ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: تعریف و روش کشف مذهب اقتصادی اسلام ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص: المقالة الحالية تبيّن وتنقد «تعريف ومنهج اكتشاف المذهب الاقتصادي الإسلامي» من وجهة نظر الشهيد الصدر(ره). المذهب الاقتصادي هو أحد فروع علم الاقتصاد الإسلامي، ومناقشة تعريفه ومنهجه تُعد من المسائل التمهيدية والمهمة في هذا المجال. توصل هذا البحث في نهايته إلى النتائج التالية: أ) المذهب الاقتصادي الإسلامي هو القواعد الثابتة التي تشكل أساس الفقه والأخلاق الاقتصادية، والتي تُستنبط من المصادر (الآيات، الأحاديث والعقل)، وقد وُضعت لتنظيم العلاقات الاقتصادية في ثلاثة مجالات: الإنتاج، التوزيع والاستهلاك، بهدف حل المشكلات وتحقيق الأهداف الاقتصادية. ب) هناك ثلاث طرق معتبرة لاكتشاف المذاهب الاقتصادية: 1. اكتشاف أصول المذهب كأحكام أخلاقية وفقهية مستنبطة كطبقة عليا من خلال الاستدلال القطعي. 2. استنتاج أصول المذهب كطبقة عليا من التعاليم الوجودية كأساس من خلال الاستدلال التلوي. 3. الاستناد إلى النصوص التي صرحت بشكل مباشر بأصل معين.
المؤلف: سید حسین میرمعزی
المصدر: اقتصاد اسلامی، ربيع 1394، العدد 57، ص 5 إلى 30.
المقدمة
المذهب الاقتصادي الإسلامي هو أحد فروع علم الاقتصاد الإسلامي. من المناقشات التمهيدية المهمة في هذا الفرع من العلم تعريفه ومنهج اكتشافه. لأول مرة، تناول الشهيد آية الله الصدر(ره) في كتاب اقتصادنا تعريف المذهب الاقتصادي بشكل مفصل وبيّن منهج اكتشاف أصول المذهب. بعده، تناول الاقتصاديون الإسلاميون تعريف المذهب ونقدوا ودرسوا آرائه في هذا الشأن، لكنهم ناقشوا منهج اكتشاف المذهب بشكل أقل. في المقالة الحالية، نبدأ بتبيين آراء الشهيد الصدر(ره) حول تعريف المذهب ونقدها، وبناءً على النقد، سنعرض النظرية المختارة في هذا الشأن، والفرضية التي نسعى لإثباتها هي كما يلي:
أ) المذهب الاقتصادي الإسلامي هو القواعد الثابتة التي تشكل أساس الفقه والأخلاق الاقتصادية، والتي تُستنبط من المصادر (الآيات، الأحاديث والعقل)، وقد وُضعت لتنظيم العلاقات الاقتصادية في ثلاثة مجالات: الإنتاج، التوزيع والاستهلاك، بهدف حل المشكلات وتحقيق الأهداف الاقتصادية.
ب) اكتشاف المذهب ممكن بثلاث طرق:
1. من خلال الأحكام الأخلاقية والفقهية المستنبطة من المجتهد كطبقة عليا عبر الاستدلال القطعي.
2. من خلال التعاليم الوجودية كأساس عبر الاستدلال التلوي.
3. من خلال النصوص التي صرحت بأصل معين.
المنهج في فهم آراء الشهيد الصدر(ره) والآخرين هو منهج تحليل النص، وفي النقد وتقديم الرأي هو منهج التحليل العقلي.
تعريف المذهب الاقتصادي الإسلامي من وجهة نظر الشهيد الصدر
الشهيد الصدر(ره) عرّف المذهب الاقتصادي في عدة مواضع بتعابير مختلفة:
1. المذهب الاقتصادي هو الطريقة التي يفضل المجتمع اتباعها في الحياة الاقتصادية وحل مشكلاتها العملية (صدر، 1408هـ، صص29 و377).
2. المذهب الاقتصادي هو مجموعة من النظريات الأساسية التي تحل مشكلات الحياة الاقتصادية (المرجع نفسه، ص384).
3. المذهب الاقتصادي يشمل كل قاعدة أساسية ترتبط بفكرة العدالة الاجتماعية (المرجع نفسه، ص381).
4. المذهب الاقتصادي هو طريقة تنظيم الحياة الاقتصادية [1].
رغم اختلاف تعابير الشهيد الصدر(ره)، إلا أنه بالنظر إلى الشروحات التي جاءت تحت هذه التعريفات وبعض الأدلة والمؤشرات الأخرى، وبنظرة تجمع بين التعابير السابقة، نصل إلى النتيجة التالية: من وجهة نظر الشهيد الصدر(ره) تعريف المذهب الاقتصادي هو: «المذهب الاقتصادي هو القواعد العامة لطريقة تنظيم الحياة الاقتصادية بهدف حل المشكلات الاقتصادية؛ قواعد ترتبط بمفهوم معين للعدالة الاجتماعية.»[2]
يقول الشهيد الصدر(ره) عن المذهب الاقتصادي الإسلامي: «المقصود بالاقتصاد الإسلامي هو المذهب الاقتصادي الإسلامي الذي يتجسد فيه المنهج الإسلامي لتنظيم الحياة الاقتصادية. وتجسد هذا المنهج في المذهب الاقتصادي الإسلامي بسبب الحماية الفكرية التي يمتلكها هذا المذهب والتي تدل عليه» (المرجع نفسه، ص31).
وفي كلام آخر يقول:
الفرق بين المذهب الاقتصادي في الإسلام وبقية المذاهب الاقتصادية التي درسناها هو في الإطار الديني العام؛ لأن الدين هو الإطار الذي يشمل جميع نظم الحياة في الإسلام؛ لذلك، عندما يدخل الإسلام في أي فرع من فروع الحياة، يمزج ذلك الفرع بالدين ويوجه ذلك الفرع من الحياة في إطار علاقة دينية بين الإنسان وخالقه وآخرته (المرجع نفسه، ص317).
من مجموع آرائه حول المذهب الاقتصادي والمذهب الاقتصادي الإسلامي يمكن استنباط هذا التعريف:
المذهب الاقتصادي الإسلامي هو أصول طريقة تنظيم الحياة الاقتصادية لحل المشكلات الاقتصادية من وجهة نظر الإسلام. يجب أن تكون هذه الأصول مرتبطة بمفهوم العدالة الاجتماعية من وجهة نظر الإسلام. تُكتشف هذه الأصول من المصادر الإسلامية ولها جزآن: ثابت ومتغير (میرمعزی، 1385، ص133-136).
القيدان الأخيران اللذان أُضيفا إلى تعريف المذهب الاقتصادي، هما لفصل المذهب الاقتصادي الإسلامي عن المذاهب الأخرى. يرى الشهيد الصدر(ره) أن المذاهب الاقتصادية جزء من مذهب كامل يشمل ميادين الحياة المختلفة. المذهب الاقتصادي الإسلامي، مثل غيره من المذاهب، هو جزء من المذهب العام الإسلامي (صدر، 1408هـ، ص330). وبناءً على ذلك، فإن المذهب العام الإسلامي من وجهة نظر الشهيد الصدر(ره) هو: «مبادئ طريقة تنظيم حياة الإنسان لحل المشكلات. هذه المبادئ مرتبطة بمفهوم العدالة الاجتماعية من وجهة نظر الإسلام وتُستكشف من المصادر الإسلامية، ولها قسمان: ثابت ومتغير».
نقد وجهة نظر الشهيد الصدر حول المذهب الاقتصادي
1. كما تقدم، يؤمن الشهيد الصدر(ره) بأن النقاشات المذهبية يجب أن تكون مرتبطة بمفهوم معين للعدالة الاجتماعية؛ بحيث إذا لم تكن القاعدة مرتبطة بالعدالة الاجتماعية، فلا تُعد من قواعد المذهب. في هذا الصدد، تظهر ثلاث ملاحظات:
أ) هذه الخاصية تخص المذهب الاقتصادي الإسلامي فقط وليس جميع المذاهب الاقتصادية؛ فمثلاً، في المذهب الرأسمالي المبني على أصالة الفرد، تُعد الحرية الفردية قيمة مركزية، والعدالة الاجتماعية مفهوم اعتباري ولا يعدو أن يكون نتيجة أداء الأفراد الأحرار في ميدان الاقتصاد بناءً على دافع المنفعة الشخصية. في المذهب الرأسمالي لا يمكن القول إن المذهب الاقتصادي يشمل فقط القواعد المرتبطة بالعدالة الاجتماعية؛ بل يجب اعتبار الحرية الاقتصادية معياراً لقواعد المذهب؛ ومع ذلك، بغض النظر عن الملاحظات التالية، في النظام الاقتصادي الإسلامي الذي يرى الشهيد الصدر(ره) أن نمو الإنتاج ليس الهدف الأساسي والنهائي، بل هو هدف وسيط وطريقي (المرجع نفسه، ص672-699)، والإنتاج مقيد بالتوزيع وشرط تحقيق قواعده (المرجع نفسه، ص677-679). هذا المعيار صحيح للنقاشات المذهبية.
