ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: تحلیل محتوای اقتصادنا؛ مبتنی بر تفکیک انواع نظریههای اقتصادی ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص: الهدف من هذا البحث هو تحليل محتوى اقتصادنا (الجزء الثاني من الكتاب القيم لـالشهيد صدر) من خلال منهج تفكيك أنواع النظريات الاقتصادية وبيانها في التنظيم المعاصر لعلم الاقتصاد. يستكشف هذا البحث محتوى النقاش حول الاقتصاد الإسلامي في هذا الكتاب عبر تقسيم الفرضيات الاقتصادية بناءً على أنواع الفرضيات العلمية. تشير النتائج إلى أنه بالرغم من أن نص اقتصادنا منظم حول توضيح الاقتصاد الديني، إلا أنه في الوقت ذاته يستفيد من التحليلات الاقتصادية الأساسية والعلمية ورسم أركان الاقتصاد السياسي. غياب التحليلات السياسية المحضة في هذا العمل يعود إلى الطبيعة المرحلية والزمنية لهذه التحليلات التي لا تسمح بوصف وصفة موحدة. في النهاية، ومن خلال الاستفادة من تقسيم المناقشات الاقتصادية إلى «واقعي-اعتباري»، «كلي-جزئي» و«غير تجريبي-تجريبي»، يُفتح أفق جديد لتحليل أنواع النظريات الاقتصادية في كتاب اقتصادنا.
المؤلف: محمدجواد قاسمی اصل اصطهباناتی
المصدر: عیار پژوهش در علوم انسانی، ربيع وصيف 1399، العدد 21، ص 47 إلى 64.
المقدمة
يرتبط علم الاقتصاد الإسلامي باسم الشهيد صدر وكتابه اقتصادنا ارتباطًا وثيقًا. لا بد لأي باحث في الاقتصاد الإسلامي من تقديم الاحترام لهما وأخذ اقتصادنا بعين الاعتبار في أبحاثه؛ لكن هناك خطر دائم يتمثل في أن هالة من القداسة أو قبول تفسير سائد قد تمنع الفهم الصحيح لوجهة نظره ولمحتوى هذا الكتاب النفيس.
على الرغم من أن هناك مناقشات كثيرة حول محتوى ومنهجية كتاب اقتصادنا، إلا أن هناك العديد من الأسئلة التي لا تزال قائمة؛ من بينها: ما هي الموضوعات التي يحتويها اقتصادنا من الاقتصاد الإسلامي؟
للتغلب على هذه الإشكالية، يُطرح السؤال: كيف يمكننا الوصول إلى حكم واضح حول محتوى كتاب مثل اقتصادنا؟ إن الحكم على محتوى عمل علمي، يشبه الحكم على حقيقة موضوعية، يحتاج إلى معيار يمكننا من خلاله التحقق مما إذا كان ذلك العمل العلمي يستوفي هذا المعيار أم لا؛ لكي نتمكن من التعرف على نقاط القوة والضعف في ذلك العمل. يمكن أن يكون هذا المعيار «نوع الفرضيات المطروحة في ذلك العمل». النقاش حول محتوى كتاب اقتصادنا هو نقاش طويل وعريق، وقد تمحور بشكل رئيسي حول المجلد الثاني من اقتصادنا، أي موضوعات الاقتصاد الإسلامي. الهدف من هذا البحث هو التعرف على محتوى هذا الكتاب، ويرمي إلى الوصول إلى فهم شامل للمحتوى الموجود فيه مع التركيز على تصنيف فرضيات علم الاقتصاد.
لقد أحدث الشهيد صدر توسعًا في أدبيات علم الاقتصاد من خلال التفريق بين الدين الاقتصادي وعلم الاقتصاد؛ وهو تفريق أدى إلى نشوء نزاعات بين الاقتصاديين المسلمين حول الطبيعة العلمية أو الدينية للاقتصاد الإسلامي؛ نزاع يبدو أنه غير مبرر في رؤية الشهيد صدر، لأن غرضه من تقديم هذا التفريق لم يكن الحكم على طبيعة ومحتوى نظريات الاقتصاد الإسلامي، بل كان يريد فقط أن يوضح أن ما يطرحه في اقتصادنا هو من نوع النظريات الدينية وليس العلمية. دخول الشهيد صدر في المناقشات المحتوية حال دون أن يطرح تفصيلًا موسعًا لخصائص النظرية الدينية. يمكن تتبع الجوانب المفهومية للنظرية الدينية بشكل موجز في سياق كلامه وكتابته البليغة.
ونظرًا لأن محور النقاشات في اقتصادنا هو النظريات الدينية، فإنه يتم الاستغناء في هذا البحث عن استقراء حالات النظرية الدينية؛ لكن يتم طرح بعض الخصائص العامة والتصنيفات الكبرى لأنواع النظريات الدينية.
أما بالنسبة لبقية نظريات الاقتصاد الإسلامي، بما في ذلك النظريات الأساسية والعلمية والسياسية، فقد جُمعت تطبيقات هذه النظريات، رغم أننا لا ندعي استقراءً تامًا.
١. أنواع النظرية الاقتصادية
بمساعدة تعريف العلم، نطرح التصنيف المرغوب والمناسب لفرضيات علم الاقتصاد. العلم في اللغة
يعني المعرفة المطلقة، وهو مفهوم بديهي. أهم المعاني الاصطلاحية للعلم هي كما يلي:
أ) الاعتقاد اليقيني المطابق للواقع، حتى وإن كان في قضية واحدة؛
ب) مجموعة من القضايا من نفس النوع، حتى وإن كانت قضايا شخصية وخاصة؛
ج) مجموعة من القضايا الكلية، حتى وإن كانت اعتباريّة؛
د) مجموعة من القضايا الكلية الحقيقية حتى وإن لم تكن تجريبية؛
هـ) مجموعة من القضايا الكلية الحقيقية التجريبية (مصباح، ١٣٨٣، ج ١، ص ٦٨).
يبدو أن جميع أنواع التعريفات من الثانية إلى الخامسة تنطبق على علم الاقتصاد الإسلامي؛ لأن:
أولاً، توجد فرضيات جزئية في علم الاقتصاد تُبلغ عن موقف اقتصادي خاص. قد يكون الانتباه إلى موقف خاص بسبب دوره الأساسي في الحياة الاقتصادية للمجتمع. لا شك في وجود قضايا كلية في علم الاقتصاد. الهدف الرئيسي من طرح الفرضيات الجزئية هو تحديد أي قاعدة اقتصادية كلية ينطبق عليها ذلك الوضع الخاص.
ثانيًا، قد تكون مقولات علم الاقتصاد اعتباريّة؛ أي تخضع لاعتبارات خاصّة وتكون ذات معنى ضمن نظام قيمي معيّن، وقد وُضعت لتحقيق هدف جزئي أو كليّ. الأمور الاعتباريّة تشير إلى حقائق، ووفقًا للتعريف الثالث، فهي من مصاديق العلم.
ثالثًا، في علم الاقتصاد توجد مقولات تجريبية وغير تجريبية معًا: ١. بعض الحقائق الاقتصادية تسبق التجربة، وبعضها قائم على التجربة والسلوك البشري؛ ٢. وهناك حقائق اقتصادية يجب إثباتها بواسطة طرق عقلية، حدسية أو نقليّة. في المقابل، هناك حقائق اقتصادية يمكن إثباتها بالمنهج التجريبي.
لذا، فإن مقولات علم الاقتصاد الإسلامي تشكّل مجموعة من القضايا الجزئية والكليّة، الواقعية والاعتباريّة، والتجريبية وغير التجريبية. وبما أن القضايا التجريبية تتوافق مع القضايا الجزئية، والقضايا غير التجريبية مع القضايا الكلية، فإننا ندمج التفريق بين الجزئي والكلي مع التفريق بين التجريبي وغير التجريبي. بناءً عليه، في هذا البحث، وبالاستعانة بهذه التفريقات الثلاث، نطرح مقولات علم الاقتصاد الإسلامي في أربعة أقسام: ١. الحقائق الكلية (غير التجريبية)؛ ٢. الحقائق الجزئية (التجريبية)؛ ٣. الاعتباريات الكلية (غير التجريبية)؛ ٤. الاعتباريات الجزئية (التجريبية).
