ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: شهید صدر و تحلیل عقلانی امامت ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص: الشهيد صدر وتحليل الإمامة العقلاني، يتناولان رؤية الشهيد سيد محمد باقر صدر حول الإمامة مع التركيز على المنهج العقلي وغير الروائي. على الرغم من أن الإمامة من المحاور الأساسية في العقيدة الشيعية، فإن الشهيد الجليل، العلامة محمد باقر صدر ـ الذي يجب بحق أن يُطلق عليه شهيد مؤسس المعارف الإسلامية الحديثة ـ ربما بسبب انشغاله بقضايا ضرورية أخرى كانت تهدد أصل الدين، لم يتناول هذا الموضوع بشكل موسع. لقد تناول الشهيد صدر(ره) موضوع الإمامة من زوايا غير روائية في الغالب، وكما أشار هو نفسه في عدة مواضع، فإنه يسعى إلى تحليل مسائل الإمامة بطريقة عقلانية ومقبولة لمن لا يرغبون في النظر إليها من زاوية الروايات فقط؛ ولهذا طرح قضايا لم ينتبه إليها الآخرون أو لم يوليها إلا قلة اهتمامًا. في نقاش الإمامة، كان الشهيد صدر متوافقًا مع منظري مثل الشهيد مطهري والإمام الخميني وغيرهم، حيث فصل بين الإمامة والقيادة السياسية، وبين الإمامة والقيادة العلمية والمرجعية الدينية. في هذا المقال، تم استعراض آراء الشهيد صدر حول الإمامة. وفي ختام المقال، وبالنظر إلى التفريق الذي أجراه الشهيد صدر وبعض العلماء الآخرين بين المناصب والوظائف الإمامية، تم طرح أسئلة تستحق أن يتناولها أصحاب القلم والمفكرون الشيعة.
المؤلف: قاسم جوادی
المصدر: هفت آسمان، خريف 1389، العدد 47، ص 151 إلى 175.
الأمة بعد الرسول من وجهة نظر الشهيد صدر
هناك نقاش قائم في العالم الإسلامي يرى أن النظرة النقدية للشيعة تجاه الصحابة في النهاية تتجه إلى النبي نفسه؛ لأن انتقاد كل هؤلاء الصحابة يعني القول بأن رسول الله لم يحقق نجاحًا كبيرًا في مهمته الرسالية. في مواجهة هذا الشبهة، يؤكد الشهيد صدر أولًا أن عصر صدر الإسلام هو من أسمى وأبرز فترات التاريخ الإنساني التي هدمت القيم والمزايا المادية، فيقول:
العصر الذي تجمعت فيه هذه الإنجازات العظيمة، حقًا يستحق أفضل تقدير وإعجاب ودهشة… صدر الإسلام بلا شك هو أزهى فترة في التاريخ الإنساني من حيث الروحانية والاعتدال والصلاح. نعم، أعلم ذلك جيدًا وأقبله بكل فخر، لكن لا أظن أن هذه المزية تمنعنا من الدقة والتعمق في البحوث العلمية… يا له من تصور خاطئ أن كثيرًا منا في شرح وتفسير إنجازات ذلك العصر يعتقد أن رجال ذلك اليوم، وبشكل أدق أبو بكر وعمر ومن في حكمهم من كبار المجتمع آنذاك، لا ينبغي نقدهم أو محاكمتهم لأنهم مؤسسو عظمة ذلك اليوم ورسامو خطوطه الذهبية، وتاريخ حياتهم هو تاريخ ذلك العصر، فإذا سلبت منهم ميزة أو فضل، فذلك كأنما تُسلب عظمة وتاريخ صدر الإسلام الذي يؤمن به جميع المسلمون(شهید صدر، 0631: 54).
يرى الشهيد صدر أنه رغم أن عصر النبي كان عصرًا مشرقًا وذهبيًا أحدث تحولًا عظيمًا، فإن الأمة في تلك الفترة القصيرة لم تبلغ من النضج ما يمكنها من التحكم في مصيرها بنفسها(شهید صدر، 9791: 15-65) [1]، ويصرح في موضع آخر بأن أمة الرسول(ص) لم تكن معصومة:
وعلى الرغم من اعترافنا وافتخارنا واعتزازنا بإيماننا بأن الأمة الإسلامية التي أسسها وحفظها النبي(ص) قد ضربت أروع نموذج للأمة في تاريخ البشرية على الإطلاق… إلا أننا نقول إن الأمة لم تكن معصومة(شهید صدر، د.ت.، 67).
ويورد حتى أدلة تدل على أن الإيمان لم يكن قد تغلغل في نفوس الأمة؛ من ذلك اعتراض الأنصار على تقسيم الغنائم. هؤلاء الذين قالوا: إن النبي عندما رأى أقاربه نسي الصحابة والأنصار، إذ كان الفكر القبلي متغلغلًا في نفوسهم وكانوا يتصرفون بناءً عليه(المرجع نفسه: 98-09).
ومع ذلك، يرى الشهيد صدر أن النبي كان يسعى لمنح الأمة الأصالة والشخصية والعظمة؛ لذا كان ملزمًا بنفسه، وملزمًا من الله، أن يستشير الأمة في شؤون مختلفة لكي يُربى المسلمون ويُعدوا لتحمل المسؤوليات الثقيلة ويدركوا أنهم هم الأمة التي يجب أن تتحمل أعباء الرسالة العظيمة التي تركها النبي.
أول علامة على عدم نضج وبلوغ مجتمع صدر الإسلام ظهرت في السقيفة؛ إذ أن السقيفة ظاهريًا كانت اعترافًا بوجود الأمة ومظهرًا لمشورة الأمة في اختيار الحاكم بعد النبي، لكن الحقيقة التي حدثت في السقيفة كانت في الواقع إنكارًا لوجود الأمة وإنكارًا لأصالة وشخصية الأمة؛ لأن الذين اجتمعوا في السقيفة نظروا إلى النبوة على أنها سلطان قريش، وأنه سلطان قبيلة معينة، وهذه القبيلة هي التي يجب أن تحكم وتسود! هذه النظرة كانت في الحقيقة إحياءً لنظرية حكم القبيلة، وفي الواقع إنكارًا وتحقيرًا لأصالة ووجود وشخصية وعظمة الأمة التي كان النبي يرغب في إقامتها:
كانوا ينظرون إلى النبوة على أنها سلطان قريش، سلطان قبيلة معينة وهذه القبيلة هي التي يجب أن تحكم وتسود، نظرية ملكية القبيلة التي تتحدى وجود الأمة وتنكر عليها أصالتها ووجودها وشخصيتها، هذه النظرية طرحت كمفهوم في السقيفة ثم بعد ذلك امتدت واتسعت عمليًا ونظريًا(المرجع نفسه: 72).
يشير الشهيد صدر في جزء آخر إلى أن الخليفة الثاني كان قلقًا من هذا التعبير عن «الأمة»؛ لأنه كان يعلم أن حضور الأمة في الميدان يعني حضور الإمام علي(ع) في الساحة، أي حضور الرأي المخالف في الساحة؛ لذا عندما سمع أن الأمة قد اجتمعت وتتحدث عن الحاكم بعده، صعد إلى المنبر وعبّر عن مضمون يقول: «إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله المسلمين شرها». في الحقيقة، بهذا التعبير، منع عودة أمة رسول الله إلى التفكير واتخاذ القرار المستقل، بحيث قدم حادثة اختيار أبي بكر كحدث مفاجئ وغير متوقع حفظ الله الأمة المسلمة من شره! ولهذا السبب ألغى دور الأمة المستقل في اختيار الحاكم بعده، وحدد تعيين الحاكم عبر مجلس من ستة أشخاص لم تكن الأمة حتى قد اختارتهم! (المرجع نفسه: 82).
