تأمل جديد في تأثير الزمان والمكان في الاجتهاد الفقهي

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: تأملی دیگر در تأثیر زمان و مکان در اجتهاد ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: تُعدُّ مسألة «تأثير الزمان والمكان في الاجتهاد» من أبرز القضايا المحورية في ديناميكية الفقه وقدرته على الاستجابة لاحتياجات المجتمعات البشرية الناشئة. الشهيد صدر قدَّم منظومة فكرية تشمل التمييز بين الأحكام الثابتة والمتغيرة وطرح نظريات مبتكرة في مجال صلاحيات ولي الفقيه، مما فتح آفاقًا جديدة في هذا المجال. تتناول هذه المقالة تحليل أبعاد تأثير عنصر الزمان والمكان على استنباط الأحكام الشرعية من وجهة نظر هذا المفكر الكبير، وتسعى إلى توضيح قراءته الخاصة للعلاقة بين ثبات الشريعة وتغير مقتضيات الزمان.

المؤلف: محمدجواد ارسطا

المصدر: نقد و نظر، شتاء 1374، العدد 5، ص 276 إلى 295.

إن تأثير الزمان والمكان في الاجتهاد الذي طرحه حضرة الإمام الخميني (قده)[1] أثار نقاشات مستفيضة وممتدة. حاول العديد من أصحاب الرأي تفسير وتوضيح كلام الإمام، وادعى بعضهم أن هذا القول هو حديث غير مسبوق في تاريخ الفقه الشيعي، ولذلك اعتبروه سببًا في تحول الفقه الإمامي. إن أصل تأثير الزمان والمكان في الأحكام الشرعية، وأن الموضوع قد يحمل أحكامًا مختلفة في أزمان أو أماكن مختلفة، قد اعترف به فقهاء الإمامية منذ قرون.

لقد طرح المرحوم الشهيد الأول في كتابه (القواعد والفوائد) الذي يحتوي على قواعد فقهية وأصولية وأدبية، نقاشًا تحت عنوان: يجوز تغيير الأحكام نتيجة تغير الأعراف والعادات؛ (يجوز تغير الأحكام بتغير العادات).[2] وذكر لذلك أمثلة، منها أن نفقة الزوجة في كل زمن تُحدد بما يتناسب مع عرف وعادة ذلك الزمان؛ لأن الشريعة الإسلامية لم تحدد مقدارًا معينًا للنفقة، وإذا وردت في بعض الروايات عبارات تشير إلى تحديد مقدار النفقة، فهي تشير إلى المقدار المعتاد في زمن صدور الرواية وليست حكمًا عامًا.[3] ومن الأمثلة الأخرى التي ذكرها المرحوم الشهيد الأول أن الزوجين إذا اختلفا بعد الجماع في قبض المهر، فيجب تقديم قول الزوج حسب الرواية الواردة في هذا الشأن، ويُفترض أن الزوج قد دفع المهر لزوجته.[4]

يقول المرحوم الشهيد: سبب تقديم قول الزوج هو العادة التي كانت موجودة في الأزمنة الماضية (زمن صدور الرواية) حيث كانوا يدفعون المهر قبل الجماع، ولكن في زماننا الذي لا توجد فيه هذه العادة، من المناسب تقديم قول الزوجة.[5]

بالتدقيق في هذين المثالين، ندرك أنه في أي منهما لم يؤدِ تغير العرف مباشرة إلى تغير الحكم الشرعي؛ بل بصيغة أدق، لم يحدث أي تغيير في الحكم الشرعي العام، وإنما تغير موضوع الحكم. والشرح أن الحكم الشرعي في المثال الأول هو وجوب دفع النفقة للزوجة، وأن هذه النفقة يجب أن تكون بمقدار يلبي الاحتياجات العادية والمعتادة لحياة الزوجة. هذا الحكم ظل ثابتًا وقويًا منذ صدر الإسلام، وكل رجل ملزم بالالتزام به تجاه زوجته، ولكن مقدار النفقة التي تلبي الاحتياجات المعتادة للمرأة يختلف من زمن إلى آخر ومن مكان إلى آخر. وبعبارة أخرى، تنفيذ هذا الحكم في أزمان وأماكن مختلفة يتحقق بأشكال مختلفة، وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال تغير الحكم الشرعي؛ لأن الحكم الشرعي لم يُحدد مقدارًا معينًا للنفقة منذ البداية، فلا يؤدي تغير هذا المقدار إلى تغير الحكم؛ بل عمومًا، فرض على الرجل أن يوفر المصاريف المعتادة لحياة زوجته مثل الطعام والكساء والمسكن، ومن الواضح أن هذه المصاريف تتغير في أزمان وأماكن مختلفة.

أما في المثال الثاني، الذي وفقًا للرواية يُقدم قول الزوج عند اختلاف الزوجين في قبض المهر بعد الجماع، فهو في الواقع ليس من باب تقديم حكم شرعي عام، بل من باب تطبيق حكم عام إلهي على حالة خاصة.

والشرح أن عندما يكون هناك نزاع بين شخصين ويذهبان إلى القاضي، يقع عبء الإثبات على من يدعي خلاف الأصل أو الظاهر، وهذا هو الشخص الذي يُسمى في الاصطلاح (المدعي)، ويقابله (المنكر).[6] في زمن الأئمة (ع)، كان الظاهر أن الزوج قد دفع المهر لزوجته قبل الجماع، ولذلك إذا حدث خلاف بعد الجماع حول قبض المهر بحيث تدعي الزوجة عدم الدفع وينكر الزوج كلامها، فإن ادعاء الزوجة يُعتبر مخالفًا للظاهر، وبناءً على التعريف المقدم للمدعي: (هو من يخالف قوله الأصل أو الظاهر)[7] تكون الزوجة هي المدعية والزوج هو المنكر، وبالتالي يقع عبء الإثبات على الزوجة.

وبذلك، في زمن الأئمة (ع) كان (المدعي) في دعوى قبض المهر يُطبق على الزوجة، وهذا التطبيق ليس من باب تقديم حكم شرعي عام، بل من قبيل تطبيق حكم عام إلهي على حالة خاصة، وذلك لأن العرف في صدر الإسلام كان أن الرجال يدفعون مهر زوجاتهم قبل الجماع، وهذا العرف والتداول الذي نشأ بناءً على الغلبة، خلق (ظاهرًا) خاصًا.[8]

