عناصر الإنسان في بناء النظام الفقهي مع التركيز على آراء آية الله سيد محمد باقر الصدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: عناصر انسان‌شناسی نظام‌سازی فقهی؛ با تأکید برآراء آیت‌الله سیدمحمد باقر صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: إن دراسة المبادئ الإنسانية المؤثرة في بناء النظام الفقهي مع التركيز على آراء الشهيد الصدر، هي المحور الرئيسي لهذا المقال. يُعد الشهيد الصدر من بين المفكرين الذين طرحوا موضوع بناء النظام واكتشاف أنماط النظام في المجتمع البشري من خلال علم الفقه. إن بناء النظام (بمعنى التعرف على وتصميم النماذج الكبرى في شبكة تواصلية) هو بطبيعته موضوع متعدد التخصصات؛ لذا فقد سعى هذا المقال إلى إظهار تأثير علوم مثل الكلام والفلسفة في التحليلات النهائية لعلم الفقه حول موضوعات مثل مكانة الناس في الحكم وعلاقتهم بولي الأمر. وتتمثل ابتكار هذه الدراسة في أنها، استنادًا إلى القراءة الحديثة للشهيد الصدر حول «علم الإنسان» الديني، تقدم قراءة لبناء النظام الفقهي على أسس إنسانية ومفهوم الاعتبارات الشرعية.

المؤلف: بهنام طالبی طادی، حسین‌علی سعدی، محمدحسین بیاتی

المصدر: راهبرد فرهنگ، شتاء 1398، العدد 48، ص 195 إلى 223.

١. المقدمة

بدأ الإنسان في بداية خلقه حياة بسيطة بأفعال غير مركبة. كان استخدامه للطبيعة وفقًا لنظام الإحسان الإلهي وحسب حاجته الحقيقية. وكان هذا البساطة صحيحة وسارية في علاقته مع الآخرين، وكان هذا العامل مهمًا بحيث لم يكن الإنسان بحاجة إلى فهم واكتشاف مجموعة قواعد معرفة مسبقًا لإدارة حياته الفردية والاجتماعية. ولكن مع تقدم وتطور العلاقات الاجتماعية واتساع فهمه لمكان عيشه والكون الذي خُلق له في هذا العالم الدنيوي، بدأ في اكتشاف القوانين وفهم العلاقات السببية في عالم الوجود. وكان هذا الاتساع وتعقيد عناصر الحياة المادية يمكن أن يؤدي، إلى جانب تسهيل تلبية الاحتياجات الحقيقية، إلى إنتاج احتياجات اعتباريّة وغير حقيقية. بناءً على ذلك، أنزل الخالق الحكيم الشريعة على الإنسان عند بداية خلقه وأول تكليف بعد خلق أول إنسان، لكي يستطيع الإنسان الوصول إلى غايته الأساسية. ولهذا السبب، فإن شأن نزول جهاز الشريعة هو هداية الإنسان وإدارة حياته التوحيدية لتحقيق هدف الخلق الذي حدده الباري تعالى لأشرف مخلوقاته. لذا فإن «الإنسان» هو النقطة المركزية في هندسة المعارف الدينية ونظام الشريعة الإسلامية. كما ورد في الحديث القدسي الشريف: «عبدي! خلقت الأشياء لأجلك وخلقتك لأجلي، وهبتك الدنيا بالإحسان والآخرة بالإيمان» (شیخ حرعاملی، ١٣٨٠: ٧١٠) «يا عبدي، خلقت الأشياء كلها من أجلك، وخلقتك من أجلي، وأعطيتك الدنيا بالإحسان والآخرة بالإيمان»، وهذا لا يتعارض مع أصل التوحيد والربوبية للباري تعالى، لأن الروح الحاكمة والغاية النهائية لكل الوجود، سواء في التشريع أو التكوين، هي في سير الوحدة الإلهية.[1]