يرى الشهيد صدر أنه لو قامت الأمة في ذلك الوقت كلها بشكل مستقل بالتشاور والنقاش حول الخليفة والحاكم، فمن المحتمل أن الإمام علي(ع) كان سيصل إلى الخلافة. ويحاول بذكر حادثة تاريخية أن يثبت أن غالبية الأمة كانوا يرغبون في الإمام علي(ع)؛ لذا يكتب: عبد الرحمن بن عوف، الذي كان أحد أعضاء المجلس الستة، لم يستطع تجاهل دور الأمة في حل خلاف المجلس بشأن تعيين الخليفة؛ لذلك ذهب بين الأمة وسألهم عن تعيين الخليفة. يقول عبد الرحمن نفسه:
ما سألت عربياً إلا وقال علي بن أبي طالب(ع)، وما سألت قريشياً إلا وقال عثمان بن عفان؛ يعني جماهير المسلمين كانت تقول علي بن أبي طالب(ع) وعشيرة واحدة معينة كانت تريد أن تنهب الحكم من الأمة كانت تقول عثمان؛ لأن عثمان بن عفان كان تكريساً لعملية النهب بينما علي بن أبي طالب(ع) كان تعبيراً وتأكيداً لوجود الأمة في الميدان ولهذا إرادة الأمة وإرادة العشرية عثمان(المرجع نفسه).
هذا النقاش للشهيد صدر يتعارض مع العديد من الأقوال التي وردت في كتاب فدك والنقاش حول الولاية، والتي سنشير إلى بعضها في المستقبل وفي نقاش المجلس ردًا على نقدات شريعتي.
تحليل نقدي لاختيار الإمام علي
يحلل الشهيد صدر اختيار الإمام علي(ع) كخليفة، بغض النظر عن الوحي، على النحو التالي: إن الرسالة الإسلامية هي إحداث ثورة في المجتمع وتقديم طريق حياة جديدة. كان رسول الله(ص) مسؤولًا عن بناء أمة جديدة، وكان ملتزمًا ومكلفًا في هذا الطريق أن يقضي على كل جذور الجاهلية ويزيل رواسب المعتقدات الرجعية من حياة المجتمع. لم تعش الأمة الإسلامية، إلا لفترة قصيرة (بحد أقصى عشر سنوات)، في ظل الثورة. وفقًا للعديد من المدارس الثورية، فإن هذه المدة غير كافية لتحقيق أهداف الثورة وتأسيس قيمها، ولا يمكن في مثل هذه المدة القصيرة أن يصل المجتمع إلى درجة من الوعي والنمو والحرية والانفصال عن رواسب الأفكار والمعتقدات السابقة وفهم تعاليم الرسالة الجديدة بحيث يكون مؤهلاً لقيادة الإسلام المستقبلية وتحمل مسؤوليات الدعوة واستمرار الثورة بدون قائد. على العكس، تحكم المدارس العقائدية والبنائية بأن الأمة في المرحلة الأولى يجب أن تستمر فترة تحت راية صوتها العقيدي، للحفاظ على حياتها العقائدية والثورية حتى تكتسب أهلية الزعامة وقيادة المجتمع والمدرسة(شهید صدر، 3531: 36).
هذا النقاش يتوافق مع التفريق الذي أجراه الشهيد صدر حول الإمامة (سنشير إلى هذا التفريق لاحقًا في المقال). هنا يرى الشهيد صدر أن القيادة السياسية تكفي لفترة قصيرة فقط حتى تُبنى الأمة وتتمكن من تحمل زعامتها بنفسها. لكن بعد النبي، لم تستمر قيادة المجتمع بالوصاية، ونتيجة لذلك، لم يُبنى المجتمع بحيث يتخلص من رواسب الأفكار الجاهلية والقبلية، بل ظهرت حكومات لعبت دورًا كاملاً في تعميق هذه الرواسب.
تثير هذه الأقوال للشهيد صدر تساؤلات؛ مثل أنه اليوم في العالم الإسلامي لا توجد قيادة من نوع قيادة الوصاية، فكيف يجب أن تُدار شؤون العالم الإسلامي ليتمكن من بلوغ الهدف المنشود؟ في الجزء الأخير من المقال، سنناقش هذه الأسئلة بتفصيل أكبر.
الاختيار، حق طبيعي للإمام علي(ع)
كما أُشير، فإن الشهيد صدر يركز أكثر على التحليل العقلي للمسائل بغض النظر عن الوحي والروايات؛ لذلك، وبالاستناد إلى القاعدة العقلائية التي تقول إنه يجب تسليم الحكم لأهل الكفاءة، يعتبر الحكم حقًا للإمام علي(ع)؛ أي أنه حتى لو افترضنا أن رسالة النبي لم تكن بحاجة إلى قيادة إلهية لاستمرارها، ولم يعين الله الإمام علي(ع)، فإننا لو أردنا اختيار الشخص الأكفأ بناءً على الكفاءة، لكان اختيار الإمام علي(ع) هو الحق الطبيعي:
ماذا حصل [علي بن أبي طالب] عند الحرمان الطويل الطويل، غير الإقصاء عن حقه الطبيعي بغض النظر عن نص أو تعيين من الله سبحانه وتعالى؟ كان حقه الطبيعي أن يحكم بعد موت النبي(ص)؛ لأنه الشخص الثاني عطاءً للدعوة وتضحية في سبيلها. أقصي من حقه الطبيعي قاسى ألوان الحرمان، أنكرت عليه كل امتيازاته، معاوية بن أبي سفيان هو الذي يقول لمحمد بن أبي بكر كان علي كالنجمة في السماء بعد أيام رسول الله، ولكن أباك والفاروق ابتزا حقه وأخذا أمره(شهید صدر، د.ت.، 51).
سبب عدم استدلال الإمام علي(ع) بالأحاديث النبوية لإثبات إمامته
إحدى المسائل التي تُطرح هي لماذا لم يستدل الإمام علي(ع) بحديث الغدير أو بأحاديث أخرى. بعضهم يسعى للبحث في خضم التاريخ ليجد أدلة ويثبت أن الإمام علي(ع) استدل بتلك الأحاديث. لكن الشهيد الصدر يرى أن الإمام علي(ع) لم يستدل بأحاديث النبي. ويبيّن السبب على النحو التالي:
يبدو أنه في تلك الأوضاع المشوشة والمضطربة التي استحوذت فيها الأفكار المحمومة والرغبات الملتهبة على روح وفكر الحزب الحاكم، فإن الاحتجاج بكلام النبي كان سيؤدي إلى نتائج ضارة تمامًا؛ لأن معظم الأحاديث التي قالها النبي عن خلافة علي(ع) سمعها فقط من المهاجرين والأنصار الذين كانوا مقيمين في المدينة. هذه الأحاديث الثمينة التي كانت بمثابة أمانة ثمينة في خزينة ذاكرتهم، كان يجب أن ينقلوها هم إلى المسلمين الآخرين والأجيال القادمة، وإذا احتج الإمام علي(ع) أمام أهل المدينة بأحاديث النبي، لكان بلا شك ذلك سببًا في رد فعل الحزب الحاكم، والذي كان سينتهي بنفي وتكذيب تلك الأحاديث! (شهید صدر، 0631: 001).
ومن جهة أخرى، كان الإمام(ع) يعلم أن هناك من سينصره في طريق النضال؛ لأن مجموعة من الناس بسبب ميولهم الطامعة للسلطة كانوا ينكرون قول النبي، ومجموعة أخرى كانت ترى أن قول النبي(ص) مخصص للخلافة لآل هاشم، ولذلك لم يقفوا للدفاع عنه. وفي هذه الحالة، حتى لو لم يكن الناس مع الحكومة، فإنهم كانوا يصمتون في الدفاع عن الإمام، وإذا حصلت الحكومة على تأييد في إنكار حديث النبي، فإن كلام النبي العظيم كان سيفقد قيمته وأثره الحقيقي، وبالتالي تُفقد كل المبررات للإمامة العلوية؛ بالإضافة إلى ذلك، كانت مناطق أخرى من العالم الإسلامي، غير المدينة النبوية(ص)، تنكر الحق، وهو منطق السلطة السائدة في ذلك اليوم(المرجع نفسه: 201).
