تفسير المعقولات الثانية الفلسفية في فكر صدر المتألهين والشهيد صدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: ‌ ‌‌‌تفسیر‌ معقولات ثانی فلسفی در اندیشه صدرالمتألهین و شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: إن مسألة المعقول الأول والثاني التي تنبع من علم المنطق، شهدت تحولاً وتطوراً تفسيرياً في مجال المعقول الثاني الفلسفي بفضل جهود صدر المتألهين والشهيد السيد محمد باقر الصدر. في هذه المرحلة، إلى جانب التفريق بين المعقول الثاني المنطقي والفلسفي، تم البحث في حقيقة المعقول الثاني الفلسفي، وبيان العروض الخارجي إلى جانب الاتصاف الخارجي للمفاهيم الفلسفية. أسس صدر المتألهين هذا الرأي في مجال الفلسفة، وأسس الشهيد صدر ذلك في مجال علم الأصول. تُظهر هذه الدراسة، التي أُجريت بأسلوب وصفي-تحليلي وتهدف إلى استكشاف ومقارنة آراء هذين المفكرين، أن صدر المتألهين في نظرته الأولية كان قد قبل الرأي الشائع بين الفلاسفة (بعد المحقق القوشجي) القائل بالعروض الذهني والاتصاف الخارجي للمفاهيم الفلسفية، لكنه في نظرته النهائية نقد هذا الرأي ورفض التفريق بين وعاء العرض والاتصاف. من ناحية أخرى، تناول الشهيد صدر في عدة مواضع في علم الأصول مسألة المعقول الثاني الفلسفي، واستفاد منه في حل مسائل أصولية وفقهية وكلامية مهمة، منها مسألة تعدد العنوان والمعنون، تعلق الأوامر بالطبائع أو الأفراد، تحليل حقيقة الملكية، وأنواع قضايى الحسن والقبح.

المؤلف: نسرين توكلي، محمد علي إسماعيلي

المصدر: مجلة المعرفة الفلسفية، شتاء 1399، العدد 70، ص 9 إلى 26

المقدمة

تقسم المفاهيم بشكل عام إلى معقولات أولى (مفاهيم ماهوية) ومعقولات ثانية منطقية وفلسفية. المعقول الأول والثاني هما فقط صفتان للمفاهيم، ولا تتصف بهما القضايا؛ مع أن القضايا التي تشكل معقولاتها الأولية العناصر المحورية قد تكون خارجية أو حقيقية، إلا أن القضية التي تنظمها المعقولات الثانية المنطقية هي قضية ذهنية فقط؛ كما أن القضايا التي موضوعها من المعقولات الثانية الفلسفية هي قضايا حقيقية. لذلك، يمكن أن يتأثر تقسيم القضايا إلى خارجية وذهنية وحقيقية بمسألة المعقولات الأولى والثانية، لكن القضية لا تتصف بهذه الصفات (جوادی آملی، 1386‌، ج4، ص473‌474‌؛ مطهری، 1386، ج1 ص431).

مسألة المعقول الأول والثاني لها جذور في علم المنطق. يعتقد بعض المنطقيين أن موضوع علم المنطق هو المعقول الثاني (ابن‌سینا، 1404هـ  الف، ص23؛ طوسی، 1375، ج1، ص9). ومن هنا بدأ تحليل المعقولات الأولى والثانية في المناقشات المنطقية والفلسفية؛ لكن التفريق بين المعقول الثاني الفلسفي والمعقول الثاني المنطقي لم يُطرح في كلام السابقين، وهذه المسألة، مثل أي مسألة فلسفية أخرى، لها مسار تطوري واسع يمكن رسمه على النحو التالي:

قدم الفارابي تقسيم المعقولات إلى معقولات أولى وثانية بشكل صريح، وميّز بينهما. في شرح المعقولات الثانية، طرح مفاهيم مثل الجنس والنوع وما شابهها، وهي جميعها من المعقولات الثانية المنطقية (فارابی، 1986، ص64). اعتبر ابن سينا موضوع علم المنطق هو المعقول الثاني، وميّز بين المفاهيم الماهوية والمعقولات الثانية: فالمفاهيم الماهوية أمور ذهنية مستمدة من الخارج، والمعقولات الثانية أمور ذهنية بحتة (ابن‌سینا، 1404هـ  الف‌، ج1، ص23‌). رغم أن ابن سينا أشار في بعض المواضع إلى التفريق بين المفاهيم الفلسفية والمنطقية (ابن‌سینا، 1371، ص131؛ همو، 1404‌ق  ب، ص157‌)، إلا أنه يبدو أنه لم يطرح هذه المسألة بوضوح وصراحة. كما أضاف بهمنيار، متبعاً كلام ابن سينا، ثلاثة مفاهيم هي «الشيئية، الذات، والوجود» إلى المعقولات الثانية، واعتبرها في مرتبة الجنس والنوع والكلي والجزئي: «الشيء من المعقولات الثانية المستندة إلى المعقولات الأولى، وحكمه حكم الكلي والجزئي والجنس والنوع… وكذلك الذات، وكذلك الوجود بالنسبة إلى أقسامه» (بهمنیار‌، 1375‌، ص286).

وسع سهروردي دائرة المفاهيم المنطقية مستفيداً من أقوال فلاسفة المشاء، وضم مفاهيم مثل الإمكان والوجوب والاستحالة والجوهرية والوجود وما شابهها إلى المفاهيم المنطقية (سهروردی‌، 1375، ج2 ص71؛ ج1 ص346). واستناداً إلى قاعدة «ما لزم من وجوده في الخارج تكرره فهو اعتباري»، اعتبر مفاهيم مثل الإمكان والوجود والوجوب والوحدة وغيرها من المفاهيم الفلسفية ذهنية بحتة، وضمها إلى مفاهيم مثل النوعية والجزئية وغيرها من المفاهيم المنطقية:

التحقيق أن الصفات تنقسم إلى صفات لها وجود في الذهن والعين كالبياض، وإلى صفات توصف بها الماهيات وليس لها وجود إلا في الذهن، ووجودها العيني هو أنها في الذهن كالنوعية المحمولة على الإنسان والجزئية المحمولة على زيد… وكذلك الشيئية… والإمكان والوجود والوجوب والوحدة ونحوها من هذا القبيل (سهروردی‌، 1375‌، ج1، ص346‌347).

كما اعتبر المحقق الطوسي، مع أنه يرى موضوع علم المنطق هو المعقولات الثانية، أن هذا أمر متفق عليه بين المنطقيين (طوسی، 1375، ج1، ص9)، وفي تحليل المعقولات الثانية، هو تابع لمسار سهروردي، وضم مفاهيم مثل الوجود والعدم والتشخص والعلية والمعلولية والتناهي وعدم التناهي والحدوث والقدم والماهية إلى المعقولات الثانية وفي مرتبة المفهوم الكلي والجزئي والذاتي والعرضي والجنس والفصل والنوع: «الوجود من المحمولات العقلية… وهو من المعقولات الثانية. وكذلك العدم وجهاتهما، والماهية والكلي والجزئي والذاتي والعرضي، والجنسية والفصلية والنوعية» (حلی، 1413هـ، ص 6567).

لذلك، حتى هذه المرحلة، رغم التفريق الواضح بين المعقولات الأولى والمعقولات الثانية، إلا أن التفريق بين المعقولات الثانية المنطقية والفلسفية لم يكن واضحاً، بل أحياناً وُضع المفاهيم الفلسفية صراحة في مرتبة المفاهيم المنطقية.

يُعدّ المحقق قوشجي مُبْدِئَ مرحلة جديدة في تفسير المعقولات الثانية وتمييز المفاهيم الفلسفية والمنطقية. فهو في شرح التجريد لا يقبل وجهة نظر المحقق الطوسي في تفسير المفاهيم الفلسفية. كما ذُكر سابقًا، يرى المحقق الطوسي أن مفاهيم مثل الوحدة، الكثرة، الحدوث والقدم هي معقولات ثانية وتقع في مرتبة المفهوم الكلي، الجزئي، الذاتي، العرضي، الجنس، الفصل والنوع (حلی، 1413هـ، ص6567). ويعتبر قوشجي اتصاف الأشياء الخارجية بمفاهيم مثل الوحدة والكثرة دليلاً على نقد وجهة نظر المحقق الطوسي، ولا يقبل ذهنية هذه المفاهيم. ومن هنا نشأت وجهة النظر القائلة بالاتصاف الخارجي والعروض الذهني للمفاهيم الفلسفية، والتي تطورت على يد الفلاسفة الذين جاءوا بعده وأصبحت الفكر السائد بينهم. كما أن ميرداماد في هذا السياق يميز بين المعقولات الثانية الفلسفية والمفاهيم المنطقية، ويؤكد أن مفاهيم مثل الوحدة والكثرة من المعقولات الثانية الفلسفية وليست مفاهيم منطقية يكون ذهنها هو الحاوي لها (میرداماد، 1376‌، ص‌‌275‌).

