مقارنة أولًا عالم الواقع عند صدر إلى جانب علم الوجود الصدري، وتوضح وتقيّم ذلك، ثم تبين أن هذين المفكرين، رغم اختلافاتهما الأساسية في بداهة بعض القضايا، اتبعا منهجًا مشابهًا في التعرف على الواقع، وفي التوتر بين البرهان والبداهة، اتخذا جانب البرهان. في النهاية، تم توضيح سبب وكيفية إعادة النظر لديهما في القضايا التي كانت تبدو بديهية، واعتُبر مصدر ذلك هو الاختلاف والحد الفاصل بين وعي العدم وعدم الوعي.

المؤلف: حسن لاهوتیان، جمال سروش

المصدر: پژوهش‌های فلسفی کلامی، صيف 1399، العدد 2، ص 97 إلى 118.

المقدمة

في الفكر الإسلامي، تُعد الحكمة الصدرائية، باعتبارها تطورًا لأنظمة فلسفية سابقة، مدعية تقديم أسمى وصف للواقع. هذا الوصف الذي قُدم في قالب نظام متين من قبل صدر المتألهين، رافقه العديد من المفكرين المسلمين وأثر في فضاء الفكر الفلسفي في العالم الإسلامي. وعلى الرغم من أن القوة الفلسفية لملاصدرا كانت تستحق هذا التأثير والانعكاس في الفكر، إلا أن الفكر الإسلامي – الذي يتجاوز نطاق الفلسفة الإسلامية – لم يقتصر على أطره الفكرية، وبرز فيه مفكرون لم يلتزموا لا بالحكمة المتعالية ولا بأي من الأنظمة الفلسفية المعروفة، وسعوا لرؤية الواقع بطريقة مختلفة. ومن بين هؤلاء المفكرين الشهيد السيد محمد باقر صدر.

الاختلاف الأساسي بين صدر المتألهين والشهيد صدر يكمن في العلاقة بين «الواقع» و«الوجود». مساواة الواقع بالوجود، وكون كل أمر واقعي موجودًا، هو الأساس الذي بُنيت عليه الحكمة المتعالية. أما صدر فقد شكك في هذا الأساس وسعى إلى تعميم الواقع على الوجود. وضع للواقع صفة مميزة، وبناءً عليها بدأ في كشف المصاديق. صفة الواقع هي كونه مستقلًا عن إدراك واعتبار الفاعل المدرك (حائری، ۱۴۳۲، ج ۳، ص ۲۵۲)، والعقل في إدراكه غير فاعل بل متلقٍ من الخارج؛ لذلك فإن كل حكم صادق يعبر عن الخارج ولم ينبع من العقل والاعتبار، يظهر لنا جزءًا من الواقع. وبالطبع، مسألة أي الأحكام صادقة وما هو معيار صدق الأحكام هي مسألة معرفية تناولها الفلاسفة الإسلاميون، وطرحوا فيها الواقع ونفس الأمر المنطقي، لكن في هذه الدراسة التي تتبنى منهجًا وجوديًا، يُنظر إلى الواقع الفلسفي، وتُدرس آثار الشهيد صدر وملاصدرا من هذا المنظور.

نقطة أخرى هي أن الواقع بمعناه العام يشمل أيضًا الاعتبارات التي تكتسب وجودًا ذهنيًا (حائری، ۱۴۳۲، ج ۱، ص ۹۶)، لكن في هذه الدراسة، كما يتضح من الصفة التي ذكرها الشهيد صدر، المقصود هو الواقع الموضوعي فقط مقابل الاعتبارات الذهنية، وليس الواقع بالمعنى الأعم.

رغم أن الشهيد صدر وملاصدرا اختلفا في الأساس الفكري لمعرفة الواقع ولهما تفسيرات مختلفة للواقع الموضوعي، إلا أنه يمكن ملاحظة نقاط مشتركة مهمة بينهما. هذه الاشتراكات كانت أحيانًا سببًا في خلافات جدية بين بعض أتباع الشهيد صدر وملاصدرا. لذلك، فإن النظرة المقارنة إلى معرفتهما بالواقع تفتح أفقًا جديدًا لهذا الموضوع الفلسفي القديم، وقد تقدم فهمًا جديدًا.

لكن على أي محاور يجب أن تكون هذه المقارنة؟ كما قال الفلاسفة، يتم التعرف على الواقع الموضوعي بمساعدة المفاهيم والمعقولات الثانية الفلسفية (ملاصدرا، ۱۹۸۱، ج ۱، ص ۳۳۸). وبما أن الوجود والماهية لهما دور مهم في تفسير الواقع، فقد حظيا باهتمام خاص من الفلاسفة.

لذلك، من الضروري في المقارنة الشاملة بين النظامين الفكريين، توضيح ومقارنة علاقة الواقع مع ثلاثة مفاهيم: (1) الوجود، (2) الماهية، و(3) المعقول الثاني الفلسفي، مع مراعاة كيفية ثبوتها وأهم مصاديقها، حتى يتضح المشهد العام لعالم الواقع من هذين المنظورين.

المقارنة التطبيقيّة السابقة لا تمتلك سابقة بحثية. بالطبع كانت آراء صدر المتألهين دائمًا محل اهتمام الباحثين، وقد تمّ دراسة أبعاد مختلفة للواقع في كتب ومقالات متنوعة، لكنّ وجهة نظر الشهيد صدر حول العالم الواقعي بقيت مهملة حتى اليوم. تكمن صعوبة البحث في وجهة نظر صدر في أنه لم يتناول الواقع بشكل مستقل في أي من مؤلفاته، ولكن في المحاضرات المسجلة من دروسه في الفقه والأصول، يُلاحظ أنه كلما احتاج إلى أساس معرفي، يشرح جزءًا من الواقع حسب الاقتضاء. لذلك، لفهم وجهة نظره بشكل كامل، من الضروري جمع هذه المواد المتفرقة معًا وتقديمها بشكل متماسك. البحث المنشور الوحيد في هذا المجال هو المقالة «تبيين ونقد نظرية الشهيد صدر في العالم الواقعي» (اسالم و فقیه، ۱۳۹۸) حيث يرى المؤلفون، بالإضافة إلى نقد هذا النوع من النظرة للواقع، أن الدافع الرئيسي لصدور طرح هذه الرؤية قد تابعه الفلاسفة الآخرون، لا سيما علامه طباطبائي، وقد وجدوا له الرد المناسب (اسالم و فقیه، ۱۳۹۸، ص ۲۱۹ ۔ ۲۲۰). لكن يبدو أن الفهم الدقيق لآراء الشهيد صدر والنقطة الأساسية التي تميّزه عن الصدرائيين يوضح العديد من الاعتراضات.

يسعى البحث الحاضر إلى تقديم صورة شاملة عن واقع صدر والمتألهين الصدرائيين، وتقييم وجهة نظر الشهيد صدر، وإظهار قوتها، وبيان أن هذين المفكرين، رغم اختلافاتهم الأساسية في بداهة بعض المسلّمات، اتبعا منهجًا مشابهًا في إدراك الواقع، وفي التنازع بين البرهان والبداهة، اتخذا جانب البرهان في كلتا الحالتين. وفي النهاية سيتم توضيح سبب إعادة النظر في المسلّمات التي تبدو بدهيّة.

١. علاقة الواقع بالوجود من وجهة نظر الشهيد صدر و ملاصدرا

الواقع كموضوع للفلسفة، في الفلسفة الإسلامية ومن ضمنها الحكمة الصدرائية، مساوي للوجود بمعنى أن كل ما له واقع، فهو موجود؛ لذلك لوصف وتفسير الواقع، تناولوا تحليل «الموجود».

صدر المتألهين في تحليل الموجود الخارجي، بفصل مفهومي الوجود والماهية في كل شيء (الممكن)، في الإجابة عن سؤال أيهما من الوجود والماهية هو منشأ الآثار الواقعية، أعلن أن الماهية اعتباريّة والوجود أصيل (ملاصدرا‌، ۱۹۸۱‌، ج ۱، ص ۳۹). وقد أقام في مؤلفاته براهين متعددة لتثبيت هذا القول وأظهر أن الخارج مملوء بالوجود (برای‌ نمونه: ملاصدرا، ۱۹۸۱، ج ۱، ص ۳۹۔۴۴)؛ لذلك في نظره الواقع بالذات هو الوجود، والعلاقة بين الواقع، والذات الشيئية أو الثبوت، والوجود علاقة تساوق.

صدرًا لم يعتبر وجود الموجودات المختلفة متباينًا، وعلى عكس فلاسفة المشاء، اعتبرها من جنس واحد (ملاصدرا، ۱۳۹۴، ص ۱۳۵). وبناءً على ذلك، بعد تجاوز الماهية، تجاوز أيضًا الموجودات المتباينة وعرّف الوجود العيني بأنه حقيقة واحدة مقولة بالتشكيك وذات مراتب (ملاصدرا، ۱۳۹۴، ص ۱۳۵ و ۱۳۸). ثم جعل هذا النظر المتوسط وسيلة لتعليم وتبيين نظرية أعلى ونهائية، وتجاوز مراتب الوجود أيضًا، واستنتج وحدة الوجود الشخصية (ملاصدرا، ۱۹۸۱، ج ۱، ص ۷۱). فالواقع بحسب النظر النهائي لملاصدرا هو شخص الوجود، وكل ما يبدو غيره كالجدار والحجر والشجرة، هي مظاهر وتجليات لذلك الشخص الواحد (ملاصدرا‌، ۱۹۸۱، ج ۱، ص ۶۹.).