من البديهي أنه كلما زال هذا (الظاهر) بسبب تغير العرف، لا يبقى موضوع لتطبيق تعريف المدعي والحديث (البيّنة على من ادعى)؛ وهذه المسألة لا علاقة لها بتغير الحكم الشرعي؛ لأن الحكم الشرعي الكلي هو لزوم إقامة البيّنة من جانب المدعي (مع مراعاة تعريف المدعي في كتب الفقه) وهذا الحكم لا يزال قائماً بقوته. ولكن في زماننا (كما في زمن الشهيد الأول) في النزاع بين الزوج والزوجة بشأن قبض المهر، لا ينطبق تعريف المدعي على المرأة؛ لأن في مسألة دفع المهر قبل الجماع لا يوجد ظاهر لصالح الرجل؛ بل قد يكون المعتاد أن المهر لا يدفع قبل الجماع، ولذلك إذا نشأ نزاع في هذا الشأن بين الزوجين، فمن الطبيعي أن يكون هو الذي يجب عليه إقامة الدليل؛ لأن قوله مخالف للظاهر، وهكذا تطبق القاعدة الكلية (البيّنة على من ادعى) على الزوج. دون أن يحدث أي تغيير في مفهومها ومضمونها.[9] لذلك، فإن تغير الحكم الشرعي نتيجة تغير العرف والعادة لا يعني أنه مع ثبات الموضوع يتغير الحكم الشرعي تبعاً لتغير العرف؛ بل يعني أنه نتيجة تغير موضوع حكم شرعي، يحل حكم آخر محله؛ لأن بقاء الحكم مرتبط ببقاء الموضوع كما أن بقاء المحمول مرتبط ببقاء موضوعه. بناءً عليه، ما كتبه بعض الكتاب المعاصرين من أن (هذا هو العمل بالعرف وطرح الرواية) غير صحيح؛ لأن في الأصل لا تعارض بين العرف والرواية هنا لنقدم أحدهما على الآخر؛ بل الرواية تهدف إلى بيان حكم شرعي كلي وثابت وتطبيقه على مصداق خاص ومحدد. ومن الواضح أن التطبيق على المصداق ليس حكماً شرعياً، ولذلك فهو لا يتمتع بالثبات والقداسة. لذا، كلما تغير العرف، لا يحدث أي تعارض بينه وبين الرواية، والرواية في الأصل لا تريد أن تقف في وجه العرف وتخالفه حتى نعتبر قول الشهيد الأول (العمل بالعرف وطرح الرواية)؛ بل كلام الشهيد في الواقع هو العمل بكليهما، بحيث يستمد الحكم الكلي من الرواية ويأخذ الموضوع من العرف ثم يطبق الحكم على الموضوع.

بالطبع، تشخيص هذه المسألة، أي ما إذا كانت الرواية في مقام بيان حكم مخالف للعرف أو تقديم تطبيق حكم شرعي على عرف زمانها، يحتاج إلى دقة ولا يقدر عليه إلا الفقهاء المجربين والدقيقو النظر، مثل المرحوم الشهيد الأول الذي سبق الكلام عنه، وكما نقل عن المرحوم الشيخ الطوسي في (وسائل) قوله: (أقول: يحملها الشيخ على عدم قبول قولها بعد الدخول بدون بيّنة لما مضى ويأتي، وذلك أنهم يدعون خلاف الظاهر وخلاف العادات…)[10]. ومن خلال التدقيق في رسالة حضرة الإمام الخميني (قده) يتضح أن هذا المعنى هو المقصود من قِبَلِه. عباراتهم بالضبط هي: (الزمان والمكان عنصران محددان في الاجتهاد. المسألة التي كانت في القديم لها حكم، قد يظهر أن نفس المسألة في العلاقات الحاكمة على السياسة والاجتماع والاقتصاد في نظام ما قد تحصل على حكم جديد، بمعنى أنه مع المعرفة الدقيقة للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، يصبح الموضوع الأول الذي لم يتغير ظاهرياً موضوعاً جديداً فعلاً، مما يستلزم حكماً جديداً.)[11]

يتضح أن الإمام يبين سبب ظهور حكم جديد نتيجة تأثير الزمان والمكان بأن موضوع الحكم الأول لم يعد قائماً بقوته، بل تغير وأصبح فعلاً موضوعاً جديداً، وهو يشبه الموضوع الأول من حيث الظاهر فقط، ومن الواضح أن الموضوع الجديد يستلزم حكماً جديداً بالضرورة. لذلك، في كلام الإمام لم يرد ذكر لتغير الحكم دون تغير موضوعه، ولا ينبغي تفسير تأثير الزمان والمكان في الاجتهاد من وجهة نظره بطريقة تؤدي إلى هذا المعنى.

لكن هل حقاً يقتصر تأثير الزمان والمكان في الاجتهاد على إحداث تغيير في موضوعات الأحكام الشرعية فقط، ولا يوجد طريق آخر لهذا التأثير؟ الأستاذ المحترم الدكتور عليرضا فيض يرى هذا التأثير من خلال عرف العقلاء، وحاول إثبات أن عرف العقلاء، رغم التغيرات التي يمر بها في الأزمنة والأمكنة المختلفة، (دائماً ما يكون مقروناً برضا الشارع)؛ بمعنى أن شارع الإسلام يؤيد ويصادق على عرف العقلاء بشكل عام، ولذلك: (لا حاجة لحجية العرف لأن يكون متصلاً بزمن أحد المعصومين(ع)).[12]

وباختصار، يدعي أن: (كل عرف وسيرة عقلائية رائجة بين عقلاء المجتمع في أي موضوع من المواضيع وأي ظاهرة من الظواهر الاجتماعية، سواء كانت متصلة بزمن المعصوم أو منفصلة عنه، كلها حجج، ويمكننا بفضلها حل كثير من مسائلنا الاجتماعية.)[13]

نتيجة كلامه هي أنه للاستشهاد المرجعي بعرف العقلاء، يكفي فقط إثبات وجوده وتحقيقه، ثم إذا لم يكن هناك مانع بشأنه، يمكننا أن نحكم بناءً عليه وننسب الحكم المذكور إلى الشريعة الإسلامية المقدسة، سواء كان العرف العقلي المذكور متصلًا بزمن المعصوم(ع) أو كان عرفًا حادثًا ومتأخرًا لم يكن له أثر في زمن المعصوم(ع). بناءً على ذلك، يُعترف بالعديد من الأعراف العقلائية الموجودة في زماننا، والتي حدثت بعد مئات السنين من زمن المعصومين(ع) ولم يرد في شأنها آية أو رواية تنفيها أو تثبتها، كأحكام شرعية مقبولة ومعترف بها. ويعتقد هو أن هذه النظرية طرحت لأول مرة من قبل الإمام الخميني (قده) (الإمام في الحقيقة مبتكر هذا الرأي)، وأن رأي بعض كبار الفقهاء المعاصرين (كآية الله الشهيد سيد محمد باقر صدر) متأثر بلا شك برأي الإمام الخميني.

لذلك، تناول هو دراسة نظرية الإمام الخميني وكتب ما يلي:

(بما أن عدة علماء كبار آخرين لديهم آراء مشابهة لرأي الإمام في هذا المجال، ومن جهة أخرى قد تكون أقوالهم مقدمة لفهم فتوى الإمام الثورية في هذا الشأن، لذلك نبدأ بما قاله الآخرون ونختم بكلمات الإمام المضيئة.)[14]

في مقاله، اكتفى الدكتور فيض بشرح أسباب الإمام (قده) وبعض العلماء المعاصرين (الذين يعتبرهم متفقين معه) ولم يقدم سببًا جديدًا لاعتبار عرف العقلاء حجية، سواء كان متصلًا بزمن المعصوم(ع) أو لا. وبما أنه نسب نظريته التي تترتب عليها آثار فقهية مهمة إلى الإمام (قده) وبعض الفقهاء المعاصرين، فإننا في هذا المقال نسعى بدقة في كلام العلماء المذكورين للتحقق من صحة هذا الإسناد. أول عالم استند إليه الدكتور فيض هو (الأستاذ محمد جواد مغنية).

