ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: ارزیابی مقایسهای میزان دلیلیت برهان نظم از دیدگاه شهید صدر و شهید مطهری ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص
لقد حظي برهان النظام، بصيغ مختلفة ومن زوايا متعددة، باهتمام العلماء. يختلف المفكرون الإسلاميون بشأن قيمة هذا البرهان في إثبات وجود الله. يعتقد بعض الفلاسفة أن الاستدلالات القائمة على النظام لا تمتلك قيمة برهانية ولا تتمتع بالصلابة الكافية لإثبات ومعرفة الله. في المقابل، دافع فريق من المتكلمين عن هذا البرهان وأكد على ميزاته الخاصة. تهدف هذه الدراسة، باستخدام المنهج الوصفي التحليلي والنقدي، إلى تقييم مدى دلالة برهان النظام باعتباره أعمّ الطرق في معرفة الله من وجهة نظر اثنين من المفكرين المعاصرين، آية الله مرتضى مطهري وآية الله سيد محمد باقر الصدر، وذلك لتوفير إمكانية إثبات ومعرفة الله بصيغ من برهان النظام التي تتمتع بأعلى درجات الاتقان. والنتيجة أن صيغة الشهيد الصدر من برهان النظام تقوم على نظرية «المنطق الذاتي» التي تبناها في معرفته، وبالنظر إلى الإشكالات التي تواجهها صيغ أخرى من برهان النظام، ومنها الصيغة القائمة على «المنطق العقلي»، يبدو أن الطريق الذي اقترحه الشهيد الصدر هو أفضل طريق لمنح البرهان دلالة كبرهان فلسفي دقيق. تتناول هذه المقالة التقييم المقارن لمدى دلالة برهان النظام من وجهة نظر الشهيد الصدر والشهيد مطهري.
المؤلف: الهه مقدممنش و حسین حجتخواه
المصدر: فلسفه دین، شتاء ١٤٠٢، المجلد العشرون، العدد ٤، ص ٢٨٨-٢٩٨
المقدمة
يعتقد كثير من العلماء أن وجود الله أمر فطري. ومن أدلة هذا الادعاء أن الإنسان في لحظات الخطر وعند مواجهة أزمات الحياة، عادةً ما يلجأ إلى قوة تتجاوز القوى المادية، وهي فوق كل الأسباب. ورغم أن هذا الميل الفطري يُغفل عنه في الظروف العادية، إلا أنه يؤدي دوره التوجيهي عند مواجهة مخاطر وشدائد الحياة (صدرالدین شیرازی، ١٣٥٤: ٢٣؛ طباطبایی، ١٣٧١، ج ١٢: ٢٧٢). كما أن القرآن الكريم في آيات متعددة بيّن هذه الحقيقة بأن الإنسان يلجأ في اللحظات الحرجة إلى الله الواحد (عنکبوت / ٦٥).
ونظرًا لأن الانشغال بالحياة المادية والشؤون الظاهرية قد يؤدي أحيانًا إلى الغفلة عن الميل الفطري ومعرفة الله، فإنه من الضروري للإنسان أن يستعين بالبراهين التي تثبت وجود الله في مسار إزالة الغفلة ومعرفة المعبود. لذلك، فإن دراسة مدى دلالة وإرشاد كل من طرق معرفة الله وأدلة إثبات وجوده تساعد الإنسان على اختيار أفضل طريق لمعرفة المعبود، والتعرف على الله بالأدلة التي تتمتع بأعلى درجات الاتقان، ومن ثم تعريف الآخرين به.
يُعد برهان النظام من البراهين التي توصل إليها الإنسان من خلال التأمل في الكون، حيث لاحظ النظام الجاري في العالم فاستدل على وجود مدبر عالم عليم وقادر. وفي القرآن الكريم توجد آيات كثيرة، وإن لم تتناول هذا البرهان صراحة، إلا أن مضامينها تعود إلى برهان النظام. فمثلاً، تبيّن بعض الآيات علامات العلم والقدرة والحكمة الإلهية في نماذج من نظم الطبيعة، ودعت الإنسان إلى التفكر (بقره / ١٦٤؛ نبأ/ ٦ ١٦)، وفي آيات أخرى تشير إلى النظام والترابط في النظام الكلي لعالم الطبيعة، وحثت الناس على الملاحظة والانتباه إليه (ملک / ٣).
شكك بعض المفكرين الإسلاميين في يقينية واستقلال برهان النظام ونفوا قيمته البرهانية. فهم يرون أن القياس القائم على النظام مفيد فقط في الجدال مع من يقبلون النظام الكوني جزئيًا أو كليًا (جوادی آملی، ١٣٨٦: ٢٦٤). في المقابل، دافع فريق آخر من المفكرين الإسلاميين عن يقينية برهان النظام لإثبات وجود الله.
يُعد آية الله مرتضى مطهري وآية الله سيد محمد باقر الصدر من أبرز المفكرين الإسلاميين المعاصرين الذين أولوا اهتمامًا خاصًا ببرهان النظام. فقد استند الشهيد الصدر إلى نظريته المعرفية الجديدة في إثبات وجود الصانع من خلال دراسة الوجود. كما تناول الشهيد مطهري برهان النظام تفصيليًا في عدة مؤلفات ودافع عنه ضد شبهات الفلاسفة التجريبيين.
وبخصوص خلفية البحث، فقد تم مراجعة المصادر المتوفرة، لكن لم يُعثر على دراسة تبحث في مبادئ وجهة نظر هذين المفكرين بشأن مدى دلالة وقيمة برهان النظام في إثبات وجود الله وتقييمها. تهدف هذه الدراسة، باستخدام المنهج الوصفي التحليلي والنقدي، إلى تقييم مدى دلالة وقيمة برهان النظام باعتباره أعمّ طرق معرفة الله من وجهة نظر هذين المفكرين الكبيرين، وذلك لتوفير إمكانية معرفة الله بصيغ من برهان النظام التي تتمتع بأعلى درجات الاتقان. في ما يلي، وبعد توضيح نظرية «المعرفة الذاتية» ومكانة الاستقراء في فكر الشهيد الصدر، سيتم تحليل وتقييم وجهة نظر هذين المفكرين المعاصرين حول برهان النظام، وفي الختام ستُعرض نقاط قيمة حول مدى دلالة وقيمة الاستدلال بهذا البرهان.