وقد شهدت المرحلة الثالثة من تطور وتكامل تفسير المعقولات الثانية بفضل صدر المتألهين وشهيد صدر. ففي هذه المرحلة، بالإضافة إلى التمييز بين المعقول الثاني المنطقي والفلسفي، تم البحث في حقيقة المعقول الثاني الفلسفي، وتم توضيح العروض الخارجي إلى جانب الاتصاف الخارجي للمفاهيم الفلسفية. وقد أسس صدر المتألهين هذا المنهج في مجال الفلسفة، وشهيد صدر في مجال علم الأصول. وتمثل هذه المراحل الثلاث مسار التطور التاريخي لقضية المعقول الثاني الفلسفي (جهت بررسی تفصیلی سیر‌ تاریخی، ر. ‌‌ک: اسماعیلی، 1389؛ یزدان‌پناه، 1389، ج1، ص225).

يتناول هذا البحث بأسلوب وصفي تحليلي دراسة مقارنة للمعقول الثاني الفلسفي في فكر صدر المتألهين وشهيد صدر، ويجيب على السؤال الرئيسي: ما هي وجهة نظر صدر المتألهين وشهيد صدر في تفسير المعقولات الثانية الفلسفية وما مدى التشابه بينهما؟ ويبرز الاستخدام الواسع لهذه القضية في المناقشات الفلسفية ضرورة دراسة هذه المسألة بعمق.

ومن الجدير بالذكر أن المفاهيم الفلسفية هنا ليست مقابل المفاهيم الصوفية، بل تشملها أيضًا؛ لأن المفاهيم الفلسفية هنا تقابل المفاهيم الجوهرية والمنطقية، وتشمل المفاهيم الصوفية مثل الوحدة، الوجود، الإنسان الكامل والتجلي؛ لذلك فإن دراسة المفاهيم الفلسفية تفيد أيضًا في تحليل المفاهيم الصوفية.

1. تفسير المفاهيم الفلسفية في فكر صدر المتألهين

قام صدر المتألهين بتمييز المعقولات الثانية المنطقية عن الفلسفية، وناقش نقدًا مفصلًا لوجهة نظر سهروردي (صدرالمتألهین، 1981، ج1 ص180181). فقد قدم سهروردي معيارًا لتمييز المعقولات الأولى عن المعقولات الثانية، وهو أن كل مفهوم يتطلب تكراره في الخارج هو من المفاهيم الاعتبارية. وبناءً على هذا المبدأ، ينفي تحقق المعقولات الثانية سواء كانت منطقية أو فلسفية في الخارج، ويعتبرها اعتبارات ذهنية (سهروردی، 1375، ج1، ص26و343‌). ويرى صدر المتألهين أنه بسبب عدم تمييز سهروردي بين المعقولات الثانية المنطقية والفلسفية، فإنه يقارن الإمكان ونظائره مع المعقولات الثانية المنطقية، وهذا مقارنة غير صحيحة؛ لأن الأشياء تتصف بالمعقولات الثانية المنطقية فقط في إطار الذهن، أي أن الذهن هو الحاوي والعارض والمعطى للمعقولات الثانية المنطقية، أما المعقولات الثانية الفلسفية، فعلى الرغم من أنها تعارض في الذهن موضوعها، فإن اتصاف الأشياء بها يكون أحيانًا من حيث الذهن وأحيانًا أخرى من حيث الخارج (صدرالمتألهین، 1981، ج1، ص180181).

وبتجاهل وجهة نظر مساواة المعقولات الثانية الفلسفية والمنطقية التي يقبلها سهروردي، فإن وجهة النظر المشهورة بين الفلاسفة بعد المحقق قوشجي هي التي تبناها صدر المتألهين في البداية، حيث قبل هذه الرؤية وطرح العروض الذهني والاتصاف الخارجي للمفاهيم الفلسفية، لكنه في الرؤية النهائية نقد هذه الرؤية ورفض التمييز بين حاوي العروض والاتصاف. وتفسير هاتين الرؤيتين كما يلي:

1-1. قبول نظرية العروض الذهنية والاتصاف الخارجي

كما ذُكر، وفقًا للرؤية المشهورة بين الفلاسفة بعد المحقق قوشجي، فإن المعقولات الثانية المنطقية تفتقر إلى المابإزاء الخارجي وكذلك إلى منشأ الانتزاع الخارجي، على عكس المفاهيم الفلسفية التي رغم افتقارها إلى المابإزاء الخارجي، إلا أن لها منشأ انتزاع خارجي. وبعبارة أخرى، فإن المعقولات الثانية المنطقية عروضها ذهنية وكذلك اتصافها، بينما عروض المفاهيم الفلسفية ذهنية لكن اتصافها خارجي.

وقد تناول صدر المتألهين مسألة المعقولات الثانية الفلسفية في مواضع مختلفة، وقبل في معظمها وجهة النظر المشهورة بين الفلاسفة (جوادی‌ آملی‌، 1386، ج2، ص394؛ ج4 ص485486). ومن ذلك في بحث المواد الثلاث بعنوان «تصالح اتفاقي» حيث جمع بين قول الرواقيين من أتباع أفلاطون وأتباع الحكمة المشائية حول وجود أو عدم وجود الجهات الثلاث وغيرها مثل العلية والمعلولية والتقدم والتأخر، وقبل وجهة النظر المشهورة للفلاسفة في تفسير المعقول الثاني الفلسفي: فالرواقيون يرون أن هذه المعاني اعتباريّة، وحكماء المشاء يرون وجودها الخارجي، وجمع القولين يكون بأن قول حكماء الرواقيين يتعلق بالوجود في ذاته، وقول حكماء المشاء يتعلق بالوجود الرابط بينها؛ أي أن هذه المعاني من حيث الوجود في ذاته اعتباريّة وليست حقيقية، ومن حيث الوجود بغيره فهي حقيقية وليست اعتباريّة. وبعبارة أخرى، هذه المفاهيم تفتقر إلى المابإزاء الخارجي لكنها لها منشأ انتزاع خارجي؛ لذلك يمكن اعتبار قول الرواقيين نفيًا للمابإزاء الخارجي، واعتبار قول المشائيين إثباتًا لمنشأ الانتزاع الخارجي. وبهذا يتم التوفيق بين القولين (صدرالمتألهین، 1981، ج1 ص139‌140‌؛ جوادی‌ آملی‌، 1386‌، ج2، ص349؛ ج4، ص464).

يستخدم صدرالمتألهين هنا من وجهة نظر الفلاسفة المشهورة التي تقوم على خارجية الاتصاف وذهنية العروض في المعقولات الثانية الفلسفية، لحل نزاع قديم حول معدوم أو موجود بعض المفاهيم التي تنتمي إلى صنف المعقولات الثانية الفلسفية.

ويناقش صدرالمتألهين في موضوع آخر تميّز المعقولات الثانية المنطقية والفلسفية وتعريف المعقولات الثانية الفلسفية بخارجية الاتصاف وذهنية عروضها، ويذكر أن خارجية الاتصاف في هذه المفاهيم لا تعني أبداً خارجية هذه المفاهيم ذاتها، بل إن هذه المفاهيم مع كون اتصافها خارجياً، لها عروض ذهنية:

قول من قال: «أنه ممكن أو موجود في الأعيان فيستدعي أن يكون إمكانه أو وجوده في الأعيان» غير صحيح، إذ لا يلزم من صحة‌ حكمنا‌ علي شي‌ء بأنه ممكن في الأعيان أن يكون إمكانه واقعاً في الأعيان (صدرالمتألهین، 1981، ج1 ص180).

هذا الرأي ينتقد وجهة نظر سهروردي التي كانت ترى أن خارجية اتصاف المفاهيم الفلسفية تستلزم وجود مقابل خارجي؛ لكن صدرالمتألهين لا يقبل هذا الارتباط ويرى أن الاتصاف الخارجي يمكن جمعه مع العروض الذهنية.

وفي سبيل توضيح وجهة نظر الفلاسفة المشهورة، استُخدمت تعبيرات متعددة:

أحياناً يُقال إن المفاهيم الفلسفية لها حمل خارجي ومحمول ذهني، بمعنى أن المفاهيم الفلسفية مثل الإمكان والعلّة وُضعت وصفاً للأشياء الخارجية وحُمّلت على الأشياء الخارجية (حمل خارجي)، لكنها في الوقت نفسه ليست موجودة في الخارج (محمول ذهني). فمثلاً مفهوم الإمكان مثل البياض والسواد ليس موجوداً في الخارج. وقد استفاد المحقق القوشجي في تفسير المعقولات الثانية الفلسفية من هذين المصطلحين قائلاً: «انتفاء مبدء المحمول في الخارج لايقتضي انتفاء الحمل الخارجي» (یزدان‌پناه‌، 1389، ج1، ص272).