في الهامش لمقاله (ص 22) أشار إلى كتاب (علم أصول الفقه في ثوبه الجديد) للمغنية رحمه الله، والصحيح أن الصفحة هي 222. المؤلف المحترم ترجم الكلام دون أن يذكر النص العربي الأصلي في المتن أو الهامش، مع أن التدقيق في ما قبل الكلام المذكور والعبارات العربية للمغنية يوضح أن الرأي الذي أبداه الأستاذ مغنية هنا لا يؤيد على الإطلاق نظرية الدكتور فيض.

والتوضيح أن أصل النقاش يبدأ من صفحة 221 من كتاب (علم أصول الفقه في ثوبه الجديد) بعنوان (ظواهر الكتاب والسنة)؛ يبدأ المرحوم مغنية النقاش قائلاً:

(وبناءً على أن الأصل يقتضي المنع عن العمل بالظن إلا ما خرج بالدليل، نتساءل هل خرج بالدليل عن هذا الأصل بعض الإمارات التي من شأنها أن توجب الظن بالحكم دون العلم؟ الجواب: خرجت ظواهر الكتاب والسنة والخبر الواحد بل قيل بخروج غيرهما أيضًا… ونبدأ الحديث عما خرج بظواهر الكتاب والسنة…)

الأستاذ مغنية وفقًا لهذا التعبير، مثل غالبية أصوليي الإمامية، يعتبر الأصل هو منع العمل بالظن مطلقًا، إلا إذا دل دليل على حجية ذلك الظن. لذلك، من حيث المبدأ، هو مخالف لرأي المؤلف المحترم الذي صرح صراحةً (في كتاب حيوية الفقه… تناولت بالتفصيل سبب الانسداد وكل مقدماته وأثبت بقوة حجية ذلك)[15]

والتوضيح أن حسب قوله نفسه (إذا فعّل سبب الانسداد وحصل الاعتبار المفقود، تكون النتيجة هي حجية الظن المطلق، أي الظن بالحكم الشرعي من أي مصدر ومأخذ إلا إذا منع الشرع ظنًا خاصًا (كقياس))[16] بناءً على ذلك، الأصل هو حجية الظن المطلق إلا إذا منع الشرع ظنًا خاصًا، بينما من وجهة نظر المرحوم مغنية، الأصل هو عدم حجية الظن ومنع العمل به، إلا إذا أقيم دليل على حجية ذلك.

بعد بيان هذا الأصل، طرح الأستاذ مغنية السؤال: هل خرجت بعض الإمارات التي توجب الظن بالحكم الشرعي (وليس العلم) بدليل شرعي من تحت شمول هذا الأصل أم لا؟ وأجاب أن ظواهر الكتاب والسنة والخبر الواحد وبعض الإمارات الأخرى خرجت من تحت هذا الأصل؛ ثم ناقش ظواهر الكتاب والسنة وكتب:

(ولا شك أن ظاهر الكلام بيان ودليل يوجب العمل به، ولا فرق في ذلك بين كلام الكتاب والسنة وغيره، سواء حصل من هذا الظاهر ظن فعلي شخصي لمن علم به أم لم يحصل، مادام الكشف عن المدلول ذاتي لدلالة الظاهر من الكلام…)؛ أي إن ظاهر الكلام ذاتيًا يكشف عن مدلوله ويُظهر معناه للعارفين به.

ثم أضاف أن العرف العام أو بناء عقلاء كل دين ومذهب يسير على هذا المنوال أيضًا، والشارع المقدس الذي هو سيد وراعٍ للعقل والعرف، خاطب الناس في بيان الأحكام والمقاصد بالطريقة المعروفة والرائجة بينهم، ولا خلاف بين عقلاء في أن المعنى الذي يُفهم من ظاهر اللفظ، مهما كان، هو المقصود والمراد من المتكلم، وهو دليل لصالحه أو ضده.

ثم تابع قائلاً:

(وعلى هذا الأساس يرتكز القضاء والعديد من الأحكام الشرعية وتُرسم الحقوق والواجبات، وبه وعليه تدور عجلة الخطابات والفهم والإفهام، ولولاه لما انتظم شيء من الحياة الاجتماعية، وبهذا يتبين معناه أنه لا حاجة إلى القول بأن الشارع قرر هذا العرف أو هذا البناء ولم يردع عنه ما دام الردع غير ممكن والتقرير تحصيل للحاصل.)؛ فالقضاء والعديد من الأحكام الشرعية مبنيان على العمل بظواهر الكلام، وقد رسمت الحقوق والواجبات على هذا الأساس؛ فتدور عجلة الخطاب الشرعي والتفهيم والتفهم على هذا المحور، ولو لم يكن ظاهر الكلام دليلاً مقبولاً لما انتظمت أي من شؤون الحياة الاجتماعية، ومن هذا البيان يتضح أنه لا حاجة لأن نقول إن الشارع قد أقر هذا العرف أو لم ينه عنه؛ لأن الردع وإنكاره غير ممكن، والتقرير هو تحصيل حاصل.

وكما يتضح من التدقيق في كلام المرحوم المغنية، فإن حديثه ليس عن جميع الأعراف والبنايات العقلائية، بل يتحدث عن ظواهر الكلام ويقول: أساساً بدون العمل بظواهر الكلام وبدون اعتبار ظاهر الكلام حجة، لا ينتظم حياة الإنسان الاجتماعية؛ لذا لا داعي للبحث عما إذا كان الشارع قد أقر هذا العرف أم لا، أو أنه أنكره أم لا؛ لأن الإقرار والإنكار يكونان ممكنين فقط حيث يمكن القيام بهما، أما في شأن ظواهر الكلام فلا يمكن ذلك؛ لأنه إذا لم نعُد ظاهر الكلام حجة، فلا بد أن نتخلى عن الحياة الاجتماعية أيضاً!

وبالتالي، فإن خصوصية ظواهر الكلام، وهي خصوصية التنظيم والترتيب للحياة الاجتماعية، جعلت من غير الضروري وجود إقرار شرعي أو عدم ردع من الشارع المقدس؛ لأن الشارع بلا شك قد شرع للبشر الذين يعيشون في المجتمع، وهدفه هو تكامل الإنسان على الصعيدين الفردي والاجتماعي، لا تدمير حياته الاجتماعية. والآن قارن كلام المرحوم المغنية مع ترجمة الدكتور فيض الذي كتب:

(لو لم يكن للعرف دور لما انتظمت أي من الأمور الاجتماعية ولم تأخذ شكلاً منظماً…)

ثم أضاف في شرحه: (مراده أن الشارع قد اعتبر العرف بشكل عام معتبرًا، وإذا كان لا بد من إقراره مرة أخرى، فهو تحصيل حاصل.)