بعد شرح الواقع وعلاقته بالوجود، طرح صدر المتألهين ادعاء المعتزلة – الذين يرون أن الذات الشيئية والواقع (الثبوت) أعم من الوجود، والعدم أعم من اللاشيء (النفي/الممتنع) – وناقش نقده (ملاصدرا، ۱۹۸۱، ج ۱، ص ۷۶).

أما الشهيد صدر، فهو في الأصل موافق للمعتزلة في ادعاء أعمية الواقع عن الوجود (حائری، ۱۴۳۳، ج ۱، ص ۴۴۷)، رغم أنه لا يوافقهم في وصف الواقع وبيان التفاصيل، لأن دافعه لقبول هذا الادعاء مختلف تمامًا عن دافع المعتزلة. فالمعتزلة كانوا يسعون إلى نفي تساوي وتساوق الواقع مع الوجود، لحل معضلة علم الله الأزلي بالمخلوقات، وإثبات أزلية الإمكان للعالم (سبزواری‌، د.ت.، ج ۲، ص ۱۸۴)، أما الشهيد صدر فكان دافعه فقط اكتشاف الواقع والوصف وفقًا للمعرّف الذي حدده له.

الشيء الواقعي كما ذُكر هو ما له وجود خارجي مستقل عن اعتبار الفاعل المدرك (حائری، ۱۴۳۲، ج ۳، ص ۲۵۲). وبناءً على هذا التعريف، تنقسم الأمور الواقعية إلى فئتين رئيسيتين: الواقعي بالوجود (الموجودات) والواقعي بالذات.

الاختلاف بين الشهيد صدر وملاصدرا والفلاسفة الآخرين ليس في الفئة الأولى، لأن الجميع يتفقون على أن الوجود والموجود واقعان. لكن الفئة الثانية هي حقائق غير موجودة لكنها تحمل التعريف المذكور، ولذلك تُعتبر واقعية. دليل الشهيد صدر على ذلك هو القضايا الخارجية التي موضوعها أو محمولها أو كلاهما غير موجود في الخارج، أي لا تمتلك واقعًا بالوجود، مع أن صدقها يقيني ووجداني. وهو يطابق استدلاله مع القضايا التالية:

١. الإنسان ممكن.

٢. السبب يستلزم المسبب.

٣. المساوي لمساوي ألف، مساوي لألف.

٤. اجتماع النقيضين محال.

٥. الشيء المعدوم ليس (غير موجود في الخارج).

كل هذه القضايا هي مقولات يدرك العقل صدقها وواقعها، لكن الإمكان والاستلزام والتساوي والاستحالة والمعدوم، لا وجود لها في الخارج. ومع ذلك، لا يمكن اعتبارها أمورًا من صنع الذهن أو اعتباريّة، لأن هذه الأمور، سواء كان الفاعل مدركًا أم لا، لها واقع وتوجد في الخارج.

النتيجة من هذا الاستدلال هي أن الأمور الموجودة وحدها ليست واقعية، وأن دائرة الحقائق أوسع من الموجودات. من وجهة نظر الشهيد الصدر، أمور مثل وجود الرابط، المعقولات الثانية الفلسفية، لوازم الماهية، المعدومات، والمدركات للعقل العملي هي من بين هذه الحقائق التي ستُبحث بالتفصيل لاحقًا.

١. ١. واقع الرابط

الصدر المتألهين في استمراره بتحليل الواقع يطرح نوعًا آخر من الوجود يقف مقابل الوجود المستقل والذاتي. الرابط في القضايا الحملية الإيجابية التي تكون على نحو الهليات المركبة، يدل على هذا الوجود (ملاصدرا، ۱۹۸۱، ج ۱، ص ۷۹). هذا الوجود الذي يتحقق في غيره ويقوم به يسمى وجود الرابط أو الوجود في غيره (طباطبایی، ۱۴۳۶، ج ۱، ص ۵۰).

فهم وجهة نظر ملاصدرا حول كيفية واقع الرابط مرتبط بفهم عبارة صعبة منه، حيث لا يعتبر وجود الرابط ووجود المستقل (الوجود المحمول) من جنس واحد، ويعتبر إطلاق الوجود على كلاهما من باب الاشتراك اللفظي (ملاصدرا، ۱۹۸۱، ج ۱، ص ۷۹‌).

المحقق الهيدجي في تعليقه على هذه العبارة يقول: وجود الرابط، عندما يُنظر إليه كعين الربط، ليس وجودًا وبالتالي لا يمتلك ذاتًا، ولكن إذا نظر إليه بذاته، فهو وجود محمول وذاتي؛ لذلك، الرابط عندما يُنظر إلى وجوده، يكون وجودًا مستقلاً وله ماهية معينة وأحكام خاصة، ولكن عندما يُقارن بالمربوط إليه، لا يكون وجودًا، كما أنه لا يمتلك ذاتًا أو ماهية. إذًا، إطلاق الوجود عليه من باب الاشتراك اللفظي (ملاصدرا، ۱۹۸۱‌، ج ۱، ص ۷۹، تعلیقه هیدجی). كلام الهيدجي، مع أنه يبدو جمعًا جيدًا بين عبارة ملاصدرا وأسسها، يوضح أيضًا كيفية واقع الرابط ويعطي صورة أدق عن العالم الواقعي.

والتوضيح أن ملاصدرا يعتقد أن الوجود الإمكاني خلاف الماهية، بالنسبة للوجود والعدم، ليس متساويًا بل هو معلول له ضرورة من جهة السبب. لكن هذا الربط والنسبة بين المعلول والسبب ليست شيئًا منفصلًا عن وجود المعلول، أي أن المعلول ليس “وجودًا له نسبة” (ملاصدرا‌، ۱۹۸۱، ج ۱، ص ۳۳۰)، لأنه في هذه الحالة، ذلك الوجود يحتاج إلى نسبة أخرى وينتهي إلى تسلسل. ونتيجة لذلك، وجود المعلول هو عين الحاجة والافتقار إلى وجود السبب (ملاصدرا، ۱۹۸۱، ج ۲، ص ۲۹۹)، ومع كونه ضروريًا، فهو ممكن؛ لكن ليس إمكانية ماهوية، بل إمكانية فقرية ووجودية. الإمكانية الفقرية هي تعلق وقيام وجود المعلول بوجود السبب وفقره الذاتي (طباطبایی، ۱۴۳۶، ج ۱، ص ۸۱‌). لذلك، جميع الموجودات الإمكانية، مقارنةً بسببها وهو الواجب تعالى، لا تملك هوية مستقلة ومنفصلة، والعلاقات والحقائق هي علاقات تعلقية (ملاصدرا، ۱۹۸۱، ج ۱، ص ۸۷).

بناءً على ذلك، في البنية النهائية التي يقدمها ملاصدرا للواقع، وفي فضاء وحدة الشخص الوجودي وتجلياتها، المخلوقات والمعلولات هي عين الرابط وليس لها واقع سوى التعلق بالغير والفقر والحاجة إليه، وتعتبر تجليًا لشخص الوجود (ملاصدرا، ۱۹۸۱، ج ۱، ص ۴۷). هذا التجلي أو المظهر، مثل العدم، هو نقيض الوجود (جوادی آملی، ۱۳۸۶، ج ۴، ص ۴۰۵). إذًا، الممكنات ليست مصداقًا حقيقيًا للواقع، بل موجودة مجازيًا؛ لذلك، إطلاق الوجود عليها صحيح فقط من باب الاشتراك اللفظي.

في المقابل، الشهيد الصدر يعرّف كلام ملاصدرا وغيره من الفلاسفة حول كون وجود المخلوقات، بما فيها الإنسان، عين الرابط، بأنه مبني على نظرتهم الصوفية في وصف الواقع. في نقاش الجبر والاختيار، ردًا على سؤال “من هو فاعل أفعال الإنسان؟” طرح هذا القول وشرح أن هؤلاء يعتقدون أنه إذا أُخذ الإنسان في ارتباطه بالله، فالفاعل هو الله، أما إذا أُخذ الإنسان بمفرده، فالفعل يُنسب إلى الإنسان ويُعتبر هو الفاعل. ثم في دراسة هذا القول، أظهر أنه مبني على تصور صوفي للعالم الوجودي وغير مفهوم (شاهرودی، ۱۴۳۳، ج ۲، ص ۲۹)، ويعتقد أنه لا برهان على هذا الأمر ولا توافق وجداني معه (عبدالساتر، ۱۴۲۳‌، ج ۲، ص ۶۴‌). يبدو أن قصد الصدر هو أن الفهم الوجداني لهذه الحقيقة ليس عن طريق العلم التحصيلي والدقة العقلية، بل عن طريق صفاء الباطن والسلوك الصوفي، ولذلك ليس مفهومًا لكل الناس، كما يؤكد الصدر المتألهين على هذا الأمر (ملاصدرا، ۱۹۸۱، ج ۱، ص ۸۷‌ و ج ۲، ص ۳۰۱‌). من جهة أخرى، البرهان الذي أقامه ملاصدرا مبني على أساسه وهو تساوي الواقع والوجود، ولا يمكن أن يكون مقبولًا عند الصدر.

