الأسس المنطقية للاستقراء وتطبيقاته المعرفية في فكر الشهيد صدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: مبانی منطقی استقرا و تطبیقات معرفت شناختی آن در اندیشه شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: تتناول هذه المقالة دراسة الأسس المنطقية للاستقراء وتطبيقاته المعرفية في فكر الشهيد صدر. لقد كانت مسألة «الاستقراء» وخاصة «الاستقراء الناقص» منذ زمن بعيد موضوع نقاش في المنطق والمعرفة وفلسفة العلم، وقد حاولت مدارس مختلفة مثل العقلانية الأرسطية والتجريبية تفسيره. صحة الاستنتاج في الاستقراء الناقص تقوم على إثبات ثلاثة مبادئ هي «استحالة الصدفة والحدث المطلق»، و«استحالة الصدفة والحدث الخاص»، و«تبرير التعميم على غير الحالات المستقرأة». وفي هذا السياق، قدم الشهيد صدر (رحمه الله) في كتابه القيّم «الأسس المنطقية للاستقراء» منهجاً جديداً نقد فيه الآراء السابقة وطرح منهجاً سماه «الرؤية الذاتية». ووفقاً لفكره، فإن الاستقراء الناقص مفيد للتيقن الموضوعي، ويتم تحقيق هذا التيقن عبر مرحلتين: «التوالد الموضوعي» (زيادة الاحتمال) و«التوالد الذاتي» (التحول إلى التيقن الموضوعي).

المؤلف: محمدعلی اسماعیلی

المصدر: معارف عقلی، شتاء 1391، العدد 25، ص 7 إلى 42.

المقدمة

يتم الاستدلال من المعلوم القطعي إلى المجهول القطعي بثلاث طرق: القياس، الاستقراء، والتمثيل. ومن بين هذه الطرق، يثير الاستدلال بالاستقراء الناقص العديد من المشكلات. ولهذا السبب، حظي الاستدلال الاستقرائي بمكانة خاصة بين علماء المنطق وفلاسفة العلم، حيث سعى كل من المدرستين العقلانية والتجريبية إلى حل مشكلة الاستقراء وقدموا حلولاً مختلفة.

يُعد الشهيد محمد باقر صدر من القلائل من الفلاسفة المسلمين الذين تناولوا مسألة الاستقراء تفصيلياً، ونقدوا آراء المدرستين العقلانية والتجريبية، وقدموا رؤية جديدة قائمة على حساب الاحتمالات. فقد ألف كتاب «الأسس المنطقية للاستقراء» حيث طرح سلسلة من النقاشات الجديدة حول الاستقراء بهدف الكشف عن الأسس المنطقية المشتركة بين العلوم الطبيعية والإيمان بالله.

إن دراسة مسار التطور الفكري التفصيلي للشهيد صدر في مسألة الاستقراء خارج نطاق هذه المقالة.[1] لكن من الضروري الإشارة إلى أنه لم يصل إلى هذه الرؤية دفعة واحدة، بل عبر مراحل متعددة. ففي كتاب «فلسفتنا»، حينما يعرض آراء المدرستين العقلانية والتجريبية في مجال التصورات والتصديقات، يدافع عن آراء العقلانية في كلا المجالين ويؤكد على أصالة العقل فيهما.[2] يبدو أن بذور رؤيته قد زرعت أولاً في دروسه في أصول الفقه في موضوع حجية الدليل العقلي.[3] ثم، بعد دراسة كتاب «المنطق الوضعي» للدكتور زكي نجيب محمود، أجرى دراسات أعمق في هذه المسألة استمرت نحو سبع إلى تسع سنوات[4]، وبعد هذه المرحلة قدم رؤيته المختارة التي سماها «المذهب الذاتي». وقد ظهر أول انعكاس لهذا الفكر في كتاب «المعالم الجديدة للأصول»، حيث خصص جزءاً من الكتاب للدليل الاستقرائي وناقشه في فصلين.[5] ثم عرض تفصيلياً رؤيته في كتابه القيّم «الأسس المنطقية للاستقراء».[6] وبعد ذلك تناول تطبيقات رؤيته في كتب مختلفة، وسيُعرض شرح موجز لها في القسم الختامي من هذه المقالة.

تتناول هذه الدراسة توضيح الأسس المنطقية للاستقراء في المنطق الأرسطي والمنطق الذاتي مع التركيز على أفكار الشهيد صدر، مع الامتناع عن دراسة الأسس المنطقية للاستقراء في المنطق التجريبي لضيق المجال. كما يُقدم في نهاية المقالة قائمة نوعية لتطبيقات معرفية لدليل الاستقراء في رؤية الشهيد صدر.

توضيح مسألة الاستقراء

ينقسم الاستدلال من المعلوم إلى المجهول بشكل عام إلى قسمين: استدلال مباشر وغير مباشر. يشمل الاستدلال المباشر التناقض، العكس المستوي، العكس الناقض الموافق والمخالف، والنقض؛ أما الاستدلال غير المباشر فيشمل القياس، الاستقراء، والتمثيل. والتوضيح أن الاستدلال من المعلوم إلى المجهول لا يخرج عن أربع حالات:

أ) الاستدلال من العام إلى الخاص أو من الكلي إلى الجزئي: ويسمى هذا النوع بالقياس المنطقي، على عكس القياس الفقهي الذي هو استدلال من الخاص إلى الخاص.

ب) الاستدلال من الخاص إلى العام: ويسمى هذا النوع بالاستقراء.

ج) الاستدلال من الخاص إلى الخاص: ويسمى هذا النوع بالتمثيل.

د) الاستدلال من العام إلى العام أو السير من الكلي إلى الكلي: هذه الحالة، رغم وجود تصور لها، ليست نوعاً مستقلاً مقابل الأنواع الثلاثة السابقة؛ لأن الكليين المذكورين إما متناقضان أو متساويان أو عام وخاص مطلق أو عام وخاص من وجه. من هذه الأقسام الأربعة، القسم الأول يدخل ضمن التمثيل لأنه لا يقتصر على الجزئي. ويُسمى انتقال الجزئي إلى الجزئي تمثيلاً لأنه انتقال من متباين إلى متباين. وإذا كان الكليان عام وخاص مطلق، وكان سير الذهن من الخاص إلى العام، فهو ضمن الاستقراء، وإذا كان سير الذهن من العام إلى الخاص، فهو ضمن القياس. أما إذا كان الكليان متساويين، فهو ضمن باب القياس، وإذا كانا عام وخاص من وجه، فهو ضمن التمثيل.[7]

يمكن القول من منظور آخر: إن الفكر البشري يشهد نوعين من الاستدلال: الأول استدلال لا يكون فيه توسع النتيجة عن المقدمات أكثر؛ والثاني استدلال يكون فيه توسع النتيجة عن المقدمات أكثر. النوع الأول يسمى استنباطًا وقياسًا؛ والنوع الثاني يسمى استقراء. السمة الأساسية لهذين النوعين هي أنه في النوع الأول إنكار النتيجة مع قبول المقدمات يستلزم التناقض؛ بينما في النوع الثاني إنكار النتيجة مع قبول المقدمات لا يستلزم التناقض.

النقطة الجديرة بالاهتمام هي أن وضع التمثيل والاستقراء في مقابل القياس، وفقًا لرؤية مدرسة العقلانية الأرسطية وأتباعها، ليس صحيحًا؛ لأن الأرسطيين يعتقدون أن التمثيل والاستقراء يتضمنان أيضًا قياسًا ضمنيًا؛ والنتيجة أن القياس المذكور في التمثيل والاستقراء ليس برهانيًا ولا يفيد اليقين.[8]

ينقسم الاستقراء في تقسيم إلى قسمين: ناقص وتام. الموضوع الرئيسي لكتاب «الأسس المنطقية للاستقراء» هو الاستقراء الناقص؛ لكن الشهيد الصدر يذكر عدة نقاط مهمة بخصوص الاستقراء التام نُشير إلى بعضها:

أ) إذا فسّرنا الاستقراء بأنه «السير من الخاص إلى العام»، فإن الاستقراء التام ليس استقراءً؛ لأن في الاستقراء التام، النتيجة والمقدمات متساوية.[9]

ب) يعتقد أرسطو أن مبادئ القياس تُستنتج بالاستقراء؛ لأن القياس يُستخدم فقط حيث يوجد حد وسط ليساعد في إثبات المحمول (الحد الأكبر) لموضوعه (الحد الأصغر)؛ لكن إثبات المحمول للموضوع في مبادئ القياس (المقدمات الأولية للقياس) يتم بدون وسيط الحد الوسط. لذلك، لا مكان للقياس فيها. إذن، الطريق الوحيد لإثبات المحمول لموضوعه هو الاستقراء الكامل.[10] يرى الشهيد الصدر أن الاستقراء التام لا يفيد اليقين المضاعف (اليقين بإثبات المحمول للموضوع واستحالة إنكار المحمول عن الموضوع)؛ لأن الاستقراء التام لا يكشف عن علاقة السببية بين الموضوع والمحمول، وإنما يخبر فقط بإثبات المحمول للموضوع. لذلك، نتيجة الاستقراء ليست قضية برهانية؛ لأن في البرهان وجود اليقين المضاعف شرط، وعندما لا تكون المقدمات الأولية ومبادئ القياس برهانية، ينهار أساس البرهان الأرسطي، ومع انهيار البرهان ينهار المنطق الأرسطي.[11]

ج) الاستقراء التام يقتصر فقط على نطاق الأفراد الموجودين ولا يشمل الأفراد الذين سيأتون في المستقبل. لذلك، الاستقراء التام غير قابل للاستخدام في العلوم؛ لأن العلوم تستخدم القضايا الكلية التي يشمل محمولها جميع أفراد موضوعها.[12] هذه النقطة تدل على أن الاستقراء التام، مع افتراض وجوده، غير قابل للاستخدام في العلوم؛ كما يكتب في مقام الاستنتاج: «خامسًا: إن الاستقراء الكامل لا يمكن أن يتوفر في القضايا الكلية في العلوم»؛[13] لكن توضيحاته حول هذا الموضوع تشير إلى أن الاستقراء التام أساسًا غير موجود، وليس أنَّه مع افتراض وجوده غير قابل للاستخدام في العلوم؛ وما يبدو صحيحًا هو هذا الأخير.[14]