طريقة الارتباط والترتيب المنطقي بين هذه الفئات الأربعة من مقولات علم الاقتصاد الإسلامي ذات أهمية: ١. الحقائق الكلية (غير التجريبية)؛ ٢. الاعتباريات الكلية (غير التجريبية)؛ ٣. الحقائق الجزئية (التجريبية)؛ ٤. الاعتباريات الجزئية (التجريبية). الجزء الكلي وغير التجريبي من علم الاقتصاد الإسلامي ثابت، والاعتباريات ناتجة عن الحقائق؛ أما الجزء الجزئي والتجريبي من علم الاقتصاد الإسلامي فهو ديناميكي ومتغير؛ أي أن كل حقيقة تتعلق بوضع خاص تستلزم اعتباريات مرتبطة بذلك الوضع، ويؤدي الاعتبار الجزئي الأخير إلى حقيقة جزئية جديدة، وتستمر هذه الدورة باستمرار. مع العلم أن جزئية هذا الجزء نسبية مقارنة بالجزء الكلي من علم الاقتصاد.
بعبارة أخرى، تُقسَم المقولات والنظريات الاقتصادية إلى فئتين رئيسيتين: واقعية (حقائق موجودة) واعتباريّة (حقائق مرغوبة). التعبير بالاعتباري مقابل الواقعي لا يعني عدم واقعية الأمور الاعتباريّة؛ بل يحمل معنى أن الأمور الاعتباريّة لم تتحقق في الواقع الموضوعي؛ ولكن بما أنها تستحق التحقيق، فقد اتخذت الشريعة والنظام الإسلامي، بهدف القضاء على الواقع الفاسد الموجود وتحقيق الواقع المرغوب المفقود، أوامر وتدابير.
لذا، المقصود بالواقعي هو كل حقيقة موجودة في الخارج يمكن طرحها في قالب جملة خبرية. وهذه الجملة الخبرية لها صورتان:
أ) تدل على حقيقة ثابتة، ضرورية ودائمة، صحيحة حتى قبل تحقق مجتمع معين، وبشكل عام صحيحة بغض النظر عن التجربة والتطبيق في الخارج. وبما أن مصادر المعرفة في الفكر الإسلامي متعددة، والوحي والعقل والتجربة والعلم الحضوري جميعها ذات اعتبار (ر. ک: حسین زاده، ١٣٩٤)، فقد تكون هذه الحقيقة والأخبار مستمدة من أي مصدر موثوق، ولا يشترط أن تكون ناتجة عن تجربة حسية. وطبيعي أن إدراك هذه الحقيقة لا يعتمد على التجربة، ولهذا يمكن اعتبارها علمًا غير تجريبي.
ب) جملة خبرية تدل على حقيقة موجودة خاصة بمقطع مكاني وزماني معين، وقد لا تكون صحيحة بالنسبة لموقع مكاني أو زمني آخر. هذه الجملة غير ثابتة، وطبيعي أن معرفة هذه الحقيقة تعتمد على التجربة، ولهذا يمكن اعتبارها علمًا تجريبيًا. العلم التجريبي يخضع للمعايير الحاكمة على السلوكيات والمؤسسات الاقتصادية، والسياسات الاقتصادية السابقة، والوجود الإنساني، والمجتمع والطبيعة، والحقائق الكونية السائدة في الحياة الاجتماعية.
المقصود بالاعتباري أو القيمي هو كل حقيقة مرغوبة أو مذمومة يكون تحقيقها أو عدم تحقيقها في العالم الخارجي مرغوبًا فيه ضمن نظام فكري، ويمكن التعبير عنها في قالب جملة إنشائية. وهذه الجملة الإنشائية لها صورتان:
أ) أحيانًا تدل على هدف أو إطار مرغوب يكون فوق الزمان والمكان، كلي، ثابت، دائم وصحيح في جميع الظروف؛ يشبه التعريفات والنقاط الكلية التي يقدمها أستاذ الطب في درس الطب لمواجهة المرضى والبيئة، والتي تتطلب تطبيقات مختلفة حسب الظروف المتنوعة. من هذا النوع من المقولات والنظريات في علم الاقتصاد نطلق عليها «المذهب الاقتصادي» (ر. ک: قاسمی اصل، ١٣٩٦، ص ١٠٤١٠٥).
ب) الجملة الإنشائية تدل على هدف واحد، واستراتيجية وآلية مرغوبة تكون مقطعية وتتعلق بظروف مكانية وزمانية خاصة، ولا يمكن وصفها بشكل مطلق لكل الظروف؛ مثل الوصفة التي يصفها الطبيب لمريض معين. من هذا النوع من الجمل في علم الاقتصاد نسميها الاقتصاد السياسي. السياسات الاقتصادية، من جهة، تتبع الوضع الاقتصادي القائم في كل فترة زمنية ومكانية (علم تجريبي)، ومن جهة أخرى تتبع القيم والاعتبارات الكلية والاستراتيجية لمنظومة فكرية في مجال الشؤون الاقتصادية (مذهب اقتصادي) (ر. ک: قاسمی اصل، ١٣٩٨).
مماثل للتقسيم الرباعي في هذا البحث (٢*٢)، هناك تقسيم ثلاثي سابق في علم الاقتصاد يقسم علم الاقتصاد إلى ثلاثة أقسام: المعياري، والوصفي، والسياسي (بلاگ، ١٣٨٧، ص ١٨١).
٢. الحقائق الكلية غير التجريبية (المبادئ)
الواقع الموجود يشير إلى حقيقة ثابتة وضرورية ودائمة، صحيحة حتى قبل تحقق مجتمع معين، وبشكل عام صحيحة بغض النظر عن التجربة والتطبيق الخارجي. وبما أن مصادر المعرفة في الفكر الإسلامي متعددة، والوحي والعقل والتجربة والعلم الحضوري كلها معتمدة (ر. ک: حسین زاده، ١٣٩٤)، فقد تأتي هذه الحقيقة والأخبار من أي مصدر موثوق ولا يلزم أن تكون ناتجة عن تجربة حسية. طبعاً، إدراك مثل هذه الحقيقة لا يعتمد على التجربة، ولهذا يمكن تسميتها أيضاً بالعلم غير التجريبي. المقصود بالواقع الكلي غير التجريبي هو “المبادئ” التي تلعب دوراً في التحليلات الاقتصادية الدينية والعلمية التجريبية. الشهيد الصدر في “اقتصادنا” يستخدم هذا النوع من النقاشات لتوضيح وللبرهنة على القضايا الدينية، رغم أنه لا يستخدم هذا المصطلح والتعبير صراحة.
فيما يلي، تُعرض ثماني حالات من استخدام الشهيد الصدر للمبادئ أو العلم غير التجريبي.
١-٢. نوعان من القضايا العلمية
يقسم الشهيد الصدر القضايا العلمية في الاقتصاد إلى قسمين: ١. القضايا العلمية الدينية (الاجتماعية)، وهي القضايا الاقتصادية التي هي علمية وتخضع للتحليل العلمي، لكنها في بيئة يتصرف فيها المجتمع بناءً على توجهات مذهب معين، ويُفسر هذا السلوك بناءً على الهدف والأدوات والأساليب التي يوصي بها ذلك المذهب؛ مثل قانون العرض والطلب؛ ٢. القضايا العلمية المحضة (الطبيعية)، وهي القضايا الاقتصادية التي تُحلل علمياً ولا تعتمد على أي توجه ديني، وبالتالي لا تعتمد على توجه وسلوك اختياري للإنسان؛ مثل قانون العائد المتناقص. تشمل هذه القضايا كل قانون تكويني يمكن أن يؤثر على القواعد والسلوكيات الاقتصادية (صدر، ١٣٨٢، ص ٢٥١٢٥٢).
