ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: خوانش انتقادی استنطاق و کاربست آن در نظریه شهید صدر پیرامون سنتهای تاریخ در قرآن ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص: تهدف هذه المقالة إلى توضيح المنهجية التي اتبعها الشهيد الصدر، من خلال قراءة نقدية لـ«الاستنطاق» في التفسير الموضوعي وتتبع مدى «تطبيقه في نظرية تقاليد التاريخ في القرآن». على الرغم من أن غياب الأساليب الجديدة في الاستنباط من المصادر الدينية يعد أحد أوجه القصور في الدراسات الدينية، إلا أن الشهيد الصدر قدّم تفسيرًا موضوعيًا فريدًا من نوعه، مما أضفى خصوصية متميزة على النظرية القرآنية. في هذا البحث، يُنظر إلى «الاستنطاق» ليس ككل التفسير الموضوعي، بل كأحد المراحل والعمليات في النظرية. تجيب المقالة، باستخدام منهج تحليل النص (تحليل نصوص منهجية الشهيد الصدر وآيات القرآن الكريم المبنية على الاجتهاد في الدليل اللفظي)، على سؤالين أساسيين: ما هي مكونات الاستنطاق في التفسير الموضوعي عند الشهيد الصدر؟ وإلى أي مدى تم توظيف هذه المكونات في نظرية تقاليد التاريخ؟ يختلف منهج هذه المقالة عن العديد من الأعمال الأخرى في هذا المجال بأنها تنظم طريقة التفسير الموضوعي للشهيد الصدر كنموذج مفهومي، وتعتمد بشكل جاد على عنصر النظرية، فتقيّم عملية الاستنطاق بدقة.
المؤلف: سعید بهمنی
المصدر: پژوهشهای قرآنی، صيف 1399، العدد 95، ص 29 إلى 48.
المقدمة
يستخدم الشهيد الصدر تعبيرات «موضوعي» و«توحيدي» لوصف منهجه في التفسير والنظرية، ويستشهد بـ«الاستنطاق» في كلام أمير المؤمنين كأجمل تعبير للتفسير الموضوعي. (صدر، ١٤٢١هـ، الف: ٣٠) كل من هذه التسميات يبرز جانبًا بارزًا من منهجه. «الموضوعي» يبرز محور المسألة، و«التوحيدي» يبرز النظرة الكلية أو الشمولية، و«الاستنطاق» يبرز منهجًا خاصًا في الرجوع إلى القرآن. في هذا السياق، جوهر وروح العملية التطبيقية للتفسير الموضوعي والنظرية عند الشهيد الصدر هو الاستنطاق، أي عملية الرجوع إلى القرآن. من بين الذين يتحدثون عن المنهج أو النهج الاستنطاقي في فهم وتفسير القرآن الكريم، قليلون يفهمون المقصود كما فهمه الشهيد الصدر؛ لأنه يعتبر التفسير موضوعيًا فقط إذا أدى إلى نظرية قادرة على حل أعظم قضايا الإنسان. ينظر الشهيد الصدر إلى عملية الاستنطاق في التفسير الموضوعي بهدف الوصول إلى حقائق عظيمة في الحياة (المرجع نفسه) والنظرية في القرآن الكريم، (المرجع نفسه، ص ٢٣) بينما عادة ما يفهم الآخرون التفسير الموضوعي والاستنطاق على أنه أي فهم يركز على أي موضوع، حتى وإن لم ينتج عنه نظرية كبرى.
عادةً عندما نتحدث عن «الاستنطاق» في القرآن، نستحضر جميعًا منهج التفسير الموضوعي؛ كما أن بعض المؤلفين يستخدمون وصف «استنطاقي» للتفسير أو المنهج ويقصدون به التفسير الموضوعي. نحن لا نعني بـ«القراءة النقدية للاستنطاق» القراءة النقدية لكل عمليات منهج التفسير الموضوعي، بل نعتبر الاستنطاق مرحلة وعملية خاصة ضمن منهج التفسير الموضوعي؛ عملية تحتوي بدورها على مكونات داخلية مثل العمليات الأخرى في التفسير الموضوعي. سبق للمؤلف أن استخلص ونظم تسع عمليات باستخدام العناصر التي أوردها الشهيد الصدر حول منهج التفسير الموضوعي:
١. تشخيص المسألة (صدر؛ ١٤٢١هـ، الف: ص ٢٩٣٠، ٣٥ و٣٧)
٢. دراسة الخلفية (المرجع نفسه، ص ٢٩٣٠)
٣. تحديد الهدف (المرجع نفسه، ص ٢٣)
٤. صياغة السؤال (المرجع نفسه، ص ٢٩، ٣٤، ٤٥، ١٨٦)
٥. بناء الفرضية (همو؛ فلسفتنا؛ ص ٢٧٥)
٦. الاستنطاق (المرجع نفسه، ص ٣٠٣١، ٣٣٣٤، ٤١)
٧. مقارنة الدراسات الموازية (المرجع نفسه، ص ٢٩٣٢، ٣٥، ٧١، ٣٣٩)
٨. النظرية (المرجع نفسه، ص ٢٢٢٤، ٢٩، ٣٤، ٣٥٣٦، ٣٨، ٤٢، ٤٥، ١٨٥، ١٨٧، ٣١٥)
٩. الصياغة (المرجع نفسه، ص ٢٩)
ترتيب العناصر أعلاه من قبل المؤلف وليس منسوبًا إلى الشهيد الصدر؛ لأن الشهيد الصدر لا يقوم أبدًا بهيكلة العناصر المذكورة. ومع ذلك، فإن جميع العناصر المذكورة مستندة إلى أقواله. في رأي المؤلف، إذا أراد أحد أن يتناول التفسير الموضوعي كما يبيّنه الشهيد الصدر، فلا بد له من ١- أن يبدأ بدراسة المسألة. ٢- ثم يعيد تأريخ المسألة وحلولها في تاريخ المعرفة البشرية وعصره. ٣- بعد ذلك، وبالنظر إلى المصادر والفرص المتاحة له، يقوم بتحديد الأهداف. ٤- مع تحديد الهدف، يحين دور طرح السؤال. ٥- ثم يتم بناء الفرضيات بما يتناسب مع الأسئلة. ٦- بعد ذلك، يتوجه إلى ساحة القرآن الكريم ويباشر استنطاق القرآن الكريم. ٧- بعد التوصل إلى الدلالات التفصيلية من خلال استنطاق القرآن الكريم، يلجأ إلى الدراسات المقارنة والمقارنة بين البيانات القرآنية والبشرية ليكشف عن نقائص الإنجازات البشرية. ٨- ثم باستخدام الدلالات التفصيلية التي حصل عليها من استنطاق القرآن، وبما يتناسب مع نقائص البشر في حل المسألة، يقوم بوضع النظريات بناءً على القرآن. ٩- بعد صياغة النظرية، يقوم بتدوينها لتسجيلها وتقديمها للآخرين.