شمولية الاعتقاد بالعصمة في جميع الاتجاهات العقائدية
لا يخص الشهيد الصدر فكرة العصمة بالمسلمين والشيعة فقط، بل يعتقد أن جميع الأفكار العقائدية في العالم ترى أن القائد يجب أن يكون معصومًا. أي توجه عقائدي يريد أن يعيد الإنسان بناءً على إطار معتقداته، ويعرّف طرقًا فكرية وروحية واجتماعية جديدة للإنسان، ويسعى لأن يصل بالإنسان إلى النتيجة المرغوبة والنهاية الحسنة، يؤمن بأن قائد ذلك الاتجاه الذي يتحمل مسؤولية تطبيق تلك الفكرة عمليًا يجب أن يكون معصومًا؛ حتى الفكر الماركسي، باعتباره توجهًا عقائديًا، يرى ضرورة عصمة القائد(شهید صدر، د.ت.: 37).
بالطبع، تختلف معايير العصمة في الأفكار المختلفة؛ فقيادة الماركسية يجب أن تكون معصومة وفق المعايير الماركسية، وقيادة الإسلام وفق المعايير الإسلامية. لكن العصمة في الحالتين تعني مفهومًا واحدًا: «وهي عبارة عن الانفعال الكامل بالرسالة والتجسيد الكامل لكل معطيات تلك الرسالة، في النطاقات الروحية والفكرية والعملية؛ هذه هي العصمة» (المرجع نفسه: 47).
لذا، فإن الفكر الشيعي في اعتبار القائد معصومًا ليس فكرة استثنائية أو شاذة. مع ذلك، يشير الشهيد الصدر إلى أن العصمة في الفكر الإسلامي مقارنة بالأفكار الأخرى تتمتع بسعة أكبر. والسبب في ذلك أن طبيعة الفكر الإسلامي أوسع من سائر الأفكار وتشمل جميع أبعاد وجود الإنسان؛ ولهذا، فإن شرط العصمة في القيادة في الإسلام هو العصمة القصوى(المرجع نفسه: 47-57).
وفي سياق توسعة العصمة لتشمل جميع الأفكار العقائدية، يشير الشهيد الصدر إلى نقطة مهمة وهي أن معنى العصمة موضوع للتشكيك وله مراتب دنيا وعليا:
«نفس العصمة إذا حولناها إلى مفهوم النزاهة والتجاوب الكامل مع الرسالة يكون أمرًا موضوعًا بالتشكيك في الشدة والضعف، وبوصف أن أئمة أهل البيت(ع) هم المرتبة الأسمى والأكمل من هذه المراتب الموضوعَة بالتشكيك المختلفة في الشدة والضعف» (المرجع نفسه: 57).
ثم يوضح أنه رغم أن العصمة موضوع للتشكيك، فإن الذين جاءوا بعد النبي لم يكن لديهم حتى المرتبة الدنيا من العصمة(المرجع نفسه: 57).
ومن المسائل الأخرى التي يناقشها الشهيد الصدر بتفصيل والتي لها أهمية كبيرة هي مسألة «عصمة الأمة»؛ أي هل يمكن للأمة بوصفها مجموعة أن تصل إلى العصمة بحيث تكون واعية وتحافظ على نفسها من الانحراف؟ الشهيد الصدر لا ينكر إمكانية ذلك عقليًا:
«لقد كان من الممكن أن تبلغ الأمة درجة العصمة خلال تربية طويلة، لو أن رسول الله(ص) والأئمة قد توالوا على أمة واحدة ومارسوا عملية التجربة، كان من الجائز أن تبلغ الأمة بوصفها المجموعي مستوى العصمة بحيث لا تحتاج بعد هذا إلى قائد معصوم، بل هي تحكم نفسها بنفسها، هذا أمر جائز عقلاً» (المرجع نفسه: 321).
ومن هذا الكلام يُستفاد أن العصمة ليست بالضرورة أمرًا تكوينيًا، بل هي مسألة يمكن أن تصل إليها الجماعة بوصفها مجموعة نتيجة للتربية. لكن الشهيد الصدر يصرح بصراحة تامة أن أمة رسول الله رغم كونها أفضل الأمم في التاريخ وأشرف الصحابة، لم تصل إلى هذه المرحلة؛ كما أن الخلفاء الذين جاءوا بعد رسول الله لم يكن لديهم حتى المراتب الدنيا من العصمة(المرجع نفسه: 67-77 و 321).
بالطبع، إن كان مجموع نقاشه في مسألة العصمة لا يمكن نقده، فهو على الأقل جدير بالتأمل. فما معنى أن العصمة مقبولة في جميع معتقدات العالم حتى الماركسية؟ معنى العصمة هو أن النبي مثلاً معصوم في تلقي الوحي وإبلاغه والعمل به، أي أنه لا يخطئ أبداً في تلقيه أو إبلاغه. هل توجد هذه العصمة في الماركسية وغيرها من المعتقدات؟ يبدو أن إثبات هذا الأمر ليس سهلاً. كما أن الشهيد الصدر لا يوضح ما المقصود بأن العصمة موضوع للشك. هل يريد أن يعتبر معصوماً من لا يرتكب ذنباً لكنه يخطئ؟ وهل إذا كان شخص من المقربين لكنه يقوم بأعمال الأبرار فهو عاصٍ؟ على أي حال، المسألة ليست واضحة تماماً. وكذلك، ما معنى أن العقلاء قد يصلون إلى مرحلة العصمة؟ هل يقصد الشهيد الصدر مجرد الإمكانية الذاتية، مثل أنه من غير المستحيل عقلاً أن يفهم جميع البشر بمستوى بو علي، أم أن الأمر يتجاوز ذلك؟
الدور الإيجابي للأئمة الشيعة
من المواضيع التي تحظى باهتمام أقل، الدور الإيجابي للأئمة الشيعة وجهودهم في فترة حياتهم المباركة. يرى الشهيد الصدر أنه رغم أن الأئمة حُرموا من كثير من حقوقهم الطبيعية والإلهية، إلا أنهم مع ذلك بذلوا ما في وسعهم لإصلاح المجتمع الإسلامي. فالأئمة، رغم استبعادهم عن الحكم الإسلامي، كانوا يحافظون على الرسالة الإسلامية ويؤدون مسؤولياتهم ويمنعون سقوط الحكم الإسلامي. وعندما كان الحكام عاجزين عن الحفاظ على الكيان الإسلامي، كان الأئمة يتدخلون. فقد قال الإمام علي(ع) للخليفة الثاني عندما سأله ماذا تفعل إذا انحرفنا: أذن لقومك بسيوفنا[2] (شهید صدر، د.ت.: 441). ويورد الشهيد الصدر أمثلة جزئية، مثل رد الإمام السجاد(ع) على إشكال أرسله ملك الروم لعبد الملك مروان الذي عجز عن الرد، والحل الذي علّمه الإمام الباقر(ع) هشام بن عبد الملك في مواجهة ملك الروم، أو دفاع الإمام العسكري عن القرآن رداً على كتابات الكندي حول تناقضات القرآن وما شابه ذلك(المرجع نفسه: 441-541).
تحليل مباحث المهدوية
في كتابه مباحث حول المهدي، يرد الشهيد الصدر على الإشكالات والأسئلة المتعلقة بالإمام المهدي(ع). تدور هذه الأسئلة حول المحاور التالية: 1. كيفية طول عمر الإمام المهدي(عج)؛ 2. معجزة طول العمر؛ 3. سر طول العمر والغيبة؛ 4. الجاهزية الفكرية والدينية الكاملة للإمام المهدي لقبول الإمامة؛ 5. كيفية الإيمان بتحقق وجود الإمام المهدي؛ 6. سبب عدم ظهور المهدي حتى الآن؛ 7. إمكانية قيام ثورة عالمية بواسطة فرد واحد؛ و8. كيفية الثورة في يوم الموعود. ومن بين إجابات هذه الأسئلة، سنتناول فقط الإجابتين الثالثة والرابعة.