وأحياناً في تفسير هذا الرأي يُستخدم مصطلحا «مابإزاء» و«منشأ انتزاع». فالمفاهيم الفلسفية لا تملك مابإزاء خارجي، لكنها منشأ انتزاع خارجي. المعقولات الأولى لها مابإزاء خارجي. والمقصود بالمابإزاء الخارجي هو الوجود في ذاته الذي يلازم عروض الانضمام للمحمول على الموضوع. والمقصود بمنشأ الانتزاع هو أن انتزاع المفاهيم الفلسفية له جذور في الخارج، لذلك رغم عدم وجودها المنفك في الخارج، إلا أن لها جذوراً خارجية. كما أن مصطلحي «الفرد» و«المصداق» مرتبطان بهذا المعنى. عادةً في المفاهيم الماهوية التي لها مابإزاء خارجي يُستخدم مصطلح «الفرد»، وفي المفاهيم الفلسفية يُستخدم مصطلح «المصداق». وبالتالي المفاهيم الماهوية لها فرد، أما المفاهيم الفلسفية فمع أنها تفتقر إلى الفرد، إلا أنها لها مصداق (جوادی آملی، 1390، ص80؛ همو، 1386، ج2، ص541).

وأشهر تعبير لوصف المفاهيم الفلسفية هو استخدام مصطلحي «العروض» و«الاتصاف»: فالمفاهيم المنطقية عروضها في الذهن وكذلك اتصافها ذهني، أما المفاهيم الفلسفية فعروضها في الذهن لكن اتصافها يتم في الخارج. هذان المصطلحان لهما جذور في كلام صدرالمتألهين (صدرالمتألهین، 1981‌، ج1، ص336‌337) وقد بيّنها الحكيم السبزواري (سبزواری، 1384، ج2، ص165). وبما أن هذين المصطلحين لهما استخدام واسع في تفسير المفاهيم الفلسفية وشرحهما له دور مباشر في فهم هذه المفاهيم، فسوف نشرحهما إلى حد ما:

مصطلحا العروض والاتصاف يُستخدمان في باب القضايا وكذلك في باب المعقولات الأولى والثانية. والفرق بين هذين المصطلحين في مبحث القضايا يعتمد فقط على طريقة نظر الإنسان إلى الموضوع والمحمول للقضية، بحيث إذا نظرنا من جهة الموضوع إلى المحمول يُسمى «اتصاف»، وإذا نظرنا من جهة المحمول إلى الموضوع يُسمى «عروض». لذلك في العالم الخارجي، لا يوجد شيئان بحيث يكون لدينا اتصاف الموضوع بالمحمول وعروض المحمول على الموضوع في الوقت نفسه، بل هما نظرتان إلى واقع واحد (لاهیجی‌، 1386، ص146؛ سمیح دغیم، 2001، ص5).

وفي فكر الشهيد المطهري، وفق هذا المصطلح لا يمكن التمييز بين العروض والاتصاف واعتبار العروض ذهني والاتصاف خارجي في المفاهيم الفلسفية؛ لذلك العروض والاتصاف في باب المفاهيم الكلية تختلف عن مصطلحات باب القضايا (مطهری‌، 1386، ج1، ص434). العروض والاتصاف في باب المفاهيم الكلية يشيران إلى وجود المحمول ووجود الرابط. المفاهيم عموماً ومفهوم الوجود خصوصاً، في تقسيم معين تُقسم إلى وجود محمول أو مفهوم اسمي للوجود، ووجود رابط أو مفهوم حرفي للوجود. المفاهيم الاسمية هي مفاهيم يمكن تصورها بمفردها وبدون الحاجة إلى مفاهيم خارج ذاتها، مثل مفهوم الإنسان، الوجود، العدم. أما المفاهيم الحرفية فهي مفاهيم لا يمكن تصورها بمفردها (مطهری، 1389، ج10، ص62). ومفهوم الوجود أيضاً ينقسم إلى قسمين: وجود محمول ووجود رابط؛ وجود محمول هو المفهوم الاسمي للوجود، ووجود رابط هو المفهوم الحرفي للوجود. في الجملة «زيد قائم» تظهر ثلاثة مفاهيم: مفهوم زيد، مفهوم القيام، ومفهوم «هو»؛ الأولان من المفاهيم الاسمية ويمكن تصورهما بمفردهما، لكن مفهوم «هو» من المفاهيم الحرفية ولا يمكن تصوره بمفرده، ودوره هو الربط بين المفهومين المستقلين المذكورين. هذا المفهوم لا يُعتبر محمولاً لأنه يجب أن يُتصور مستقلاً. في المقابل، مفهوم «الوجود» الذي يمكن تصوره بمفرده ويُعتبر محمولاً يُسمى «الوجود المحمول» (ر. ‌‌ک: سبزواری، 1384، ج2، ص238؛ صدرالمتألهین، 1981، ج1، ص79؛ مطهری، 1389، ج 10‌، ص65‌66).

وبناءً على هذا التمهيد، المقصود بـ«الاتصاف» هو وجود الرابط، والمقصود بـ«العروض» هو الوجود المحمول. في المفاهيم الفلسفية، اتصافها خارجي؛ بمعنى أن وجود الرابط للمفاهيم الفلسفية في الخارج، والمقصود بذهنية عروضها هو أن هذه المفاهيم في الخارج لا تملك وجوداً محمولاً واسماً، وفي الخارج تكون بلا مابإزاء، رغم أنها في الذهن تملك وجوداً محمولاً (مطهری، 1386، ج1، ص434436).

ولكن يبدو أن التفسير السابق للعروض والاتصاف غير مقبول؛ لأن تقسيم الوجود إلى وجود محمول ووجود رابط يتعلق بمفهوم الوجود: فمفهوم الوجود إما أن يكون اسميًا ومحمولًا أو حرفيًا ورابطًا. لذلك، فإن نتيجة التفسير السابق تعود إلى هذه النقطة أن المفاهيم الفلسفية إذا تحققت في الخارج فهي على صورة مفاهيم حرفية ورابطة، وإذا تحققت في الذهن فهي على صورة مفاهيم اسمية ومحمولة. في المثال «زيد قائم بالامكان» إذا تصورنا هذا الإمكان في الذهن فهو مفهوم اسمي، وإذا تحقق في الخارج فهو مفهوم حرفي. وهذا في حين أن الاتصاف الخارجي للمفاهيم الفلسفية لا يتعلق بكون المفاهيم المذكورة حرفية أو اسمية، بل يبيّن كيفية تحققها في الخارج. العروض الذهني والاتصاف الخارجي لهما دلالة على أن المفاهيم المذكورة في العالم الخارجي لا تملك مابإزاء خارجيًا، لكنها ذات منشأ انتزاع خارجي؛ لذلك فإن الاتصاف الخارجي يدل على أن المفاهيم الفلسفية، لأنها ذات منشأ انتزاع خارجي، توصف بها الموجودات الخارجية، كما أن عروضها الذهنية تدل على أن هذه المفاهيم في العالم الخارجي لا تملك مابإزاء خارجيًا، وبالتالي فهي تملك مابإزاء ذهنيًا فقط في إطار الذهن. والنتيجة أن الاتصاف الخارجي لا يتعلق بمفهوم الوجود من حيث كونه حرفيًا أو اسميًا، بل يتعلق بكيفية تحقق المفاهيم الفلسفية خارجيًا.

الاعتراض الآخر الذي أشار إليه بعض الفلاسفة المعاصرين على التفسير السابق هو أن الاتصاف الخارجي لا يتعلق بالوجود الرابط؛ لأن المفاهيم الفلسفية يمكن حملها على الأشياء الخارجية، بينما إذا كانت تفتقر إلى وجود اسمي فلا يكون حملها صحيحًا ولا تصبح صفة حقيقية. والشرح أن مفاهيم مثل الإمكان، الامتناع والضرورة تعبر عن كيفية علاقة الشيء بالوجود، وبما أن هذه العلاقة ذات معنى حرفي، فإن كيفية ذلك أيضًا لابد أن تكون مفهومًا حرفيًا وغير مستقل، وفي هذه الحالة لا يكون أي من المعاني المذكورة محمولًا لشيء ولا تصبح صفة له، فلا يمكن القول إن عروضها في الذهن أو وجودها المحمول في الخارج غير موجود، لأنه في هذه الحالة لا يكون لأي من هذه المعاني وجود محمول ولا تصيب شيئًا ولا يتصف بها شيء. ولكن بعد أن تُدرك هذه المعاني باعتبارها اسمية ومستقلة، يمكن وصفها بشيء وتكوين قضية يكون المعاني المذكورة محمولها؛ مثلاً قيل: «الشجرة ممكنة»؛ بينما كان هذا الإمكان سابقًا جهة للقضية وليس محمولًا، وكان يُقال: «الشجرة موجودة بالامكان». الآن بعد أن أصبح الإمكان مثلاً ذا وجه اسمي، لم يعد له معنى حرفي، كما كان سابقًا ذا معنى حرفي وليس له معنى اسمي، ولكن لأن المعنى الاسمي للأوصاف أضعف من المعنى الاسمي للذوات، إذ إن الوصف لغير الذات التي هي الجوهر يعتمد عليها. هذه الأنواع من المعاني الاسمية مع حفظ اسميتها لغير الذات ثابتة، وهذا الثبوت للغير هو المعنى الحرفي (جوادی آملی، 1390، ص82‌؛ همو‌، 1386، ج4، ص469).