على أي حال، الشهيد الصدر لا يقبل كون المعلولات روابط. لكن هذا لا يعني إنكار الرابط كواقع خارجي، لأنه يعتبر النسبة والرابط بين شيئين حقيقيين من أمور العالم الواقعي. الصدر يعتقد أن هذا الرابط، مع أنه غير موجود في الخارج، لكنه واقعي. هذا القول مبني على نفس أساس عدم تساوي الواقع والوجود. لذلك، في مواجهة منكري وجود الرابط، يؤكد أن هذا الإنكار إذا كان بمعنى إنكار وجود شيء سوى وجود طرفي النسبة، فهو مقبول، لكن إذا كان بمعنى إنكار مطلق لواقعيته بحيث لا يرى أي واقع للرابط في الخارج، فهذا قول باطل، لأننا نجد بوضوح واقع الرابط بين شيئين مرتبطين ومنسوبين لبعضهما، وهو واقع لا يوجد في زمن عدم العلاقة بينهما (شاهرودی‌، ۱۴۳۳، ج ۱، ص ۲۴۸). بعبارة أخرى، عقلنا في إدراك هذه النسبة غير نشط وله حالة انفعال، وهذا بحد ذاته يدل على واقع خارجي لتلك النسبة؛ إذًا من وجهة نظر الصدر أيضًا، إطلاق الوجود على الرابط من باب الاشتراك اللفظي، ومن الأفضل أن نسميه “واقع الرابط” (شاهرودی، ۱۴۳۳، ج ۱، ص ۲۴۸‌).

على الرغم من تشابه ظاهر ادعاء الشهيد الصدر و ملاصدرا هنا، إلا أنه كما لوحظ، لكل منهما صورة مختلفة عن الرابط ومكانته في العالم الواقعي. ومن بين هذه الاختلافات أن الصدر، خلافًا لملاصدرا، يرى الرابط بين شيئين أبعد من كونه رابطًا بين الموضوع والمحمول، ويعتبر أن كل نسبة بين شيئين لها واقعيتها. ولهذا، فإن النسب مثل السعة، والمعية، والصفة، والابتداء، والتقارن، كلها داخل في العالم الواقعي (شاهرودی، ۱۴۳۳، ج ۱، ص ۲۴۸ و ج ۳، ص ۳۳۴). وهذه النسب في النظام الصدري هي مصدر خلق حالة وهيئة للموضوع، وهذه الهيئة القائمة على الموضوع تظهر في قالب مقولاتي جوهري (طباطبایی، ۱۴۳۶، ج ۱، ص ۲۱۶). وهذه المقولات التي تسمى المقولات السبعة النسبية، يتم تفسير واقعيتها في نقاش نسبة الواقع إلى الجوهر من وجهة نظر الشهيد الصدر وملاصدرا.

٢. نسبة الواقع إلى الجوهر من وجهة نظر الشهيد الصدر وملاصدرا

رغم أن الجوهر في نظر صدر المتألهين له نسبة متساوية إلى الواقع والعدم، إلا أن حد وتعيين الواقع الخارجي هو. فإذا لم يكن هذا التعيين أو الحد أو النفاد في الخارج، فهذا يعني أن الوجود الممكن سيكون بلا حد ولا حصر. بينما الممكن له وجود محدود؛ لذلك، الجوهر له واقع وليس مجرد أمر ذهني (امینی نژاد، ۱۳۹۴، ص ۱۵۸) بل هو ظهور وتجلي للوجود، وفي الخارج بواسطته ومتحدًا معه، هو واقع (ملاصدرا، ۱۹۸۱، ج ۱، ص ۲۴۸‌؛ ملاصدرا‌، ۱۳۹۴، ص ۱۳۶).

الشهيد الصدر أيضًا قبل بتحقق الجوهر خارجيًا. فهو مثل ملاصدرا لا يعزو للجوهر بما هو جوهر وجودًا، لكنه في تقسيم الأمور الواقعية إلى واقعي بالوجود وواقعي بالذات، يعتبر الجوهر الموجود واقعيًا بالوجود والجوهر المعدوم من مصاديق الواقعي بالذات (حائری، ۱۴۳۲، ج ۳، ص ۲۵۲ و ۲۵۴). ومن وجهة نظره، علاقة الوجود بالجوهر هي علاقة إضافة إشراقية. إضافة يكون فيها المضاف معبرًا عن المضاف إليه، وثبوت المضاف إليه بنفس ثبوت المضاف (عبدالساتر، ۱۴۲۳، ج ۸، ص ۱۷۸).

مع وجود اشتراك وجهة نظر الشهيد الصدر مع ملاصدرا في كيفية واقع الجوهر في الخارج، لا يمكن اعتبارهما متوافقين في هذا المسار، لأن الشهيد الصدر خلافًا لصدر المتألهين لم يقبل بعض المقولات الأرسطية مثل الجدة والأين (صدر، ۱۳۹۴، ص ۱۸۰). كما أنه يصور واقع مقولة الإضافة بطريقة أخرى، ويعتبرها ليست واقعًا بالوجود بل واقعًا بالذات. والنتيجة أن وجهة النظر المعبر عنها حول كيفية واقع الجوهر يجب نسبتها فقط إلى ثلاثة مقولات هي الجوهر، الكم، والكيف عند الشهيد الصدر، ويُعتبر موافقًا لملاصدرا فيها. أما بالنسبة للمقولات النسبية، فيجب دراسة فكر هذين المفكرين بشكل منفصل ومقارن.

٢.١. المقولات النسبية السبعة

المقولات النسبية هي مقولات فيها نوع من النسبة. بين الفلاسفة، هناك اختلاف حول ما إذا كانت هذه المقولات، أي الإضافة، الأين، المتى، الوضع، الجدة، أن يفعل، وأن ينفعل، لها واقع أم أنها أمور اعتباريّة ومن المعقولات الثانية؟ (ابن سینا، ۱۳۹۴، ص ۱۵۹؛ مصباح یزدی، ۱۳۹۴، ج ۲، ص ۲۳۵ و ۲۳۷).

صدر المتألهين أجاب عن هذا السؤال بالنسبة لمقولة الإضافة، ويمكن اعتبار هذا الجواب وجهة نظره في كل المقولات النسبية. فهو يعتقد أن الإضافة موجودة في الخارج ولها واقع (ملاصدرا، ۱۹۸۱، ج ۴، ص ۲۰۰ و ۲۰۴)، لكن واقع الإضافة الخارجي لا يعني وجود كيان مستقل من الوجود عن طرفي الإضافة، بل في الخارج هي عارضة عليهما وتمتلك مرتبة ضعيفة من الوجود (ملاصدرا، ۱۹۸۱، ج ۱، ص ۳۳۷)، لكن العقل يستخلص من طرفي الإضافة، وهما النسبة المتكررة بينهما، هذا المفهوم ويعتبره في الذهن مستقلًا (ملاصدرا، ۱۹۸۱، ج ۱، ص ۲۰۴؛ طباطبایی، ۱۴۳۶، ج ۱، ص ۲۱۸). صدر المتألهين يقبل أن هذا الاستنتاج وتحويل الواقع الخارجي إلى الذهن يتطلب نوعًا من الثانوية في التعقل، ولهذا فإن المقولات النسبية تشبه المعقولات الثانية الفلسفية (ملاصدرا، ۱۹۸۱، ج ۱، ص ۳۳۲)، لكن هذا لا يعني ذهنية هذه المقولات، بل هي موجودة في الخارج ولها واقع.

الشهيد الصدر أيضًا يعتبر الإضافة من الأمور الواقعية لكنه واقعي بالذات. ففي مثل الإضافة العليا-السفلى، يؤكد أن هناك هيئة في الخارج خارج الذهن تُحمل عليها صفة التفوق، وهي المابازاء الخارجي لهذا المفهوم، لكنها غير موجودة (شاهرودی‌، ۱۴۳۳‌، ج ۳، ص ۴۳). التفوق، التحتية، الأبوة، الابن، وما شابهها من الأمور، هي أعرض ومفاهيم مستخلصة ومن مقولة الإضافة، وهي صفات لموضوعها. وهو يعتقد أنه إذا كان ظرف اتصاف الموصف بهذه الصفات في الخارج، وزيد في الخارج أب، وعمرو في الخارج ابن، وليس في الذهن، فلا يمكن اعتبار ظرف العرض ذهنًا ولا الإضافة أمرًا ذهنيًا (شاهرودی، ۱۴۳۳، ج ۳، ص ۴۳). ظرف العرض هو ظرف يكون فيه الموصف والصفة أمرين منفصلين عن بعضهما. كيف يمكن أن يكون العرض، وبالتالي علاقة الأبوة في الذهن، وزيد أب في الخارج؟ كما أن زيد رئيس في الخارج لكن الرئاسة أمر تعاقدي وذهني.