د) بعضهم في مقام الاعتراض على الاستقراء التام قالوا إن الاستقراء التام أساسًا لا يفيد شيئًا جديدًا. لذلك، ليس فقط نتيجته ليست قضية برهانية (كما أشرنا في النقطة السابقة) بل إنه لا يحمل أي دلالة أصلًا.[15] يرى الشهيد الصدر أن هذا الاعتراض ينبع من خطأ في مقام استنتاج الاستقراء. والشرح أنه عندما استقرنا تمدد الحديد بالحرارة في قطع حديد مختلفة، نستنتج: «هذه القطع الحديدية تتمدد بالحرارة (الصغرى) وهذه القطع المستقرة من الحديد هي جميع قطع الحديد (الكبرى) إذن، جميع قطع الحديد تتمدد بالحرارة». في هذا الاستنتاج، لم يُثبت الصغرى فقط لقطع الحديد المستقرة، بل ثبت لجميع قطع الحديد.[16]

بعيدًا عن الاستقراء التام، ما يهمنا هو دراسة الاستقراء الناقص. في الاستقراء الناقص يكون السير من الخاص إلى العام وتُستنتج نتيجة كلية. صحة هذا الاستنتاج تعتمد على إثبات ثلاثة أمور مهمة هي كما يلي:

أولًا) استحالة الصدفة المحضة: الظواهر المعنية ليست واجبة الوجود بالذات ولا ممتنعة الوجود بالذات، بل هي ممكنة الوجود. البحث عن سببها يعتمد على قبول هذه الفكرة أن كل ممكن الوجود له سبب. لذلك، يجب أولًا إثبات السببية والعلية العامة واستحالة الصدفة المحضة.

ثانيًا) استحالة الصدفة الخاصة: عندما تثبت السببية العامة، يجب أيضًا إثبات السببية الخاصة؛ لأن السببية العامة تثبت فقط أن تمدد الحديد، كونه ممكن الوجود، له سبب؛ لكن أن يكون السبب خصوصًا الحرارة يحتاج إلى إثبات؛ لأنه من المحتمل أن يكون سببًا آخر هو المسؤول عن التمدد.

ثالثًا) التعميم: عندما تثبت السببية العامة والخاصة، يجب إثبات صحة تعميم نتيجة الاستقراء ليتم تطبيقها على جميع الحالات.[17]

الرد على الثلاثة المسائل المذكورة سابقًا يُعد مفتاح حل مشكلة الاستقراء. لقد سعى أصحاب الرأي من مختلف المدارس العقلانية والتجريبية إلى إثبات هذه المسائل وأجابوا عليها بأجوبة متنوعة. نحن هنا سنعرض بإيجاز تفسير وتحليل وجهة نظر المدرسة العقلانية الأرسطية، ثم نقدم وجهة نظر المذهب الفطري للشهيد الصدر.

المبادئ المنطقية للاستقراء في المدرسة العقلانية الأرسطية

تظهر العقلانية في مجالين: التصورات والتصديقات. فالعقلانية في مجال التصورات تُطلق على الاتجاه الذي يعتقد أن للعقل إدراكات مستقلة لا تستمد من الإدراكات الحسية. في مقابل هذا الاتجاه، توجد الحسية التي ترى أن المصدر الوحيد لإدراكات الإنسان هو الإدراكات الحسية، وأن التصورات العقلية مستمدة من الإدراكات الحسية. من أبرز مؤيدي العقلانية في مجال التصورات يمكن ذكر ديكارت وكانط؛ كما أن جون لوك، وبركلي، وهيوم هم من أبرز الحسيين في مجال التصورات. وقد ناقش الشهيد الصدر هذه المسألة بشكل موسع في كتاب فلسفتنا.[18] أما العقلانية في مجال التصديقات، فتُطلق على الاتجاه الذي يرى أن للعقل إدراكات لا تستند إلى التجربة، وبالتالي فإن بعض الإدراكات العقلية لا تحتاج إلى التجربة. في مقابل هذا الاتجاه، توجد التجريبية التي ترى أن جميع إدراكات الإنسان مستمدة من التجربة ولا توجد إدراكات مستقلة عن التجربة. وقد ناقش الشهيد الصدر هذه المسألة أيضًا بشكل موسع في كتاب فلسفتنا.[19]

ما نناقشه هنا هو دراسة مسألة الاستقراء من وجهة نظر العقلانيين في مجال التصديقات. لقد سعى الفلاسفة العقلانيون إلى حل مشكلة الاستقراء وقدموا مسائل مهمة في هذا المجال. ويمكن تلخيص وجهة نظر العقلانيين حول الاستقراء الناقص في النقاط التالية:

النقطة الأولى: السببية العامة في المدرسة العقلانية تُعتبر من المبادئ العقلية القطعية التي لا تحتاج إلى تجربة. ومع ذلك، قدم بعض مؤيدي الحكمة المتعالية دليلين لإثبات السببية العامة، وهما كما يلي:

الدليل الأول: قدمه صدر المتألهين. ملخص هذا الدليل هو: كل حادث ممكن الوجود، ومعنى “الإمكان” هو تساوي نسبة الوجود والعدم له. لذا، لكي يحدث حادث ما، يجب أن يكون وجوده أرجح من عدمه، ولكي يكون هذا الترجيح، يجب أن يكون هناك مرجح، لأن الترجيح بدون مرجح مستحيل، وهذا المرجح هو السبب. إذًا، لكل حادث سبب.[20]

الدليل الثاني: قدمه علامه طباطبائي. ملخص هذا الدليل هو: كل ماهية ممكنة الوجود، وحتى لا يصبح وجودها ضروريًا، لا توجد. إذًا، الوجود مساوق للوجوب، ولا تصبح كل ماهية ممكنة واجبة إلا بسبب خارجي. لذلك، لا توجد الماهية إلا بواسطة عامل خارجي.[21]

النقطة الثانية: السبيل الوحيد للوصول إلى اليقين هو القياس، والتمثيل والاستقراء الناقص بحد ذاتهما، دون استخدام القياس المنطقي وبعض القواعد العقلية، ليسا مفيدين لليقين.[22] ولهذا، يرى الفارابي في التمييز بين الاستقراء والتجربة أن التجربة، خلافًا للاستقراء، مفيدة لليقين،[23] وقد ذكر ابن سينا هذا أيضًا.[24] الحقيقة أن الحدود بين الاستقراء والتجربة لم تُوضح بشكل جلي؛ كما كتب الفارابي بعد التمييز بينهما: «وكثير من الناس يبدلون كل واحد في هذين الاسمين بدل الآخر، إلا أننا نحن لا نبالي كيف جرت العبارة عن هذين المعنيين.»[25]

والشهيد الصدر يعترف بهذه المسألة أيضًا.[26] ما يزيد من هذا الغموض هو أن الفلاسفة العقلانيين من جهة يؤكدون أن الاستقراء ليس مفيدًا لليقين، لكن التجربة مفيدة لليقين، كما نقلنا من عبارات ابن سينا والفارابي أعلاه؛ ومن جهة أخرى، يحاولون معالجة مشاكل الاستقراء وجعله من ضمن طرق العلم المفيدة، كما نقلنا من عبارة أرسطو في القسم السابق (الشق ب). ويمكن في خلاصة أن نرسم حدود هذين المفهومين وفقًا لأقوالهم كما يلي:

النقطة المشتركة بين الاستقراء والتجربة في فكر الفلاسفة العقلانيين هي أن كلاهما يحتاج إلى القياس، وبدون استخدام القياس لا يكونا فقط غير مؤديين لليقين، بل لا يكونان مفيدين حتى للظن.[27] وللتمييز بينهما يجب الانتباه إلى أن الاستقراء في كلام الفلاسفة له استعمالان: عام وخاص:

أ) الاستعمال الخاص للاستقراء: عندما يقابل الاستقراء التجربة ونرغب في التمييز بينهما، فإن المقصود من الاستقراء هو مجرد دراسة التفاصيل بهدف إيجاد محمول خاص لها، دون السعي لاكتشاف سبب الحكم. لذلك، الاستقراء ليس مفيدًا لليقين لأنه لم يُكتشف السبب الذي يمكننا من تعميم الحكم. في المقابل، المقصود من التجربة هو دراسة التفاصيل مع تطبيق عمليات لاكتشاف سبب الحكم. لذا، التجربة هي مزيج من الاستقراء والقياس. وليس من الضروري أن تشمل التفاصيل في التجربة جميع الحالات، بل يمكن اكتشاف السبب من خلال تجربة بعض الحالات. الخلاصة أن دراسة التفاصيل في التجربة تهدف إلى الحصول على سبب الحكم، وليس مجرد جمع عدد معين من الحالات والتفاصيل كما في الاستقراء. لذلك، التجربة مفيدة لليقين.

ب) الاستعمال العام للاستقراء: عندما لا يكون الحديث عن التمييز بين الاستقراء والتجربة، وعندما يُبحث في حكم الاستقراء في إفادة اليقين أو عدم إفادته، فإن المقصود من الاستقراء هو عمل مركب من جمع التفاصيل فقط مع عمل آخر لاكتشاف سبب الحكم. وبالتالي، يشمل التجربة ضمنه، والتجربة موجودة ضمنه.

