تحليل دور الشهيد صدر في بناء النظرية الإسلامية

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: تحلیلی پیرامون نقش شهید صدر در نظریه‌سازی اسلامی ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

مقالة تحليلية حول دور الشهيد صدر في بناء النظرية الإسلامية كتبها باقر برّي، نُشرت في مجلة پگاه حوزه :: 1 ارديبهشت 1386، العدد 205.

بناء النظرية على تطبيق الواقعية

النظرية بمعناها العام، هي إطار شامل وعام للتفسير. إن إنتاج النظرية لأي تصور يحتوي على مكونات متعددة هو ضرورة أساسية. لذلك، كلما توصلنا إلى تصور أو فكرة تحتوي على مكونات متعددة، يجب أن نرسم إطارًا شاملًا يحفظ هذه المكونات من التشتت وعدم التناسق ويضمن تماسكها.

ما نعنيه بالنظرية ـ هنا ـ هو بنية فكرية تتألف من مجموعة من المبادئ والأسس والنظريات والمفاهيم والأحكام والنصوص الإسلامية التي ترتبط معًا ضمن إطار عرض منهج إسلامي، في أحد المجالات المتعلقة بالإنسان أو المجتمع أو الوجود. النظرية الإسلامية هي بنية متماسكة ومنسجمة ومتجانسة، حيث ترتدي مكوناتها لباسًا واحدًا وترتبط فيما بينها روابط لتحديد الموقف العام للإسلام في أحد مجالات الحياة، وخصوصًا المجالات الاجتماعية.

 

فائدة النظرية الإسلامية ـ بعد استخلاصها وبنائها ـ هي أنها تقدم نظامًا وسلسلة فكرية ومواقف وأسسًا وإطارًا عامًا للحركة في المجال الذي تفتحه، وبالطبع تقوم بذلك من خلال الخطوط والضوابط والمعايير العامة للشريعة المقدسة. من الواضح أن بناء النظرية في المجال الديني أقرب إلى اكتشاف النظرية منه إلى ابتكارها. إن مجال الاجتهاد في النص الديني يسمح للخبير والمتخصص بمعالجة النظرية؛ لكن هذا لا يعني إنشاء نظرية جديدة. للاستفادة من أي نظرية إسلامية، يجب تقديم وصف وتحليل وشرح لها يشمل أبعاد الواقع الموضوعي والمجال الذي تسعى النظرية إلى التعبير عن رؤية الإسلام بشأنه.

وبما أن النظريات الإسلامية هي بدائل للنظريات الأخرى الموجودة، يجب عليها أن توضح وجه الاختلاف والتضاد مع هذه النظريات وأن تنتقدها. إن بناء النظرية الإسلامية يعتمد على تفاعل فكري وفقهي مركب وواعٍ ومتخصص، يُكتشف من خلاله المنهج الإسلامي بناءً على أسس ومعايير محددة.

علاوة على ذلك، لا يمكن نضج وتبلور النظرية الإسلامية وبيان عيوبها ومحاسنها إلا بوضعها على المحك وتطبيقها في واقع الحياة، وبشكل خاص في إطار الدولة والنظام الإسلامي، لأن تطبيق النظرية الإسلامية في الواقع والسير بها في مجالها المحدد يضعها في موقع المحاسبة والتجربة، ويفتح نوافذ جديدة للعقل الاجتهادي تؤدي إلى تعديلها وتطويرها.

في التفاعل مع النصوص الدينية يمكن القيام بعملين رئيسيين؛ الأول استنباط الأحكام، والثاني استخلاص النظريات. الأول هو فقه الأحكام، والثاني فقه النظرية. مهمة فقه الأحكام هي بيان مجموعة من الأحكام الشرعية التي تُستنبط من الشرع، ويبحث المجتهد عن العناصر المشتركة في عمليات الاستنباط، وهذه العناصر تُحدد في علم الأصول ليستفيد منها في استنباط الأحكام.