مدرسة المعرفة الذاتية
بدأ الشهيد آية الله الصدر بتوضيح نظريته المعرفية بناءً على «المدرسة العقلية» ونظرية التجريد[1]. لكنه بعد فترة أعاد النظر في هذه النظرية وأصبح مؤمنًا بـ«المدرسة الذاتية». وكان السبب الرئيسي لإعادة النظر هذه هو عجز المدرسة العقلية عن حل الخلافات المتعلقة بقيمة برهان النظام. لذلك، أسس الشهيد الصدر منهجًا جديدًا في المعرفية، أطلق عليه «المنهج الذاتي»، إلى جانب المنهجين العقلي والتجريبي.
بناءً على التقريرات المتطرفة في المدرسة التجريبية (مثل الوضعية) فإن الطريق الوحيد للمعرفة هو الحس والتجربة، ولا وجود للمعرفة قبل التجربة. أما المدرسة العقلية فتؤكد على وجود معارف عقلية ومتقدمة على التجربة ومستقلة عن الحس والتجربة. الشهيد صدر في اعتقاده بوجود معارف عقلية قبل التجربة، باعتبارها أساس معارف الإنسان، يتفق مع المذهب العقلي (صدر، ، ج ١: ١٣٦). لكن نقطة الاختلاف بين مذهبه الذاتي والمذهب العقلي تعود إلى تفسير زيادة المعرفة في الإنسان. بمعنى آخر، وفقًا للطريقة العقلية فإن الطريق الوحيد لزيادة معرفة الإنسان هو التوالد الموضوعي بمعنى تولد قضية من قضية أخرى ترتبط بها باللزوم؛ بينما بناءً على الطريقة الذاتية، لزيادة المعرفة يوجد طريق آخر إلى جانب التوالد الموضوعي، يُسمى بالتوالد الذاتي (صدر، ١٣٥٩، ج ١: ١٣٧).
التوالد الذاتي في فكر الشهيد صدر هو تولد معرفة وتصديق من معرفة وتصديق آخر، دون وجود علاقة لزوم بينهما. لذلك، يقسم اليقينيات إلى ثلاثة أقسام: ١. المعارف الأولية والعقلية التي هي أساس معارف الإنسان، مثل مبدأ عدم التناقض؛ ٢. المعارف الثانوية التي استُخلصت من المعارف الأولية بطريقة التوالد الموضوعي؛ و٣. المعارف الثانوية التي تحققت من المعارف الأولية بطريقة التوالد الذاتي، مثل الاستقراء الذي لا توجد فيه علاقة لزوم بين الشواهد التجريبية والنتيجة المستخلصة، والاستنتاج يتم فقط بطريقة التوالد الذاتي (صدر، ١٣٥٩، ج ١: ١٣٨ ١٤٠).
منشأ العلوم المبنية على الحس والتجربة في المنطق العقلي
المنطق العقلي يرى أن الطريق الوحيد للوصول إلى اليقين هو الطريقة القياسية، ولا يعترف بحجية الطرق الاستقرائية والتمثيلية الناقصة (ارسطو، ١٩٨٠، ج ٢: ٤١٧). ولهذا السبب، في العلوم المبنية على الحس والتجربة، يتم تحويل الاستقراء بمساعدة القياس المنطقي إلى معرفة يقينية. يؤكد الحكماء العقلانيون أن كثرة المشاهدات لا تصبح يقينية إلا بمرافقة قياس منطقي يقيني (مصباح یزدی، ١٣٨٤، ج ١: ٦١). وهم يستعينون بقواعد مثل «الاتفاقي لا يكون دائمًا ولا أكثرية» لتحويل الاستقراء الناقص إلى يقين. على سبيل المثال، بعد ملاحظة ذوبان عدد كبير من المعادن بفعل الحرارة، وبمساعدة الكبرى «ما هو اتفاقي، ليس دائمًا ولا أكثرية»، يثبتون يقينيًا قضية «المعادن تذوب بفعل الحرارة».
من بين المفكرين والحكماء المعاصرين الذين يؤمنون بالطريقة العقلية يمكن الإشارة إلى علامه طباطبائي (طباطبایی، ١٤١٥: ٣٢٠)، آية الله سبحاني (سبحانی تبریزی، ١٣٨٧: ١٦٥)، وآية الله جوادي آملي (جوادی آملی، ١٣٧٠: ٢٥٨). كما يرى الأستاذ الشهيد مطهري أن الأحكام التجريبية مبنية على مبادئ عقلانية؛ مع توضيح أن الذهن في المسائل التجريبية يتدرج من الأحكام الجزئية إلى الأحكام الكلية اعتمادًا على مبادئ مثل مبدأ العلية وقانون تماثل السبب والنتيجة (مطهری، ١٣٩٠، ج ٢: ١٠٩). ويعتقد أن ذهن الإنسان، بالإضافة إلى قدرته على تطوير وتعميم المعرفة الحسية، لديه القدرة على تعميقها في بعد آخر. ويصف هذه المعرفة بـ«المعرفة الآيية»؛ بمعنى أن ذهن الإنسان يخترق أعماق وما وراء المعرفة الحسية ليصل إلى معرفة أخرى (مطهری، ١٣٨٧: ١٤١).
الشهيد صدر يطرح حوالي عشرة اعتراضات على الكبرى «الاتفاقي لا يكون غالبًا ولا دائمًا»؛ من بينها أن ماهية وحقيقة هذه العبارة غير محددة. ويعتقد أن علمنا بعدم تكرار الصدفة النسبية هو من نوع العلم العقلي وقبل التجربة والاستقراء، وليس مثل باقي القضايا الحسية والتجريبية. لأن في البديهيات الأولية والثانوية يكون المحمول ضروريًا للموضوع، بينما في العبارة المطروحة ليس وقوع الصدفة ضروريًا (صدر، ١٣٥٩، ج ١: ٥١ ٧٢).
منشأ العلوم المبنية على الحس والتجربة في المنطق التجريبي
المنطق التجريبي يرى أن طريق اكتساب المعرفة هو الحس والتجربة وينكر المعرفة السابقة والمستقلة عن الحس والتجربة. الاستدلال في المنطق التجريبي ليس قائمًا على القياس. هذه المدرسة تناولت مسألة الاستقراء بثلاثة توجهات: «اليقين» و«الأرجحية» و«العادة الذهنية».
