الأخلاق الإسلامية والمذهب الاقتصادي الإسلامي

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: ‌‌‌اخلاق‌ اسلامی و مذهب اقتصادی اسلام ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص

المقالة المعروضة (الأخلاق الإسلامية والمذهب الاقتصادي الإسلامي) تهدف إلى توضيح أثر الأخلاق الإسلامية التي تنتمي إلى نوع الأخلاق المعيارية في المذهب الاقتصادي الإسلامي. فرضية المقالة هي أن بعض المبادئ الأخلاقية التي تشكل أساس الأحكام الأخلاقية والفقهية للأفعال الاقتصادية هي أيضًا من مبادئ المذهب الاقتصادي الإسلامي. هذه الفرضية تقف في مواجهة فرضية تُستمد من كلمات الشهيد الصدر، والتي تفيد بأن العواطف والمشاعر الناشئة من المبادئ الأخلاقية تشكل أساس المبادئ المذهبية، وبمصطلحه تُعتبر من الأسس. الفرق بين هاتين الفرضيتين هو أنه إذا كانت المبادئ الأخلاقية جزءًا من مبادئ المذهب، فإنها تشكل أساس النظام الاقتصادي بشكل مباشر، أما إذا كانت من أسس ومباني مبادئ المذهب، فإنها تؤثر على النظام الاقتصادي عبر مبادئ المذهب ولا تؤثر عليه بشكل مباشر.

طريقة إثبات الفرضية هي التحليل العقلي، وهيكل المقالة العلمية يكون على النحو التالي: أولاً يتم تعريف الأخلاق الإسلامية وبيان الفرق بينها وبين الفقه والحقوق الإسلامية وعلاقتها بهما. ثم يتم تعريف المذهب الاقتصادي، وأخيرًا سيتم إثبات فرضيتنا من خلال التحليل العقلي لهذين التعريفين. في الختام، وبناءً على العلاقة بين الأخلاق الإسلامية والمذهب الاقتصادي الإسلامي، سيتم بيان طريقة استنباط المبادئ الأخلاقية للمذهب الاقتصادي الإسلامي.

المؤلف: سید حسین میرمعزی‌

المصدر: اقتصاد اسلامی، صيف ١٣٩۵، العدد ٦٢، ص٣٣-٦٠

المقدمة

بدأ الخطاب حول الأخلاق والاقتصاد منذ نحو ثلاثة عقود في الغرب، وقد أدلى أشخاص مثل دانيال هاسمان، سيرج كولم، أمارتياسن، جون روثمر، مايكل مكفيرسون ورونالد دوركين بآرائهم حول دور وأثر الأخلاق في الاقتصاد (مک‌گرن و بلنک، 1390، ص12). أما بين المفكرين والاقتصاديين المسلمين، فقد نوقشت العلاقة بين الأخلاق والاقتصاد الإسلامي بشكل أقل، وكان نقوي أول من تناول هذا الموضوع في كتابه “جمع الأخلاق والاقتصاد في الإسلام”، وكذلك تشوبرا في كتابه “الإسلام والتحدي الاقتصادي”، ومنذ ذلك الحين كُتبت مقالات محدودة حول هذا الموضوع. هذا النقاش هو أحد الفروع الفرعية للفلسفة المضافة إلى الاقتصاد أو الاقتصاد الإسلامي، وتوضيح هذه العلاقة يساعد كثيرًا في فهم طبيعة الاقتصاد والاقتصاد الإسلامي.

إن نقاش العلاقة بين الأخلاق والاقتصاد الإسلامي بهذا العموم غامض جدًا؛ لأن الأخلاق تتضمن تخصصات متعددة مثل فلسفة الأخلاق أو ما وراء الأخلاق، والمدارس الأخلاقية، والأخلاق المعيارية، والأخلاق الوصفية، والأخلاق المهنية والتطبيقية.

كما أن علم الاقتصاد الإسلامي يشمل فلسفة الاقتصاد، والمذهب الاقتصادي، والنظام الاقتصادي، وعلم الاقتصاد. في موضوع الأخلاق والاقتصاد، يجب أن نحدد العلاقة بين أي فرع من فروع علم الأخلاق وأي فرع من فروع علم الاقتصاد الإسلامي نقصد.

في المقالة الحالية، نسعى إلى توضيح العلاقة بين الأخلاق الإسلامية التي تنتمي إلى نوع الأخلاق المعيارية والمذهب الاقتصادي الإسلامي. وتتكون الأخلاق المعيارية من قسمين: أ) القسم الأول يشمل المعايير العامة للخير والشر والصواب والخطأ. ب) القسم الثاني يشمل تطبيقات هذه المعايير العامة. في هذه المقالة، المقصود هو بيان العلاقة بين القسم الثاني من الأخلاق المعيارية والمذهب الاقتصادي الإسلامي. فرضية المقالة هي أن بعض المبادئ الأخلاقية التي تشكل أساس الأحكام الأخلاقية والفقهية للأفعال الاقتصادية هي أيضًا من مبادئ المذهب الاقتصادي الإسلامي. طريقة إثبات الفرضية هي التحليل العقلي، وهيكل المقالة العلمية يكون على النحو التالي: أولاً نوضح المشكلة والسؤال الذي تسعى المقالة للإجابة عليه، ونشرح الفرضية التي نسعى لإثباتها ردًا على هذا السؤال، ثم نوضح الأثر العملي لهذا النقاش؛ بعد ذلك ننتقل إلى إثبات فرضيتنا. للقيام بذلك، يتم أولاً تعريف الأخلاق الإسلامية وبيان الفرق بينها وبين الفقه والحقوق الإسلامية وعلاقتها بها. إن توضيح هذا الموضوع مهم جدًا في تحديد العلاقة بين الأخلاق والمذهب الاقتصادي؛ لأن الأخلاق والفقه والحقوق أمور مترابطة ومتشابكة، ووجود أسس متعددة في تعريف هذه الأمور وعدم الفصل الواضح والصحيح بينها يسبب غموضًا حول الأخلاق والمذهب الاقتصادي. ثم يتم تعريف المذهب الاقتصادي، وأخيرًا سيتم إثبات فرضيتنا من خلال التحليل العقلي لهذين التعريفين. في الختام، وبناءً على العلاقة بين الأخلاق الإسلامية والمذهب الاقتصادي الإسلامي، سيتم بيان طريقة استنباط المبادئ الأخلاقية للمذهب الاقتصادي الإسلامي.

ومن الجدير بالذكر أن العلاقة بين المذهب الاقتصادي والأخلاق لا تمتلك أي خلفية في الأدبيات العلمية. كما أن هذا الموضوع لم يُناقش بشكل مستقل في أدبيات الاقتصاد الإسلامي، ولا بين الاقتصاديين المسلمين إلا الشهيد الصدر، الذي كما سنبين بالتفصيل في متن المقالة، تناول هذا النقاش بوضوح.

توضيح المشكلة والفرضية

السؤال هو: ما العلاقة بين المبادئ الأخلاقية في الإسلام مثل العدل والاعتدال وبين مبادئ المذهب الاقتصادي الإسلامي؟ هل هذه المبادئ جزء من مبادئ المذهب الاقتصادي، أم كما يُستفاد من أقوال الشهيد الصدر حول العواطف والمشاعر، فهي تقع في مرتبة المعتقدات والمفاهيم وتُعد من أسس المذهب، وتؤثر في تفسير وتبرير مبادئ المذهب؟

المقصود من المبادئ الأخلاقية ليس المعايير الأخلاقية التي تُناقش في المدارس الأخلاقية، بل المقصود هو مبادئ صفات النفس. العلاقة بين هذه المبادئ وصفات النفس هي علاقة كلية وفردية. المبادئ الأخلاقية هي منبع الدوافع والمشاعر الإنسانية، وتؤثر في تشكيل الأفعال والعلاقات؛ على سبيل المثال، العدل أحد المبادئ الأخلاقية التي تُعتبر جميع الصفات الأخلاقية في مجال علاقة الإنسان بالآخرين تجسيدًا للعدل. والعدل يعني أن يعامل الإنسان الناس كما يحب أن يعاملوه هو وأهله وأقاربه. يقول الإمام الصادق: «العدل مع الناس يتحقق حينما تريد للآخرين ما تحب لنفسك» (کلینی، 1429هـ، ص144، ح3). والعدل بهذا المعنى العام يشمل الصفات الأخلاقية الأخرى في علاقة الإنسان بالآخرين مثل اللين والتسامح، والإحسان، والتكافل، والكرم، والوفاء بالعهد، والصدق.

الفرضية التي نسعى لإثباتها في هذا المقال هي أن المبادئ الأخلاقية، إلى جانب المبادئ القانونية، هي من مبادئ المذهب؛ أي كما أن «العمل الاقتصادي المفيد هو منبع الدخل»، فإن هذا مبدأ من مبادئ المذهب الاقتصادي الإسلامي؛ وكذلك القضية التي تقول إن العلاقة مع الآخرين في المجال الاقتصادي يجب أن تقوم على العدل، هي أيضًا مبدأ من مبادئ المذهب الاقتصادي الإسلامي. هذه الفرضية تقف في مواجهة فرضية تُستمد من كلمات الشهيد صدر، والتي تقول إن مبادئ المذهب تشمل فقط المبادئ التي تشكل أساس القانون المدني والمالية العامة، وبعبارة أخرى أساس الجانب القانوني من الفقه. أما المشاعر والأحاسيس التي تنبع من المبادئ الأخلاقية فهي أساس مبادئ المذهب، وبمصطلحه تُعتبر من الأسس.

