منهجية اكتشاف النظرية الاجتماعية في القرآن من منظور آية الله الشهيد سيد محمد باقر (رحمه الله)

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: روش‌شناسی کشف نظریه اجتماعی قرآن از منظر آیت الله شهید سیدمحمد باقر (ره) ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: في هذا المقال، تم تناول «منهجية اكتشاف نظرية الاجتماع القرآني» من منظور الشهيد صدر (رحمه الله). من بين أكثر النماذج فاعلية في هذا المجال، نموذج التأسيس الذي وضعه الشهيد صدر والذي يُعرف بـ«المنهج الموضوعي» أو «فقه النظريات». النتيجة الأساسية للبحث هي أن الأسلوب التحليلي في فهم القرآن كان العائق الرئيسي أمام صياغة النظريات الاجتماعية القرآنية وتأسيس علم الاجتماع الإسلامي. إن استخلاص واكتشاف النظرية القرآنية في مختلف ميادين حياة الإنسان يصبح ممكنًا عندما تُفحص آيات القرآن في إطار نموذج منهجي، اجتماعي ومنتج. المقصود بالنموذج المنهجي الاجتماعي هو ترسيخ منهجية بحث قرآني تعتمد على أن عملية النظرية تتجاوز استنباط الأحكام الفردية لتتجه نحو مهمة أهم وهي اكتشاف واستنباط الأُطُر الكبرى والأساسية للنظرية القرآنية في مختلف مجالات حياة الإنسان مثل الاقتصاد والسياسة والثقافة وغيرها. في هذا المقال، تم إعادة بناء هذا النموذج المنهجي للشهيد صدر باستخدام المنهج التحليلي-الاستنباطي.

المؤلف: محمدعلی نظری

المصدر: بلاغ، خريف وشتاء 1396، العدد 53 و54، ص 11 إلى 30.

‌‌‌المقدمة

القرآن الكريم هو المصدر الأساسي لإنتاج المعرفة والعلم في الإسلام. ذلك أن باقي المصادر المعرفية الإسلامية إما تستمد اعتبارها ومرجعيتها من القرآن أساسًا، أو تزدهر وتتفتح في ظل العقلانية القدسية للقرآن. وعلى هذا الأساس، يشكل القرآن روح الثقافة وأساس الحضارة الإسلامية، ولا يمكن أن تقوم حضارة إسلامية إلا بمحورية القرآن الكريم. إن المكانة المركزية للقرآن في هندسة المعرفة الإسلامية جعلت فهم وتفسير هذا الكتاب المقدس محل اهتمام دائم للمفكرين الإسلاميين، ولدى التراث الإسلامي تقليد طويل وثري في التفسير والتأويل. إلا أن الفهم والتقليد التفسيري القائم يعاني من نقائص جوهرية، والتي، بحسب تعبير الشهيد صدر، أدت إلى ركود الفكر الإسلامي في مجال فهم القرآن(صدر‌، 1424‌: ص 18).

أهم نقص يمكن الإشارة إليه هو عدم ارتباط التقليد التفسيري الكافي بواقع الحياة الاجتماعية. ففي التقليد السائد، يتركز جهد المفسرين غالبًا على توضيح الدلالات اللفظية، وكشف البلاغة والجوانب الأدبية، بدلاً من استنباط وصياغة نظرية قرآنية تتعلق بمجالات الحياة (صدر، 1381: ص 23). مع أن القرآن كتاب «الهداية» (آل عمران، 138‌) و«التبيان الشامل» (نحل، 89) لكل حاجات البشر. إلا أن الجهد لاكتشاف نظرية القرآن ظل هامشيًا في ظل اهتمام التقليد التفسيري السائد.

نقص مهم آخر هو غياب علم منسجم ومنهجي حول منهجية فهم القرآن. رغم أن تقليد التفسير يمتد عبر تاريخ الإسلام، إلا أن فهم القرآن لا يزال يفتقر إلى منهجية ومنهج محدد؛ بحيث يمكن القول إن عدد طرق البحث في القرآن يتنوع ويختلف بقدر عدد المفسرين وباحثي القرآن (رشاد، 1388: ص 261). بلا شك، لقد استخلص المفكرون المسلمون العديد من الأفكار العميقة من القرآن الكريم، لكن المشكلة تكمن في أن هذه النتائج، في غياب إطار منهجي محدد، تجلت غالبًا كمعلومات متفرقة وغير منسقة، دون أن تتمكن من تحديد نظرية القرآن في كل مجال من مجالات الحياة (صدر، 1381: ص 23). ولهذا السبب، فإن اكتشاف نظرية القرآن هو الحاجة الكبرى في الظروف المعاصرة (صدر، 1424، ص 37).

يمكن القول بنظرة أدق إن النقص الأول، وهو الإغفال عن اكتشاف نظرية القرآن، ناشئ عن النقص الثاني وهو الفراغ المنهجي في باب فهم القرآن. ليس الأمر أن المفسرين لم يتناولوا القضايا الاجتماعية في القرآن، بل على العكس، فإن العديد من المصادر التفسيرية مليئة بالمعارف والتعليمات الاجتماعية؛ لكن هذه البيانات المتراكمة وغير المنظمة، لا يمكنها تفسير حقائق الحياة الموضوعية للناس وتقديم حلول لمشاكلها إلا إذا عُرضت في إطار نظم نظرية منظمة. وهذا الأمر لا يتحقق إلا في ضوء المعرفة المنهجية. لذلك، فإن استنباط نظرية اجتماعية للقرآن وتعميق الأساليب المنهجية لهما عاملان رئيسيان في تطوير وتقدم الفكر (صدر، 1224: ص 65-67). بناءً عليه، فإن الاهتمام بالمنهجية في مجال فهم وتفسير القرآن موضوع حيوي، وبدونها لا يمكن ربط هذا الكتاب الهادي بحياة الناس. وبالنظر إلى الضرورات المذكورة، تهدف هذه الدراسة إلى تقديم نموذج لفهم واكتشاف نظرية القرآن في مجال العلوم الاجتماعية باستخدام إمكانيات المنهجية لدى الشهيد صدر.