١. بناءً على توجه «اليقين»، تحصيل اليقين ممكن من خلال الاستدلال الاستقرائي. جون ستيوارت ميل[2]، الفيلسوف البارز لهذا التوجه، يرى أن الاستقراء يحتاج إلى مبدأ العلية. ومن منظوره، مبدأ العلية ليس أمرًا يدركه العقل قبل التجربة، لأن من المنطقي أن تحدث الحوادث بشكل عشوائي. لذلك، قانون العلية العام هو نتيجة استقراءات شاملة في عالم الطبيعة (٣٥٨-٣٣٣:١٩٣٠ ,Mill). ومن ثم، العلية في المفهوم التجريبي هي تكرار متتابع لظاهرتين (صدر، ١٣٥٩، ج ١: ٧٦).
من وجهة نظر الشهيد مطهري، هذا التوجه يعاني من دوران؛ لأن أساس الاستقراء هو مبدأ العلية، ومن جهة أخرى هذا المبدأ يُعتبر نتيجة للاستقراء (مطهری، ١٣٩٠، ج ٢: ١١٦). الشهيد صدر أيضًا لا يقبل هذا التوجه ويرى أنه رغم أن الدليل الاستقرائي لا يحتاج إلى قضية سابقة للتعميم، إلا أن هذا لا يعني نفي القضايا السابقة والعقلية بشكل عام. ويعتقد أن الدليل الاستقرائي بدون فرض المبادئ الأولية، مثل مبدأ العلية، يثبت التعميم، ثم تُثبت العلية من خلال الاستقراء (صدر، ١٣٥٩، ج ١: ٧٩).
٢. بناءً على توجه «الأرجحية»، الدليل الاستقرائي يسبب فقط اعتقادًا رجحانيًا بالنتيجة. وفقًا لهذا التوجه، التعميم الاستقرائي مبني على المبادئ الأولية، بينما إثبات هذه المبادئ غير ممكن. ولهذا السبب، الدليل الاستقرائي لا يستطيع أن يصل بهذه القضية إلى درجة اليقين. برتراند راسل[3]، الفيلسوف البارز لهذا التوجه، يرى أن الظنون الناتجة عن الاستقراء مبنية على حساب الاحتمالات، ويرى أن نتيجة الاستقراء هي فقط صدق احتمالي، وليست صدقًا يقينيًا (صدر، ١٣٥٩، ج ١: ٨٩؛ راسل، ١٣٥٦: ٨١ ٩٣).
ينتقد الشهيد مطهري هذا المنهج ويكتب: «هل فرض هذه المبادئ العامة مؤثر في استنتاج المسائل العلمية أم لا؟ إذا لم يكن مؤثرًا، فماذا يفترض الذهن؟ سواء افترض أم لم يفترض، فهو على قدم المساواة، وإذا كان فرض هذه المبادئ العامة مؤثرًا في حصول النتائج، فهل استنتاج تلك المسائل الجزئية من تلك الفروض العامة قطعية ويقينية للذهن، أم أنها أيضًا تحتاج إلى فرض؟ إذا كانت قطعية ويقينية، فبالتالي يتضح أن لدينا بديهيًا أوليًا (ضرورة إنتاج القياس)، وهذا البديهي قطعي ويقيني لذهننا، ولا يجيز الذهن أي شك أو تردد بشأنه، وإذا كان استنتاج مسائل العلوم من هذه المبادئ العامة أيضًا يحتاج إلى فرض، فبالتالي لم يصل الذهن إلى هدفه الذي هو انتظام واستقرار مسائل العلوم، وفي هذه الحالة أيضًا، فرض هذه المبادئ وعدم فرضها للذهن على قدم المساواة، وتبقى مسائل العلوم في حد الفرض، ومن البداية كان الذهن قادرًا على افتراض ما يشاء دون اللجوء إلى هذه المبادئ.» (مطهری، ١٣٩٠، ج ٢: ١١٥).
كما ينتقد الشهيد صدر هذا المنهج التفضيلي مؤكدًا من جهة على تعميمية ودلالة الاستقراء بدون الحاجة إلى القضايا العقلية والقبْلية، ومن جهة أخرى يربط زيادة احتمال القضية الاستقرائية بزيادة مقدار تفضيل قاعدة العقل «العلية»؛ في حين أن المنطق التجريبي لا يقبل قاعدة العقل العلية (صدر، ١٣٥٩، ج ١: ٩١ ٩٥).
٣. منهج «العادة الذهنية» الذي أسسه ديفيد هيوم [4] لا يعترف بقيمة حقيقية للاستدلال الاستقرائي، بل يربطه بعادة الأفراد؛ أي أن البشر يدركون تعميم الأحداث السببية عبر الحس والتجربة وبناءً على المبدأ النفسي لتكرار التزامن في المستقبل. وفقًا لهذا المنهج، فإن قانون الاحتمالات يؤثر فقط في تقليل مقدار احتمال الصدفة النسبية (صدر، ١٣٥٩، ج ١: ٩٥ ٩٦؛ هیوم، ١٣٩٥: ٢٠٤ ٢٠٦).
لكن وفقًا لرؤية الشهيد مطهري، فإن «الحكم» يختلف عن تداعي المعاني والعادة الذهنية، لأن أسبابه وأساساته تختلف عن بعضها البعض. رغم أن الذهن أحيانًا يتقدم في الحكم بسبب تداعي المعاني، إلا أن هذا التقدم الذهني يكون أكثر للأذهان البسيطة (كالعامة والأطفال والحيوانات) ولا يحمل قيمة منطقية. لذلك، الأساس الرئيسي للانتقالات العلمية والصحيحة للبشر ليس تداعي المعاني (مطهری، ١٣٩٠، ج ٢: ١١٨).
من وجهة نظر الشهيد صدر، ما يشير إليه هيوم هو الربط بين السبب والمسبب وليس قانون العلية. ويعتقد، خلافًا لرأي هيوم، أنه لا مفر في المعرفة البشرية من قبول القضايا العقلية القبلية. كما أنه، خلافًا لما يدعيه هيوم، يمكن الاستدلال على قانون العلية بالتجربة (صدر، ١٣٥٩، ج ١: ١١٧).
منشأ العلوم المبنية على الحس والتجربة في المنطق الذاتي
وفقًا لمذهب المعرفة الذاتية، فإن المعرفة التي تنتج عن الاستقراء تمر بمرحلتين: التولد الموضوعي والتولد الذاتي. في المرحلة الأولى، بمساعدة حساب الاحتمالات، وبناءً على التولد الموضوعي ومع الأخذ في الاعتبار الحقائق وتكرار المشاهدات، يزداد مقدار احتمال نتيجة الاستقراء. ومع أن قيمة الاحتمال في هذه المرحلة ترتفع إلى أعلى مرتبة، إلا أنها لا تصل أبدًا إلى حد اليقين.