في الهيكل أعلاه، “الاستنطاق” هو العملية السادسة من مجموعة عمليات التفسير الموضوعي، وليس كلّها. لذلك، في هذا المقال لن نناقش أيًا من العوامل العملية الأخرى، وسنقتصر فقط على “الاستنطاق”، أي العملية التي تتعلق بالذهاب إلى ساحة القرآن واستخلاص المعاني منه. ويبدو أن هذه العملية تتكون بدورها من أربعة عناصر نسميها مكونات. جميع المكونات التي نسميها مستندة إلى أقوال الشهيد الصدر، لكن ترتيبها ليس منسوبًا إليه. قائمة المكونات الأربعة في أقوال الشهيد الصدر لعملية الاستنطاق هي:
١- اتخاذ مبادئ وقواعد عامة للتفسير. (صدر، ١٤٢١هـ، الف: ص ٣١٢)
٢- استخراج البيانات القرآنية المتعلقة بالمسألة. (المرجع نفسه، ص ٥٣٥٤ و ٨٩١٠٢)
٣- السؤال والحصول على الإجابة من القرآن. (المرجع نفسه، ص ٢٩ و ٣٣٣٤، ٤٦٤٧ و ١٠٦)
٤- التوصل إلى الدلالات التفصيلية. (المرجع نفسه، ص ٣٤)
في هذا المقال، بالإضافة إلى القراءة النقدية لكل من المكونات الأربعة لعملية الاستنطاق، سيتم أيضًا دراسة تطبيقها في نظرية التقاليد التاريخية في القرآن.
المكون الأول ذو طبيعة تمهيدية وعامة، بمعنى أنه مقدمة لأي نوع من أنواع التفسير، سواء كان موضوعيًا أو ترتيبيًا. أما المكونات الثانية والثالثة والرابعة فهي عمليات الاستنطاق نفسها.
١. المكون الأول: اتخاذ مبادئ وقواعد عامة للتفسير
تتضح ضرورة هذا المكون في التفسير والاستنطاق من القرآن من عبارة «لابد للمفسر من منهج عام للتفسير، يحدد فيه عن اجتهاد علمي طريقته في التفسير» (المرجع نفسه، ٣١٢) في بيان الشهيد الصدر. وبحسب الشهيد الصدر، فإن المفسر مضطر إلى امتلاك منهج شامل وعام في التفسير. ويؤكد أن على المفسر أن يحدد منهجه الشامل في التفسير باجتهاد علمي. ويذكر أمثلة على هذا المنهج، وهي: الوسائل التي يستخدمها للإثبات، ومدى الاعتماد على ظهور اللفظ والسنة، وأخبار الآحاد، والدلائل العقلية في تفسير نص القرآن. (المرجع نفسه) هذه الأمثلة تبين أن المقصود بـ«المنهج العام في التفسير» هنا هو المبادئ والقواعد العامة للتفسير.
في أول درسين من أربعة عشر درسًا أُطلق عليهما اسم «التفسير الموضوعي للقرآن» (المرجع نفسه، ص ١٧)، يركز الشهيد الصدر على بيان منهج التفسير الذي يقصده.
ثم في الدروس الاثني عشر التالية، يطبق هذا المنهج عمليًا في نظرية التقاليد التاريخية في القرآن.
١-١. الدراسة والتحليل
هذان الدرسان يشكلان جزءًا فقط من التفسير العلمي لمنهج الشهيد الصدر. وعلى الرغم من أنهما يبيّنان الخطوط الأساسية والمهمة لمنهجه، إلا أن جزءًا كبيرًا مما يسمى بالمنهج العام للتفسير، وهو المبادئ والقواعد العامة التي يستخدمها المفسر عند الرجوع إلى تفسير القرآن الكريم، يبقى غير مفسر. (المرجع نفسه، ص ٣١٢) ومن الواضح أنه في هذين الدرسين لا يوجد بيان واضح يشرح المبادئ والقواعد التفسيرية التي يقصدها.
عدم بيان المبادئ والقواعد المذكورة أمر مبرر تمامًا. لقد سبق للشهيد صدر أن عرض المبادئ والقواعد الأساسية المذكورة في مباحث الأصول عند تدريسه لقواعد الاستنباط من الدليل اللفظي، وذكرها في كتبه الأصولية (ر. ک: همو، ١٤٢١هـ، د: ص ٨١١١٦ و ٢١٥٢٦٦؛ همو، ١٤٢١هـ، ب: ص ١٤٠١٨٠). وبما أنه يعتزم عرض موضوعه بإيجاز تام، فلا ضرورة لإعادة سرد الطرق التي ذكرها سابقًا في مباحثه الأصولية. وطبيعي أن يكون الأهم من العرض المنفصل للمبادئ والقواعد المذكورة هو تطبيقها في الوصول إلى مدلولات القرآن في نظرية السنن التاريخية.
ونظرًا لأن الاستشهاد بكل مدلول من المدلولات في الاستنباط من القرآن يقوم على المبادئ والقواعد المذكورة، كان من المتوقع أن يذكرها عند عرض المدلولات التي توصل إليها، لكنه لا يفعل ذلك أبدًا، رغم أنه قد يُحتمل تخمين بعض المبادئ والقواعد المستخدمة. ومع ذلك، لكي تكتمل نظرية صدقه في علاقتها بالقرآن، فإن بيان الاستدلالات التفصيلية وطريقة الوصول إلى المدلولات أمر ضروري. وتزداد هذه الضرورة في الحالات التي توجد فيها قرائن تتعارض مع استنباطاته، لا سيما حين يتعلق الأمر بفرضيات منافسة، خصوصًا إذا كانت هذه الفرضيات مطروحة من قبل مفسرين وعلماء آخرين.
كمثال، ندرس مدلولًا يستخلصه من آية الاستيمان وبعض الآيات الأخرى. الشهيد صدر في تفسير آية الاستيمان لا يوضح طريقة استدلاله للوصول إلى مدلوله المقصود. فهو يعتبر منح استعداد الخلافة العامة الإلهية للبشر مصداقًا للأمانة في الآية المذكورة، دون أن يشرح المبادئ والقواعد التي استعملها في الوصول إلى هذا المدلول قبل أو بعد هذا الادعاء. نكتفي بهذا القدر هنا، وسنعود قريبًا إلى مناقشة أوجه القصور في مدلوله والفرضيات المنافسة. على أي حال، في هذا المثال لا يذكر المبادئ والقواعد أساسًا، فلا نعلم كيف توصل إلى هذا المدلول بأن «الأمانة» في آية الاستيمان تعني «الخلافة».