الشهيد الصدر لا ينقل هذه الرؤية عن مقولة الإضافة إلى المقولات النسبية الأخرى، ويعتقد أنها أمور ذهنية ومستخلصة، أي عندما نتخيل، مثلاً، إنسانًا بلباس معين، نستخلص من نسبة ذلك الفرد إلى اللباس، ومن نسبة اللباس إلى الفرد، هيئة خاصة سمّاها الفلاسفة مقولة الجدة، لكن خلافًا لما يدعيه هؤلاء، لا يوجد برهان على تحقق هذه الهيئة في الخارج. بعبارة أخرى، من وجهة نظر الصدر، الادعاء بأن المقولات الأرسطية مبنية على الاستقراء في العالم الموضوعي (طباطبائی، ۱۴۳۶، ج ۱، ص ۱۵۱)، هو ادعاء خاطئ تمامًا، ولن ينتج عن الاستقراء مثل هذا الاستنتاج (صدر‌، ۱۳۹۴‌، ص ۱۸۰).

٢.٢. لوازم الجوهر

لوازم الجوهر بناءً على مبدأ أصالة الوجود عند صدر المتألهين، هي في الحقيقة لوازم الوجود، وكما هو الحال مع نفسه

الماهيات، هي تجلّيات الوجود، وحتى بواسطة الوجود تُحمّل على الماهيات (ملاصدرا‌، ۱۹۸۱‌، ج ۱، ص ۲۴۸‌؛ طباطبایی، ۱۴۳۶، ج ۱، ص ۲۴). المراد بالوجود، هو الوجود الذهني والخارجي على حد سواء، والماهية التي لا وجود خارجي لها لها لوازم بواسطة وجودها الذهني. بالطبع، يُعرّف الملا صدرا لوازم الماهيات بأنها «من قبيل المعقولات الثانية» (ملاصدرا، ۱۹۸۱‌، ج ۱، ص ۳۳۲‌)، لكن هذا التعبير لا يعني أن لوازم الماهيات هي معقولات فلسفية ثانية بالمعنى الذي يكون فيه واقعها مثل المعقولات، بل هو إشارة فقط إلى أن هذه المفاهيم من حيث المعرفة تتمتع بثانوية في التعقل.

لوازم الماهيات من وجهة نظر الشهيد الصدر هي أيضًا من جملة الحقائق، لكنه خلافًا للملا صدرا، يعتقد أنها ثابتة للماهيات حتى بدون اعتبار الوجود، بل حتى في فرض العدم. فهو يرى لوازم الماهيات كواقع مستقل عن الوجود وبالذات، ويستدل على ذلك بصدق جملة مثل «الأربعة غير الموجود زوج»؛ فالعدد أربعة، حتى لو لم يكن له وجود ذهني واعتُبر معدومًا مطلقًا، يُحمّل عليه الزوجية. ويُنوّه بأنه لا يقصد بـ«الأربعة غير الموجود بالحمل الشائع» لأن ذلك واضح أنه في هذه الحالة يكون الأربعة غير الموجود موجودًا بالوجود الذهني، بل المراد «الأربعة غير الموجود بالحمل الأول» (عبدالساتر، ۱۴۲۳، ج ۵، ص ۳۰۰)، أي ماهية الأربعة التي أفرغها العقل من الوجود المطلق واعتبرها بدون اعتبار وجود ذهني أو خارجي، وليس أنه اعتبرها عدم وجود (سبزواری، د.ت.، ج ۲، ص ۹۰). هذه الماهية أيضًا تمتلك الزوجية، ووفقًا لقاعدة الفرعية، ثبوت الزوجية لها فرع على ثبوت الماهية نفسها، وبما أن الماهية غير موجودة ومعدومة في الذهن والخارج، فإن واقعها وثبوتها ليس بالوجود بل بالذات.

قد يُثار على أساس مبدأ أصالة الوجود لدى الشهيد الصدر اعتراض بأن لوازم الماهية هي آثار تلك الماهية، ولا يمكن أن تكون آثار الماهية بالذات مستندة إلى الماهية نفسها، بل هي أصالة مرتبطة بالوجود، وبالتالي إذا اعتُبرت ماهية معدومة، فلا يمكن أن يكون لها أثر أو لازم. يجيب الشهيد الصدر على هذا الاعتراض بأن نسبة لوازم الماهية إلى الماهية هي نسبة صفة إلى موصوف، لا نسبة معلول إلى علتِه. فالأربعة موضوع الزوجية، وليس سببها. لأن لوازم الماهية، كما ذُكر، هي حقائق بنفسها وبدون وجود، وليست مخلوقة ولا لها سبب يخلقها، بل هي واجبة بالذات، وإن لم تكن واجبة الوجود بالذات (عبدالساتر، ۱۴۲۳، ج ۲، ص ۲۷۹).

٣. علاقة الواقع والمعقولات الثانية الفلسفية من وجهة نظر الشهيد الصدر والملا صدرا

المفاهيم والمعاني الكلية الذهنية، في تقسيم مشهور، تُقسم بحسب اعتبار ظرف العروض واتصاف محكّيها إلى ثلاثة أقسام: (١) المعقولات الأولى التي عروضها واتصافها خارجي (٢) المعقولات الثانية المنطقية التي عروضها واتصافها كلاهما في الذهن (٣) المعقولات الثانية الفلسفية التي عروضها في الذهن، لكن اتصافها في الخارج (سبزواری، د.ت.، ج ۲، ص ۱۶۵). والمراد بظرف العروض هو ظرف التغاير وازدواجية العارض مع المعروض بحيث يكون للطرفين وجود مستقل ومنحاز. والمراد بظرف الاتصاف هو ظرف اتحاد الطرفين، حيث لا يلزم وجود مستقل للعارض المنحاز والمتغاير مع المعروض (اسماعیلی، ۱۳۸۹، ص ۴۵۳).

وبهذا التوضيح، المعقولات الثانية الفلسفية هي معقولات عروضها وجانب تغايرها مع المعروض في الذهن، لكن اتصافها وجانب وحدتها في الخارج. أوصاف الوجود مثل: الإمكان، الوجوب، الوحدة، القوة، الفعل… كلها من هذا النوع أي المعقولات الثانية الفلسفية. هذه المعقولات في الخارج لا تملك فردًا ولا مصداقًا، بل هي أمور ذهنية وانتزاعية مصدر انتزاعها فقط في الخارج، أو بمعنى آخر، الموصوف موجود بطريقة ما بحيث يكون منشأ انتزاع ذلك المفهوم والصفة (اسماعیلی، ۱۳۸۹، ص ۳۳۶).

الملا صدرا، فيما يخص المعقولات الثانية الفلسفية، لم يقبل القول الشائع، واستدل بأن «الاتصاف هو نسبة بين شيئين متغايرين من حيث الوجود، فلا معنى لأن يكون أحد الطرفين موجودًا في ظرف الاتصاف والآخر غير موجود في ذلك الظرف» (ملاصدرا، ۱۹۸۱، ج ۱، ص ۳۳۶). في ظرف الاتصاف، لا يمكن أن يكون الموصوف فقط موجودًا والصفة أمرًا ذهنيًا. ومن وجهة نظر الملا صدرا، حتى تصريح الفلاسفة بأن وجود الموصوف بطريقة ما هو منشأ لصحة هذا الانتزاع لا يحل المشكلة. فالاتصاف بدون وجود الطرفين لا معنى له، وحتى يكون هناك ارتباط واتصاف يجب أن يكون الطرفان موجودين.

من بين المحشّين البارزين في الأسفار، لم يقبل المحقق السبزواري كلام الملا صدرا واحتج عليه بشدة، واعتبره مهددًا لكثير من قواعد الفلسفة. ورأى أن عدم لزوم وجود طرفي الاتصاف في الخارج أمر بديهي، ودليل ذلك هو حمل عدميات على الموجودات الخارجية (ملاصدرا، ۱۹۸۱، ج ۱، ص ۳۳۶، تعلیقه سبزواری). في المقابل، حاشية العلامة الطباطبائي تقبل قول الملا صدرا وتعتبره حقًا صريحًا لا جدال فيه. ويشير العلامة إلى أن تحقق قضية يكون أحد طرفيها ذهنيًا لا معنى له، ولذلك يجب أن يكون طرفا الرابط في ظرف تحقق الرابط موجودين (ملاصدرا، ۱۹۸۱، ج ۱، ص ۳۳۷، تعلیقه طباطبایی‌ ).