حساب الاحتمالات مطروح في علم الرياضيات وقد تم تقديم تفسيرات متعددة له. تفسير الشهيد صدر لحساب الاحتمالات مبني على علم الإجمالي في مصطلح علم الأصول. علم الإجمالي هو العلم الذي يكون موضوعه غير محدد. ويعتقد أنه كل احتمال هو عضو في مجموعة من الاحتمالات التي توصف كعلم إجمالي (عشریه و اسماعیلی، ١٣٩٥: ١٠٣ ١٠٥).
نقطة أخرى مهمة في نظرية الذاتية للشهيد صدر هي نوع اليقين الناتج عن دليل الاستقراء. بشكل عام، يمكن أن يكون اليقين في فكر الشهيد صدر منطقيًا أو ذاتيًا أو موضوعيًا. اليقين المنطقي هو اليقين الذي يصاحبه استحالة نقيضه. مثلاً، اليقين بأن «الكل أكبر من الجزء» هو يقين منطقي، لأن استحالة نقيضه أيضًا يقينية. اليقين الذاتي هو يقين غير مبرر، حيث رغم القطع بعدم احتمال الخطأ، إلا أن احتمال الخطأ فيه ممكن. بمعنى آخر، هذا النوع من اليقين قائم فقط بسبب خاصية في ذاته ولا دليل آخر له. مثلاً، اليقين الناتج عن الثقة في شخص ما هو يقين ذاتي. اليقين الموضوعي هو يقين مبرر وله أدلة وشواهد خارجية. بحسب رأي الشهيد صدر، اليقين الناتج من التولد الذاتي في الاستقراء هو يقين موضوعي، لأنه مبني على حساب الاحتمالات الذي له واقع خارجي (صدر، ١٣٥٩، ج ١: ٩٢ ٩٣).
لذا، بعد أن يزداد مقدار الاحتمال في المرحلة الأولى، في مرحلة التولد الذاتي، يولد من هذه المعرفة التي لها احتمال صدق عالٍ يقين (لاهوتیان، ١٣٩٩: ٣٩ ٤٠). المقصود باليقين عند الشهيد صدر في هذه المرحلة هو اليقين الموضوعي، لا اليقين الذاتي أو المنطقي. لأن اليقين الذاتي في القضايا الاستقرائية موجود لدى معظم الناس، وتحقيق اليقين المنطقي بحيث يكون نقيض القضايا الاستقرائية مستحيلًا غير ممكن (صدر، ١٣٥٩، ج ٢: ١٢٨).
لذلك، في المنطق الذاتي «إذا نتج عن تراكم عدد كبير من القيم الاحتمالية في محور معين قيمة احتمالية كبيرة، فإن هذه القيمة الاحتمالية الكثيرة تتحول إلى يقين في ظل ظروف معينة» (صدر، ١٣٥٩، ج ٢: ١٣٣). ووفقًا لرأي الشهيد الصدر، فإن تجاهل قيمة احتمال صغير وتحويل قيمة احتمال كبير إلى يقين هو ضرورة الحركة الطبيعية للمعرفة البشرية (صدر، ١٣٥٩، ج ٢: ١٣٣). وبعبارة أخرى، فإن عقلنا مخلوق بطريقة تجعل عندما يشتد التصديق في الإنسان، فإن تحولًا كميًا، مثل تقليل الاحتمال، يؤدي إلى تحول ظننا في ثورة نوعية إلى يقين. واليقين الناتج هو يقين موضوعي، وهو على عكس اليقين الذاتي لا يزول.
وباختصار، بناءً على مذهب المعرفة الذاتية، فإن الدليل الاستقرائي في المرحلة الأولى يُطرح بناءً على تراكم الاحتمالات، ومع ظهور الظروف اللازمة للمرحلة التالية، أي المرحلة الذاتية، يتحول تراكم الاحتمالات إلى يقين، وهو من نوع اليقين الموضوعي.
برهان النظام في فكر الشهيد الصدر
في فكر الشهيد الصدر، إثبات وجود الله عبر برهان النظام يعتمد على الحس والتجربة ويتبع المنهج الاستقرائي المبني على حساب الاحتمالات. وهو، بناءً على المنطق الذاتي وبالتمسك بالتوالد الموضوعي والذاتي للدليل الاستقرائي، يثبت الصانع من خلال علامات الحكمة والتدبير في العالم في خمس مراحل.
عرض البرهان
في المرحلة الأولى يُلاحظ وجود تناغم ملحوظ بين عدد كبير من الظواهر المنظمة واحتياجات الإنسان ككائن حي، إلى درجة أن أي تغيير في أي من هذه الظواهر يؤدي إلى زوال الحياة البشرية وعجزها. فمثلاً، المسافة بين الأرض والشمس التي تلعب دورًا مهمًا في مقدار الحرارة المتناسبة مع حياة الكائنات، والمسافة الدقيقة بين القمر والأرض التي تجعل الحياة ممكنة عليها، وغرائز الكائنات، وبنية جسم الإنسان، والعديد من الأمثلة الأخرى تدل على أن النظام والتناغم غير القابل للوصف يسود العالم (صدر، ١٣٦١: ٣٣ ٣٧).
في المرحلة الثانية يُطرح فرضية مفادها أن النظام والتماسك المستمر للظواهر الطبيعية والتوافق الكبير بينها وبين حياة الإنسان في ملايين الحالات الممكنة يمكن تفسيره بوجود خالق حكيم وعالم وضع عناصر الحياة على هذه الأرض. هذه الفرضية تشمل كل التناغمات وتبررها (صدر، ١٣٦١: ٣٧).
في المرحلة الثالثة، مع اعتبار عدم صحة فرضية وجود صانع حكيم في العالم، تُدرس الاحتمالات الأخرى. فلو لم يكن هناك صانع حكيم، فهناك ثلاث فرضيات أخرى:
١. فرضية تفسر الظواهر على أساس الصدفة المطلقة؛
٢. فرضية تعتبر الظواهر مخلوقات ذاتية بلا وعي ولا هدف؛
٣. فرضية تعرف الظواهر على أساس علاقات سببية بلا وعي ولا هدف بينها.