ولا حاجة لشرح أن سبب استشهاد الأستاذ المغنية بعدم الحاجة إلى إقرار أو عدم ردع الشارع المقدس في شأن ظواهر الكلام هو أن العمل بظواهر الكلام يؤدي إلى انتظام الحياة الاجتماعية للإنسان، ومن الواضح أن هذه الخصوصية لا توجد في جميع البنايات والأعراف العقلائية، ولذلك فقد رد الشارع على بعض منها؛ فكيف يمكن اعتبار كلام المرحوم المغنية دليلاً على اعتبار العرف بشكل عام كما ادعى الدكتور فيض؟![17]

ثم استند الدكتور فيض إلى كلام من آية الله الشهيد (سيد محمد باقر صدر) في كتاب (بحوث في علم الأصول) (وهو تقرير درس خارج أصول الفقه له) وترجم ذلك قائلاً:

(في سيرة العقلاء (أي عرف العقلاء) يكفينا أن يثبت أن طبيعة العقلاء ونشأتهم وطبائعهم تقتضي أن يكون لهم سيرة وعرف معين، وكلما لم يردع الشارع تلك الطبيعة، فإن العرف الناشئ عن تلك الطبيعة الإنسانية سيكون لنا حجة ومعتبرًا)[18].

والعبارات السابقة، كما أشار الدكتور فيض في الهامش، هي ترجمة العبارات التالية:

(وأما السيرة العقلائية فيكفي فيها أن نثبت أن الطباع العقلائية لو خُلّيت ونفسها ولم تردع لكان مقتضاها عمل ما)[19].

وبعد هذه العبارات، ترجم الدكتور فيض ما يلي: (ولا يلزم أن يكون كل عرف عقلائي متصلًا بزمن أحد المعصومين، أي أن عقلاء زمن المعصوم أيضًا لديهم هذا العرف ليُثبت حجّيته.) وهذه العبارة ترجمة العبارة التالية: (وإن كان بالفعل لم يجر أصحاب الأئمة والعقلاء في زمانهم على ذلك.)

والترجمة الصحيحة لهذه العبارة هي:

(السيرة العقلائية التي لم يُنكرها الأئمة عليهم السلام هي حجة) رغم أن أصحاب الأئمة والعقلاء في زمانهم لم يتبعوا هذه السيرة بالفعل وفي الواقع الخارجي.

وقد ظن الدكتور فيض أن عدم تفعيل السيرة في زمن الأئمة عليهم السلام يعني عدم اتصالها بزمنهم، ولذلك ترجمها هكذا: (لا يلزم أن يكون كل عرف عقلائي متصلًا بزمن أحد المعصومين.) بينما يتضح خطأ هذا التصور عند التدقيق في عبارات الشهيد الصدر التي أوردها في بداية بحث السيرة العقلائية. والشرح أن آية الله الصدر قد عرف السيرة العقلائية بأنها: (السيرة العقلائية نقصد بها ما هو أعم من السلوك الخارجي، فهي تشمل أيضًا المرتكزات العقلائية، وإن لم يصدر منهم بالفعل سلوك خارجي على طبقها لعدم تحقق موضوعها بعد).[20]

ومقصودنا من السيرة العقلائية هو شيء أعم من السلوك الخارجي للعقلاء؛ لذلك تشمل السيرة العقلائية المرتكزات العقلائية أيضًا، حتى وإن لم يتحقق موضوع تلك المرتكزات في الخارج، ولم يصدر سلوك خارجي من العقلاء مطابق لذلك المرتكز بالفعل. وبهذا التعريف، تشمل السيرة العقلائية عندهم فئتين:

1- السلوك الخارجي للعقلاء بصورة معينة ومحددة (وفقًا لطريقة تفكير خاصة لديهم في ذلك الموضوع)؛

2- المرتكز العقلي دون أن يظهر في الخارج في صورة سلوك معين.

لذا، فإن الارتكاز موجود فقط في ذهن العقلاء ولم يبلغ مرحلة الظهور الخارجي، ومع ذلك فإن هذا التفكير مشترك بين العقلاء ومتمركز في أذهانهم، ولهذا أُطلق عليه اسم الارتكاز. وقد أطلق الأستاذ الشهيد على هذه الارتكازات العقلائية أيضاً اسم سيرة العقلاء. ثم تناول تقسيم السيرة العقلائية واعتبر القسم الثالث منها، الذي هو موضوع بحث الدكتور فيض أيضاً (انظر: مقاله پویایی‌ فقه‌ و اجتهاد، ص36)، سيرة يُستدل بها على الكُبرى في الحكم الشرعي، وتكون دليلاً مستقلاً على حكم شرعي.

حجية هذه السيرة من وجهة نظر الشهيد الصدر متوقفة على إمضاء الشارع، وشرط الإمضاء والتقرير هو أن تكون هذه السيرة موجودة في زمن التشريع ومعاصرة لزمن الأئمة عليهم السلام، ولذلك قال صراحة إن هذه السيرة لا تشمل الأعراف العقلائية التي نشأت بعد زمن المعصومين (ع). وعباراته كما يلي:

(إنه لابد من استكشاف إمضاء الشارع لها من اتخاذه موقفاً ملائماً معها كاشفاً عن إمضائه لمضمونها والذي أدناه السكوت والتقرير، فتكون الحجة بحسب الحقيقة الإمضاء والتقرير الصادر عن المعصوم لأنفس السيرة. وواضح أن هذه العناية بحاجة إلى أن تكون السيرة معاصرة لزمن التشريع وموجودة في زمن المعصوم (ع) فلا تنطبق على السير المستحدثة والمتجددة فيما بعد زمانهم.)[21]

وباختصار، من وجهة نظر آية الله الشهيد الصدر، لِحجية هذه السيرة وجود ركنين أو عنصرين ضروريين:

1 إثبات معاصرة هذه السيرة لزمن وجود المعصوم (ع) بحيث تتخذ موقفاً سلبياً أو إيجابياً تجاه مثل هذه السير.

2 الحصول على موقف إيجابي وإيجابي من المعصوم (ع) تجاه السيرة المذكورة، وأدنى درجاته السكوت تجاهها.