على أي حال، أكد صدر المتألهين على معارضته للمشهور، وعلى خلافهم، يرى كل من العرض والاتصاف للمعقولات الثانية الفلسفية في الخارج، وللدفع عن هذا التصور الخاطئ بأن وجود المعقولات الثانية الخارجية يجب أن يكون مثل موصوفها، يؤكد أن وجود الأشياء يختلف، ولكل شيء حظ خاص من الوجود. وهذه الصفات أيضاً لها وجود، لكن حظها من الوجود حظ ضعيف جداً (ملاصدرا، ۱۹۸۱، ج ۱، ص ۳۳۷‌) بحيث تندمج في الوجود الخارجي وتُعتبر من حيثياته (امینی نژاد، ۱۳۹۴‌، ص ۱۶۱‌). ربما يمكن، بناءً على بعض عبارات صدر المتألهين، تسمية طريقة وجود هذه المعقولات بالانتزاعية؛ لكن الانتزاعية في كلام ملاصدرى تختلف عن الانتزاعية التي طرحها الفلاسفة قبله. المراد من وجود انتزاعي عند ملاصدرى لهذه الأوصاف هو أنه بما أن هناك اتحاد وجودي في الخارج بين محك هذه المفاهيم، وكل منها هي حيثيات مختلفة لوجود واحد، فمن أجل فصل واستقلال هذه المفاهيم في الذهن، هناك حاجة إلى نوع من الانتزاع. إذن، الوجود الانتزاعي هو وجود لا يتحقق في ذاته، بل هو فرع تحقق الوجود (اسماعیلی، ۱۳۸۹، ص ۴۱۷).

وفقاً لهذا الرأي عند صدر المتألهين، اتسعت الحقيقة وأصبحت تشمل، بالإضافة إلى الوجود والماهيات، المعقولات الثانية الفلسفية التي تكتسب خارجية وواقعية، رغم أن وجودها الخارجي ضعيف جداً. معارضة الرأي المشهور للفلاسفة حول المعقولات الثانية الفلسفية ليست حصرية لملاصدرى، فشهيد صدر أيضاً لا يقبل هذا التقسيم. فهو يرى هذا الرأي معرّضاً لعيبين. العيب الأول هو نفسه عيب صدر المتألهين. من وجهة نظر شهيد صدر، لا يمكن التفريق بين ظرف العرض وظرف الاتصاف للمعقول، ولا يمكن رؤية العرض في عالم والاتصاف في عالم آخر (شاهرودی، ۱۴۳۳‌، ج ۲، ص ۳۹۶). مثلاً، لا يمكن أن يُعرف وجود إمكانية منحازة ومستقلة في الذهن، ووجود الإنسان في الخارج. أما العيب الثاني فيبدأ بالسؤال: ما معنى ذهنية واعتباريّة هذه المعقولات – كما يدعي المشهور من الفلاسفة؟ يمكن طرح احتمالين:

١. إذا كان المراد من اعتبارها اعتباريّة هو أنها من صنع الذهن ولا حقيقة وراءها – كما هو الحال مثلاً في تصور بحر الزئبق – فإن بطلان هذا القول واضح، لأن من المعروف أن قضية مثل «الإنسان ممكن» تختلف عن قضية «بحر الزئبق موجود». العقل يعتبر القضية الأولى صادقة ويدرك واقعيتها بدون اعتبار الذهن والاعتبار، أما القضية الثانية فهي كاذبة إلا إذا كان المراد وجود بحر الزئبق الذهني وهو أمر اعتباري (شاهرودی،

۱۴۳۳، ج ۲، ص ۳۹۶).

٢. إذا كان المراد أن ذهن الإنسان حين يتصور الموصف يتحرك نحو اعتبار هذه الصفات والمفاهيم ويضطر إلى هذا الاعتبار، فيُطرح السؤال: كيف توجه الذهن نحو هذا الاعتبار؟ إذا قيل إن هذا الاعتبار الذهني نابع من الحالة الفسيولوجية للإنسان وليس له علاقة بالواقع الخارجي بل يتعلق بالذهن المفكر نفسه، فهذا غير مقبول ومخالف للوجدان والضرورة، لأن مثلاً قضيتَي «الإنسان ممكن» و«استحالة اجتماع النقيضين» هما قضيتان صادقتان وواقعتان بغض النظر عن وجود الذهن وطبيعة المفكر. نحن نرى هذه القضايا فوق الذهن، ونثبتها قبل الذهن في عالم لم يُخلق فيه مفكر.

أما إذا لم يكن هذا الاعتبار نابعاً من النظام الفسيولوجي للإنسان، فلا بد من قبول أن هذا الاعتبار نابع من نقطة وخصوصية في العالم الواقعي، ولأنه لا وجود لمثل هذا الأمر في الخارج، نقول إنه واقع لكنه غير موجود. بمعنى آخر، خارجية وواقعية هذه المعقولات هي بالذات لا بالوجود. لأن الوجود الخارجي، على الأقل في بعض هذه المعقولات مثل استحالة اجتماع النقيضين، مستحيل ويجب اعتبارها واقعاً غير موجود. ولا توجد معقولات فلسفية أخرى في الخارج لها مثال موجود (شاهرودی‌، ۱۴۳۳‌، ج ۲، ص ۳۹۶).

بناءً على هذه التوضيحات، شهيد صدر أيضاً، مثل صدر المتألهين، يقر بوجود واقع خارجي للمفاهيم الفلسفية مع اختلاف أن صدر يعتبر هذه الأمور حقائق غير موجودة، بينما ملاصدرى يعتبرها حقائق مندمجة في الوجود الخارجي ومن حيثياته.

٣.١. علاقة الواقع ومدركات العقل العملي

مدركات العقل العملي هي الخير والشر الأخلاقيان، التي تُعبّر عنها في علم المنطق بصيغة قضايَا المشهورات أو الآراء المحمودة، وتُفسر بطريقة تدل على أنها ليست من الخارج بل اعتباريّة (ابن سینا، ۱۴۳۵، ج ۱، ص ۲۱۹؛ مظفر، ۱۴۲۶، ص ۳۴۲). لكن فلاسفة الأخلاق ليس لديهم اتفاق على محك هذه القضايا، فبعضهم يرى لها واقعاً خارجياً ويعتبرون أنفسهم واقعيين أخلاقياً، بينما يرى آخرون أن هذه القضايا اعتباريّة ولا تمتلك واقعاً خارجياً (شیروانی، ۱۳۸۶، ص ۲۲۔۲۳). لذلك، طريقة الإجابة على هذه المسألة يمكن أن توسع أو تضيق دائرة العالم الواقعي.

صدر المتألهين لم يتحدث صراحة عن واقع هذه القضايا، رغم أنه من المحتمل أنه، مثل غيره من الفلاسفة، ينكر هذا الواقع ويرى مدركات العقل العملي كاعتبار ذهني للإنسان. ومع ذلك، يعتقد بعضهم أن امتداد آراء ملاصدرى يؤدي إلى نتيجة أخرى، ويمكن بناءً على مبادئه تثبيت الواقعية الأخلاقية (محمدی منفرد، ۱۳۹۲، ص ۱۰۱).

المسار الذي سلكه هؤلاء الباحثون في شأن ملاصدرى مشابه للطريق الذي سلكه شهيد صدر قبلاً، وإن كان بدون الإشارة إلى مبادئ ملاصدرى. حين ينتقد شهيد صدر رأي بعض الفلاسفة في اعتبار قضايَا الأخلاق اعتباريّة، يحاول أن يبرهن هذا الرأي وفق مبادئهم. في برهانه، يبين أنه إذا اعتبر فيلسوف المعقولات الثانية الفلسفية حقائق خارجية (وليس فقط مصدر الانتزاع في الخارج)، فإن الخير والشر الأخلاقيين، اللذين هما من المعقولات الثانية الفلسفية، يدخلان في العالم الواقعي ويكتسبان واقعاً.

برهان صدر لصالح الفلاسفة الذين يرون أن الحسن والقبح اعتباريان هو برهان خلفي. يقول إن الحسن والقبح، إذا كانا واقعيين، فلا مخرج من حالتين: إما أن تكونا مفاهيم ماهوية ومن الأعراض، أو أن تكونا من المعقولات الثانوية الفلسفية. وبقليل من التدقيق يتضح أن الخير والشر لا يمكن أن يكونا من الأعراض. فالأعراض بحسب الرأي المشهور ليست مقولات. المذهب الوحيد الذي يُظن أن الحسن والقبح يقعان تحته هو مذهب الكيف. ومع ذلك، فإن قبول كونهما كيفاً غير مقبول. والدليل على ذلك أن الأفعال تُوصَف بالحسن والقبح قبل وجودها، أي أن الحسن والقبح يتحققان قبل تحقق موضوعهما، في حين أن الأعراض (بما فيها الكيفيات) لا يمكن أن تتحقق قبل وجود موضوعها. فالعدل والظلم، حتى لو لم يكونا موجودين في الخارج، لهما الخير والشر؛ أما مثلاً الحجر الأبيض فيتصف بالبياض حين يكون موجوداً في الخارج، وإلا فلا يكون للحجر لون قبل تحقق خارجي. إذن الحسن والقبح لا يقعان تحت أي من المقولات العارضة التسع. فهل يمكن أن يكونا من المعقولات الثانوية الفلسفية؟ الجواب، بناءً على المذهب المشهور للفلاسفة، هو النفي، لأن المعقولات الثانوية الفلسفية عندهم أمور مجردة منشأ تجريدها في الخارج، بينما لا يمكن إيجاد وجه مشترك بين جميع الأفعال المختلفة التي توصف بالحسن أو القبح ليكون منشأ تجريد هذه المعقولات الفلسفية. وبعبارة أخرى، الأفعال متباينة ولا يمكن تجريد مفهوم واحد من هذه الأمور المتباينة (حائری، ۱۴۳۳، ج ۱، ص ۴۴۶).