يبدو أن المصطلحين عروض واتصاف في باب المفاهيم الكلية استُخدما بنفس المعنى الاصطلاحي في باب القضايا. إذا نظرنا من جهة الموضوع إلى المحمول، يسمى «اتصاف»، وإذا نظرنا من جهة المحمول إلى الموضوع يسمى «عروض». ويتضح تطبيق هذا التفسير على المفاهيم الكلية في ضوء توضيح هذه النقطة أن العروض تدل على ثبوت المحمول للموضوع، ومن الواضح أن ظرف هذا الثبوت والحمل هو دائمًا الذهن؛ لأن الحمل والموضوع والمحمول وما شابهها من المفاهيم المنطقية. لكن هذا العروض الذهني أحيانًا يكون مجردًا ذهنيًا ولا يمتلك معيارًا خارجيًا ولا يشير إليه، وأحيانًا يمتلك معيارًا خارجيًا ويشير إليه. في الحالة الأولى يسمى عروضًا ذهنيًا، وفي الحالة الثانية يسمى عروضًا خارجيًا؛ لأنه رغم أن العروض يتم في ظرف الذهن، إلا أنه بما أنه يشير إلى معيار خارجي، فقد سمِّي عروضًا خارجيًا أي عروضًا متعلقًا بالخارج. ووفقًا لهذا الشرح يتضح أن المفاهيم الماهوية (المعقولات الأولى) لها عروض خارجية؛ لأن ثبوتها لموضوعاتها له معيار خارجي، وفي العالم الخارجي هذه المفاهيم لها وجود في ذاتها وتثبت لموضوعاتها. أما العروض في المفاهيم المنطقية والفلسفية فهو مجرد ذهني لأن المفاهيم المذكورة في العالم الخارجي لا تملك وجودًا في ذاتها ولا مابإزاء خارجيًا.

من ناحية أخرى، المقصود من الاتصاف هو انطباق الموضوع على المحمول؛ ولكن هذا الانطباق للموضوع على المحمول، بما أنه مرتبط بالمباحث المنطقية، فهو داخل في المفاهيم المنطقية وذهني بطبيعته؛ أي إن اتصاف الموضوع بالمحمول يتم في إطار الذهن، ولكن المحمولات المذكورة إما أن توجد فقط في إطار الذهن أو لها تحقق خارجي. في الحالة الأولى، يكون الاتصاف المذكور ذهنيًا فقط؛ كما هو الحال في المفاهيم المنطقية التي تفتقر إلى أي تحقق خارجي. في الحالة الثانية، يكون تحقق المحمولات إما بأن تكون للمفاهيم المذكورة مابإزاي خارجي، أو أن يكون لها منشأ انتزاع خارجي فقط. ولكن في كلتا الحالتين، يُسمى الاتصاف المذكور بالاتصاف الخارجي اعتبارًا لطريقة تحقق المحمولات المذكورة خارجيًا. الاتصاف الخارجي في المفاهيم الماهوية يكون باعتبار وجود مابإزاي خارجي، أما في المفاهيم الفلسفية، وفقًا للفكر الشائع للفلاسفة، فهو باعتبار وجود منشأ انتزاع خارجي، ولكن وفقًا لفكر صدر المتألهين فهو باعتبار وجود مابإزاي خارجي، وسيأتي شرحه لاحقًا. النقطة المهمة التي تتضح في ضوء هذا التفسير هي أنه في المعقولات الثانية الفلسفية، يتصف بها موضوع خارجي وموضوع ذهني معًا؛ فمثلاً، ماهية الإنسان في الخارج لها إمكانية، وكذلك في عالم الذهن؛ كما أشار الفلاسفة إلى هذه النقطة (جوادی‌ آملی‌، 1390، ص81)؛ ووفقًا للتفسير السابق للاتصاف الخارجي، يتضح هذا الأمر تمامًا؛ لأنه كما ذُكر، الاتصاف يتم دائمًا في إطار الذهن، لكنه أحيانًا يكون فقط في إطار الذهن وأحيانًا يكون له تحقق خارجي، وفي الحالة الثانية يُسمى الاتصاف “اتصافًا خارجيًا”. نقطة أخرى هي أن المقصود من الاتصاف الخارجي في المفاهيم الماهوية هو نفس هذا المعنى؛ مع الفرق أن اتصاف الموضوع بالمفهوم الماهوي يكون من هذا الباب أن القضية في عالم الذهن تعبر عن واقع ومقياس خارجي خاص بها. خلاصة القول إن مصطلحي العروض والاتصاف في باب المعقولات هما نفس مصطلح باب القضايا.

في ضوء هذه التوضيحات، يتضح التفسير الدقيق للمعقول الثاني الفلسفي في الفكر الشائع للفلاسفة الذي قبله صدر المتألهين في بدايته. نقطة أخرى يجب الانتباه إليها هي تفسير “ثانوية” المعقولات الثانية الفلسفية. المقصود بـ”ثاني” في المعقول الثاني سواء كان منطقيًا أو فلسفيًا هو عدم كونها أولى، ومن هذه الناحية يشمل المعقولات من المرتبة الثالثة أو بعدها أيضًا (جوادی‌ آملی‌، 1386، ج4، ص413).

2-1. نظرية وحدة إطار العروض والاتصاف

وجهة النظر النهائية لصدر المتألهين تختلف عن وجهة نظره الابتدائية التي هي نفسها وجهة النظر الشائعة للفلاسفة. وجهة نظره النهائية قُدمت في ضوء بحث قاعدة الفرعية والمحمولات العدمية. قاعدة الفرعية لها جانب إيجابي وجانب سلبي: الجانب الإيجابي لقاعدة الفرعية الذي يُشار إليه بتعبير “ثبوت شيء لشيء فرع لثبوت المثبت له” يعني أن المحمول لا يثبت لموضوعه إلا إذا كان الموضوع (المثبت له) مثبتًا سابقًا (صدرالمتألهین، 1422هـ، ص412؛ همو، 1981، ج7، ص214؛ طوسی، 1375، ج1، ص129). الجانب السلبي لقاعدة الفرعية الذي يُشار إليه بإضافة قيد “دون الثابت” يعني أن ثبوت الثابت للمثبت له ليس فرعًا على ثبوت الثابت. وبالتالي، ثبوت المحمول للموضوع ليس فرعًا على ثبوت المحمول. لذلك، ليس من الضروري أن يكون للمحمول وجود في ذاته بالإضافة إلى وجود غيره، فمجرد وجود رابط للمحمول يكفي، وليس من الضروري أن يكون له وجود رابط (صدرالمتألهین، 1981، ج1، ص138). معظم الفلاسفة قبلوا الجانب السلبي لقاعدة الفرعية كما قبلوا الجانب الإيجابي لها. ودليلهم على ذلك هو القضايا الموجبة المعدولة التي وُضعت فيها الأمور العدمية كمحمولات (اسماعیلی، 1391، ص39).

صدر المتألهين أيضًا في نظرته الابتدائية يقبل وجهة النظر الشائعة ولا يرى تعارضًا بين عدميّة الصفة وكون الاتصاف خارجيًا (صدرالمتألهین، 1981‌، ج1، ص138‌). لكن وجهة نظره النهائية في هذه المسألة تختلف عن وجهة النظر الشائعة. فهو يعتقد أن الرأي السابق غير صحيح، وأن عدميّة الصفة لا تتوافق مع كون الاتصاف خارجيًا؛ لأن الاتصاف هو نسبة وارتباط، والارتباط تابع للطرفين؛ فالارتباط تابع للطرفين أي الموصوف والوصف، وبناءً عليه، متى ما وُجد الارتباط، فإن الطرفين موجودان أيضًا. هذا البرهان يدل على ضرورة تحقق الموضوع والمحمول في إطار ثبوت الاتصاف والارتباط. لذلك، إذا لم يكن المحمول معدومًا وسلبًا محضًا ولم تُعد القضية سالبة، فلا يمكن أبدًا الحكم بعدم وجود المحمول في إطار الاتصاف وثبوته للموضوع. بل لا بد أن يكون للمحمول في إطار الثبوت، بناءً على الاستدلال المذكور، نصيب وحظ من الوجود. بناءً عليه، للصفات التي يُظن عدميتها، مثل الإضافات وإعدام الملكات والقوى والاستعدادات، أيضًا مرتبة، وإن كانت ضعيفة، من الوجود في إطار الاتصاف والارتباط. هذا البرهان العقلي لا يفرق بين المحمولات والصفات التي لها وجود قوي أو ضعيف. ولهذا السبب، كما أن للبياض عند اتصاف الجسم به وجود عيني مضاف، وحتى لا يتحقق وجوده في الخارج لا يتصف الجسم بالبياض كما يقتضي نفس الأمر، للصفات المجردة والضعيفة مثل الإضافات وإعدام الملكات أيضًا عند اتصاف الموضوع بها وجود خارجي، وحتى لا تكون مثل التفوق أو العمى في الخارج لها وجود خاص بها، لا يتصف موضوعها في قضايا مثل “الحيوان أعمى” أو “السماء فوق” بها: «والحق أن الاتصاف نسبة بين شيئين متغايرين بحسب الوجود في ظرف الاتصاف. فالحكم بوجود أحد الطرفين دون الآخر في الظرف الذي يكون الاتصاف فيه تحكم» (صدرالمتألهین، 1981، ج1، ص336337).