1. نظرية القرآن

من وجهة نظر الشهيد صدر، يمكن القيام بعملين رئيسيين في التفاعل مع النصوص الدينية؛ الأول استنباط الأحكام الفردية، والثاني استخراج النظريات. الأول هو فقه الأحكام، والثاني أطلق عليه بعض المفكرين اسم فقه النظرية. مهمة فقه الأحكام هي بيان مجموعة من الأحكام الشرعية التي موضوعها السلوك والواجبات الفردية المستنبطة من النصوص الدينية؛ أما فقه النظرية أو النظرية المستندة إلى النصوص الإسلامية، فهو فهم نصوص الشريعة بهدف اكتشاف واستخلاص النظريات الإسلامية في مجالات مختلفة يُتوقع أن يلعب الدين فيها دور الوصاية (الرفاعی، 1422، ص125). المقصود بنظرية القرآن هو بنية فكرية مركبة من مجموعة من المبادئ والأسس والآراء والمفاهيم والأحكام المرتبطة ببعضها، والتي تحدد موقف القرآن الكريم في أحد المجالات المتعلقة بالإنسان والمجتمع والوجود (صدر‌، 1424‌، ص27).

2. المنهجية

أصالة وموثوقية أي بحث علمي تتعلق بمنهجيته. حسب النظرة العالمية والبارادايم الفكري السائد في المجتمع العلمي، يتجه البحث العلمي باتجاه معين. بمعنى آخر، في كل معرفة علمية توجد فروض فلسفية وبارادايمية محددة تُوضح بناءً عليها طريقة البحث أو كيفية الدخول إلى الواقع والخروج منه. هذه الأسس البارادايمية، من خلال رسم مسار البحث العلمي وتحديد الأهداف، تشرح كيفية تحرك الباحث في مسار البحث. دراسة الأسس والافتراضات الفلسفية والبارادايمية السائدة في عملية اكتساب المعرفة تشكل موضوع المنهجية. لذلك، المنهجية هي نموذج يُعرض فيه المبادئ النظرية والإطار الذي يجب أن يُجرى فيه البحث العلمي ضمن سياق بارادايمي معين (ایمان، 1391: ص، 39).

المنهجية تختلف عن الطريقة. الطريقة هي المسار الذي يسلكه الباحث في سيره العلمي، والمنهجية هي علم آخر يدرس هذا المسار. المنهجية كعلم، رغم تأثرها بموضوعها، تتأثر أيضاً بأسس المعرفة والوجود، وكذلك بالمبادئ النظرية والبنية المعرفية للمنهجي وهدفه المعرفي. لا توجد معرفة بدون طريقة، لأن العالم أثناء تحركه الفكري نحو المجهولات يسلك طريقاً هو طريقته، فالطريقة توأم المعرفة؛ لكن المنهجية كعلم جديد متأخر عن الطريقة (پارسانیا: 1388‌، ص40‌).

3. العلاقة بين النظرية والمنهج

رغم أهمية العلاقة بين المنهج والنظرية، إلا أنها لم تُدرس بدقة وتفصيل في مصادر كثيرة (حقیقت، 1391: ص43). كل نظرية اجتماعية، حسب نظرتها إلى موضوع دراستها، تهيئ مجال استخدام المنهج المناسب والمتوافق معها. بعض النظريات لا تترك مجالاً لاستخدام الطرق العقلية أو الحدسية أو النوعية، كما أن بعضها الآخر لا يتوافق مع الطرق الكمية والتجريبية. إذا شبهنا العلم بالكائن الحي، فالنظرية هي قلبه، والمنهج المستخدم في كل علم هو النظام والشبكة الوعائية التي تربط القلب بالمجالات العلمية المختلفة وموضوعاتها. كما أن لكل قلب نظام وعروق مناسبة له، فإن لكل نظرية، من حيث التطبيق، مناهج خاصة بها (حقیقت، 1391: ص 46).

النظريات كما تفرض استخدام طرق معينة في التطبيق، فإن إنتاج النظريات يتطلب أيضًا طرقًا مناسبة له. بعبارة أخرى، يمكن دراسة العلاقة بين النظرية والطريقة من جانبين مختلفين. مرة يمكن دراسة العلاقة بين النظرية والطرق التي تجعل تطبيق النظرية في البحث ممكنًا؛ ومرة أخرى، بغض النظر عن الطرق التي تتناسب معها النظريات بعد إنشائها في التطبيق، يُبحث في الطرق التي استُخدمت لإنتاج وإنشاء النظريات العلمية نفسها. هذان المستويان من النقاش يعكسان علاقات مختلفة بين النظرية والطريقة. وما هو مؤكد أن القرآن يحتوي على العديد من النظريات حول الحياة الاجتماعية للبشر، والتي يجب استخراجها وتطبيقها في الحياة الجماعية باستخدام الطرق المناسبة.

4. منهجية موضوعية أو واقعية

منهجية الاستنباط التي أسسها الشهيد الصدر لاكتشاف واستخلاص النظرية من النصوص الإسلامية وردت تحت عناوين مختلفة مثل: المنهج الموضوعي، المنهج الواقعي، والفقه النظري (الرفاعی، 1422: ص124-125). الرؤية التي يطرحها الشهيد الصدر في فهم واكتشاف نظريات القرآن، وإن كانت تظهر بشكل محدود في جهود المفكرين قبله، إلا أنه بلا شك أول مفكر تحدث بتفصيل وبطريقة منهجية عن كيفية اكتشاف النظرية الإسلامية، وبناءً على منهجه المبتكر والمبدع، قام عمليًا باستنباط وصياغة النظرية الإسلامية في ميادين مثل الاقتصاد، المجتمع، التاريخ والسياسة. قبل الشهيد الصدر، كان الفكر الإسلامي يتحرك غالبًا ضمن دائرة المنهج الموروث، الذي غالبًا ما يقدم إجابات متكررة على الأسئلة والقضايا. في المنهج الموروث، لم يكن من الممكن اكتشاف فضاءات وقدرات جديدة يمكن من خلالها التفكير والتأمل في حقائق الحياة الجديدة، ولا استجواب القرآن والسنة بغرض بيان الرؤية الإسلامية المطلوبة. لكن مع المنهج التأسيسي للشهيد الصدر، يمكن من خلال “الاستنطاق” وطرح أسئلة جديدة في كل عصر، تحديد نظرية الإسلام تجاهها. هذا المنهج يحرر الفكر الإسلامي من الجمود والمرض المزمن للتقليد، ويوضح نظرية الإسلام في مواجهة المدارس الفكرية الأخرى. باختصار، بناءً على منهجية الشهيد الصدر، يمكن تصور الدين كنظام شامل يتناسب مع ظروف كل العصور والأمكنة، ويضع خططًا وبرامج وآراء لإدارة جميع شؤون حياة البشر (الرفاعی، 1422: ص 68).