أما فقه النظرية أو بناء النظرية الفقهية، فهو فهم نصوص الشريعة بهدف اكتشاف واستخلاص النظريات الإسلامية أو الاجتهاد المبني على القرآن والسنة والعقل، لاكتشاف النظريات الإسلامية في المجالات المختلفة التي يُتوقع أن يلعب الدين فيها دور الوصاية. إذا لم يكن الهدف النهائي من التفاعل مع النصوص الدينية هو استخلاص واكتشاف النظريات المبنية على المصادر الدينية (القرآن والسنة والعقل)، فما ثمرة الاجتهاد والتفقه في الدين؟!

في بناء النظرية الفقهية، بالإضافة إلى اكتشاف طبيعة ومصادر النظرية الفقهية، تُناقش آلية وقواعد هذا الفعل الفقهي. وقد تم تحديد هذه الأمور في المنهجية الابتكارية للشهيد سيد محمد باقر صدر، التي أطلق عليها اسم المنهجية الموضوعية الدقيقة والواقعية (المنهجية الموضوعية).

اليوم، نحن بحاجة إلى الاستفادة من الجهود المبذولة في مجال التطبيق والتنفيذ لتوضيح هذه المنهجية، والتي وضعت أمام العقل الاجتهادي مجموعة من المشكلات والاستفهامات، ويجب على النظرية الإسلامية أن تكتشف القواعد والطرق للرد عليها.

نحن اليوم بحاجة إلى المزيد من التجارب العملية والتطبيقية والفقهية النظرية في ضوء المنهج الذي وضعه الشهيد صدر، لتوضيح وإكمال بنية المنهج الدقيق والواقعي.

كلام الشهيد صدر يدل على أنه يرى طبيعة الحياة المعاصرة تقتضي خروج الفقه الإمامي من المجال الفردي وضرورة عرض النظريات في مسائل المجتمع والدولة. هذه الجوانب الجديدة من الحياة التي تظهر في العصر الحديث لم تكن مطروحة في العصور الخالية (العصور الخالية). وكانت نتيجة سياسة الانعزال السياسي والطائفي لمدرسة الإمامية وهروبها من التدخل في شؤون السلطة والمجتمع أن أفرغت أجيال الفقهاء تدريجيًا اهتمامها من موضوعات وقضايا المجتمع والدولة الإسلامية، وكرّست كل جهودها للأنشطة الشخصية للفرد المسلم.

يرى صدر أنه بعد احتلال الأراضي الإسلامية على يد المستعمرين، انسحب الإسلام ككل والمذاهب الإسلامية من الساحة الاجتماعية والسياسية، وحلّت قواعد فكرية أجنبية محلها، وكان من الطبيعي أن يتأثر الذهن الفقهي بهذا الوضع المستمر، وأن ينعكس ذلك على أساس الفقه ومصطلح الفقه أيضًا، فاقتصر على فقه الأحكام؛ وبعبارة أخرى، انتقل هذا الوضع إلى نظرة الفقيه إلى الشريعة، حتى أصبحت الشريعة تُعتبر مجموعة من الأحكام الفردية والشخصية.

قبل استشهاده، أكد الشهيد صدر في دروس التفسير الموضوعي على ضرورة إخراج الفقه من حالة الانغلاق والانقطاع عن الواقع، وضرورة اتباع منهج واقعي في الفقه للوصول إلى النظريات الأساسية للإسلام وعدم الاقتصار على البنى الفقهية والتفاصيل الجزئية والتنقيب من هذه البنى إلى النظريات الأساسية، «لأننا نعلم أن مجموعة القوانين الفقهية في كل باب من أبواب الحياة مرتبطة بالنظريات والتطورات المماثلة لها. لذلك فإن القوانين الاقتصادية في الإسلام مرتبطة بالنظرية الاقتصادية أو المدرسة الاقتصادية الإسلامية، وأحكام الإسلام في باب الزواج والطلاق والعلاقات بين الرجل والمرأة مرتبطة بالنظريات الأساسية للإسلام حول الرجل والمرأة ودور كل منهما. هذه النظريات الأساسية والأساسية هي القواعد النظرية لهذه البنى التي يجب التوجه إليها وبذل الجهد لاكتشافها قدر الإمكان».