٢-٢. الواقعية والأخلاقية في الاقتصاد الإسلامي
يعدد الشهيد الصدر خاصيتين متلازمتين للمذهب الاقتصادي الإسلامي: الواقعية والأخلاقية. هاتان الخاصيتان مبنيتان على واقعية الإسلام في مجال معرفة الإنسان وطرق تحقيق أهدافه. المذهب الاقتصادي الإسلامي له أهداف واقعية؛ لأنه في نظامه وقوانينه يسعى لتحقيق أهداف تتوافق مع واقع الإنسانية والطبيعة الإنسانية والدوافع والخصائص العامة لها، ويأخذ دائماً في الاعتبار ألا يسير في قوانينه في فراغ، وألا يضع قوانين أقل أو أكثر من قدرة الإنسان وإمكاناته.
الأخلاقية في الاقتصاد الإسلامي تعني أن الإسلام في سبيل تحقيق أهدافه يعتمد على عنصر الإنسان المختار مع مراعاة قابليته للتربية والتغيير الاختياري. كما تتجلى الأخلاقية في الاقتصاد الإسلامي في طريقة تحقيق الأهداف، فلا يقتصر الأمر على تحقيق الوضع المادي المرغوب بغض النظر عن إرادة ورغبة العوامل الاقتصادية؛ مثلاً في موضوع التكافل الاجتماعي، لا يكتفي بنقل أموال من الأغنياء إلى الفقراء بأي طريقة، بل يسعى من خلال إقامة بعض العبادات المالية إلى تقوية الروحيات المتوافقة مع التكافل في الأشخاص (صدر، ١٣٨٢، ص ٢٨٨٢٩٠).
٣-٢. العقيدة والمفاهيم والعواطف الإسلامية
يرى الشهيد الصدر أن تحقق بيئة تشكيل السلوك الاقتصادي في المجتمع الإسلامي يتطلب تحقق ثلاثة أركان: العقيدة، والمفهوم، والعواطف الإسلامية، ويعتقد أنه ما لم تنمو العقائد الإسلامية في ذهن المسلمين وتثمر، ولم تتشكل المفاهيم والزوايا والرؤى الأساسية حول الشؤون الاجتماعية والتكوينية والتشريعية بشكل يتناسب مع الجذور الاعتقادية، ولم تتشكل العواطف التي تحفز الإنسان نحو العمل بما يتناسب مع هذين الأمرين، فلن يكون هناك خبر عن الاقتصاد الإسلامي كعلم تجريبي (صدر، ١٣٨٢، ص ٢٩٢).
هذا التصور للمجال الثلاثي المراحل، أولاً يستند إلى قاعدة عامة من نوع التحليل المؤسسي حول تشكل السلوكيات الاقتصادية؛ وثانياً بعد تحقق هذه المراحل تتشكل الوقائع الناشئة عن الأعراف. هذا التحليل هو تحليل استباقي منهجي يمتلك القدرة على التكيف في جميع الفضاءات الاجتماعية الإسلامية وغير الإسلامية.
٤-٢. الاقتصاد الإسلامي، جزء من الكل!
التعرف على الاقتصاد الإسلامي وتفعيله كجزء من النظام والمجموعة الكبرى للفكر والعمل الإسلامي ممكن. يشير إلى بعض جوانب ارتباط الاقتصاد الإسلامي بالعقائد والمفاهيم والعواطف والفقه والنظام السياسي (صدر، ١٣٨٢، ص ٢٩٣٣٠١). هذا المنهج في الاقتصاد الإسلامي مرتبط بنزاع منهجي في العلم. هل النمو المعرفي يتطلب طريقة افتراضية تجريدية فعالة أم يجب النظر إلى مجموعة العلوم كمنظومة وشبكة مترابطة؟ حسب رأي الشهيد الصدر، لا يمكن دراسة الاقتصاد الإسلامي ككيان منفصل ومنعزل، ومن غير المناسب توقع نتائج فعالة وواقعية من مثل هذا المنهج.
٥-٢. المشكلة الاقتصادية من وجهة نظر الإسلام
الشهيد الصدر يقارن بين أحكام المدارس الاشتراكية والرأسمالية والإسلامية حول المشكلة الاقتصادية وحلها (صدر، ١٣٨٢، ص ٣٣١). حسب تعبير الشهيد الصدر، جميع المذاهب تتفق على وجود المشكلة الاقتصادية، واختلافها يكون في تحديد ماهية المشكلة. الإسلام يرى المشكلة في “ظلم الإنسان وكفره” ويبحث عن الحل في الدين؛ لأن الدين هو الذي يمكن أن يخلق ويحفز الدافع في الإنسان نحو الوصول إلى معارفه في الطريق الصحيح والعادل. في مجال الاقتصاد، يظهر ظلم الإنسان في سوء توزيع النعم وكفران النعم من خلال إهمال الطبيعة وعدم استغلالها بشكل مناسب (المرجع نفسه، ص ٣٣٢و٦٣٩).
٦-٢. المفاهيم
الشهيد الصدر من أجل الوصول إلى المذهب الاقتصادي الإسلامي (الاقتصاد المعياري الإسلامي)، يعتمد إلى جانب الأحكام الشرعية على مضمون يسمى المفاهيم. المفاهيم تمثل جزءاً مهماً من الفكر والثقافة الإسلامية، وتعني كل رؤية إسلامية تفسر وتشرح حقيقة وجودية أو اجتماعية أو قانونية. مثل الإيمان بعلاقة ارتباط وانتماء كل الوجود بالله الذي يعكس نظرة الإسلام إلى الوجود (والذي له مقتضيات وسلوكيات خاصة)؛ أو النظرة الإسلامية إلى تحولات المجتمعات البشرية أو السنن الإلهية في المجتمعات، بما في ذلك الجوانب الاقتصادية؛ أو نظرة الإسلام إلى الملكية التي تنبع من الإيمان بالتوحيد، وغيرها من المفاهيم المتعددة والمتنوعة التي تشرح كل منها رؤية الإسلام للإنسان، ومنها الحياة الاقتصادية. القوانين والأعراف الاقتصادية الإسلامية تتشكل بناءً على هذه المفاهيم (صدر، ١٣٨٢، ص ٣٧٦٣٧٩).
٧-٢. أسس نظرية التوزيع قبل الإنتاج
في مرحلة ما قبل الإنتاج، يُنظر إلى الثروات الأولية؛ وهي الثروات التي لم يتم فيها عمل بشري مفيد، ولا يتدخل العامل البشري في جودتها. في نظرية التوزيع قبل الإنتاج، تُطرح بعض المناقشات العلمية غير التجريبية:
أ) أنواع الأرض من حيث نوع الملكية، تتبع بعض الخصائص الإنسانية والاقتصادية لذلك النوع من الأرض، وهو نابع من اهتمام الشريعة والعرف الإسلامي بالظروف الاقتصادية في رسم قواعده. الشريعة تميز بين الأرض المأهولة والموات، وفي الأرض المأهولة تميز بين المأهولة الطبيعية والمأهولة البشرية في زمن الفتح، من حيث نوع الملكية؛ كما أعطت أهمية للفتح بالصلح أو الفتح بالحرب (العنوة). كون الأرض مأهولة أو موات، والاهتمام بالسياق الاقتصادي، والفتح بالصلح أو الفتح الناتج عن الحرب، والاهتمام بالإرادة البشرية والجانب السياسي، والتمييز بين المأهولة البشرية والطبيعية، كلها تدل على اهتمام الشريعة بكل من الجانب الإرادي والاقتصادي.
ب) التعريف المقبول شرعاً للمعدن، والتمييز بين المعدن الظاهر والباطن، والتمييز بين المعدن الخالص وغير الخالص.
ج) التمييز بين الأموال المنقولة وغير المنقولة في كيفية تحقق الملكية. تأثير الإحياء في التملك وتأثير التحجير في الأولوية بالنسبة للأرض وعدم اعتبار الحيازة بالنسبة للأرض (إلغاء الحمي)، وفي المقابل، قبول تأثير الحيازة في ملكية الثروات المنقولة.
د) التمييز بين أنواع المياه التي تُحصل بدون جهد أو التي تُستخدم بالجهد والعمل، في إمكانية الأولوية والملكية.