 

1. ماهية المنهج الموضوعي

يشرح الشهيد الصدر نموذجه المنهجي التأسيسي الذي يسميه موضوعيًا أو توحيديًا، مقابل المنهج السائد الذي يسميه المنهج التحليلي. قبل شرح المنهج الموضوعي، يقدم تعريفًا للمنهج التحليلي ويبيّن نقائصه. في المنهج التحليلي، يتقدم مفسر النصوص وفق ترتيب آيات القرآن، ويشرحها باستخدام أدوات موثوقة. في هذا المنهج التفسيري، يفسر المفسر كل آية على حدة ولا يتجاوز حدودها. ونتيجة لذلك، ما يُنتج من هذا المنهج التفسيري هو معارف قرآنية متفرقة ومنفصلة، دون الوصول إلى النظرية النهائية للقرآن حول موضوع معين (صدر، 1381: ص22). في هذا المنهج، يلعب المفسر دورًا سلبيًا وانفعاليًا، حيث لا يكون لديه خطة أو برنامج مسبق، بل يكون في حضرة القرآن فقط. ومهمته تقتصر على الاستماع إلى كلام القرآن وتفسير الآيات بناءً على التركيز فقط على الكلمات والدلالات اللفظية لها. لذلك، يبدأ التفسير في هذا المنهج من نص القرآن وينتهي إليه (صدر، 1381: ص31‌).

أما المنهج التأسيسي للشهيد الصدر، الذي يسميه أحيانًا المنهج التوحيدي وأحيانًا المنهج الموضوعي، فإن المفسر بدلاً من تفسير كل آية على حدة، يسعى للوصول إلى نظرية القرآن حول موضوع معين سواء كان عقائديًا، اجتماعيًا، اقتصاديًا أو غير ذلك (صدر، 1381: ص25). في هذا المنهج، لا يبدأ المفسر عملية التفسير من نص القرآن، بل يولي اهتمامًا أولًا لحقائق حياة الإنسان ولكل التجارب البشرية، ويعرض التراث الفكري والأفكار الإنسانية حول موضوع ما على القرآن. في النموذج المنهجي الموضوعي أو الواقعي، يقدم الباحث الأسئلة والافتراضات التي استقاها من المعارف البشرية أو من مواجهة حقائق الحياة الواقعية، بناءً على نموذج الحوار أو التفاعل المبني على “هيكل السؤال والجواب” في حضرة القرآن، ليتمكن في النهاية من الحصول على نظرية القرآن حول موضوع البحث (صدر، 1381: ص 32). في هذا المنهج، مفهوم “الاستنطاق” المستلهم من أقوال الإمام علي (عليه السلام) (كلینى، 1407‌ ق‌‌: ص 61‌) هو مفهوم مركزي، ويعتقد الشهيد الصدر أن هذا التعبير من الإمام هو تعبير دقيق عن المنهج الموضوعي في القرآن. المفسر الموضوعي ملزم بأن يدخل في “حوار مع القرآن” ليجعل هذا النص الإلهي يتكلم، وبإضافة التجارب البشرية إليه، يدرس جميع الآيات المتعلقة بالموضوع بشكل جماعي (صدر، 1381‌: ص 33‌). لذلك، الحوار في فكر الشهيد الصدر المنهجي له مكانة خاصة. في نظريته، يتم تفسير نصوص القرآن بناءً على الحوار بين المفسر والقرآن. في هذا المنهج التفسيري، بعد دراسة الحقائق والمواضيع الخارجية الموجودة في حياة البشر من جهة، والتعرف على التجارب البشرية المتشكلة حولها من جهة أخرى، يجلس المفسر في حوار مع القرآن بناءً على هيكل السؤال والجواب. يستمر هذا الحوار حتى يتم التوصل إلى وحدة بين التجارب البشرية والمعارف القرآنية، وتُستخلص “نظرية القرآن” حول موضوع البحث (صدر، 1381، ص34).

استنادًا إلى ما ذُكر، يتضح سبب تسمية هذه الطريقة بالموضوعية والتوحيدية. تُسمى هذه المقاربة «موضوعية» لأنها من جهة يبدأ الباحث التفسير من الموضوع والواقع الخارجي، ومن جهة أخرى يجمع الآيات القرآنية المرتبطة بذلك الموضوع ويفسرها. كما تُسمى هذه المقاربة «توحيدية» لأنها تمتلك القدرة على توحيد الخبرات البشرية مع المعارف القرآنية لاستخلاص نظرية القرآن. كذلك يسعى المفسر في هذه الطريقة إلى إيجاد وحدة في جميع مدلولات الآيات المرتبطة ببعضها البعض لتحقيق نظرية القرآن (صدر، 1424: ص 28-29).

من وجهة نظر الشهيد الصدر، لا تقتصر الطريقة الموضوعية على فهم وتفسير النصوص القرآنية فقط، بل يمكن أن تُطرح كطريقة عامة للعلم الديني والنظرية في جميع فروع العلوم الإنسانية والاجتماعية مثل الاقتصاد، المجتمع، السياسة، الحقوق وغيرها. فقد استطاع الشهيد نفسه، بالاعتماد على هذه الطريقة وتعميمها في الدراسات الإسلامية، أن يعرض ويضع نظريات الاقتصاد الإسلامي في كتاب «اقتصادنا»، والنظرية الإسلامية في المعاملات البنكية في كتاب «البنك الربوي في الإسلام»، ونظرية الإسلام في فلسفة التاريخ في «سُنن التاريخ في القرآن»، ونظرية الإسلام في المجتمع في «المدرسة القرآنية»، والنظرية السياسية الإسلامية في كتاب «الإسلام يقود الحياة». ويدعو المفكرون الإسلاميون إلى ضرورة تبني المنهج الواقعي والموضوعي في جميع ميادين العلوم الإنسانية؛ لأنه كان يعتقد أن الطريقة الموضوعية هي الطريقة الوحيدة التي تمنح الباحث القدرة على النظرية، وتتيح له إمكانية صياغة المواقف النظرية للإسلام تجاه مختلف جوانب الحياة البشرية (بری، 1422: ص 28). لذلك، فإن المنهج الموضوعي لا يقتصر على مجال معرفي خاص، بل يسعى إلى رفع الاجتهاد الديني في كليته إلى مستوى النظرية. ومع ذلك، ونظرًا لأن أهمية آرائه لم تحظَ بعد باهتمام العلماء المسلمين، فقد بقيت بلا نتائج عملية في مجال العلوم الإنسانية. وهذا في حين أن منهجية الشهيد الصدر تقدم منهجية متعالية للعلم الإسلامي (ایمان، 1392: ص 605).