ب) الأمن الاقتصادي في أبعاده الداخلية والخارجية يُطرح كهدف مستقل إلى جانب العدالة الاقتصادية. قد يكون فلسفة بعض القواعد المذهبية هي الأمن الاقتصادي، لا العدالة الاقتصادية؛ لذلك قد تكون قاعدة من قواعد تنظيم الحياة الاجتماعية مرتبطة بمفهوم معين للأمن وليس لها علاقة بالعدالة الاقتصادية. في هذه الحالة، لا يوجد سبب لعدم اعتبار هذه القواعد من قواعد المذهب.
قد يُقال إن الشهيد الصدر(ره) استخدم تعبير العدالة الاجتماعية، والعدالة الاجتماعية من وجهة نظره مفهوم عام يشمل الأمن أيضاً؛ لكن هذا غير صحيح؛ لأنه يرى العدالة الاجتماعية مرتبطة بتوزيع الثروة وقد صرح بذلك، ولا يقصد معناها العام؛ لذلك لتحقيقها يطرح طريقتي التكافل والتضامن الاجتماعي (المرجع نفسه، ص289-290).
ج) صحيح أن النمو الاقتصادي في الاقتصاد الإسلامي ليس هدفاً موازياً للعدالة الاقتصادية؛ لكنه هدف وسيط ومقبول ضمنها. لذلك، من الضروري أن تكون القواعد المرتبطة بالعدالة متوافقة تحليلياً مع النمو، وإن حدث تعارض في التطبيق العملي، فالعدالة تقدم.
النتيجة أنه من الأفضل بدلاً من اعتبار العدالة الاجتماعية حسب تعبير الشهيد الصدر(ره) أو العدالة الاقتصادية حسب التعبير الشائع معياراً للتمييز في النقاشات المذهبية، أن نأخذ أهداف النظام الاقتصادي معياراً، ونقول: «كل قاعدة من قواعد تنظيم الحياة الاقتصادية المرتبطة بأهداف النظام الاقتصادي تُعد من قواعد المذهب الاقتصادي».
2. يؤكد الشهيد الصدر(ره) أن المشكلات الاقتصادية ناشئة عن الظلم وجحود النعمة؛ ثم يفسر الظلم بسوء التوزيع، وجحود النعمة بضعف الاستغلال من الطبيعة. هذا التفسير لجحود النعمة يدل على أنه غفل عن مجال الاستهلاك في الاقتصاد؛ لذلك لم يُذكر في كتابه الاقتصادنا أي نقاش عن الاستهلاك وقواعده المذهبية. مع أن المثال الواضح لجحود النعمة هو سوء استهلاك النعمة، ومن أهم أسباب المشكلات الاقتصادية الترف، والإسراف، والتبذير. وفي الإسلام أحكام كثيرة لتنظيم الاستهلاك الصحيح وبيان الدوافع والحدود.
قد يُدافع عن الشهيد الصدر(ره) بأن نقاشات الاستهلاك لا علاقة لها بالعدالة الاجتماعية ولهذا لا تُناقش في المذهب الاقتصادي.
في الرد نقول: نفترض صحة ذلك وأن نقاشات الاستهلاك لا علاقة لها بالعدالة الاجتماعية؛ في هذه الحالة، الخطأ هو أن وجود قيد «الارتباط بفكرة العدالة الاجتماعية» في تعريف المذهب الاقتصادي الإسلامي غير صحيح؛ لأنه لا شك أن عدم الاستهلاك الصحيح أحد أسباب المشكلات الاقتصادية، ويجب على كل مذهب اقتصادي تقديم مبادئ لتنظيم الاستهلاك. بالإضافة إلى ذلك، الاستهلاك مرتبط بفكرة العدالة؛ لأن له أبعاداً إنسانية ويتأثر بدوافع الإنسان وأهدافه وتقييمه لهذا الفعل، ووفقاً لاعتقاد الشهيد الصدر(ره) تتشكل هذه الأمور بناءً على تصوره للعدالة الاجتماعية.
3. يؤكد الشهيد الصدر(ره) أن المذهب الاقتصادي الإسلامي له قسمان: ثابت ومتغير. القسم الثابت يملأه الشريعة، والقسم المتغير الذي يسميه منطقة الفراغ، يملأه الولي الفقيه في ضوء المبادئ الثابتة (المرجع نفسه، ص400-402).
مفهوم هذا القول هو أن المذهب الاقتصادي في الإسلام له قواعد ثابتة ومتغيرة؛ بينما القاعدة لا يمكن أن تكون متغيرة. ما يتغير بتغير ظروف الزمان ليس القواعد، بل تطبيق هذه القواعد. بعبارة أخرى، التغيير في الأحكام والعلاقات الاقتصادية ممكن؛ لكن التغيير في قواعد تنظيم الحياة الاقتصادية غير ممكن. ولهذا السبب، يطرح الشهيد الصدر(ره) نظرية منطقة الفراغ في مجال الأحكام؛ لا في القواعد العامة، ولا أي من القواعد التي يستخلصها كقاعدة دينية هي قاعدة متغيرة. وقد عرف العديد من الاقتصاديين الإسلاميين بعده المذهب على أنه مبادئ وأُسس ثابتة (للمثال انظر: شوقي الفنجرى، 1997م، ص30-43/ إبراهيم صالح، 1416ق، ص27/ نجار، 1424ق، ص46-47/ فتحي أحمد وعسال، 1413ق، ص15-18/ جنيدل، 1406ق، ج1، ص31-33).
4. اعتبر الشهيد الصدر(ره) المذهب الاقتصادي الإسلامي أساس الفقه الاقتصادي، ويستنبط مبادئ المذهب بطريقة خاصة من الأحكام الفقهية. في هذا الصدد، يُثار الاعتراض: لماذا لا تشمل مبادئ المذهب مبادئ أخلاقية مثل العدل أو الاعتدال؟ بعبارة أخرى، هل لا يمكن استنباط مبادئ من الأحكام الأخلاقية تدل على منهج حل المشكلات الاقتصادية من وجهة نظر الإسلام؟ يبدو أن الشهيد الصدر(ره) أغفل هذه النقطة التي مفادها أن دور الأخلاق في حل مشكلات البشر، إن لم يكن أكثر من الفقه، فهو لا يقل عنه. بناءً على ذلك، يجب القول إن المذهب الاقتصادي الإسلامي هو أساس الأحكام الفقهية والأخلاقية الاقتصادية في الإسلام، وكما يمكن الوصول إلى عدد من المبادئ من الأحكام الفقهية، يمكن أيضًا الوصول إلى هذه المبادئ من الأحكام الأخلاقية؛ مع ذلك، يعد الشهيد الصدر(ره) العناصر التي تمهد المذهب الاقتصادي من المعتقدات والمفاهيم الناشئة عنها والمشاعر والعواطف التي يسعى الإسلام لإثارتها في سبيل المفاهيم المذكورة (صدر، 1408هـ، ص309-310). وفي موضع آخر، يؤكد على صفة الغايات الأخلاقية للمذهب الاقتصادي الإسلامي (المرجع نفسه، ص305). ومع ذلك، لا يشير إلى دور الأحكام الأخلاقية كقاعدة عليا لمبادئ المذهب الاقتصادي.
آراء ما بعد الشهيد الصدر
بعد الشهيد الصدر(ره)، قبل بعض الاقتصاديين المسلمين تعريفه للمذهب الاقتصادي (مهلهل، 1424هـ، ص25-40/ صالح عوده، 1426هـ، ص11-19)، وقدم آخرون تعريفات مختلفة سنقوم بنقدها ومناقشتها:
عرف محمد عبد الله العربي الاقتصاد الإسلامي كمذهب قائلاً: «الاقتصاد الإسلامي هو مجموعة من المبادئ العامة التي نستخلصها من القرآن الكريم والسنة لبناء الاقتصاد وفقًا لظروف كل عصر على أساس هذه المبادئ العامة» (نقلًا عن جنیدل، 1406هـ، ج1، ص30).