هـ) الشهيد الصدر، ضمن مناقشته للدور الخاص للعمل في خلق الملكية من وجهة نظر الإسلام، يميز بين نوعين من العمل:
١. العمل الذي يحقق المنفعة والإثمار وينتمي إلى صنف الانتفاع والاستثمار، وهو الذي يفضي إلى الملكية والأولوية؛ مثل التحجير والإحياء في الأرض والحيازة في الثروات الأولية المنقولة؛ ٢. العمل الذي يفتقر إلى صفة الإثمار والاستثمار، ويقتصر على الحبس والسيطرة على المال فقط، وهذا النوع من الأعمال لا يفضي في نظر الإسلام إلى الأسبقية والملكية؛ مثل حيازة الأرض التي كانت تعرف بمصطلح «حمي» وألغىها الإسلام. الأعمال من النوع الأول اقتصادية ومبنية على الفطرة. أما السلوكيات مثل حيازة الأرض فهي تفتقر إلى الصفة الاقتصادية؛ لكن حيازة المنقولات طبيعتها اقتصادية (صدر، ١٣٨٢، ص ٥١٠).
٨-٢. أسس نظرية التوزيع بعد الإنتاج
للتأثير على الأسس في نظرية التوزيع بعد الإنتاج، يُطرح مثالان:
المثال الأول: هناك خلاف بين الفقهاء حول ما إذا كان الشخص الذي يغتصب المواد الأولية وينتج منها منتجًا، هل يكون هذا المنتج ملكًا لصاحب المواد الأولية أم للغاصب؟ مصدر الخلاف هو هل المادة الأولية في عملية الإنتاج تندثر وتفنى أم تتحول وتتطور؟ إذا زالت المادة الأولية، فالمنتج يكون ملكًا للغاصب، لكنه يجب أن يدفع لصاحب المادة الأولية ثمنها. وإذا كانت المادة الأولية متبلورة في صورة أكمل وأرقى في المنتج، فالمنتج يكون ملكًا لصاحب المادة الأولية ولا يحق للغاصب نصيب (صدر، ١٣٨٢، ص ٥٧١). حقيقة طبيعية واحدة كانت سببًا في اختلاف الفتوى.
المثال الثاني: في الفقه الإسلامي، لا يمكن الجمع بين ضمان الأصل والمنفعة في المال؛ أي إما أن يُضمن الأصل وهو عقد القرض، أو تُضمن المنفعة (بشرط تحققها) وهو عقد المضاربة. مفهوم هذه القضية هو تقسيم وتنظيم المخاطرة. المخاطرة من وجهة نظر الإسلام، إذا كانت مصحوبة بالإنتاج (حتى لو كان إنتاجًا تبادليًا)، فهي مقبولة؛ أما كسب الدخل بالمخاطرة فقط وبدون أي صبغة إنتاجية، كما في القمار، فهو ممنوع.
٣. الاعتبارات العامة غير التجريبية (المذهب)
بوضوح شهيد صدر (صدر، ١٣٨٢، ص ٣١١) وبشهادة محتوى «اقتصادنا»، محور مناقشات هذا الكتاب هو «المذهب الاقتصادي». معظم نص هذا الكتاب مكرس لنقد النظريات المذهبية المنافسة وبيان نظريات الاقتصاد المذهبي الإسلامي.
تعريف شهيد صدر للمذهب الاقتصادي هو: «مجموعة النظريات الأساسية التي يقبل المجتمع اتباعها في حياته لحل مشكلاته الاقتصادية» (صدر، ١٣٨٢، ص ٣٦٥). في هذا التعريف، المجتمع هو الحاضن للمذهب، وحل المشكلات الاقتصادية هو فلسفة وجود المذهب. إذًا، التعريف المختار للمذهب الاقتصادي هو: «مجموعة النظريات الأساسية لحل مشكلات الحياة الاقتصادية للبشر». وبالنظر إلى هذا التعريف، فإن المذهب الاقتصادي الإسلامي يعني «مجموعة النظريات الأساسية التي يقدمها الإسلام لحل مشكلات الحياة الاقتصادية للبشر». ويقول في تعريف علم الاقتصاد: «العلم الذي يدرس الحياة والظواهر الاقتصادية والعلاقة بين هذه الظواهر وعوامل نشأتها». كما يقول في فصل عمليات اكتشاف المذهب الاقتصادي، في مقام المقارنة بين علم الاقتصاد والمذهب الاقتصادي: «المذهب هو البرنامج والمنهج، والعلم هو التفسير والشرح».
١-٣. خصائص نظرية المذهب في الاقتصاد الإسلامي
النظريات في الاقتصاد المذهبي لها ست خصائص مشتركة. بفهم هذه الخصائص، يتضح جوهر الاقتصاد المذهبي وعلاقته بالاقتصاد العلمي والسياسي.
أ) تعتمد على نظام فكري مستقل وشامل للإسلام، له رؤية خاصة في مجالات معرفية وفلسفية واجتماعية مختلفة. الاعتماد على النظام الفكري هو صفة مشتركة بين الاقتصاد المذهبي والسياسي. فالاقتصاد المذهبي يتغذى مباشرة من النظام الفكري، أما الاقتصاد السياسي فيتأثر بالنظام الفكري عبر الاقتصاد المذهبي.
ب) تحتوي على رؤية اقتصادية. هذه الصفة تميز نظريات الاقتصاد المذهبي عن النظريات المذهبية غير الاقتصادية. الاقتصاد المذهبي يشترك مع الاقتصاد العلمي والسياسي في هذه الصفة.
ج) تحتوي بشكل مباشر على رؤية قيمية ومدح وذم الشريعة. هذه الصفة تميز النظرية المذهبية عن نظريات الاقتصاد العلمي؛ لأن النظرية العلمية كما ذُكر في المقدمة تستند إلى الواقع الموجود، أما النظرية المذهبية فتروي الواقع كما هو. في الحقيقة، القيم هي فرضيات مسبقة للوصول إلى مقولات الاقتصاد العلمي، أما في مقولات الاقتصاد المذهبي، فالقيم هي موضوع البحث.
د) ثابتة وليست مرحلية؛ لأنها نابعة من خصائص ثابتة لحياة الإنسان ومن نوع الأحكام الثابتة في الشريعة.
على عكس الاقتصاد الديني، يستخدم الاقتصاد السياسي أدوات محددة وزمنية لتحقيق أهداف مؤقتة، ويعتمد على حلول معينة.
هـ) في مجال معين، يتمتع بالشمولية والعمومية. الاقتصاد الديني شامل؛ بينما تكون مقولات الاقتصاد السياسي جزئية وتشكل أمثلة للعناوين العامة للمقولات الدينية. هذه الجزئية ناتجة عن التلبس بلباس موضوعية الزمان والمكان. لا تتحقق أي نظرية دينية خارج الواقع إلا في قالب سياسة.
و) هو سياقي ومؤسس للمؤسسات. سلوك الإنسان مشروط ومقيد بمجموعة من الالتزامات التي يستمدها أفراد المجتمع من مرجع موجه ومحفز. النظرية الدينية ليست مشروطة بتحقق سلوك الناس. مهما كان سلوك الناس، تبقى النظريات الدينية ثابتة. في المقابل، مقولات الاقتصاد السياسي ناتجة عن رد فعل جهاز السياسة تجاه سلوك الناس، وهي من نوع نتيجة السلوك (ر. ک: قاسمی اصل، ١٣٩٦).
٢-٣. أنواع النظرية الدينية من حيث المحتوى
وفقاً لتحليل هذا البحث الذي يمكن العثور على أدلة له في كلام الشهيد صدر، تنقسم النظريات الدينية في الاقتصاد إلى ثلاثة أنواع: ١. الأُطُر؛ ٢. الاستراتيجيات أو الخطوط الحدودية المؤدية إلى الأهداف الكبرى والتي تؤدي إلى تصميم أُطُر مختلفة؛ ٣. الأهداف الرئيسية والعليا التي يجب أن تتشكل جميع الاستراتيجيات والأُطُر (والسياسات) في إطارها (صدر، ١٣٨٢، ص ٦٣١٦٣٢).
وفقاً للتعريف، تتشكل نظريات الاقتصاد الديني الإسلامي على ثلاثة مستويات وبثلاث تطبيقات مختلفة ومتضافرة.