على الرغم من أن صدر المتألهين قد عبّر عن هذا الرأي فيما يتعلق بالقضايا التي محمولاتها من الإضافات أو أفعال الملكات أو الاستعدادات، وأثبت في ضوء هذا النقد ضرورة تحقق ووجود هذه الفئة من المحمولات في ظرف الاتصاف، إلا أنه يتضح بالتأمل في ذلك أن الاستدلال السابق عام ويصدق على المعقولات الثانية الفلسفية أيضًا؛ لأن الفلاسفة المشهورين يرون أن المفاهيم الفلسفية لا تملك مابإزاي خارجيًا، وتعتبر معدومة في ظرف الخارج، لكنهم يعتبرون اتصافها خارجيًا. أساس الاستدلال السابق هو أنه بما أن الوجود الرابط بين شيئين يربط بينهما، وظرف تحقق الربط هو ظرف تحقق الطرفين، فإن كلا الطرفين يتحققان في ظرف واحد وهو ظرف اتصاف الموضوع بالحكم، وبما أن الاتصاف في المفاهيم الفلسفية يتم في ظرف الخارج، فلا بد أن المفاهيم الفلسفية التي هي أحد طرفي الاتصاف يجب أن يكون لها تحقق خارجي. مع أن طريقة ثبوت وتحقيقها ليست مثل طريقة ثبوت المعقولات الأولى التي لها ماهية مستقلة. لذلك يشمل الاستدلال السابق المفاهيم الفلسفية أيضًا (جوادی آملی، 1386، ج2، ص394).

في تفسير هذا الرأي يمكن الاستفادة من مصطلح «الوجود الاندماجي» الذي استخدمه بعض الباحثين المعاصرين (یزدان‌پناه، 1389، ج1، ص275‌). المفاهيم الفلسفية رغم تحققها الخارجي، إلا أنها ليست ذات وجود انضمامي ومنفصل عن بعضها البعض، بل لها تقرير خارجي مدمج ومتشابك. الفرق بين هذا الرأي ورأي الفلاسفة المشهورين هو أن الفلاسفة المشهورين ينكرون تحقق المفاهيم الفلسفية خارجيًا مطلقًا وينفون المابإزاي الخارجي، أما في هذا الرأي فلا ينكرون سوى وجودها الانضمامي ويثبتون وجودها الاندماجي. والفرق بين هذا الرأي ورأي سهروردي هو أن سهروردي ضمن تفسير العروض إلى العروض الانضمامية وخصص الوجود الخارجي للوجود الخارجي الانضمامي، وينكر كل تحقق خارجي للمفاهيم الفلسفية، أما في هذا الرأي فقد تم تعميم معنى العروض ليشمل العروض الاندماجية أيضًا، وتعتبر المفاهيم الفلسفية مثل المفاهيم الماهوية ذات عروض خارجية، مع الفرق أن العروض في المفاهيم الماهوية هو العروض الانضمامي، أما في المفاهيم الفلسفية فهو العروض الاندماجي. الرأي النهائي لصدر المتألهين قد لاقى قبولًا من بعض الفلاسفة المعاصرين أيضًا (صدرالمتألهین، 1981، ج1 ص337، تعلیقه‌ علامه‌ طباطبائی‌؛ جوادی آملی، 1386، ج2، ص395).

2. تفسير المفاهيم الفلسفية في فكر الشهيد صدر

تناول الشهيد صدر في مواضع متعددة في مجال علم الأصول مسألة المعقول الثاني الفلسفي، واستفاد في حل بعض المسائل الأصولية والفقهية والكلامية، منها مسألة تعدد العنوان والمعنون (صدر، 1426هـ، ج3، ص43؛ همو، 1417هـ، ج6، ص364)، تعلق الأوامر بالطبائع أو الأفراد (صدر، 1426هـ، ج2، ص396)، تحليل حقيقة الملكية (صدر، 1431هـ، ص 182‌)، نوعية قضايا الحسن والقبح (صدر، 1417‌ق، ج8، ص85‌؛ هاشمی شاهرودی، 1433هـ، ج2، ص317) وما شابه ذلك. وقد قدم الشهيد صدر نقدًا لرأي الفلاسفة المشهورين في تفسير المفاهيم الفلسفية، وطرح رأيًا جديدًا في تفسير هذه المفاهيم.

1-2. أقسام المفاهيم الكلية

يرى الشهيد صدر أن المفاهيم تنقسم إلى ثلاثة أقسام: المعقولات الأولى (المفاهيم الماهوية)، المعقولات الثانية الفلسفية، والمعقولات الثانية المنطقية. وقد جعل المقسم أحيانًا «العناوين» (صدر، 1433هـ، ج1، ص446‌) وأحيانًا استخدم تعبير «الأعراض» (صدر، 1426هـ، ج2، ص395). ومن الواضح أن «الأعراض» في الاصطلاح الفلسفي جمع عرض وتعني «الوجود في نفسه لغيره»، والجوهر والعرض قسمان للماهية (طباطبائی، 1385، ج1، ص135؛ ج2، ص345)، بينما المقسم في هذا التقسيم أعم من الماهية؛ لأن المفهوم هو المقسم، والمفهوم أعم من الماهية الذهنية ويشمل المفاهيم غير الماهوية أيضًا، لذا من الأفضل بدلاً من تعبير «الأعراض» استخدام تعبير «المفاهيم»، إلا إذا كان «الأعراض» هنا بمعنى «العوارض» وتشمل جميع أنواع المفاهيم.

يبدأ الشهيد صدر بتبيين أقسام المفاهيم الثلاثة وفقًا لرأي الفلاسفة المشهورين ثم ينتقدها:

أولًا: المعقولات الأولى (المفاهيم الماهوية)؛ وهي مفاهيم يتم فيها العرض والاتصاف في ظرف الخارج. ويسميها الشهيد صدر «الأعراض الخارجية» و«العناوين الأولى» (صدر، 1433هـ، ج1، ص446): «الأعراض الخارجية، وهي ما يكون عروضها والاتصاف بها كلاهما في الخارج» (صدر، 1426هـ، ج2، ص395‌)؛

ثانيًا: المعقولات الثانية المنطقية؛ وهي مفاهيم يتم فيها العرض والاتصاف في ظرف الذهن. ويسميها الشهيد صدر «الأعراض الذهنية»: «الأعراض الذهنية، ونقصد بها العوارض التي يكون عروضها والاتصاف بها كلاهما في الذهن، ويمثلون لها بالمعقولات الثانوية في المنطق» (المرجع نفسه، ج2، ص395)؛

ثالثًا: المعقولات الثانية الفلسفية؛ وهي مفاهيم ظرف عروضها الذهن، واتصافها يتم في ظرف الخارج. وهذه الفئة من المفاهيم تقع في الوسط بين المفاهيم الماهوية والمنطقية؛ لأن اتصافها مثل المعقولات الأولى يكون في الخارج، لكن عروضها مثل المعقولات الثانية المنطقية يكون في الذهن (صدر، 1433هـ، ج1، ص446؛ همو، 1426هـ، ج2، ص395396). وفي بعض تقارير دروس الشهيد صدر وقع خطأ في تفسير المفاهيم المنطقية من قبل المقرر (صدر، 1433هـ، ج1، ص446).

وفقًا للتقسيم السابق، يقسم الشهيد صدر المفاهيم إلى ماهوية وفلسفية ومنطقية (صدر، 1433هـ، ج1، ص446)، لكنه في بعض المواضع الأخرى يقسم المفاهيم إلى خمسة أقسام ويستخدم تعبير «الأعراض» بدلًا من «المفاهيم» (صدر، 1426هـ، ج2، ص395). ثلاثة من هذه الأقسام الخمسة هي نفسها الأقسام الثلاثة السابقة (المفاهيم الماهوية، الفلسفية، والمنطقية)، أما القسمان الآخران فهما:

أ) أعراض ذهنية مضافة إلى الخارج مثل حب الإمام علي وبغض معاوية؛

ب) أعراض ذهنية مضافة بصورة كلية ذهنية مثل طلب، التي تتعلق بالمفهوم باعتبار مرآتيته للشيء الخارجي.

يعتقد الشهيد الصدر أن القسم «ألف» في هذا الاتجاه يشبه المعقولات الثانية المنطقية التي يكون اتصاف كل منهما في الذهن، وكلاهما يوصفان المفاهيم والصور الذهنية؛ مع الفرق أن المعقولات الثانية المنطقية توصف المفهوم من حيث كونه مفهومًا؛ كما أن مفهوم الإنسان يتصف بالكُلية من حيث كونه مفهومًا، أما هذه فهي توصف المفهوم من حيث كونه مرآة للواقع الخارجي. ومن هذا المنطلق، يكون المفهوم الذهني معروضًا بالذات لها، والوجود الخارجي معروضًا بالعرض لها. والفرق بين القسم «ب» و«ألف» هو أنه في «ألف» كان هناك معروض بالذات ومعروض بالعرض، أما في «ب» فهناك معروض بالذات فقط وهو المفهوم الكلي ذاته. على سبيل المثال، طلب الصلاة هو طلب يتعلق بمفهوم كلي للصلاة، وعند تعلق الطلب لا يوجد معروض بالعرض أو مصداق خارجي للصلاة، بل المعروض بالعرض هو المطلوب من المولى، وعند تحقق ذلك يتحقق طلبه (المرجع نفسه، ج2، ص398-399).