في هذه المرحلة، يُدرس احتمال فرضية وجود صانع حكيم مقابل كل من الفرضيات الثلاث المنافسة بواسطة حساب الاحتمالات المبني على العلم الإجمالي (صدر، ١٣٥٩، ج ٢: ٢١٣).
في المرحلة الرابعة يُثبت تفوق وفضل فرضية الخالق الحكيم؛ مع التوضيح أن الظواهر العشوائية والضروريات التي تفتقر إلى الوعي هي حوادث مستقلة عن بعضها، واحتمالاتها منفصلة عن بعضها البعض؛ بينما العلم والقدرة في خلق بعض الكائنات هو نفسه العلم والقدرة في خلق كائنات أخرى. لذلك، فرض العلم والقدرة في خالق بعض الظواهر ليس منفصلًا عن غيرها. وبعبارة أخرى، احتمالات العلم والقدرة في مجموعة من الظواهر هي احتمالات مشروطة ومترابطة.
يرى الشهيد الصدر أن العامل في الاحتمالات المشروطة والمترابطة (الذي يُطرح في نظرية التوحيد والذكاء والترابط بين أجزاء العالم) لا يقلل فقط من الاحتمالات، بل يؤدي إلى نوع من العلم في حد اليقين أو القريب من اليقين (بالنسبة للصانع العاقل). لأن في كل ظاهرة آثار عظمة وعلم وقدرة الله تعالى ظاهرة، وكلما تم فحص الظواهر أكثر، يقل احتمال الصدفة؛ بينما زيادة الاحتمالات المستقلة والمنفصلة (التي تُطرح في نظرية الصدفة والتي تعتبر كل احتمال ظاهرة مستقلة ومستقلة عن الأخرى) تقلل من قيمة الاحتمالات وتجعلها (لإثبات أي ادعاء، بما في ذلك ادعاء عشوائية الوجود) غير معتبرة (صدر، ١٣٦١: ٣٩).
لذلك، في هذه المرحلة، وبالنظر إلى ارتباط وترابط الاحتمالات المتعلقة بفرضية الصانع الحكيم (التي في كل ظاهرة تظهر آثار عظمة وعلم وقدرة الله تعالى ولا يمكن دراستها منفصلة عن بعضها البعض) مقابل استقلال وعدم ارتباط الاحتمالات المتعلقة بالفرضيات المنافسة (التي تعتبر كل حدث في عالم الوجود منفصلًا عن الآخر ولا علاقة له به)، فإن الفرضية الأولى تكتسب الأفضلية بدرجة قريبة من اليقين.
في المرحلة الأخيرة، بالتمسك بنظرية المعرفة الذاتية، تتحول هذه القيمة الاحتمالية الكبيرة إلى يقين. واليقين بوجود صانع حكيم في هذه المرحلة ليس يقينًا منطقيًا أو ذاتيًا، بل هو يقين موضوعي مبني على القرائن والأدلة الخارجية (صدر، ١٣٦١: ٣٨).
لذلك، يرى الشهيد الصدر أنه بالنظر إلى جميع علامات النظام والتدبير في العالم الوجودي، وبالاعتماد على تفسير الدليل الاستقرائي في المنطق الذاتي، نيقن أن للعالم خالقًا مدبرًا حكيمًا.
مقدار دلالة البرهان
كما أُشير، يستنتج الشهيد الصدر بالاعتماد على أصل المعرفة الذاتية من خلال برهان النظام اليقين بوجود الرب، ويُظهر بمساعدة الاستقراء أن برهان النظام هو برهان استدلالي يقيني.
كما يرى أنه بعد إثبات وجود الله والإيمان بأنه خالق وراعي الوجود، وأنه ينظم ظواهر العالم بحكمته وتدبيره، فإن معرفة صفات الله وتقييم خصائصه من خلال دراسة الوجود وآثار صنعه ليس بالأمر الصعب. لأن كل مصنوع يعبر عن صفات صانعه وخالقه.
لذلك، من وجهة نظر الشهيد الصدر، يمكن بسهولة التعرف على صفات الخالق العظيم مثل العلم، والحكمة، والحياة، والقدرة، والبصر، والسمع، والعديد من الصفات الأخرى من خلال التدقيق في ظواهر العالم وخلائق الله. فمثلاً، الدقة والابتكارات في نظام الوجود تعبر عن علم وحكمة خالقه، والقوى الموجودة في أعماق الوجود تدل على قدرة وسيطرة خالقه. كما أن الأنواع المختلفة للوجود، بمستويات متفاوتة من الحياة والإدراك العقلي والحسي، تدل على تمتع خالقها بالحياة والإدراك. والوحدة التي توجد في تصميم وبناء الوجود، والارتباط الوثيق بين جوانبه المختلفة، تشير إلى وحدة الخالق (صدر، ١٣٦١: ٥٣).
برهان النظام في فكر الشهيد مطهري
يقسم الشهيد آية الله مطهري طرق الإنسان إلى الله إلى ثلاثة: طريق «القلب والفطرة»، وطريق «الحسي وشبه الفلسفي» (وهو التجريبي العقلي)، وطريق «العقلي والفلسفي» فقط. والطريق الحسي وشبه الفلسفي، أو بمعنى آخر طريق الدراسة في عالم الخلق، من وجهة نظره ثلاثة أنواع: ١. الاستدلال من نظام العالم على وجود خالق حكيم عليم؛ ٢. الاستدلال من طريق خلق العالم؛ و٣. الاستدلال من خلال الهداية الموجودة في المخلوقات والكائنات في العالم (مطهری، ١٣٨٩، ج ٦: ٩٣٤). لذلك، برهان النظام في فكره هو طريق عقلي تجريبي إلى الله يتم الحصول عليه من خلال الدراسة في أنظمة الكائنات الطبيعية، وفي صياغة البرهان يستخدم إلى جانب المقدمات العقلية مقدمات حسية وتجريبية.
وبنظرة إجمالية إلى المناقشات التي طرحها الشهيد مطهري حول برهان النظام، يبدو أن هناك صيغًا مختلفة لهذا البرهان قدمها، لكن التدقيق في طرحه يظهر أن جميع الصيغ الظاهرة المختلفة يمكن صياغتها تحت صيغة واحدة.