كلمات من الفلاسفة والمنطقيين في تأييد القول السابق بوجود تمييز بين الاستقراء والتجربة؛ من بينها عبارة لابن سينا في برهان الشفاء في مقام شرح كيفية استفادة النفس من الحس في المعقولات؛ حيث يكتب: «…إن المبادئ التي منها يُتوصل إلى العلم اليقيني برهان واستقراء: أي الاستقراء الذاتي ولا بد من استناد الاستقراء إلى الحس».[28] ثم شرع في شرح الموضوع وكتب:

إن تصديق المعقولات يُكتسب بالحس على أوجه أربعة: أحدها بالعرض والثاني بالقياس الجزئي والثالث بالاستقراء والرابع بالتجربة… وأما الكائن بالاستقراء فإن كثيراً من الأوليات لا تكون قد تبينت للعقل بالطريق المذكور أولاً. فإذا استُقرت جزئياته تنبه العقل على اعتقاد الكلي من غير أن يكون الاستقراء الحسي الجزئي موجباً لاعتقاد كلي بالطبع، بل منبهاً عليه… وأما الكائن بالتجربة فكأنه مخلوط من قياس واستقراء، وهو أكّد من الاستقراء.[29]

الشيخ إشراق في شرح الاستقراء المفيد لليقين يكتب:

والحدسيات على قاعدة الإشراق لها أصناف: أولها «المجربات» وهي مشاهدات متكررة مفيدة بالتكرار يقيناً تأمن النفس فيها عن الاتفاق كحكمك بأن الضرب بالخشب مؤلم. وليس هو من الاستقراء، والاستقراء هو حكم على كل بما وجد في جزئياته الكثيرة. فإذا كان الاستقراء عبارة عن هذا الحكم، فنعلم أن حكمنا على كل إنسان «بأنه إذا قطع رأسه لا يعيش» ليس إلا حكماً على كل بما صادف في جزئياته الكثيرة، إذ لا مشاهدة للكل والاستقراء قد يفيد اليقين، إذا اتحد النوع كما في أمثال المذكور. وإذا اختلف، قد لا يفيد اليقين كحكمك «بأن كل حيوان يحرك لدن مضغه فكّه الأسفل» استقراء بما شاهدت ويجوز أن يكون حكم ما لم تشاهده كالتمساح بخلاف ما شاهدته.[30]

قطب الدين الرازي أيضاً في المحاكمات يصور الفرق بين هذين بوضوح.[31]

النقطة الثالثة: في النقطة السابقة قيل إن الاستقراء بحد ذاته وبدون استخدام القياس المنطقي وبعض القواعد العقلية ليس مفيداً لليقين؛ لكن الأرسطيين يعتقدون أن الاستقراء باستخدام قاعدة «الاتفاق أو الصدفة لا يكون دائماً ولا أكثرية» يمكن أن يثبت السببية الخاصة؛ لأن عندما نلاحظ تزامناً بين ظاهرتين في كثير من الحالات، بالاعتماد على القاعدة المذكورة نستنتج أن تزامن الظاهرتين ليس مصادفة، بل بينهما علاقة سببية. وعندما نستنتج السببية الخاصة بالاعتماد على القاعدة السابقة، نعمم الاستنتاج بالاعتماد على قاعدة عقلية أخرى تقول: «إن الحالات المتشابهة من الطبيعة تؤدي إلى نتائج متماثلة» أو القاعدة العقلية «المعلول لا يختلف عن علته التامة».

النتيجة أن المنطق الأرسطي يفسر المشكلات الثلاثة للاستقراء هكذا: السببية العامة تُعتبر بديهية. السببية الخاصة تثبت بواسطة قاعدة «استحالة اتفاق دائم أو أكثرية» ويُحلّ مشكلة التعميم بالتمسك بقاعدة «لزوم نتائج متماثلة من حالات متشابهة طبيعية» أو قاعدة «استحالة تخلف المعلول عن علته التامة». وعندما تُحل المشكلات الثلاثة للاستقراء، يصبح الاستقراء مفيداً لليقين بلا أي مانع.

النقاط الثلاثة المذكورة هي خلاصة كلمات أنصار المدرسة الأرسطية في حل مشكلات مسألة الاستقراء. وبالطبع توجد في بعض الحالات خلافات بينهم؛[32] لكن الخوض فيها يبعدنا عن هدف هذا الكتاب.

نقد المدرسة العقلانية الأرسطية من وجهة نظر الشهيد صدر

الشهيد صدر تناول نقد منهجي مفصل للمنهج العقلاني في مسألة الاستقراء. التبيين التفصيلي لأخطائه خارج نطاق هذا الكتاب. لذا نكتفي هنا ببعض نقده للمنهج المذكور:

الشهيد صدر يرى أن الاستدلال على السببية العامة عبر المبادئ الأرسطية مستحيل، وأن السبيل الوحيد لإثباتها هو استخدام منطق الاستقراء.[33] وينتقد سببين قدمهما أنصار المنطق الأرسطي لإثبات السببية العامة. خلاصة نقده أن السببين يعانيان من مغالطة التوسل إلى المطلوب؛ لأن القضية «استحالة التفضيل بدون مفضل» التي استُخدمت في السبب الأول هي تعبير آخر عن السببية العامة، فاستعمالها لإثبات السببية يستلزم أخذ المطلوب في المقدمات.

والسبب الثاني أيضاً متوقف على قبول مسبق للسببية العامة؛ لأن المقدمة التي تقول: «لا توجد ماهية ممكنة إلا بسبب خارجي» فرع على قبول السببية العامة.[34]

من المهم الانتباه إلى أن السببية العامة في فكر الفلاسفة العقلانيين تُعد من البديهيات، وكل إنسان سليم النفس يعترف بها بالرجوع إلى ضميره. ولهذا السبب يقوم بأفعال اختيارية؛ لأنه يجد بين نفسه وأفعاله الاختيارية علاقة سببية؛ كما لو أنه أراد إقامة برهان على مسألة ما وأثبت مطلوبه بذكر مقدمات؛ لأنه في ضوء مبدأ السببية يجد بين المقدمات والنتيجة علاقة سبب ومعلول. ولهذا، ليس فقط مبدأ السببية لا يحتاج إلى سبب وبرهان، بل إن إقامة البرهان عليه مستحيلة أساساً؛ لأن إقامة البرهان فرع على قبول السببية بين المقدمات والنتيجة، وهذا نفسه مثال من أمثلة مبدأ السببية.[35] ومن اللافت أن الشهيد صدر أيضاً في كتاب فلسفتنا أقر بهذا الأمر واعتبر كل استدلال على قبول أو رفض مبدأ السببية باطلاً.[36] لذا يتضح أن السببين المذكورين لا يسعيان لإثبات مبدأ السببية، بل إما للتنبيه عليه أو لإثبات قاعدة «الشيء ما لم يجب لم يوجد».

فيما يخص السببية الخاصة، وبالاعتماد على قاعدة «نفي الاتفاق الدائم أو الأكثر»، يرى الشهيد صدر أن مفهوم الاتفاق والصدفة يقفان في مقابل مفهوم اللزوم. وينقسم اللزوم والضرورة إلى قسمين: منطقي وواقعي (خارجي):

اللزوم المنطقي هو: العلاقة بين قضيتين أو مجموعتين من القضايا التي يستلزم تفريقهما التناقض، مثل التلازم بين أشكال الهندسة الإقليدية وأحكامها، ومنها أن زوايا المثلث تساوي ١٨٠ درجة.

أما اللزوم الواقعي فهو: علاقة السببية بين شيئين، مثل النار والحرارة. هنا، وجود النار ونفي الحرارة لا يستلزمان تناقضًا، لكنهما في الخارج ملزمان وملزومان.[37]

ويعتقد أن الصدفة، التي هي نفي اللزوم الواقعي والمنطقي، تنقسم إلى قسمين: صدفة مطلقة وصدفة نسبية. الصدفة المطلقة هي نفي أي نوع من السببية واللزوم المنطقي للظواهر، والصدفة النسبية تعني تزامن حدثين دون أي لزوم منطقي. قانون السببية يرفض الصدفة المطلقة، لكن الصدفة النسبية من الناحية الفلسفية ليست مستحيلة، ومراد أرسطو من قاعدة الاتفاق هو أن الصدفة النسبية غير قابلة للتكرار، لا أنها مستحيلة عقليًا.[38]

ويرى الشهيد صدر أن نقطة الخلاف الأساسية بين المنطق الأرسطي والمنطق الذاتي هي أن القاعدة المذكورة في المنطق الذاتي ليست قاعدة عقلية وقبلية على التجربة، كما أن أرسطو لم يقدم دليلاً على أولوية أو بديهية هذه القاعدة، ومن جهة أخرى لا يمكن اعتبار هذه القاعدة قبلية، لأن العقل لا يعتبر تكرار الصدفة مستحيلاً، بينما أرسطو يعتبرها من المعارف الأولية للبشر.[39]

ويقدم سبع اعتراضات على قانون الصدفة النسبية عند أرسطو، من بينها أنه إذا كانت القضية «الصدفة النسبية لا تتكرر في عشر تجارب متتالية» صحيحة، فيجب أن تكون القضية الملازمة لها، وهي القضية الشرطية «إذا حدثت الصدفة النسبية في تسع تجارب، فلن تحدث في التجربة العاشرة حتمًا»، صحيحة أيضًا، بينما لا يقبل مؤيدو أرسطو هذا، مع أنه إذا كان العلم العقلي يقينيًا، فلا بد أن تكون القضية الملازمة له يقينية أيضًا.[40] كذلك، إذا لاحظنا اقتران ألف وباء في تجربة، فلا دليل لدينا على أن ألف سبب باء بالضرورة، فقد يكون هناك ظاهرة أخرى غفلنا عنها هي السبب، كما أن علمنا بأن الصدفة النسبية غير قابلة للتكرار هو جمع لعدد من الاحتمالات.[41]