هذه الأنواع الثلاثة من النظريات، على التوالي، تشكل الأهداف في مركز هذه النظريات، وهي جوهر الفكر الاقتصادي الإسلامي، ولها موضوعية وأصالة تامة للإسلام. الاستراتيجيات نابعة من تحديد الأهداف الاقتصادية للإسلام. الاستراتيجية في النظريات الدينية هي البرزخ بين الهدف النهائي والأُطُر الثابتة للشريعة. تحدد الاستراتيجيات الخطوط الحدودية لكي تتشكل الأُطُر الثابتة والعليا بما يتناسب مع الأهداف. الأُطُر نابعة من تحديد الأهداف والاستراتيجيات الاقتصادية للإسلام. الأُطُر والاستراتيجيات، بالنسبة للأهداف، هي وسائل.
إن التفريق الثلاثي للنظريات الدينية مبني على حقيقة أن الإرادة الإلهية والهدف النهائي لله من تشريعاته في المجال الاقتصادي يتعلق بالأهداف. الإرادة المسبقة للشريعة هي تشكيل مجموعة من الأُطُر الثابتة في النظام الاقتصادي للمجتمع الإسلامي. كما يحدد الشارع المقدس بعض الأهداف الوسيطة أو الاستراتيجيات التي تؤدي إلى تشكيل الأُطُر بناءً على الأهداف النهائية. من الأهداف إلى الأُطُر يوجد نوع من التوسع من الوحدة إلى الكثرة. الهدف النهائي واحد (مثلاً العدل)؛ لكن الأُطُر المتنوعة تشمل الإنتاج، التوزيع، الاستهلاك، الدولة، السوق، النقود، العقود، وغيرها تحت هذا الهدف الواحد والاستراتيجيات المنبثقة منه.
الأهداف توضح لماذا الأحكام الشرعية؛ أما الأُطُر فتُظهر كيف، وشبكة ونمط الحاكم على الأحكام الشرعية. هذا الفرق واضح أيضاً في أداء الشهيد صدر في “اقتصادنا”.
الأُطُر تشرح الشكل والإطار الحاكم على الأحكام الشرعية المتعلقة بكل مجال اقتصادي؛ تحدد الأهداف وتجسدها وتوفر البيئة لتحقيقها (صدر، ١٣٨٢، ص ٢٨٦). تخلق الأُطُر للإنسان بيئة وشكل وقالباً للنشاط، وتحدد نطاق الحركة المسموح به. في علم الاقتصاد، يتم شرح آليات تحقيق هذه الأُطُر ويتم التنبؤ بأدائها المستقبلي. رسم الآليات اللازمة لتحقيق كل إطار هو مهمة السياسة الاقتصادية.
الاستراتيجية هي التوجه والعقلية العامة التي يتبعها مذهب اقتصادي لتحقيق أهدافه ويتخذ قراراته بناءً عليها. تقوم الاستراتيجية بوظيفة تشكيل الأُطُر في سبيل تحقيق الأهداف أو تقريب الأهداف من المستوى الذهني والتجريدي إلى الملموس الخارجي في قالب الأُطُر. يعتبر الشهيد الصدر وجود الحرية ضمن نطاق محدد والملكية المتعددة من مبادئ المذهب الاقتصادي الإسلامي (صدر، ١٣٨٢، ص ٢٨١و٢٨٤). يمكن اعتبار هذين المبدأين من الاستراتيجيات الاقتصادية للإسلام التي، أولاً، تتأثر بالعدالة الاجتماعية كهدف نهائي للاقتصاد الإسلامي وتؤثر في تحقيقه (ر. ک: صدر، ١٣٨٢، ص ٢٨٤٢٨٥)؛ وثانياً، تحدد الخطوط الحدودية التي تتشكل ضمنها الأُطُر الاقتصادية. تقع مسؤولية تقديم الحلول، في سبيل تحقيق الاستراتيجيتين المتمثلتين في تقييد الحرية وتنوع الملكية في مراحل مختلفة، على عاتق الجهاز السياسي الذي ينفذ الاقتصاد السياسي.
بعض النظريات في الاقتصاد الديني تعتبر الأهداف الثابتة للاقتصاد الإسلامي التي يبذل الإسلام كل جهوده لتحقيقها. على سبيل المثال، يعتبر الشهيد الصدر العدالة الاجتماعية المبدأ الثالث للمذهب الاقتصادي الإسلامي (صدر، ١٣٨٢، ص ٢٨٨)، وهو من نوع تحديد الأهداف العامة. هذا المبدأ، خلافاً للمبدأين المتعلقين بالحرية المحدودة وتنوع الملكية، يختص بالأهداف وليس بالاستراتيجيات؛ لأن الفرض هو أن ما يسعى الإسلام أصالةً ونهائياً لتحقيقه هو العدالة، وأن أموراً مثل الحرية أو عدمها، والملكية أو عدمها، في نظر الإسلام هي أدوات تبقى مرغوبة طالما توجه البنى الاقتصادية نحو تحقيق العدالة. ولهذا، يعرف الشهيد الصدر الحكم على العدالة كمؤشر على دينية كل نظرية (صدر، ١٣٨٢، ص ٣٦٢).
الأهداف، الاستراتيجيات، الأُطُر والسياسات تشكل طيفاً من المفاهيم، من الذهني والتجريدي المحض إلى الملموس والخارجي: الأهداف هي السبب النهائي ومنبع رغبة الاستراتيجيات والأُطُر والسياسات، والسياسات هي منبع تحقيق الأُطُر والاستراتيجيات والأهداف (ر. ک: قاسمی اصل، ١٣٩٦).
3-3. أنواع النظرية الدينية من حيث المنهجية
يرى الشهيد الصدر أن النظريات الدينية في الاقتصاد الإسلامي تنبع من المثل العليا والنظام القيمي للإسلام (صدر، ١٤١٠هـ، ج ١٣، ص ١١٧). ويقدم خمسة أدوات لاستخلاص النظريات الدينية في الاقتصاد الإسلامي (ر. ک: صدر، ١٤٢٤هـ، ص ٤٥٥٦):
أ) في مجموعة الأحكام الشرعية، نكتشف التوجه الموحد الذي يعبر عن اهتمام الدين بهدف معين؛ ب) إذا تم تحديد هدف أو سبب لحكم شرعي في مصادر الشريعة، فإنه يظهر توجه الدين في مجالات الحياة الاجتماعية المتغيرة؛
ج) توجه الأحكام الحكومية التي صدرت عن النبي وأمير المؤمنين في سبيل تحقيق الأهداف الإسلامية؛
د) الأهداف المحددة في مصادر الشريعة للولي الأمر؛ هـ) القيم الاجتماعية التي يهتم بها الإسلام، مثل الأخوة والمساواة والعدالة (قاسمی اصل، ١٣٩٣، ص ١٢).
من بين هذه الطرق الخمسة، الطرق الأولى والثالثة والخامسة استكشافية، والطرق الثانية والرابعة تؤدي مباشرة إلى نتائج النظريات الدينية للإسلام (صدر، ١٣٨٢، ص ٤٣٣)، مع الفرق أن النظرية الصريحة في الطريق الثاني تتعلق بالأحكام الثابتة، وفي الطريق الرابع تتعلق بالأحكام المتغيرة.
لاكتشاف النظرية في الاقتصاد الديني الإسلامي مساران: مباشر وعكسي:
أ) الاكتشاف المباشر: يصل الباحث بعد الاطلاع على مجموعة الأدلة، باستخدام قواعد فهم النص، إلى تخمينات أولية حول النظرية الدينية للإسلام. إلى جانب الأحكام الشرعية، توجد مفاهيم إسلامية؛ أي كل تفسير إسلامي لواقع خارجي، اجتماعي أو قانوني (صدر، ١٣٨٢، ص ٣٧٦). تمنع هذه المفاهيم من خلال إشعاعها الانحراف في فهم الأحكام. لذلك، تؤدي المفاهيم إلى رفض أو قبول التخمينات الناتجة عن تجميع الأحكام الشرعية (صدر، ١٣٨٢، ص ٣٧٨-٣٧٩). الطرق الأولى والثالثة من نوع الاكتشاف المباشر؛ مع الفرق أن «توجه التشريع» ينتقل من توجه الأحكام الثابتة إلى النظرية، بينما «توجه العناصر المتحركة» ينتقل من توجه الأحكام المتغيرة إلى النظرية.