الأثر العملي للنقاش

قد يُقال ما الفرق العملي بين هاتين الفرضيتين؟ على أي حال، المبادئ الأخلاقية تؤثر في الاقتصاد الإسلامي، سواء كانت من أسس المذهب الاقتصادي الإسلامي أو من مبادئ المذهب الاقتصادي. فما الفرق بينهما؟

الفرق بين هاتين الفرضيتين يتضح بالنظر إلى أن مبادئ المذهب هي أساس النظام الاقتصادي. إذا كانت المبادئ الأخلاقية من مبادئ المذهب، فإنها تصبح أساسًا مباشرًا للنظام الاقتصادي، وتؤثر في الدوافع والتفضيلات والسلوكيات والعلاقات المرغوبة في النظام الاقتصادي. أما إذا كانت من أسس ومباني مبادئ المذهب، وكانت مبادئ المذهب الاقتصادي تشمل فقط المبادئ القانونية، فيجب منطقيًا أن تؤثر على النظام الاقتصادي عبر مبادئ المذهب، ولا يكون لها تأثير مباشر عليه.

بنظرة أخرى، لكل نظام اقتصادي، ومن ضمنها النظام الاقتصادي الإسلامي، أبعاد وأجزاء أخلاقية لا تمت للجانب القانوني والحقوقي بصلة. يجب أن يحتوي المذهب على مبادئ أساسية تبرر هذه الأجزاء والأبعاد؛ على سبيل المثال، الجزء الثالث أو الاقتصاد الاجتماعي هو جزء من النظام الاقتصادي حيث لا تقوم السلوكيات والعلاقات على دافع الربح. من المنطقي أن يكون هناك مبدأ في المذهب الاقتصادي يشكل أساس هذا الجزء ويبرر كيفية تنظيم السلوكيات والعلاقات فيه. في القطاع الخاص في النظام الرأسمالي، تُبنى السلوكيات والعلاقات على مبدأ المنافسة بدافع المنفعة الشخصية. هذا المبدأ هو مبدأ أخلاقي ومن مبادئ المدرسة الرأسمالية. في المذهب الاقتصادي الإسلامي يجب إما تأييد هذا المبدأ أو إثبات بديل له. على أي حال، يجب أن يكون في المذهب الاقتصادي الإسلامي مبدأ أخلاقي يُنظم السلوكيات والعلاقات الاقتصادية في القطاع الخاص ضمن النظام الاقتصادي الإسلامي.

غياب هذه المبادئ في المذهب الاقتصادي الإسلامي واحتواؤها ضمن أسس المذهب وحصر المذهب في المبادئ القانونية يؤدي إلى نقص في فهم وتبرير الجانب الأخلاقي للنظام الاقتصادي الإسلامي؛ لأن الفرض هو أن المذهب الاقتصادي الإسلامي يحدد مبادئ طريقة تحقيق أهداف النظام الاقتصادي الإسلامي، ويُبنى النظام الاقتصادي الإسلامي على أساس هذه المبادئ. إذا حصرنا مبادئ المذهب الاقتصادي في المبادئ القانونية فقط، فإن هذه المبادئ لا يمكنها إلا تبرير الأبعاد والأجزاء الحقوقية للنظام الاقتصادي، ولا يمكن تبرير الأوجه والأبعاد الأخلاقية للنظام الاقتصادي الإسلامي من خلال مبادئ المذهب.

تعريف الأخلاق

في اللغة، الأخلاق على وزن أفعال جمع خلق (طریحی، 1375، ج5، ص157). الخلق يُطلق على صفات نفس الإنسان، كما يُطلق الخلق على صفات الجسم. في مفردات اللغة جاء: «الخلق والأخلاق في الأصل شيء واحد مثل شرب وشُرب وصوم وصوم، لكن الخلق يختص بالأشكال والهيئات والوجوه التي تُرى بالعين، والأخلاق تختص بالقوى والفضائل التي تُدرك بالبصيرة» (راغب اصفهانی، 1412هـ، ص297).

يرى معظم علماء الأخلاق أن الأخلاق هي حالة أو ملكة للنفس، بحيث أن وجودها يجعل السلوك يصدر بسهولة ويسر ودون تفكير من الشخص الذي يمتلك هذه الهيئة النفسية (ابن‌مسکویه، 1966م، ص221/ طوسی، 1373، ص48/ فیض‌کاشانی‌، 1979‌م، ص54‌/ غزالی، 1419هـ، ص53/ مجلسی، 1403هـ، ص373).

صفات النفس نوعان: أ) دائمة؛ ب) غير دائمة. الصفات الدائمة تُسمى ملكة. المَلَكات لدى الإنسان هي مصدر أفعاله. المَلَكات التي هي مصدر الأفعال الحسنة تُسمى فضيلة، وتلك التي هي مصدر الأفعال السيئة تُسمى رذيلة.

ملامهدي نراقي( في تعريف الأخلاق يقول: «الأخلاق هي ملكة نفسية تقتضي صدور الأفعال بسهولة ودون حاجة إلى تفكير وتأمل» (نراقی، 1949م، ج1، ص24). وبحسب آية الله مصباح اليزدي، الأخلاق أعم من الملكة النفسية والسلوك؛ لأن الأخلاق تُستخدم أحيانًا كصفات نفسية وأحيانًا كصفة للفعل؛ أي المقصود من العمل الأخلاقي ليس فقط الصفات النفسية؛ مع أن السلوك قد لا يكون قد تشكل بعد في النفس بصورة راسخة وقد اختير بعناية، لكنه مع ذلك يُوصَف بالأخلاق الفاضلة أو الرذيلة… وأحيانًا تأتي بمعنى خاص، حيث يُقال عن الأخلاق الفاضلة فقط: «ذلك العمل أخلاقي؛ أي جيد» (مصباح‌ یزدی‌، 1389، ص9).

أحيانًا يُستخدم مصطلح الأخلاق ويُراد به شيئًا في مقابل الفن، الحقوق، الاقتصاد، الدين…؛ بمعنى آخر، الأخلاق بهذا المعنى تعني البنية الأخلاقية للحياة. الأخلاق بهذا المعنى أمر اجتماعي وليس مجرد اكتشاف أو اختراع فردي لتوجيه نفسه. الأخلاق مثل اللغة، الوطن، الدين والمذهب كانت موجودة قبل الفرد وتستمر في الوجود بعده (عالمی‌، 1389، ص89).

الأخلاق بهذا المعنى تُعتبر وسيلة لتنظيم سلوك الأفراد في المجتمعات. الأخلاق هي رد فعل على مشكلة التعاون بين الأفراد أو الجماعات المتنافسة وهدفها تهدئة النزاعات التي قد تحدث في الأوساط الاجتماعية (گرین، 1374، ص5  6).

علم الأخلاق

بعض فلاسفة الأخلاق الغربيين مثل جاكس يرون أن علم الأخلاق هو دراسة السلوك الإنساني كما ينبغي أن يكون (ژکس، 1362، ص9). لا يهم إن كان هذا السلوك صادرًا عن ملكة نفسية أم لا. كما يرى إدوارد مور أن موضوع علم الأخلاق هو سلوك الإنسان لأن كل الأسئلة المطروحة حول الأخلاق تتعلق بسلوك الإنسان (ادوارد مور، 1385، ص123). ويقول فولكيه في تعريف علم الأخلاق: «مجموعة القوانين السلوكية التي يمكن للإنسان من خلالها تحقيق هدفه، هو علم الأخلاق» (بدوی، 1353هـ، ص10).

خواجه نصير الدين الطوسي( عرّف علم الأخلاق قائلاً: «هو العلم الذي يعرف كيف يكتسب النفس خلقًا بحيث تكون جميع أفعاله الصادرة عن إرادته جميلة ومحمودة» (طوسی، 1373، ص48). وبحسب العلامة الطباطبائي، علم الأخلاق هو:

فن يناقش الملكات الإنسانية؛ الملكات المتعلقة بالقوى النباتية والحيوانية والإنسانية، وهدفه تمييز الفضائل عن الرذائل؛ أي أن هذا العلم يريد أن يحدد أي من الملكات النفسية للإنسان جيدة وسبب كماله وفضيلته، وأي منها سيئة ورذيلة وسبب نقصه، لكي يزين الإنسان نفسه بالفضائل ويبتعد عن الرذائل بعد معرفتها (طباطبایی‌، 1374، ص۵۵۸).

لذا فإن هدف علم الأخلاق هو معرفة الفضائل وكيفية توظيفها في تزكية النفس، ومعرفة القذارات بهدف تطهير النفس منها؛ ولهذا السبب، يُسمى علم الأخلاق علم السلوك أو تهذيب الأخلاق أو الحكمة العملية (صلیبا، 1370، ص۲۰).