يقول الشهيد الصدر إنه إذا أجبنا عن سؤال لماذا منح الله الإمام المهدي(عج) عمراً طويلاً بناءً على الإيمان بالغيب فقط، فلن يكون ذلك كافياً، لأن السائلين يريدون إجابة قائمة على القيم المحسوسة ومن منظور التحليل الاجتماعي. لذا يجب أن نتجاوز معتقداتنا مؤقتاً ونقدم الإجابة التالية: في ضوء الحقائق العلمية، إذا كان الإمام المهدي(عج) سيحدث تحولاً عالمياً، فلا بد أن يكون حاضراً في جميع المراحل ليكتسب المعرفة، لأن من يريد إحداث تحول اجتماعي يجب أن يرى مختلف أنواع الأداء مع نقاط القوة والضعف والصواب والخطأ ليحدث تغييراً مفيداً.
وفي رده على سؤال كيف حصل الإمام المهدي(ع) على الجاهزية الكاملة للقيادة وهو في الخامسة من عمره فقط، يقول إنه بالنظر إلى الصفات التي ينسبها الشيعة لأئمتهم مثل العلم العالي، والشجاعة، والفكر،… لو لم يكن أحد الأئمة يمتلك هذه الصفات، لكان خصومهم، الذين كانوا في مواقع الحكم، قد أثاروا ذلك ودعوا إليه، لكن التاريخ لا يظهر سوى الصمت في هذا المجال. ثم يستشهد بآيات قرآنية تؤيد إمكانية هذا الأمر مستشهداً بسيدنا يحيى(ع):
إن الإمامة الكبرى ظاهرة واقعية في حياة أهل البيت وليست مجرد افتراض، كما أن هذه الظاهرة الواقعية لها جذورها وحالات مماثلة في التراث السماوي الذي امتد عبر الرسالات والقيادات الربانية، وكافٍ مثالاً على ظاهرة الإمامة الكبرى في التراث الرباني لأهل البيت(ع) يحيى إذ قال الله سبحانه وتعالى: «يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبياً». ومتى ثبت أن الإمامة الكبرى ظاهرة واقعية ومتواجدة فعلاً في حياة أهل البيت، لم يعد هناك اعتراض فيما يخص إمامة المهدي(ع) وخلافته لأبيه وهو صغير(شهید صدر، 6041: 05).
وجهات نظر الشهيد الصدر التحليلية تحل كثيراً من المشكلات، لكن بالمقارنة بين إجابة السؤالين، يبدو أنه كان من الأفضل أن يحل الشهيد الصدر المسألة بالاستدلال والقطع دون الاعتماد على النصوص، وفي إجابة السؤال الرابع، أن لا يستعين بآيات القرآن أو قوة الله أو المعجزة، لأن إذا أردنا تحليل المسألة من المنظور الإلهي وبواسطة نوع من المعجزة، فسينشأ سؤال آخر: إذا كان الله قادرًا، فلماذا لا يولد الإمام المهدي(ع) في قرب موعد ظهوره؟ نفس الله الذي يمكنه أن يمنح الرسالة لسيدنا يحيى في طفولته، يمكنه أن يطلع الإمام المهدي بأفضل صورة على مجمل الأحداث الماضية دون أن يعيش قروناً طويلة….
على أي حال، من الأفضل أن يكون جواب هذه الأسئلة من النصوص لا من خلال تحليل القضايا الاجتماعية. ربما أفضل جواب غير مستند إلى النصوص هو مسألة لزوم وجود الولي في كل العصور؛ مع أن الشهيد الصدر لا يظهر اهتمامًا كبيرًا بوجهة نظر أهل التصوف.
التشيع مولود طبيعي للإسلام
للفقيد الصدر كتاب بعنوان “بحث حول الولاية” حيث تناول فيه مسألة الإمامة أكثر من غيره من كتاباته. [3] في حياة المؤلف، كُتِب نقد لهذا الكتاب، وقد أجاب الشهيد الصدر على تلك الانتقادات قبل استشهاده بقليل. في هذا الكتاب، هو في مقام الإجابة على سؤالين حول التشيع: 1- كيف ظهر التشيع؟ 2- لماذا نشأ الشيعة؟
في جواب السؤال الأول، مع الإشارة إجمالًا إلى أن التشيع مولود طبيعي للإسلام، يقول: بغض النظر عن الوحي وما أمر الله به، فيما يتعلق بتعيين الخليفة، كان أمام النبي ثلاثة خيارات: 1. أن يترك الأمة لحالها لتفعل ما تشاء؛ 2. أن يترك الأمة للشورى، وبعبارة أخرى، أن يكون الناس أنفسهم مسؤولين عن اتخاذ القرارات بالتشاور؛ 3. أن يعين النبي شخصًا بنفسه. وفي النهاية، ينفي الفرضين الأول والثاني ويثبت الفرض الثالث، ويبين بطلان الفرضين الأول والثاني استنادًا إلى الوقائع التاريخية.
أما في النقاش الثاني (لماذا نشأ الشيعة؟) فيقول: عندما ندرس حياة الأمة الإسلامية في زمن رسول الله، نجد أنه منذ السنوات الأولى لظهور الإسلام، كان هناك جماعتان تعيشان معًا وبأهداف مختلفة: جماعة اعتبرت التعبد للدين معيارًا وكانت نصية، حيث كانت أقوال النبي هي المعيار في اتخاذ القرار؛ وجماعة أخرى كانت تعتبر التعبد للدين والنصوص معتبرًا فقط في المسائل العبادية والغيبية، وفي المسائل الأخرى كانت تجتهد وتقدم المصلحة على النص(شهید صدر، 3531: 08). اختلاف المنهج والهدف بين هاتين الجماعتين أدى بعد وفاة النبي مباشرة إلى نشوء فئتين متضادتين بأفكار ومقاربات مختلفة.
واحدة من عوامل انتشار وتوسع الرأي الثاني هو أنه يتوافق طبيعيًا مع ميول النفس البشرية؛ لأن الإنسان بناءً على المصلحة التي يدركها والظروف والمقتضيات التي يزنها، بطبيعة الحال يميل إلى التدخل في الأمور. بعض الصحابة، ومنهم عمر بن الخطاب، كانوا من أنصار هذا الرأي. نرى في التاريخ أن عمر كان معترضًا على صلح الحديبية في زمن النبي، وبعد النبي أزال “حي على خير العمل” من الأذان وألغى المتعة وأمثال ذلك. هذا الرأي أدى في النهاية إلى تغطية جرائم معاوية ويزيد وعمرو عاص وأبو بكر وبسر بن أرطاة ومغيرة بن وليد وخالد بن وليد وغيرهم تحت عنوان الاجتهاد. هذان الاعتقادان المتضادان انعكسا أيضًا في حضرة رسول الله في آخر أيام حياته، واستمر بعد رحيله.
الشهيد الصدر، بناءً على التحليل المذكور حول مسألة خلافة النبي، يقول إن جماعة تمسكت بالنص وجماعة أخرى بالاجتهاد. وهكذا نرى أن الشيعة – وهم الجماعة المتعبدة النصية – وُلدوا عند وفاة رسول الله، وتم اختبار زعامة الإمام علي(ع) بين المسلمين. في نهاية هذا القسم، يستعرض الشهيد الصدر آراء المرحوم كاشف الغطاء والمرحوم سيد شرف الدين حول عدد الشيعة عند وفاة النبي. حيث يذكر كاشف الغطاء وشرف الدين على التوالي أن عدد الشيعة كان 300 و250 شخصًا، ويدعيان أنه يمكن العثور على المزيد من الصحابة الذين كانوا يميلون إلى التشيع من خلال البحث الأعمق.