(فهذان ركنان لابد من توفرهما لتتم دليلية هذه السيرة: 1 إثبات معاصرتها مع زمن يكون فيه المعصوم ظاهراً يتخذ المواقف الفقهية تجاه أمثالها إثباتاً أو نفياً… 2 فحص الموقف الملائم الذي أقلّه السكون.)[22]

وبهذا يتضح أولاً أن المقصود بعدم فعالية السيرة هو تحققها في قالب الارتكاز العقلي (وليس عدم اتصالها بزمن المعصوم كما ترجم الدكتور فيض)، وثانياً أن كلا نوعي السيرة، سواء السلوك الخارجي أو الارتكاز العقلي، يكون لهما حجية فقط إذا ثبتت معاصرتهما لزمن المعصوم وإمضاء المعصوم (ع) وتقريرهما عليه. إن لزوم معاصرة السيرة العقلائية لزمن المعصوم (ع) عند الشهيد الصدر له اعتبار كبير، فلم يكتفِ بهذه التصريحات بل أضاف: أحياناً يُسأل لماذا لا يستدل الفقهاء بالسير العقلائية المستحدثة مع أن تجارب ومعارف العقلاء الفكرية والاجتماعية والقانونية في ازدياد مستمر، ولماذا لا يُستند مثلاً إلى هذا الارتكاز العقلي الذي يعترف بالحقوق المعنوية مثل حق التأليف والنشر؟

والجواب على هذه الأسئلة هو أن الاستدلال بالسير العقلائية المستحدثة صحيح فقط إذا كانت السيرة من حيث كونها سيرة للعقلاء ومن حيث اتباعهم حجية، وليس لأنها كاشفة عن موقف وتقرير الشارع؛ بينما علمنا أن السيرة التي يمكن الاستناد إليها لاستخلاص الحكم الشرعي هي التي تكشف عن موقف الشارع، وهذه السيرة يجب أن تكون معاصرة لزمن التشريع بالضرورة.

(ولعل بما ذكرنا يتضح الجواب على ما قد يُتساءل عنه من أنه لماذا يحرص الفقهاء في الاستدلال بمثل هذه الأدلة اللبية على التمسك بالسيرة العقلائية القديمة دون السيرة العقلائية المستحدثة مع أن وضع العقلاء في تقدم ونضج وتزايد خبراتهم الفكرية والاجتماعية والقانونية فلا يتمسك مثلاً بالارتكاز العقلي الحديث الذي يرى في بعض الاختصاصات المعنوية حقوقاً كحق التأليف والنشر على حد الاختصاصات المادية الساذجة المتمثلة في الحيازة مثلاً. فإن هذا الكلام إنما يصح فيما إذا كان الاستدلال بالسيرة العقلائية بما هي سيرة للعقلاء ومتابعة لهم لا بما هي كاشفة عن موقف الشارع وقد عرفت أن الذي يفيد في مجال استنباط الحكم الشرعي هو الثاني لا الأول وهو موقوف على معاصرة السيرة زماناً لعصر التشريع.)[23]

قارن الآن هذه العبارات مع ما كتبه الدكتور فيض في شرح كلام آية الله الصدر: (كما نعتبر عرف زمن المعصوم حجّة ومعتمداً، كذلك سيكون عرف الأزمنة الأخرى معتمداً وحجة، لأن كلاهما ناشئ من ذات طبيعة الإنسان وكلاهما كاشف عن رضا الشارع الذي لم يمنع تلك الطبيعة العقلائية. الأعراف في الأزمنة المختلفة، لأنها نتيجة تلك الطبيعة والنظام العقلائي الذي لم يعارضه الشارع، بلا شك لها اعتبار، ولا حاجة لنا للتساؤل عما إذا كانت تلك الأعراف موجودة في زمن المعصوم أيضاً حتى تبلغ إلى علمه وتحظى بتأييده أو عدم منعه؛ وهذا هو رأي غالبية فقهاء الشيعة. في السيرة المتشرعة هذا موجود، لكن في عرف العقلاء لا حاجة لذلك.)[24]

وبعد هذا البيان، اعتبر الدكتور فيض تركيز كلام الشهيد الصدر على قضية طبيعية، وبعد تعريف القضية الطبيعية قال: (الآن إذا كان العرف الذي هو مقتضى طبيعة الإنسان حجّة بناءً على قضية طبيعية، فيجب أن نستنتج أن النقاش حول كون عرف معين حجّة وعرف آخر ليس بحجّة هو نقاش في الأفراد من الأعراف، وهذا النقاش غير مقبول، بل يجب أن يكون العرف من حيث كونه عرفاً حجّة. لذلك إذا حصرنا العرف المعتمد في عرف زمن النبي (ص) أو الإمام (ع)، فقد نقلنا الحكم إلى الفرد، وفي القضية الطبيعية هذا غير صحيح.)[25]

لقد وقع هنا خطأ فادح؛ لأن كلام الشهيد صدر في هذا الموضوع هو أن مقتضى طبيعة وعقل العقلاء في ذاته هو أن يكون لهم مواقف ومواقف محددة في موضوعات مختلفة، سواء ظهرت هذه المواقف عمليًا في الخارج أم لا، وعلى كل حال يؤكدون أن سيرة العقلاء من هذه الناحية، كونها سيرة ومنهج العقلاء، لا حجية لها؛ بمعنى آخر، طبيعة العرف لا حجية لها، بل بعض الأفراد والمصاديق العرفية هي التي تكتسب الاعتبار بسبب إمضاء الشارع. ولكن للأسف، خلط الدكتور فيض بين مقتضى طبيعة العقلاء وحجية العرف من باب القضية الطبيعية، وصرح في تفسير كلام الشهيد صدر بشيء قد نُقض عليه من قبل ذلك الشهيد العظيم نفسه.

ومن الواضح أنه إذا كانت طبيعة وعقل العقلاء تقتضي سلوكًا أو سيرة خاصة، فهذا لا يعني أن طبيعة السير العقلائية حجية، بل إن السيرة المعينة فقط هي التي لها حجية، والتي تنشأ عن طبيعة العقلاء بما هم عقلاء، وقد أُجيزت من قبل الشارع. لذلك، القول بأن (يجب أن يكون العرف من حيث هو عرف حجية) و(إذا حصرنا العرف المعتمد في عرف زمن النبي (ص) أو الإمام (ع)، فقد نقلنا الحكم إلى الفرد، وهذا غير صحيح في القضية الطبيعية)، هو قول خاطئ تمامًا ومخالف لما قصده آية الله الشهيد صدر.

سبق أن نُقل قول من ذلك الشهيد مفاده أن سيرة العقلاء مطلقًا أو كقضية طبيعية ليست بحجية، بل لها حجية لأنها كاشفة عن موقف وموضع الشارع، والآن قول أكثر وضوحًا في هذا المعنى: (إن سكوت الشارع يدل فقط على إمضاء السيرة بنحو القضية الخارجية، وليس فيه تقرير لأكثر من ذلك، فلا يمكن استكشاف إمضاء عام منه لمطلق السير العقلائية بنحو القضية الحقيقية)[26].

سكوت الشارع يدل على إمضاء سيرة العقلاء كقضية خارجية وليس أكثر من ذلك؛ لذلك لا يمكن من سكوت الشارع استكشاف أنه أقر مطلق السير العقلائية كقضية حقيقية.