وسع الشهيد صدر تطبيق منهجه الواضح الواقعي في الدراسات الإسلامية، وبفضل هذا المنهج استطاع أن يعرض ويؤلف النظريات الاقتصادية الإسلامية في كتاب «اقتصادنا» والنظرية الإسلامية في باب المعاملات البنكية في كتاب «البنك اللاربوي في الإسلام» والنظرية الإسلامية في باب السنن التاريخية والنظرية الإسلامية في عناصر المجتمع في كتاب «المدرسة القرآنية» والنظرية السياسية الإسلامية في كتاب «الإسلام يقود الحياة». وكان يدعو الفقهاء والمجتهدين إلى ضرورة اتباع المنهج الواقعي والنظرة الشاملة إلى الشريعة، حتى في تفسير القرآن.

سيد محمد باقر صدر سمى منهجه بالمنهج الموضوعي. ويقصد بالمنهج الموضوعي منهجًا يهتم بواقع الحياة والمجتمع والوجود، ويتميز بالدقة والواقعية. ومن الواضح أن كل منهج يجب أن ينبثق من الأهداف المرجوة؛ ولهذا فإن منهج استنطاق الكتاب والسنة الشريفة في مسار اكتشاف نظريات الإسلام في موضوع الحياة والمجتمع والوجود يجب أن يتوافق مع طبيعة المصادر الدينية ومتطلبات عمليات الاستنطاق. وهذه المتطلبات في الدرجة الأولى هي التوازن والاعتدال في التوجه إلى النصوص، ثم التحرر من الذاتية والاهتمام بالواقع، والسعي قدر الإمكان لعرض تصورات إسلامية تعبّر عن النظرة الحقيقية للإسلام تجاه القضايا المطروحة، لا أن يقدم آراء وتفاسير بشرية تتشبث بالنص لتبرير نفسها.

إذا كان الهدف هو الاعتماد على منهج النظرية الفقهية الإسلامية في مجالات الحياة والوجود والمجتمع، فلا بد أن يتضمن هذا المنهج ضوابط تحقق أقصى درجات الدقة والواقعية في الاكتشاف وبناء النظرية الإسلامية. وفي مؤلفات الشهيد صدر ذُكرت ثلاثة معايير لاكتشاف النظرية الإسلامية.

المعيار الأول: الانتقال من الموضوع الواقعي إلى النص

الموضوعية في الحقيقة تُعرف بالنسبة إلى الموضوع الخارجي. فالمنهج الموضوعي هو منهج يسعى لأن يسمح للباحثين بدراسة الموضوعات الخارجية التي تفيض بها وقائع الحياة، لاستخلاص الموقف النظري لرسالة الإسلام منها.

يرسم المنهج مسار البحث للباحث بحيث تكون نقطة البداية والقفزة موضوعًا خارجيًا، وبعد ذلك يجب التوجه إلى القرآن والسنة الشريفة لاستخلاص نظرية إسلامية شاملة في ذلك الموضوع. من يسير في هذا المسار ويسعى لتحقيق ولاية الإسلام في مجالات الحياة المختلفة يدرك أن الحياة في الإسلام ليست منفصلة عن العقيدة ولا الجانب الاجتماعي عن المحتوى المعنوي. يبدأ هذا الباحث في اكتشاف النظريات الإسلامية التي تمهد لتوافق الإسلام مع الواقع والحياة والتقدم نحو تحقيق دور الولاية والهداية وعمليات التغيير، من أحد الموضوعات المختلفة للحياة التي يجب أن يكون للدين فيها موقف. عليه في المرحلة الأولى أن يدرس المشكلات والحلول التي قدمتها تجارب الفكر البشري حول هذا الموضوع الخارجي، ويدرس الأسئلة ونقاط الفراغ في تطبيقها التاريخي. كل ذلك ليشكل في ذهنه نقطة انطلاق مبدئية، وبعدها يدرس ويقيّم الموضوع الذي يدرسه من منظور إسلامي وبناءً على أحكام ومفاهيم القرآن والسنة.