وقال محمد شوقي الفنجرى في تعريف المذهب الاقتصادي الإسلامي:
هو مجموعة المبادئ الاقتصادية الإسلامية التي تؤخذ من نصوص القرآن الكريم والسنة الصريحة. هذه المبادئ هي مبادئ إلهية خالصة ولها أربع خصائص:
1. معصومة من الخطأ؛ لذلك لا يجوز الجدل أو الاختلاف بشأنها في أي حال.
2. ثابتة؛ بحيث لا يجوز أي تغيير أو تبديل فيها.
3. صالحة لكل زمان ومكان؛ بحيث تلتزم بها كل مجتمع إسلامي مهما كان مستوى تحوله الاقتصادي وأي شكل من أشكال الإنتاج.
4. عدد هذه المبادئ قليل وعام، وتتعلق بالحاجات الأساسية للمجتمع (شوقی الفنجری، 1997م، صص34 و 39).
يبدو أن تعريف شوقي الفنجرى هو شرح وتفصيل لتعريف العربي، وقد قبل هذا التعريف العديد من الاقتصاديين المسلمين، خاصة من أهل السنة (ر. ک به: سری، 1411هـ، ص23/ ابراهیم صالح، 1416هـ، ص31/ فتحی احمد و عسال، 1413هـ، ص15-18/ نجار، 1424هـ، ص46-47). وهناك الفروقات التالية بين تعريف الشهيد الصدر(ره) وتعريف العربي وشوقي الفنجرى:
1. في تعريف الشهيد الصدر(ره)، تُقيد المبادئ الدينية بالارتباط بالعدالة الاجتماعية؛ بينما في تعريف العربي وشوقي الفنجرى لا يوجد هذا القيد.
2. في تعريف الشهيد الصدر(ره)، تُقسم المبادئ الدينية إلى ثابتة ومتغيرة؛ بينما في تعريف العربي وشوقي الفنجرى لا يوجد هذا التقسيم.
3. من وجهة نظر الشهيد الصدر(ره)، هذه المبادئ هي أساس الأحكام الفقهية الاقتصادية؛ بينما تعريف العربي وشوقي الفنجرى لا يشير إلى هذه النقطة.
كما يقبل عبد الحميد محمود البعلي أصل تعريف شوقي الفنجرى للمذهب (بعلی، 1421هـ، ص22-23)؛ لكنه يرى أن المذهب يشمل جميع المبادئ والأحكام المستفادة من الآيات والسنة (المرجع نفسه، ص24).
التعريف المختار
يبدو أن الأحكام الفقهية الثابتة أو المتغيرة تدخل ضمن الفقه الاقتصادي، ولا ينبغي وضعها في مقابل المبادئ التي تُعتبر أساسًا، ومن هذه الناحية يواجه تعريف البعلي هذا الإشكال. بناءً على ما سبق من نقد تعريف الشهيد الصدر(ره) للمذهب الاقتصادي الإسلامي، فإن تقييد هذه المبادئ بالعدالة الاجتماعية غير صحيح، كما أن المبادئ الدينية لا يمكن أن تكون متغيرة؛ لذلك نتفق في هاتين الصفتين مع البعلي وشوقي الفنجرى. بالإضافة إلى ذلك، يعتبر الشهيد الصدر(ره) فقط القواعد التي تشكل أساس الأحكام الفقهية الإلزامية جزءًا من مبادئ المذهب؛ بينما يبدو أنه يجب أن تكون الأحكام الفقهية والأخلاقية الثابتة معًا مصدرًا لاكتشاف القواعد الدينية؛ ومن ثم نعرّف المذهب الاقتصادي كما يلي:
المذهب الاقتصادي الإسلامي هو مجموعة القواعد العامة والثابتة التي تُستنبط من المصادر (الآيات، الروايات والعقل) والتي تشكل الأساس للفقه والأخلاق الاقتصادية الإسلامية، وُوضعت لتنظيم العلاقات الاقتصادية في ثلاثة مجالات: الإنتاج، التوزيع والاستهلاك، بهدف حل المشكلات وتحقيق الأهداف الاقتصادية.
منهج اكتشاف المذهب الاقتصادي الإسلامي
الشهيد الصدر (رحمه الله) هو أول من ناقش بشكل مفصل وعميق منهج اكتشاف أصول المذهب الاقتصادي وقدم منهجًا محددًا. وبعده، لم يُناقش هذا المنهج كثيرًا من قبل الاقتصاديين، والمقالات المكتوبة في هذا المجال قليلة. في هذا البحث، سنشرح أولًا رأي الشهيد الصدر (رحمه الله)، ثم نقدمه مع رأي مختار في هذا الشأن.
نظرية الشهيد الصدر حول منهج اكتشاف المذهب الاقتصادي
يُفصل رأيه في كتاب اقتصادنا تحت عنوان «عملية اكتشاف المذهب» مع ذكر الأمثلة والأدلة (صدر، 1408ق، ص357–407). يمكن تلخيص نظريته في النقاط التالية:
1. العلاقة بين المذهب، القانون المدني والنظام المالي
من وجهة نظره، المذهب هو «مجموعة من النظريات الأساسية لحل مشكلات الحياة الاقتصادية»، والقانون المدني هو «القانون الذي ينظم تفاصيل العلاقة المالية بين الأفراد وحقوقهم الشخصية والعينية». أما النظام المالي، الذي يُشار إليه أحيانًا بالمالية العامة، فهو «يبيّن تفاصيل المسائل المالية للدولة والعلاقة المالية بين الدولة والشعب» (المرجع نفسه، صص365–369 و 373-375).
من هذه التعريفات يتضح أن المذهب الاقتصادي يختلف عن القانون المدني والنظام المالي. فالمذهب يشمل النظريات الأساسية والعامة، بينما القانون المدني والنظام المالي يتضمنان القوانين التفصيلية. ومع ذلك، هناك علاقة وثيقة بين هذه الأمور، بحيث يكون المذهب هو الأساس للقانون المدني والنظام المالي، وهو عامل مهم في تحديد الاتجاه العام للقوانين. وهذه العلاقة وثيقة إلى حد يمكن من خلالها، بالرجوع إلى قوانين الدولة، اكتشاف المذهب الاقتصادي الذي يقوم عليها.
2. عمليات الاكتشاف والتكوين
في الإسلام، واضع الأساس (أصول المذهب) والهيكل العلوي (القوانين المدنية والمالية) هو الله تعالى، ومهمة الباحث الإسلامي هي اكتشاف الأصول التي جعلها الله تعالى أساس تشريعه. أما في المذاهب البشرية، فالإنسان هو واضع الأساس والهيكل العلوي، وبشكل طبيعي يضع أولًا الأسس، ثم يشرع القوانين بناءً عليها (المرجع نفسه، ص369-372).
لذلك، هناك فرق جوهري بين الباحث الذي يريد دراسة المذهب الاقتصادي الإسلامي والباحثين الذين يريدون تأسيس مذهب اقتصادي بشري:
الباحث الإسلامي يواجه أصولًا وقوانين اقتصادية مكتملة أُشرعت منذ قرون طويلة على يد الله تعالى وأُبلغت للناس. وهو ملزم بإزالة غبار التاريخ عن هذه القوانين، والتغلب على الفجوة الزمنية الطويلة بين ذلك الزمن والآن، وتشخيص الأخطاء التي حدثت في تطبيق هذه القوانين وتنقيتها من تأثيرات الثقافات غير الإسلامية، ليصل إلى القوانين التي شرعها الله تعالى ويكتشف المذهب الاقتصادي الإسلامي من خلالها. بينما المفكر الذي يريد ابتكار مذهب رأسمالي أو اشتراكي لا يجد نفسه أمام قوانين مسبقة مكتملة، لذا يبدأ مباشرة بتكوين أصول المذهب ويشرع القوانين بناءً عليها.
3. طرق اكتشاف أصول المذهب
من وجهة نظر الشهيد الصدر، هناك طريقتان لاكتشاف أصول المذهب:
1. من خلال النصوص؛ [3]
2. من خلال الأحكام (الهيكل العلوي).