بعد إيراد البرهان السابق، قام صدر نفسه برفضه، واعتبر الفهم الخاطئ المشهور للمعقولات الثانوية الفلسفية واعتبار هذه المفاهيم مجردة، كاعتراض على البرهان. لذلك، إذا وافقه أحد مثل صدر المتألهين واعتبر هذه المفاهيم دالة على واقع في الخارج، فإن الاستدلال يعطي نتيجة معاكسة ويثبت الواقعية الأخلاقية (حائری، ۱۴۳۳، ج ۱، ص ۴۴۷).

من هنا يتضح موقف الشهيد صدر من مدركات العقل العملي. فهو، خلافاً لملاصدرا، أبدى رأياً صريحاً في هذه المسألة واعتبر هذه المدركات من قبيل الحقائق (حائری، ۱۴۳۳، ج ۱، ص ۴۳۸‌). مدركات العقل العملي، وبعبارة أخرى الحسن والقبح في الأفعال، لها تعريف دقيق عند الشهيد صدر يظهر فيه واقعيته في الأخلاق. فالحسن والقبح يعنيان «استحقاق الفعل أو تركه» وهما «ضرورات أخلاقية ليست اعتباريّة بل واقعية». وهذه الضرورة ليست ضرورة تكوينية (وجوب) التي هي وصف وجودي وبحسب الفلاسفة معقول ثانٍ فلسفي يُدرك بالعقل النظري، بل هي ضرورة في طول نسبة «السيطرة» التي هي نسبة واقعية بين سيطرة الإنسان على فعله وتقع في عرض الوجوب والإمكان. والسيطرة هي اختلاف آخر بين صدر والفلاسفة الإسلاميين في بحث مواد القضايا، وتوضيحها خارج موضوع هذا المقال (رک: حائری، ۱۴۳۳، ج ۱، ص ۴۳۸۔۴۴۳).

على أي حال، اعتبر الشهيد صدر العقل العملي مدركاً للحقائق واعتقد أن كل ما تدركه هذه القوة الإنسانية من عالم الواقع (صدر، ۱۴۲۶، ج ۲، ص ۲۸۹) حتى وإن لم يكن موجوداً في الخارج. بالمقابل، فإن آراء صدر المتألهين وفرت إمكانية إثبات الواقع الخارجي للحسن والقبح وأظهرت أنهما موجودان في الخارج.

٣. ٢. علاقة الواقع بالمعدومات

في استدلاله الذي أثبت به وجود المعقولات الثانوية في الخارج، يقول صدر المتألهين إن «إعدام الملكة» أيضاً، مثل هذه المعقولات، موجود في الخارج. وإن كان هذا الوجود ليس وجوداً جوهرياً مستقلاً أو وجوداً انضمامياً، لكنه يمتلك نوعاً آخر من الوجود في نطاق وجود الموضوع، ويسمى وجوداً ضعيفاً (صدر، ۱۴۲۶، ج ۲، ص ۳۳۷). ملاصدرا لا يعتبر عدم إيجاد إحساس بإعدام الملكة وأمور مثل المقولات النسبية، والمعقولات الثانوية الفلسفية، والقوى والقدرات في الخارج، بعد البرهان على أصل وجودها، دليلاً على عدم وجود هذه الأمور.

أما الشهيد صدر، فرغم موافقته على استدلال ملاصدرا وتطبيقه على المعقولات الثانوية وكذلك المقولات النسبية، إلا أنه في مسألة الأوصاف العدمية يوافق تعليق المحقق السبزواري ويرى أن اتصاف الشيء بوصف عدمي غير معقول. فهو يعتقد أن نسبة النعت (نسبة الاتصاف) بين الأوصاف العدمية وموصوفاتها لا تتشكل لا في عالم الوجود ولا في عالم الواقع (شاهرودی، ۱۴۳۳، ج ۳، ص ۳۳۵)، وإذا قيل «زيد أعمى» فهو مجرد اعتباري تشكّل في موطن الذهن، وتم إقامة علاقة ذهنية وإنشائية بين زيد والعمى (شاهرودی، ۱۴۳۳، ج ۳، ص ۳۳۶).

رغم أن الأوصاف العدمية من وجهة نظر الشهيد صدر ليست واقعية، فإن الإعدام المضاف الآخر موجود في الخارج وواقعي بالذات (حائری، ۱۴۳۲، ج ۳، ص ۲۵۴). فالطفل الذي لا يملك زيداً هو واقع وليس اعتباري من الذهن؛ لذلك فالجملة «طفل زيد معدوم» أو «شريك الباري ممتنع وغير موجود» صحيحة، وقاعدة الفرعية تقتضي أن موضوع هذه القضايا، وهي أمور معدومة، مثبتة وواقعية، ولأنها غير موجودة يجب قبول أن هذه الإعدامات هي واقع غير موجود (شاهرودی، ۱۴۳۳، ج ۳، ص ۳۳۷).

٤. تقييم رؤية الشهيد صدر ومقارنتها بالفكر الصدري

قسم الشهيد صدر الأمور الواقعية إلى واقعي بالوجود وواقعي بالذات، واعتبر الواقع أعم من الموجودات. وتعبير آخر عن ادعاء الشهيد صدر هو أن الواقع واللاواقع متناقضان، لكن علاقة المفهومين وجود وعدم هي علاقة تضاد لا تناقض. ودليل الشهيد صدر على ذلك كانت القضايا الخارجية التي لم يكن لها مطابق في الخارج، ومع ذلك اعتبرها العقل صادقة وثابتة وأدرك لها واقعاً.

تم نقد استدلال الشهيد صدر بهذا الشكل أن معيار صدق القضايا هو الواقع المنطقي لا الواقع الفلسفي. بمعنى أن ما يستند إليه صدق القضايا ليس ذلك الواقع الذي له وجود خارجي وموضوعي، بل الحقيقة التي يُشار إليها في الفلسفة الإسلامية بمصطلح نفس الأمر. وبعبارة أخرى، خلط الشهيد صدر بين النظرة المعرفية والنظرة الوجودية، وإلا فإن الفلاسفة أيضًا كانوا مهتمين بصدق هذه القضايا وتناولوا ذلك، وقدموا تفسيرات مختلفة لنفس الأمر باعتباره معيار صدق القضايا، من بينها تفسير العلامة الطباطبائي الذي يرى نفس الأمر مطلق الثبوت الذي يعتمده العقل للمفاهيم الفلسفية تبعًا للوجود أو الجوهر (اسالم و فقیه، ۱۳۹۸، ص ۲۲۰).

رغم أن الشهيد صدر لم يشِر إلى التفسيرات المختلفة لنفس الأمر، إلا أنه أشار إلى تفسير المحقق الطوسي وصدرا المتألهين ونقدهما، مبينًا أنه لم ينتبه إليهما. فالمحقق الطوسي يرى نفس الأمر على أنه العقل الفاعل الذي تُنقش فيه صور العالم الواقعي، ومن ثم يرى صدق القضايا الخارجية مرتبطًا بمطابقتها لهذه الصور (طباطبایی، ۱۴۳۶‌، ج ۱، ص ۲۸‌). أما ملاصدرا فيفسر نفس الأمر بالعلم الإلهي ويعتبر القضية صادقة إذا كانت مطابقة لعلم الواجب تعالى (ملاصدرا، ۱۹۸۱، ج ۶، ص ۲۶۲). لكن الشهيد صدر لم يقبل هذه التبريرات، ويرى أن العقل يدرك صدق القضايا الخارجية مستقلًا عن العقل الفاعل والعلم الإلهي. فمثلاً استحالة اجتماع النقيضين تُدرك بالوجدان دون الحاجة إلى العقل الفاعل أو العلم الإلهي. وبعبارة أخرى، نحن ندرك صدق هذه القضية حتى في عالم لا يوجد فيه عقل فاعل أو واجب الوجود (شاهرودی، ۱۴۳۳، ج ۲، ص ۳۹۶).

ولا يمكن لتفسير العلامة أن يكون تبريرًا مناسبًا من وجهة نظر الشهيد صدر، لأنه يرى أن القضايا الخارجية لا تعتمد على الذهن والاعتبار، وحتى لو لم يكن هناك فاعل معرفي، فإن هذه القضايا صادقة. بينما يؤكد العلامة أن نفس الأمر بمعنى مطلق الثبوت يأتي من توسع اضطراري للعقل (طباطبایی‌، ۱۴۳۶، ج ۱، ص ۲۸)، وبالتالي يعتمد على ذهن الفاعل المعرفي. وبعبارة أخرى، إذا لم نكن موجودين ولم يُحدث عقلنا توسعًا في نفس الأمر، فإن استحالة اجتماع النقيضين أو شريك الباري، وإمكانية الإنسان، وزوجية العدد أربعة، وعلاقة الاستلزام بين السبب والمسبب، تبقى حقائق موجودة في العالم ولها حقيقة. ويبدو أن النقد الموجه للشهيد صدر بشأن واقع المعدومات في الخارج وارد، لأن معيار القضايا التي تخبر عن المعدومات، بحسب تعبير العلامة الدقيق، هو عدم الوجدان لا وجدان العدم (ملاصدرا، ۱۹۸۱، ج ۱، ص ۳۴۹، تعلیقه طباطبایی). نحن من خلال هذه القضايا نُبلغ بعدم وجود هذه الأمور في الخارج، لا من خلال إيجاد العدم لها في الخارج.