2. مكونات المنهجية الموضوعية

يمكن رسم مكونات المنهجية الموضوعية لاكتشاف النظرية الاجتماعية للقرآن من وجهة نظر الشهيد الصدر (ره) على النحو التالي:

1-2. الواقعية

يعتبر الشهيد الصدر أن أهم خصائص منهجه التأسيسي هي موضوعيته أو واقعيته. المقصود بالموضوعية أو الواقعية هو أن عملية اكتشاف النظرية الإسلامية تبدأ من موضوع واقعي إلى النص. على عكس المنهج التحليلي الذي تبدأ فيه الخطط البحثية من داخل النص وتنتهي بالنص، فإن المنهج الموضوعي يبدأ البحث من حقائق الحياة وينتهي بالأحكام والقوانين والعبارات الدينية. تتيح هذه الطريقة للباحث دراسة الموضوعات الخارجية التي تفيض بها وقائع الحياة ليحصل على الموقف النظري للإسلام تجاهها من النصوص. في هذه المقاربة، نقطة البداية وحركة البحث هي الموضوع الخارجي، وبعدها يدخل الباحث في حوار مع القرآن والسنة لاستخلاص نظرية إسلامية شاملة في ذلك الموضوع (صدر، 1424: ص 19). ينظم الباحث في إطار المنهج الموضوعي بحثه على فرضية أن الدين الإسلامي نظام شامل لا يفصل الواقع عن الذهن، ولا الحياة عن العقيدة، ولا الجانب الاجتماعي عن المحتوى الروحي والمعنوي. لذلك، يركز الباحث بشكل رئيسي على إيجاد حلول للمسائل والأسئلة التي يواجهها في سياق الواقع والحياة من خلال النصوص الإسلامية. لأن من هذا المنظور، الإسلام ليس منفصلًا أو معزولًا عن حقائق حياة الإنسان، بل هو نظام شامل يقدم نظرية وحلولًا لكل جوانب الحياة البشرية (بری، 1422: ص38).

2-2. الفهم الاجتماعي للنص

يعتقد الشهيد الصدر أن التوجه الفردي كان الاتجاه السائد في التقليد الاجتهادي والنظري الإسلامي. ومن آثار هيمنة هذا النموذج الأحادي والفردي أن الباحثين المسلمين اكتفوا غالبًا باكتشاف الدلالات اللفظية واللغوية للنصوص وتجاهلوا دلالتها الاجتماعية. لكن الشهيد الصدر هو من بين قلة من المفكرين الشيعة الذين حاولوا إثبات أن مدلولات النص لا تقتصر فقط على الدلالات اللفظية والسياق الداخلي، بل للسياق الاجتماعي دور أساسي في فهم المقاصد والخطابات الدينية. من وجهة نظر الشهيد الصدر، المدلول الاجتماعي للنص شيء متميز ومختلف عن المفاهيم اللغوية واللفظية للنصوص الشرعية، وفهم وتفسير النصوص الدينية اجتماعيًا يشكل عنصرًا أساسيًا في الاجتهاد والنظرية. يطرح الشهيد الصدر سؤالاً مفاده: هل الشخص الذي يريد فهم نص ديني، إذا أخذ في الاعتبار جميع الدلالات اللفظية (الوضعية والسياقية) وأحاط بجميع المفاهيم اللغوية، هل يكون قد وصل إلى مقصوده؟ ويجيب بأن الجواب يمكن أن يكون نعم أو لا. الجواب يكون نعم إذا اعتبرنا الشخص المذكور إنسانًا لغويًا لا يملك سوى المعرفة اللغوية واللفظية فقط. فمثل هذا الشخص، عندما يريد فهم النص، فإن أقصى ما يفعله هو جمع الدلالات الوضعية والسياقية للكلمات معًا وتحديد الظهور اللفظي بناءً عليها.

أما جواب السؤال السابق فيما يتعلق بشخص لا يعيش منعزلاً كفرد لغوي منفصل عن المجتمع، بل يعيش الحياة الاجتماعية مع غيره من العقلاء من نوعه، فهو سلبي. لأن الأفراد الذين يعيشون حياة اجتماعية، إلى جانب الوعي ووجهات النظر التي تميز وتفرق كل فرد عن الآخرين، يظهر بينهم وعي مشترك وأرضية ذهنية عامة تشكل أساس الفهم والتفاهم، وهو ما يسميه الفقهاء في الفقه بمناسبات الحكم والموضوع (صدر، 122: ص 82-83). وبعبارة أخرى، عند مواجهة فهم النصوص يمكن تصور موقفين مختلفين. أحدهما موقف فرد على دراية تامة بجميع تفاصيل الدلالات اللفظية، لكنه يعيش منعزلاً عن المجتمع. هذا الفرد لا يملك سوى الأدوات اللغوية واللفظية لفهم النصوص، وبالتالي يكتفي بفهم النصوص من خلال تجميع مضامينها اللفظية. أما الفرد أو الأفراد الذين يعيشون في المجتمع، فهم بالإضافة إلى رصيد الوعي اللغوي، يمتلكون رصيداً آخر يُسمى الارتكاز العام أو الوعي والذهنية الاجتماعية المشتركة، وهذا الارتكاز المشترك يحدد إلى حد كبير منطق الفهم والتفاهم لديهم، كما أن الشارع قد أقر أساس الارتكاز العام أو منطق الفهم الاجتماعي للنصوص، وهو ما يستفيد منه الفقهاء تحت عنوان مناسبات الحكم والموضوع. ولتوضيح هذا الأمر، يضربون مثلاً: إذا كان لدينا دليل ونص يقول إن كلما أصاب ثوب ماء نجس فإنه يصبح نجساً ويجب غسله، فإننا نفهم من هذا الأمر أن الماء النجس إذا أصاب أي شيء فإنه ينجسه سواء كان ثوباً أو غيره. لأن مناسبات الحكم والموضوع التي تتركز في الذهنية العرفية المشتركة لا تقبل أن ينجس الماء النجس الثوب فقط دون غيره. إذن نستنتج أن الثوب في هذا الحديث جاء كمثال لا لتقييد موضوع الحكم. مناسبات الحكم والموضوع هي في الحقيقة تعبير آخر عن الذهنية العامة والارتكاز العرفي المشترك الذي يعتمده العقلاء كأساس للفهم والتفاهم، والفقهاء يحكمون في ضوئه. الفهم الاجتماعي للنص، يعني فهم النص في ضوء هذا الارتكاز العام الذي يشترك فيه أفراد مختلفون نتيجة وعي عام وذهنية مشتركة (المرجع نفسه، ص 83). يبدأ الفهم الاجتماعي للنص دوره عندما ينتهي الفهم اللفظي واللغوي منه. لأن الفقيه في المرحلة الأولى يحدد دلالات النص اللفظية واللغوية، ثم يفرض عليها القراءات الاجتماعية، ويبحث في معنى الكلام في ضوء الأرضية الذهنية الاجتماعية المشتركة التي هي مناسبات الحكم والموضوع، ليكشف له عن أمور جديدة في النص (المرجع نفسه، ص 84).