وفي نهاية النقاش، يتناول موضوع التشيع الروحي والسياسي، وهل هناك تمييز بين هذين النوعين في الفكر الشيعي أم لا. ورأي الشهيد الصدر أن هذا التمييز والانفصال غير صحيح. [4]
نقدات الدكتور شريعتي على الشهيد الصدر وردود حجتي كرماني (مترجم الكتاب)
في رسالة موجهة إلى حجتي كرماني، [5] يوجه الدكتور شريعتي ثلاث نقدات على كتاب الشهيد الصدر:
1. من بين الفرضيات الثلاث التي طرحت حول الخلافة (البلاتكليف، أصل الشورى، وتعيين الخليفة)، تم رفض فرضية البلاتكليف أي احتمال أن النبي ترك مسألة تعيين قيادة المجتمع لأغلبية الآراء والشورى الشعبية. يقول المرحوم الصدر إن أحد أسباب رفض هذا الاحتمال هو عدم كفاءة واستعداد ووعي أصحاب النبي في أمر القيادة والحكم والسياسة، بينما التاريخ والوقائع الواقعية تثبت عكس ذلك في العالم. وللأسف، في عصرهم كان هناك شخص اسمه علي، الذي بدا أمام الجميع أن كل القيم لا تساوي شيئًا أمامه.
2. سببكم في نفي الشورى هو أفعال وأقوال أشخاص – خاصة في السياسة وبالأخص في مسألة الخلافة – لا يقبلها الشيعة. وبعبارة أوضح، أولئك الذين أخفوا الوصاية وحق الإمام علي لمصلحتهم السياسية، لماذا لا يمكن أن يتجاهلوا الشورى؟.
3. الاعتراض الثالث لشريعتي يتعلق بمسألة الاجتهاد والنص. يشير إلى قول الشهيد الصدر حول تقسيم الصحابة إلى فريقين: مؤيدي النص ومؤيدي الاجتهاد، واعتبار الشيعة من نصّيي الرأي، فيقول: «القارئ لمقالاتكم، أي المثقف المسلم التقدمي، يريد أن يفهم من هو الحق: علي أم عمر، وما هو نوع فهم كل من هذين الفريقين للإسلام ولعمل النبي؟ لا شك أن مؤيدي نظرية الاجتهاد سيفضلون على مؤيدي نظرية التعبد. بالطبع الشيعة هم أقدم طائفة إسلامية، لكن نوع التعبير والاستدلال واختيار الكلمات، مع الأخذ في الاعتبار الانعكاس الذي تتركه على نفسية ورؤية المثقف اليوم والجيل الشاب التقدمي لدينا، قابل للنقد. النتيجة الوحيدة التي تُستخلص هي أن الخاصية الإيجابية والمُشرّفة الوحيدة التي كانت للثقافة والرؤية الشيعية مقارنة بالسنية، وهي الاجتهاد الذي نملكه وهم لا يملكونه، تُبادَل هنا مع الخصم، فنصبح نحن أهل تعبد وهم أهل اجتهاد!».
يقدم حجتي كرماني ردودًا على دكتور شريعتي في جميع هذه المجالات الثلاثة، وسنذكرها بإيجاز. في رده على النقد الأول يكتب: «المسألة ليست أنهم وقفوا ضد علي(ع). جوهر الكلام هو أن استمرار الثورة الإسلامية في تحويل الإنسان الجاهلي إلى إنسان إسلامي، والقضاء على العناصر الاجتماعية والأخلاقية والثقافية للجاهلية والأرستقراطية التي، كما تقول، كانت لا تزال عميقة في المجتمع الناشئ في المدينة، كان بحاجة إلى الوصاية والخلافة غير المنقوصة لعلي(ع). نعم، لو حذفنا علي(ع) لرأينا وجوهًا بارزة من المهاجرين والأنصار تتلألأ. أبو بكر وعمر لا يمكن مقارنتهما أو مساواتهما بالزعماء الوطنيين والسياسيين والسلاطين والأباطرة في العالم. لكن ماذا نفعل مع وجود شخص مثل علي(ع) وقد حسبناه، وكانت النتيجة التي رأيتموها».
في الرد على النقد الثاني، يقول حجتي: «هذه المجموعة [الذين كانوا في السقيفة] كان لديهم أساس ومبدأ قانوني ومفهوم ذهني أيديولوجي حول نظام الشورى، فلماذا لم يستندوا إليه لتبرير صحة عملهم وموقفهم؟ هذا هو أحد الأسباب الواضحة والقاطعة لنفي الشورى في النص الإسلامي كنموذج محدد ومُقدّم للحكم الإسلامي، وهو عدم وجودها في ذهن المتبعين الأوائل. فلماذا لا نستند إليهم، مع أنهم عملوا بذلك؟ لو كان مثل هذا القانون عندهم، لكانوا بطبيعة الحال يستندون إليه لتبرير عملهم وإسلاميته».
يبدو أن حجتي لم ينتبه إلى كلام دكتور شريعتي. يقول شريعتي مخاطبًا الشهيد الصدر: «إذا كان مؤيدو السقيفة قد انتقصوا حق وصاية الإمام علي(ع)، فربما كانوا يريدون بنفي الشورى إلغاء حق سعد بن عبادة. لذلك، لا معنى لأن يتشبث مؤيدو السقيفة بذلك». كلام الشهيد الصدر لا يخرج عن ثلاثة فروض. كان على حجتي أن يدحض الفرض الثاني، أي طريق الشورى، بينما القرآن نفسه قد بيّن مسألة الشورى. وهذا يتعارض أيضًا مع رؤية الشهيد الصدر في كتاب أهل البيت. [6]
رد حجتي على النقد الثالث لشريعتي هو أنه أخطأ بين الاجتهاد مقابل النص، الذي لا يعني سوى اللعب بالوحي واعتبار الكتاب والسنة قابلين للتغيير والتحويل، وبين الاجتهاد التقدمي والمعقول عند الشيعة – الذين يعتبرون، خلافًا لأهل السنة، باب الاجتهاد مفتوحًا إلى آخر الزمان. هذا الاجتهاد (الاجتهاد مقابل النص) يعني تغيير وتحويل الأحكام الثابتة للإسلام.
ردود الشهيد الصدر على شريعتي
رغم أن بعض أخطاء دكتور شريعتي تبدو ناتجة عن عدم الدقة في كتابات المرحوم الصدر الأولى، إلا أن الشهيد الصدر ذكر ورد على أخطاء دكتور شريعتي في الطبعات اللاحقة، وسنورد تقريرًا موجزًا عنها.
في الرد على النقد الأول المتعلق بالصحابة وقدرتهم، يذكر المرحوم الصدر عدة نقاط على التوالي: أولًا، فترة النبي كانت محدودة؛ أقصاها عشرون عامًا، وكانت لفئة قليلة، وللعديد ثلاث إلى أربع سنوات فقط. ثانيًا، الظروف التي كان يعيشها مجتمع الجاهلية قبل الإسلام كانت ظروفًا خاصة. ثالثًا، النبي لم يكن مثل المسيح عليه السلام الذي كانت رسالته تقتصر على تربية الأفراد، بل كان لديه مشاكل سياسية وعسكرية كثيرة. رابعًا، في تلك الفترة كانت هناك مشاكل فكرية مثل التعامل مع ثقافات دينية متعددة، وكان من الطبيعي أن يقضي النبي جزءًا من وقته في الرد على هذه القضايا. خامسًا، كثير من المسلمين عند وفاة النبي كانوا ممن أسلموا بعد فتح مكة، وكان تدريبهم الديني شبه معدوم، لأن النبي قضى معهم وقتًا قصيرًا جدًا. بالرغم من هذه المسائل والمشاكل، حقق النبي نتائج عظيمة في تربية المجتمع؛ لكن هذا لا يعني أن الأمة كانت مستعدة لتولي قيادة المجتمع بنفسها. لتسليم قيادة المجتمع للناس، يجب أن يكون أفراد المجتمع ذوي إيمان قوي وإحاطة شاملة بالأحكام والمفاهيم الرسالية، كما يجب تطهير صفوف المجتمع من المنافقين. وجود أفراد مميزين في المجتمع لا يثبت أن الأمة قد بلغت درجة من النضج تمكنها من إدارة شؤونها بنفسها. بالإضافة إلى ذلك، هؤلاء الأفراد، رغم إخلاصهم الشديد، لم يكونوا مؤهلين لمثل هذه القيادة؛ لأن من يريد أن يتولى القيادة يجب أن يكون مطلعًا على الإسلام كله، وإلا سينجرف إلى أفكار قبلية وذهنية ضيقة(شهید صدر، 9791: 15-58).