في تقييم هذا التقسيم الخماسي، يلعب المقسم بين المعقولات الأولى والثانية دورًا خاصًا. فالمعقول الأول والمعقول الثاني في فكر كثير من المحققين المعاصرين يوصفان بالمفاهيم الكلية، ومقسمهما هو المفاهيم العقلية مقابل المفاهيم الحسية والخيالية والوهمية (مطهری‌، 1386‌، ج1، ص395‌؛ مصباح، 1366، ج1، ص176؛ طباطبائی، 1385، ج4، ص999، تعلیقه 1). لكن هذين التعبيرين في كلام السابقين لا يُطرحان كوصفيْن خاصيْن للمفاهيم الكلية، بل مع مراعاة السياق التاريخي لهذه المسألة، فإن تسمية هذه المفاهيم بـ«معقول» تعني أيضًا أنها متصورة (یزدان‌پناه، 1389، ج1، ص233). وبناءً على هذا النظر، لا تقتصر المعقولات الأولى والثانية على المفاهيم الكلية فقط، بل تمتد أيضًا إلى المفاهيم الحسية والوهمية والخيالية. لذلك، القسمان «ألف» و«ب» (الذين الحب والبغض والطلب فيهما من المفاهيم الوهمية وأضيفوا إلى شخص أو شيء معين) ليسا في عرض المعقولات الأولى والثانية، بل حسب الحالات يدخلان في أحدهما. بالإضافة إلى ذلك، في أقوال الشهيد الصدر أيضًا، فإن المقسم بين المعقولات الأولى والثانية ليس المفاهيم الكلية بحيث يمكن تبرير وضع القسمين «ألف» و«ب» في عرض المعقولات الأولى والثانية، بل يُذكر «العناوين» (صدر، 1433هـ، ج1، ص446) أو «الأعراض» (صدر‌، 1426هـ، ج2، ص395) كمقسم.

2-2. تفسير المفاهيم الفلسفية

ينتقد الشهيد الصدر في تفسير المفاهيم الفلسفية الرأي الشائع للفلاسفة، ويعتقد أن التفريق بين ظرف العرض وظرف الاتصاف في المعقولات الثانية الفلسفية غير مقبول. فالمفاهيم الفلسفية عند الفلاسفة المشهورين تُعتبر حدًا وسطًا بين المفاهيم الماهوية أو المعقولات الأولى والمفاهيم المنطقية، ويُعتقد أن اتصافها خارجي وعروضها ذهني؛ لكن الشهيد الصدر في المقابل لا يعتبر التفريق بين ظرف العرض وظرف الاتصاف معقولًا، ويرى أن الاتصاف يكون مع العرض: «إن التفريق بين ظرف العرض وظرف الاتصاف غير معقول؛ لأن الاتصاف إنما يكون بالنسبة للعرض، فيستحيل أن يكون ظرفه غير ظرف العرض» (صدر، 1426هـ، ج2، ص396).

وفي سبيل تبرير هذا القول، يحلل الشهيد الصدر المفاهيم الفلسفية ويطرح أربع احتمالات لآلية تشكل هذه المفاهيم في الذهن:

أ) اعتبارية محضة؛ بحيث يكون تشكل هذه المفاهيم في الذهن منفصلًا تمامًا عن العالم الخارجي، ويقوم وجود هذه المفاهيم على اعتبار معتبر، ولا وجود لها خارج هذا الاعتبار. هذا الاحتمال غير مقبول؛ لأنه إذا كانت هذه المفاهيم منفصلة تمامًا عن العالم الخارجي وقوامها على اعتبار معتبر، فهذا يعني أنه يمكننا اعتبارها بالنسبة لأي شيء ووضع موصوف لهذه المفاهيم، بينما بالوجدان هذا غير ممكن ولا يمكن وصف أي شيء بمفاهيم مثل الإمكان والوجوب والاستحالة والوحدة والكثرة وغيرها (صدر، 1426هـ، ج2، ص396؛ همو، 1417‌ق، ج6، ص170‌).

ب) تشكل هذه المفاهيم في الذهن ليس منفصلًا تمامًا عن العالم الخارجي، بل الذهن يعتبِر هذه المفاهيم بملاحظة الأشياء الخارجية؛ بحيث عندما يواجه الإنسان الأشياء الخارجية، يعتبِر هذه المفاهيم تلقائيًا دون أن يكون للأشياء الخارجية دور في اعتبار هذه المفاهيم من قبل الذهن، بل هذا من خصائص الذهن نفسه الذي عند مواجهته للأشياء الخارجية يعتبِر هذه المفاهيم. هذا الاحتمال أيضًا غير مقبول؛ لأنه يشبه الاحتمال السابق في أن الأشياء الخارجية لا دور لها في اعتبار هذه المفاهيم، وبالتالي يجب أن نكون قادرين على اعتبارها بالنسبة لأي شيء ووضع موصوف لهذه المفاهيم، وهذا غير ممكن بالوجدان (صدر، 1426هـ، ج2، ص397؛ همو، 1417هـ، ج6، ص170).

ج) تشكل هذه المفاهيم في الذهن متأثر تمامًا بالعالم الخارجي؛ بحيث تكون هذه المفاهيم مثل المفاهيم الماهوية لها مابإزاي خارجي، والذهن يدرك هذه المفاهيم بملاحظة مابإزايها في الخارج. هذا الاحتمال أيضًا غير صحيح؛ لأن وجود مابإزاي خارجي يستلزم التسلسل؛ بمعنى أنه إذا كان لمفهوم الوحدة وجود خارجي إلى جانب الإنسان، فإن الوحدة نفسها تتصف بالوحدة، ويجب أن يكون هناك وحدة أخرى إلى جانب الوحدة الأولى، ووحدة ثالثة إلى جانب الوحدة الثانية، وهكذا تستمر السلسلة (صدر، 1426هـ، ج2، ص396؛ همو، 1417هـ، ج6، ص168). ويؤكد الشهيد الصدر في مواضع أخرى أن تحقق المفاهيم الفلسفية مثل مفاهيم الحسن والقبح ليس في مستوى تحقق المفاهيم الماهوية (صدر، 1417هـ، ج8، ص85؛ هاشمی شاهرودی، 1433هـ، ج2، ص317).

وهذا البرهان هو نفسه الذي أسسه السهروردي وقدم به معيارًا للتفريق بين المعقولات الأولى والمعقولات الثانية؛ مع الفرق أن السهروردي باستخدام هذا القاعدة ينفي تحقق المعقولات الثانية الخارجية سواء كانت منطقية أو فلسفية ويعتبرها اعتبارات ذهنية (سهروردی، 1375، ج1، ص26‌و343‌)، أما الشهيد الصدر فباستعمال هذه القاعدة ينفي فقط تحققها الخارجي في مستوى المابإزاي الخارجي (صدر، 1426هـ، ج2، ص396؛ همو، 1417هـ، ج6، ص168).

د) تشكّل هذه المفاهيم في الذهن متأثر تمامًا بالعالم الخارجي، ولكن ليس على نحو أن تكون هذه المفاهيم مثل المفاهيم الجوهرية لها مقابل خارجي، فيدرك الذهن هذه المفاهيم بملاحظة مقابلها في الخارج؛ بل على نحو أن انتزاع هذه المفاهيم له جذور في الواقع، والذهن ينتزع هذه المفاهيم بملاحظة جذورها الواقعية (صدر، 1426هـ، ج2، ص397؛ همو، 1417هـ، ج6، ص170-171‌).

هذا هو الاحتمال الصحيح. لذلك يرى الشهيد الصدر أن المعقولات الثانية الفلسفية ذات ثبات وواقع، وبعيدة عن اعتبار المعتَبرين. لذا فإن هذه المفاهيم ثابتة في لوح الواقع، واللوح الواقع أوسع من لوح الوجود (صدر، 1426هـ، ج2، ص396-398). خلاصة القول، وفقًا لرؤية الشهيد الصدر في المفاهيم الفلسفية، فإن ظرف العرض والاتصاف لها خارجي، ولا يُقبل التفريق بين هذين الظرفين.