نقل الشهيد صدر منهجه الموضوعي أو الواقعي إلى مجال التفسير أيضًا. يقول: التفسير الموضوعي «هو تفسير يطرح أحد الموضوعات أو القضايا العقائدية أو الاجتماعية أو الوجودية للحياة، ويدرسها ويقيّمها من منظور قرآني لاستخلاص نظرية قرآنية في شأنها».

من وجهة نظر الشهيد صدر، المفسر الموضوعي للقرآن «يواجه النص القرآني ليس ليكون مجرد مستمع ومتلقٍ، بل ليطرح أمام النص موضوعًا جاهزًا مستقى من عدد كبير من الأفكار والمواقف البشرية، ويبدأ حوارًا على شكل سؤال وجواب مع النص… المفسر في ضوء نتائجه من خلال التجارب البشرية التي هي عرضة للخطأ والصواب، يسأل والقرآن يجيب. يجلس المفسر في هيئة السائل والمتدبر ويبدأ حوارًا مع النص القرآني حول هذا الموضوع. هدفه من ذلك هو اكتشاف موقف القرآن الكريم من هذا الموضوع واستخلاص نظرية يمكن أن تستلهم من النص، من خلال مقارنة هذا النص مع معارفه الأخرى، من الأفكار والمقاربات الأخرى. ولهذا فإن نتائج التفسير الموضوعي ترتبط دائمًا بتجربة الإنسان، لأن هذه التجربة البشرية تؤثر في تحديد وتشخيص النظرية القرآنية حول مسائل الحياة».

لذلك، الهدف من المنهج الموضوعي في تفسير القرآن هو تحديد الموقف النظري للقرآن والرسالة الإسلامية تجاه أحد موضوعات الحياة والوجود والإنسان. هذا المنهج التفسيري يمنح القرآن الكريم قدرة القِيَامة، والإنتاجية الدائمة، والابتكار في حركة الحياة، لأنه يدخل التجربة البشرية في سياق هذا التفسير، ويغني هذه التجربة بالبيانات التي يطرحها أمام القرآن، لكي يتمكن المفسر من الحصول على الإجابات والبدائل من خلال استنطاق القرآن. المنهج الموضوعي في الفقه يسير على نفس الدرب؛ أي يبدأ الفقيه من نقطة تُسمى موضوعًا خارجيًا (واقعًا) يجب أن نفهم من خلالها نظرة الإسلام تجاهه.

يؤكد الشهيد الصدر على أهمية أثر الانطلاق من نقطة موضوع خارجي مشبع بالتجارب البشرية في هذا المنهج، ويقول: «هذا هو السبيل الوحيد للوصول إلى النظريات الأساسية للإسلام والقرآن حول مختلف موضوعات الحياة». من يتبع المنهج الموضوعي يبدأ بالموضوع الخارجي، ثم يتجه إلى الفقه. إذا كان ذلك الموضوع الخارجي موضوعًا اقتصاديًا، وفضل الإسلام أن يُطلب منه التوجيه في هذا المجال الحيوي، فيجب أولاً أن يكون ملمًا بطبيعة هذا المجال، وأن يكون على دراية بأبعاده المختلفة والمشكلات التي واجهتها التجربة البشرية في هذا المجال، والحلول التي قدمتها لتلك المشكلات، وكذلك بنقاط الضعف، ليحوّل هذه المعارف والإدراكات إلى الفقه الإسلامي، ويتعمق فيه، ويكتشف نظريات الإسلام التي تناولت جوانب هذا الموضوع، ويزيل الغموض الذي يحيط بموقف الدين تجاهه.