وباختصار، فإن قاعدة الصدفة النسبية عند أرسطو ليست علمًا عقليًا وقبليًا على التجربة، ومنطق أرسطو أخطأ ليس فقط في اعتبارها بديهية وقبلية على التجربة، بل أيضًا في اعتقاده أن الاستقراء يحتاج إلى القضايا الثلاث المذكورة. الرأي الصحيح هو أن القضايا الثلاث تثبت في ضوء الاستقراء نفسه، كما أن التعميم يمكن إثباته بالاستقراء ذاته.[42]

المبادئ المنطقية للاستقراء في فكر الشهيد صدر

قبل عرض وجهة نظر الشهيد صدر وبيان اختلافها مع وجهة نظر العقلانية والتجريبية، يبدو من الضروري الانتباه إلى أقسام التوالد التي تلعب دورًا مهمًا في تفسير وجهة نظره:

يرى الشهيد صدر أن التوالد والولادة للمعرفة المجهولة من المعرفة المعروفة تتم بطريقتين:

أ) التوالد الموضوعي أو الحقيقي: يقوم على وجود تلازم بين المجهول والمعارف السابقة. هذا التوالد هو أساس كل استنتاج قياسي يُنتج معرفة جديدة بناءً على التلازم بين القضايا، مثل «خالد إنسان وكل إنسان يموت، إذن خالد يموت». في هذا المثال، يوجد تلازم بين المقدمات والنتيجة.[43]

ب) التوالد الذاتي: الولادة الذاتية والشخصية تعني ولادة معرفة من معرفة أخرى دون وجود تلازم حقيقي بينهما. مع أنه لا يوجد تلازم بين القضايا نفسها، إلا أن هناك تلازمًا بين المعارف التي تتعلق بها. لذلك، التوالد الموضوعي يقوم على وجود تلازم بين القضايا نفسها، بينما التلازم الذاتي يقوم على وجود تلازم بين المعرفة بالقضايا.[44]

والآن نعرض وجهة نظر الشهيد صدر: الفرق الأساسي بين التجريبيين والعقلانيين في مسألة الاستقراء، كما أُشير، هو أن التجريبيين يعتبرون التجربة الحسية والاختبار المصدر الوحيد للمعرفة، وينفون وجود أي معرفة سابقة أو عقلية لدى الإنسان. في المقابل، يصر العقلانيون على وجود معارف مستقلة عن الحس والتجربة. ورغم أن الشهيد صدر في كتاب فلسفتنا قبل المنهج العقلاني؛[45] إلا أنه من خلال تحقيقاته في كتاب الأسس المنطقية للاستقراء توصل إلى وجهة نظر أخرى في تفسير المعارف البشرية سماها «المذهب الذاتي». هذه الوجهة تتفق مع العقلانيين في أن الإنسان يمتلك معارف مستقلة عن الحس والتجربة، لكن الاختلاف الجوهري بينهما في تفسير نمو المعارف الإنسانية. المذهب العقلي يعترف فقط بطريقة واحدة، وهي الولادة والتوالد الموضوعي والحقيقي لزيادة المعرفة وتعدد المعلومات، أما المذهب الذاتي للشهيد صدر فيلجأ إلى طريقة أخرى تسمى الولادة والتوالد الذاتي والشخصي، ويعتقد أن الجزء الأكبر من معارف الإنسان يُكتسب بهذه الطريقة.[46]

ومن وجهة نظر الشهيد صدر، تنقسم المعارف البشرية إلى ثلاثة أنواع: ١. المعارف الأولية، العقلية والقبلية التي تشكل أساس المعارف البشرية، مثل مبدأ عدم التناقض؛ ٢. المعارف الثانوية التي تولدت من المعارف الأولية بطريقة التوالد الحقيقي، مثل مسائل الهندسة الإقليدية النظرية؛ ٣. المعارف الثانوية التي تحققت من المعارف الأولية بطريقة التوالد الذاتي والشخصي، مثل التعميمات الاستقرائية التي لا يوجد بينها وبين مجموعة الأدلة التجريبية تلازم منطقي، وإنما تم الاستنتاج من خلالها بالولادة الشخصية والذاتيّة.[47]

يعتقد الشهيد الصدر أن محاولة المنطق الأرسطي لإضفاء الصلاحية على الاستدلال والتعميم الاستقرائي بناءً على التوالد الحقيقي غير مكتملة، ولا يمكن تقديم دليل قوي على قابلية التعميم في الاستقراء إلا بواسطة طريقة التوالد الذاتي.[48]

ويعتقد الشهيد الصدر أن التوالد الذاتي لا يعني استنتاج كل قضية من كل قضية، مثل استنتاج شروق الشمس من موت زيد، بل إن هذا التوالد قانوني. والشرح أنه بحسب رأيه، كل معرفة ثانوية يكتسبها العقل بناءً على التوالد الذاتي تمر بمرحلتين: أولاً تمر بمرحلة التوالد الحقيقي والحقيقي بمساعدة حساب الاحتمالات. في هذه المرحلة، يتحقق فقط زيادة في الاحتمال ولا يمكن تحويله إلى يقين، وفي المرحلة الثانية يبدأ التوالد الذاتي.[49]

ومسألة الاستقراء التي تتم بناءً على التوالد الذاتي، يجب أن تمر بهاتين المرحلتين. لذلك، من الضروري تفسير الاستقراء في مرحلتي التوالد الموضوعي والتوالد الذاتي.

المرحلة الأولى : تفسير الاستقراء في مرحلة التوالد الموضوعي

في هذه المرحلة، وبناءً على ضوابط حساب الاحتمالات، تزداد درجة الاحتمال في القضية الاستقرائية بشكل متزايد. نمو الاحتمال في هذه المرحلة يتم بطريقة رياضية وموضوعية، دون ارتباط بالحالة النفسية للشخص.[50] لذلك، يتناول الشهيد الصدر دراسة حساب الاحتمالات.

مصطلح «الاحتمال» له استخدام واسع في حياتنا اليومية ويدل على معنى واضح. حساب الاحتمالات موضوع في مجال العلم الرياضي والمعرفة. أول بذور حساب الاحتمالات طرحها «لوسا باسيولي» الرياضي الإيطالي، ثم تبعه مواطنه «نيكولو فونتانا تارتاجليا»، وبعد ذلك تطور على يد جاليلي، فرانسيس بيكون، باسكال وآخرون.[51] لا يتسع هذا المقال لمناقشة تفصيلية لمباحث حساب الاحتمالات، لذلك نكتفي بملخص من مباحثه في ضوء أفكار الشهيد الصدر.

قُدمت تفسيرات مختلفة للاحتمال. اكتفى الشهيد الصدر بتقديم تفسيرين فقط ثم عرض تفسيره الخاص.

التفسير الأول : التفسير الكلاسيكي للاحتمال

الاحتمال في التفسير الكلاسيكي هو: نسبة عدد الوجوه المرغوبة والمقصودة إلى مجموع الوجوه المتساوية الإمكان؛ «…يُفسر الاحتمال بأنه نسبة الحالات الموافقة للحدث المطلوب إلى مجموع الحالات المرتقبة بعد افتراض أن جميع تلك الحالات متساوية».[52] يُنسب هذا التفسير إلى لابلاس الرياضي الفرنسي.[53]

ويعتقد الشهيد الصدر أن التعريف المذكور يعاني من مشكلتين هامتين:

أ) المقصود من تساوي الحالات الممكنة هو التساوي في القيمة الاحتمالية لها، لذلك المقصود من متساوي الإمكان في تعريف الاحتمال هو متساوي الاحتمال؛ وإدخال لفظ الاحتمال في تعريفه نفسه يعد دوراناً. يمكن صياغة هذه المشكلة بطريقة أخرى أيضاً.[54]

ب) التعريف المذكور لا يشمل جميع الحالات؛ لأنه يشمل فقط الحالات التي تكون قيمتها الاحتمالية متساوية؛ أما إذا كانت قيمتها الاحتمالية غير متساوية، فلا يشملها هذا التعريف؛ وتطبيق التعريف السابق على تلك الحالات باطل؛ لأن النتيجة ستكون كما في الحالات متساوية الاحتمال.[55]

التفسير الثاني: تفسير الاحتمال بناءً على التكرار

هذا التفسير مبني على «نظرية التكرار المنتهي». على عكس التفسير الكلاسيكي، لا ينظر هذا التفسير إلى الحالات الممكنة، بل إلى الحالات الخارجية الحاصلة. وفق هذا التفسير، إذا اعتبرنا مجموعتين: العراقيين والأذكياء، حيث تتقاطع المجموعتان في المجموعة الثالثة «العراقيون الأذكياء»؛ فإن احتمال أن يكون شخص عراقي مختار عشوائياً ذكياً يساوي نسبة عدد المجموعة الثالثة إلى المجموعة الأولى، أي نسبة عدد العراقيين الأذكياء إلى عدد العراقيين.[56]

ويعتقد الشهيد الصدر أن هذا التعريف لا يعاني من عيوب التعريف السابق، لكنه يثبت في ضوء التفريق بين الاحتمال الحقيقي والاحتمال الافتراضي، وتطبيق الاحتمال الرياضي على الاحتمال الافتراضي، وبتفصيل مجموعات الاحتمالات المختلفة، أن التعريف المذكور لا يشمل جميع مجموعات الاحتمالات، ولذلك فهو غير مقبول.[57]

التفسير المختار: تعريف الاحتمال بناءً على العلم الإجمالي

بعد دراسة التفسيرين السابقين، يقدم الشهيد الصدر تفسيره المختار المبني على العلم الإجمالي. المقصود بالعلم الإجمالي هنا هو المصطلح الأصولي، وليس المصطلح الفلسفي الذي يعني البساطة ويعلو على العلم التفصيلي. لذلك، العلم الإجمالي هو العلم الذي لا يكون موضوعه محدداً، مقابل العلم التفصيلي الذي يكون موضوعه محدداً.[58] العلم الإجمالي نوعان:

أ) العلم الإجمالي الذي تكون أطرافه متنافية مع بعضها البعض؛ بمعنى أنه لا احتمال لتقاطعها، مثل أن تعلم أن واحداً فقط من أصدقائك الثلاثة سيزورك.