إلى جانب هذا النقد، اتُهمت رؤية الشهيد صدر بأنها مخالفة للوجدان والبداهة، مع التبرير بأنه قد تجاوز الحكم العقلي الأشد بداهة وهو ارتفاع النقيضين، ووضع وسيطًا بين الوجود والعدم (اسالم و فقیه، ۱۳۹۸، ص ۲۲۰)، لكن هذا النقد أيضًا غير كامل، لأنه دون النظر في استدلال الشهيد صدر، يُقال فقط إن مدعاه مخالف للبداهة، بينما كل جهد صدر هو بيان أن المشهورين أخطأوا باعتبار هذا الأمر بدهيًا، وهذا الاعتقاد هو الذي وضعهم في مأزق في مسائل فلسفية مختلفة (حائری، ۱۴۳۳، ج ۵، ص ۱۹۶).

من جهة أخرى، إذا كان ترك الأمر البدهي المزيف بسبب تعارضه مع نتيجة الاستدلال يُعد مخالفة للوجدان والبداهة، فيجب القول إن ملاصدرا أيضًا ارتكب مثل هذه المخالفة في موقف آخر من وجوديته. حيث حاول إثبات وجود الخارجي للمقولات الفلسفية الثانوية، وإعدام الملكة، والمقولات النسبية، واتُهم من قبل السبزواري بمخالفة البداهة. فقد رأى ملاصدرا وجود طرفي الاتصاف في ظرف الاتصاف ضروريًا، بينما نقض السبزواري كلامه بصفات عدمية وأعلن أن عدم وجودهما بدهي. تصرف ملاصدرا بكل جرأة وفق مقتضى البرهان وتجاوز الأمر البدهي المزيف، واعتبر للمقولات الفلسفية، والصفات العدمية، والمقولات النسبية وجودًا ضعيفًا. في الحقيقة، النزاع بين ملاصدرا والسبزواري كان ناشئًا من تعارض نتيجة الاستدلال مع الأمر البدهي، أو بعبارة أخرى تعارض البرهان مع البداهة. وهو نزاع يُرى الآن أيضًا بين الشهيد صدر ومعارضيه. فصدر في مواجهة الجملة البدهي المزيفة التي تقول بتساوي الواقع مع الوجود، يقدم استدلالًا ويخلص إلى أن القضايا التي لا تتطابق مع الموجود في الخارج ولا تعتمد على الذهن والاعتبار، تدل على وجود حقائق غير موجودة في العالم الواقعي. وبالطبع، الفلاسفة الذين ظلوا في إطار مساواة الواقع بالوجود، ويعتبرون تناقض الوجود والعدم بدهيًا وإنكار ذلك مخالفة للفطرة، يجب أن يجدوا ردًا مناسبًا على استدلال صدر، وينظروا أيضًا في هذه النقطة: إذا كان السبب في تجاوز الأمر البدهي والوجداني هو الاستدلال، فلماذا يُقبل نفي بداهة عدم وجود المعدومات عند ملاصدرا، بينما لا يُقبل دعوة مراجعة بداهة «تساوي الواقع بالوجود» عند الشهيد صدر؟ وبعبارة أخرى، مع وجود اختلافات أساسية بين الشهيد صدر وملاصدرا، إلا أن هذين المفكرين اتبعا منهجًا موحدًا في اكتشاف الواقع، وكلاهما اختار جانب البرهان في تعارض البرهان مع البداهة.

إذا أردنا إضافة الشهيد صدر كطرف ثالث في نزاع صدرالمتألهين مع المحقق السبزواري، فإن المسألة تتحول إلى كيفية الجمع بين العبارات الأربعة التالية:

١. العبارة البدهيّة: «الواقع مساوي للوجود».

٢. العبارة البدهيّة: «الصفات العدمية ليست موجودة في الخارج».

٣. العبارة الناتجة عن استدلال ملاصدرا: «الصفة والموصوف كلاهما لهما ثبوت في ظرف الاتصاف».

٤. العبارة الناتجة عن استدلال الشهيد صدر: «معيار القضايا الخارجية له ثبوت في الخارج».

تحقيق سبزواري، گزاره بديهي اول و دوم را پذيرفته و با استدلال شهيد صدر و ملاصدرا مخالف است. ملاصدرا گزاره بديهي دوم را در مقابل گزاره سوم زير پا مي‌گذارد و با صدر در گزاره چهارم تاحدودي همراهي مي‌كند، يعني اگرچه واقعيت ماهيات معدوم در خارج را نمي‌پذيرد، اما اعدام ملكه را داراي وجود ضعيفي مي‌داند. در نهايت، صدر با پذيرش ادعاي سبزواري در بداهت گزاره دوم و همچنين قبول برهان ملاصدرا در كنار برهان خود، تساوي واقعيت و وجود را انكار مي‌كند.

شهيد صدر با ملاصدرا همراه نشد زيرا از نگاه او اتصاف شيء به اعدام، در خارج نامعقول بوده و گزاره دوم بديهي است. ملاصدرا نيز همراه با صدر نيست، زيرا او معقولات ثاني فلسفي، لوازم ماهيات، مقولات نسبي و اعدام ملكه را داراي حظي از وجود مي‌بيند و از اين رو از بداهت گزاره اول به هيچ وجه نمي‌گذرد. پس هر دو برهان را بر بداهت ترجيح داده و در امر بديهينما تجديدنظر مي‌كنند. توضيحي كه مي‌توانيم به ديدگاه هر دو انديشمند بيفزاييم آن است كه صدر گزاره «واقعيت مساوي با وجود است» را از آن جهت كنار زد كه آن را ناشي از عدم وجدان دانست نه وجدان عدم. به عبارت واضح‌تر وقتي ما در خارج به جز وجود نديديم، گمان كرديم واقعيتي غير از وجود نداريم در حالي كه نيافتن ما دليل بر نبودن نبود و صدر با استدلال خود اين اشتباه را نمايان كرد. از سوي ديگر ملاصدرا گزاره «اوصاف عدمي، در خارج موجود نيستند» را رد كرد چون اين گزاره نيز ناشي از عدم وجدان است نه وجدان عدم. استدلال او در موجود بودن اين اوصاف، سعي دارد توهم بداهت را از صورت اين گزاره بزدايد(جوادی آملی، ۱۳۸۶، ج ۴، ص ۴۳۳) هرچند در اينجا جاي اين تأمل باقي است كه آيا بداهت فوق از اين باب نيست كه موجود بودن امر معدوم، تناقض است؟

٥. النتيجة

الواقعية من منظور شهيد صدر و ملاصدرا لا تتشابه في تصويرها. الاختلاف الرئيسي يكمن في نظرتهم الشاملة إلى العلاقة بين الواقع والوجود. ملاصدرا يرى الواقع مساويًا للوجود، أما صدر فيرى الواقع أعم من الوجود. ومع هذا الاختلاف الأساسي، فإن مصاديق الواقع عند هذين المفكرين متقاربة تقريبًا.

وقد تم بيان هذه المصاديق في الشكلين التاليين. الاختلاف بين الصورتين يعبر عن تصوير مختلف للواقع في النظام الفكري لهذين المفكرين.

صدر المتألهين، على أساس أولوية الوجود، يعتبر الواقع الأصيل هو الوجود ويرى أن كل ما هو غير الوجود مثل المقولات العشرة، ماهيات، المعقولات الثانية الفلسفية وحتى إعدام الملكة، له واقع بفضل وجوده. في المقابل، شهيد صدر يعرف الخارج كشكل متكون من أمور مختلفة ومتباينة، والتي ليست بالضرورة كلها موجودة. يقسم الأمور الواقعية إلى قسمين: واقع بالوجود وواقع بالذات. مقولة الجوهر، الكم والكيف من الواقعيات بالوجود، والواقع الرابط، المعقولات الفلسفية، المقولات الزائدة، لوازم الماهيات، المدركات العقلية العملية والمعدومات من الواقع بالذات.

في الدراسة المقارنة لهذين المنظورين، تبين أن طريقة شهيد صدر وملاصدرا في اكتشاف الواقع متشابهة. كلاهما في التعارض بين البرهان والبداهة، اختار جانب البرهان وأعاد النظر في ما يبدو بدهيًا. ملاصدرا يعتبر ضرورة وجود طرفي الاتصاف في نفس ظرف الاتصاف سببًا يدفعه إلى رفض بداهة گزارة «الأوصاف العدمية غير موجودة في الخارج». أما گزارة بداهة «تساوي الواقع مع الوجود» فقد رُفضت من قبل صدر بهذا الاستدلال أن القضايا التي لا توجد لها مطابقات في الخارج وليست من صنع الذهن، هي صادقة ولها معيار خارجي، ولأنها لا وجود خارجي لها فهي واقع غير موجود. يبدو أن كلا الجملتين كانتا أساسًا لهذا الرفض من قبل هذين المفكرين، لأن الإنسان أحيانًا يظن أن عدم الوجدان هو وجدان العدم، كما أنه عندما لا يرى شيئًا غير موجود في الخارج يظن أن الواقع مساوي للوجود.