صياغة البرهان
فسر الشهيد مطهري برهان النظام في إطار المنطق العقلي، وأثبت يقينية هذا البرهان على وجود الله بمساعدة العلاقات السببية وبصياغة قياس منطقي. يبدأ صياغته لبرهان النظام بأن هناك أمثلة متعددة من الأنظمة الموجودة في عالم الطبيعة التي أذهلت العقول البشرية. وهذه مقدمة حسية وتجريبية لا يمكن إنكارها بأي حال، لأن كل إنسان قد شاهد على الأقل جانبًا من عجائب وأنظمة العالم، ولديه تجربة بأن أدنى خلل أو تغيير في أي جزء من ذلك النظام يبعده عن أهدافه (مطهری، ١٣٧٣: ٥٧).
ومن الجدير بالذكر أن المقصود بالنظام في صياغة برهان النظام ليس «النظام الفاعلي». لأن منشأ النظام الفاعلي هو أن لكل معلول سببًا وفاعلًا، وإذا كان ذلك السبب أيضًا معلولًا لسبب آخر، فإن نظامًا متسلسلًا بين الظواهر سينشأ، وهذا لا يدل بالضرورة على وجود الله. بمعنى آخر، السبب الفاعلي مقبول أيضًا من قبل الماديين، الذين يرون تحقق كل الظواهر ناتجًا عن أسباب سابقة، ويعتقدون أنه ليس من الضروري أن تنتهي سلسلة الأسباب والنتائج إلى نقطة معينة. ولهذا السبب، يرى الشهيد مطهري أن الاستدلال على وجود ناظم من خلال النظام الفاعلي هو نوع من الاستسلام للماديين، لأن في النظام السببي الذي تكون فيه سلسلة الأسباب والنتائج لا نهائية، يكون الناظم هو تلك الأسباب والنتائج التي تتعاقب في الأطر المكانية والزمانية (مطهری، ١٣٧٣: ٥٧). ومن ثم، يتفق الماديون واللاهوتيون في هذه المسألة على أنه بسبب عدم استحالة التسلسل في الفاعلين الطبيعيين، لا يمكن للعلة الفاعلية أن تقودنا إلى ما وراء الطبيعة ولا تكون دليلاً على وجود الله. ومن وجهة نظر الشهيد مطهري، نقطة الخلاف بين الماديين واللاهوتيين هي في العلة الغائية؛ فالماديون ينكرون النظام الناشئ عن العلة الغائية، بينما يرى اللاهوتيون أن العلة الفاعلية وحدها، دون العلة الغائية، لا تكفي لخلق النظام.
لذلك، في رؤية الأستاذ المطهري، المقصود من النظم في تقرير برهان النظم هو «النظم الغائي» بمعنى العلاقة بين أجزاء ظاهرة ما للوصول إلى هدف ومقصد محدد. كما أن الإنسان عندما يلاحظ آثار العلم والأدب يدرك وجود سبب عالم وذو إدراك ووعي، كذلك عند رؤية هذا العالم المنظم والهادف يُرشد إلى سبب عالم وواعي. الأنظمة المختلفة الموجودة في عالم الطبيعة والنظام والتناسق بين ظواهره تدل على وجود قوة تتجاوز القوة الفاعلة؛ بمعنى أنه من الضروري أن يختار السبب الفاعل، إما بقوته العلمية والواعية أو تحت تدبير علم ووعي كائن آخر، من بين الأهداف والاحتمالات المتنوعة، أفضل هدف. وبعبارة أخرى، السبب يختار من بين الحالات المختلفة الممكنة للمعلول الشكل الموجود لهدف معين، ووجود هذا الغاية بدون علم وتدبير واختيار وإرادة أمر مستحيل. لذلك، يتحقق مبدأ العلية الغائية عندما يكون السبب نفسه ذا شعور وإرادة وإدراك أو يكون تحت تدبير إرادة أعلى (مطهری، ١٣٧٣: ٦٢ ٧٩).
وكما ذُكر، الماديون يقبلون السبب الفاعل في تحقق الظواهر، لكنهم يرون أن ظهور الظواهر عشوائي وبدون غاية (مطهری، ١٣٨٩، ج ٤: ٧٢). لذلك، حسب رأي الشهيد المطهري، المقصود من العشوائية هو عدم وجود سبب غائي، لأن عدم وجود سبب فاعل غير مقبول لا من جانب الماديين ولا من جانب الإلهيين (مطهری، ١٣٧٣: ٦١).
يستعين الشهيد المطهري لإثبات أن النظام الموجود في أنظمة الطبيعة ليس ناشئًا عن الصدفة بمسألة الاحتمالات، ويبين بالاستناد إليها أن احتمال كون الأنظمة والظواهر في العالم عشوائية ضعيف جدًا وقريب من الصفر؛ مع التوضيح بأنه كما أن احتمال إخراج مئة كرة من كيس مرقمة من واحد إلى مئة بدقة وبترتيب متتالي ضعيف جدًا، وكذلك احتمال اختيار الكلمات والجمل الصحيحة وكتابة نص ذي معنى بواسطة شخص أمي قريب من الصفر، فإن احتمال نشوء العالم عشوائيًا مع تلك الأنظمة المعقدة يميل إلى الصفر (مطهری، ١٣٨٩، ج ٦: ٤٨٢).
خلاصة قوله هو أن النظام الغائي الموجود في الظواهر الطبيعية يدل على وجود فعل اختيار. كلما كانت الاختيارات أكثر دقة وتعقيدًا وكثرة، يقل احتمال كونها عشوائية إلى درجة أن الضمير الإدراكي للإنسان لا يعير احتمال الصدفة اهتمامًا ويعتبر ذلك النظام نتاج علم وحكمة.
لذلك، في فكر الشهيد المطهري، إدراك النظام الموجود في العالم إلى وجود ناظم عليم وحكيم ليس عبر التمثيل، بل هو نتيجة برهان واستدلال نصف فلسفي، صغراه هو النظام الغائي لكل ظاهرة من ظواهر العالم أو العالم بأسره (الذي يُدرك بالحس)، وكبره مبدأ عقلي يقول إن كل ظاهرة تتضمن اختيارًا من قِبل مختار عاقل.