المعيار الثاني: الانتقال من مدلول جزئي إلى مدلول مشترك

سبق أن قلنا إنه في المنهج الموضوعي الذي يُعد الشهيد الصدر منظره، يُؤخذ أولاً موضوع حيوي وواقعي في الاعتبار، ثم تُدرس إنجازات الفكر والمعرفة البشرية حوله. بعد ذلك يجب التوجه إلى النصوص الإسلامية لاكتشاف الموقف والنظرية الإسلامية التي تشكل بديلاً للنظريات البشرية الأخرى؛ لكن كيف تُستخلص هذه النظرية الإسلامية؟

الطريقة التي يقترحها الشهيد الصدر لاستخراج النظرية من صميم النصوص الإسلامية هي أن نتتبع المدلولات الجزئية للأحكام والآيات، ونتحرر من التشتت والتفرق بينها، وندرس بشكل شامل كل مجموعة الآيات القرآنية أو الأحكام التشريعية التي تشترك في موضوع واحد، ونُنشئ بينها نظامًا وترتيبًا وتماسكًا. يقول الشهيد الصدر عن هذا المنهج في النظرية: «تطبيق هذا المنهج يتطلب وعيًا أعمق بالأحكام والمفاهيم الإسلامية التي قد تبدو متفرقة في موضوع واحد، ولكن إذا نظرنا إليها بنظرة عميقة وواعية وشاملة إلى المبادئ، والأصول، والمقاصد، والأهداف، ستبدو متماسكة وموحدة؛ لذلك فإن الاجتهاد في مجال النظرية الفقهية يحتاج إلى جهود وابتكارات أكثر، لأنه ليس مجرد جمع النصوص في مجال معين، بل هو اجتهاد معقد يجمع بين شخصية الفقيه وشخصية المكتشف».

لتوضيح الخطوة الثانية، نشير إلى تجربة الشهيد الصدر العملية في هذا المجال من كتاب «السنن التاريخية في القرآن». في هذا الكتاب، اختار الشهيد الصدر مجموعة من الآيات التي تشرح موضوعًا واحدًا، وحاول بعد بيان المدلول التفصيلي والجزئي لهذه الآيات، توضيح وجه العلاقة بين هذه المدلولات الجزئية، وعرضها في نظام وترتيب واحد يغطي كل الثغرات ويقدم كل الإجابات اللازمة للوصول إلى نظرية قرآنية شاملة في موضوع السنن التاريخية. في هذا الكتاب، طبق الشهيد الصدر منهجه الموضوعي عمليًا، لأنه بدأ بموضوع خارجي يُسمى السنن التاريخية، الذي يحمل في طياته عددًا كبيرًا من الأفكار والمواقف البشرية، وقد تحدثت العديد من المدارس والمذاهب المادية والوضعية عنه. يرى الشهيد الصدر أن استخراج النظرية الإسلامية أمر لا يمكن الاستغناء عنه، «لأن النقاش في السنن التاريخية مرتبط ارتباطًا عضويًا وثيقًا بكتاب الله، باعتباره كتاب هداية وخلاص الناس من الظلمات إلى النور، لأن البعد العلمي البشري والتطبيقي في هذا الفعل (إخراج الناس من الظلمات إلى النور) يتقبل السنن التاريخية، لذلك يجب أن نستمد الإلهام من القرآن الكريم، والقرآن الكريم بالضرورة يحتوي في هذا المجال على أفكار وبيانات لتشكيل الإطار العام للنظرة القرآنية الإسلامية إلى السنن التاريخية». لذلك، فإن مجال التاريخ والسنن التاريخية مرتبط ارتباطًا وثيقًا بوظيفة القرآن، باعتباره كتاب هداية وكتاب موجه نحو التغيير والتحول.