ب) العلم الإجمالي الذي تكون أطرافه متوافقة مع بعضها البعض؛ بمعنى أن احتمال اجتماعها قائم، مثل أن تعلم أن واحداً على الأقل من أصدقائك الثلاثة سيزورك، مع احتمال قدوم اثنين منهم معاً أو الثلاثة جميعاً.[59]

العلم الإجمالي الذي تم أخذه في تعريف الاحتمال هو القسم الأول، لا القسم الثاني. ومع ذلك، يُشير إلى أن العلم الإجمالي من القسم الثاني يعود في النهاية إلى القسم الأول؛ لأن القسم الثاني، رغم امتلاكه لعدد أكبر من الأطراف، عند حساب أطرافه، يوجد بين هذه الأطراف تناقض.[60] لذلك، في العلم الإجمالي المعني نواجه عدة أمور: ١.. العلم بالكلي غير المحدد؛ ٢.. مجموعة أطراف العلم الإجمالي؛ ٣.. مجموعة احتمالات عددها يطابق عدد مجموعة الأطراف؛ ٤.. التناقض بين أطراف العلم الإجمالي.[61]

شهيد صدر، بناءً على الشروحات السابقة حول العلم الإجمالي، قدم تعريف الاحتمال وكتب في تعريفه: «إن الاحتمال الذي يمكن تحديد قيمته هو دائماً عضو في مجموعة الاحتمالات التي تتمثل في علم من العلوم الإجمالية، وقيمته تساوي دائماً ناتج قسم رقم اليقين على عدد أعضاء مجموعة الأطراف التي تتمثل في ذلك العلم الإجمالي».[62] كل احتمال يمكن تحديد قيمته هو عضو في مجموعة الاحتمالات التي تظهر في علم إجمالي، وقيمته تساوي ناتج قسمة عدد اليقين على عدد أعضاء مجموعة أطراف ذلك العلم الإجمالي. الاحتمال وفق هذا التعريف ليس علاقة خارجية بين الحوادث ولا مجرد تكرار لمجموعة أخرى، بل هو تصديق لدرجة خاصة من الاحتمال.[63]

بعد تعريف الاحتمال، تناول شهيد صدر موضوعات أخرى في حساب الاحتمالات، منها طريقة تحديد قيمة الاحتمالات وتطبيق قواعد حساب الاحتمالات على مسألة الاستقراء، والتي الخوض فيها يخرجنا عن هدف هذه المقالة.

يرى شهيد صدر أن القضية الاستقرائية في مرحلة التوالد الموضوعي يجب أن تتوفر فيها خاصيتان: الأولى أن تكون المجموعة التي يتم الاستقراء عليها ذات مفهوم واحد وخصائص مشتركة، وألا يكون اجتماعها ناتجاً عن تراكم أعمى وغير بصير؛ والثانية أن لا يُلاحظ انفصال الأفراد الذين تشملهم التجربة عن باقي الأفراد في خاصية مشتركة أخرى.[64]

خلاصة القول، درجة الاحتمال في القضية الاستقرائية في مرحلة التوالد الذاتي ترتفع تدريجياً وفق ضوابط حساب الاحتمالات؛ ويتم تنظيم استنتاج هذه الدرجة العالية من التصديق بواسطة طريقة الاستنباط. فإذا لاحظنا في العديد من الحالات أنه كلما وُجد حركة، تبعها وجود حرارة؛ بتكرار هذا العمل يمكننا الحصول على درجة عالية من التصديق بأن الحركة سبب الحرارة؛ وعندما يتحقق التصديق على العلية المذكورة، يتحقق بنفس الدرجة التصديق على تعميم هذه القضية.[65] هذا الاستنتاج، رغم كونه استنتاجاً استنباطياً، إلا أن هناك فرقاً بين الاستنباط في الاستقراء والاستنباط في غير الاستقراء؛ لأن النتيجة التي تُستخلص في الحالات الأخرى تشير إلى واقع خارجي، مثل هذا الاستنباط: «العالم متحرك وكل متحرك حادث، فالعالم حادث». حدوث العالم هو واقع يُستنتج بهذا الاستنباط؛ بينما النتيجة التي تُستخلص في الاستقراء لا تشير إلى واقع خارجي، بل تشير إلى درجة التصديق المستقرة لمضمون الاستقراء.[66]

المرحلة الثانية: تفسير الاستقراء في مرحلة التوالد الذاتي

في المرحلة السابقة تم التوضيح أن في القضية الاستقرائية، الاحتمال يزداد بشكل متزايد؛ لكن في هذه المرحلة نسعى إلى رفع درجة هذا الاحتمال إلى اليقين. المقصود باليقين هنا ليس اليقين المنطقي والذاتي، بل اليقين الموضوعي. والتوضيح أن اليقين في تقسيمه إلى ثلاثة أقسام:

أ) اليقين المنطقي أو الرياضي: هذا اليقين هو الجزم بثبوت المحمول للموضوع في القضية مع الجزم باستحالة نفي المحمول عن ذلك الموضوع. لذلك، هذا اليقين مركب من جزمين، ولا يتحقق إلا إذا أُضيف التصديق الثاني إلى الأول. ولهذا يُسمى أيضاً «اليقين المضاعف». هذا اليقين هو نتاج القياسات المنطقية والاستدلالات الرياضية، والمقصود باليقين بالمعنى الأخص في المنطق الأرسطي هو هذا اليقين.[67]

ب) اليقين الذاتي أو الشخصي: هذا اليقين هو جزم الإنسان وقطعه بقضية بحيث لا يصاحبه شك أو احتمال خلاف؛ مثل إنسان يرى خطاً يشبه خط صديقه فيتيقن أنه خط صديقه، لكنه في الوقت نفسه لا يشعر باستحالة أن يكون الخط لشخص آخر، رغم أنه لا يعتبر ذلك محتملاً؛ لأن عدم الاحتمال لا يعني الاستحالة.[68]

ج) اليقين الموضوعي: لفهم معنى هذا اليقين يجب التمييز بين أمرين في كل يقين: أولاً) القضية التي تحقق بها اليقين؛ ثانياً) درجة التصديق التي يعبر عنها اليقين. فإذا وجدت في نفسك يقينًا بموت جارك، تواجه قضية تعلق بها اليقين وهي “فلان مات”. ومن جهة أخرى، تواجه درجة معينة من التصديق التي يعبر عنها هذا اليقين؛ لأن التصديق له درجات تمتد من أدنى درجات الاحتمال إلى الجزم، واليَقين يمثل أعلى درجة في هذه السلسلة. عندما نفرق بين القضية التي تعلق بها اليقين ودرجة التصديق التي يعبر عنها اليقين، يمكننا إدراك وجود نوعين من الصحة والخطأ في المعارف البشرية: ١. الصحة والخطأ من حيث الأول، أي القضية التي تعلق بها اليقين (ومعيارها مطابقة أو عدم مطابقة القضية مع الواقع الخارجي)؛ ٢. الصحة والخطأ من حيث الثاني، أي درجة التصديق التي تحققت. فقد يكون يقين من حيث الأول صحيحًا، لكنه من وجهة الثاني خاطئًا. على سبيل المثال، إذا علمنا أن في مكتبة كبيرة تضم مئة ألف مجلد كتاب، يوجد كتاب به عيب؛ فإذا جزمنا عند رؤية كتاب معين أنه هو ذلك الكتاب، ولو كان ذلك صحيحًا في الواقع، نواجه اعتراضًا: لماذا تكونت لديك هذه العقيدة؟ ونصل إلى سؤال: ما رأيك في الكتاب الثاني والثالث؟ لأن احتمال وجود عيب في كل كتاب هو واحد على مئة ألف.

من هذا المنطلق نصل إلى فكرة التمييز بين اليقين الذاتي واليقين الموضوعي. اليقين الذاتي هو التصديق بأعلى درجة ممكنة، سواء كان هناك مبرر لهذا الاعتقاد أم لا؛ أما اليقين الموضوعي فهو التصديق بأعلى درجة ممكنة بشرط أن تتطابق هذه الدرجة مع درجة التصديق التي تقتضيها المبررات الواقعية والموضوعية. بعبارة أخرى، اليقين الموضوعي هو أن تصل درجة التصديق التي تقتضيها المبررات الموضوعية إلى الجزم. لذلك، أحيانًا يتحقق يقين ذاتي بدون يقين موضوعي، كما في المثال السابق، وأحيانًا يتحقق يقين موضوعي بدون يقين ذاتي؛ أي أن الدرجة التي يجب أن تتحقق بناءً على المبررات الموضوعية هي درجة الجزم، لكن إنسانًا معينًا لا يصل إلى الجزم بسبب الحالة غير الطبيعية التي يمر بها. ومن هنا ندرك أن اليقين الموضوعي له صفة موضوعية ومستقلة عن الحالة النفسية والمحتوى النفسي الذي يعيشه الإنسان، بينما اليقين الذاتي يعبر عن الجانب النفسي للمعرفة.[69]

بالنظر إلى هذه الأنواع الثلاثة، ما يسعى إليه الشهيد الصدر في مرحلة التولد الذاتي ليس اليقين المنطقي؛ لأن الاستقراء لا يمكن أن يخلق يقينًا منطقيًا؛ إذ قبول المقدمات وإنكار النتيجة في الاستقراء لا يتضمن أي تناقض. ومن هنا يتضح أن النقد الموجه من بعضهم إلى رأي الشهيد الصدر، القائل بأن جهوده عاجزة عن خلق يقين منطقي؛[70] هو نقد غير مبرر؛ لأنهم أساسًا لا يسعون إلى تحصيل اليقين المنطقي. كما أن اليقين الذاتي خارج نطاق النقاش؛ لأن تحصيل اليقين الذاتي بواسطة الاستقراء ليس محل خلاف كبير؛ إذ أن تحصيل اليقين الذاتي بواسطة الاستقراء مقبول عند معظم الناس.[71] لذلك، ما يُراد في هذه المرحلة هو الحصول على اليقين الموضوعي.