ومن الجدير بالذكر أن الشهيد الصدر يعتبر أساس حجية الفهم الاجتماعي هو نفس أصل حجية الظهور، ويعتقد أن هذا النوع من الفهم لا يخرج عن إطار منطق العقلاء في أصالة الظهور. ويكتب في هذا الخصوص: «ما يسمح لنا بالاعتماد على القراءة الاجتماعية في فهم النصوص الدينية هو نفس أصل حجية الظهور، لأن هذا الارتكاز العام هو نوع من الظهور بمعنى يتوافق مع النص المذكور، وهذا الظهور عند العقلاء حجته مساوية لحجية الظهور اللفظي.» ووفقاً لرأي الشهيد الصدر، فإن الشارع قد أقر أيضاً هذا الأسلوب من الفهم والتفسير، أي الاعتماد على ارتكاز الذهنية الجماعية (المرجع نفسه، ص 85).

كما لوحظ، في نظر الشهيد الصدر، الفهم الاجتماعي للنص الذي يُستخدم عادة في لغة الفقهاء وأصوليين الشريعة بمعنى العرف والارتكاز العقلي وما شابه ذلك، يخلق نوعًا من الدلالة إلى جانب الدلالات الوضعية والسياقية الأخرى للكلام والنص، وهذه الدلالة، باعتبار أصل حجية الظهور الذي هو مستمسك الثقة وقبول الدلالات الأخرى، تكون سببًا في قبول هذا النوع من الدلالة أيضًا. ورغم أن الشهيد الصدر يعرض مسألة الفهم الاجتماعي للنص بحذر واحتياط، إلا أنه يؤمن ويطمئن بأن هذه القاعدة ستفتح عقدة كبيرة في الفقه، ويعتقد أن القدرات الحقيقية للتفقه والتأمل تظهر عندما تستفيد سنة الاجتهاد من الفهم والتفسير الاجتماعي للنصوص (المرجع نفسه، ص 86).

3-2. الاستنطاق أو الحوار مع النص

العنصر الأساسي الآخر في المنهج الموضوعي هو الحوار أو كما يسميه الشهيد الصدر “الاستنطاق” للنص. يشير هذا العنصر إلى علاقة ديناميكية وثنائية الاتجاه بين الباحث والنصوص. على عكس المنهج التحليلي الذي يلعب فيه الباحث دورًا سلبيًا ويواجه النصوص كمستمع فقط، في المنهج الموضوعي توجد علاقة فاعلة بين النصوص والمنظر. في هذا المنهج، يواجه الباحث النصوص القرآنية ليس فقط ليكون مستمعًا ومستقبلًا سلبيًا، بل ليبدأ حوارًا بناءً على شكل سؤال وجواب مع النص. الباحث الذي يدرس النصوص في إطار المنهج الموضوعي يعرض على النصوص المسائل والأسئلة التي تنبع من واقع الحياة أو الفرضيات التي طرحتها الدراسات المقارنة للنظريات البشرية، ليجعل النصوص تتكلم. هدفه من ذلك هو اكتشاف موقف القرآن والسنة من هذا الموضوع وصياغة نظرية يمكن أن تستلهم من النص. لذلك، فإن نتائج المنهج الموضوعي ترتبط دائمًا بتجربة الإنسان، لأن التجربة البشرية من هذا المنظور تؤثر في تحديد وتشخيص النظرية القرآنية حول مسائل الحياة (بری، 1422: ص 39).

3. استراتيجيات البحث

يقدم الشهيد الصدر لاستكشاف النظرية من النصوص استراتيجيتين رئيسيتين، وهما الاستفادة من التجارب العلمية المشتركة للبشرية والسيطرة التامة على المفاهيم والمبادئ الأساسية للمنظور الإسلامي.

1-3. الاستفادة من التراث المشترك للبشرية

أهم استراتيجية في المنهج الموضوعي لاكتشاف نظرية القرآن هي استخدام التجارب العلمية والتراث المشترك للبشرية. في إطار المنهج الموضوعي، يجب على الباحث الإسلامي قبل أن يستنبط نظرية الإسلام تجاه جانب معين من حياة الإنسان أن يدرس ويبحث أولًا في الأسئلة والنظريات والحلول التي قدمتها تجارب الفكر البشري حول ذلك الموضوع المحدد. الهدف من دراسة التجارب العلمية البشرية ليس مطابقة النصوص الإسلامية معها، بل الهدف الأساسي هو أن يدرس الباحث الإسلامي النظريات والآراء والحلول التي قدمتها المدارس الفكرية الأخرى ليحدد الأسئلة ويعرف أبعاد الموضوع ويبحثه بشكل شامل. الدراسة المقارنة، بالإضافة إلى ذلك، تساعد على فهم أعمق للموضوع، وتمكن الباحث الإسلامي أيضًا من النظر إلى النظريات والحلول التي قدمتها المدارس البشرية بنظرة نقدية، وكشف النواقص والثغرات الموجودة فيها مقارنة بالنظرية الإسلامية (بری، 1422‌: ص 39‌).