يرى الشهيد مطهري أنه إذا اعتُبرت الأخلاق كمفاهيم كلية ومطلقة، فإن علم الأخلاق هو علم كيف يعيش الإنسان؛ أي أن الأخلاق تريد أن تجيب الإنسان عن السؤال: ما هي الحياة الطيبة للإنسان وكيف يجب أن يتصرف الناس؟ ولكن إذا اعتُبرت الأخلاق من منظور فردي، حيث يريد الفرد أن يقرر لنفسه فقط، فهذا التعريف غير صحيح، وموضوع كيف يعيش الإنسان له ثلاثة فروع:

أ) فرع كيف يتصرف؛ ب) فرع كيف يكون؛ ج) فرع ما هو كونه. فرع كيف يتصرف يتعلق بأفعال الإنسان (ويشمل القول أيضًا) – كيف يجب أن يكون، فرع كيف يكون يتعلق بالأخلاق والملكات التي يجب أن تكون وكيفيتها، فرع ما هو كونه يتعلق بكيفية وجود الإنسان. بناءً على نظرية أصالة الوجود من جهة، وإمكانية وافتقار تحديد شخصية الإنسان من جهة أخرى، وتأثير السلوك في بناء نوع الأخلاق ودور الأخلاق في كيفية وجود الإنسان، أي كيف يكون وجوده، فإن الأخلاق في الحقيقة هي علم «ما هو كونه» أيضًا (مطهری، 1371، ص38). وبناءً على ذلك، يعتبر تعريفه للأخلاق أعم من الملكات النفسية والسلوك؛ مع أن بعضهم انتقد تعريفه بأن نطاق علم كيف يعيش الإنسان أوسع من الأخلاق (رمضانی، 1387، ص73).

آية الله مظاهري وسّع علم الأخلاق ليشمل الفكر وعرّفه قائلاً:

علم الأخلاق هو العلم الذي يناقش فيه صفات النفس، الأفعال، الأقوال، والأفكار الصادرة عن هذه الصفات، وكذلك كيفية تهذيب النفس من الرذائل والتخلق بالفضائل، وأيضًا تقديم طرق السعادة الأبدية… (مظاهری، 1371، ص21).

ويقول آية الله مصباح اليزدي في هذا الصدد:

لتقديم تعريف أشمل وأدق لعلم الأخلاق، يمكن تعريفه بأنه العلم الذي يناقش أنواع الصفات الحسنة والسيئة وكيفية اكتساب الصفات الحسنة وإزالة الصفات السيئة. موضوع علم الأخلاق هو الصفات الحسنة والسيئة من حيث ارتباطها بالأفعال الاختيارية للإنسان، والتي يمكن اكتسابها أو تجنبها. في علم الأخلاق، بالإضافة إلى التعرف على أنواع الفضائل والرذائل الأخلاقية، تُعلَّم طرق اكتساب الخير ورفع وإزالة الشر أيضًا (مصباح یزدی‌، 1389‌، ص25‌).

وبحسب نراقي أيضًا، علم الأخلاق هو علم الصفات المميتة والمنجية وكيفية التصفية والاتصاف بالصفات المنقذة والابتعاد عن الصفات الهالكة (نراقی، 1949م، ج1، ص11  13).

كما يُلاحظ، يختلف الفلاسفة والعلماء الإسلاميون في تعريف علم الأخلاق، وينقسمون إلى فئتين رئيسيتين:

  1. أشخاص مثل المرحوم النراقي والعلامة الطباطبائي وآية الله مصباح اليزدي الذين يقتصرون موضوع علم الأخلاق على الصفات والملكات النفسية.
  2. أشخاص مثل الشهيد المطهري وآية الله مظاهري الذين لا يقتصرون موضوع علم الأخلاق على صفات النفس فقط، بل يوسّعونه ليشمل الأفعال والأمور الأخرى.

في المقالة القادمة، دون الحكم على صحة هذه التعريفات، سنتناول دراسة علاقة علم الأخلاق الإسلامي بالمذهب الاقتصادي في الإسلام بناءً على تعريفات علم الأخلاق الإسلامي.

مكانة علم الأخلاق في العلوم الإسلامية

يُعد علم الأخلاق من أهم وأثمن مناقشات العلوم الدينية، وقد أُصرّ عليه في الإسلام إصرارًا كبيرًا؛ بحيث عدّ النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم هدف بعثته إتمام مكارم الأخلاق (مجلسی، 1403هـ، ج16، ص210) واعتبر معيار الإيمان الكامل الالتزام بالقيم الأخلاقية (کلینی، 1429هـ، ج3، ص256). كما بيّن القرآن الكريم أن تزكية النفس من أهداف رسالة النبي الأكرم( (آل‌عمران: 164).

يقول العلماء الإسلاميون إن مجموع التعاليم الإسلامية ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

أ) قسم العقائد؛ أي المسائل والمعارف التي يجب معرفتها والإيمان بها، مثل مسألة التوحيد، وصفات ذات الباري تعالى، النبوة العامة والخاصة.

ب) قسم الأخلاق؛ أي المسائل والتعليمات المتعلقة بـ «كيف يكون» الإنسان من حيث الصفات الروحية والخصال المعنوية، مثل: العدل، التقوى، الشجاعة، العفة، الحكمة، الصبر، الوفاء، الصدق، الأمانة، وغيرها؛

ج) قسم الأحكام؛ أي المسائل المتعلقة بالعمل والفعل، مثل: الصلاة، الصيام، الحج، الجهاد، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، البيع، الإيجار، النكاح، الطلاق، تقسيم الإرث، وغيرها.

العلم المختص بالقسم الأول هو علم الكلام، والعلم المسؤول عن القسم الثاني يسمى علم الأخلاق، والعلم الذي يتولى القسم الثالث يسمى علم الفقه (مطهری‌، 1371‌، ص۵۷).

يقول آية الله مصباح اليزدي عن علاقة الدين بالأخلاق:

لديهما علاقة عضوية مثل علاقة جذع الشجرة بكل الشجرة. فالدين كالشجرة التي جذورها العقائد، وجذعها الأخلاق، وأغصانها وأوراقها الأحكام. والنقطة المهمة هي أنه بناءً على التحليل الذي لدينا لمفاهيم وأقوال الأخلاق، أي أننا نعتبرها دالة على العلاقات الحقيقية بين الأفعال الاختيارية للإنسان والكمال النهائي للإنسان، فإن الأخلاق لا تتوقف على الدين؛ بمعنى أن كل شخص يمكنه قبول هذا النظرية دون الالتزام بالمعتقدات أو الأوامر الدينية؛ لكن معرفة الكمال النهائي للإنسان واكتشاف العلاقة بين الأفعال الاختيارية والكمال النهائي يحتاج بشدة إلى الدين؛ لذا فإن الأخلاق تحتاج أيضًا إلى المبادئ والمعتقدات الدينية ومضمون النبوة الروحية، لأن كل شخص قد يقدم تحليلاً للكمال النهائي للإنسان (خسروپناه، 1383، ص22).

الفرق بين علم الأخلاق والحقوق

هذه المسألة هي محور جدل بين فلاسفة الحقوق والأخلاق الغربيين. سبق أن عرفنا الأخلاق من وجهة نظر فلاسفة الأخلاق الغربيين. موضوع الأخلاق من وجهة نظر الفلاسفة الغربيين هو الأفعال، ويتناول علم الأخلاق الأحكام الأخلاقية لسلوك الإنسان. أما الحقوق في فلسفة الحقوق الغربية فتُعرّف بأنها مجموعة من القواعد الملزمة التي تحكم الحياة الاجتماعية للإنسان بهدف إرساء النظام وتحقيق العدالة، ويضمن تنفيذها من قبل الدولة (دوپاکیه، 1332‌، ص10‌  11/ کاتوزیان، 1377، ج1، ص549).

يقول ديفيد باركر وكولين بادفيلد في تعريف الحقوق: «علم الحقوق هو مجموعة ونظام من المعايير السلوكية التي تلزمنا، تحت ضغط العقاب والجزاء، بأداء فعل معين أو الامتناع عنه» (Barker & Padfield, 2007, p.1).

من هذه التعريفات يتضح أن قواعد الحقوق أيضًا تتعلق بتنظيم سلوك الإنسان. وعلى هذا الأساس، رغم أن موضوع علم الأخلاق والحقوق كلاهما سلوك الإنسان، إلا أن هناك فروقًا بينهما نذكر أهمها:

  1. من حيث الهدف: هدف الأخلاق هو وصول الإنسان إلى الكمال الحقيقي والسعادة الأبدية؛ بينما هدف الحقوق هو إرساء النظام وتحقيق العدالة (مصباح یزدی، 1389، ص80). القيمة الأخلاقية للفعل الإرادي للإنسان تعتمد على الأثر الذي يتركه هذا الفعل في وصول الإنسان إلى الكمال الحقيقي (المرجع نفسه، 1367، ص169). الشهيد مطهري( يؤمن أيضًا بأن كل الخير والشر يعبران عن علاقة الشيء بكماله الخاص (مطهری، 1380‌، ص209‌)؛ أي إذا كان الفعل في سبيل كمال ونمو الكائن، فإن ذلك الفعل يوصف بالخير. ومن الممكن أن تحقق الأخلاق هدف الحقوق أيضًا وتأخذ مصالح الدنيا للأفراد في الاعتبار، أو أن تأخذ الحقوق بعض أهداف الأخلاق في الحسبان، ومن هذا المنطلق قد يحدث تداخل بين الأخلاق والحقوق، ولكن على كل حال هدف الأخلاق شيء وهدف الحقوق والقواعد الحقوقية شيء آخر (حسینی، 1381، ص66).
  2. من حيث ضمان التنفيذ: الحكم الحقوقي له ضمان تنفيذ حكومي، أما ضمان تنفيذ الأحكام الأخلاقية فهو من قبل الفرد نفسه سواء كانت ملزمة أم لا، والدولة في هذا المجال تتحمل مسؤولية الترويج والتثقيف وليس مسؤولية التنفيذ والعقاب للمخالف.
  3. من حيث مصدر الوضع والاعتبار: القوانين الحقوقية يقرها المجلس التشريعي ويضمن تنفيذها الجهاز القضائي، أما القاعدة الأخلاقية فهي شيء لا يمكن للسلطتين التشريعية والقضائية وضعه من حيث المبدأ. أنصار هذا الرأي لم يتمكنوا بطبيعة الحال من تصور تمييز قاطع بين الحقوق والأخلاق في المجتمعات البسيطة البدائية التي تفتقر إلى مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية (مصباح یزدی، 1389، ص80).
  4. من حيث الموضوع: الأحكام الحقوقية تراقب فقط السلوكيات الاجتماعية للناس، أما الأخلاق فتشمل جميع السلوكيات الإرادية للإنسان سواء كانت اجتماعية أو فردية؛ إذًا موضوع الحقوق هو فقط السلوكيات الاجتماعية، أما موضوع الأخلاق فهو أعم من ذلك (دانش‌پژوه و خسروشاهی، 1381، ص31).