اليقين الموضوعي في الدليل الاستقرائي يتحقق عندما نستخدم مبدأً أوليًا موضوعًا في نظام المعرفة البشرية. هذا المبدأ الأولي يقدمه الشهيد الصدر هكذا: «كلما تجمع عدد كبير من القيم الاحتمالية في محور واحد، فإن حاصل هذا المحور نتيجة لذلك على قيمة احتمالية كبيرة، فإن هذه القيمة الاحتمالية الكبيرة تتحول ضمن شروط معينة إلى يقين.»[72]

المبدأ الأولي هو أنه إذا جمع محور ما مقدارًا كبيرًا من القيمة الاحتمالية، فإن هذه القيمة الاحتمالية الكبيرة تتحول، بوجود شروط معينة، إلى يقين. وهو يرى أن هذا المبدأ متأصل في البعد المعرفي للإنسان، ولا يلتفت إلى الاحتمال الصغير الذي يقترن بالاحتمال الكبير. زوال الاحتمال الصغير ليس نتيجة لعوامل يمكن التغلب عليها، بل هو وفقًا للحركة الطبيعية للمعرفة البشرية. لذلك، فإن زوال الاحتمال الصغير لا يشبه زوال بعض الاحتمالات بسبب عوامل نفسية مثل التنجيم السيء أو الجيد، التي تتعلق بالشخص نفسه ويمكن إزالتها.[73]

من الضروري الانتباه إلى أنه كما أن درجة احتمال صغيرة لإنشاء اليقين الذاتي تختلف بين الناس، فإن درجة احتمال صغيرة لإنشاء اليقين الموضوعي تختلف أيضًا. لذلك، لا يمكن وضع معيار موحد لدرجة الاحتمال الصغيرة. المهم هو صياغة المبدأ نفسه ولا حاجة لتحديد درجة الاحتمال الصغيرة.[74]

هذا الأصل الأولي قابل للتطبيق بشرط واحد، وهو ألا يؤدي زوال قيمة الاحتمال الصغير إلى زوال قيمة الاحتمال الكبير، وإلا فإن زوال الاحتمال الصغير سيؤدي إلى زوال الاحتمال الكبير أيضًا؛ على سبيل المثال، إذا كان لدينا علم إجمالي بنقص كتاب واحد في مكتبة تحتوي على مئة ألف مجلد، فإن احتمال نقص هذا الكتاب عند إزالة كل كتاب يكون واحدًا على مئة ألف، واحتمال سلامة كل كتاب هو ٩٩٩٩٩ على مئة ألف، وهي قيمة احتمال أكبر؛ لكن هذا التجمع لا يمكن أن يحول قيمة الاحتمال الكبير إلى يقين، لأنه إذا أرادت قيمة الاحتمال الكبير أن تلغي قيمة الاحتمال الصغير، فإن هذا الإلغاء لا بد أن يكون في حالتين: إما أن تلغي قيمة الاحتمال الصغير في كل أرجاء العلم الإجمالي، أو تلغيه في محور معين فقط. الاحتمال الأول مردود؛ لأنه يستلزم نفي العلم الإجمالي بنقص كتاب في المكتبة. والاحتمال الثاني غير مقبول؛ لأن المفروض هو أن كل أرجاء العلم الإجمالي تتمتع بقيمة احتمال متساوية. لذلك، لا يمكن افتراض اختلاف نتائجهما. ونتيجة لذلك، يكون إلغاء الاحتمال الصغير معقولًا فقط إذا لم يؤدي إلى إلغاء قيمة الاحتمال الكبير.[75]

ثم يقدم الشهيد صدر طريقتين معقولتين لتحويل قيمة الاحتمال الكبير إلى يقين موضوعي. وفقًا للطريقة الأولى لتبرير الأصل الأولي، يفترض وجود علمين إجماليين: علمان إجماليان في باب العلية “أ” لـ “ب” هما:

أولًا) العلم الإجمالي الذي يحدد احتمال بداية علة “أ” لـ “ب”؛ لأننا بمساعدة مبدأ العلية كنا نعلم أن الظاهرة ب لها علة، وهذه العلة إما أ أو ت؛ في هذه الحالة، يحتوي العلم الإجمالي على عنصرين.

ثانيًا) العلم الإجمالي الذي استُند إليه في المرحلة السابقة لزيادة احتمال العلية؛ على سبيل المثال، إذا أدركنا التماثل بين أ وب بعد عشر تجارب، وبما أن احتمال ظهور أو عدم ظهور ب في كل تجربة مع وجود أ هو واحد على اثنين، فإن عشر تجارب تولد ١٠٢٤ درجة احتمال، وبما أن التماثل بين أ وب يتحقق في عشر تجارب، فإن احتمال علة ت لـ أ هو درجة واحدة من ١٠٢٤ درجة احتمال، في حين أن احتمال علة أ لـ ب هو ١٠٢٣ درجة احتمال. لذلك، ١٠٢٣ درجة احتمال هي أساس تشكيل تجمع إيجابي حول محور (علية أ لـ ب). علة أ لـ ب هي أحد عضوي العلم الإجمالي الأول. هذا التجمع يؤدي إلى الحصول على قيمة احتمال كبيرة. إذن، تجمع احتمال أكبر في العلم الإجمالي الثاني بالنسبة لوجود علاقة علية بين أ وب، وهو عضو في العلم الإجمالي الأول، يسمح لنا باستخدامه للوصول إلى يقين موضوعي بمساعدة الأصل الأولي. وبالنظر إلى الأصل الأولي المذكور، نستنتج أن هذا التجمع يؤدي إلى اليقين بعلية أ لـ ب ويؤدي إلى إلغاء قيمة الاحتمال الصغير (علية ت لـ ب). هذا التوافق في هذا الافتراض لا يؤدي إلى أي تناقض؛ لأن التجمع الناتج عن هذا الافتراض يدل على الجزء الأكبر من قيمة العلم الإجمالي الثاني، في حين أن قيمة الاحتمال التي أدى هذا التجمع إلى إلغائها ليست من القيم الاحتمالية المتساوية التي يشملها العلم الإجمالي الثاني. إذن، يتحقق الأصل الأولي عندما تتجمع العديد من القيم الاحتمالية لعلم ما حول محور خارج نطاق ذلك العلم، مما يؤدي إلى إلغاء قيمة احتمالية واحدة.[76]

خلاصة النقاش أن الشهيد صدر في مرحلة التولد الذاتي بمساعدة الأصل الأولي المذكور وتطبيقه على الدليل الاستقرائي، يحول قيمة الاحتمال الكبير إلى يقين موضوعي.

تطبيقات مسألة الاستقراء في فكر الشهيد صدر

الدليل الاستقرائي له تطبيقات كثيرة في العلوم المختلفة؛ سواء التطبيقات التي تناولها الشهيد صدر بنفسه أو تلك التي لم يتناولها؛ لكن دراسة تفصيلية لكل تطبيقات الدليل الاستقرائي وفق منهج الشهيد صدر في ضوء حساب الاحتمالات تتطلب وقتًا أطول لا يتسع له هذا المقال. لذلك، نكتفي هنا بتقديم قائمة نوعية من التطبيقات المعرفية.

تطبيقات معرفية

تمت دراسة تطبيقات وجهة نظره في مجال المعرفة في الفصل الرابع من كتاب الأسس المنطقية للاستقراء تحت عنوان «المعرفة البشرية في ضوء المذهب الذاتي». في هذا الفصل، يتناول أولًا وجهات نظر المنطق الأرسطي في مسائل المعرفة، بما في ذلك مبادئ البرهان (اليقينيات النظرية والبدهيات الستة) ومبادئ القياسات غير البرهانية (المظنونات، المشهورات، المسلمات، المقبولات، الوهميات والمشبهات)، ثم يعرض وجهات نظره الخاصة في هذه المسائل، وفي النهاية يستخلص النتائج التالية:

أ) في القضايا الأولية والفطرية، يمكن تطبيق الدليل الاستقرائي بكل من مرحلتي التولد الموضوعي والتولد الذاتي عليها: «…وبهذا يمكننا أن نصل إلى إثبات علاقة اللزوم والضرورة بالدليل الاستقرائي وفق طريقته العامة التي شرحناها سابقًا في أي قضية من القضايا التي يعتبرها المنطق الأرسطي من الأوليات والفطريات.»[77]

ب) القضايا التجريبية في المنطق الأرسطي تُعتبر أولًا من القضايا الأولية؛ لكنها تُعدّ بنظرة أعمق من القضايا الثانوية التي تُستنتج من القضية الأولية «الاتفاق (الصدفة النسبية) لا يكون دائمًا».[78] أما في المنطق الذاتي، فإن قضية «الاتفاق لا يكون دائمًا» تُعتبر من القضايا التجريبية، ولذلك لا يمكن أن تكون أساسًا لباقي القضايا التجريبية.[79] كما أن القضايا التجريبية في المنطق الذاتي تُعدّ من القضايا الثانوية والمستدل عليها التي تُكتسب فيها درجة احتمال كبيرة بطريقة التولد الموضوعي، وتتحول هذه الدرجة الاحتمالية الكبيرة إلى يقين موضوعي بطريقة التولد الذاتي.[80]

ج) كذلك تُستخلص القضايا الحدسية في المنطق الذاتي، كما في القضايا التجريبية، بواسطة طريقة حساب الاحتمالات في مرحلتين: التوالد الموضوعي والتوالد الذاتي: «ورأينا في القضية الحدسية هو رأينا المتقدم في القضية التجريبية.»[81]