*

بعد ذلك، يشرع الدكتور فيض في إثبات الجزء الرئيسي من ادعائه، إذ يعتقد: (الإمام أيضًا يعتبر عرف العقلاء في أي مكان وزمان يتحقق فيه معتبرًا وحجية، لكنه اختار طريقًا آخر لإثبات حجيتها غير طريق الشهيد صدر.)[27]. وفقًا للدكتور فيض، ما ينسبه إلى الإمام خميني (قده) (هو قول حق سيحدث إصلاحًا فقهيًا ليُطبق في المجتمع، بعد أن فقدت العديد من الأحكام الفقهية القدرة على التطبيق منذ مدة طويلة.)[28]

يترجم وينقل الدكتور فيض نظرية الإمام (قده) من كتاب (الرسائل) بهذا الشكل: (كما أن الإمام عليه السلام إذا لم يرضَ بسيرة العقلاء في زمانه ويكرهها يمنعها، كذلك يمكنه أن يمنع عرف وسيرة الأزمنة الأخرى التي يعلمها إذا لم يرضَ بها ويقبلها، ويجب عليه المنع، وإذا لم يحصل منع، فيجب القول إن الإمام راضٍ عنها وأقرها ووافق عليها. فالنتيجة هي أن العرف وسيرة العقلاء في أي زمان تظهر وتنتشر وتترسخ في المجتمع، ولا يكون هناك ردع أو منع معروف لنا، فإن ذلك العرف حجية ومعتمد وموثوق.)[29]

العبارات السابقة، كما أشار الدكتور فيض نفسه في الهامش، هي ترجمة لجزء من كتاب (الرسائل) للإمام (قده)(مج.‌ دوم، ص. 125). وكما كتب الدكتور فيض، فإن الكلام السابق هو رد الإمام الراحل على الاعتراض على بناء العقلاء. والشرح أن السبب الرئيسي لوجوب التقليد (في فروع الدين) هو بناء وارتكاز العقلاء؛ لأن لزوم رجوع كل جاهل إلى العالم من فطريات العقول، فكل محتاج إلى صنعة وفن يرجع إلى الخبير بهما، فإذا كان بناء العقلاء كذلك ولم يرد ردع من الشارع عنه، يُستكشف أنه جائز ومرضي)[30].

ثم يطرح الإمام (قده) اعتراضًا على الاستدلال السابق، مع هذه المقدمة: أن بناء العقلاء بحضور إمضاء وتأييد الشارع يكتسب حجية، وبالطبع عدم الردع كافٍ لإثبات الإمضاء، لكن في حالة عدم الردع يُستكشف الإمضاء فقط إذا كان بناء العقلاء على عمل خاص في مرأى ومشهد النبي (ص) أو الأئمة المعصومين (ع)، وبعبارة أخرى، مرتبط بزمن المعصوم (ع)، لأنه في غير ذلك لا يمكن استكشاف إمضاء الشارع.

ثم تناول حضرة الإمام مطابقة هذا الموضوع مع مسألة التقليد، فقال: قد يُثار اعتراض مفاده أنه لا يمكن إثبات وجوب التقليد بالاستدلال على قاعدة العقلاء القائمة على رجوع الجاهل إلى العالم، لأن علم الفقه في زماننا أصبح من العلوم النظرية والمعقدة، ولا يقل في صعوبته عن العلوم الرياضية والفلسفية، بينما في زمن الأئمة(ع) كان الفقه من العلوم البسيطة والمباشرة. والاجتهاد في زماننا يختلف كثيرًا عن الاجتهاد في عصر الأئمة(ع)، إذ كان رجوع الجاهل إلى العالم في زمن الأئمة(ع) رجوعًا إلى من كان قد سمع الأحكام الشرعية شفاهة من الأئمة(ع) وكان لديه علم وجداني بتلك الأحكام، أما في زماننا فالمجتهد هو من استنبط الأحكام الشرعية ظنيًا وبالاعتماد على الأدلة الظنية، وعلمه بالأحكام تنزيلي وتعبدي وليس وجدانيًا. لذلك، رجوع المقلد إلى المجتهد في زماننا يختلف عن رجوع الجاهل إلى العالم في زمن الأئمة(ع)، ومن ثم فهو يحتاج إلى إقرار وتوثيق من المعصوم(ع) لإثبات حجية ذلك.[31] وهكذا، فإن السيرة العقلائية لرجوع المقلد إلى المجتهد في زماننا ليست متصلة بزمن المعصوم(ع) وتختلف عن السيرة العقلائية لرجوع الجاهل إلى العالم التي كانت موجودة في عصر الأئمة(ع)، ونتيجة لذلك لا يوجد دليل على حجيتها واعتبارها. بعد ذلك، أجاب حضرة الإمام(قده) على هذا الاعتراض (الذي وصفه بالشك) ورفضه من طريقين:

1  الاجتهاد بالمعنى المتعارف عليه في زماننا أو بمعنى قريب منه في زمن الأئمة(ع) كان موجودًا أيضًا، وكان المقلدون في تلك العصور يرجعون إلى الفقهاء، بالإضافة إلى أن الأئمة(ع) أنفسهم كانوا يحيلون الناس إلى الفقهاء.

2  (مع تجاهل الجواب الأول) إذا لم يكن رجوع الجاهل إلى العالم في زماننا، الذي يتمثل في رجوع المقلد إلى المجتهد، محل رضا وإعجاب الأئمة(ع)، لكانوا قد نهوا عنه، ولأنهم لم ينهوا عنه نستنتج أن هذه السيرة العقلائية كانت مقبولة لديهم.[32]

وفي شرح الجواب الثاني، استدل المرحوم الإمام(قده) قائلاً: إن رجوع الجاهل إلى العالم أمر بديهي في كل حالة، وكان الأئمة(ع) يعلمون أن علماء الشيعة في زمن الغيبة وغياب حضور الإمام(ع) سيضطرون إلى الرجوع إلى كتب الأخبار والأصول والمجامع الرواية، كما أنهم قد أخبروا عن ذلك، وكانوا يعلمون أيضًا أن عوام الشيعة سيضطرون بالضرورة، بناءً على البديهة والقاعدة العقلائية المعروفة لكل إنسان، إلى الرجوع إلى علماء وفقهائهم. فإذا لم يكن الأئمة(ع) راضين عن هذه القاعدة والبديهة، لكانوا قد نهوا عنها ورفضوها، لأنه لا فرق بين سيرة متصلة بزمن المعصوم(ع) وسيرة غير متصلة به لكن الأئمة(ع) كانوا يعلمون بتحققها في المستقبل وأخبرو عنها، كما أخبروا بحدوث الغيبة الطويلة وأن علماء الشيعة هم أوصياء أيتام آل محمد(ص) (ص)، وأخبروا أيضًا أن زمنًا صعبًا سيأتي يحتاج فيه العلماء إلى كتب أصحاب الأئمة(ع)، ولذلك أمروا أصحابهم بتسجيل أحاديثهم وتدوينها في الكتب.