بناءً على تعريفات الفلاسفة المسلمين لعلم الأخلاق، فإن كل هذه النقاشات تكون في حال اعتبرنا موضوع علم الأخلاق أعم من الصفات والأفعال، أما إذا اقتصرناه على الصفات فقط، ففي هذه الحالة يكون موضوع علم الأخلاق منفصلًا تمامًا عن علم الحقوق، ويُعتبر الأخلاق والحقوق علمين مستقلين عن بعضهما دون تداخل موضوعي. ومع ذلك، سيكون هناك ارتباط وثيق بين الأخلاق والحقوق؛ لأن في هذه الحالة يجب أن تُبنى الأحكام والقواعد الحقوقية على الفضائل والرذائل الأخلاقية وتتوافق معها لكي تحظى بضمان التنفيذ الداخلي.

الفرق بين علم الأخلاق والفقه

علم الفقه هو العلم بأحكام الفرائض الشرعية من خلال أدلتها التفصيلية (مقدادبن‌عبدالله‌، 1361، ص5) بهدف الوصول إلى السعادة الأخروية (تح. ثانی، 1414هـ، ص6). والمقصود بالأحكام هنا يشمل الأحكام الوضعية والتكليفية، والأحكام التكليفية تشمل الأحكام الإلزامية وغير الإلزامية. علم الفقه يشمل أبواب العبادات والمعاملات بمعناها العام.

في الحقيقة، علم الفقه هو علم الشريعة، والشريعة هي أحكام السلوك التي شرعها الشارع المقدس. هدف الله تعالى من تشريع هذه الأحكام هو في الحقيقة إظهار طريق السعادة في الدنيا والآخرة للإنسان. وهذا هو هدف الأخلاق الإسلامية أيضًا، ومن هذا المنطلق يوجد اشتراك بين الفقه والأخلاق الإسلامية، لكن من حيث الموضوع يختلف الأمر. إذا اعتبرنا موضوع علم الأخلاق الإسلامية أعم من الصفات والأفعال، فحينها يحدث تداخل موضوعي بين هذا العلم وعلم الفقه؛ لأن الأفعال هي موضوع كلا العلمين.

ومع ذلك، هناك فروق بين علم الفقه وعلم الأخلاق:

  1. علم الفقه يتناول جملًا من القضايا التي موضوعها أفعال المكلفين أو متعلق أفعالهم، ومحملها أحد الأحكام التكليفية أو الوضعية؛ بينما في علم الأخلاق موضوع الأفعال الإنسانية ومحملها هو كونها جيدة أو سيئة وواجب أو غير واجب عقليًا.
  2. في علم الفقه تُبحث أفعال المكلفين من حيث الثواب والعقاب الأخروي، أما في علم الأخلاق فتُبحث أفعال الإنسان من حيث كونها ذات قيمة أو ضد قيمة، ودورها في كمال الإنسان.
  3. علم الأخلاق بالإضافة إلى الأفعال يتناول الصفات النفسية، أما الفقه فيبحث فقط في حكم الأفعال وذواتها.
  4. في علم الفقه تُبحث أيضًا الأحكام الوضعية للمواضيع، أما في علم الأخلاق فالمبحث فقط في أحكام الأفعال.
  5. علم الأخلاق يتناول كيفية تكوين الصفات الحميدة في النفس وإزالة الصفات الرذيلة منها، أما علم الفقه فلا يتحمل هذه المسؤولية.
  6. مبادئ وتعاليم الفقه لا تنشأ إلا عن طريق الوحي الإلهي، أما القيم والمبادئ الأخلاقية فتعتمد على الوحي الإلهي وكذلك على الفطرة الطاهرة وجوهر الإنسان، حتى أن بعضهم يعتبر الأخلاق من طبيعة البشر (مغنیه، 1361، ص15).

وعلى هذا الأساس، علاقة الفقه الإسلامي بالأخلاق الإسلامية هي علاقة العموم والخصوص من وجه. فالأفعال هي موضوع الفقه وموضوع الأخلاق؛ مع الفرق أن في الأخلاق الإسلامية تُبحث الأفعال من حيث أنها تقرب الإنسان إلى الكمال والقرب الإلهي أو تبعده عنه، وفي الفقه الإسلامي يُبحث حكم الأفعال من حيث أنها تؤدي إلى دخول الجنة الإلهية والاستفادة من الثواب والابتعاد عن العذاب والنار الإلهية. هذان الجانبان متوافقان مع بعضهما وكل منهما في سبيل سعادة الإنسان. ولهذا، كل الأفعال التي تكون واجبة أو مستحبة في الفقه هي من الناحية الأخلاقية أيضًا جيدة، وكل الأفعال التي تكون محرمة أو مكروهة في الفقه هي من الناحية الأخلاقية أيضًا سيئة. ومن الممكن أن العقل قبل بيان الشارع لا يدرك جيدًا أو سوء هذه الأفعال، ولكن بعد بيان الشارع يحكم العقل حتمًا بجودتها ووجوبها.

الصفات موضوع علم الأخلاق لكنها ليست موضوع علم الفقه، وهذا لا يعني تعارض هذين العلمين، بل يجب أن تكون الصفات الإيجابية في علم الأخلاق داعمة للأحكام الواجبة والمستحبة في علم الفقه.

الأحكام الوضعية مثل النجاسة، طهارة الأشياء، والأحكام الوضعية للأفعال مثل صحة وبطلان البيع تُبحث في الفقه، لكنها لا علاقة لها بالأخلاق.

كل هذه الأمور صحيحة إذا اعتبرنا موضوع علم الأخلاق أعمّ من الصفات والأفعال، أما إذا اعتبرنا موضوع هذا العلم هو الصفات النفسية فقط، فحينئذ يكون علم الفقه وعلم الأخلاق علمين مستقلين موضوعياً، ولكنهما مرتبطان في الوقت نفسه. في هذه الحالة يجب أن تُشرع أحكام الأفعال في علم الفقه بناءً على أحكام الصفات في علم الأخلاق، ويجب أن يكون هذان العلمان متناسقان ومتوافقين تماماً. بمعنى آخر، يجب أن تُستحب أو تُفرض الأفعال التي تنبع وتتوافق مع الفضائل، وأن تُكره أو تُحرّم الأفعال التي تتناسب مع الصفات الرذيلة. ولهذا السبب يرى الشهيد صدر (كما سيأتي في المناقشات القادمة) أن الأخلاق هي الأساس لعلم الفقه.

علاقة علم الفقه والحقوق الإسلامية

في العلاقة بين الفقه والحقوق، يمكن القول إن فقه المعاملات بمعناه الأعم، ضمن دائرة الأحكام الوضعية والالتزامية، هو ذاته الحقوق الإسلامية التي لها ضمانة تنفيذية من الدولة، ويجب أن تُسن قوانين البرلمان في إطار هذه الأحكام الوضعية، وتضمن الدولة تنفيذ هذه الأحكام بهدف إرساء النظام وتحقيق العدالة. أما قسم العبادات في الفقه وكذلك الأحكام التكليفية غير الإلزامية فهي خارج نطاق الحقوق الإسلامية ولا تتصف بالخصائص الثلاثة المذكورة للحقوق، بل إن هذا القسم من الفقه له ضمانة تنفيذ داخلية. ودور الدولة تجاه هذا القسم من الفقه هو التثقيف وتهيئة الظروف لتحقيقه؛ لذلك فإن الفقه الإسلامي من عدة جوانب أعمّ من الحقوق الإسلامية:

أ) الموضوع والنطاق: القواعد الحقوقية تتعلق فقط بالعلاقات الاجتماعية، فكلما تشكل المجتمع وعاش الناس معاً في حياة اجتماعية، تنشأ القواعد والأنظمة الحقوقية. أما الفقه فيشمل بالإضافة إلى المعاملات والسياسات (العلاقات الاجتماعية) العبادات مثل الصلاة والصيام التي تبحث علاقة الإنسان بالله تعالى.

ب) طبيعة القواعد: القواعد الحقوقية كلها ملزمة بطبيعتها، أما في الفقه فهناك المستحب والمكروه والمباح التي لا تحمل صفة الإلزام، لذلك فإن جميع المستحبات والمكروهات والمباحات الاجتماعية خارج نطاق الحقوق، فكيف بالأمور الفردية منها.