وبما أن القانون المدني والنظام المالي هما بمثابة الهيكل العلوي للمذهب الاقتصادي، فإنه يمكن من خلال تجميع هذه الأحكام والنظر إليها بشكل كلي، وأخذ كل حكم كجزء من كل مترابط منسجم إلى قاعدة عامة للمذهب التي تشكل أساس هذه الأحكام والقوانين، الوصول إلى هذه القاعدة. على سبيل المثال، يجب دراسة منع الربا في عقد القرض، وحلّية الدخل الناتج عن إيجار أدوات الإنتاج في عقد الإيجار، ومنع المستأجر من تملك المادة الطبيعية التي يستأجرها، وأحكام مماثلة، بعد التأكد من صحتها الشرعية، كمجموعة من الأحكام المترابطة لاستخلاص القاعدة الإسلامية لتوزيع الثروة، ومقارنتها مع المذاهب الأخرى مثل الاشتراكية والرأسمالية (المرجع نفسه، ص376).
ويعتقد أن المفاهيم تلعب أيضًا دورًا في عملية اكتشاف المذهب من الأحكام. والمقصود بالمفهوم هو كل اعتقاد أو تصور إسلامي يفسر حقيقة تكوينية، اجتماعية أو تشريعية؛ على سبيل المثال، الإيمان بارتباط عالم الوجود بالله تعالى (نساء: 126) هو تفسير للمفهوم الإسلامي لعالم الوجود، والإيمان بأن المجتمع البشري يمر قبل أن يصل إلى مرحلة سيطرة العقل بمرحلة الفطرة والغريزة (بقره: 213/ یونس: 19) هو تفسير للمفهوم الإسلامي للمجتمع، والإيمان بأن الملكية ليست حقًا ذاتيًا، بل هي استخلاف ونيابة، هو تفسير خاص للتصور الإسلامي حول ملكية المال. فالمال في المفهوم الإسلامي هو مال الله تعالى، والله تعالى يجعل الأفراد خلفاء له في هذه الأموال، ويُعبّر عن هذا الاستخلاف في التشريع والقانون بالملكية.
هذه المفاهيم تُهيئ ذهننا الإسلامي للفهم الصحيح للنصوص الشرعية والتغلب على المشكلات التي تعترض هذا الطريق؛ فمثلاً، مفهوم الملكية الخاصة من وجهة نظر الإسلام هو أن الله تعالى جعل الأفراد خلفاء له في المال والثروة في الطبيعة، وتشريع الملكية الخاصة هو طريقة لكي يتمكن الفرد من تحقيق مقتضيات هذا الخلافة. وهذه المقتضيات هي زيادة المال والحفاظ عليه وإنفاقه في سبيل مصلحة الإنسان. الملكية الخاصة بهذا المعنى تهيئ الأرضية الذهنية لفهم النصوص التي تقيد الملكية الخاصة بمقياس المصالح الاجتماعية (المرجع نفسه، ص376-380).
4. الاجتهاد وخطر تدخل الخصائص الذاتية للمجتهد فيه
ثم يكتب الشهيد الصدر عن طريقة اكتشاف المذهب من خلال الاجتهاد:
بناءً على ما ذُكر، يُكتشف المذهب الاقتصادي في الإسلام من الأحكام والمفاهيم. وهذه الأحكام والمفاهيم تُستمد من الآيات والروايات التي تدل على هذين الأمرين. في البداية يبدو أن واجبنا هو تجميع نصوص القرآن الكريم والسنة بهدف استنباط أصول المذهب الاقتصادي، وفي النهاية اكتشاف هذه الأصول؛ لكن اكتشاف أصول المذهب ليس فهماً بسيطاً، لأن المفاهيم والأحكام يجب أن تُستخلص من النصوص التي غالباً ما لا يكون مضمونها صريحاً وواضحاً، بل في معظم النصوص يكون المضمون خفياً أو متعدد الأوجه وغير مترابط؛ لذلك فإن فهم النص واكتشاف الأصل المذهبي الذي يُعد أساساً لعدد من النصوص يحتاج إلى اجتهاد معقد؛ ومن ثم، من الضروري أن نكشف عن حقيقة المذهب الاقتصادي في الإسلام ونُنبّه إلى المخاطر التي تواجه اكتشاف المذهب؛ لكن الحقيقة هي أن الصورة التي نرسمها للمذهب الاقتصادي هي نتيجة اجتهاد خاص في فهم النصوص وجمعها وترتيبها وتنظيمها، وبما أن الاجتهاد قابل للخطأ، فقد لا تكون الصورة التي تُستخلص للمذهب هي الصورة الحقيقية الكاملة للمذهب؛ لذلك قد يرسم المفكرون الإسلاميون صوراً متعددة للمذهب بناءً على الاجتهادات المختلفة التي لديهم. كل هذه الصور تُعتبر صوراً شرعية للمذهب الاقتصادي الإسلامي؛ لأنها جميعاً نُقلت عبر اجتهاد أقره الإسلام ووضع قواعده وأساليبه؛ لكن الخطر الذي يواجه طريقة اكتشاف المذهب والذي يجب على المجتهد أن يحذر منه قدر الإمكان هو أن يفرض على النص أثناء الاكتشاف والفهم شيئاً من نفسه بدلاً من أن يتبع دلالة النص. وأهم مصادر هذا الخطر هي: أ) تبرير واقع فاسد بواسطة النص؛ ب) إدراج النص ضمن إطار فكري غير إسلامي؛ ج) تجريد النص من ظروفه وشروطه؛ د) اتخاذ موقف مسبق تجاه النص.
ثم يشرح الشهيد الصدر(ره) كل واحد من هذه المصادر (المرجع نفسه، ص402-404).
بعد ذلك يستنتج الشهيد الصدر أن للمذهب الاقتصادي في الإسلام صوراً متعددة بعدد اجتهادات المجتهدين المختلفين. كل هذه الصور طالما كانت مستندة إلى طريقة اجتهاد صحيحة وموثوقة فهي صور شرعية وإسلامية؛ ومن ثم ازداد رصيدنا في الاقتصاد الإسلامي وظهرت إمكانية اختيار أقوى العناصر لحل مشكلات الحياة وتحقيق الأهداف العليا الإسلامية من هذه الصور في كل زمان ومكان. في هذا الاختيار يمكن للمحقق أن يمارس حريته في الرأي؛ لكن هذه الحرية في الاختيار ضمن إطار الاجتهادات المختلفة وليست حرية مطلقة (المرجع نفسه، ص415-416).
ومن هذا الكلام يُستفاد أن الشخص المكلف بتنفيذ المذهب (ولي الأمر) يمكنه من بين الصور المختلفة للمذهب التي رسمها المجتهدون اختيار أفضل العناصر لحل المشكلات الاقتصادية وتحقيق الأهداف الإسلامية؛ بل يمكنه أن يختار بين اجتهاداته واجتهادات الآخرين. بهذا الكلام يفرق بين مقام الاستنباط ومقام التنفيذ للمذهب. في مقام الاستنباط لكل مجتهد استنباطه الخاص للمذهب؛ أما في مقام التنفيذ فإن ولي الأمر يمكنه أن يختار بين الاجتهادات المختلفة ويختار العناصر الأكثر فاعلية مع مراعاة خصائص الزمان والمكان من بين الاجتهادات المختلفة؛ لأن من جهة في كل هذه الاجتهادات، حتى اجتهاداته الخاصة، احتمال الخطأ قائم ولا يمكن اليقين بأنها مطابقة للمذهب الاقتصادي الموجود في اللوح المحفوظ. ومن جهة أخرى، بما أن جميعها مستندة إلى طريقة اجتهاد موثوقة فهي جميعاً صور إسلامية، والعقل يقتضي اختيار الصورة الأكثر كفاءة في مرحلة التنفيذ.