والنتيجة أن الاعتراض على السيرة غير وارد، وأن البديهة العقلائية القطعية تدل على أصل التقليد.)[33]

وبتمعن كلام حضرة الإمام(قده) يتضح أن استدلاله يقوم على أساس أنه مع افتراض قبول هذه النقطة بأن رجوع المقلد إلى المجتهد في زماننا يختلف عن رجوع الجاهل إلى العالم في عصر الأئمة(ع)[34]، وإن كانت السيرة العملية لرجوع المقلد إلى المجتهد بالشكل الموجود اليوم لم تكن موجودة في زمن الأئمة(ع)، إلا أن أصل النقطة البديهية لرجوع الجاهل إلى العالم في زمن الأئمة(ع) كان موجودًا، وكان الأئمة(ع) يعلمون أن تحقق هذه النقطة البديهية، التي أشار إليها حضرة الإمام بأنها معروفة ومفهومة لكل إنسان، سيحدث في العصور القادمة في عصر الغيبة الكبرى على شكل رجوع عوام الناس إلى المجتهدين وعلماء الشيعة الذين لم يحصلوا على علمهم بالأحكام الشرعية شفاهة من الأئمة(ع)، بل اكتسبوه من خلال الرجوع إلى الكتب والروايات. لذلك، فإن الأئمة(ع) بسكوتهم أقروا وأيدوا هذه النقطة البديهية التي كانت موجودة في زمانهم وكانوا على علم بكيفية تحققها في المستقبل، وليس كل عرف يتحقق في المستقبل.

ويمكن توضيح أكثر من كلام حضرة الإمام(قده) أن لإثبات إقرار سيرة وسلوك عقلائي مستحدث وجود وشرط ضروريين:

1  يجب أن يكون أساس وجذر هذه السيرة عبارة عن فكرة راسخة في ذهن العقلاء، نسميها البديهة، وأن تكون موجودة في زمن الأئمة(ع).

2  يجب أن يعلم الأئمة(ع) أن هذه البديهة ستؤدي في المستقبل، أي في زمن الغيبة الكبرى حيث لا يمكن الوصول إلى الإمام المعصوم(ع)، إلى سلوك وسيرة عملية. ومع وجود هذين الشرطين، إذا لم ينه الأئمة(ع) عن هذه البديهة، يتضح أنها محل رضاهم وموافقتهم.

وفي نقاش الاستدلال بالسيرة العقلائية على وجوب التقليد، هذان الشرطان موجودان. أما الشرط الأول فهو واضح جدًا حتى أن حضرة الإمام وصفه بأنه (معلومة لكل أحد)؛ كما أكد عليه في حالتين.

لذلك فإن هذا الاستدلال العقلي ليس خاصًا بالأئمة(ع)، بل هو معلوم لكل إنسان، وبما أنه من مقتضيات طبيعة العقلاء فلا ينفك عنهم أبدًا، وهو راسخ في أذهانهم في كل زمان ومكان؛ بحيث إن الإمام قد اعتبره في تهذيب الأصول من القضايا الفطرية الاستدلالية؛ بمعنى أن الإنسان بفطرته واستدلاله يعلم أنه في حياته الدينية والدنيوية يجب أن يستعلم من العالم ويرجع إليه: (بناء العقلاء على رجوع الجاهل على العالم بل قد عد ذلك من القضايا الفطرية الاستدلالية وإن الإنسان بفطرته واستدلاله واقف على لزوم الاستعلام من العالم من غير فرق بين أن يرجع ذلك إلى معاشه وحياته المادية وغيره).[35]

أما الشرط الثاني، وهو علم الأئمة(ع) بتحقق هذا الاستدلال خارجيًا في المستقبل، فيتحقق بأنهم(ع) أخبروا بوقوع الغيبة الطويلة وظهور زمن عسير يحتاج فيه علماء الشيعة إلى كتب أصحاب الأئمة(ع)، وقالوا إن كفيل أيتام آل محمد(ص) وعامة الشيعة في ذلك الزمان هم علماء الشيعة.

يصرح الإمام الخميني(قده) بهذا الشرط قائلاً: (لا فرق بين السيرة المتصلة إلى زمانهم وغيرها مما علموا وأخبروا وقوع الناس فيه فإنهم أخبروا عن وقوع الغيبة الطويلة وأن كفيل أيتام آل محمد صلى الله عليه وآله علماؤهم وأنه سيأتي زمان هرج ومرج يحتاج العلماء إلى كتب أصحابهم فأمروا بضبط الأحاديث وتثبيتها في الكتب).[36]

يُلاحظ أنه من وجهة نظر الإمام(قده) أن كل سيرة وسلوك عقلي غير متصل بزمن المعصوم ليست بحجة، بل يجب أن تكون إلى جانب وجود نقطة استدلالية في زمن المعصومين(ع) بحيث تكون (مما علموا وأخبروا وقوع الناس فيه). لأن (من) في (مما علموا وأخبروا) بيان و(غيرها) توضيح، وكما هو واضح فإن الضمير في (غيرها) يعود إلى (السيرة المتصلة).

هذان الشرطان ذاتهما بعبارات أخرى وردا في كتاب تهذيب الأصول للإمام(ص2، ص546):

(إن النبي الأكرم والأئمة من بعده عارفون بحال أمته وما يجري عليهم في مختلف الزمان ومرور الدهور من غيبة ولي الدين وإمامه وحرمان الأمة عن الوصول إليه وإن الأمة بمقتضى استدلالهم من لزوم رجوع الجاهل إلى عالمه سوف يرجعون إلى علمائهم). لذلك كان للأمة الإسلامية والشيعة استدلال عقلي مبني على رجوع الجاهل إلى العالم (هذا هو الشرط الأول) وكان الأئمة(ع) يعلمون أن هذا الاستدلال في زمن الغيبة الكبرى يؤدي إلى هذا السلوك الخارجي بأن يرجع عوام الشيعة إلى علمائهم ويتعلموا منهم أحكام دينهم (وهذا هو الشرط الثاني).

والآن حين نرى تحقق هذين الشرطين، وأن الأئمة(ع) لم ينهوا عن هذا الاستدلال، نكتشف أن هذا الاستدلال وهذا السلوك الخارجي محل رضا الأئمة(ع) وبذلك يكون مقبولًا ومصدقًا من قبلهم، ومن ثم فهو حجّة.

وبذلك يشترط الإمام(قده) في حجية بناء العقلاء أن تكون معاصرة لزمن المعصوم(ع)؛ وأقصى ما في الأمر أنه لا يلزم أن يكون ما هو معاصر للمعصوم(ع) هو الفعل والسلوك الخارجي نفسه، بل قد يكون نقطة الاستدلال لذلك السلوك التي هي راسخة في ذهن العقلاء معاصرة لزمن المعصوم(ع)؛ بمعنى أن عقلاء زمن المعصوم(ع) يؤمنون بتلك النقطة الاستدلالية التي هي من مقتضى طبيعتهم وفطرتهم.