ج) من الناحية البنيوية: الفقه فنياً هو الاستنباط المنهجي والعلمي للفقهاء. ونظراً لأن الحقوق الإسلامية مبنية على الشريعة الإسلامية التي في عصر الغيبة أو عدم الوصول إلى الأئمة المعصومين (ع) تُكتشف من خلال النظرية والتحليل العلمي للفقهاء كخبراء في تعاليم الإسلام، فإن الفقه هو المصدر والدعم العلمي للحقوق الإسلامية؛ أي أنه عند سن القواعد الحقوقية من قبل الجهات المختصة في الدول الإسلامية يجب الاستناد إلى المصادر الفقهية. ولهذا السبب، المحتوى المادي للفقه والحقوق متقارب إلى حد ما.

د) ضمان التنفيذ: جميع القواعد الحقوقية لها ضمانة تنفيذية من الدولة، بينما باستثناء القواعد غير الإلزامية، فقط جزء من القواعد الإلزامية في الفقه يتمتع بهذه الخاصية، والعديد من الواجبات والمحرمات خارج نطاق ضمانة التنفيذ الحكومية؛ ومع ذلك فإن تحقق هذه الخاصية للقواعد الفقهية مرتبط بتقنين الفقه (جمعی از نویسندگان، 1388، ص42).

الأحكام الإلزامية المذكورة في الفقه أعمّ من الحقوق، لأن جميع الأحكام والقواعد الحقوقية منطقياً يجب أن تكون مدعومة بضمانة تنفيذ حكومية، بينما فقط جزء من القواعد الإلزامية في الفقه يتمتع بهذه الخاصية، والعديد من الواجبات والمحرمات حسب القواعد الأولية خارج نطاق ضمانة التنفيذ الحكومية (دانش‌پژوه و خسروشاهی، 1381، ص35‌).

وبذلك يتضح أن الأخلاق والفقه والحقوق الإسلامية ثلاثة مجالات متناسقة ومتكاملة ومرتبطة ببعضها البعض، ولا فرق بين اعتبار موضوع علم الأخلاق الصفات والأفعال أو حصره في الصفات فقط. أهداف الفقه الإسلامي والأخلاق الإسلامية متوافقة، والحقوق الإسلامية تسعى إلى تحقيق النظام والعدالة في إطار الفقه الإسلامي.

المذهب الاقتصادي الإسلامي

من وجهة نظر الشهيد صدر، المذهب الاقتصادي هو:

مبادئ منهج تنظيم الحياة الاقتصادية لحل الصعوبات الاقتصادية من منظور الإسلام. يجب أن تكون هذه المبادئ مرتبطة بمفهوم العدالة الاجتماعية من منظور الإسلام. تُستكشف هذه المبادئ من المصادر الإسلامية ولها قسمان: ثابت ومتغير (میرمعزی، 1385، ص128).

وبعد الشهيد صدر، قبل بعض الاقتصاديين المسلمين هذا التعريف (مهلهل‌، 1423هـ، ص25  40/ صالح عوده، 1426هـ، ص14) وقدم بعضهم تعريفات أخرى للمذهب الاقتصادي، وسنوردها فيما يلي:

محمد عبد الله العربي عرف الاقتصاد الإسلامي كمذهب قائلاً: «الاقتصاد الإسلامي مجموعة من المبادئ العامة التي نستخلصها من القرآن الكريم والسنة لنبني الاقتصاد بناءً على هذه المبادئ العامة حسب ظروف كل عصر» (جنیدل، 1406هـ، ج1، ص30).

محمد شوقي الفنجري في تعريف المذهب الاقتصادي الإسلامي يقول: هو مجموعة المبادئ الاقتصادية الإسلامية التي تُستمد من نصوص القرآن الكريم والسنة الصريحة. هذه المبادئ هي مبادئ إلهية خالصة ولها أربع خصائص:

  1. منزهة عن الخطأ؛ لذلك لا يجوز الجدل والاختلاف بشأنها في أي حال.
  2. ثابتة؛ بحيث لا يجوز أي تغيير أو تبديل فيها.
  3. صالحة لكل زمان ومكان بحيث يلتزم بها كل مجتمع إسلامي مهما كان مستوى تطوره الاقتصادي وأي شكل من أشكال الإنتاج.
  4. عدد هذه المبادئ قليل وعام، وتتعلق بالحاجات الأساسية لكل مجتمع (شوقی الفنجری‌، 1997‌م، ص39‌).

ظاهريًا، تعريف شوقي الفنجري هو شرح وتفصيل لتعريف محمد عبد الله العربي. وقد قبل هذا التعريف كثير من الاقتصاديين المسلمين وخاصة أهل السنة (سری، 1411هـ، ص23/ ابراهیم صالح، 1416هـ، ص31/ فتحی احمد و محمدعسال، 1413هـ، ص15‌  18/ نجار، 1424هـ، ص46  47).

عبد الحميد محمود البعلي يقبل الأصل في تعريف الفنجري للمذهب (بعلی، 1421هـ، ص23  22) لكنه يعتبر المذهب يشمل جميع المبادئ والأحكام المستمدة من الآيات والسنة النبوية (المرجع نفسه، ص24)، وأخيرًا يعرف الاقتصاد الإسلامي بأنه: «علم ينظم علاقة الأشخاص بالمال في الكسب والإنفاق وفق مقاصد وأحكام الشريعة» (المرجع نفسه، ص28).

من وجهة نظره، ما يُستفاد من هذه التنظيمات المستمدة من الآيات والروايات النبوية ويُعد من الثوابت يدخل في المذهب الاقتصادي الإسلامي، وما يُستنبط بالعقل في تطبيق المذهب على ظروف الزمان والمكان يدخل في النظام الاقتصادي.

وبذلك، يعتبر البعلي المذهب شاملاً لجميع الثوابت، ويعد الثوابت جميع الأحكام والمبادئ المستنبطة من الآيات والسنة النبوية.

في مقال لنا (میرمعزی، 1394، ص8) نقدنا تعريف الشهيد الصدر( وخلصنا إلى أن «المذهب الاقتصادي الإسلامي هو القواعد العامة والثابتة المستنبطة من المصادر (الآيات، الروايات والعقل) والتي وُضعت لتنظيم العلاقات الاقتصادية في ثلاثة مجالات: الإنتاج، التوزيع والاستهلاك، بهدف إزالة الصعوبات وتحقيق الأهداف الاقتصادية».

العلاقة بين الأخلاق والفقه مع المذهب من وجهة نظر الشهيد الصدر

الشهيد الصدر( في كتابه اقتصادنا تحت عنوان «العلاقة بين المذهب والقانون» بحث العلاقة بينهما وبيّن الفرق بينهما بأن المذهب الاقتصادي هو مجموعة من النظريات الأساسية التي تحل صعوبات الحياة الاقتصادية، أما القانون المدني فهو قانون يوضح بالتفصيل العلاقات المالية بين الأفراد وحقوقهم الشخصية والعينية (صدر، 1375، ص365). في كتاب اقتصادنا لم يشِر إلى علاقة الفقه بالمذهب الاقتصادي. بمعنى آخر، هو اهتم فقط بجزء من فقه المعاملات بالمعنى الأخص الذي يعادل القانون المدني، ولم يهتم بالأجزاء الأخرى من الفقه مثل أحكام التكليف في باب المعاملات سواء كانت واجبة، مستحبة، مكروهة، محرمة أو مباحة. عمليًا، في اكتشاف مبادئ المذهب يرجع فقط إلى الفقه والفتاوى الفقهية في أبواب المعاملات بالمعنى الأخص؛ أي الأبواب التي تحمل طابعًا قانونيًا وحقوقيًا، أما الأبواب الأخرى من الفقه والأحكام التكليفية الإلزامية وغير الإلزامية فلا تُؤخذ بعين الاعتبار في اكتشاف مبادئ المذهب الاقتصادي عنده.

يتحدث الشهيد الصدر( عن أهمية الأخلاق وعلاقتها بالدين الاقتصادي في عدة مواضع من كتاب اقتصادنا:

  1. يعتقد أن الدين الاجتماعي الإسلامي له أسس وقواعد. هذه الأسس هي المعتقدات، المفاهيم، العواطف والمشاعر (المرجع نفسه، ص294). العواطف والمشاعر تنبع من صفات متجذرة في النفس الإنسانية، والعواطف والمشاعر التي يريد الإسلام نشرها في المجتمع الإسلامي تتوافق وتنشأ من الصفات الأخلاقية الإيجابية التي تُذكر في الأخلاق الإسلامية تحت مسمى الفضائل. في شرح العلاقة بين الاقتصاد الإسلامي والعواطف والأخلاق الإسلامية، يضرب مثلاً بالأخوة ويشرح أن توسيع الأخوة في المجتمع يساعد الدين الاقتصادي في تحقيق أهدافه (المرجع نفسه، ص297).
  2. في موضع آخر، يعد الأخلاقية إحدى خصائص الاقتصاد الإسلامي ويعتقد أن الاقتصاد الإسلامي أخلاقي في كل من الأهداف والطريقة التي تُحقق بها هذه الأهداف (المرجع نفسه، ص290).
  3. بعد مناقشة نظرية التوزيع العامة قبل الإنتاج، يطرح نقاشاً بعنوان «التفسير الأخلاقي للملكية في الإسلام». يقصد بالتفسير الأخلاقي للملكية توضيح التصورات المعنوية التي قدمها الإسلام عن الملكية ودورها وأهدافها، ولجعل هذه التصورات منتشرة بين الأفراد وتعمل كقوة موجهة للسلوك ومؤثرة على تصرفات الأفراد في أموالهم وحقوقهم الخاصة، بذل جهداً في ذلك. في الاستمرار، استخدم مفهوم الخلافة لبيان الفرق بين نظرية التوزيع العامة قبل الإنتاج التي تُفسر الحقوق الخاصة من منظور الدين الاقتصادي، وبين التفسير الأخلاقي للملكية، وشرح كيف يقيّد مفهوم الخلافة الملكية الخاصة ويحدد دورها وأهدافها وتأثيراتها، ويؤثر على تبرير سلوك المالكين وجودة وكمية تصرفاتهم في ملكهم. بناءً على مفهوم الخلافة، فإن المالك الحقيقي للأموال هو الله تعالى، والناس هم خلفاؤه على الأرض وأمناؤه على الأموال والثروات. أثر هذا المفهوم هو أن الإنسان يجب أن يتصرف في الأموال ضمن إطار أوامر الله تعالى، وهو مسؤول أمامه عن هذه التصرفات. الخلافة التي وُضعت أساساً للمجتمع هي لكي تكون ثروات العالم في خدمة الإنسان، وأنواع الملكية والحقوق الخاصة هي طرق يتبعها المجتمع ليؤدي رسالته في عمران العالم والاستفادة منه (المرجع نفسه، ص543).

كما يتضح، فقد فصّل في النقاش الثالث ما ذكرناه في الفقرة الأولى، وبيّن كيف يؤثر الإيمان بالخلافة في تفسير مفهوم الملكية وعلى الدوافع والانجذابات والسلوكيات الإنسانية.

نقد رأي الشهيد الصدر

يطرح هنا سؤال له: مع الأخذ في الاعتبار أن الدين الاقتصادي من وجهة نظره هو مبادئ تنظيم الحياة الاقتصادية لحل المشكلات الاقتصادية من منظور الإسلام، ومن جهة أخرى أن الاقتصاد الإسلامي أخلاقي في الأهداف والطريقة لتحقيق هذه الأهداف،

فلماذا يعتبر المبادئ الأخلاقية أحد العناصر الأساسية للدين الاقتصادي، ولماذا لا يدرجها ضمن مبادئ الدين الاقتصادي إلى جانب المبادئ الأخرى؟ ولماذا يقول إن توسيع الأخوة في المجتمع يساعد الدين الاقتصادي في تحقيق أهدافه، ومع ذلك لا يطرح الأخوة كأحد مبادئ الدين الاقتصادي وكأصل ينظم الحياة الاقتصادية لحل المشكلات الاقتصادية؟ لماذا لا يجب أن تشمل مبادئ الدين الاقتصادي على أصل أخلاقي؟ هل المبادئ مثل أصل الأخوة، والإنصاف، والاعتدال في مواجهة الإسراف والتقتير، أقل دوراً في تنظيم الحياة الاقتصادية للإنسان لحل المشكلات الاقتصادية من المبادئ التي استُخلصت في نظرية التوزيع قبل أو بعد الإنتاج من باب المعاملات الفقهية؟

قد يُقال في الرد إن الشهيد الصدر( يقتصر مبادئ الدين الاقتصادي على المبادئ المرتبطة بالعدالة الاجتماعية، ولهذا يركز فقط على المبادئ المتعلقة بجودة توزيع الحقوق المالية وملكية الأموال والثروات قبل وبعد الإنتاج، وكذلك المبادئ المتعلقة بدخل ونفقات الدولة، ولهذا السبب يعتبر القانون المدني والنظام المالي للدولة هما البنية الفوقية للدين.

لكن هذا الرد غير كافٍ؛ لأنه كما بيّنا في مقال (میرمعزی، 1394، ص8) نقد تعريفه للدين الاقتصادي، لا يوجد سبب لحصر مبادئ الدين الاقتصادي في المبادئ المرتبطة بالعدالة الاجتماعية فقط. فمبادئ الدين الاقتصادي الإسلامي كما ورد في التعريف المختار هي مبادئ طريقة حل المشكلات الاقتصادية وتحقيق الأهداف الاقتصادية من منظور الإسلام. ومن هذه الأهداف العدالة الاقتصادية التي سمّاها العدالة الاجتماعية؛ لكن هناك أهدافاً أخرى مثل الاستقلال، والأمن، والنمو، والرفاه الاقتصادي أيضاً من أهداف النظام الاقتصادي الإسلامي، ومبادئ طريقة التوجه نحو هذه الأهداف أيضاً من المبادئ الدينية.

ثانياً، إذا قبلنا أن مبادئ الدين الاقتصادي تقتصر على المبادئ المرتبطة بالعدالة الاجتماعية كما يسميها (والعدالة الاقتصادية بالمصطلح الحديث)، فلا يوجد سبب لحصر مبادئ الدين في المبادئ المستنبطة من قسم القانون المدني والنظام المالي للدولة، مع تجاهل المبادئ الأخلاقية المرتبطة بالعدالة الاجتماعية مثل الإنصاف والمواساة.

قد يُقال رد آخر وهو أن الشهيد الصدر( يعتبر موضوع الأخلاق صفات نفسية، ولهذا وضعها في مرتبة الأسس والقواعد بالنسبة للدين وليس في مستوى مبادئ الدين.

هذا الرد يواجه مشكلة أخرى؛ لأنه إذا اقتصر موضوع الأخلاق على صفات النفس، ففي هذه الحالة، حتى لو قبلنا أن الأخلاق هي الأساس لمذهب الاقتصاد، إلا أن هناك مشكلة أخرى تثار، وهي لماذا يقتصر على باب المعاملات من الفقه فقط كواجهة للمذهب، ولماذا لا يعتبر أبواب الفقه الأخرى وقسم الأحكام غير الإلزامية في الفقه، التي لها ضمان تنفيذ داخلي وتشكل ارتباطًا أوثق بالأخلاق، وتلعب دورًا مؤثرًا في إزالة الصعوبات الاقتصادية وتسريع الحركة نحو الأهداف الاقتصادية ومنها العدالة الاقتصادية، كواجهة للمذهب.

علاوة على ذلك، إذا اقتصر موضوع الأخلاق على صفات النفس، ففي هذه الحالة تكون الصفات الأخلاقية أساس الأحكام الفقهية للأفعال، وليس أساس المذهب. بمعنى آخر، في هذه الحالة، تقف المبادئ الأخلاقية إلى جانب مبادئ المذهب، ومن الأفضل اعتبارها جزءًا من المذهب الاقتصادي.

في الخلاصة، يمكن أن يُقال عن الشهيد صدر( إن هذا السؤال يطرح: إذا كان موضوع علم الأخلاق هو صفات الفضائل والرذائل النفسية، ففي هذه الحالة تكون المبادئ الأخلاقية مثل الإخاء، والإنصاف، والاعتدال، إلى جانب مبادئ المذهب الاقتصادي الذي يراه الشهيد صدر( أساسًا للأحكام الفقهية، ولأن هذه المبادئ الأخلاقية وفق تعريف الشهيد صدر( للمذهب الاقتصادي هي المبادئ المرتبطة بالعدالة الاجتماعية ومبادئ طريقة حل الصعوبات الاقتصادية من وجهة نظر الإسلام؛ لذلك يمكن اعتبارها من مبادئ المذهب الاقتصادي. في هذه الحالة، يكون هذا الادعاء بأن المذهب الاقتصادي الإسلامي هو مذهب أخلاقي أكثر قابلية للتفسير والإثبات.

إذا كان موضوع علم الأخلاق أوسع من الصفات ليشمل الأفعال، ففي هذه الحالة تكون المشكلة أوضح؛ لأنه كما يمكن طرح الأحكام الفقهية للأفعال كواجهة للمذهب الاقتصادي، كذلك الأحكام الأخلاقية للأفعال كذلك، وبما أن الإسلام يستخدم الطرق الأخلاقية والفقهية معًا لإزالة الصعوبات الاقتصادية والتحرك نحو أهداف النظام الاقتصادي؛ لذلك من الضروري أن تُطرح المبادئ التي تشكل أساس الأحكام الأخلاقية مثل المبادئ التي تشكل أساس الأحكام الفقهية كجزء من مبادئ المذهب الاقتصادي الإسلامي، ليظهر الجانب الأخلاقي لهذا المذهب بشكل أفضل.

بالطبع، في هذه الحالة، من الجدير بالاهتمام أن المبادئ التي تشكل أساس الأحكام الأخلاقية هي نفسها الصفات الأخلاقية، وهذه الصفات الأخلاقية تعود إلى عدة صفات أخلاقية رئيسية أو محورية يجب أن تُطرح كمبادئ أخلاقية للمذهب الاقتصادي.

والنتيجة أنه سواء اعتبرنا موضوع علم الأخلاق محصورًا في صفات النفس أو موسعًا ليشمل الصفات والأفعال، يجب أن تُعتبر الصفات الأخلاقية المحورية المرتبطة بالأفعال الاقتصادية جزءًا من مبادئ المذهب الاقتصادي.