ثم يتقدم خطوة أخرى ويقول إنه حتى في مقام الاكتشاف والاستنباط للمذهب الاقتصادي لا بد من الاختيار بين الاجتهادات المختلفة في الشريعة؛ لأن في بعض الحالات لا يكون اكتشاف النظرية الإسلامية والقواعد المذهبية الاقتصادية بصورة كاملة وشاملة ومنسجمة مع البناء التفصيلي التشريعي والفروع الفقهية إلا إذا جاز الاختيار بين الاجتهادات المختلفة؛ (المرجع نفسه، ص418-419) ثم يدعم ادعاءه بهذا الاستدلال:
من مجموع الأحكام التي توجد في الكتب الفقهية، أقل من خمسة في المئة منها قطعي. والسبب في ذلك واضح؛ لأن الأحكام الشرعية تُستمد من الكتاب والسنة، ونستفيد في ذلك إلا من الآيات القرآنية الكريمة وقلة من الروايات المتواترة واليقينية من الخبر الواحد التي نقلها أحد المحدثين. وكلما دققنا في الراوي وصدقه وأمانته، لا يمكننا أن نيقن من صحة الرواية؛ لأننا من جهة لا نتحقق من أمانة الرواة بشكل مباشر، بل نتحقق منها عبر النقل التاريخي. ومن جهة أخرى، حتى الراوي الأمين قد يخطئ أحيانًا وينقل لنا نصًا محرفًا. خصوصًا في الحالات التي يُنقل فيها النص الشرعي بعد أن يكون بين عدد من الرواة، ومن راوٍ إلى آخر حتى يصل إلينا، حيث يزداد احتمال الخطأ وعدم صحة النص الذي وصلنا.
حتى إذا تحققنا من صحة النص وصدوره عن النبي الأكرم(ص) والأئمة المعصومين(ع)، فإننا قد فهمناه في ظرفنا الذي نعيش فيه، ولا يمكننا إدراك البيئة والظروف التي صدر فيها النص والتي قد تؤثر في فهمه. وفي تعارض نص مع نصوص شرعية أخرى، قد نخطئ في الجمع بين النصوص أو في تقديم نص على آخر، فنقدم نصًا ليس في الحقيقة مقدمًا. وأحيانًا يكون للنص استثناء أو تخصيص لم يصلنا؛ لذلك نحكم بناءً على النص الأول، مع أننا غافلون عن الاستثناء أو التخصيص.
لذلك، الاجتهاد عمل معقد يواجه شكوكًا، ونتيجته مهما كانت راجحة عند المجتهد، لا يمكن للمجتهد أن يتيقن منها؛ وهذا لا يعني عدم اعتبار الاجتهاد، لأن الإسلام رغم هذه الاحتمالات أجاز الاجتهاد، وضمن القواعد التي تُبحث في أصول الفقه حدًا يجوز للمجتهد أن يثق في ظنه، وإذا وثق المجتهد في ظنه ضمن هذه الحدود، سواء أخطأ في تشخيصه أو أصاب، فلا إثم عليه.
وعلى هذا الأساس، يبدو منطقيًا أن يكون عدد من فتاوى كل مجتهد خاطئًا ومخالفًا للشريعة الحقيقية، وأن تتوزع الأحكام الحقيقية للشريعة بين هذا المجتهد وذاك، بحيث يصيب مجتهد في فتوى ويخطئ في أخرى، ويكون العكس مع مجتهد آخر.
وبهذا الوضع الذي رسمناه عن الاجتهاد في الأحكام، نريد أن نصل من مجموع الأحكام التي حصلنا عليها بالاجتهاد الظني إلى نظريات الإسلام في المذهب الاقتصادي الإسلامي؛ فالسؤال المطروح: هل يجب بالضرورة أن يعكس مجموع الأحكام التي اجتهد بها مجتهد من النصوص الإسلامية مذهبًا كاملاً ومنسجمًا؟ الجواب: لا، لأن احتمال الخطأ في الاجتهاد موجود، وقد يكون المجتهد قد أدخل حكمًا غير موجود في الشريعة الحقيقية، أو لم يصل إلى حكم موجود في الشريعة؛ ونتيجة لذلك قد لا يكون مجموع الأحكام التي توصل إليها منسجمًا، ولا يمكن من هذا المجموع الوصول إلى مذهب اقتصادي منسجم.
وعلى هذا الأساس، يفرق الشهيد الصدر(ره) بين الشريعة الحقيقية للإسلام التي جاء بها النبي الأكرم(ص) وبين الشريعة التي استنبطت من النصوص بالاجتهاد، ويعتقد أن الشريعة الحقيقية للإسلام قائمة على أصول مذهبية شاملة وكاملة ومنسجمة، أما الشريعة المستنبطة بواسطة المجتهد فقد لا تكون قائمة على أصول مذهبية متوافقة.
لذلك يواجه المجتهد في عملية اكتشاف المذهب مشكلة، وهي وجود تناقض بين اجتهاداته في مقام استنباط الأحكام واجتهاداته في مقام استنباط المذهب الاقتصادي من تلك الأحكام المستنبطة (المرجع نفسه، ص419-421).
وقد أضاف الشهيد الصدر(ره) في هذا الشأن توضيحات أكثر وكتب:
المجتهد الذي يواجه هذا التناقض لديه أحد التفسيرين التاليين:
1. بعض النصوص التي استخدمها في كشف الأحكام المتعارضة ليست صحيحة، ولذلك الحكم الذي لا يتوافق مع بقية أحكامه المستنبطة خطأ.
2. التناقض الذي يشعر به بين مجموعة الأحكام سطحي، ولم يفهم سر وحدة الأحكام بشكل صحيح.
طالما أن الاحتمال الثاني قائم، لا يمكنه أن يصل إلى نتيجة أن حكمًا استنبطه من النصوص المتاحة له بالاجتهاد هو خطأ. وعلى هذا الأساس، لا يملك هذا المجتهد في كشف المذهب سوى أن يترك الأحكام المتعارضة في اجتهاداته ويستبدلها بأحكام متوافقة في اجتهادات مجتهدين آخرين.
وفي هذه الحالة، قد يكون هذا المجموع من الأحكام الذي أخذت منه العناصر المتعارضة من اجتهادات مجتهدين آخرين هو الشريعة الحقيقية للإسلام، واحتمال أن يتطابق هذا المجموع مع حقيقة شريعة الإسلام لا يقل عن احتمال تطابق أي مجموعة أخرى متوافقة من الأحكام مع حقيقة شريعة الإسلام. والاستشهاد بهذا المجموع في كشف المذهب له إذن شرعي أيضًا، لأن جميع أحكامه قد حصل عليها بطريقة اجتهادية معتبرة(المرجع نفسه، ص421-423).
به هذا النحو يبدو أن الشهيد صدر(ره) كان يرى أن طريق اكتشاف المذهب الاقتصادي الإسلامي الكامل، الشامل والمتماسك من مجموع الأحكام التي يستنبطها المجتهد مسدود، ومع افتراض سدّ باب مثل هذا الطريق، يقترح طريقة اختيار العناصر المتوافقة من بين اجتهادات مجتهدين آخرين.
5. الخلط بين النصوص التشريعية النظرية والتطبيقية
في ختام هذا النقاش، بيّن الشهيد صدر(ره) الفرق بين النصوص التشريعية النظرية والتطبيقية، وشرح كيفية استخدام النصوص التطبيقية لاكتشاف المذهب، مشيرًا إلى أنه لا ينبغي خلط هذين النوعين من النصوص في عملية اكتشاف المذهب. خلاصة رأيه أن المذهب الاقتصادي الإسلامي دخل في الحياة الاجتماعية في عصر النبوة، وأن النبي الأكرم(ص) طبق هذا المذهب على العلاقات الاقتصادية القائمة بين أفراد المجتمع الإسلامي في ذلك الوقت. بناءً على ذلك، نحن أمام نوعين من النصوص التشريعية: النصوص التشريعية النظرية التي صدرت دون اعتبار لخصائص ظرف المكان والزمان، والنصوص التشريعية التطبيقية التي صدرت في مقام تطبيق المذهب على مجتمع عصر النبي الأكرم(ص) ومقيدة بخصائص ذلك العصر. يمكن استخدام كلا النوعين من النصوص لاكتشاف المذهب الاقتصادي؛ لكن النصوص التشريعية النظرية أكثر قدرة على تقديم صورة المذهب مقارنة بالنصوص التطبيقية؛ لأن النصوص التطبيقية هي نصوص تشريعية في ظرف معين من المجتمع ومقيدة بخصائص زمانية ومكانية وغيرها من خصائص ذلك المجتمع، والمضمون التشريعي الخالص وغير المقيد بظروف الزمان والمكان مخفي فيها، أما النصوص النظرية فليست كذلك. لاستخدام النصوص التشريعية التطبيقية لاكتشاف المذهب الاقتصادي الإسلامي يجب فصلها عن ظرفها التاريخي للوصول إلى مضمونها التشريعي النظري وغير التاريخي.