لذلك فإن الإمام(قده) مثل آية الله الشهيد صدر يعتبر السيرة العقلائية أعم من السلوك الخارجي والمرتكزات العقلائية، وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال عدم اعتبار شرط معاصرة السيرة لزمن المعصوم(ع)، وللأسف فإن الغفلة عن هذه النقطة جعلت الدكتور فيض يكتب في ترجمته لكلام الإمام(قده) ما يلي: (النتيجة هي أن العرف والسيرة العقلائية في كل زمان تظهر وتنتشر وتترسخ في المجتمع، وإذا لم يكن هناك ردع أو منْع معروف لدينا، فإن ذلك العرف حجّة ومعتمد وموثوق به.) ثم يضيف: (لا يلزم أن تكون السيرة العقلائية والعرف نفسه متصلين بزمن المعصوم عليه السلام).[37]

وبذلك يتضح أن لا أحد من العلماء الكبار الذين استشهد الدكتور فيض بكلامهم قبل نظرية عدم لزوم اتصال السيرة العقلائية بزمن المعصوم(ع) قد قبل نظريته، بل بعضهم صرح بعكسها (كما رأينا في كلام الشهيد صدر). لذلك فإن ما ادعاه في نهاية كلامه هو خلاف الواقع وغير صحيح. فقد قال:

(من هذه الأقوال التي نقلت عن الإمام الخميني وبعض العلماء الكبار يمكن الاطمئنان إلى أن كل عرف وسيرة عقلائية رائجة بين عقلاء المجتمع في أي موضوع من الموضوعات وأي ظاهرة من الظواهر الاجتماعية، سواء كانت متصلة بزمن المعصوم أو منفصلة عنه، فإن كل تلك السير حجج).[38]

[1] جزء من رسالة الإمام إلى رجال الدين في جميع أنحاء البلاد، 67/12/13.

[2] القواعد والفوائد، ج1، ص151.

[3] انظر: محمدجواد مغنية، فقه الإمام الصادق(ع)، ج5، ص323.

[4] انظر: وسائل الشيعة، كتاب النكاح، أبواب المهور، باب 8، ج6 و 8.

[5] انظر: القواعد والفوائد، ج1، ص152.

[6] انظر: جواهر الكلام، ج40، ص371؛ شرح لمعة، ج3، ص76.

[7] شرح لمعة، ج3، ص76.

[8] لمزيد من الشرح حول الغلبة وتأثيرها في إحداث الظهور أو العلم العادي، انظر: دكتور محمدجعفر جعفري لنگرودي، دائرة المعارف علوم إسلامية، ج2، ص926 وما بعدها.

[9] ثبات الحكم الشرعي في الأزمنة والأمكنة المختلفة ورد صريح في كلام بعض الكتاب المعاصرين من أهل السنة؛ حيث قالوا: الشارع المقدس قد ترك تطبيق بعض الأحكام الشرعية للعرف والعادة. ومن البديهي أنه في كل زمان ومكان، حسب العرف السائد، يختلف أسلوب تطبيق تلك الأحكام الشرعية، وهذا يختلف عن تغيير الأحكام والنصوص الشرعية؛ وقد صرحوا بأن الشارع قد ترك مسائل مثل الأوزان والمقاييس، وكيفية الإقرار، وفهم معاني الألفاظ… التي يُعتد برأي الناس فيها للعرف، وهذا هو ما يتغير باختلاف الزمان والمكان، لكن أصل الخطابات والأحكام الشرعية ثابتة ولا تتغير؛ انظر: نادية شريف العمري، الاجتهاد في الإسلام، ص247 و252.

[10] وسائل الشيعة، كتاب النكاح، أبواب المهور، باب 8، تحت حديث 6.

[11] جزء من رسالة الإمام الخميني إلى رجال الدين في جميع أنحاء البلاد بتاريخ 67/12/3.

[12] انظر: دكتور فيض، مجلة كانون المحامين، العدد 7 و6 من الدورة الجديدة، مقال (ديناميكية الفقه والاجتهاد في ضوء العرف أو في سياق الزمان والمكان)، ص36 و38.

[13] نفس المصدر، ص44.

[14] نفس المصدر، ص37.

[15] نفس المصدر، ص18.

[16] نفس المصدر، ص17.

[17] من اللافت هنا أن المرحوم مغنية في كتاب فقه الإمام الصادق(ع) يصرح بأن العرف بذاته ليس من مصادر التشريع، وإنما له حجية فقط إذا تحقق في زمن الشارع ولم يُردع عنه، وفي هذه الحالة تكون حجية العرف من باب الأخذ بالسنة التي تشمل قول الشارع وفعلَه وتقريره، وإلا فالعرف بذاته لا حجية له. وعبارة المرحوم مغنية كما يلي: (ليس من شك أن العرف بذاته ليس مصدراً من مصادر التشريع، أي ليس طريقاً صحيحاً لمعرفة الأحكام الشرعية. أجل، إذا جرت عادة العرف على شيء في عهد الشارع وزمنه وحصل ذلك بمرأى منه ومسمع، ومع هذا لم يُنه ويُردع عنه مع قدرته وعدم المانع له عن النهي والردع، إذا كان الأمر كذلك يكون هذا إقراراً من الشارع. لأنه قد التقى مع العرف في هذا المورد بالذات، وعليه لا يكون هذا عملاً بالعرف بل أخذاً بالسنة التي تشمل قول الشارع وفعله وتقريره.) (فقه الإمام الصادق(ع)/ج6/ص123)

[18] مقال ديناميكية الفقه والاجتهاد، ص38.

[19] بحوث في علم الأصول، ج4، ص247، فصل (الفوارق بين السيرة المشرعية والعقلائية).

[20] بحوث في الأصول، ج4، ص234.

[21] نفس المصدر، ص236.

[22] نفس المصدر، ص237.

[23] نفس المصدر.

[24] مقال ديناميكية الفقه والاجتهاد، ص39.

[25] نفس المصدر، ص40.

[26] بحوث في علم الأصول، ج4، ص238.

[27] مقال ديناميكية الفقه والاجتهاد، ص40.

[28] نفس المصدر، ص43.

[29] نفس المصدر.

[30] الإمام الخميني، الرسائل، ج2، ص123.

[31] نفس المصدر.

[32] نفس المصدر، ص125.

[33] نفس المصدر، ص130.

[34] الإمام الراحل (قده) في كتاب تهذيب الأصول قد صرح بأن جوابه الثاني على الاعتراض على بناء العقلاء هو بغض النظر عن الجواب الأول. وعبارته كما يلي: (الثاني: لو سلمنا ما ادعاه القائل لكن نقول إن النبي الأكرم…) (تهذیب الاصول، ج2، ص546.) وفي كتاب الرسائل أيضاً قال إن جوابهما على الاعتراض المذكور هو بمنع الخلو، أي أن كل واحد من هذين الجوابين وحده يكفي لدفع الشبهة: (وهذا الشك لا يرتفع إلا بإثبات أحد الأمرين على سبيل منع الخلو).( الرسائل، ج2، ص125.) وأصلًا من كلامه في الكتابين يتضح أنه لا يعتبر الجواب الأول خالياً من العيب؛ كما قال في تهذيب الأصول: (هذا ما بذلنا جهدنا في قلع الشبهة إلا في النفس منه شيء… فعنئذ لا مَناص في الجواب عن التمسك بالوجه الثاني). (نفس المصدر). وعبارة مشابهة وردت أيضاً في كتاب الرسائل. انظر(.ک: الرسائل، ج2، ص129.)

[35] تهذيب الأصول، ج2، ص539.

[36] الرسائل، ج2، ص130.

[37] مقال ديناميكية الفقه والاجتهاد، ص43.

[38] نفس المصدر، ص44.