يعتقد الشهيد الصدر أنه بما أن المنهج الموضوعي مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتجارب والرصيد المشترك للبشرية، فهو دائم الحيوية والنماء، ويتيح إمكانية حضور القرآن في كل عصر ضمن سياق حياة البشر، وتأثيره في تحديد اتجاه حياتهم (بری، 1422: ص 39). لذا، من منظوره، يجب على الباحث الذي يعمل في إطار المنهج الموضوعي أن يضع نفسه أولاً في ميادين الصراعات الفكرية والتجارب العلمية البشرية، ثم يقف أمام القرآن محملاً بحقيبة من التجارب البشرية والأسئلة التي أثارتها الأفكار البشرية، وبذهن مليء بالقضايا ومشحون بأسئلة العصر، ليتفاعل مع نص القرآن. النقطة الأساسية الكامنة في هذه الاستراتيجية هي أن بروز السؤال في ذهن الباحث الموضوعي وطرح الموضوعات من جانبه يرتكز دائمًا على المعارف المسبقة للباحث. الباحث الذي ذهنه كحقيبة للمعرفة، وواعٍ بتجارب عصره وبمظاهر وأحوال الحياة الجماعية المتنوعة، بطبيعة الحال يثير في ذهنه العديد من الأسئلة. إن تزويد ذهن الباحث بالأسئلة مسبوق بوعيه؛ لأن السؤال ينبثق من تفاعل المعارف الذهنية مع بعضها أو مع الحقائق الخارجية. لذلك، كلما زادت المعلومات العلمية للمفسر عن معارف وتجارب عصره، زادت حصيلته ونصيبُه من المعارف القرآنية (یساقی، 1389: ص 205).

2-3. الإلمام بالمفاهيم الإسلامية

من الاستراتيجيات المهمة الأخرى للمنهج الموضوعي عند الشهيد الصدر في فهم النصوص واكتشاف النظرية، الاستفادة من المفاهيم الإسلامية. من وجهة نظره، المفهوم يشمل كل فكرة وتصوّر من الإسلام يتعلق بتفسير أمر تكويني أو اجتماعي أو تشريعي. على سبيل المثال، الفكرة التي تقول إن كل الوجود ملك لله، تعبر عن فهم ورؤية خاصة للإسلام حول العالم الوجودي. بناءً على هذا الفهم، يمكن القول إن الملكية في الإسلام لا يمكن أن تكون حقًا ذاتيًا، بل هي مجرد نوع من الأمانة في ظروف خاصة. لذلك، المقصود من المفاهيم لديه هو النظرة الكونية أو الأسس الفلسفية والميتافيزيقية الإسلامية (امیری‌، 1393: ص 13). إن إلمام الباحث بالمفاهيم الأساسية الإسلامية يلعب دورًا جوهريًا في الفهم الصحيح للنصوص وصياغة النظرية الإسلامية. يكتب في شأن دور المفاهيم أو الأسس الفلسفية الإسلامية في اكتشاف النظرية الاقتصادية: «المفاهيم تعني وجهات نظر الإسلام حول ظواهر العالم، والعلاقات الاجتماعية، أو أي حكم تشريعي قد تختلف فيه الأحكام، ويمكن أن تساعد الباحث في البحث عن مدرسة اقتصادية وتُستخدم في ذلك» (صدر‌، د.ت.‌، ج 2: ص 22‌).

4. عملية اكتشاف النظرية بناءً على المنهج الموضوعي

قبل شرح عملية إنتاج النظرية بناءً على المنهج التأسيسي للشهيد الصدر، من الضروري الإشارة إلى أبعاد النظرية والتمييز الأساسي الذي يقرّه بين عملية بناء النظرية في إطار الفكر الإسلامي وبناء النظرية في الفكر الحديث.

1-4. أبعاد بناء النظرية

يحتل اكتشاف النظرية الإسلامية في ميادين الحياة الإنسانية المختلفة مركز تفكير الشهيد الصدر. من منظوره، بناء النظرية وتعميق الأساليب المنهجية للتفكير هما محور أساسي يعتمد عليه مستقبل تطورات الفكر الإسلامي (صدر، 1224: ص65). التأمل في إرث الشهيد الصدر يظهر بوضوح أنه في جميع المجالات المعرفية التي تناولها، كان اهتمامه الرئيسي أولاً في صياغة النظرية الإسلامية في شؤون الحياة الإنسانية المختلفة، وثانيًا في تحديد المعايير والأساليب المنهجية لها. ولهذا السبب، يصفه البعض بأنه مكتشف عظيم فتح آفاقًا جديدة ومبتكرة في ميدان الفكر الإسلامي وقاده نحو آفاق جديدة (الرفاعی‌، 1422‌: ص67). من وجهة نظر الشهيد الصدر، الهدف الأساسي والنهائي لحركة الاجتهاد هو تفسير نظرية الإسلام في أبعاد الحياة الفردية والاجتماعية، لكنه يرى أن حركة الاجتهاد لم تستطع الاقتراب كثيرًا من هذا الهدف الأساسي. ويعتقد أن السبب الرئيسي لقصور الاجتهاد والتفكير فيه هو أن المفكرين الإسلاميين اهتموا فقط بجزء صغير من أهداف الاجتهاد، وهو تفسير نظرية الإسلام في المجال الفردي، بينما تم إهمال الجزء الأساسي وهو بناء النظرية في الميادين الاجتماعية. بمعنى آخر، رغم أن الاجتهاد من الناحية النظرية يعني تحديد المواقف النظرية للإسلام في المجالين الفردي والاجتماعي، إلا أن التأمل التاريخي يظهر أن حركة الاجتهاد في واقعها العملي ركزت أكثر على جوانب الحياة الفردية واتسمت باتجاه فردي. كان جهد المجتهدين والمفكرين، خصوصًا في الفكر الشيعي، يتركز أساسًا على تحديد واجبات «الفرد» المسلم الذي يريد أن يطابق منهجه وسلوكه مع المواقف الإسلامية. لكن تفسير نظرية الإسلام في أبعاد الحياة الاجتماعية مثل الاقتصاد والسياسة والعلاقات الاجتماعية وغيرها لم يحظ بالاهتمام في التقليد الاجتهادي. ويعتقد أن سيطرة نموذج الفردية على الاجتهاد الإسلامي كانت نتيجة لأسباب تاريخية خاصة. في إطار الفكر الشيعي، السبب الرئيسي لترسيخ الاجتهاد الأحادي الجانب والفردي هو العزلة السياسية للشيعة واعتماد نظام السلطة على حركة الاجتهاد عند السنة. نشأت حركة الاجتهاد بين الشيعة في وقت كانوا فيه معزولين تقريبًا عن السياسة، وكان الحكام في معظم البلدان الإسلامية تابعين للمذاهب السنية. نتيجة لهذا الابتعاد الشيعي عن السياسة وإدارة المجتمع، تقلص نطاق الاجتهاد تدريجيًا، وترسخت في ذهن المفكرين الشيعة فكرة أن الميدان الوحيد للاجتهاد والتفكير هو الميدان الفردي وليس الاجتماعي (صدر، 1224، ص 66‌-67‌).