الآن، الإنسان بهذه الخلفية والفلسفة الوجودية، وفي العصر الحالي الذي حياته مليئة بالعناصر المتشابكة والمعقدة متعددة الأوجه، لا بد له من استخراج النماذج والفرضيات الكبرى من جوهر المصادر الدينية، ليُظهر استراتيجيات جهاز العقلانية وتراكم التجربة البشرية في هذا السياق. لأن الدين وجهاز الشريعة في إطار واضح تمامًا مع جهاز العقل والتجربة البشرية قد عالجا موضوع بناء النظام ووضع قواعد عامة وكبرى لإدارة أمة توحيدية قائمة على المعرفة. بحيث يقدم الدين الإطار الكبير، الهيكل، والطرق الرئيسية للحركة في تصميم بنى أنظمة الإنسان، ويترك تأليف المكونات والعناصر السلبية والإيجابية في نظام التشريع، مجال التفكير والتجربة للإنسان. وهذا هو ما أشار إليه الشهيد الصدر بمصطلح المدرسة والنظام، ويعتقد أن جميع الفروع والقضايا في حياة الإنسان ضمن مجموعة الأنظمة التي يمكن اكتشافها من الدين، قابلة للإجابة، التحليل، والمراجعة، وفي النهاية تؤدي إلى حياة طيبة للإنسان. (صدر، ١٣٩٣: ٤١-٣٨) في هذا المنهج الذي تُحدد فيه وظيفة العقل والتعبد بوضوح، فإن خلطهما وعدم الحفاظ على التوازن اللازم في استخدام هذين الجهازين لبناء النظام الاجتماعي قد يؤدي إلى أضرار لا تُعوض لكلا المجالين. فإذا كان هناك التزام خاطئ باستخدام الدين بشكل مفرط في إنتاج الاستراتيجيات وحل قضايا الحياة الإنسانية دون مراعاة وظيفة الدين، فإن ذلك سيؤدي إلى تشويه صورة الدين في الأذهان وظهوره غير فعال في إدارة الحياة الإنسانية، مما يدعم الادعاء بفصل الدين عن المجتمع والسياسة. وبالمقابل، إذا اقتصر استخدام جهاز الشريعة في بناء المجتمع على العبادات فقط، وتم توسيع نطاق نظام العقل والتجربة البشرية إلى حد يجعل النصوص الدينية محكومة بالأدلة العقلية والسيرة العقلائية، فلن نصل إلى أسمى غايات الحياة الإنسانية. ويمكن ذكر تجربة الغرب الحديث في الابتعاد عن مفاهيم التدين وتردد الغيبيات الشرعية خلال القرون الأخيرة كمثال على ذلك. ويعتقد الشهيد الصدر بشأن وظيفة الدين في مجال بناء النظام وعدم دخوله في مجال العلم والعقل البشري ما يلي:

«وعلى هذا الأساس فنحن حين نطلق كلمة (الاقتصاد الإسلامي) لا نعني بذلك علم الاقتصاد السياسي مباشرة؛ لأن هذا العلم حديث الولادة نسبيًا، ولأن الإسلام دين دعوة ومنهج حياة، وليس من وظيفته الأصلية ممارسة البحوث العلمية.. وإنما نعني بالاقتصاد الإسلامي: المذهب الاقتصادي للإسلام…» (صدر، ١٤٢٤هـ، ج ٣: ٤٠-٣٩) «بناءً على هذا، عندما نستخدم كلمة (الاقتصاد الإسلامي)، لا نعني مباشرة علم الاقتصاد السياسي، لأن هذا العلم حديث النشأة نسبيًا، والإسلام دين دعوة ومنهج للحياة [الطيبة]، وليس من مهامه الأصلية الانخراط في البحوث العلمية.. وإنما المقصود بالاقتصاد الإسلامي هو المذهب الاقتصادي للإسلام…»

وبهذا يتّضح أيضاً منظور الشهيد الصدر تجاه العلم الديني؛ إذ تتحدّد الوظيفة الأساسية للدين في حدود إنتاج القضايا الكلية الممنهجة، ويكون بمنأى عن الدخول في النظم[2] المعرفي الذي يكشف عن العلاقات العلية بين الظواهر وارتباط بعضها ببعض. وهذا التحليل لا يعني انفعال حقل العلم الديني أو عدم فاعلية الدين في ميدان الحياة الاجتماعية، بل هو تعبير عن الفهم الصحيح لنطاق الشريعة وحدودها، وبالتبعية العلوم المرتبطة بها، والفرز الدقيق لها عن العلوم الإنسانية غير الإلهية.