يؤكد الشهيد الصدر أنه حسب علمنا، فإن القرآن الكريم هو أول كتاب معروف للبشرية يؤكد على السنن التاريخية ويكشف عنها ويصر عليها، وبكل الوسائل المتاحة لديه ـ مثل الإقناع والتفهيم ـ قد رفض نظرية العشوائية والتسليم الغيبي في تفسير ظواهر التاريخ. يؤكد القرآن الكريم أن المجال التاريخي له سنن وضوابط، كما أن جميع مجالات الوجود الأخرى لها سنن وضوابط. بعد أن مر الشهيد الصدر بمراحل رسمها في منهج نظريته الموضوعية، صاغ نظرية القرآن حول السنن التاريخية على النحو التالي: يرفض القرآن الكريم نظرية التسليم العشوائي في تفسير الظواهر التاريخية. كان الناس عادة ينظرون إلى التاريخ كوصف لكومة متراكمة من الظواهر، وأحيانًا يفسرونه على أساس الصدفة، وأحيانًا أخرى على أساس القضاء والقدر والتسليم لأمر الله سبحانه وتعالى. حارب القرآن الكريم هذه النظرية ولفت عقل الإنسان إلى أن هذا المجال له سننه وقوانينه، ولكي تكون إنسانًا فاعلًا ومؤثرًا، يجب أن تكتشف هذه السنن وتعترف بها لكي تسيطر عليها وتغلبها، وإلا فإن هذه السنن ستسيطر عليك وأنت تغمض عينيك، فافتح عينيك على هذه القوانين».

يأسف الشهيد الصدر للمسلمين لأنهم أفسدوا وأهملوا هذا المفهوم الحيوي الذي أولاه القرآن اهتمامًا، بحيث لم يغوصوا في عمق هذا المفهوم، بينما الغرب قد قدم مناقشات كثيرة في هذا المجال وأنتجوا بحوثًا متنوعة في فهم التاريخ وسنن التاريخ، وبناءً على هذا الموضوع تشكلت توجهات مثل المثالية والمادية ومدارس متعددة تحاول كل منها تحديد هذه السنن وتقديم نظريتها في هذا الباب».

لذا، فإن الموضوع الخارجي والواقعي الذي يبدأ منه الشهيد الصدر ويصل إلى النص القرآني هو السنن التاريخية: وعندما ندعي أن النقاش حول السنن التاريخية وتقديم نظرية شاملة بشأنها مرتبط بمهمة القرآن بوصفه كتاب هداية وتغيير، فإننا بطبيعة الحال مسؤولون عن تقديم بديل أفضل، لأن الإسلام يطلب منا أن نطرح مثل هذا البديل في مواجهة التوجهات التي ناقشت موضوع السنن التاريخية.

كل مذهب ـ أو كل مدرسة فكرية ـ يطرح على نفسه هذا السؤال: هل للتاريخ البشري سنن وقوانين (أم لا؟) ويحاول الإجابة على هذا السؤال. نطرح نفس السؤال على القرآن: ما موقف القرآن من السنن التاريخية؟ وما قوله في تأييد هذه السنن أو نفيها؟ الجواب الذي يقدمه الشهيد الصدر هو أننا نبدأ بالآيات التي تتضمن فكرة عامة عن السنن التاريخية، ونربط بين هذه الآيات ودلالاتها لنستخلص هذه الفكرة العامة. ونتيجة لذلك يتضح أن المجال التاريخي، مثل المجالات الأخرى، له سنن وضوابط».