يعتقد الشهيد الصدر أن هيمنة الفردية لم تصب حركة الاجتهاد الشيعي فقط، بل انتشرت بعد سقوط نظام الخلافة الإسلامية على يد القوى الاستعمارية إلى جميع المذاهب الإسلامية. ذلك لأنه في فترة الاستعمار، لم يكن المذهب الشيعي فقط معزولاً عن السياسة، بل تم تهميش جميع المذاهب الإسلامية، وحلّت بدلاً منها أنظمة فكرية علمانية غربية أصبحت أساس النظام والعلاقات الاجتماعية في البلدان الإسلامية. هذا التهميش أدى إلى سيطرة الفردية كالنموذج الوحيد للتفكير والنظر على المجتمعات الإسلامية (صدر‌، 1224‌: ص 68). يرى الشهيد الصدر أنه رغم أن المسلمين بعد مواجهتهم للدول الاستعمارية أدركوا أن هناك خطراً جدياً يهدد أسس الفكر الإسلامي، وهذا الشعور بالخطر دفع الإسلام لأن يُطرح كنظام شامل لا تفصل فيه الشؤون الفردية عن الاجتماعية، إلا أن غرس الفردية في ذهن وفكر المفكرين الإسلاميين كان عميقاً إلى حد أن النصوص الإسلامية غالباً ما تُفهم وتُقرأ في إطار منهج فردي، ويُهمل البعد الاجتماعي للنص (صدر‌، 1424‌: ص 72). ومن منظور الشهيد الصدر، يمكن التفاؤل بمستقبل الاجتهاد والتفكير في الإسلام عندما تُعرف أبعاده الحقيقية وأهدافه الأساسية بشكل صحيح وتُؤخذ بعين الاعتبار، ويشمل التفكير النظري ليس فقط الأبعاد الفردية بل أيضاً المجالات الاجتماعية (صدر، 1424: 73).

2-4. منطق بناء النظرية

من منظور الشهيد الصدر، إنتاج النظرية في الإسلام يختلف جوهرياً عن بناء النظرية في الفكر الغربي. في الفكر الإسلامي، بناء النظرية من نوع الكشف، أما بناء النظرية في الفكر الغربي فهو من نوع الابتكار والتكوين. لذلك يسمي الطريقة الإسلامية «اكتشافية» والطريقة الأخرى في المذاهب «تكوينية». هذا الاختلاف الجوهري ينبع من اختلاف طبيعة الموضوع الذي يُدرس في نموذج الفكر الإسلامي عن طبيعة الموضوع الذي يُتبع في المذاهب الأخرى. هذا الاختلاف الجوهري هو الذي يحدد المنهج وموضوع الدراسة وخصائص كل من الطريقتين: الاكتشاف والتكوين، ويميزهما عن بعضهما البعض (ایمان، 1392: ص 604). على سبيل المثال، الباحث الذي يدرس الاقتصاد الإسلامي يواجه في الواقع نظاماً متكاملاً ومنهجياً تم وضع هيكله النظري مسبقاً. عمله هو فقط كشف هيكل وعلاقات هذا النظام، وتحديد أبعاده وقواعده الأساسية. لذلك، عمل الباحث في النموذج الإسلامي هو من نوع «الاكتشاف» والبحث، بينما عمل المنظرين في المذاهب الأخرى هو «تكوين» وابتكار. لكل من هذين المفهومين، الاكتشاف والتكوين، خصائص تؤثر في الدراسة. أهم هذه الخصائص والتمييزات هي تحديد نقطة البداية وتحديد مسار الدراسة. في طريقة التكوين، التي تهدف إلى تأسيس هيكل نظري، لا يوجد إطار مسبق لوضع النظريات، والمنظر يبدع النظرية بخياله الخلاق. أما في طريقة الاكتشاف، فلا تُخلق النظريات بل تُكشف وتُصاغ (صدر، د.ت.: ج2، ص 26).

3-4. المراحل الأساسية لاكتشاف النظرية

بعد تحديد المنطق الأساسي لبناء النظرية في الإسلام، يمكن الآن تحديد مراحل عملية بناء النظرية. الخطوات الأساسية التي يجب اتخاذها من منظور الشهيد الصدر لاكتشاف وصياغة نظرية القرآن والنصوص الإسلامية في موضوعات مختلفة هي:

1-3-4. تحديد الموضوع

الخطوة الأولى في اكتشاف نظرية قرآنية هي تحديد الموضوع الذي ستُعرف فيه نظرية ووجهة نظر القرآن. معرفة أبعاد الموضوع ومكوناته وخصائصه هي الخطوة الأولى نحو كشف نظرية القرآن (حکیم‌، 1388‌: ص 71).

2-3-4. دراسة وجهات النظر القائمة

بعد أن يتضح للباحث الإسلامي أبعاد المسألة موضوع البحث، يبدأ بدراسة وتحقيق النظريات والآراء التي قدمتها المذاهب والمدارس الفكرية البشرية. الاطلاع على التجارب العلمية والأدبية والنظرية الموجودة حول الموضوع الذي سيُعرض على النصوص يساعد في توضيح المسألة وتعميق فهم الباحث للموضوع (صدر، 1424: ص21).

3-3-4. صياغة الأسئلة

عملية البحث في إطار منهج الشهيد الصدر التأسيسي تتسم ببنية حوارية ومناظرة. لذلك، تحديد وصياغة الأسئلة التي ستُستخلص إجاباتها من خلال النصوص والآيات القرآنية هو أهم خطوة في عملية البحث، لأن باب الحوار أو «الاستنطاق» للنصوص يُفتح فقط من خلال طرح الأسئلة الفعالة (حکیم، 1388: ص 71).

4-3-4. تقديم الفرضية

يجب على الباحث الإسلامي أن يكون لديه فرضية، ولو بشكل إجمالي في ذهنه، ليبني عليها اكتشاف النظرية. كما سيتضح، إحدى مراحل اكتشاف النظرية هي جمع الأحكام والنصوص المتوافقة. يجب أن يكون الباحث الإسلامي على وعي إجمالي بما يسعى لاكتشافه من نظرية، وإلا فلن يكون لديه معيار لاختيار النصوص المتوافقة. على سبيل المثال، الباحث والمنظر الفقهي يعلم أن ماركسية ترى أن العمل هو العامل الوحيد لامتلاك القيمة المضافة في عملية الإنتاج. بناءً على ذلك، تتشكل لديه فرضية أولية ويبدأ البحث الفقهي للعثور على الأحكام المتناسبة مع الفرضية. المهم هنا هو كيفية الوصول إلى الفرضية. إحدى الطرق التي تساعد الباحث على بناء الفرضية هي الاستفادة من النظريات الأساسية للمذاهب الأخرى. يمكن للباحث الإسلامي اعتبار النظريات الأساسية للمذاهب الأخرى فرضيات، ويسأل عن رأي الإسلام فيها. مثلاً، قبول الملكية الخاصة في جميع أنواع الثروات في المذهب الرأسمالي، وكذلك تأكيد الماركسية على إلغاء الملكية الخاصة، يمكن أن يثير سؤالاً في ذهن الباحث: ما نوع الملكية التي يجيزها الإسلام؟ بناءً على هذا السؤال، تتشكل الفرضية، ويمكن للباحث في الاقتصاد الإسلامي أن يكتشف النظرية في هذا الشأن باتباع المراحل الأخرى (نظری، 1392: ص 13‌).