بالطبع، هذه المسألة ليست جديدة، وهي موجودة أيضًا في أدبيات المذاهب والأنظمة الاقتصادية التقليدية. أحد مبادئ المذهب الاقتصادي للرأسمالية هو أخلاق المنفعة الشخصية التي تشكل أساس سلوك المنافسة الداروينية في السوق (shnitzer, 1999, p.26).

النظرية المختارة

استنادًا إلى ما سبق، نعيد قراءة العلاقة بين المذهب الاقتصادي والأخلاق الإسلامية. سبق أن عرفنا المذهب الاقتصادي الإسلامي على النحو التالي:

المذهب الاقتصادي الإسلامي هو مجموعة القواعد العامة والثابتة التي تُستنبط من المصادر (الآيات، الروايات، والعقل) والتي وُضعت لتنظيم العلاقات الاقتصادية في ثلاثة مجالات: الإنتاج، التوزيع، والاستهلاك، بهدف إزالة الصعوبات وتحقيق الأهداف الاقتصادية.

كما قُدِّم تعريفان لعلم الأخلاق:

  1. علم الأخلاق هو علم كيفية العيش وكيفية الوجود وما هو الوجود، ويشمل جملًا من الأقوال التي موضوعها الصفات والأفعال الإنسانية، ومحمولها الخير أو الشر، الواجب أو الممنوع.
  2. علم الأخلاق يناقش أنواع الصفات الحسنة والسيئة وكيفية اكتساب الصفات الحسنة وازالة الصفات السيئة. موضوع علم الأخلاق هو الصفات الحسنة والسيئة من حيث ارتباطها بالأفعال الاختيارية للإنسان، والتي يمكن اكتسابها أو تجنبها.

وبالنظر إلى التعريفين السابقين يمكن إثبات أن المبادئ الأخلاقية المرتبطة بالأفعال الاقتصادية هي من مبادئ المذهب الاقتصادي في الإسلام. لإثبات هذا الادعاء نعرض البرهان التالي:

  1. المبادئ الأخلاقية، وهي الفضائل والرذائل المحورية والأساسية المرتبطة بالأفعال الاقتصادية، والتي تشكل أساس الأفعال الأخلاقية الحسنة والسيئة وفقًا للتعريف الثاني لعلم الأخلاق، أو أساس الجزء غير القانوني من الفقه وفقًا للتعريف الأول لعلم الأخلاق، هي مبادئ طريقة حل المشكلات الاقتصادية والتحرك نحو الأهداف الاقتصادية ومنها العدالة الاقتصادية (الصغرى).
  2. كل ما كان مبدأً منهجيًا لحل المشكلات الاقتصادية والتحرك نحو الأهداف الاقتصادية هو من مبادئ المذهب الاقتصادي (الكبرى).
  3. المبادئ الأخلاقية المرتبطة بالأفعال الاقتصادية هي من مبادئ المذهب الاقتصادي في الإسلام.

وقد استُخدم في الكبرى لهذا القياس تعريف المذهب الاقتصادي، أما الصغرى فتثبت بالنظر إلى ما سبق من مطالب. وفي استكمال ما سبق يُؤكد على أن الإسلام لا يعتمد فقط على الطرق القانونية لحل مشكلات المجتمع وتحقيق الأهداف الاجتماعية، بل إن منهج الإسلام هو تنسيق الأخلاق والفقه والحقوق معًا وجعلها مكملة لبعضها البعض، ولتحريك المجتمع نحو الأهداف يستخدم الثلاثة معًا؛ ومن هنا فإن الحقوق الإسلامية لها سند فقهي وأخلاقي. وهذا الأمر يجعل الحقوق الإسلامية، بالإضافة إلى الضمانات التنفيذية الخارجية، تمتلك ضمانات تنفيذ داخلية أيضًا، مما يقلل قدر الإمكان من الانتهاكات القانونية في المجتمع الأخلاقي؛ ومن ثم فإن الدولة، كما أنها مكلفة بوضع وتنفيذ القوانين القانونية، فهي ملزمة أيضًا بتوفير البيئة وبناء الثقافة المتعلقة بالأحكام غير القانونية سواء الفقهية أو الأخلاقية؛ لذلك فإن المبادئ الأخلاقية، مثلها مثل المبادئ الفقهية والقانونية، هي مبادئ منهجية لحل مشكلات الفرد والمجتمع وتُعتبر من مبادئ المذهب الاقتصادي.

طريقة اكتشاف المبادئ الأخلاقية للمذهب الاقتصادي

فهم المبادئ العامة والكليّة للأخلاق، مثل الخير والعدل والشر والظلم، هو من فطرة الإنسان؛ لذلك فإن معرفة هذه المبادئ فطرية ومستقلة عن الدين. ومع ذلك، عندما ننتقل من هذا الحد إلى العناوين الخاصة والمصاديق، نجد أن العديد من الصفات والأفعال الأخلاقية لا يمكن فهمها بدون وحي. من جهة أخرى، سيطرة الأهواء النفسية على الإنسان والمجتمعات البشرية تُضعف نور العقل في تمييز القيم الأخلاقية، وفي درجات مختلفة تؤدي إلى تحويل القيم إلى مضاداتها والعكس؛ لذلك فإن الحاجة إلى الوحي لإبلاغ دليل أخلاقي شامل بهدف وصول الإنسان إلى الكمال النهائي أمر ضروري، والعقل لا يمكنه الوصول إلى جميع أحكام الصفات والأفعال الأخلاقية إلا بمساعدة النقل.

هذا فيما يتعلق بالأحكام والصفات الأخلاقية. أما بالنسبة لمبادئ الأخلاق في المذهب الاقتصادي، فالأمر كذلك. كما تبين من ما سبق، الأحكام الأخلاقية للأفعال مبنية على الصفات الأخلاقية، وهي الفضائل والرذائل. والصفات الأخلاقية، بسبب تعددها وتكاثرها، تنبع في الحقيقة من عدة صفات أخلاقية رئيسية. المقصود بمبادئ الأخلاق في المذهب الاقتصادي هي الصفات الفضائل والرذائل الأساسية والمحورية التي تشكل أساس الصفات والأفعال الأخلاقية الأخرى في مجال السلوك الاقتصادي. يمكن اكتشاف هذه المبادئ بطريقتين عامتين:

أ) الطريقة العقلية

يمكن للعقل أن يصل إلى مبادئ الأخلاق في المذهب الاقتصادي بطريقتين:

  1. الطريقة الاستقلالية: في هذه الطريقة، يدرك العقل وحده، دون الحاجة إلى الوحي، حسن وقبح الأفعال. ووفقًا لآراء علماء الشيعة، يدرك العقل بشكل مستقل حسن العدل وقبح الظلم، ويُميز بعض مصاديقه، رغم أنه في تمييز العديد من المصاديق يحتاج إلى الوحي.
  2. الطريقة غير الاستقلالية: في هذه الطريقة، يمكن للعقل بمساعدة النقل اكتشاف هذه المبادئ. وهذه الطريقة تنقسم بدورها إلى طريقتين فرعيتين:

أ) الانتقال من الأساس إلى البناء: أساس المبادئ الأخلاقية، مثل المبادئ الفقهية والقانونية، هو مبادئ الرؤية والعقيدة الإسلامية. في بعض المبادئ الأخلاقية مثل الإخاء، يمكن بالعقل الاستدلالي البرهاني استنتاج مبدأ أخلاقي من هذه المبادئ.

ب) الانتقال من البناء إلى الأساس: في هذه الطريقة يجب جمع الأحكام والتعليمات الأخلاقية في كل مجال من مجالات العلاقات، وإثبات الدلالة العقلية الإجمالية لها على المبدأ الأخلاقي؛ على سبيل المثال، في مجال الإنتاج، قد يُستفاد من الأحكام الأخلاقية في باب العمل والاستثمار والإنتاج مبدأ “الشعور بالمسؤولية في استخدام الموارد”.

ب) الطريقة النقلية

في هذه الطريقة، نستدل على المبدأ الأخلاقي من دلالة الآيات والروايات عليه. معظم، بل كل، المبادئ الأخلاقية يمكن الوصول إليها بهذه الطريقة. الصفات الأساسية مثل الإخاء، والإنصاف، والاعتدال هي مبادئ تعود إليها كل الصفات الأخلاقية في مجال الاقتصاد، وهي أساس كل الأفعال الأخلاقية في هذا المجال. هناك العديد من الآيات والروايات التي تدل مباشرة على هذه المبادئ.

يعتقد الشهيد الصدر أن السبيل الوحيد المهم لاكتشاف أصول الحقوق الدينية للاقتصاد هو الطريقة العقلية غير المستقلة، وهي من نوع الانتقال من البناء الفوقي للأحكام الفقهية والحقوقية إلى البناء التحتاني للأصول الدينية. وبناءً على ما ذُكر، فإن الطريقة النقلية أكثر قابلية للاستخدام في أصول الأخلاق لمذهب الاقتصاد؛ لأن هناك العديد من الآيات والروايات المتعلقة بالصفات الأخلاقية المرتبطة بالأفعال الاقتصادية. ومع ذلك، فإن الطرق الأخرى أيضًا معتبرة ويمكن اتباعها عند الحاجة.