في ردّه على النقد الثاني لشريعتي القائل بأنه قد يُقال إن النبي قد طرح فكرة الشورى، لكن الدافع السياسي أدى إلى إخفائها، يقول الشهيد صدر إن هذا الافتراض غير عملي، لأن هذه الدوافع مهما كانت قوية، لا يمكن أن تكون شاملة إلى درجة أن لا ينقلها أحد من المسلمين. مهما افترضنا قوة التمرد السياسي، إذا كانت الشورى قد طرحت من قبل النبي، لكان كثيرون قد سمعوها ونقلوها لنا بشكل طبيعي، كما وصلتنا الروايات عن الإمام علي(ع)(المرجع نفسه: 63-04).
يُبيّن الشهيد صدر هذه المسألة بشكل مفصل نسبياً. لكن هذا القول لا يتوافق مع ما ورد في كتاب أهل البيت تنوع الأدوار ووحدة الهدف. لقد تناولنا في المناقشات السابقة جزءاً من مناقشات هذا الكتاب، وهنا نكتفي بذكر جزء واحد فقط:
هذه المؤامرة صحيحة إنها تمتد بجذورها إلى أمد طويل قبل هذا التاريخ، المؤامرة على وجود الأمة الإسلامية فإن الأمة الإسلامية التي سهر عليها رسول الله(ص) على إعطائها أصالتها وشخصيتها وكرامتها ووجودها، حتى كان قد ألزم نفسه وألزمه ربه بالشورى والتشاور مع المسلمين لأجل تربية المسلمين تربية نفسية وإعدادهم لتحمل مسؤولياتهم وإشعارهم بأنهم هم الأمة التي يجب أن تتحمل مسؤوليات هذه الرسالة خلفها رسول الله وهي تعيش هذه الروحية وتعيش على هذا المستوى عاطفياً ونفسياً، وبدأت جذور المؤامرة للقضاء على وجود الأمة وتحويل الوجود إلى السلطان والحاكم(شهید صدر، د.ت.: 62-72).
هنا كلام الشهيد صدر هو أن الله أمر النبي بالمشورة والشورى لكي يربي الأمة بحيث تقبل المسؤولية. وكانت مؤامرة سقيفة بني ساعدة هي ألا تسمح بتحقق ذلك. هذه المناقشات تتعارض تماماً مع مناقشات كتاب بحث حول الولاية. ومن جهة أخرى يقول إن كان النبي قد قال شيئاً، لكان قد نقل. لكن يبقى سؤال بلا جواب: مع وجود تصريح آيات القرآن وعمل النبي في مواضع متعددة، هل من الضروري أن يُنقل لنا أمر آخر؟ على كل حال، لو لم تكن مناقشات كتاب أهل البيت تنوع الأدوار ووحدة الهدف موجودة، لكان من الممكن التوصل إلى نتيجة في مناقشات الشهيد صدر. لكن اختلاف النقاش في هذين الكتابين يؤدي إلى بقاء المشاكل، ويبدو أن كلام الدكتور شريعتي لا يزال بلا جواب.
أما الرد على النقد الثالث فهو:
إن الاجتهاد الذي يمارسه الشيعة ويرونه جائزاً بل واجباً وجوب كفائي هو الاجتهاد في استنباط الحكم من النص الشرعي لا الاجتهاد في رفض النص الشرعي. الرأي يراه المجتهد والمصلحة يخمنها، فإن هذا غير جائز والاتجاه الشيعي يرفض ممارسة الاجتهاد بهذا المعنى… ومن المهم أن نشير بهذا الصدد أيضاً إلى أن التعبد بالنص لا يعني الجمود والتقلب الذي يتعارض مع متطلبات التطور وعوامل الجديد المختلفة في حياة الإنسان، فإن التعبد بالنص معناه كما عرفناه التعبد بالدين والأخذ به كاملاً دون تمييز(شهید صدر، 9791: 97-18).
في مؤلفات الشهيد صدر طرح بعض المسائل المتعلقة بالإمامة وحللها؛ لكن هناك موضوع لم يتناوله ويحتاج إلى بحث مستقل، وهو بالطبع مرتبط بمسألة الإمامة، وهو مسألة النفاق. يبدو أن المجتمع الإسلامي خاصة في عهد المدينة كان يواجه نمو تيار النفاق، بالنظر إلى آيات القرآن والتاريخ. إذا قارنّا الآيات التي تناولت النفاق في سورة البقرة، التي نزلت في بداية الهجرة، مع ما ورد في سورة التوبة، يتضح أن النفاق قد ازداد في أواخر حياة النبي. وهذا الانتشار لا يمكن أن يُنسب فقط إلى إسلام أهل مكة بعد فتح مكة، بل كان موجوداً أيضاً في عهد صلح الحديبية. عندما كان تيار النفاق ينمو بهذا الشكل في عهد النبي، هل هناك ضمان بأن الإمام علي(ع) لو جاء كان سينجح؟ وهل وجهة نظر أشخاص مثل ميرداماد صحيحة الذين يرون أن أئمة الشيعة لم يسعوا للحصول على الحكم: «رضي بما جرى به القلم وتسليماً يؤدي إليه القدر وعملاً بوصية سبقته من رسول الله(ص)»(میرداماد، 4731: 01).
من الضروري ذكر أن بعض المناقشات التي طرحها الشهيد صدرت في حياته، وبعض المسائل طُبعت بعد استشهاده، وبعضها لا يزال غير مطبوع ويوجد جزء منها على شكل تسجيلات. ومن الواضح أن التحليل الكامل لآراء الشهيد صدر يتوقف على نشر كل هذه المناقشات.
أقسام الإمامة
تحمل علماء الشيعة عبر التاريخ جهوداً كبيرة وشاقة في بحث الإمامة وطرحوا مسائل كثيرة وأجابوا عنها. رغم أن مسألة خلافة النبي(ص) لا تزال مهمة، إلا أنه مع تثبيت مسألة الإمامة، وبعبارة أخرى مع وضوح مكانة التشيع كفرقة ذات خصائص خاصة، أصبح من الضروري التطرق إلى مسائل أخرى أيضاً. ومن هذه المسائل مسألة أقسام الإمامة. في عهد المتكلمين الأوائل لم تكن هناك ضرورة لذلك. كان نقاش الإمامة في كثير من الكتب الكلامية يُطرح كموضوع بسيط، وكان هناك قليل من التفريق بين أقسام الإمامة. لكن بعض المفكرين المتأخرين في العالم الشيعي يرون أن النبي الأكرم نفسه كان له تنصيبات وتعيينات متعددة في الإمامة. ونتيجة لهذا النقاش، تم طرح تقسيمات للإمامة مثل: 1. الإمامة والقيادة السياسية؛ 2. الإمامة كمرجعية دينية؛ 3. الإمامة بمعنى منصب القضاء؛ 4. الإمامة الباطنية؛ 5. الإمامة التكوينية أو بما يُعبّر عنه بشكل أضعف الولاية التكوينية.
حتى حيث نعلم، تناول ثلاثة من علماء الشيعة مسألة تقسيم الإمامة لأهل البيت: الشهيد مطهري، الإمام الخميني، والشهيد الصدر. ويبدو أن نقاش الشهيد الصدر كان أكثر وضوحًا. يقول:
لقد جمعت كلا المرجعيتين لأهل البيت، عليهم السلام، بحكم الظروف التي درسناها وجاءت النصوص النبوية الشريفة تؤكد ذلك باستمرار. والمثال الرئيسي للنص النبوي على المرجعية الفكرية حديث الثقلين… والمثال الرئيسي للنص النبوي على المرجعية في العمل القيادي الاجتماعي حديث الغدير (شهید صدر، 9791: 38-48).