ب) الكشف العكسي: يمكن الاقتراب من نظرية دينية باختيار مفهوم أو مفاهيم من نفس النوع، ولكي تخرج النظرية من حالة التجريد المحض، تُختبر بالأحكام المتعلقة بها حتى تكتسب النظرية تحديدها ومحتواها. الطريق الخامس، أي “القيم الاجتماعية التي يهتم بها الإسلام”، من نوع الكشف العكسي (ر. ک: قاسمی اصل، ١٣٩٦).
٤. الحقائق الجزئية التجريبية (العلم)
عندما يقوم مجتمع بشري بأداء سلوكياته بناءً على توجه ديني معين، تتشكل حقائق ناتجة عن التزام ذلك المجتمع بقيم خاصة (صدر، ١٣٨٢، ص ٢٥١). هذه الأمور الواقعية التي تدخل الإرادة الإنسانية في تحقيقها، تتعلق بذلك المجتمع وتلك المرحلة الزمنية، ومن ثم تُعتبر جزئية. هذه الحقائق الجزئية ناتجة عن الالتزام بمجموعة من الاعتبارات والمعايير الاقتصادية. المقصود من علم الاقتصاد الإسلامي في “الاقتصادنا” للشهيد صدر هو هذا النوع من مقولات الاقتصاد الإسلامي. يؤكد الشهيد صدر على وجود قدرة للعلم التجريبي الإسلامي؛ وهو علم يختص بالحقائق القائمة على تحقيق المعايير الإسلامية.
يمكن تقديم أدلة من “الاقتصادنا” على استخدام الشهيد صدر للحقائق التجريبية:
١-٤. المسار التاريخي الاجتماعي لتشكّل التبادل (والنقود)
يتناول الشهيد صدر مسألة التبادل ومساره التاريخي والاجتماعي في التشكّل. يشير إلى أن التبادل، خلافًا للإنتاج والتوزيع، لم يكن ضرورة اجتماعية أولية، بل ظهر بعد عصر الاكتفاء الذاتي (العائلي) وتوسع الاحتياجات والتخصصات. من ناحية أخرى، يدرس دورتي التبادل العيني والنقدي، حيث نشأت طريقة التبادل النقدي لحل مشاكل التبادل العيني. تبدأ المشكلة الاقتصادية في التبادل النقدي عندما ابتعد وسيط التبادل عن فلسفته الوجودية التي تقوم على الوساطة بين المنتج والمستهلك، وأصبح هو الموضوع ذاته. هذه حقيقة اقتصادية جزئية تجريبية.
التبادل جزء من الإنتاج (صدر، ١٣٨٢، ص ٣٧٧-٣٧٨). إذا كانت حقيقة الإنتاج هي خلق إمكانية الاستهلاك لأشياء استهلاكية في الواقع غير قابلة للاستهلاك، فإن عملية التبادل أيضًا تُعتبر جزءًا من الإنتاج بحد الوساطة لخلق إمكانية الاستهلاك. هذا تحليل اقتصادي غير تجريبي. لذلك، يوافق الإسلام على الأنشطة الوسيطة بالحد الذي تقتضيه ضرورة تحقيق إمكانية الاستهلاك، ويعارض ما يزيد على هذا المستوى. هذا تحليل ديني. نفس التحليل موجود بالنسبة للنقود (المرجع نفسه، ص ٣٥٠٣٥٣).
٢-٤. القضايا العلمية التجريبية للاقتصاد في تاريخ الإسلام
يناقش الشهيد صدر الاقتصاد التجريبي الإسلامي في الفترات السابقة، ويطرح عدة أمثلة:
أ) يدافع الشهيد صدر عن الإسلام ضد شبهات الميل إلى الرأسمالية في قبول الملكية الخاصة غير المحدودة، التي كانت موجودة في صدر الإسلام، بتحليل هذا السلوك. ويركز على دور خاص للآلة والتكنولوجيا في الاستغلال، ويعتقد أن الملكيات الواسعة التي كانت موجودة في صدر الإسلام أصبحت اليوم مستحيلة بسبب وجود الآلة وإمكانيات الاستغلال الفائقة (صدر، ١٣٨٢، ص ٤٠٢٤٠٥).
ب) يجيب الشهيد صدر عن سؤال “ما هي طبيعة الغلام والجارية (العبد والأمة) في الإسلام والفقه الإسلامي؟” ويشرح علاقتها بالعبودية، موضحًا جوانب هذه المسألة وطبيعة هذه الحقيقة الاقتصادية في تاريخ الإسلام (المرجع نفسه، ص ٢٩٨٣٠٠).
ج) يتناول مفهوم “الإقطاع” الإسلامي ويفصله عن مضمون الإقطاع الإقطاعي (الإقطاعية). في الإقطاع الإسلامي، لا تنتقل ملكية الأرض إلى الشخص، بل تُمنح الأرض بقدر ما يستطيع الشخص إحياؤه، وهو ملزم بالإحياء، وإذا ترك الأرض مهملة يُلغى الإقطاع وتُسترد الأرض منه. لذلك، الإقطاع هو أحد الطرق المقبولة في الإسلام لاستثمار المواد الخام، وإذا رأى الإمام المسلم أن هذا هو الحل الأفضل، يستخدمه (صدر، ١٣٨٢، ص ٤٨٤).
د) مفهوم “الركبان”، أي عندما يقترب قافلة من المدينة، يذهب بعض الناس إليها قبل وصولها إلى المدينة ويشترون بضائعها، ثم يدخلون المدينة ويبيعونها للناس. هذا العمل، لأنه نوع من الوساطة غير الضرورية والطفيليّة، نُهِي عنه في الشريعة (المرجع نفسه، ص ٦٥٢).
٣-٤. القضايا العلمية التجريبية للاقتصاد في المدارس المنافسة
جزء من مناقشات الشهيد صدر في “الاقتصادنا” يتعلق بالقضايا العلمية التجريبية في المدارس الاقتصادية المنافسة، التي يستخدمها لتوضيح صحة وجهة نظر الإسلام المعيارية:
أ) يستند إلى الحقائق والتجربة الاقتصادية في المجتمعات الاشتراكية والرأسمالية لتوضيح صحة وجهة نظر الإسلام حول الملكية المختلطة وبطلان احتكار الملكية الاشتراكية أو الخاصة (صدر، ١٣٨٢، ص ٢٨١).
ب) الرأسمالية في الإجابة على سؤال «لمن ننتج؟»، تعتبر السعر أداة التمييز. يرى الشهيد الصدر أن الطلب في النظام الرأسمالي أكثر من كونه مفهوم حاجة الإنسان، هو ذو طبيعة نقدية (المرجع نفسه، ص ٦٥٣٦٥٧).
ج) يرى الاقتصاد الرأسمالي قوة العمل إلى جانب رأس المال والطبيعة شريكاً في الربح والدخل. يعتبر الشهيد الصدر هذا النظر تنزيلاً لمكانة الإنسان وعمله، ويعتقد أن مكانة رأس المال والطبيعة يجب أن تُعرف في إطار الإنسان وعمله.
٤-٤. دور المعايير الإسلامية في كشف الحقائق التجريبية
بما أن الأحكام الفقهية الإسلامية تفترض تحققاً نسبياً للمجتمع الإسلامي (المجتمع الذي يعمل جزء كبير منه وفق الإسلام؛ أي أن الدولة والبنية إسلامية، والارتباط الديني لجزء كبير من الأفراد يضمن تنفيذ القوانين)، وبشكل احتمالي، أغلبي ومؤقت، فهي تعكس حقائق المجتمع. لذلك يمكن من خلال تقدير إحصائي لمستوى التزام الناس بالشريعة، الوصول إلى الحقائق الاقتصادية القائمة. بناءً عليه، المعايير الإسلامية ومعرفتها جزء من التحليل الاقتصادي التجريبي في المجتمع الإسلامي.