في مثال آخر، يبدو أن سلوكه العلمي في تفسير القرآن لا يتوافق مع القاعدة التي وضعها بنفسه. القاعدة هي: لا يُفسر القرآن بأخبار الآحاد المتعارضة مع ظاهره. (راجع: صدر، ١٤٢١ق، د: ص ١٦٧، ٤٥٢، ٥٤٦ و٥٦٩؛ نفسه، ١٤٢١ق، ج، ج ١: ص ٨٣ و٤٤٢؛ ج ٢: ص ٧٠). ويبدو أن هذه القاعدة لا تُراعى في تفسير الآيات ٢٤ إلى ٢٦ من سورة البقرة.
الشهيد صدر يستشهد من بين مستندات الفكرة الرئيسية للسنن التاريخية في القرآن بآية «ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا» (فاطر: ٤٥). إذا جرت السنة التي تذكرها الآية، فكل من على الأرض يهلك. هذه الآية تستلزم الرد على شبهه، وهي: عادةً ليس كل الناس ظالمين، فبينهم الأنبياء والأئمة والأوصياء والمؤمنون العادلون. فهل يشمل الهلاك في الآية هؤلاء الأشخاص المقدسين؟ حتى إن بعضهم استشهد بهذه الآيات لإنكار عصمة الأنبياء. يجيب الشهيد صدر بأن العقاب في هذه الآيات دنيوي، وليس أخرويًا، لأنه يتحدث عن النتيجة الطبيعية لاكتسابات أمة من طريق الظلم والطغيان. ويعتقد أن هذه النتيجة الطبيعية لا تخص الظالمين فقط، بل تشمل المجتمع كله رغم اختلاف هوياتهم وسلوكياتهم. ثم يستشهد كمثال بواقعة تاه بني إسرائيل (بقره: ٢٤٢٥). ويذكر أن هذا التيه هو نتيجة ظلم وطغيان وعصيان بني إسرائيل، ولا يخص الظالمين منهم فقط، بل يشمل موسى الذي هو أنقى وأشجع الناس في مواجهة الظلم والطغيان، لأنه جزء من تلك الأمة التي حان وقت هلاكها (همو، ١٤٢١هـ، الف: ص ٥٧٥٩).
ظاهر الآية لا يدل على شمول التردّد والهلاك بالنسبة إلى موسى، أخيه وحتى المؤمنين الطائعين غير الفاسقين. تفسير الشهيد صدر وبعض المفسرين الآخرين (طباطبایی، ١٤١٧هـ، ج ٣: ص ١٠٧٠) مستمد من أخبار لا تتوافق مع ظاهر الآيات. ووفقًا لاعتقاد المؤلف، فإن تفسير الشهيد صدر ومن فسروا الآية متوافقًا مع أخبار الآحاد واعتبروا التردّد يشمل وجود موسى المقدس وأخيه وخليفته، فيه على الأقل خمسة أعطال على النحو التالي:
١- قول موسى حين قال: «رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين» (مائده: ٢٥) يدل على أنه في موضع الحادث المذكور، لم يكن يشوع والمؤمنون الآخرون موجودين، وإلا فإن إعلان حصر السلطة لنفسه ولهارون يكون مخالفًا للحقيقة؛ لأن يشوع والمؤمنين الآخرين كانوا بالتأكيد يستمعون لأمر موسى وكان هو المتصرف فيهم أيضًا. وهذا يدل على أن بعض المؤمنين بموسى كانوا مستقرين في مكان آخر. وبذلك، مع استجابة دعاء موسى وفصل بينه وبين أخيه وبين جماعة الفاسقين، كان بإمكان موسى وهارون أن يلتحقا بالمؤمنين الذين لم يكونوا معهم وكانوا في مكان آخر، وأن يشمل اللعن جماعة الفاسقين فيتردّدوا.
٢- موسى يطلب من الله «الفصل بينه وبين أخيه» أو «الفصل بينه وبين المؤمنين» وبين «جماعة الفاسقين». فكيف يمكن أن يستجاب دعاؤه ولا ينفصل عنهم؟ بعضهم فسّر «فافرق» بمعنى «احكم» (طبرسی، ١٣٧٢، ج ٦: ص ٢٧٨) وهذا مخالف للظاهر.
٣- الدعاء والطلب المذكور هو لعنة؛ كما أن الشهيد صدر نفسه يستخدم كلمة «الهلاك» للتعبير عن التردّد. (صدر، ١٤٢١هـ الف: ص ٥٨) فكيف يمكن أن يدعو نبي الله على نفسه وعلى المؤمنين، فيشملهم هذه اللعنة والهلاك الذي يريده لنفسه؟
٤- إذا كان موسى في وسطهم يعاني من التردّد، فلماذا يواسيه الله تعالى بقوله «فلا تأس على القوم الفاسقين» (مائده: ٢٦)؟ لو كان التردّد يشمل موسى لكان ينبغي أن يقال «فلا تأس على نفسك وعلى القوم الفاسقين».
٥- في الخطاب إلى موسى عند إبلاغه بحكم تكويني بتردّد بني إسرائيل «قال فإنهم محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين» (بقره: ٢٦)، الضمائر في «عليهم» و«يتيهون» تعود إلى جماعة العصاة، ولا تُستخدم ضمائر تشمل موسى وهارون والمؤمنين الآخرين.
وبذلك، يتجاهل الشهيد صدر في تفسير هذه الآيات ظاهر القرآن الكريم ويفضّل أخبار الآحاد التي تخالف الظاهر، بل تتعارض معه.
وباختصار، هناك على الأقل ثلاث أعطال في مؤلف «اتخاذ مبادئ وقواعد عامة للتفسير» وتطبيقها في نظريته: أولًا: عدم بيان المبادئ والقواعد العامة للتفسير بشكل منفصل. ثانيًا: تجاهل بعض القواعد والمبادئ. ثالثًا: عدم بيان هذه المبادئ والقواعد عند بيان مدلول الآيات. العطل الأول يمكن تبريره، لكن العطلين الثاني والثالث يمنعان من إقناع النظرية ويصعّبان فهم تفسيرات المؤلف. وتصبح تفسيرات النظرية مقبولة أو على الأقل قريبة من القبول حين تُفسر الحجج من كل جانب، ويقبلها المجتمع العلمي ويفضلها على الحجج والتفسيرات المنافسة.