يناقش الشهيد الصدر قضية تعدد العنوان والمعنون أيضًا بشكل موسع في إطار المعقول الثاني الفلسفي، ويحاول أن يعيد الخلاف بين المحقق النائيني والمحقق الخوئي إلى خلاف بين الفلاسفة في كيفية وجود المفاهيم الفلسفية. فقد فرق المحقق النائيني في مسألة تعدد العنوان والمعنون بين المفاهيم الاشتقاقية ومباديء الاشتقاق؛ بحيث إن تعدد المفاهيم الاشتقاقية لا يستلزم تعدد المعنون الخارجي، أما تعدد مباديء الاشتقاق فيستلزم تعدد المعنون الخارجي (نائینی، 1352، ج1، ص337؛ همو، 1376، ج2، ص406؛ هاشمی شاهرودی، 1433هـ، ج1، ص376). المفاهيم الاشتقاقية تُحمل على «الذات» وتنتزع من «الذات» اعتبارًا لقيام المباديء والأعراض عليها، والمباديء والأعراض المعروضة في جميع الحالات واحدة (نائینی، 1352، ج1، ص338). أما المحقق الخوئي فلم يقبل رأي المحقق النائيني في جانب مباديء الاشتقاق، واعتبر مباديء الاشتقاق (نوع الأفعال الاختيارية) من نوعين: أ) مباديء مقولية والماهية الأولى؛ ب) عناوين انتزاعية عرضية. المحقق الخوئي يقبل رأي المحقق النائيني فقط في القسم الأول، ويرى أن تعدد العنوان يستلزم تعدد المعنون الخارجي، أما في القسم الثاني فإن تعدد العنوان لا يستلزم تعدد المعنون الخارجي؛ لأنه يمكن انتزاع مفاهيم انتزاعية كثيرة من موجود خارجي واحد (نائینی، 1352، ج1، ص337، تعلیقه 1؛ خوئی، 1430هـ، ج3، ص463‌؛ فیاض‌، 1424‌ق، ج5، ص317).

يحاول الشهيد الصدر أن يعيد الخلاف بين المحقق النائيني والمحقق الخوئي إلى خلاف بين الفلاسفة في كيفية وجود المفاهيم الفلسفية، بحيث يكون رأي المحقق النائيني مبنيًا على رؤية العرض والاتصاف الخارجي، ورأي المحقق الخوئي قائمًا على رؤية الاتصاف الخارجي والعرض الذهني (صدر، 1426هـ، ج3، ص43؛ همو، 1417هـ، ج6، ص364). بغض النظر عن صحة أو خطأ الإحالة المرجعية للخلاف بين المحقق النائيني والمحقق الخوئي، فإن رأي الشهيد الصدر في هذه المسألة مستمد من رؤيته في تفسير المفاهيم الفلسفية؛ ولهذا السبب يرى أن تعدد العنوان دائمًا يستلزم تعدد المعنون: فالمعنون في فكر الشهيد الصدر يشمل المعنون الذهني والمعنون الخارجي. الشهيد الصدر يرى تعدد المعنون الذهني لحل مسألة اجتماع الأمر والنهي، وتعدد المعنون الذهني لقبول جواز اجتماع الأمر والنهي كافٍ (صدر، 1426هـ، ج3، ص37).

من هذه الناحية، لا دافع لديه لدراسة تعدد المعنون الخارجي. لذلك لم يطرح هذا النقاش بشكل مستقل؛ ولكن من تحليله للنقد الذي وجهه المحقق الخوئي لرأي المحقق النائيني يمكن استنباط رأيه؛ بحيث إنه بما أن المفاهيم الجوهرية لها مقابل عيني وعروضها خارجية، فإن تعدد المفاهيم الجوهرية يدل على تعدد وكثرة المعنويات والمصاديق الخارجية: إذا كان المفهومان الجوهريان من نوع المفاهيم الجوهرية الذاتية، فإن جانب «في نفسه» يتعدد بالإضافة إلى تعدد جانب «لنفسه» أيضًا. أما إذا كانا من نوع المفاهيم العرضية، فإن جانب «في نفسه» فقط يتعدد، وإذا كان أحدهما جوهريًا والآخر عرضيًا، فإن جانب «في نفسه» يتعدد: أحدهما له جانب «لغيره»، والآخر له جانب «لنفسه». ولكن فيما يتعلق بتعدد المفاهيم الفلسفية، يجب التفريق بين رأي الفلاسفة المشهور ورأي الشهيد الصدر المختار: وفقًا للمبنى المشهور للفلاسفة، فإن تعدد المفاهيم الفلسفية لا يستلزم تعدد المعنون الخارجي؛ لأن المفاهيم الفلسفية لا تملك مقابلًا خارجيًا، وإنما لها منشأ انتزاع خارجي فقط. بعبارة أخرى، المفاهيم الفلسفية تُحصل بالمقارنة والتمحيص. لذلك، وحدة أو تعدد المفاهيم الفلسفية تابع لوحدة أو تعدد التمحيص والمقارنة التي يوجهها الذهن إلى الموجودات العينية والخارجية. أما وفقًا لرأي الشهيد الصدر المختار، فلا يجوز التفريق بين ظرف العرض وظرف الاتصاف، والاتصاف يكون مصاحبًا للعرض (صدر‌، 1426هـ، ج2، ص396).

لذلك، فإن تعدد المفاهيم الفلسفية يستلزم تعدد المعنون الخارجي؛ لأنه وفقًا لهذا المبنى، المفاهيم الفلسفية لها بالإضافة إلى الاتصاف الخارجي عروض خارجية أيضًا، ولها مقابل خارجي. ولكن يجب الانتباه إلى وجود فرق بين تعدد المعنون الخارجي في المفاهيم الجوهرية والمفاهيم الفلسفية: تعدد المعنون الخارجي في المفاهيم الجوهرية من نوع التعدد الانضمامي الذي يدل على تعدد الوجود «في نفسه»، أما تعدد المعنون الخارجي في المفاهيم الفلسفية فهو في حد تعدد في «الوجود الاندماجي». المفاهيم الفلسفية رغم تحققها الخارجي، ليست ذات وجود انضمامي ومنفصل عن بعضها، بل تُعرض بشكل مندمج ومتشابك خارجيًا. الفرق بين هذا الرأي ورأي الفلاسفة المشهورين هو أن الفلاسفة المشهورين ينكرون التحقيق الخارجي للمفاهيم الفلسفية بشكل مطلق وينفون وجود مقابل خارجي، أما في هذا الرأي فلا ينكرون وجودها الانضمامي وإنما يثبتون وجودها الاندماجي.

شهيد صدر في تفسير الحسن والقبح طرح مسألة المعقولات الثانية الفلسفية وقبل الرأي السابق (شهید صدر، 1417هـ، ج8، ص85؛ هاشمی شاهرودی، 1433هـ، ج2، ص317).

3. المقارنة والتلخيص بين رأي صدر المتألهين والشهيد صدر

رأي الشهيد صدر في تفسير المفاهيم الفلسفية يعكس عبقريته في تحليل المعقولات الثانية الفلسفية. كما لوحظ، توصل صدر المتألهين في رأيه النهائي إلى هذا الاستنتاج؛ لكن الشهيد صدر، رغم أن همّه الأكبر كان في مسائل الأصول ولم يكن مكرسًا بالكامل للمباحث الفلسفية، توصل إلى رأي مشابه لرأي صدر المتألهين. رأيه يتماشى مع رأي صدر المتألهين، ومن المهم في تفسيرهما الانتباه إلى أن الفلاسفة المشهورين يرون أن مصدر استنباط المفاهيم الفلسفية هو الخارج فقط؛ بمعنى أن العقل حين يلاحظ الإنسان يستخلص منه الإمكان. لذلك، الإنسان هو بحيث إذا لاحظه العقل يستخلص منه مفهوم الإمكان؛ لكن السؤال هو هل هذا الاستنباط العقلي له أساس واقعي أم أنه خالٍ من أساس خارجي ويعتمد على الاعتبار والاستنباط العقلي؟

صدر المتألهين والشهيد صدر توصلوا إلى نتيجة واحدة في تفسير المفاهيم الفلسفية. يؤكد كل من صدر المتألهين والشهيد صدر أن استنباط المفاهيم الفلسفية مصحوب بأساس واقعي؛ وإلا كان بإمكان العقل أن يستخلص أي مفهوم من أي شيء يشاء، وهذا غير صحيح. إذًا هذه المفاهيم لها أصل واقعي، لكن هذا الأصل الواقعي ليس وجودًا منفصلًا عن وجود الإنسان، بل هما متطابقان، ومن الواضح أن التماثل لا يتعارض مع التحقيق الخارجي. المفاهيم الفلسفية تتحقق في عين وجود موضوعها. هذا القول يختلف كثيرًا عن قول الفلاسفة المشهورين الذين يرون أن مصدر استنباطها هو التحقيق الخارجي فقط؛ لأنهم أنفسهم يرون أن المفاهيم الفلسفية تفتقر إلى التحقيق الخارجي، بينما هؤلاء يرونها ذات تحقيق خارجي ولكن في صورة تماثل مع وجود موضوعها. كما أن الصفات الحقيقية الإلهية لها واقع لكنها عين ذات الواجب الوجود.