قبل كل شيء، قام المرحوم مطهري بهذا التفريق الذي يبدو أنه تأثر بشدة بفكر أستاذه السيد بروجردي في هذه المسألة. يعتقد المرحوم مطهري أن النبي صلى الله عليه وسلم نصّ في حديث الثقلين على الأئمة كمرجع معصوم ديني بعده. الإمام هو المرجع القطعي الذي إذا سمعت منه جملة لا تحتمل احتمال الخطأ ولا احتمال الانحراف المتعمد؛ وهذا هو العصمة. «الشيعة تقول: إن النبي قال: إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي… النص في مثل هذه الأمور… بالإضافة إلى ذلك، كل من هو مرجع ديني يجب أن يكون زعيم الدين أيضًا. وقد صرح النبي بسند الزعامة أيضًا، ومن أمثلة ذلك حديث الغدير الذي قاله النبي الأكرم في غدير خم وفي حجة الوداع» (مطهری، 4631: 38-48). ينقل الشهيد مطهري في موضع آخر قول السيد بروجردي:
أتذكر أن المرحوم آية الله بروجردي كان دائمًا يذكّر بهذا الأمر: هناك أمران يا سيدي. افصل بين هذين الأمرين، حينها تحلّ خلافاتنا مع السنة، وستكون لصالحنا أيضًا. أحدهما مسألة الخلافة والزعامة، والآخر مسألة الإمامة. في مسألة الخلافة والزعامة نقول: بعد النبي، الذي يجب أن يكون الحاكم هو الإمام أمير المؤمنين (ع)، وهم يقولون لا، أبا بكر، وهذا خلاف. المسألة الأخرى هي الإمامة، أي أننا لا نناقش فقط شأن الزعامة والحكم للنبي. للنبي شأن آخر وهو أنه كان نبيًا، وبين الأحكام يجب أن نحسب من هو المرجع في الأحكام بعد النبي. أي قول من هو حجّة علينا. ثم قال إن بعض الروايات نصّت على أن النبي (ص) قال: علي (ع) بعدي خليفة وزعيم. وبعضهم يضيفون أمرًا آخر ويقولون إن رسول الله قال: علي بعدي مرجع الأحكام… حديث إني تارك فيكم الثقلين يبيّن مقام المرجعية العلمية للعترة (مطهری، 8631: 671/1-771).
كما أشار الإمام الخميني في إحدى خطاباته بمناسبة عيد الغدير إلى:
الحكومة التي تمازجت مع السياسة ثبتت في يوم عيد الغدير لصالح الإمام أمير المؤمنين. أن… في الروايات «بني الإسلام على خمس» هذه الولاية ليست ولاية الإمامة الكلية. الإمامة التي لا يُقبل عمل إلا بالإيمان بها، هذا لا يعني هذه الحكومة. حسناً، كثير من أئمتنا لم يكن لديهم حكومة… الذي جعله الله تعالى وتبع ذلك لأئمة الهدى هو الحكومة… الحكومة جعلها الله للإمام أمير المؤمنين عليه السلام وهذه الحكومة تعني السياسة (امام خمینی، 9631: 82/02-92).
يرى المرحوم مطهري أن البعد السياسي للإمامة صغير جدًا ويقول:
يجب ألا نرتكب هذا الخطأ أبدًا بأن نقول بمجرد أن تُطرح مسألة الإمامة في الشيعة تعني مسألة الحكم، وبالتالي تصبح المسألة بسيطة جدًا وتظهر الفروع التي نشأت عنها، ونقول الآن بما أن المسألة فقط هي الحكم ومن يكون الحاكم… هذا خطأ كبير جدًا ارتكبه بعض القدماء (بعض المتكلمين) أحيانًا. واليوم يتكرر هذا الخطأ كثيرًا. عندما يُقال الإمامة، يتجهون إلى مسألة الحكم، مع أن مسألة الحكم هي من الفروع وأحد الفروع الصغيرة جدًا لمسألة الإمامة، ولا يجب خلط هذين الأمرين. فما هي مسألة الإمامة إذًا؟ في مسألة الإمامة، ما هو في الدرجة الأولى من الأهمية هو مسألة ولاية النبي في التفسير والبيان للدين من دون الوحي. وبلا شك، من كان يوحى إليه هو النبي الأكرم فقط، وبمغادرته قطع الوحي والرسالة تمامًا (مطهری، 4631: 07-17).
لكن الإمام الخميني -مثلاً في نفس خطاب عيد الغدير الذي نقل منه جزء- والشهيد الصدر -خصوصًا في المسائل المطروحة في كتاب أهل البيت تنوع الأدوار ووحدة الهدف- أكدا أكثر من المرحوم مطهري على مسألة «السياسة». بل يمكن القول إن وجهتي النظر لا تقارنان. يذهب المرحوم مطهري إلى حد القول:
إذا كانت المسألة مجرد مسألة سياسة، فإن جاذبية فكر أهل السنة أكبر من فكر الشيعة. لأنهم يقولون إن الحاكم لا يحق له تعيين الحاكم التالي، بل الأمة وأهل الحل والعقد والشعب هم من يختارون. يجب أن يكون اختيار الحاكم على أساس مبادئ الديمقراطية. للناس حق الاختيار. لكن المسألة ليست بهذه البساطة. من حيث مجموع ما نراه في الشيعة، أن خلافة علي (ع) وسائر الأئمة (ع) كانت تنصيبًا، هي فرع لمسألة أخرى (المرجع نفسه: 07).
يرى آية الله مصباح أن الإمامة تتجاوز ذلك، فمسألة الحكم هي من شؤونها؛ لذا يقول:
عندما يستطيع الإسلام أن يكون دينًا كاملاً يستجيب لاحتياجات جميع البشر حتى نهاية العالم، يجب أن يكون في نص الدين طريق لتأمين مصالح المجتمع الضرورية؛ مصالح كانت معرضة للتهديد والتعزيز مع رحيل النبي الأكرم، وهذا الطريق ليس سوى تعيين خليفة جدير للرسول الأكرم. خليفة يمتلك العلم الإلهي[7] ليتمكن من بيان حقائق الدين في جميع أبعاده ودقائقه، ويمتلك ملكة العصمة حتى لا يتأثر بالدوافع النفسية والشيطانية ولا يرتكب تحريفًا عمديًا في الدين، وكذلك ليتمكن من القيام بالدور التربوي للنبي الأكرم (ص) ويهيئ الظروف الاجتماعية المناسبة لتولي الحكم وتدبير شؤون المجتمع، وينفذ القوانين الاجتماعية للإسلام وينشر الحق والعدل في العالم (مصباح یزدی، 0731: 453).
العلامة الطباطبائي (ره) يؤمن أيضًا بالإمامة الثنائية، لكنه لا يتناول مسألة التعيين هل هناك تعيينان أم لا. من يتولى حفظ وصيانة الدين السماوي ويُخصص لهذا المنصب من قبل الله يُسمى إمامًا، كما أن من يحمل روح الوحي والنبوة ويتولى استلام الأحكام والشرائع السماوية من الله يُسمى نبيًا. إذا أثبت الدليل المذكور عصمة الأنبياء، فإنه يثبت أيضًا عصمة الأئمة والقادة؛ لأن الله يجب أن يضمن وجود دين حقيقي غير متغير وقابل للدعوة بين البشر إلى الأبد(طباطبایی، 4531: 152). وعن الإمامة الباطنية يقول العلامة: «كما أن الإمام قائد ومرشد في ظاهر أعمال الناس، فهو كذلك في الباطن له منصب القيادة والريادة، وهو قائد قافلة الإنسانية التي تسير من طريق الباطن نحو الله» (المرجع نفسه: 452).
المرحوم مطهري يشير في مكان ما في تقسيمات الإمامة إلى مسألة الولاية التكوينية ويكتب: «يقال إن المرحوم آقا سيد محمد باقر درچهاي، أستاذ السيد بروجردي في أصفهان، كان ينكر هذه المرحلة الثالثة. وصل إلى المرحلة الثانية لكنه لم يؤمن بما بعدها. لكن غالبية الشيعة وعلماء الشيعة يؤمنون بالمرحلة الثالثة أيضًا» (مطهری، 4631: 75). يعود الشهيد مطهري إلى هذا النقاش ويكتب: «أنا شخصيًا أؤمن بها وأعتبرها مسألة أساسية، لكنها ربما لا تُعد من أركان التشيع» (المرجع نفسه: 18). كما أن آية الله صافي لديه كتاب بعنوان “الولاية التكوينية والولاية التشريعية” يثبت فيه الولاية التكوينية والتشريعية للأئمة (ع).