د) تُستنتج القضايا المتواترة في المنطق الأرسطي من القضية «يَمتنع اتفاق عدد كبير من الناس على الكذب». وهذه القضية نفسها تُعد من القضايا الأولية؛ ولكن في المنطق الذاتي، تُعتبر هذه القضية من القضايا الاستقرائية. لذلك، لا يمكن أن تكون أساساً لبقية القضايا المتواترة. ويكتب: «…وموقفنا من التصديق بأن الكذب لا يكون دائماً أو التصديق بعدم اتفاق عدد كبير من الناس على الكذب، هو موقفنا من التصديق بأن الاتفاق (الصدفة النسبية) لا يكون دائماً، فهو في الحقيقة تصديق استقرائي وليس تصديقاً عقلياً أولياً»؛[82] كما أن القضايا المتواترة، مثل القضايا التجريبية والحدسية في المنطق الذاتي، تُعد من القضايا الثانوية والمستدل عليها التي تُكتسب فيها درجة احتمال كبيرة بطريقة التوالد الموضوعي، وبطريقة التوالد الذاتي تتحول هذه الدرجة الاحتمالية الكبيرة إلى يقين موضوعي.[83]

هـ) القضايا المحسوسة (سواء بالحواس الظاهرة أو بالحواس الباطنة) في المنطق الأرسطي تُعد من القضايا الأولية؛ ولكن في المنطق الذاتي، رغم أن القضايا المحسوسة بالحواس الباطنة تُعد من القضايا الأولية «ولا شك في أن القضايا المطلوب إثباتها بالحس الباطن أولية»؛[84] إلا أن القضايا المحسوسة بالحواس الظاهرة لا تُعد من القضايا الأولية، بل مثل القضايا التجريبية والحدسية تُعد من القضايا الثانوية والمستدل عليها التي تُكتسب فيها درجة احتمال كبيرة بطريقة التوالد الموضوعي، وبطريقة التوالد الذاتي تتحول هذه الدرجة الاحتمالية الكبيرة إلى يقين موضوعي.[85]

بهذا العرض الإجمالي، تتضح نقاط الخلاف بين المنطق الأرسطي والمنطق الذاتي في مجال المعرفة فيما يتعلق بالقضايا الستة البديهية.

هذه مقتطفات من تطبيقات معرفية للدليل الاستقرائي بناءً على حساب الاحتمالات في فكر الشهيد صدر. وبالطبع، قدم تطبيقات أخرى متعددة في هذا المجال، والتي التطرق إليها يتطلب نقاشاً مطولاً. لذا نكتفي بتقديم قائمة منها:

١. إثبات وجود العقلاء؛[86] ٢. إثبات وجود العالم الخارجي؛[87] ٣. الاعتقاد بوجود تماثل بين الأشياء؛[88] ٤. الاستدلال على القضايا النظرية؛[89] ٥. القضايا المنطقية والرياضية بناءً على الدليل الاستقرائي.[90]

وقد ذُكرت تطبيقات أخرى لحساب الاحتمالات.[91] التطرق التفصيلي لكل من هذه التطبيقات يتطلب نقاشات موسعة تتجاوز نطاق هذا الكتاب.

النتيجة

ما يمكن استنتاجه من المناقشات السابقة هو كما يلي:

١. صحة الاستنتاج في الاستقراء الناقص تقوم على إثبات ثلاثة أصول: أ) استحالة الاتفاق والصدفة المطلقة؛ ب) استحالة الاتفاق والصدفة الخاصة؛ ج) تبرير التعميم على غير الحالات المستقرأة.

٢. المنطق الأرسطي يعتبر الأصل الأول بديهياً أولياً، ولإثبات الأصل الثاني يستند إلى قاعدة «الاتفاق أو الصدفة لا يكون دائماً ولا أكثرية»، ويثبت الأصل الثالث بالاستناد إلى قاعدة «إن الحالات المتشابهة من الطبيعة تؤدي إلى نتائج متماثلة» أو القاعدة العقلية «المعلول لا يختلف عن علته التامة». ومن جهة أخرى، قدم بعض أنصار الحكمة المتعالية دليلين لإثبات السببية العامة (الأصل الأول).

٣. يرى الشهيد صدر أن الاستدلال على الأصل الأول عبر الأصول الأرسطية مستحيل، وأن السبيل الوحيد لإثباته هو استخدام منطق الاستقراء، وأن الدليلين المقدمين لإثباته يعانيان من مغالطة التوسل إلى المطلوب. ويعتقد أن الاستناد إلى قاعدة «نفي الاتفاق» و«التشابه» لإثبات الأصلين الثاني والثالث غير صحيح؛ لأن هاتين القاعدتين ليستا من القواعد العقلية ولا السابقة للتجربة، ولم يقدم أرسطو دليلاً على أولوتهما أو وضوحهما، ومن جهة أخرى لا يمكن اعتبار هذه القواعد مسبقة.

٤. في رأي الشهيد صدر، الاستقراء الناقص مفيد لليقين الموضوعي، ويحدث حصول اليقين الموضوعي عبر مرحلتين: التوالد الموضوعي والتوالد الذاتي. في المرحلة الأولى تزداد درجة الاحتمال، وفي المرحلة الثانية تتحول إلى يقين موضوعي.

٥. الخلاف الأساسي بين المنطق الأرسطي والمنطق الذاتي يكمن في تفسير نمو المعارف الإنسانية. فالمنطق الأرسطي يطرح طريقاً واحداً فقط، وهو التوالد الموضوعي والحقيقي، لزيادة المعرفة وتعدد المعلومات؛ أما مذهب الشهيد صدر الذاتي، فإنه بالإضافة إلى التوالد الموضوعي، يلجأ إلى طريقة أخرى تسمى التوالد والولادة الذاتية والشخصية، ويعتقد أن الجزء الأكبر من معارف الإنسان يُكتسب بناءً على هذه الطريقة.

المصادر والمراجع

١. ابن سینا، حسین بن عبدالله ،الاشارات و التنبیهات، الطبعة الأولى، قم، نشر‌ البلاغه، ١٣٧٥.

٢.  ،الشفاء، قسم المنطق، قم، مکتبه آیه الله المرعشی، ١٤٠٤ق.

٣. ابو‌ رغیف، السید عمار، منطق‌ الاستقراء‌، الطبعه الاولی، قم، مجمع الفکر الاسلامی، ١٤١٠ق.

٤. ابو زید، احمد عبدالله، «مدخل ٌ الی نظریه الاحتمال مع تطبیقاتها فی المدرسه الفقهیه للشهید السید محمدباقر الصدر»، مجله فقه اهل البیت، العدد ٢٩، سال‌ ١٤٢٤ق، ص ١٥٥-٢٠٦.

٥. ابو زید، احمد عبدالله، «مدخل الی نظریه الاحتمال مع تطبیقاتها فی المدرسه الفقهیه للشهید السید محمدباقر الصدر»، مجله فقه اهل البیت، العدد ٣٠، سال ١٤٢٤ق، ص ٦٥-٩٦.

٦. جوادی آملی، عبدالله، تبیین‌ براهین‌ اثبات وجود خدا، الطبعة الثانية، قم، اسراء، دون تاريخ.

٧. جوادی آملی، عبدالله، تفسیر موضوعی، توحید در قرآن، الطبعة الثانية، قم، اسراء، ١٣٨٥.

٨. حیدری، سید کمال، المذهب الذاتی فی نظریه المعرفه، الطبعه الثانیه‌، قم‌، دار فراقد، ١٤٢٦ق.

٩. حیدری، سید کمال، «منطق استقراء علمی »، مجله تخصصی کلام اسلامی، سال دهم، ش ٣٧، بهار١٣٨٠، مؤسسه تحقیقاتی امام صادق، ص ٧٢-٨٩.

١٠. سهروردی، شهاب الدین، مجموعه مصنفات شیخ اشراق‌، الطبعة الثانية، تهران، مؤسسه مطالعات و تحقیقات فرهنگی، ١٣٧٥.

١١. صدر، شهید محمدباقر،الأسس المنطقیه للإستقراء، الطبعه الثانیه، قم، مرکز الابحاث و الدراسات التخصصیه للشهید الصدر، ١٤٢٦ق.

١٢. صدر، شهید محمدباقر،المعالم الجدیده للأصول‌، الطبعه‌ الاولی‌، قم، مرکز الابحاث و الدراسات التخصصیه‌ للشهید‌ الصدر‌،١٤٢١ق.

١٣. صدر، شهید محمدباقر، دروس فی علم الأصول، الحلقه الثالثه، الطبعه الاولی، قم، مرکز الابحاث و الدراسات التخصصیه للشهید الصدر، ١٤٢١ق.

١٤. ‌صدر، شهید محمدباقر، فلسفتنا‌، الطبعه‌ الثانیه، قم، مرکز الابحاث و الدراسات التخصصیه للشهید الصدر‌، ١٤٢٧ق.

١٥. صدرالمتألهین، محمد بن ابراهیم، الأسفار الأربعه، الطبعه الثالثه، بیروت، دار احیاء التراث العربی، ١٩٨١م.

١٦. طباطبایی، سیدمحمدحسین ،اصول‌ فلسفه‌ و روش‌ رئالیسم، الطبعة السابعة، تهران، سپهر، ١٣٦٨.

١٧. طوسی، نصیرالدین، شرح‌ الاشارات و التنبیهات، الطبعة الأولى، قم، نشر البلاغه، ١٣٧٥.

١٨. فارابی، ابونصر، المنطقیات، الطبعة الأولى، قم، مکتبه آیه الّله‌ المرعشی‌، ١٤٠٨ق‌.

١٩. مصباح، محمدتقی، آموزش فلسفه، الطبعة الخامسة، تهران، نشر سازمان تبلیغات‌ اسلامی‌، ١٣٧٢.

٢٠. مطهری، مرتضی، مجموعه آثار، ج ٥، قم، صدرا، دون تاريخ.