٢. المؤلف الثاني: استخراج البيانات القرآنية
عملية استنطاق القرآن الكريم تعتمد على استخراج البيانات القرآنية المتعلقة بالمسألة محل البحث. ولهذا السبب، يبدأ الشهيد صدر في الخطوة الأولى من نظريته حول السنن التاريخية في القرآن الكريم ببيان ثلاثة أمور: «شكل تفسير فكرة السنن التاريخية» و«خصائص السنن التاريخية» و«أشكال السنن التاريخية» في القرآن. في الأمر الأول، ينظر من منظور خارجي ويعدد أنواع بيان القرآن عن السنن التاريخية. وبناءً على ذلك، يستخرج المنظر ثلاث فئات من البيانات القرآنية (صدر، ١٤٢١هـ الف: ص ٥٣٦٦): ١- بيان أصل انتظام التاريخ في القرآن (المرجع نفسه، ص ٥٥٦١) وهو من نوع فلسفة التاريخ. ٢- بيان أمثلة السنن التاريخية في القرآن (المرجع نفسه، ص ٦١٦٦) وهو تقرير واقعي وموضوعي عن سير السنن التاريخية. ٣- بيان التشجيع والدعوة إلى الاستقراء والتأمل في الأحداث التاريخية (المرجع نفسه، ص ٦٦) وهو من نوع مبادئ المعرفة وفلسفة علم التاريخ. ومن خلال ذلك، يسهل تفسير السنن التاريخية في القرآن في قالب ثلاثة أنواع من البيان، ويصوغها، وبالتالي يسهل التعرف على البيانات القرآنية المتعلقة بها.
بعد إشارته إلى الأقوال العامة المذكورة بنظرة شاملة، يعدد الشهيد صدر ثلاث خصائص للتقاليد التاريخية التي يسميها «حقائق»: ١- العمومية، ٢- قدسية التقاليد، ٣- دور اختيار الإنسان. (المرجع نفسه، ص ٦٧٧٦) تُعد الخصائص المذكورة بمثابة فصول أو لوازم ذات التقاليد التاريخية التي لا يمكن تصور أي تقليد بدونها. لذلك، فإن معرفة هذه الخصائص تتطلب معرفة التقاليد التاريخية في القرآن.
كما يصنف التقاليد في ثلاثة أشكال بالنظر إلى تلك الفئات من العبارات التي تدل على التقاليد التاريخية: ١- شكل القضية الشرطية، ٢- شكل القضية الفعلية، و٣- التقليد الذي يُصاغ على شكل سيرورة طبيعية. (المرجع نفسه، ص ٨٩١٠٢) لذلك، يمكن لأي عبارة قرآنية تحمل أحد الأشكال الثلاثة المذكورة أن تكون حاملة لتقليد تاريخي. ثم يذكر عدداً من التقاليد التاريخية في القرآن خلال هذين الموضوعين.
٢-١. الدراسة والتحليل
٢-١-١. الصياغة المبتكرة
صياغة الشهيد صدر في ثلاثة نقاشات «بيان التقاليد التاريخية في القرآن»، «خصائص التقاليد التاريخية» و«أشكال التقاليد التاريخية» مبتكرة. في هذه المناقشات، يُعرض على التوالي كيفية بيان أصل التقاليد التاريخية، هوية التقاليد، وبنية العبارات الحاملة لها في القرآن. هذه الصياغة تسهل بشكل فعال التعرف على البيانات القرآنية المتعلقة بالتقاليد التاريخية. من بين العلماء الذين تناولوا التقاليد الإلهية في القرآن قبله أو في زمانه، لا يوجد أحد يمتلك هذه الأقوال المتماسكة؛ وخاصة يمكن ذكر العلامة الطباطبائي والشهيد مطهري اللذين تحدثا كثيراً عن التقاليد قبل الشهيد صدر. وقد استخلص الكاتب في دراسة مستقلة، جميع ما قاله هذان العالمان عن التقاليد الإلهية، ونسقهما ودرسهما بشكل كامل.
والنتيجة من هذه الدراسة أن أياً منهما لم يبحث في التقاليد الإلهية في القرآن بشكل متكامل ومنسجم ولم يصغها صياغة واضحة.
بعض الباحثين في القرآن الذين تناولوا التقاليد التاريخية أو الاجتماعية بعد الشهيد صدر، اهتموا بصياغته وكرروا ما قاله. (حامد مقدم ١٣٦٥: ص ١٤١٩) وبعضهم أكملها. (مصباح یزدی ١٣٩٠: ص ٤٦٧٤٨١؛ رجبی، ١٣٨٢: ص ٢٣٦٤)
٢-١-٢. غياب شروط التقسيم في أشكال التقاليد التاريخية
الأشكال الثلاثة المذكورة تفتقر إلى شروط التقسيم وتتداخل. أساساً، فصل الأشكال الثلاثة مبني على نوع من التصنيف. المقسم في الشكل الأول هو القضية الشرطية، وفي الشكل الثاني القضية الفعلية. أساس التقسيم في هذين الشكلين هو التعليق وعدم التعليق على الشرط. في هذين الشكلين، تكون القضية أو العبارة الدالة شبه مقسمة وموصوفة، بينما في الشكل الثالث، التقليد المصاغ كسيرورة طبيعية، لا يُعتبر قضية ولا يُراعى فيه التعليق أو عدم التعليق على الشرط. الشهيد صدر في هذا الشكل لا يعتبر القضية أو العبارة الدالة على التقليد، بل يصف التقليد نفسه. ومن البديهي أن «العبارة الدالة على التقليد» تختلف عن «التقليد نفسه». وهكذا، فإن حلقات التقسيم متفرقة؛ أي أن القضية الدالة على التقليد والتقليد نفسه، اللذين هما معيار، يُعتبران أيضاً قسماً، وهذا خلط واضح بين الدال والمعيار. كان ينبغي عليه أن يوضح أشكال بيان التقاليد في قسمين فقط، ويقسم التقاليد إلى قسمين: «التقاليد التي لا تقبل التحدي» و«التقاليد التي تقبل التحدي»، ويصف التقاليد التي تقبل التحدي بأنها سيرورات طبيعية.
الرسم البياني أدناه يوضح الشكل الصحيح للتقسيم والصياغة لمستويين من القضايا الدالة على التقاليد والتقاليد المعيارية.

من الجدير بالذكر أنه بالنظر إلى الأبحاث الواسعة التي أُجريت بعد الشهيد الصدر حول السنن التاريخية والاجتماعية للقرآن، وخاصة الدراسات الموسعة للمؤلف، إذا أردنا تصنيف الدلائل والمؤشرات القرآنية المتعلقة بالسنن التاريخية، فإن سلسلة التقسيم ستكون أكثر تفصيلاً وتعقيدًا إلى حد ما مما هو موضح في المخطط أعلاه. وقد عرض المؤلف ذلك في مجموعة أخرى بعنوان «نظام نماذج التعرف وتحليل السنن الإلهية إلى استنباط الاستراتيجيات الأساسية». في هذا الكتاب، تم بناء نموذج لاستخراج البيانات القرآنية، ونموذج لتحليلها، وبعض النماذج الأخرى بناءً على مكونات أكثر بكثير.