وينبه إلى أنه أحيانًا يُخلط بين هذين النوعين من النصوص، فيُعتبر النصوص التشريعية التطبيقية المقيدة بالظرف التاريخي كنصوص تشريعية نظرية، ويُستخدم منها لاكتشاف المذهب دون اعتبار للظرف التاريخي، وهذا يؤدي إلى استنتاجات خاطئة حول المذهب الاقتصادي الإسلامي. وقد ذكر في هذا الصدد أمثلة متعددة لا حاجة لذكرها هنا.
نقد نظرية الشهيد صدر
نظرية الشهيد صدر(ره) حول طريقة اكتشاف أصول المذهب الاقتصادي الإسلامي هي نظرية كاملة، عميقة ومدروسة، وتدل على تمكّنه من المصادر الإسلامية وعبقريته، ويبدو أنها فتحت الطريق بشكل واسع للباحثين اللاحقين من خلال توضيح العديد من مشكلات هذه الطريقة. ومع ذلك، فإن كل نظرية علمية تتكامل عبر النقد، وللأسف فإن نظرية الشهيد صدر(ره) حول طريقة اكتشاف المذهب لم تُنتقد كثيرًا. فيما يلي نعرض ملاحظاتنا تباعًا على النقاط التي نقلت عنه:
1. الأحكام الأخلاقية كأساس لأصول المذهب
أحد الانتقادات الموجهة إليه، والتي قُدمت سابقًا، هو أن أصول المذهب هي أساس الفقه والأخلاق؛ ومن ثم يمكن اعتبار الأحكام الأخلاقية أيضًا كأساس لاكتشاف بعض أصول المذهب؛ فمثلاً، مبدأ العدل يمكن أن يكون أحد أصول المذهب الاقتصادي الذي يشكل أساس الأحكام الأخلاقية الاجتماعية في الإسلام، أو مبدأ الاعتدال في استخدام الأموال والطبيعة يمكن اعتباره أساسًا للأحكام الأخلاقية في استخدام هذه الأمور.
قد يُقال إن الشهيد صدر(ره) مثل كثير من العلماء يعتبر موضوع الأخلاق الصفات وموضوع الفقه الأفعال، والفقه يشمل الأحكام الإلزامية وغير الإلزامية، ويمكن استنباط الأصول القابلة للاستخلاص من الأخلاق من القسم غير الإلزامي من الفقه؛ لكن هذا الدفاع غير صحيح، لأن الشهيد صدر(ره) اعتبر القسم غير الإلزامي من الفقه جزءًا من منطقة الفراغ، ولا يمكن طرح هذا القسم كأساس لأصول المذهب. والدليل على ذلك أن الشهيد صدر(ره) لم يستشهد في أي موضع من كتاب اقتصادنا بالأحكام الاستحبابية كأساس.
2. اكتشاف المذهب عبر المبادئ البينية
ذكر الشهيد صدر(ره) طريقتين لاكتشاف أصول المذهب: أ) من طريق النصوص التي تصرح بالأصل المذهبي. ب) من طريق النصوص التشريعية التي تعبّر عن الأحكام المدنية والمالية (الأساس)، واعتبر المفاهيم التي تتضمن تفسير الإسلام للواقع التكويني، الاجتماعي أو التشريعي، تمهيدًا لفهم صحيح لأحكام الأساس.
ظاهرًا، مقصوده من المفاهيم هو ذاتها المبادئ البينية؛ مع أن النصوص البينية الإسلامية التي تشمل نصوص التوحيد، الإنسان، الكون، المجتمع والقيم، ليست فقط تمهيدًا لفهم النصوص التشريعية بشكل صحيح، بل يمكن أن تكون مصدرًا جيدًا لاكتشاف أصول المذهب؛ لأن أصول المذهب هي أساس الأحكام المدنية والمالية والأخلاقية، وأصول الوجود أيضًا هي أساس أصول المذهب؛ ومن ثم، كما يمكن بالاستدلال بـ «إنّي» استنتاج أصول المذهب من أحكام الأساس، يمكن أيضًا بالاستدلال بـ «لمّي» الاستدلال على أصول المذهب من الأصول الوجودية.
على سبيل المثال، من هذه الأصول الوجودية التي تفيد أن الله تعالى مالك كل شيء، والإنسان خليفته ووكيله في الأموال والموارد، وأن الأموال في يد الإنسان أمانة إلهية، يمكن بالبرهان العقلي اللمّي استنتاج هذا الأصل المذهبي بأن الملكية الخاصة في الإسلام هي امتداد لملكية الله تعالى ومحدودة بالحدود التي يحددها الله تعالى.
ومن المبادئ البينية التالية يمكن أيضًا استنتاج الأصل المذهبي للحرية الاقتصادية في إطار الشريعة:
1. الله تعالى مالك كل شيء ومن ضمنه وجود الإنسان وجميع الأموال والحقوق التي تخصه. وهذه الملكية تكوينية. فالإنسان خليفة الله تعالى في الأرض، وكل شيء في يده أمانة إلهية.
2. الهدف من خلق الإنسان هو كماله وبلوغه مقام العبودية الرفيع لله تعالى.
3. العقل لا يستطيع إدراك الأبعاد المجردة والآخرة لطريق السعادة، ولهذا هناك حاجة إلى الوحي.
وبناءً على ذلك، بما أن مالك كل شيء هو الله تعالى، والإنسان مجرد أمين وخليفة له، فلا بد له من طاعة الله تعالى ومن أمره، وبما أن الله تعالى خلقه بهدف بلوغ مقام العبودية، فلا بد له من السير في هذا الهدف، وأن يفعل كل ما هو لازم وجيد لتحقيق هذا الهدف، ويجتنب كل ما هو سيء ليبلغ سعادة الدنيا والآخرة (مقام العبودية). وبما أن العقل غير كافٍ لتحديد طريق السعادة، فقد تم بيان هذا الطريق في إطار الشريعة الإسلامية بواسطة الوحي؛ لذلك الناس أحرارون في إطار الشريعة.
3. الاجتهاد وأشكال المذهب المتعددة
يعتقد الشهيد صدر(ره) أن المذهب الاقتصادي للإسلام في مقام الثبوت هو مذهب واحد؛ ولكن في مقام استنباط هذه المبادئ من الأحكام الأخلاقية والفقهية، لا بد من استخدام الاجتهاد مرتين بشكل طولي:
أ) الاجتهاد في استنباط الأحكام من المصادر (الاجتهاد من الدرجة الأولى)؛
ب) الاجتهاد في استنباط المبادئ من الأحكام (الاجتهاد من الدرجة الثانية).
وقد توصل في البداية إلى نتيجة مفادها أن المجتهدين يختلفون في أكثر من 95% من الأحكام، ولهذا السبب فإن المذهب الاقتصادي المستنبط من الأحكام متعدد (المرجع نفسه، ص417).
وهذا في حين أن معظم المبادئ التي توصل إليها الشهيد صدر(ره) في كتاب اقتصادنا كمبادئ للمذهب الاقتصادي الإسلامي هي محل وفاق ولا خلاف فيها؛ مثل المبادئ كملكية مختلطة، والحرية ضمن إطار محدود، ومبدأ أن العمل الاقتصادي المفيد هو مصدر الملكية أو نشوء الحق في الثروات الطبيعية، ومبدأ ثبات الملكية؛ لذلك إذا قبلنا أن الفقهاء يختلفون في 95% من الأحكام في الاجتهاد من الدرجة الأولى، فإنهم في الاجتهاد من الدرجة الثانية يتفقون في معظم مبادئ المذهب، ويقتصر الخلاف على حالات محدودة.
4. استحالة الوصول إلى المذهب من طريق اجتهاد مجتهد واحد
ثم أوضح في المرحلة التالية أنه لا يمكن من اجتهاد مجتهد واحد الوصول إلى مبادئ مذهبية متماسكة. فهو يعتقد أن الشريعة الحقيقية للإسلام مبنية على مبادئ مذهبية شاملة وكاملة ومتناسقة؛ ولكن الشريعة المستنبطة بواسطة مجتهد واحد من المستحيل أن تكون مبنية على مبادئ مذهبية متوافقة، لأن احتمال الخطأ في الاجتهاد موجود، وقد يكون المجتهد قد أدخل حكماً غير موجود في الشريعة الحقيقية، أو لم يصل إلى حكم موجود في الشريعة؛ ونتيجة لذلك قد لا يكون مجموع الأحكام التي توصل إليها متماسكاً، ولا يمكن من هذا المجموع الوصول إلى مذهب اقتصادي متماسك. ولهذا يواجه المجتهد في عملية اكتشاف المذهب مشكلة، وهي وجود تناقض بين اجتهاداته في مقام استنباط الأحكام (الاجتهاد الأول) واجتهاداته في مقام استنباط المذهب الاقتصادي من تلك الأحكام المستنبطة (الاجتهاد الثاني).