٢١. هادوی تهرانی، مهدی، «معضل استقراء‌ از‌ نگاه‌ شهید صدر»، قم، کیهان اندیشه، ش ٣٦، ١٣٧٠، ص ١٤٧١٣٠.

[1] الشيخ أحمد عبد الله أبو زيد، «مدخل إلى نظرية الاحتمال»، مجلة فقه أهل البيت، العدد ٢٩، الصفحات ١٦٨-١٧١.

[2] محمد باقر صدر، فلسفتنا، الصفحات ٦٧-١٢٢.

[3] الشيخ أحمد عبد الله أبو زيد، المرجع نفسه، الصفحة ١٦٨.

[4] المرجع نفسه، الصفحات ١٦٨-١٦٩.

[5] محمد باقر صدر، المعالم الجديدة للأصول، الصفحات ٢٠٠-٢١٤.

[6] المرجع نفسه، الصفحة ١٧٠.

[7] ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، الصفحة ٣٩؛ مرتضى مطهري، مجموعة آثار، الجزء ٥، الصفحة ٨٦.

[8] محمد تقى مصباح، تعليم الفلسفة، الجزء ١، الصفحة ١٠٠.

[9] محمد باقر صدر، الأسس المنطقية للاستقراء، الجزء ٢٦، الصفحات ٢٦-٣٢.

[10] انظر: أرسطو، منطق أرسطو، التحليلات الأولى، المقالة الثانية، الفصل الثالث والعشرون؛ نقلًا عن: الأسس المنطقية للاستقراء، الصفحة ٣٠.

[11] محمد باقر صدر، الأسس المنطقية للاستقراء، الجزء ٢٦، الصفحات ٣٢-٣٤.

[12] المرجع نفسه، الصفحة ٣٥.

[13] المرجع نفسه، الصفحة ٤٠.

[14] محمد تقى مصباح، المرجع نفسه، الجزء ١، الصفحة ١٠٠.

[15] انظر: محمود زكي نجيب، المنطق الوضعي، الصفحة ٤٠٣؛ نقلًا عن: الأسس المنطقية للاستقراء، الصفحة ٣٦.

[16] محمد باقر صدر، الأسس المنطقية للاستقراء، الصفحات ٣٧-٣٨.

[17] المرجع نفسه، الصفحة ٤٢.

[18] نفسه، فلسفتنا، الصفحات ٦٧-٨١.

[19] المرجع نفسه، الصفحات ٨٣-١٢٢.

[20] محمد بن إبراهيم، صدر المتألهين، الأسفار الأربعة، الجزء ٢، الصفحة ١٣١.

[21] انظر: أصول الفلسفة ومنهج الواقعية، الجزء ٣، الصفحة ١٨٠؛ نقلًا عن: الأسس المنطقية للاستقراء، الصفحات ١٣٥-١٣٦.

[22] ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، الصفحة ٣٩.

[23] أبو نصر الفارابي، المنطقيات، الجزء ١، الصفحة ٢٧١.

[24] ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، الصفحة ٣٩.

[25] أبو نصر الفارابي، المنطقيات، الجزء ١، الصفحة ٢٧١.

[26] محمد باقر صدر، الأسس المنطقية للاستقراء، الصفحة ٢٦.

[27] محمد تقى مصباح، المرجع نفسه، الجزء ١، الصفحة ١٠٠.

[28] ابن سينا، قسم المنطق، الصفحة ٢٢٠.

[29] المرجع نفسه، الصفحات ٢٢٢-٢٢٤.

[30] شهاب الدين السهروردي، مجموعة مصنفات شيخ الإشراق، الجزء ٢، الصفحة ٤١.

[31] نصير الدين الطوسي، شرح الإشارات والتنبيهات، الجزء ١، الصفحة ٢١٧.

[32] عبد الحسين خسرو بنه، «منطق الاستقراء العلمي»، مجلة تخصصية في الكلام الإسلامي، الصفحات ٧٦-٨٩.

[33] محمد باقر صدر، الأسس المنطقية للاستقراء، الصفحة ١١٣.

[34] المرجع نفسه، الصفحات ١٣٥-١٣٧.

[35] عبد الله جوادي آملي، براهين إثبات الله، الصفحات ٣٩-١٠٢؛ نفسه، التفسير الموضوعي، التوحيد في القرآن، الجزء ٢، الصفحة ٤٣٩.

[36] محمد باقر صدر، فلسفتنا، الصفحات ٣٣٩-٣٤١. من المهم التنويه إلى أن الشهيد صدر كتب كتاب فلسفتنا قبل التوصل إلى رؤية المذهب الذاتي، وقد نظمه بمنهج الرؤية العقلية الأرسطية. ومن هذا المنطلق، بعد تأليف كتاب الأسس المنطقية طرأ تحول فكري على كثير من مباحث كتاب فلسفتنا، ويمكن ملاحظة هذه التحولات في الصفحات ٨٤، ٨٨، ٩٤، ٩٩، ١٨٢، ١٨٤، ١٨٦ وغيرها. والمبحث محل نقاشنا هو من بين هذه المواضيع التي أعاد الشهيد صدر النظر فيها بعد التوصل إلى رؤيته الجديدة، واعتبر ما قاله في فلسفتنا بمنهج المنطق الأرسطي غير مكتمل.

[37] محمد باقر صدر، الأسس المنطقية للاستقراء، الصفحات ٥٦-٥٧.

[38] المرجع نفسه، الصفحات ٥٨-٥٩.

[39] المرجع نفسه، الصفحات ٦٣-٦٤.

[40] المرجع نفسه، الصفحة ٦٧.

[41] المرجع نفسه، الصفحة ٨٦.

[42] المرجع نفسه، الصفحة ٩٠.

[43] المرجع نفسه، الصفحة ١٦١.

[44] المرجع نفسه.

[45] نفسه، فلسفتنا، الصفحة ٨٤.

[46] نفسه، الأسس المنطقية للاستقراء، الصفحة ١٦٠.

[47] المرجع نفسه، الصفحة ١٦٣.

[48] المرجع نفسه، الصفحة ١٦٦.

[49] المرجع نفسه، الصفحات ١٦٦-١٦٨.

[50] المرجع نفسه، الصفحة ١٦٨.

[51] الشيخ أحمد عبد الله أبو زيد، المرجع نفسه، الصفحات ١٥٧-١٦٣.

[52] محمد باقر صدر، الأسس المنطقية للاستقراء، الصفحات ٢٠٩-٢١٠.

[53] سيد عمار أبو رغيّف، منطق الاستقراء، الصفحة ٨٥.

[54] محمد باقر صدر، الأسس المنطقية للاستقراء، الصفحة ٢١٠.

[55] المرجع نفسه، الصفحات ٢١٥-٢١٦.

[56] المرجع نفسه، الصفحة ٢١٨.

[57] المرجع نفسه، الصفحات ٢٢٠-٢٢٦.

[58] المرجع نفسه، الصفحة ٢٢٩.

[59] المرجع نفسه، الصفحة ٢٣٠.

[60] المرجع نفسه، الصفحة ٢٣١.

[61] المرجع نفسه.

[62] المرجع نفسه، الصفحة ٢٣٢.

[63] المرجع نفسه، الصفحة ٢٣٣.

[64] المرجع نفسه، الصفحة ٣٩٧.

[65] المرجع نفسه، الصفحة ٣٠٥.

[66] المرجع نفسه، الصفحة ٤٠٩؛ سيد كمال الحيدري، المذهب الذاتي في نظرية المعرفة، الصفحة ٥٠.

[67] ابن سينا، منطق الشفاء، كتاب البرهان، الصفحة ٥٤؛ محمد باقر صدر، الأسس المنطقية للاستقراء، الصفحات ٤١٠-٤١١.

[68] محمد باقر صدر، الأسس المنطقية للاستقراء، الصفحة ٤١٢.

[69] المرجع نفسه، الصفحات ٤١٢-٤١٥؛ مهدي هادوي تهراني، «مأزق الاستقراء من وجهة نظر الشهيد صدر»، كيهان الفكر، العدد ٣٦، الصفحة ٣٥؛ محمد باقر صدر، دروس في علم الأصول، الحلقة الثالثة، الصفحة ٥٢.

[70] محمد تقى مصباح، المرجع نفسه، الجزء ١، الصفحة ١٠١.

[71] سيد كمال الحيدري، المرجع نفسه، الصفحات ٨٢-٨٣.

[72] محمد باقر صدر، الأسس المنطقية للاستقراء، الصفحة ٤٢٣.

[73] المرجع نفسه، الصفحات ٤٢٣-٤٢٤.

[74] المرجع نفسه، الصفحة ٤٢٥.

[75] المرجع نفسه، الصفحات ٤٢٦-٤٢٧.

[76] المرجع نفسه، الصفحة ٤٢٩.

[77] المرجع نفسه، الصفحة ٥٣٩.

[78] المرجع نفسه، الصفحة ٤٧٩.

[79] المرجع نفسه.

[80] المرجع نفسه، الصفحات ٤٨١-٤٨٢.

[81] المرجع نفسه، الصفحة ٤٨٢.

[82] المرجع نفسه، الصفحة ٤٨٤.

[83] المرجع نفسه، الصفحة ٤٨٥.

[84] المرجع نفسه، الصفحة ٥١٥.

[85] المرجع نفسه، الصفحة ٥١٧.

[86] المرجع نفسه، الصفحة ٤٩٩.

[87] المرجع نفسه، الصفحة ٥٢٧.

[88] المرجع نفسه، الصفحة ٥٣٤.

[89] المرجع نفسه.

[90] المرجع نفسه، الصفحة ٥٥٠.

[91] الشيخ أحمد عبد الله أبو زيد، «مدخل إلى نظرية الاحتمال…»، مجلة فقه أهل البيت، العدد ٣٠، الصفحة ٦٥.