5-3-4. جمع النصوص المتوافقة

بعد تقديم الفرضية، تأتي مرحلة جمع الأحكام والنصوص المتوافقة. في هذه المرحلة، يجمع الباحث كل الأحكام والنصوص والآيات التي ترتبط بطريقة ما بموضوع البحث، سواء كانت النصوص تتضمن عنوان الموضوع أو ترتبط به ضمنياً أو تتعلق بخصائص خاصة له. يجب جمع وتحديد كل آية أو نص أو مفهوم يمكن من خلاله تحديد موقف القرآن ووجهة نظره تجاه الموضوع أو الأسئلة المطروحة (حکیم‌، 1388‌: ص 71‌؛ نظری، 1392: ص 14).

6-3-4. تحديد العلاقات الدلالية بين النصوص

بعد جمع النصوص بناءً على الفرضية، يجب دراسة وتحليل المجموعة ككل، لأن دراسة الأحكام والنصوص بشكل فردي بطريقة التحليل التفصيلي لا يمكن أن توصّل الباحث إلى نظرية عامة. لاكتشاف النظرية، يجب النظر إلى كل نص كجزء من كل وبمثابة جزء من مجموعة مترابطة؛ بمعنى آخر، تحويل النظرة الجزئية إلى نظرة نظامية وشاملة (نظری، 1392: ص 14). بالنظرة النظامية تتضح العلاقات الدلالية بين الآيات والنصوص، ويتوفر الأساس لدمج مضامينها في نظام نظري متكامل.

7-3-4. إنتاج النظرية

المرحلة الأخيرة من البحث هي دمج مضامين وموضوعات النصوص ووضعها في إطار نظري شامل بحيث يجد كل مفهوم وفكرة مكانها المناسب في هذا الإطار النظري، ومن خلال البناء النظري الناتج يمكن تحديد موقف ووجهة نظر القرآن تجاه موضوعات الحياة والوجود والإنسان (حکیم، 1388: ص 72).

الاستنتاج

وفقاً لمنهجية الشهيد الصدر، القرآن هو معلم حكيم يجيب بحسب الأسئلة التي تُطرح في حضرته، ويكشف عن حقائقه وطبقات معانيه. مفهوم «الاستنطاق» الذي هو المفهوم المركزي في منهجية الشهيد الصدر يشير تحديداً إلى هذا المعنى، أي التأكيد على دور السؤال، نوعه ودرجة تعقيده في اكتشاف النظام الدلالي للقرآن. فالقرآن يتكلم حين يُسأل، ويكشف عن حقائقه بقدر ما يظهر السائل والمتعلم قدرة إدراك تلك الحقائق في أسئلتهم. وبنفس النسبة التي تختلف فيها الأسئلة نتيجة لتوسع القدرة العلمية والاحتياجات الموضوعية للسائل من حيث الأبعاد والعمق والتعقيد، تختلف أيضاً الإجابات التي تُستمد من القرآن.

قائمة المراجع

1. الرفاعی، عبدالجبار، منهج الشهید الصدر فی تجدید الفکر الاسلامی‌، دمشق، دارالفکر، 1422ق.

2. امیری‌ طهرانی‌ زاده، محمدرضا، افروغ، عماد، نقد روش‌شناسی اقتصاد اسلامی شهید صدر از دیدگاه واقع‌گرایی انتقادی، فصلنامه روش شناسی علوم انسانی، العدد 78، بهار 1393.

3. ایمان، محمد تقی، فلسفه روش تحقيق در علوم‌ انسانی، قم، پژوهشگاه حوزه و دانشگاه، 1391.

4. ایمان، محمدتقی، احمد کلاته ‌سادتی، روش‌شناسی علوم انسانی نزد متفکران مسلمان، قم، پژوهشگاه حوزه و دانشگاه، 1392.

5. بری، باقر، فقه‌النظریه عندالشهید الصدر، بیروت، دارالهادی، 1422ق.

6. پارسانیا‌، حمید‌، روش‌شناسی علوم انسانی با رویکرد اسلامی، پژوهش، سال اول، العدد دوم، 1388.

7. حکیم سیدمنذر، مجتمعنا فی فکر و تراث‌الشهید محمدباقر الصدر، تهران، المجمع التقریب بین‌المذاهب الاسلامیه، 1388.

8. حقیقت، سید صادق، روش‌شناسی‌ علوم‌ سیاسی، قم، منشورات دانشگاه مفید، سوم، 1391.

9. رشاد، علی‌اکبر، منطق فهم دین، تهران، سازمان منشورات پژوهشگاه فرهنگ و اندیشه اسلامی، 1388.

10. صدر، محمدباقر، سنت‌های تاریخ در قرآن، ترجمة وتحقيق‌، سید‌ جمال‌الدین موسوی، تهران، تفاهم، سوم، 1381.

11. صدر، محمدباقر، المدرسۀ القرانیۀ، دارالکتب الاسلامی، اول، 1424.

12. صدر، محمدباقر، بحوث الاسلامیه و مواضع اخری، دون مكان النشر، دارالکتب‌الاسلامی، 1224ق.

13. صدر، محمدباقر، اقتصاد‌ ما‌، ترجمة‌، ع- اسپهبدی،ج2، دون تاريخ، دون مكان النشر.

‌14. آقا‌ نظری‌، حسن‌، روش‌شناسی فقه نظریات اقتصادی از منظر شهید صدر، معرفت اقتصادی، العدد دوم، 1392.ص ص. 6-28

15. یساقی، علی‌اصغر، محمد علی ایازی‌، تحلیل‌ مبانی‌ و رویکرد شهید صدر به تفسیر موضوعی، فقه و تاریخ‌ تمدن‌، س6. العدد 25، پاییز1389.