المباحث المتعلقة بالإمامة واسعة جدًا. الغرض من التطرق إلى هذا النقاش في هذا المختصر هو إظهار أن الشهيد الصدر من الذين فرقوا بين مسألتين في الإمامة. وبمناسبة هذا التفريق، يجب طرح أسئلة من الضروري أن يتناولها الشيعة اليوم بشكل أوسع. ربما أصبحت هذه المسائل من المسائل الضرورية للفكر الشيعي اليوم. وهذه الأسئلة هي:
هل التعيين في الإمامة محصور فقط في هذين النوعين أم أن التعيين حصل في أنواع أخرى أيضًا؟ مثلاً، بعض الكتب ذكرت منصب القضاء من مناصب الإمامة(مطهری، 8631: 771/1).
كم عدد مناصب الإمامة؟ كم منصب يمكن تعيينه وكم منصب لا يمكن تعيينه؟ مثلاً في مسألة الولاية التكوينية، رأي المحقق الأصفهاني أنها لا يمكن خلقها أو تعيينها(غروی اصفهانی، د.ت.: 212/1).
هل كل هذه المناصب إجماعية لدى الشيعة أم لا؟ وهل الإجماع مفيد في هذا النقاش أم لا؟
في مباحث التعيين، أي من هذه الأصول هو الأصل؟ هل يجوز طرح سؤال أيها الأصل؟ نظرية المرحوم مطهري أن المرجعية الدينية هي الأصل. وإذا كانت كلها أصول، هل لأحد هذه التعيينات أولوية على الآخر؟
إذا كانت كلها أصول والإمامة ضرورية، هل يجب أن تتحقق الإمامة في كل أبعادها في كل الأزمنة؟ بمعنى آخر، إذا كنا بحاجة إلى إمام، هل الإمامة السياسية أو الإمامة السياسية والمرجعية الدينية أو كلاهما بالإضافة إلى الإمامة الباطنية موجودة لكل الأزمنة أم لبعضها فقط؟
مسألة أخرى هي مسألة العصمة. إذا تم التفريق بين الإمامات، هل العصمة ضرورية في كل الإمامات؟ نحن بالتأكيد نحتاج العصمة في الإمامة بمعنى المرجعية الدينية. لكن هل المرجعية السياسية والإمامة الاجتماعية تحتاجان إلى العصمة أم لا؟ هذا بالطبع بغض النظر عن إمامة المعصومين (ع). عندما يكون الفرد المعصوم صاحب المرجعية السياسية، يكون معصومًا في هذا الجانب أيضًا.
لكن طرح هذا النقاش اليوم له فائدة وهي: إذا تم التفريق بين الإمامة وكانت العصمة لازمة لا تنفك لكلتا الإمامتين، فهل في عصر الغيبة يمكن نقل المسؤولية السياسية؟ هل يمكن القول إن الإمامة السياسية في فترة معينة ملازمة للعصمة وفي فترة أخرى ليست كذلك؟ يجب توضيح هذه النقطة بأدلة كافية.
وكذلك، هل المرجعية الدينية لكل الأزمنة أم لفترة محدودة؟ إذا كانت المرجعية الدينية المعصومة ضرورية لكل الأزمنة، هل هذا الشيء يتحقق خارجيًا أم لا؟ هل يمكن القول لا المرجعية الدينية هي الأصل المحوري ولا المرجعية السياسية (كما يرى أهل التصوف)، بل الولاية التكوينية هي الأصل التي يمكن الاستدلال بها لكل الأزمنة؛ لذا رغم عدم وجود المرجعية السياسية والفكرية والدينية المعصومة في عصر الغيبة، فإن الولاية التكوينية والإمامة الباطنية موجودتان.
الكتبالمراجع
خميني، سيد روح الله (9631)، صحيفة نور، طهران: منشورات سروش.
شيبي، كامل مصطفى (2891)، الصلة بين التصوف والتشيع، الطبعة الثانية، بيروت: دار الأندلس للطباعة والنشر.
صدر، محمد باقر (3531)، التشيع مولود طبيعي للإسلام، ترجمة علي حجتي كرماني، طهران: مركز النشر والبحوث الإسلامية.
-(0631)، فدك في التاريخ، ترجمة محمود عابدي، طهران: منشورات روزبه.
-(6041)، نقاش حول المهدي، طهران: منظمة الدعوة الإسلامية.
-(د.ت.)، أهل البيت؛ تنوع الأدوار ووحدة الهدف، بيروت: دار التعارف للمطبوعات.
-(1979)، البحث حول الولاية، الطبعة الثانية، بيروت: دار التعارف للمطبوعات.
طباطبائي، محمد حسين (1345)، الشيعة في الإسلام، مع مقدمة حسين نصر، الطبعة السادسة، طهران: منشورات مكتبة الإسلامية الكبرى.
غروي أصفهاني (د.ت.)، حاشية المكاسب، قم: منشورات مجمع الذخائر الإسلامية.
مصباح يزدي، محمد تقي (1370)، تعليم العقائد، طهران: منشورات منظمة التبليغات الإسلامية.
مطهري، مرتضى (1364)، الإمامة والقيادة، الطبعة الثالثة، طهران: منشورات صدرا.
-(1368)، الإسلام ومتطلبات العصر، طهران: منشورات صدرا.
ميرداماد، محمد باقر حسيني (1374)، بنراس الضياء وتسوية السواء في شرح باب البدء وإثبات جدوى الدعاء، مع تعليقات ملا علي النوري، تحقيق حامد ناجي أصفهاني، طهران: وزارة الإرشاد الإسلامي، مكتب نشر ميراث مكتوب.
[1] إنّ ما نُقل هو في الغالب تقرير عام عن مناقشات الكتاب، لأنّ النقل التفصيلي كان سيصبح واسعًا جدًا.
[2] يُقال أحيانًا إنّ شخصًا قام وقال ذلك. الشهيد الصدر يرى أنّ ذلك الشخص هو الإمام علي(ع).
[3] تُرجم هذا الكتاب إلى الفارسية في حياة ذلك الشهيد السعيد بواسطة علي حجتي كرماني بعنوان التشيع مولود طبيعي للإسلام.
[4] يبدو أنّ رأي الشهيد الصدر في هذا النقاش قريب من وجهة نظر الدكتور عبد العزيز الدوري. كامل مصطفى شيبي يرى أنّ وجهة نظر الدكتور الدوري تجمع بين وجهتي نظر كاشف الغطاء وطرحين. لأنّ طرحين يرى أنّ التشيع نشأ في زمن النبي. الدوري يميز بين التشيع الروحي والتشيع السياسي، ويقبل وجهة نظر كاشف الغطاء بشأن التشيع الروحي ووجهة نظر طرحين في باب التشيع السياسي. مناقشات كامل مصطفى نفسه في هذا المجال جديرة بالتأمل (انظر: شیبی، 2891: 22/1).
[5] نُشر أصل هذه الرسالة في الطبعات اللاحقة من كتاب التشيع مولود طبيعي الإسلام.
[6] وجهة نظر الشهيد الصدر نفسها غير متناسقة في كتابتين.
[7] المرحوم مطهري لديه عبارة قد تتعارض مع عبارة السيد مصباح: «ذلك الشخص (الإمام) لا يعرف الأحكام عن طريق الوحي، بل يعرف الأحكام عن طريق تعلم النبي، والنبي قد علمه الأحكام» (8631: 771). ومن الجدير بالتأمل إلى أي مدى تعكس كتب المرحوم مطهري التي نُشرت بعد استشهاده وجهات نظره. على أي حال، مع الأسف الشديد تُستخدم هذه الكتب كمرجع لآرائه.