٢-١-٣. عدم اكتمال الخاصية الثالثة
ما يُسمى بالحقيقة أو الخاصية الثالثة للسنن التاريخية، وهي «دور اختيار الإنسان في السنن التاريخية»، ليست حقيقة ولا خاصية. هذه المسألة ليست من حقائق السنن التاريخية؛ لأن مجرى جميع السنن التاريخية ليس مشروطًا باختيار وإرادة الإنسان. هناك سنن تتجاوز إرادة واختيار الإنسان.
كما أنه هو نفسه يعدّ أكثر من ثماني آيات تحكي عن سنة الأجل التاريخية. (صدر، ١٤٢١هـ الف: ص ٥٦٥٨) سنة الأجل لكل أمة هي سنة تاريخية لا يلعب اختيار الإنسان وإرادته أي دور في أصلها. وكذلك سنة «تحديد المنسك لكل أمة» (حج: ٦٧) مطلقة وليست خاضعة لإرادة واختيار الإنسان. المراد من مطلقية هاتين السنتين هو مطلقية أصل الأجل وأصل المنسك؛ مع أن التعجيل والتأخير في الأجل ودرجة الالتزام بالمنسك تابعان لاختيار وعمل الأمم، وهذا الأمر لا يتعلق بتحديد الأجل والمنسك، بل يتعلق بفعل الإنسان تجاههما. نسمي السنن مثل سنة الأجل بالسنن المطلقة. والمراد من السنة المطلقة هو أن اختيار وإرادة الإنسان ليسا شرطًا لتحديدها أو مجراها.
ربما كان تركيز الشهيد الصدر على تفسير وجه «الاجتماعية في السنن التاريخية» سببًا لانصراف ذهنه عن إطلاق سنة الأجل على اختيار وعمل الإنسان. وقبل ذلك، كان تركيزه على مفهوم «التغيير»، وازدياد أهمية مفهوم «التغيير» ومساواته بـ«السنن التاريخية»، سببًا لانصراف ذهنه عن السنن المطلقة مثل سنة الأجل. لو لم ينصرف عن هذا الإطلاق، لما كان هناك سبب ليعتبر محور تسلسل الأحداث التاريخية هو فقط إرادة الإنسان (المرجع نفسه، ص ٧٥) ويؤكد أن السنن التاريخية لا تجري فوق رأس الإنسان، بل تجري تحت يده. (المرجع نفسه، ص ٧٦) وهو يرى أن الاستماع إلى ثلاث آيات على النحو التالي كافٍ لهذا الأمر: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» (رعد: ١١)، «وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقًا» (جن: ١٦)، «وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لهم موعدًا للمهلكة» (کهف: ٥٩).
الاستدلال بالآية الأولى يستلزم فرضيات، منها «التساوي المصداقي بين سنة التغيير الداخلي للأقوام والسنن التاريخية»؛ لأنه إذا لم يكن هناك تساوي مصداقي أو تطابق شائع بين السنن التاريخية ومصاديق سنة التغيير الداخلي للأقوام، لكان تصور مجرى السنة التاريخية مستقلًا عن سنة التغيير الداخلي للأقوام ممكنًا. بعبارة أخرى، العلاقة بين السنن التاريخية وسنة التغيير هي علاقة عام وخاص مطلق، وليست تساويًا بحيث يستلزم محورية إرادة الإنسان في مجرى أحدهما محورية إرادة الإنسان في مجرى الآخر.
سنة التغيير أخص من السنن التاريخية. الآية المذكورة تعتبر فقط مصدر عملية تغيير الأقوام هو التغيير الداخلي فيها، ولا تعطي بيانًا عن تكوين الأقوام وأجلها، وهما سنتان تاريخيتان. يستخدم القرآن الكريم في تكوين الأقوام تعبيري «الاستبدال» و«الاستخلاف»، وللانتهاء منها تعبير «الأجل»، وكل منها سنن تحكم التاريخ. إرادة الإنسان لا تلعب دورًا في سنة أصل تكوين الأمم والأقوام وأجلها. في حين أن الشهيد الصدر يعتبر الاستبدال والأجل سننًا وقواعد تاريخية. (المرجع نفسه، ص ٥١-٥٣) كما أن الآيتين الأخريين المشار إليهما من قبله هما أيضًا مصاديق للآية الأولى وأخص منها، ولا تشمل جميع السنن الإلهية.
هذا النقص من جهة يعود إلى منهجيته في فهم فلسفة التقاليد التاريخية التي تم شرحها، ومن جهة أخرى إلى الاستقراء غير الكافي والنقص في استخراج البيانات القرآنية للنظرية. لو أن الشهيد صدر قد اتبع الطريقة التي بيّنها بنفسه، وبدأ أولاً باستخراج وتحليل البيانات القرآنية ذات الصلة، لكان قد وجد العديد من التقاليد التاريخية في القرآن التي لا يلعب فيها اختيار الإنسان وإرادته أي دور في تحقق واستمرار أصلها[1]؛ رغم أنه قد تكون مشروطة بإرادة وعمل الإنسان من جوانب معينة.
٢-١-٤. نقص استخراج البيانات
ذُكر أن صياغات الشهيد صدر تعتمد أيضاً على طريقة استقراء الآيات. هذا الاستقراء يهيئ مجالاً لفهم واسع للدلالات وصياغتها، ويتيح الوصول إلى المعاني والتقاليد المذكورة في القرآن الكريم. أساساً، من الضروري وجود استقراء تام للنظرية؛ رغم أنه في مرحلة ابتكار الأفكار وصياغة الفرضيات التي تُعد خطوات في مسار بناء النظرية، لا يكون الاستقراء التام ضرورياً، ويمكن الوصول إلى الأفكار والفرضيات النظرية ببيانات أقل بكثير(بهمنی؛ منطق پاسخ دهی قرآن؛ ص ١٥٤). لذلك، إذا اعتبرنا “التقاليد التاريخية في القرآن” فكرة أو فرضية في مسار بناء النظرية، فإن ما قدمه الشهيد صدر عنها كافٍ، ولكن إذا نظرنا إليها كمستوى نظرية، فمن المؤكد أن بيانات الشهيد صدر غير كافية. صياغة كاملة للوقائع التي تدل على التقاليد التاريخية في القرآن أو التقاليد المحكية في القرآن تتطلب استقراءً تاماً.
من البديهي أن الشهيد صدر لم تتح له الفرصة اللازمة للتعرف على جميع التقاليد التاريخية في القرآن واستخراجها، ولهذا فإن البيانات القرآنية في أقواله قليلة، وفي بعض الحالات تكون أقواله خالية من الاستشهاد المرجعي بالبيانات القرآنية. على سبيل المثال، يذكر بيانات قرآنية للشكل الأول والثالث، لكنه لا يذكر بيانات قرآنية للشكل الثاني. ويعد بتقديم بيانات قرآنية لهذا الشكل في تحليل عناصر المجتمع(صدر، ١٤٢١هـ الف: ص ٩٤)، ومع ذلك، لا توجد بيانات قرآنية عن الشكل الثاني في بيان عناصر المجتمع.