مدى دلالة البرهان
من وجهة نظر الشهيد المطهري، برهان النظم هو طريق يقودنا إلى وجود قوة ذات شعور، عليم، حكيم، ومدبر، لكنه لا يشمل مسائل مثل وجوب الوجود، الوحدة، وإثبات الصفات الكمالية الأخرى لمبدأ العالم. يقول في هذا الصدد: «قيمة هذا البرهان تقتصر على دفعنا إلى ما وراء الطبيعة. هذا البرهان يثبت فقط أن للطبيعة ما وراء، وأن ما وراءها هو المسيطر عليها، وهذا ما وراء مستشعر بذاته ومستشعر بأفعاله. أما أن يكون ذلك ما وراء واجب الوجود أو ممكن، حادث أو قديم، واحد أو متعدد، محدود أو غير محدود، علمه وقدرته متناهية أو غير متناهية، فهذا خارج حدود هذا البرهان ويُثبت ببرهانات أخرى» (مطهری، ١٣٧٥: ١٩٥ ١٩٦). وبعبارة أخرى، من وجهة نظره، برهان النظم لا يحمل رسالة تتجاوز إثبات وجود قوة مدبرة وحاكمة للطبيعة (مطهری، ١٣٨٩، ج ٦: ٩٥٨).
اليقين الناتج عن برهان النظم، من وجهة نظره، إذا فسّر فقط بناءً على حساب الاحتمالات، فهو ليس يقينًا فلسفيًا، بل يقينًا عرفيًا كاليقين في المتواترات، وهو أدنى درجة من اليقين الفلسفي (مطهری، ١٣٧٣: ٧٤ ٧٥)، وإذا كان ناتجًا عن قياس فهو يقين منطقي يتفوق على اليقين الناتج عن برهان النظم المبني على حساب الاحتمالات.
مقارنة وتقييم
١. الشهيد صدر والشهيد المطهري من المدافعين عن اعتبار برهان النظم في إثبات وجود الله. كلا المفكرين سعى إلى تقديم هذا البرهان كاستدلال يقيني في مواجهة التفسيرات المبنية على التمثيل التي تشبه النظام الموجود في الأدوات المصنوعة بأيدي الإنسان بالنظام الموجود في العالم، ومن خلال ذلك تجاوزا العديد من الاعتراضات الموجهة إليه.
٢. الشهيد المطهري فسّر برهان النظم في إطار المنطق العقلي وأثبت يقينية هذا البرهان لإثبات وجود الله بمساعدة علاقات العلية والمعلول وبصياغة قياس منطقي. أما الشهيد صدر، فاستنادًا إلى المنطق الذاتي، الذي هو من ابتكاراته، أثبت يقينية برهان النظم بدليل استقرائي دون الاستعانة بالمبادئ السابقة.
٣. تقرير الشهيد مطهري عن برهان النظام بعيد عن المناقشات العقلية المعقدة، وفهمه سهل للجمهور العام. كما حاول الشهيد صدر في كتاب المرسل، الرسول، الرسالة أن يصور برهان النظام كدليل علمي استقرائي ببساطة ووضوح. لكن محاولته لإثبات يقينية برهان النظام وتحويل نتيجة الاستقراء إلى يقين، والتي وردت بالتفصيل في كتاب الأسس المنطقية للاستقراء (صدر، ١٣٥٩: ٢١٣ ٢٢٥)، رافقتها استدلالات رياضية معقدة قللت من بساطة هذا البرهان وجعلت فهمه صعبًا على العامة.
٤. حقيقة وطبيعة الكبرى القياسية التي فسّر الشهيد مطهري برهان النظام بناءً عليها غير واضحة. القضية «كل ظاهرة تشمل اختيارًا من قِبل مختار» مثل غيرها من القضايا المبنية على الحس والتجربة، ولا يمكن أن تكون أساسًا لإثبات قضايا العلوم التجريبية الأخرى. لذلك، فإن النقد الذي وجهه الشهيد صدر إلى قاعدة «الصدفة النسبية» لأرسطو يشمل أيضًا الكبرى القياسية في برهان الشهيد مطهري.
٥. وفقًا لرؤية الشهيد مطهري، برهان النظام ليس برهانًا شاملاً لإثبات وجود الله. لأن معرفة الله في هذا البرهان تقتصر فقط على كونه فوق طبيعي، ولا يثبت صفاته الأخرى. هدف برهان النظام من منظوره هو إثبات وجود صانع وراء هذا العالم، وقد تمكن من تحقيق هذا الهدف بيقين من خلال التقارير المقدمة. أما برهان النظام في فكر الشهيد صدر، بالإضافة إلى إثبات وجود الله كخالق وراعي الوجود، فإنه يثبت صفات كماله مثل العلم، الحكمة، التدبير، القدرة، الحياة، والوحدة أيضًا بيقين.
النتيجة
برهان النظام هو أحد البراهين المطروحة لإثبات وجود الله، وقد جرت حوله مناقشات وجدالات كثيرة. أحد التقارير الشائعة لهذا البرهان هو التقرير المبني على التشبيه (إثبات النظام في العالم من خلال التشبيه بالنظام في المصنوعات البشرية)، وقد وُجهت إليه العديد من الانتقادات والنقد. الشهيد مطهري والشهيد صدر من بين المفكرين الذين يدافعون عن يقينية هذا البرهان. الشهيد مطهري، كفيلسوف متكلم عقلاني، اتخذ منهج المنطق العقلي، وقدم برهان النظام كبرهان عقلي تجريبي، وصاغه في قالب قياس منطقي. صغرى هذا القياس هي النظام الغائي الموجود في ظواهر العالم، والتي تستند إلى الحس والتجربة، وكبرى القياس هي الأصل العقلي «كل نظام له ناظم». نتيجة هذا القياس هي فقط إثبات صانع للعالم مع عدد قليل من الصفات مثل العلم والحكمة والتدبير. أهم نقد وُجه إلى تقرير الشهيد مطهري هو أن حقيقة وطبيعة الكبرى القياسية التي فسّر بها برهان النظام غير واضحة، وقضية «كل نظام له ناظم» أو «كل ظاهرة تشمل اختيارًا من قِبل مختار» ليست من المبادئ العقلية السابقة، ولا يمكن أن تكون أساسًا لإثبات قضايا العلوم التجريبية الأخرى. تفسير الشهيد صدر أيضًا مبني على أسس معرفية، حيث طرحها تحت عنوان المعرفة الذاتية إلى جانب المعرفتين التجريبية والعقلية. وبمساعدة الاستدلال الاستقرائي في المنطق الذاتي، في مرحلة واحدة، زاد من احتمال وجود صانع حكيم للعالم من خلال ملاحظة النظام الموجود في الظواهر وتعقيداتها عبر حساب الاحتمالات، وفي المرحلة التالية حول هذا الاحتمال الكبير إلى يقين موضوعي.