يستفيد الشهيد الصدر من هذا المفهوم كمدخل لاستكمال النظرية الإسلامية في موضوع السنن التاريخية وكشف أبعادها المختلفة، ثم يتقدم خطوة إلى الأمام ويطرح على القرآن عدة أسئلة: ما هي السنن الحاكمة على التاريخ البشري؟ ما هي العوامل الرئيسية لنظرية التاريخ؟ ما دور الإنسان في عمليات التاريخ؟ ما دور السماء أو النبوة في المجال التاريخي؟ يعرض كل هذه الأسئلة خارج النص حرفًا حرفًا ليجعل النص يتكلم وينطق، ويكشف النظرية الإسلامية في باب السنن التاريخية. ونتيجة لذلك، كما يقول الشهيد الصدر، نصل إلى تركيب نظري قرآني يجد كل من هذه الدلالات التفصيلية مكانها المناسب، وهذا ما نطلق عليه اليوم «نظرية». خلاصة القول، لكي نجعل نصوص القرآن الكريم والسنة الشريفة تنطق في كثير من القضايا والمواضيع التي نحتاج اليوم إلى فهم رؤية الإسلام بشأنها، يمكننا الاستفادة من نفس منهج الشهيد الصدر الذي يسميه المنهج الموضوعي. تكمن أهمية هذا المنهج في سد فراغ كبير تعاني منه آليات المنهجية في الاجتهاد التقليدي. وإذا ما استُخدم هذا المنهج الجديد إلى جانب المناهج التقليدية المتعارف عليها، فسيفتح آفاقًا وأبوابًا جديدة أمام الفعل الاجتهادي الذي نحتاجه اليوم في عصر بروز النظريات الكبرى.

المعيار الثالث: الانتقال من الذوق الشخصي إلى الواقع

يُعنى هذا المعيار لأنه يطرح على مكتشف نظريات الإسلام في مختلف موضوعات الحياة والوجود والمجتمع سؤالًا: من أين أتأكد أن النظرية التي اكتشفتها واستخلصتها من المصادر الإسلامية تعبر حقًا عن وجهة نظر الإسلام، وأنها نشأت طبيعيًا من هذه المصادر، وبالتالي لم تكن نتاجًا لفكري الشخصي وذوقي الخاص، ولم تكن نتيجة فرض استنتاجاتي الشخصية على النصوص وتأويلاتي الخاصة لهذه النصوص؟

بعبارة أخرى، كيف يمكنني أن أحذر من الزلات الشخصية والداخلية أحيانًا أثناء عملية اكتشاف النظريات الإسلامية؟ هذا السؤال يشير إلى واحدة من أهم الصعوبات والعقبات في نظرية الإسلام. مواجهة هذه الصعوبة لا تتحقق إلا من خلال بناء منهج يوفر الضوابط المتناسبة مع طبيعة النصوص الإسلامية. موضوعية المنهج بهذا المعنى تعني أن المنهج يوفر ضوابط تؤدي إلى أقرب نتيجة ونظرية حول واقع التشريع الإسلامي، ولا تكون نابعة من الأفكار الشخصية والذهنية السابقة التي يحملها الفرد ويحاول فرضها على الموضوع.

الفرق بين التكوين والاكتشاف النظري

يشير الشهيد الصدر إلى أن ما يقوم به المجتهد في نظرية الفقه يختلف عن نظرية الفقهاء في المدارس البشرية، لأنهم يقومون مباشرة بتكوين وابتكار النظرية، وبعد تأسيس نظرية، يجعلونها أساسًا للأبحاث اللاحقة. يجب أن نفهم جيدًا أن البعد المذهبي (الديني) لنظرية أو مجموعة نظريات في مجال معين هو عامل مهم في تحديد النهج القانوني العام في ذلك المجال، ويشكل القاعدة البنيوية للقانون. «المذهب والقانون طبقتان من بنية نظرية كاملة للمجتمع. هذه البنية تقوم على رؤية عامة وتشمل طبقات متعددة تعتمد على بعضها البعض، وكل طبقة سابقة هي أساس وقاعدة للطبقة الأعلى المشار إليها. القانون هو الطبقة العليا من هاتين الطبقتين التي تتناغم وتتوافق مع المذهب، ويتم تحديدها وتقييدها في ضوء النظريات والمفاهيم الأساسية التي يعبر عنها هذا المذهب. لذلك، المجتمع الذي يريد أن يتحرك في إطار مذهب معين ويريد أن يكون حركته متوافقة مع مبادئ ونظريات ذلك المذهب، يجب أن يستعين في عمله بقوانين تعكس هذه المبادئ والنظريات.