٣. المكون الثالث: السؤال والحصول على الإجابة من القرآن
تأكيدات الشهيد صدر على الاستفهام والحصول على الإجابة في عملية استنطاق القرآن الكريم تُعبّر أكثر من أي شيء آخر عن مقارنة طريقة التفسير الموضوعي مع طريقة التفسير الترتيبي.
يسمي المفسر الموضوعي بالسائل، الباحث عن الفهم والمتدبر، الذي يتحدث مع نص القرآن بهدف الاستلهام والوصول إلى وجهة نظر ونظرية القرآن الكريم حول الموضوع(المرجع نفسه، ص ٢٩ و ٣٣٣٤). بشكل عام، يتم استنطاق القرآن الكريم من خلال السؤال من القرآن. (المرجع نفسه) أساساً، الاستنطاق بدون سؤال مستحيل؛ كما أنه في بداية بناء النظرية حول التقاليد التاريخية يطرح عدداً من الأسئلة الأساسية(المرجع نفسه، ص ٤٥٤٧).
٣-١. الدراسة والتحليل
يمكن اعتبار “السؤال والحصول على الإجابة من القرآن” جوهر عملية الاستنطاق.
إذا قسمنا أعمال الشهيد صدر البحثية إلى فئتين: أعمال لأجل هدف تمهيدات بناء النظرية، وأعمال لأجل الهدف نفسه وهو بناء النظرية، فإن الاستفهام من القرآن يعد نشاطاً تمهيدياً ولأجل الهدف[2]. المفسر الموضوعي مصحوب بنظام من الأسئلة حول المسألة. السؤال هنا هو كيف وبأي آلية يُصمم هذا النظام من الأسئلة ويُعرض على القرآن. بالرغم من تأكيد الشهيد صدر على الاستفهام والحصول على الإجابة من القرآن، وكذلك طرح بعض الأسئلة حول التقاليد التاريخية(المرجع نفسه، ص ٤٦)، فإن عملية بناء نظريته في نظرية التقاليد التاريخية خالية من طرح الأسئلة والحصول على الإجابات في كل مرحلة. في معظم الحالات، يذهب مباشرة إلى الإجابات.
بما أن الشهيد صدر يقدم الدروس الأربعة عشر في مقام تعليم منهج التفسير الموضوعي ومن ضمنه عملية الاستنطاق في هذا المنهج، فإن طرح الأسئلة المنظمة في كل مرحلة ثم مناقشة الإجابة عليها يزيد من فعالية تعليمه بشكل كبير. وبالنظر إلى النهج التعليمي المذكور، كان من المتوقع أن تُطرح أسئلة كل مرحلة بوضوح. ومع ذلك، خلال بناء النظريات، لا سيما من الدرس الثامن إلى الرابع عشر حيث تُطرح على التوالي بعض السنن أو بدقة أكثر بعض النظريات مثل نظرية «أصالة التغيير الداخلي في تغيير المجتمع»، ونظرية «الدين»، ونظرية «الاستخلاف»، ونظرية «الاستيمان» ونظرية «أصالة تغيير الأنماط المثالية في التغيير الداخلي» في القرآن، لا يوجد أي أثر للأسئلة والأجوبة، بل يتناول مباشرة الإجابات. وهذا الأمر يصعّب فهم أسئلته وبالتالي تحليل كيفية سير عملية بناء النظريات.
إن تعليم مهارة طرح الأسئلة يلعب دورًا حاسمًا في تقدم البحث. فتعليم وتعلم طرح الأسئلة العلمية أمر استراتيجي في البيئات التعليمية والبحثية [3].
لو أن الشهيد صدر، كما يؤكد على الاستفهام والحصول على الإجابة، كان يطرح في بداية كل موضوع الأسئلة المتعلقة به، لتشكل عملية واضحة من طرح الأسئلة والاجتهادات التي يقوم بها للإجابة عليها، ولُفهم تطور وأسباب مناقشاته المتتابعة والمتنوعة بشكل أعمق. وبغياب هذه الأسئلة، تظل أقوال الشهيد صدر صامتة من هذه الناحية، وفهم أن كل خطوة في بناء نظريته نابعة من أي سؤال، يتطلب استنطاق نصه. ومن البديهي أن الوصول إلى أي مستوى من المعرفة يثير انتباهات خاصة في العالم والباحث، وهذه الانتباهات بدورها تولد أسئلة جديدة. وعندما يطرح الباحث في تفسير كل مرحلة من بحثه ونظريته أسئلة خاصة بتلك المرحلة، يدرك المتلقون إلى أي مستوى من المعرفة وصل، وما هي المجهولات والثغرات والتحديات التي واجهها في ذلك المستوى؛ لأن الأسئلة هي ترجمة للثغرات والتحديات.
عدم معرفة أسئلة الباحث يجعل فهم سبب الانتقال من موضوع إلى آخر، والجهود والأسباب وراء ما يقدمه من معارف أمرًا صعبًا. وهذا الأمر يزداد أهمية نظرًا لمدى تأثير الشهيد صدر ونفوذه بين العلماء والباحثين في مجال القرآن. لو كان تفسيره في نظرية السنن التاريخية مصحوبًا بسير منتظم من الأسئلة، لكان بلا شك قد حقق تقدمًا وتطورًا هائلين في المعرفة ومهارة بناء النظريات بين الباحثين في القرآن. غياب الأسئلة المتوقعة في كل خطوة من تفسير النظرية، وبالتالي عدم بيان آلية طرح الأسئلة في كل مرحلة، هو فقدان مهم. على سبيل المثال، ليس واضحًا ما هي الأسئلة التي صاحبت الباحث والتي دفعته بعد إثبات وجود السنن التاريخية في القرآن إلى التطرق بالتتابع إلى سنة الدين، وسنة التغيير، وسنة الاستخلاف، وسنة الاستيمان، ثم الأنماط المثالية. كانت الأسئلة الدقيقة والمنطقية والمناسبة لكل مستوى من نتائج المعرفة عند الشهيد صدر، والتي تعد بمثابة الدافع لكل خطوة علمية له، يمكن أن تساعدنا في تحليل مصدر التحولات والتطورات المعرفية لديه في تفسير النظرية. (انظر: رشاد، ١٣٨٩: ص ١٢٠-١٢١؛ غياب الأسئلة في بعض تفسيرات نظرية الابتناء جعل هذه النظرية غامضة للحكام).