المجتهد الذي يواجه هذا التناقض يفسره بأحد التفسيرين التاليين:
1. بعض النصوص التي استخدمها في كشف الأحكام غير متسقة، والحكم الذي لا يتوافق مع بقية الأحكام المستنبطة منه خاطئ.
2. التناقض الذي يشعر به بين مجموعة الأحكام سطحي، ولم يفهم سر وحدة الأحكام بشكل صحيح.
طالما أن الاحتمال الثاني قائم، لا يمكنه أن يصل إلى نتيجة أن الحكم الذي توصل إليه من النصوص المتاحة له بالاجتهاد خاطئ. بناءً على ذلك، لا يملك مثل هذا المجتهد في كشف المذهب سوى أن يزيل الأحكام غير المتوافقة في اجتهاداته، ويستبدلها بأحكام متوافقة من اجتهادات مجتهدين آخرين.
وفي هذه الحالة، قد يكون هذا المجموع من الأحكام الذي أخذت فيه العناصر غير المتوافقة من اجتهادات مجتهدين آخرين هو الشريعة الإسلامية الحقيقية، واحتمال تطابق هذا المجموع مع حقيقة الشريعة الإسلامية لا يقل عن احتمال تطابق أي مجموعة متوافقة أخرى من الأحكام مع حقيقة الشريعة الإسلامية. والاستشهاد بهذا المجموع في كشف المذهب له إذن شرعي، لأن جميع أحكامه قد تم التوصل إليها بطريقة الاجتهاد المعتبرة. ولكن هناك اعتراضان على هذا الأمر:
1. إذا قبلنا وجود هذا التناقض بين الاجتهاد الأول والثاني لمجتهد واحد، فإن الحل الذي قدمه الشهيد صدر(ره) لا يحل المشكلة بشكل حقيقي، بل يزيل فقط صورة المشكلة. فالمجتهد في الاجتهاد الثاني يستنبط الأصل المذهبي بناءً على غالبية الأحكام التي ينبثق منها هذا الأصل، وإضافة الفتاوى المتوافقة مع هذا الأصل من مجتهدين آخرين إلى فتاواه لا تدخل في عملية الكشف، ولا تعدو أن تكون مجرد تعديل لصورة القضية؛ بل إن تعديل صورة القضية يخلق مشكلة مهمة أخرى، وهي عدم حجية استنباط الأصل من فتاوى مجتهدين مختلفين. فالمجتهد يفضل الاحتمال الأول، ولكي يمحو صورة التناقض بين بعض الأحكام المستنبطة في الاجتهاد الأول وأصل مذهبي مستنبط في الاجتهاد الثاني، يستخدم فتاوى متوافقة من مجتهدين آخرين.
٢. من الجدير بالتأمل هل في نص الشريعة ومقام ثبوت الأصل المذهبي الأساس لجميع الأحكام ارتباط بهذا الأصل؛ على سبيل المثال، هل في نص الشريعة جميع الأحكام المتعلقة بتحصيل الدخل مبنية على هذا الأصل الذي ينص على أن العمل هو مصدر الدخل، وهل لا وجود لأي استثناء في نص الشريعة أو لا ينبغي أن يكون؟ وما الدليل على ذلك؟
يبدو أنه لا يوجد دليل على ذلك. بل هناك دليل على العكس؛ لأن الحكم المخالف لأصل قد يكون مبنياً على أصل آخر أهم، وقد شرّع الشارع المقدس الحكم بناءً على الأصل الأهم. بناءً على ذلك، فإن تعارض الأصول المذهبية مثل تعارض المصالح في مرحلة الثبوت يجعل الشارع يؤسس الأحكام على الأصول الأهم، وفي مرحلة الإثبات يرى المجتهد أن الحكم المبني على الأصل الأهم مخالف لأصل مهم.
وعليه، لا يشترط في الاجتهاد الثاني أن يكون الأصل المذهبي أساس جميع الأحكام في الاجتهاد الأول؛ بل يكفي أن يكون أساس معظم الأحكام في الاجتهاد الأول، ولا حاجة لضم الفتاوى الموافقة للأصل عند مجتهدين آخرين. بناءً على ذلك، عندما يواجه المجتهد بعض الأحكام المتعارضة مع الأصل المذهبي المستنبط من معظم الأحكام، يجب أن يضع ثلاثة احتمالات:
١. المجتهد في الاجتهاد الأول والثاني استنبط بشكل صحيح؛ أي أن الأصل المذهبي من معظم الأحكام هو نفس الأصل المذهبي الإسلامي المستنبط من نص الشريعة، وكذلك الأحكام القليلة التي استنبطها في الاجتهاد الأول والمتعارضة مع هذا الأصل استنبطها بشكل صحيح. وسبب تعارض هذه الأحكام المحدودة هو أصول مذهبية أخرى تتعارض مع هذا الأصل.
٢. المجتهد أخطأ في الاجتهاد الأول بالنسبة لبعض الأحكام التي تتعارض مع الأصل المذهبي المستنبط.
٣. المجتهد أخطأ في الاجتهاد الثاني، أي في استنباط الأصل من معظم الأحكام التي توصل إليها في الاجتهاد الأول؛ مع أن هذا الاحتمال ضعيف جداً؛ لأن الفرض هو أن عددًا كبيرًا من الأحكام متوافقة مع الأصل، وعدد قليل فقط غير ذلك، ومن غير المحتمل أن يكون المجتهد أخطأ في استنباط معظم الأحكام في الاجتهاد الأول.
مع وجود الاحتمال الأول، لا يحصل المجتهد على علم إجمالي بصحة أحد الاحتمالين الآخرين، وبما أنه يفترض أنه التزم بقواعد الاجتهاد في الاجتهادين الأول والثاني، فلا يمكنه التخلي عن أي منهما، وعليه يجب أن يحكم بصحة كلا الاجتهادين.
هذا في حال كان الاحتمال الثالث جديراً بالاعتبار؛ أما إذا كان عدد الأحكام المتوافقة مع الأصل كبيرًا إلى درجة تجعل احتمال خطأ المجتهد في استنباط هذا العدد من الأحكام غير ذي اعتبار أو مستبعدًا، في هذه الحالة يطمئن المجتهد إلى صحة الأصل الذي توصل إليه في الاجتهاد الثاني، ويضع احتمالين بالنسبة لعدد قليل جدًا من الأحكام المخالفة لهذا الأصل:
أ) أنه أخطأ في استنباط الحكم في هذه الاستثناءات.
ب) أنه لم يخطئ في استنباط الحكم في هذه الاستثناءات، بل الحكم مبني على أصل مذهبي آخر.
في كل الأحوال، الأصل الذي توصل إليه في الاجتهاد الثاني صحيح.
النظرية المختارة في منهج اكتشاف المذهب الاقتصادي
أصول المذهب الاقتصادي الإسلامي مبنية على مبادئ بصرية وأساسية للأحكام الأخلاقية والفقهية الإسلامية؛ ولهذا، هناك ثلاث طرق للوصول إلى أصول المذهب كما يلي:
أ) اكتشاف أصول المذهب كأساس من الأحكام الأخلاقية والفقهية كأساس ظاهر من طريق الاستدلال الإنّي.
ب) استنتاج أصول المذهب كأساس ظاهر من التعاليم الوجودية كأساس باطن من طريق الاستدلال اللمّي.
ج) الاستناد إلى النصوص التي صرحت بأصل معين.
فيما يخص الطريق الأول، يمكن للفقيه بعد الاجتهاد الأول (استنباط الأحكام الأخلاقية والحقوقية) أن يقوم بالاجتهاد الثاني (استنباط الأصل المذهبي من الأحكام). في الاجتهاد الثاني قد يواجه الفقيه أحد الحالتين التاليتين:
١. في الأحكام المتعلقة بموضوع معين مثل مصدر الدخل، تكون غالبية الأحكام مبنية على أصل واحد؛ على سبيل المثال، تكون غالبية الأحكام تقريبًا مبنية على هذا الأصل: «العمل هو مصدر الدخل»، ويكون عدد قليل جدًا من الأحكام المتعلقة بالإيجار أو البيع متنافيًا مع هذا الأصل. في هذه الحالة يطمئن المجتهد إلى أن الأصل الذي هو أساس معظم الأحكام هو الأصل المذهبي الصحيح، وبالنسبة للاستثناءات هناك احتمالان:
أ) أخطأ في استنباط الحكم في هذه الاستثناءات.