٥. الاعتبارات الجزئية التجريبية (السياسة)
المقصود بالاعتبارات الجزئية التجريبية، هي النظريات السياسية الاقتصادية. طبيعة الاقتصاد السياسي تشبه عمل الطبيب الذي يصف لمريضه وصفة خاصة لا يمكن الحكم عليها قبل تحقق المشكلة ومواجهتها. ومع ذلك، يمكن لصانع السياسة الاقتصادية، مثل الطبيب، أولاً أن يشرح فرضياً نطاق وتركيب المشاكل ويقدم حلولاً للحالات الافتراضية؛ ثانياً أن يحدد نطاقاً من المشاكل المتكررة والواسعة النطاق ويقدم حلولاً لها؛ ثالثاً أن يضع مبادئ وضوابط تجعل تقديم السياسة معقولاً وعالماً وتغلق الباب على المحتالين والجاهلين.
الاقتصاد السياسي متأثر بالاقتصاد الديني، وهذا التأثير نابع من خاصية استراتيجية الاقتصاد الديني وميزة الحلول في الاقتصاد السياسي. يعرف الشهيد الصدر المذهب الاقتصادي بأنه مجموعة النظريات الأساسية لحل المشكلات الاقتصادية لحياة الإنسان (صدر، ١٣٨٢، ص ٣٦٥). التركيز على أساسية النظريات يدل على استراتيجية مناقشات الاقتصاد الديني، وبناءً عليه، المقصود بـ«المشكلات الاقتصادية» هي المشكلات العامة أو بعبارة أخرى، جذور المشكلات. بالمقابل، يسعى الاقتصاد السياسي إلى تطبيق وتحديد مصاديق النظريات والاستراتيجيات الأساسية لتحقيق الأهداف الجوهرية. في ما يلي ثلاثة مقتطفات من كلام الشهيد الصدر في الاقتصادنا حول الاقتصاد السياسي.
رغم أن الحديث عن السياسة الاقتصادية في الاقتصادنا خلف وخطأ، إلا أن الحديث عن الاقتصاد السياسي في الاقتصادنا يبدو مبرراً. من جهة، تم دراسة بعض الأمثلة التاريخية للسياسات الاقتصادية في الاقتصادنا والتي ذُكرت في النقاش السابق. من بين هذه السياسات الاقتصادية في صدر الإسلام، موضوعات «الإقطاع»، «العبد والجارية»، «إلغاء الحمي»، و«حكم الماء والكلأ» التي تم التركيز في القسم السابق على تحقق بعضها تجريبياً.
يفصل الشهيد الصدر في الاقتصادنا بوضوح التمييز بين النظرية الدينية والعلمية (صدر، ١٣٨٢، ص ٤٤)؛ لكن هناك غموض حول وجهة نظره في علاقة النظرية الدينية بالسياسية. كل من النظرية الدينية والسياسية تتحدثان عن الحقائق المرغوبة؛ خلافاً للمبادئ والنظرية العلمية التي تتحدث عن الواقع الموجود. النظرية الدينية والسياسية هما مرتبتان لوجود حقيقة واحدة؛ النظرية الدينية هي مرتبة الوجود الذهني، والنظرية السياسية هي مرتبة الوجود الخارجي للحقائق التي تعتبرها الإسلام مرغوبة وجديرة بالتحقق، وبعبارة أخرى، النظرية الدينية كلية، والنظرية السياسية فردية. وفق تعبير الشهيد الصدر، للمذهب الاقتصادي وجهتان (وليس جزأين): الوجهة الأولى ثابتة وغير قابلة للتغيير أو التحول، وقد أكملها الشرع؛ والوجهة الثانية متغيرة ومتطورة، وقد كلف الإسلام تأمينها للولي الأمر أو الدولة الإسلامية ليعدها متناسبة مع الأهداف العامة للاقتصاد الإسلامي ومتطلبات كل زمان (صدر، ١٣٨٢، ص ٤٤٣).
لذا، فإن مصاديق وسياسات التي تتخذها الدولة الإسلامية ليست جزءاً من الاقتصاد الديني الإسلامي:… هذه خدمات يقدمها الإسلام كمذهب اقتصادي لنمو الإنتاج وزيادة حجم الثروة. بخلاف ذلك، فإن الدولة ملزمة بدراسة الظروف الواقعية وبما يتوافق مع القواعد العامة، لوضع سياسة اقتصادية مناسبة للنمو. من هنا نفهم العلاقة بين المذهب الاقتصادي والسياسة الاقتصادية. السياسة الاقتصادية ليست جزءاً من المذهب الاقتصادي، وتحديدها ليس من مهام المذهب الاقتصادي… (اسپهبدی، ١٣٥٧، ص ٢٨٧٢٨٨).
بعض أركان وأُسس صنع السياسات في الاقتصادنا تم رسمها والتي ستُطرح فيما يلي:
١-٥. العلاقة بين المذهب الاقتصادي والسياسة المالية
الشهيد الصدر تحت عنوان الاقتصاد الإسلامي كجزء من الكل، قدم أمثلة على العلاقة بين الاقتصاد الإسلامي وبقية العناصر الإسلامية. في المثال الرابع، طرح العلاقة بين المذهب الاقتصادي (الاقتصاد المعياري) والسياسة المالية كجزء من برنامج المذهب الاقتصادي الإسلامي. وفق رأيه، السياسة المالية مع السياسة الاقتصادية العامة تسعى لتحقيق أهداف الاقتصاد الإسلامي؛ لأن السياسة المالية في الإسلام ليست فقط لتأمين نفقات الدولة، بل تهدف أيضاً إلى المشاركة في خلق التوازن الاجتماعي والتكافل العام. في المثال الخامس، يطرح العلاقة بين الاقتصاد الإسلامي والنظام السياسي الإسلامي؛ لأن السلطة الحاكمة تمتلك قدرات اقتصادية وملكيات كثيرة تتصرف فيها حسب تشخيصها (أو قدرتها)، ومن الضروري توفير شروط الاستخدام السليم لهذه القدرات في الدولة (صدر، ١٣٨٢، ص ٢٩٧).
٢-٥. نظرية مسؤولية الدولة
الشهيد الصدر من خلال طرح نظرية مسؤولية الدولة في الاقتصاد الإسلامي، رسم الإطار والبنية العامة لنظام صنع السياسات؛ أي أولاً ثبت أصل الإمكانية والضرورة وتحقيق الأمر؛ ثانياً حدد منفذ الأمر؛ ثالثاً بتكليفه على مهام الدولة، حدد الأهداف النهائية لصنع السياسات (المرجع نفسه، ص ٣٨٠).
الضمان الاجتماعي يتم تأمينه من خلال التكافل العام وحق الأفراد في الثروات الطبيعية، لتوفير حدود الضرورة وكفاية الحياة الاقتصادية للناس. مهمة التوازن الاجتماعي في الإسلام تنبع من حقيقتين وجوديتين ودينيتين اعترف بهما الإسلام: الحقيقة الوجودية هي تميز الأفراد في القدرات والاستعدادات، وهو أمر ليس نتيجة أحداث أو مسار تاريخي، بل كان في خطة الخلق [علم غير تجريبي]؛ والحقيقة الدينية هي أن العمل هو أساس الملكية [اقتصاد معياري]. التوازن في الإسلام هو توازن في مستوى متوسط المعيشة وليس الدخل، ويجب على الدولة أن تسعى لتوفيره حسب إمكانياتها. ولتحقيق هذا الهدف، وضع الإسلام ضرائب ثابتة مثل الخمس والزكاة إلى جانب أموال الدولة الإسلامية. طبيعة القوانين الإسلامية تؤثر في هذا الاتجاه (صدر، ١٣٨٢، ص ٦٥٩٦٩٢).