٤. المكون الرابع: الوصول إلى مدلولات تفصيلية
يرى الباحث أن منهج التفسير الموضوعي يتطلب الوصول إلى مدلولات جزئية أو تفصيلية للآيات المتعلقة بالمسألة (صدر، ١٤٢١هـ الف: ص ٢٤). تكمن أهمية المدلولات التفصيلية في إمكانية التوصل من خلال جمعها إلى نظرية قرآنية (المرجع نفسه، ص ٢٤ و ٣٤). في عملية استنطاق القرآن الكريم، يتطلب الوصول إلى المدلولات التفصيلية دراسة شاملة لكل القرآن، أي استقراء تام، وهو من أطول عمليات بناء النظريات؛ كما يؤكد بعض المفسرين الكبار المعاصرين هذا الأمر، بل إنهم لا يرون أن دراسة كل القرآن كافية (جوادی آملی، ١٣٨٦، ص ٧٢). فالاستقراء التام أو الرجوع إلى كل القرآن شرط لازم لنسبة شيء إلى القرآن الكريم والإسلام، لكنه ليس شرطًا كافيًا.
أساساً، مدى الوصول إلى الدلالات التفصيلية مرتبط بمدى دراسة البيانات القرآنية المتعلقة بالمسألة؛ فكلما زادت دراسة البيانات القرآنية في نطاق أوسع، تهيأت الأرضية لاكتشاف وجمع دلالات تفصيلية أكثر. ومع ذلك، العلاقة السببية بين هذين الأمرين ليست علاقة تامة؛ لأنه قد يحدث، رغم الدراسة وحتى الاكتشاف والجمع الكثيف للبيانات، لأسباب متعددة منها العجز في الاستنباط، أن تُستخلص دلالات أقل. ومع ذلك، كما ذكرنا، عادةً ما يكون هناك علاقة مباشرة وتزايدية بين مدى الدراسة وحجم جمع البيانات من جهة، ومدى الدلالات التفصيلية من جهة أخرى. عندما يسعى المفسر للوصول إلى الدلالات التفصيلية للقرآن، فإنه يبذل كل قدراته التخصصية ليصل بتفسير شامل واجتهادي إلى هذه الدلالات التفصيلية. في التفسير الشامل الاجتهادي، يمكن اعتماد أي طريقة أو قاعدة بشرط أن تكون ذات اعتبار وحجية.
يستشهد الشهيد صدر في شرح نظرية السنن التاريخية من البداية إلى النهاية بمجمل ١٠١ آية. تبدأ البيانات القرآنية المذكورة بآيات ٢٧ من لقمان و١٠٩ من الكهف (صدر، ١٤٢١هـ الف: ص ٣١) وتنتهي بآية ٧٢ من طه (المرجع نفسه، ص ١٩٧).
٤-١. الدراسة والتحليل
لا يقدم المنظر أبداً بياناً منفصلاً حول الدلالات التفصيلية. بمعنى أنه لا يبدأ ببيان البيانات القرآنية ثم يجمع كل دلالات كل بيانات حول المسألة المستنبطة، ثم يصوغها ويركبها. هو لا يسعى لهذا العمل أيضاً. يذكر أنه لا ينوي الخوض في التفاصيل ويريد أن يختصر النقاش ليصل إلى المواضيع المهمة (المرجع نفسه، ص ٤٦).
لا يرافق الشهيد صدر استنتاجاته من الآيات ببيان أوجه الدلالة. كأنه قد استنبط الدلالات التفصيلية واحدة تلو الأخرى وشرح وجه دلالتها، والآن هو فقط يعرض النتائج. بهذا الشكل، الجانب الفني والتقني في التعرف على البيانات القرآنية واستخراجها، وكذلك عملية الاجتهاد في هذه البيانات، خاصة وجه دلالة كل بيانات على الدلالات التي يهدف إليها، غير واضح. ونتيجة لذلك، يصبح التعلم المنهجي لهذه العملية أكثر صعوبة.
أظهرنا سابقاً أن عدم توضيح أوجه الدلالة هو إحدى الحلقات المفقودة في نظريته. توضيح كيفية الوصول إلى الدلالات التفصيلية يضع الجمهور والمجتمع العلمي في صورة العناصر والتفاصيل التي تؤدي إلى النظرية. إذا لم يصاحب توضيح المنظر أوجه الدلالة، كما هو الحال، فإن الدلالات المنافسة حول البيانات المذكورة، وحتى الدلالات المتناقضة مع ما يدعيه، تجعل قبول دلالاته التفصيلية وبالتالي النظرية الناتجة عنها يواجه تحديات جدية. على سبيل المثال، حين يُحدد مصداق “الأمانة” في آية الاستيمان على يد الشهيد صدر بـ”الخلافة”، فإنه لا يقدم أي دليل لهذا التفسير المعنوي. مع أن الآية محل خلاف شديد. كما ذكرنا سابقاً، أقام بعض المفسرين ستة أدلة لإثبات أن آية الاستيمان لا علاقة لها بآية الخلافة (جوادی آملی، ١٣٨٩، ج ٣: ص ١١٤١١٥). هذا الخلاف يزيد من ضرورة ووجوب إعادة بناء آلية الوصول إلى الدلالات التفصيلية بشكل منهجي ومتخصص تماماً [4]. وبما أن المنظر لا يوضح أوجه الدلالة ولا نملك أفعاله الدلالية، فإن دراسة وتحليل ذلك يصبحان صعبين جداً.
علاوة على ذلك، لا تزال بعض الأبعاد المهمة للنظرية غير واضحة ولم يصل استنطاق القرآن بشأنها إلى حد الكفاية. على سبيل المثال، تطبيق النظرية مرتبط بآلية التنبؤ بالأحداث المستقبلية من خلالها، وهو أمر لا يتناوله المنظر.
الخاتمة
١- بالاستناد إلى أقوال الشهيد صدر، يمكن اعتبار تسع عمليات للتفسير الموضوعي، يكون استنطاق مرحلة الرجوع إلى القرآن واحدة منها.
٢- بالاستناد إلى أقوال الشهيد صدر، يمكن اعتبار أربعة مكونات لعملية الاستنطاق: ١. اعتماد مبادئ وقواعد عامة للتفسير، ٢. استخراج البيانات القرآنية، ٣. طرح الأسئلة وتلقي الإجابات، ٤. الوصول إلى الدلالات التفصيلية.
٣- في تطبيق المكوّن الأول، وهو اعتماد المبادئ والقواعد العامة للتفسير، تظهر ثلاث نواقص: أولاً: عدم بيان المبادئ والقواعد العامة للتفسير بشكل منفصل، ثانياً: تجاهل بعض القواعد والمبادئ في التفسير، ثالثاً: عدم توضيح وجه دلالة المعطيات القرآنية على المدلولات المقصودة بناءً على القواعد والمبادئ المذكورة. يمكن تبرير النقص الأول، لكن النقصين الثاني والثالث يعرقلان فهم الاستدلالات النظرية للمؤلف في شرح مكونات النظرية ويجعلان تبرير النظرية بشكل كامل أمراً صعباً.