قائمة المراجع

ابن سینا. (۱۳۹۴). الالهیات من کتاب الشفاء. (الطبعة الخامسة ). (تحقيق: حسن حسن زاده آملی). قم: موسسه بوستان‌ کتاب‌.

ابن سینا. (۱۴۳۵ق ). الاشارات و التنبیهات. قم: نشر البلاغه.

اسالم، عباس؛ فقیه، حسین. (۱۳۹۸). تبیین و نقد نگاه شهید صدر به عالم واقع. تأملات فلسفی، ۹(۲۳)، ۱۹۷۔۲۲۴.

اسماعیلی، مسعود. (۱۳۸۹). معقول‌ ثانی‌ فلسفی در فلسفه اسلامی. قم: موسسه آموزشی و پژوهشی امام خمینی.

امینی نژاد. علی. (۱۳۹۴). حکمت عرفانی. (الطبعة الثالثة ). قم: موسسه آموزشی و پژوهشی امام‌ خمینی‌.

جوادی آملی، عبدالله. (۱۳۸۶). رحیق‌ مختوم‌ شرح حکمت متعالیه. (الطبعة الثالثة ). دون مكان النشر: مرکز نشر اسراء.

حسینی حائری، سید کاظم. (۱۴۳۲ق ). مباحث الاصول ۔القسم الاول. قم: دارالبشیر.

حسینی حائری، سید کاظم‌. (۱۴۳۳ق‌ ). مباحث الاصول ۔القسم الثانی‌. (الطبعة الثالثة ). قم: دارالبشیر

سبزواری، ملاهادی. (دون تاريخ). شرح المنظومه. (تعلیقه: حسن حسن زاده آملی). بیروت: موسسه التاریخ العربی.

شیروانی، علی. (۱۳۸۶). فر ااخلاق. (الطبعة الثانية ). دون مكان النشر: منشورات کانون اندیشه جوان.

صدر‌، سید‌ محمدباقر. (۱۳۹۴). گفتارهای بنیادین. (ترجمة: سید ابوالقاسم حسینی ژرفا). قم: دارالصدر.

صدر، سید محمدباقر. (۱۴۲۶ق ). دروس فی علم الاصول. (الطبعة السابعة ). قم: موسسه النشر الاسلامی.

شیرازی، صدرالمتالهین (ملاصدرا) (۱۳۹۴). الشواهد‌ الربوبیه‌ فی المناهج‌ السلوکیه. (الطبعة التاسعة ). (تصحيح: سید جلال الدین آشتیانی). قم: بوستان کتاب.

شیرازی، صدرالمتالهین (ملاصدرا) (۱۹۸۱م ). الحکمه المتعالیه‌ فی الاسفار الاربعه. (ج ۱). بیروت: دار احیاء التراث العربی.

طباطبایی، سید محمدحسین‌. (۱۴۳۶ق‌ ). نهایه‌ الحکمه. (الطبعة الثامنة ). قم: موسسه النشر الاسلامی.

عبدالساتر، حسن. (۱۴۲۳ق ). بحوث فی علم الاصول. دون مكان النشر: محبین‌.

‌‌محمدی‌ منفرد، بهروز. (۱۳۹۲). واقع گرایی اخلاقی با تاکید بر اندیشه صدرایی. پژوهش نامه‌ اخلاق‌، ۶(۱۹‌)، ۹۹۔۱۱۸.

مصباح یزدی، محمدتقی. (۱۳۹۴). آموزش فلسفه. (الطبعة الثانية ). قم: موسسه آموزشی و پژوهشی امام خمینی‌.

مظفر، محمدرضا. (۱۴۲۶ق ). المنطق. (تعلیقه: غلامرضا فیاضی). (الطبعة الرابعة ). دون مكان النشر: موسسه النشر الاسلامی‌.

هاشمی شاهرودی، سید محمود‌. (۱۴۳۳ق‌ ). بحوث فی علم الاصول. دون مكان النشر: موسسه الفقه و معارف اهل بیت (ع ).

References

Abd al-Satir, H. (1423 AH). Buhuth fi ʿIlm al-Usul (Taqriran li Abhath al-Shahid al-

Sadr), 1st ed. N.p: Muhibbin‌. [In Arabic]

Amini Nejhad, A. (1394 AP). Hikmat-i ʿIrfani [mystical wisdom], 3rd ed. Qom: Imam

Khomeini Education and Research Institute (ra). [In Persian]

Asalem, A., & Faghih, H. (2019). Explaining and Criticizing Shahid Sadr’s view‌ of‌ the

Real World. Philosophical Meditations, 9(23), 197-224.doi:

10.30470/phm.2020.38509. [In Persian]

Avicenna. (1394 AP). Al-Ilahiyat min Kitab al-Shifa [Shifa, Metaphysics], 5th ed. (H.

Hasanzadeh‌ Amoli‌, Research). Qom: Bustan-i Ketab. [In Arabic]

Avicenna. (1435 AH). Al-Isharat wa al-Tanbihat [Remarks and Admonitions]. Qom:

Balagha Publication. [In Arabic]

Esmaeily, M. (1389 AP). Maʿqul-i Thani-yi‌ Falsafi‌ dar Falsafe-yi Islami [secondary

philosophical intelligibles in Islamic philosophy], 1st ed. Qom: Imam Khomeini

Education and Research Institute (ra). [In Persian]

Hashemi Shahrudi, M. (1433 AH). Buhuth fi ʿIIlm‌ al‌-Usul‌ (Taqrirat al-Shahid Sadr),

1st‌ ed‌. N.p: Muassasat‌ al-Fiqh wa Maaref Ahlul Bayt. [In Arabic]

Hoseini Haeri, K. (1432 AH). Mabahith al-Usul (Taqriran li Abhath al-Shahid al‌-

Sadr‌) (vol‌. 1), 1st ed. Qom: Dar al-Bashir. [In Arabic‌]

Hoseini‌ Haeri, K. (1432 AH). Mabahith al-Usul (Taqriran li Abhath al-Shahid al-

Sadr) (vol. 2), 3rd ed. Qom: Dar al‌-Bashir‌. [In‌ Arabic]

Javadi Amoli, A. (1386 AP). Rahiq Makhtoum; Sharh-i Hikmat-i Muta‌ʿaliya [a

commentary on Mulla Sadra’s Transcendental Wisdom of the Four Journeys of

the Intellect], 3rd ed. N.p: Markaz-i Nashr‌-i Isra‌ʾ. [In‌ Persian]

Mesbah Yazdi, M.T. (1394 AP). Amuzish-i Falsafe [teaching philosophy], 2nd ed‌.

Qom‌: Imam Khomeini Education and Research Institute (ra). [In Persian]

Muhammadi Munfarid, B. (2013). Vaqeʿ Gerayi-yi Akhlaqi‌ ba‌ Ta‌ʾkid bar Andishe-yi

Sadra-yi [moral realism with emphasis on Mulla‌ Sadra‌’s thought‌]. Research

Quarterly In Islamic Ethics, 6(19), 99-118. [In Persian]

Muzaffar, M.R. (1426 AH). Al‌-Mantiq‌ [logic‌], 4th ed. (G. R. Fayyazi, Commentary).

N.p: al-Nashr al-Islami Publications. [In Arabic]

Sabzvari, M.H. (n.d.). Sharh al‌-Manzuma‌, 1st ed. (H. Hasanzadeh Amoli,

Commentary). Beirut: Muassasat al-Tarikh al-Arabi. [In Arabic‌]

Sadr‌, M.B. (1394AP‌). Guftarha-I Bunyadin [Foundational dialogues], 1st ed. (A.Q.

Hosseini Zherfa, Trans). Qom: Dar al-Sadr. [In‌ Persian‌]

Sadr, M.B. (1426 AH). Durus fi ʿIlm al-Usul [lessons in principles of jurisprudence‌],

7th‌ ed‌. Qom: Al-Nashr al-Islami Publications. [In Arabic]

Shirazi, S.M. (Mulla Sadra). (1394 AP). Al-Shawahid‌ al‌-Rububiyya fi al-Manahij al-

Sulukiyya, 9th ed. (J.D. Ashtiyani, Ed.). Qom: Bustan‌-i Ketab‌. [In‌ Arabic]

Shirazi, S.M. (Mulla Sadra). (1981). Al-Hikmat al-Mutaʿaliyah fi al-Asfar al-

ʿAqliyyat‌ al‌-Arba‌ʿ (The Transcendent Theosophy in the Four Journeys of the

Intellect). Beirut: Dar‌ Ihya‌ Turath al-Arabi. [In Arabic]

Shirwani, A. (1386 AP). Fara Akhlaq [metaethics], 2nd ed. N.p: Kanun-i Andishe-yi‌

Javan‌ Publications. [In Persian]

Tabatabai, M.H. (1436AH). Nihayat al-Hikma, 8th ed. Qom: al‌-Nashr‌ al-Islami

Publications. [In Arabic]