الملخص والاستنتاج

الأفعال والعلاقات الاقتصادية هي موضوع الأحكام الوضعية والالتزامية والغير إلزامية الفقهية. لصفات النفس أحكام أخلاقية. وتسمى الصفات الحسنة فضائل، والصفات السيئة رذائل. يدرس علم الأخلاق الفضائل والرذائل. وبناءً على بعض الأقوال، بالإضافة إلى الصفات، تدخل الأفعال والعلاقات أيضًا في موضوع علم الأخلاق. سواء اعتبرنا الأفعال والعلاقات ضمن موضوع الأخلاق أم لا، فمن المسلم به أن الفضائل والرذائل الأخلاقية في الإسلام هي الأساس للأحكام الفقهية والأخلاقية للأفعال والعلاقات الاقتصادية. من جهة أخرى، بيّنت الشريعة الإسلامية في إطار الأحكام الفقهية والأخلاقية للأفعال والعلاقات الاقتصادية الطريق للخروج من الصعوبات الاقتصادية والتحرك نحو أهداف النظام الاقتصادي الإسلامي. وتُناقش أصول هذا الطريق والمنهج تحت عنوان أصول مذهب الاقتصاد الإسلامي. جزء من هذه الأصول، كما قال الشهيد الصدر، يُستمد من فقه المعاملات والعقود أو الحقوق المدنية وكذلك القوانين المتعلقة بدخول ونفقات الدولة، وجزء آخر يُستنبط من الأخلاق الإسلامية. في المقالة الحالية ثبت أن الصفات الأساسية والمحورية المتعلقة بالأفعال والعلاقات الاقتصادية تُعد أصولًا أساسية للأحكام الفقهية والأخلاقية لهذه السلوكيات. هذه الفئة من الفضائل والرذائل هي في الحقيقة الأصول الأخلاقية لمذهب الاقتصاد الإسلامي، وتبيّن الجانب الأخلاقي لمنهج حل الصعوبات الاقتصادية من وجهة نظر الإسلام. يمكن استنباط هذه الأصول بطريقتين: العقلية والنقلية. وتنقسم الطريقة العقلية إلى مستقلة وغير مستقلة، والطريقة غير المستقلة تُقسم إلى طريقتين: الانتقال من التحتاني إلى الفوقاني والعكس. في اكتشاف الأصول الأخلاقية لمذهب الاقتصاد، تُستخدم الطريقة النقلية أكثر.

المصادر والمراجع

  1. إبراهيم صالح، سعاد؛ مبادئ النظام الاقتصادي الإسلامي وبعض تطبيقاته؛ القاهرة: مصر لخدمات النشر، 1416ق.
  2. ابن مسكويه، أبو علي؛ تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق؛ بيروت: الجامعة الأمريكية في بيروت، 1966م.
  3. إدوارد مور، جورج؛ مبادئ الأخلاق؛ ترجمة غلام حسين توكلي؛ طهران: معهد الثقافة والفكر الإسلامي، 1385.
  4. بدوي، عبد الرحمن؛ الأخلاق النظرية؛ الكويت: وكالة المطبوعات، 1353ق.
  5. بعلي، عبد الحميد محمود؛ أصول الاقتصاد الإسلامي؛ [د.م.]: دار الداوِي، 1421ق.
  6. مجموعة من المؤلفين؛ درسنامه فلسفة الحقوق؛ قم: مؤسسة الإمام الخميني، 1388.
  7. جنيدل، حمد بن عبد الرحمن؛ مناهج الباحثين في الاقتصاد الإسلامي؛ ج1، [د.م.]: شركة العبيكان للطباعة والنشر، 1406ق.
  8. حسيني، سيد أكبر؛ «الأخلاق والحقوق»؛ مجلة رواق الفكر، العدد 14، 1381.
  9. خسرو بنه، عبد الحسين؛ «ترابط الدين والأخلاق من وجهة نظر الأستاذ مصباح»؛ كتاب نقد، العدد 30، 1383.
  10. دانش پژوه، مصطفى وقدرت الله خسرو شاهي؛ فلسفة الحقوق؛ قم: منشورات مؤسسة الإمام الخميني التعليمية والبحثية، 1381.
  11. دوپاكيه، كلود؛ مقدمة النظرية العامة وفلسفة الحقوق؛ ترجمة علي محمد طباطبائي؛ طهران: بذرجمهرى، 1332.
  12. راغب الأصفهاني؛ المفردات في غريب القرآن؛ بيروت: دار القلم، 1412ق.
  13. رمضاني، رضا؛ آراء أخلاقية علامه طباطبائي؛ طهران: معهد الثقافة والفكر الإسلامي، 1387.
  14. ژكس؛ فلسفة الأخلاق؛ ترجمة أبو القاسم پور حسيني؛ طهران: أمير كبير، 1362.
  15. سري، حسن؛ الاقتصاد الإسلامي، المبادئ والخصائص والأهداف؛ الطبعة الأولى، [د.م.]: [د.ن.]، 1411ق.
  16. شوقي الفنجري، محمد؛ المذهب الاقتصادي في الإسلام؛ الطبعة الثالثة، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتب، 1997م.
  17. صالح عودة، رياض؛ مقدمة في الاقتصاد الإسلامي؛ بيروت: دار الهادي، 1426ق.
  18. صدر، سيد محمد باقر؛ اقتصادنا؛ الطبعة الأولى، قم: مكتب الإعلام الإسلامي، 1375.
  19. صليبا، جمل؛ معجم الفلسفة والعلوم الاجتماعية؛ طهران: شركة سهامي للنشر، 1370.
  20. طباطبائي، سيد محمد حسين؛ ترجمة تفسير الميزان؛ ج1، قم: منشورات إسلامية جمعية المدرسين في حوزة علمية قم، 1374.
  21. طريحي، فخر الدين بن محمد؛ مجمع البحرين؛ ج5، طهران: مرتضوي، 1375.
  22. طوسي، نصير الدين؛ أخلاق ناصري؛ تحقيق مجتبى مينوي وعلي رضا حيدري؛ طهران: خوارزمي، 1373.
  23. عالمي، سيد محمد؛ علاقة الدين بالأخلاق؛ قم: بوستان كتاب، 1389.

24. الغزالي، محمد؛ إحياء علوم الدين؛ ج3، بيروت: دار الأرقم بن أبي أرقم، 1419ق.

25. فتحي أحمد، عبد الكريم وأحمد محمد عسال؛ النظام الاقتصادي في الإسلام؛ مبادئه وأهدافه؛ القاهرة: مكتبة وهبة، 1413هـ

  1. فيض الكاشاني، ملا محسن؛ الحقائق في محاسن الإيمان؛ بيروت: دار الكتاب العربي، 1979م.
  2. الكليني، محمد بن يعقوب؛ الكافي؛ ج3، قم: دار الحديث، 1429هـ.
  3. كاتوزيان، ناصر؛ فلسفة الحقوق؛ ج1، طهران: شركة سهامي النشر، 1377هـ.
  4. جرين، رونالد؛ الأخلاق والدين؛ ترجمة صادق لاريجاني؛ طهران: طرح نو، 1374هـ.
  5. مجلسي، محمد باقر؛ بحار الأنوار؛ بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1403هـ.
  6. محقق ثاني، علي بن حسين؛ جامع المقاصد في شرح القواعد؛ ج1، قم: مؤسسة آل البيت، 1414هـ.
  7. مصباح يزدي، محمد تقى؛ دروس فلسفة الأخلاق؛ طهران: اطلاعات، 1367هـ.

33. فلسفة الأخلاق؛ قم: منشورات مؤسسة الإمام الخميني التعليمية والبحثية، 1389هـ.

  1. مطهري، مرتضى؛ مجموعة آثار؛ ج3 و22، قم: صدرا، 1371هـ.

35. نقد على الماركسية؛ طهران: صدرا، 1380هـ.

  1. مظاهري، حسين؛ دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية؛ قم: دار شفق للمطبوعات، 1371هـ.
  2. مغنية، محمد جواد؛ فلسفة الأخلاق في الإسلام؛ طهران: بدر، 1361هـ.
  3. مقداد بن عبد الله؛ نقد القواعد الفقهية على مذهب الإمامية؛ قم: مكتبة حضرة آية الله العظمى المرعشي النجفي، 1361هـ.
  4. ماكغرين، ويليام وربكا بلانك؛ الأخلاق والسوق: حوار حول الدين، علم الاقتصاد والعدالة؛ ترجمة علي سعيدي؛ طهران: جامعة الإمام الصادق، 1390هـ.
  5. مهلهل، متوكل بن عباس بن محمد؛ سمات الاقتصاد الإسلامي؛ المدينة المنورة: مكتبة دار الإيمان، 1423هـ.
  6. ميرمعزي، سيد حسين؛ «تعريف ومنهج كشف مذهب الاقتصاد الإسلامي»؛ فصلية علمية بحثية الاقتصاد الإسلامي، س15، ع57، 1394هـ.

42. «نقد ومراجعة رؤية الشهيد الصدر حول هوية الاقتصاد الإسلامي»؛ فصلية علمية بحثية الاقتصاد الإسلامي، س6، ع22، 1385هـ.

43. نجار، مصلح عبد الحي؛ تأصيل الاقتصاد الإسلامي؛ [د.م.]: مكتبة الرشد، 1424هـ.

  1. نراقي، محمد مهدي؛ جامع السعادات؛ ج1، النجف: مطبعة الزهراء في النجف، 1949م.
  2. shnitzer، martin؛ comparative economic system؛ south-western college publishing، 1999.

46. Smith، gustavus woodson؛ Limits of Law؛ New York: Routledge Inc، 1998.

  1. Barker، D. L. A.، Padfield، Colin F.؛ law made simple، Made Simple، 2007.