٤- عند دراسة المكوّن الثاني للاستنطاق، وهو «استخراج المعطيات القرآنية»، نصل إلى أربعة أمور: أولاً: صياغة غير مسبوقة ومبتكرة، ثانياً: تداخل الأصناف في الأشكال الثلاثة للتقاليد التاريخية، ثالثاً: تجاهل التقاليد المطلقة، رابعاً: عدم توثيق الشكل الثاني من التقاليد التاريخية بالقرآن.
٥- المكوّن الثالث، وهو «طرح السؤال والحصول على الجواب»، يُنفذ بشكل عام. طرح الأسئلة المتعلقة بكل مرحلة من مراحل النظرية، لا سيما في مقام تعليم النظرية، أمر ضروري. المؤلف يطرح أسئلة في جزء من كلامه فقط، ولكن قبل الدخول في كل موضوع، لا نشهد طرح أسئلة من قبله.
٦- تطبيق المكوّن الرابع للاستنطاق، وهو «الوصول إلى المدلولات التفصيلية»، يتطلب الرجوع إلى كامل القرآن والوصول إلى كل المدلولات ذات الصلة. مستندات نظرية التقاليد التاريخية تفوق بكثير ما يُطرح في شرح النظرية. بالإضافة إلى ذلك، تبقى بعض الأمور بدون استناد.
٧- بلا شك، لو كانت نظرية التقاليد التاريخية في القرآن مصحوبة ببيان تفصيلي لوجه دلالة المعطيات القرآنية على المدلولات المقصودة، لكانت النظرية المقدمة أكثر تبريراً بكثير.
٨- لا تزال بعض الأبعاد المهمة جداً للنظرية، مثل آلية التنبؤ بالأحداث المستقبلية بواسطة النظرية، غير واضحة، والاستنطاق القرآني في هذا الشأن غير كافٍ.
قائمة المراجع
1. بهمنی، سعید(1394)، منطق پاسخ دهی قرآن، قم: پ ژوهشگاه علوم و فرهنگ اسلامی.
2. بهمنی، سعید(1397)، نظریه پردازی قرآن بنیان: رهیافتهای توسعه روش نظریه پردازی قرآن بنیان سید محمدباقر صدر، قم: پ ژوهشگاه علوم و فرهنگ اسلامی.
3. جوادی آملی، عبدالله(1386)، منزلت عقل در هندسه معرفت دینی، المحقق: احمد واعظ ی، قم: مرکز نشر إسراء.
4. جوادی آملی، عبدالله(1389)، تسنیم تفسیر قرآن حکیم (تفسیر ترتیبی ج ٣)، المحقق: احمد قدسی، قم: مرکز نشر إسراء.
5. حامدمقدم، احمد(1365)، سنتهای اجتماعی در القرآن الكريم، مشهد: بنیاد پ ژوهشهای اسلامی.
6. رجبی، محمود(1383)، ;قانون مندی جامعه و تاریخ: مبانی فلسفه تاریخ در قرآن:، تاریخ در آیینه پژوهش، العدد ۲، ص ۲۳۶۴.
7. رشاد، علیاکبر(1389)، نظریه ابتناء: برساختگی تکون و تطور معرفت دینی بر تأثیر تعامل متناوب متداوم مبادی خمسه، تهران: سازمان منشورات پژوهشگاه فرهنگ و اندیشه اسلامی.
8. صدر، سید محمدباقر(1421ق)، الف: المدرسة القرآنیة التفسیر الموضوعی للقرآن الکریم (موسوعة الشهید الصدر، ج ١٩)، قم: مرکز الأبحاث والدراسات التخ صصیة للشهید الصدر.
9. صدر، سید محمدباقر(1421ق)، ب: المعالم الجدیدة للأصول، قم: مرکز الأبحاث والدراسات التخ صصیة للشهید الصدر.
10. صدر، سید محمدباقر(1421ق)، ج: بحوث فی شرح العروة الوثقی، اربع مجلدات، قم: مرکز الأبحاث والدراسات التخصصیة للشهید الصدر.
11. صدر، سید محمدباقر(1421ق)، د: دروس فی علم الأصول: ثلاث حلقات، قم: مرکز الأبحاث والدراسات التخصصیة للشهید الصدر.
12. صدر، سید محمدباقر(1389)، فلسفتنا، قم: دارالصدر.
13. طباطبایی، سید محمدحسین(1417ق)، المیزان فی تفسیر القرآن، قم: جامعه مدرسین حوزه علمیه قم.
14. طبرسی، فضل بن حسن(1372)، مجمع البیان فی تفسیر القرآن، تهران: منشورات ناصر خسرو.
15. کلینی، محمدبن یعقوب(1365)، اصول الکافی، تهران: دارالکتب الاسلامیة.
16. مصباح یزدی، محمدتقی(1390)، جامعه و تاریخ در قرآن، قم: مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمینی.
[1]يمكن الاستفادة من النموذج المنسوب إلى الإمام الصادق في توضيح مسألة «القضاء والقدر» و«الجبر والاختيار» في بيان ما إذا كانت السنن التاريخية اختيارية أو إجبارية، واعتبارها «مرتبة بين المرتبتين» أو «أمر بين الأمرين». بمعنى أن السنن التاريخية هي أقضية إلهية، والوجود والأقدار للأشياء وعلاقاتها تعبر عن أمر ليس كله جبريًا ولا كله اختياريًا، بل هو أمر بين الجبر والاختيار. (ر. ک: کلینی، ١٣٦٥، ج ١: ١٥٩ـ١٦٠)
[2]هذا التعبير هو تمثيل لما يذكره بعض المتخصصين في علم النفس والإدارة حول النشاط من أجل الهدف والنشاط الهدف. على سبيل المثال، إشباع الجوع هو هدف. عندما يقوم شخص ما بأنشطة تأمين الطعام، فإنه يؤدي أنشطة من أجل الهدف، وعندما يبدأ في تناول الطعام، فإنه يؤدي النشاط الهدف ذاته.
[3]اليوم نواجه في إجراء البحوث طرح أسئلة ليست دقيقة جدًا. العجز في طرح السؤال أو طرح أسئلة خام – كما يُرى في العديد من الرسائل والبحوث – لا يحقق التقدم المتوقع في الإنجازات العلمية. لذلك، إن طرح السؤال نفسه يعتمد على معرفة ومهارة يجب أن يتعلمها المعلمون والأساتذة، وأن يتقنها الطلاب بشكل مؤكد.
[4]يرى الكاتب أن إصلاح هذا النقص في بناء النظريات يتطلب إنشاء نموذجين لـ «اكتشاف وجمع البيانات» و«تحليل واستنباط الدلالات التفصيلية»، وقد شرح ذلك وقدم نموذجًا له في كتابه «بناء نظرية القرآن».