لتوضيح العلاقة بين المذهب والقانون، ومدى تأثر القانون نظريًا وعمليًا بنظريات المذهب، يقدم الشهيد الصدر أمثلة من مذهب الرأسمالية الحرة ويشرح علاقته بالقوانين المدنية على المستوى النظري والعملي: «في مجال الحقوق الشخصية في القانون المدني، يمكننا أن نرى تأثير مذهب الرأسمالية إذا علمنا أن نظرية الالتزام التي هي عمود القانون المدني، استمدت محتواها النظري في فترة كانت فيها الأفكار الرأسمالية تركز على الحرية الاقتصادية وكانت مبادئ الاقتصاد الحر تهيمن على الرأي العام، من طبيعة مذهب الرأسمالية. نتيجة هذا الوضع، ظهر مبدأ سيادة الإرادة في نظرية الالتزام الذي يحمل بصمة المذهب الرأسمالي، لأنه وفقًا لإيمان الرأسمالية بالحرية والنهج الفردي للحرية، يؤكد أن الإرادة الخاصة للفرد هي المصدر الوحيد لجميع الالتزامات والحقوق الشخصية، وينكر وجود أي حق لأي مجموعة فردية أو فرد آخر إلا إذا كانت هناك إرادة حرة تقبل تسجيل هذا الحق على نفسها. من الواضح أن إنكار أي حق على الشخص إلا إذا قبل هو بحرية، هو ترجمة أمينة لجوهر الفكر المذهبي للرأسمالية – أي الحرية الاقتصادية – ونقلها من المجال الاقتصادي إلى المجال القانوني. لذلك، عندما تقوم نظرية الالتزام على مذهب اقتصادي آخر، تكون مختلفة وأحيانًا يكون دور الإرادة فيها أقل وضوحًا.

يخلص الشهيد الصدر بعد شرح العلاقة التي يعتقد بوجودها بين القانون المدني والمذهب، إلى أنه نلجأ إلى الاكتشافات المذهبية عندما لا نمتلك صورة واضحة عن ذلك المذهب أو بعض أبعاده، ولا نمتلك تصورًا واضحًا عن البنية التي أسسها مؤسسو ذلك المذهب، ويمكننا اكتشاف ذلك المذهب من خلال قانونه. وهذا بالطبع في حال كان لدينا معرفة بالقانون الذي يقوم عليه هذا المذهب المجهول.

وبذلك، من وجهة نظر الشهيد الصدر، تسير عملية الاكتشاف عكس مسار عملية التكوين (تشكيل) النظرية، أي تبدأ من البنية الظاهرة (السطح) وتنتهي إلى البنية التحتية (الأساس).

دور المفاهيم في اكتشاف النظرية

كيف تشارك المفاهيم الإسلامية في عملية اكتشاف النظريات الإسلامية في مجال معين؟

تختلف مشاركة المفاهيم الإسلامية في اكتشاف النظرية الإسلامية من مستوى إلى آخر. أحيانًا نعتمد في موضوع ما كليًا على الأحكام الشرعية، وأحيانًا أخرى نعتمد أساسًا على المفاهيم الإسلامية؛ على سبيل المثال، في نظرية السنن التاريخية الإسلامية، يركز الشهيد الصدر فقط على المفاهيم الإسلامية ولا يدخل الأحكام التشريعية في تحديد الجوانب والدلالات النظرية لها؛ أما في نظرية المذهب الاقتصادي الإسلامي، فالأحكام تلعب دورًا أساسيًا، بينما تلعب المفاهيم دورًا ثانويًا.