قد يُطرح احتمال أن رأي الشهيد صدر مستمد من رأي صدر المتألهين؛ لكن النظر في عبارات الشهيد صدر لا يشهد لهذا؛ لأن فرضيته في هذه العبارات هي أن الفلاسفة يرون أن المفاهيم الفلسفية لها عروض ذهني واتصاف خارجي، ولم يفرق بين صدر المتألهين والآخرين، ومن جهة أخرى ينسب رأي وحدة ظرف الاتصاف والعروض إلى نفسه (صدر، 1426هـ، ج2، ص396).

الخلاصة

من خلال هذا البحث تتضح النتائج التالية:

صدر المتألهين في نظرته الأولية قبل بالرأي المشهور بين الفلاسفة بعد محقق قوشجي وطرح العروض الذهني والاتصاف الخارجي للمفاهيم الفلسفية؛ لكنه في نظرته النهائية ينتقد هذا الرأي ولا يقبل التفريق بين ظرف العروض والاتصاف؛

بحسب صدر المتألهين، عدمية الصفة لا تتوافق مع كون الاتصاف خارجيًا؛ لأن الاتصاف هو نسبة وعلاقة، والعلاقة تتبع طرفيها، فالاتصاف تابع لطرفيه وهما الموصوف والوصف، وبناءً عليه إذا كانت العلاقة موجودة فطرفاها أيضًا موجودان. صدر المتألهين عبر عن هذا الرأي رغم أنه تحدث عنه في القضايا التي محمولاتها من الإضافات أو إعدام الملكات أو الاستعدادات، وبفضل هذا النقد أثبت ضرورة تحقق ووجود هذه الفئة من المحمولات في ظرف الاتصاف، لكن بالتأمل يتضح أن هذا الاستدلال عام وينطبق أيضًا على المعقولات الثانية الفلسفية؛

الشهيد صدر في مواضع متعددة في علم الأصول يتناول مسألة المعقول الثاني الفلسفي، ويستفيد من هذه المسألة في حل بعض المسائل الأصولية والفقهية والكلامية، منها مسألة تعدد العنوان والمعنون، تعلق الأوامر بالطبائع أو الأفراد، تحليل حقيقة الملكية ونوع قضايا الحسن والقبح؛

الشهيد صدر في تفسير المفاهيم الفلسفية ينتقد رأي الفلاسفة المشهور ويعتقد أن التفريق بين ظرف العروض وظرف الاتصاف في المعقولات الثانية الفلسفية غير مقبول. الفلاسفة المشهورون يرون أن المفاهيم الفلسفية تقع في الوسط بين المفاهيم الماهوية أو المعقولات الأولى والمفاهيم المنطقية، ويعتبرون أن اتصافها خارجي وعروضها ذهني، بينما الشهيد صدر لا يرى التفريق بين ظرف العروض وظرف الاتصاف معقولًا، ويرى أن الاتصاف مصحوب بالعروض.

صدر المتألهين والشهيد صدر توصلوا إلى نتيجة واحدة في تفسير المفاهيم الفلسفية. يؤكدان أن استنباط المفاهيم الفلسفية مصحوب بأساس واقعي، وإلا كان بإمكان العقل أن يستخلص أي مفهوم من أي شيء يشاء، وهذا غير صحيح. مع ذلك، هذا الأصل الواقعي للمفاهيم الفلسفية ليس وجودًا منفصلًا عن وجود الإنسان، بل هما متطابقان، ومن الواضح أن التماثل لا يتعارض مع التحقيق الخارجي.

المصادر والمراجع

ابن‌سینا‌، حسین‌بن‌ عبدالله‌، 1371، المباحثات، قم، بیدار. ‌‌

‌‌‌————————–، 1404‌ق  الف‌، الشفاء، المنطق، تحقيق سعید زاید، قم، کتابخانه آیت‌‌الله مرعشی نجفی. ‌‌

‌‌‌————————–، 1404‌ق  ب، الشفاء‌، الإلهیات، تحقيق سعید زاید، قم، کتابخانه‌ آیت‌‌الله مرعشی نجفی. ‌‌

اسماعیلی‌، محمدعلی‌، 1391، «اتصاف ماهیت به وجود‌ در‌ پرتو قاعده فرعیت در اندیشه صدرالمتألهین»، آیین حکمت، ش 13، ص 3565. ‌‌

اسماعیلی، مسعود‌، 1389‌، معقول ثانی فلسفی در فلسفه‌ اسلامی‌، قم‌، مؤسسة آموزشی و پژوهشی‌ امام‌ خمینی(. ‌‌

بهمنیار، بن مرزبان‌، 1375‌، التحصیل، چ دوم، تهران، دانشگاه تهران. ‌‌

جوادی آملی، عبدالله، 1386، رحیق مختوم، چ سوم، قم، اسراء‌. ‌‌

‌‌‌‌———————، 1390، معرفت‌شناسی در قرآن، چ هفتم، قم‌، اسراء‌. ‌‌

حلی، حسن‌بن‌ یوسف‌، 1413‌ق، کشف المراد فی شرح‌ تجرید الاعتقاد، تصحيح و تعلیق حسن حسن‌زاده آملی، چ چهارم، قم، مؤسسة النشر الاسلامی. ‌‌

خوئی، سیدابوالقاسم، 1430‌ق، محاضراتٌ‌ فی اصول الفقه، چ چهارم، قم، مؤسسة‌ الخوئی‌ الاسلامیه‌. ‌‌

سبزواری‌، ملاهادی‌، 1384، شرح المنظومه‌، ط. ‌‌الثانیه‌، تهران، ناب. ‌‌

سمیح دغیم، 2001م، موسوعة مصطلحات الامام فخرالدین الرازی، بیروت، مکتبة لبنان ناشرون. ‌‌

سهروردی، شهاب‌الدین‌، 1375‌، مجموعه‌ مصنفات شیخ اشراق، تصحيح و مقدمه هانری کربن‌، سیدحسین‌ نصر‌ و نجفقلی‌ حبیبی‌، چ دوم‌، تهران، مؤسسة مطالعات و تحقیقات فرهنگی. ‌‌

صدر، سیدمحمدباقر، 1417ق، بحوث فی علم الأصول، تقریر حسن عبدالساتر، بیروت، دار الاسلامیه. ‌‌

‌‌‌——————–، 1426ق، بحوث فی علم الأصول، تقریر سیدمحمود هاشمی‌ شاهرودی، چ سوم، قم، مؤسسة دائرة‌المعارف الفقه الاسلامی. ‌‌

‌‌‌——————–، 1431ق، محاضرات تأسیسیه، قم، مرکز الأبحاث والدراسات التخصصیة للشهید الصدر. ‌‌

‌‌‌——————–، 1433ق، مباحث الاصول (مباحث الحجج)، تقریر سیدکاظم حائری، چ سوم، قم، دارالبشیر‌. ‌‌

صدرالمتألهین‌، 1422ق، شرح الهدایة الاثیریة، بیروت، موسسة التاریخ العربی. ‌‌

‌‌‌ ————–، 1981م، الحکمة المتعالیة فی الاسفار العقلیة الاربعة، چ سوم، بیروت، دار احیاء التراث العربی. ‌‌

طباطبائی، سیدمحمدحسین، 1385، نهایة الحکمة، تصحيح و تعلیقات‌ غلامرضا‌ فیاضی، چ سوم، قم، مؤسسة آموزشی و پژوهشی امام خمینی. ‌‌

طوسی، نصیرالدین، 1375، شرح الاشارات و التنبیهات مع المحاکمات، قم، البلاغه. ‌‌

فارابی، ابونصر، 1986م، کتاب الحروف‌، بیروت‌، دارالمشرق. ‌‌

فیاض، محمداسحاق، 1424ق، المباحث‌ الأصولیه‌، قم، مکتبة سماحته. ‌‌

لاهیجی، محمدجعفر، 1386، شرح رساله المشاعر ملاصدرا، قم، بوستان کتاب. ‌‌

مصباح، محمدتقی، 1366، آموزش فلسفه، چ دوم، تهران، سازمان تبلیغات اسلامی. ‌‌

مطهری‌، مرتضی‌، 1386، شرح مبسوط منظومه‌، چ نهم‌، تهران، صدرا. ‌‌

‌‌‌ ——————-، 1389، مجموعه آثار، چ هفدهم، تهران، صدرا، ج 10. ‌‌

میرداماد، محمدباقر، 1376، تقویم الایمان و شرحه کشف الحقائق، تهران، مؤسسة مطالعات اسلامی. ‌‌

نائینی، محمدحسین، 1352، أجود التقریرات، قم، مطبعة العرفان‌. ‌‌

‌‌‌‌ ——————-، 1376، فوائد الاصول، قم، جامعة مدرسین. ‌‌

هاشمی شاهرودی، سیدمحمود، 1433ق، اضواء و آراء (تعلیقاتٌ علی کتابنا بحوث فی علم الأصول)، قم،‌‌‌، مؤسسة دائرة‌المعارف الفقه الاسلامی. ‌‌

یزدان‌پناه، سیدیدالله، 1389، حکمت اشراق (گزارش‌، شرح‌ و سنجش دستگاه‌ فلسفی سهروردی)، قم، پژوهشگاه حوزه و دانشگاه. ‌‌