الإسلام لم يشرع قوانينه لفترة زمنية محددة. وبما أن جزءاً من الحركة الاقتصادية يتعلق بعلاقة الإنسان مع الطبيعة التي هي متغيرة بطبيعتها، وجزءاً آخر يتعلق بعلاقة الإنسان مع الإنسان التي هي ثابتة بطبيعتها [علم غير تجريبي]، فإن دوام القوانين الإسلامية يتطلب أولاً أن تستند القوانين الثابتة إلى الجوانب الثابتة من حياة الإنسان، وثانياً أن تحدد آلية للتعامل مع الجوانب المتغيرة من حياة الإنسان. في النوع الأول، تم تشخيص الواجب مسبقاً ويجب على الدولة أن تتدبر كيفية تحقيقه؛ أما في النوع الثاني، فالتشخيص والتنفيذ كلاهما من مسؤولية الدولة الإسلامية. الشهيد الصدر يطلق على النوع الثاني مصطلح “منطقة الفراغ” التي تشير إلى جزء من التشريعات الإسلامية التي ليست واجبة أو محرمة، ويمكن للولي الفقيه أن يفرض التزامات لتحقيق الأهداف الإسلامية في تلك الحالات.
٣-٥. السياسة الاقتصادية في سبيل نمو الإنتاج
الشهيد الصدر يعتبر السياسة الاقتصادية خدمات يقدمها الإسلام بتوجهه الديني الخاص لنمو الإنتاج وزيادة الثروة، ويترك للدولة حرية التصرف بما يتناسب مع الظروف الواقعية للمجتمع والإمكانات المتاحة. يجب أن تؤدي هذه السياسات إلى تسهيل الحياة وفتح سبل المعيشة إلى جانب نمو الإنتاج والثروة. السياسة الاقتصادية ليست جزءاً من المذهب؛ لأن السياسة الاقتصادية بطبيعتها متغيرة؛ لذلك يجب على المذهب أن يترك رسم التفاصيل الدقيقة للسياسات للدولة الإسلامية. على المذهب أن يرسم الأهداف العامة والأُطر العامة التي يجب على الدولة الإسلامية الالتزام بها وفي إطارها تتخذ السياسات (صدر، ١٣٨٢، ص ٦٣١٦٣٢).
الخاتمة
“ما هو محتوى الاقتصاد الإسلامي في الاقتصادنا؟” كان هذا السؤال الذي دفعنا إلى صياغة هذا المقال. في سبيل الإجابة على هذا السؤال، كان هناك حاجة إلى أداة تساعدنا في تحليل محتوى الاقتصادنا. هذا البحث، باستخدام تقسيم الحقائق الاقتصادية إلى فئتين: الواقع الموجود والواقع المرغوب، قسم الواقع الموجود إلى فئتين: سابق (غير تجريبي) ولاحق (تجريبي)، والواقع المرغوب إلى سابق (معياري أو مصدر السلوك) ولاحق (سياسي أو ناظر إلى السلوك)، وقد تناول المحتوى التحليلي للاقتصادنا بناءً على ذلك.
تُظهر نتائج البحث أن العبء الرئيسي لمحتوى مناقشات الاقتصاد الإسلامي في اقتصادنا يقع على عاتق المناقشات الدينية الاقتصادية التي تتناول تحديد الأهداف والتوجهات والاستراتيجيات الاقتصادية العامة. إلى جانب ذلك، نجد ثلاث فئات أخرى من المناقشات في كتاب اقتصادنا، والتي رغم أن حجمها النسبي أقل، إلا أنها تلعب دورًا أساسيًا إما مثل العلم غير التجريبي في تشكيل النظريات الدينية، أو مثل العلم التجريبي والاقتصاد السياسي في تطبيق النظريات الدينية. وقد تم طرح أمثلة من اقتصادنا لكل من هذه الأنواع الثلاثة من النظريات الاقتصادية.
ونظرًا لأن الجزء الأكبر من مناقشات اقتصادنا يشمل النظريات الدينية، فقد تم تحليل بعض الخصائص وأنواع النظرية الدينية: تمتلك نظريات الاقتصاد الديني الإسلامي ست خصائص مشتركة: ١. تعتمد على نظام فكري مستقل وشامل للإسلام؛ ٢. تحتوي على رؤية اقتصادية؛ ٣. تحتوي بشكل مباشر على المعايير والقيم الشرعية؛ ٤. ثابتة وليست مؤقتة، لأنها نابعة من خصائص ثابتة لحياة الإنسان؛ ٥. في مجال محدد، تتمتع بالشمولية والعمومية؛ ٦. تمهيدية ومؤسسة، بمعنى أن سلوك الإنسان مشروط ومقيد بهذه النظريات، وليس أن النظرية مقيدة بتحقق سلوك الناس. أما النظريات الاقتصادية الأخرى، فتتشابه مع النظرية الدينية في الخاصيتين الأولى والثانية، لكن الخاصية الثالثة تخص النظرية الدينية والسياسية، والخصائص من الرابعة إلى السادسة تخص النظريات الأساسية والدينية.
يمكن تصنيف النظريات في الاقتصاد الديني الإسلامي إلى ثلاث فئات: ١. بعضها من نوع الأُطُر. الأُطُر هي أمور تخلق للإنسان بيئة وشكلًا وقالبًا للنشاط، وتحدد نطاق الحركة المسموح بها؛ ٢. بعضها من نوع تحديد الاستراتيجيات الاقتصادية. المقصود بالاستراتيجية هنا هو التوجه والعقلية العامة التي يتبعها مذهب اقتصادي ويتخذ قراراته بناءً عليها؛ ٣. بعضها من نوع تحديد الأهداف الاقتصادية الثابتة التي يبذل الإسلام كل جهوده لتحقيقها.
تُستمد نظريات الاقتصاد الديني الإسلامي من خمسة مصادر: ١. التوجه التشريعي؛ ٢. الهدف المنصوص عليه كحكم ثابت؛ ٣. القيم الاجتماعية التي يؤكد عليها الإسلام؛ ٤. توجيه العناصر المتحركة من قبل النبي والأئمة الأطهار؛ ٥. الأهداف المحددة في مصادر الشريعة للولي الأمر. الهدف المنصوص عليه كحكم ثابت والأهداف المحددة في مصادر الشريعة للولي الأمر يؤديان إلى نظرية صريحة. القيم الاجتماعية المؤكدة من الشريعة هي من نوع النظرية الاستكشافية التي تُستمد بالكشف العكسي. أما الكشف عن التوجه التشريعي وتوجيه العناصر المتحركة من قبل النبي والأئمة فهو من نوع الكشف المباشر.
المصادر والمراجع
اسپهبدی، عبدالعلی، ١٣٥٧، اقتصاد ما، چ دوم، تهران، اسلامی.
بلاگ، مارک، ١٣٨٧، روش شناسی علم اقتصاد، ترجمۀ علامرضا آزاد، تهران، نشر نی.
حسین زاده، محمد، ١٣٩٤، منابع معرفت، قم، مؤسسۀ آموزشی و پژوهشی امام خمینی.
صدر، سیدمحمدباقر، ١٣٨٢، اقتصادنا، چ دوم، قم، بوستان کتاب.
صدر، سیدمحمدباقر، ١٤١٠ق، المجموعه الکامله لمؤلفات السیدمحمدباقر الصدر، بیروت، دارالتعارف للمطبوعات.
صدر، سیدمحمدباقر، ١٤٢٤ق، الاسلام یقود الحیاة، بیروت، دارالتعارف للمطبوعات.
قاسمی اصل، محمدجواد، ١٣٩٣، بررسی و تحلیل جایگاه استقرا در روش شهید صدر در اقتصاد اسلامی»، رسالة ماجستير، رشتۀ اقتصاد، قم، مؤسسۀ آموزشی و پژوهشی امام خمینی.
قاسمی اصل، محمدجواد، ١٣٩٦، «فرضیه در مذهب اقتصادی اسلام با تأکید بر دیدگاه شهید صدر در کتاب اقتصادنا»، عیار پژوهش در علوم انسانی، سال هشتم، ش ١٥، ص ٩١-١٠٨.
قاسمی اصل، محمدجواد، ١٣٩٨، «نظریه سیاستی در اقتصاد اسلامی»، معرفت اقتصاد اسلامی، سال دهم، ش ٢٠، ص ١٦١-١٧٨.
مصباح، محمدتقی، ١٣٨٣، آموزش فلسفه، چ چهارم، تهران، شرکت الطبعة و نشر بین الملل.