بالنظر إلى النقد والاعتراضات التي وُجهت إلى التقارير الأخرى لبرهان النظام، بما في ذلك التقرير المبني على التشبيه والقياس، يبدو أن الطريق الذي اقترحه الشهيد آية الله صدر يمكن أن يُؤخذ بعين الاعتبار لإضفاء المصداقية على برهان النظام كبرهان فلسفي دقيق. لذلك، إذا قبلنا منطق الشهيد صدر الذاتي في إضفاء المصداقية على الاستقراء، يمكن قبول برهان النظام كدليل يقيني على وجود الله.
المصادر
القرآن الكريم
أرسطو (١٩٨٠). منطق أرسطو. بيروت: دار القلم.
جوادى آملى، عبد الله (١٣٧٠). معرفية في القرآن. قم: مركز إدارة الحوزة العلمية في قم.
(١٣٨٦). توضيح براهين إثبات الله. قم: مركز نشر إسراء.
خسروپناه، عبد الحسين (١٣٨٣). منطق الاستقراء من وجهة نظر الشهيد صدر. ذهن، العدد ١٨، ٢٩-٥٨.
راسل، برتراند (١٣٥٦). مسائل الفلسفة. ترجمة: منوچهر بزرگمهر. طهران: خوارزمي.
سبحاني تبريزي، جعفر (١٣٨٧). نظرية المعرفة. قم: مؤسسة الإمام الصادق.
صدر، محمد باقر (١٣٥٩). مبادئ منطق الاستقراء. ترجمة: أحمد فهري زنچاني. طهران: پيام آزادي.
ـــــــــــــــــــــ (١٣٦١). المرسل الرسول الرسالة. قم: الرضي.
صدر الدين الشيرازي، محمد (١٣٥٤). المبدأ والمعاد. طهران: جمعية الحكمة والفلسفة في إيران.
طباطبائي، محمد حسين (١٣٧١). الميزان في تفسير القرآن. قم: إسماعيليان.
ـــــــــــــــــــــ (١٤١٥). نهاية الحكمة. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
عشرية، رحمن وإسماعيلي، محمد علي (١٣٩٣). تطبيق الدليل الاستقرائي في علم الأصول في فكر الشهيد صدر. دراسات أصول الفقه، المجلد ٩٣، العدد ١، ٩٧-١٢٤.
لاهوتيان، حسن (١٣٩٩). نتائج نظرية التوالد الذاتي للشهيد صدر. ذهن، العدد ٨١، ٣٥-٦١.
مصباح اليزدي، محمدتقي (1384). شرح برهان الشفاء. قم: مؤسسة الإمام الخميني التعليمية والبحثية.
مطهري، مرتضى (1373). التوحيد. طهران: صدرا.
ـــــــــــــــــــــ (1375). أسباب الميل إلى المادية. طهران: صدرا.
ـــــــــــــــــــــ (1387). مسألة المعرفة. طهران: صدرا.
ـــــــــــــــــــــ (1389). مجموعة الأعمال. طهران: صدرا.
ـــــــــــــــــــــ (1390). أصول الفلسفة ومنهج الواقعية. طهران: صدرا.
هيوم، ديفيد (1395). بحث في الفهم البشري. ترجمة: كاوه لاجوردي. طهران: المركز.
The Holy Qur’an
Aristotle (1980). Aristotle’s Logic. Badavi, Abdulrahman. Beirut: Dar al-Qalam. (بالعربية)
Ashriya, R. & Ismaili, M.A. (2014). The Use of Inductive Reasoning in the Science of Principles Jurisprudence
in the Thought of Mohammad Bagher Sadr. Biquarterly Journal of Promotion of Imamiyah Principles
of Jurisprudence, 93 (1), 97-124. (بالفارسية)
Javadi Amoli, A. (1991). Epistemology in the Qur’an. Qom: Qom Seminary Management Center. (بالفارسية)
——————- (2016). Explaining the Proofs of God’s Existence. Qom: Esra Publishing Center. (بالفارسية)
Khosrupanah, A.H. (2013). The Logic of Induction from the Point of View of Mohammad Baqir Sadr. Zehn,
5(2) 18, 29-58. (بالفارسية)
Lahutian, H. (2019). The Results of the Innate Borning Theory of Mohammad Bagher Sadr. Zehn, 21(1), 35-61.
(بالفارسية)
Mesbah Yazdi, M.T. (2005). Explanation of Proof of Healing by Avicenna. Qom: Imam Khomeini Educational
and Research Institute. (بالفارسية)
Mill, J. S. (1930). A System of Logic, Ratiocinative and Inducti, Book III. Of Indoction. London: Longmans.
Motahari, M. (1994). Oneness (التوحيد). Tehran: Sadra. (بالفارسية)
—————- (2008). The Question of Knowledge. Tehran: Sadra. (بالفارسية)
—————- (2010). Collection of Books. Tehran: Sadra. (بالفارسية)
—————- (2011). The Principles of Philosophy and the Method of Realism. Tehran: Sadra. (بالفارسية)
Sadr, M.B. (1980). Logical Bases of Induction. Translator: Ahmad Fehri Zanjani. Tehran: Payam Azadi. (بالفارسية)
————– (1982). Al-Mursal Al-Rasul Al-Risalah. Qom: Al-Razi. (بالعربية)
Sadr al-Din Shirazi, M. b. I. (1975). Origin and Resurrection. Tehran: Iranian Wisdom and Philosophy Society.
(بالفارسية)
Sobhani, J. (2008). The Theory of Knowledge. Qom: Institute of Imam Sadiq. (بالفارسية)
Tabatabai, M.H. (1992). Al-Mizan. Qom: Ismailian. (بالعربية)
——————- (1994). Nahayat al-hekmah. Qom: Islamic Publishing Institute. (بالعربية)
[1]وفقًا لنظرية التجريد في المدرسة العقلية، يستخلص العقل المفاهيم الكلية من المحسوسات والمعاني الحسية؛ بحيث يحصل على تلك المعاني والمفاهيم الكلية عن طريق التجريد والتعميم لتفاصيلها الحسية. وبعبارة أخرى، تدخل الصورة المحسوسة إلى الذهن عبر إحدى الحواس، ثم يصنع العقل بقوة التجريد التي يمتلكها من تلك الصور المحسوسة معنى كليًا (مطهری، ١٣٩٠، ج ٢: ٢٠).
[2]John Stuart Mill
[3]Bertrand Russell
[4]David Hume