ب) لم يخطئ في استنباط الحكم في هذه الاستثناءات، بل الحكم مبني على أصل مذهبي آخر.
لكن المجتهد لا يعير اهتمامًا لاحتمال عدم صحة الأصل المذهبي؛ لأنه من غير المحتمل أن تكون غالبية الأحكام متوافقة مع الأصل المذهبي المستنبط وفي الوقت نفسه يكون المجتهد قد أخطأ في استنباط الأصل؛ خصوصًا أنه يعلم أنه في مقام الثبوت ونص الشريعة لا يوجد أصل لا يقبل استثناءً لأسباب سابقة.
٢. في الأحكام المتعلقة بموضوع معين، تكون غالبية الأحكام مبنية على أصل مذهبي، ويوجد عدد ملحوظ من الأحكام المتنافية مع هذا الأصل. في هذه الحالة توجد ثلاثة احتمالات:
أ) يكون الاستنباطان في الاجتهاد الأول والثاني صحيحين.
ب) يكون المجتهد قد أخطأ في الاجتهاد الأول.
ج) يكون المجتهد قد أخطأ في الاجتهاد الثاني.
في هذه الحالة أيضًا، وبما أن الفرض هو أن المجتهد التزم بقواعد الاستنباط في كلا الاجتهادين، وليس لديه علم إجمالي بعدم صحة أحدهما، فإنه يجب أن يحكم بصحة كلا الاجتهادين.
من الجدير بالذكر أن الحالة التي يكون فيها خمسون بالمائة من الأحكام موافقًا للأصل وخمسون بالمائة مخالفًا له، أو أن تكون أربعون بالمائة من الأحكام موافقة للأصل وستون بالمائة مخالفة له، لا تحدث؛ لأن في هذه الحالة لا يستطيع المجتهد في الاجتهاد الثاني أن يصل إلى ظن معتبر بشأن الأصل؛ لذلك فإن الشهيد الصدر(ره) أيضًا في جميع أنحاء كتاب اقتصادنا في الحالات التي كان يسعى فيها لاكتشاف الأصل المذهبي من فتاواه قد واجه استثناءات لم يستطع فيها التفسير بناءً على الأصل المذهبي؛ ومن ثم، بناءً على طريقته المختارة في اكتشاف أصول المذهب، كان يبحث عن الفتاوى الموافقة من الفقهاء وشرح فتاواه في الملاحق.
التلخيص والاستنتاج
المذهب الاقتصادي الإسلامي هو: «القواعد العامة والثابتة التي تُستنبط من المصادر (الآيات، الروايات والعقل) والتي تشكل أساس الفقه والأخلاق الاقتصادية الإسلامية، وقد وُضعت لتنظيم العلاقات الاقتصادية في ثلاثة مجالات: الإنتاج، التوزيع والاستهلاك، بهدف حل المشكلات وتحقيق الأهداف الاقتصادية».
أصول المذهب الاقتصادي الإسلامي يمكن استنباطها من خلال ثلاث طرق:
أ) اكتشاف أصول المذهب كأساس من الأحكام الأخلاقية والفقهية كأساس فرعي من خلال الاستدلال الإنّي.
ب) استنتاج أصول المذهب كأساس فرعي من التعاليم الوجودية كأساس من خلال الاستدلال اللمّي.
ج) الاستشهاد المرجعي بالنصوص التي صرحت بأصل معين.
المصادر والمراجع
1. ابراهیم صالح، سعاد؛ مبادىء النظام الاقتصادى الاسلامى و بعض تطبیقاته؛ ج1، قاهره: مصر لخدماتالنشر، 1416ق.
2. بعلی، عبدالحمید محمود؛ اصول الاقتصاد الاسلامی؛ چ1، [دون مكان النشر]: دارالداوی، 1421ق.
3. جنیدل، حمدبنعبدالرحمان؛ مناهج الباحثین فی الاقتصاد الاسلامی؛ [دون مكان النشر]: شرکة العبیکان للطباعة و النشر، 1406ق.
4. سری، حسن؛ الاقتصاد الاسلامی، مبادیء و خصائص و اهداف؛ چ1، [دون مكان النشر]: [دون ناشر]، 1411ق.
5. شوقی الفنجری، محمد؛ المذهب الاقتصادی فی الاسلام؛ چ3، قاهره: الهیئة المصریة العامة للکتب، 1997م.
6. صالح عوده، ریاض؛ مقدمة فی الاقتصاد الاسلامی؛ بیروت: دارالهادی، 1426ق.
7. صدر، سیدمحمدباقر؛ اقتصادنا؛ چ2، قم: المجمع العلمی للشهید الصدر(، 1408ق.
8. فتحی أحمد، عبدالکریم و احمد محمد عسال؛ النظام الاقتصادی فی الاسلام؛ مبادئه و اهدافه؛ قاهره: مکتبة وهبة، 1413ق.
9. کیاءالحسینی، سیدضیاءالدین؛ بررسی اندیشههای اقتصادی آیتالله شهید صدر(؛ قم: مرکز مطالعات اقتصادی دانشگاه مفید، 1386.
10. مهلهل، متوکلبنعباسبنمحمد؛ سمات الاقتصاد الاسلامی؛ مدینه منوره: مکتبة دارالایمان، 1423ق.
11. میرمعزی، سیدحسین؛ «نقد و بررسی دیدگاه شهید صدر درباره هویت اقتصاد اسلامی»؛ فصلنامه علمی پژوهشی اقتصاد اسلامی، س6، ش22، 1385.
12. نجار، مصلحعبدالحی؛ تأصیل الاقتصاد الاسلامی؛ [دون مكان النشر]: مکتبة الرشد، 1424ق.
[1]يكتب الشهيد صدر (رضوان الله عليه) في مقدمة كتاب اقتصادنا: «ما نعنيه بالاقتصاد الإسلامي هو المذهب الاقتصادي للإسلام الذي تُصوَّر فيه الطريقة الإسلامية في تنظيم الحياة الاقتصادية» (صدر، 1408هـ، ص31. )
[2] المذهب في العربية يعني الطريقة، والمذهب الاقتصادي يعني الطريقة الاقتصادية. الشهيد صدر (رضوان الله عليه) في التعريف الأول والرابع يصرح بأن المذهب الاقتصادي هو طريقة تنظيم الحياة الاقتصادية؛ لذلك يجب أن نحمل التعريفات الأخرى على هذا المعنى، أي أن المقصود من القواعد أو النظريات الأساسية هو قواعد طريقة تنظيم الحياة. وإلا فهناك إشكالان: أ) تعارض التعريفات؛ ب) عدم تناسب التعريف الثالث والرابع مع اسم المذهب. في بعض التعريفات وردت قيد العدالة، وفي بعضها الآخر لم يرد هذا القيد. في علم الأصول هذه القاعدة مسلَّمة أنه إذا كان الجملة المطلقة والجملة المقيدة كلاهما إيجابياً، وكان من الجملة الإيجابية حصر، فإن قاعدة الجمع بين الجملتين هي حمل المطلَق على المقيد. وهنا الأمر كذلك. وكلماته الأخرى تدل بوضوح على أن القاعدة المذهبية يجب أن ترتبط بمفهوم معين من العدالة، وإلا فالقواعد المذكورة ليست مذهبية. وهو يرى العدالة معياراً لتمييز القاعدة العلمية عن القاعدة المذهبية (صدر، 1408هـ، ص362 -363). وهذا بحد ذاته أفضل قرينة على أن الشهيد صدر (رضوان الله عليه) لا يعتبر القواعد غير المرتبطة بمفهوم العدالة من ضمن قواعد المذهب؛ لذلك يجب أن نقيد التعريفات 1، 2 و4 بقيد العدالة التي لم تشر إليه.
[3] يؤمن بأنه لا يمكن كشف سوى عدد قليل من جوانب المذهب الاقتصادي للإسلام عن طريق النص (المرجع نفسه، ص371).