وبالنظر إلى ما تقدّم، فإن منظومة الشريعة — بما هي نسقٌ من التوصيفات الوجودية، ومنظومة الأوامر والنواهي الحقوقية والتكليفية[3] — تتضمن ركيزتين أساسيتين تنتميان إلى ساحتَين متمايزتين تماماً: الركيزة الأولى هي «التوحيد»، بوصفه المُنطَلقَ التوجيهي لهذه المنظومة ولنسقها القيمي والحقوقي، والمُعَبَّرَ عنه بغاية خلق الإنسان. والركيزة الثانية هي «الإنسان» باعتباره الغاية من هذا الخلق. ومن ثَمّ، فإنه لغرض فهم الأنظمة واستنباطها من صميم منظومة الشريعة — أو بعبارة أخرى: تحقيق التنظير وصناعة النظم الاجتماعية — لا مناص من إيلاء مقولة الإنسان من منظور الشريعة عنايةً خاصة؛ إذ إننا في عملية بناء النظم الفقهية نروم استكشاف النماذج المعيارية للدين والموجهة نحو مجتمع الإنسان. وتأسيساً على هذين المتغيرين الرئيسين اللذين يؤديان دوراً محورياً في منظومة الشريعة الإلهية، يتعين تقديم تفسير منقح لقراءة الدين للإنسان ومكانته في أصل التشريع، ومن ثمّ استخراج الأنساق الفرعية (المنظومات) في سياق بناء النظام.

وفضلاً عن ذلك، ولمّا كانت منظومة الشريعة — ولا سيما نسق الأوامر والنواهي الحقوقية والتكليفية فيها — قد استقرّت وتجسّدت في علم الفقه الإسلامي، ولكون هذا الفرع من المعارف الدينية هو المتكفل بالخوض في هذا الميدان، فينبغي من هذا المنطلق أيضاً النظر إلى الأسس الإنسانية (الأنثروبولوجية) لمنظومة الاعتبار والتشريع. وبعبارة أخرى، فبالنظر إلى مكانة الإنسان في الوجود، فإن جعل ووضع منظومة الشريعة — أو بعبارة بديلة: انطلاق نظام «الاعتباريات» — يرتكز تماماً على الرؤية الوجودية للإنسان ونمط الحياة التي خُلقت له بكل لوازمها ومقتضياتها. وبناءً على هذا، يمكن اعتبار صياغة المبادئ الأنثروبولوجية في الشريعة ناظرةً بالكامل إلى الاعتباريات التي سنّها الشارع لتدبير حياة الإنسان وإيصاله إلى غاياته التوحيدية. ومن هذا المنطلق، ففي سياق بناء النظم الفقهية واستخراج الأنساق الاعتبارية الكلية التي تضطلع بمسؤولية تنظيم المعايير الاجتماعية وإرساء دعائم إدارة الحياة التوحيدية للإنسان، لا بد حتماً من تبيين وشرح الأسس الأنثروبولوجية لمنظومة الشريعة، وكيفية جعل «الاعتباريات» المبتنية على هذا النظام الأنثروبولوجي؛[4] ذلك أن أحد أهم العناصر في مقومات ذات الشريعة الإلهية يتمثل في المبادئ الأنثروبولوجية التي تُنجز صياغة النظم الفقهية بالابتناء عليها.

هذا المسار المنهجي الذي أسس النظام الفقهي على تحليل نظامي إنساني للدين يُرى في آراء الشهيد صدر. تهدف هذه الدراسة إلى توضيح واستكمال هذا التحليل من منظورين: صياغة المبادئ وتعميق وتنقيح عناصر هذا التفسير بين التخصصات. لذا يبدأ تفسير صياغة مبادئ الأنثروبولوجيا من وجهة نظر صدر بنظرية الخلافة الإنسانية وشهادة الأنبياء، وبعد تحليل المنطق النظري لهذا التفسير الذي يرتبط نوعًا ما بعالم التكوين، يُعرض تفسير منشأ التشريع والممر الاتصالي بين هذين المقامين. هذا الانتقال من المقام التكويني الإنساني إلى المقام التشريعي لجهاز الدين هو النقطة المهمة في فهم مكانة الأنثروبولوجيا في بناء النظام وكذلك استدراك مكانة هذين المفهومين من المنظور الفقهي. بعبارة أخرى، المهمة الأساسية لهذه الدراسة هي إقامة رابط بين مفهومين من مقامين مختلفين وتحليل المنطق الاتصالي بينهما ورسم مخرجات هذا التحليل في مجال بناء النظام الفقهي. بعد ذلك، من خلال التطرق إلى نظام الاعتباريات، يمكن تقديم مسار النظام الاعتباري في الكشف عن الأنظمة المقصودة في موضوع بناء النظام. بعبارة أخرى، بما أن موضوع الاعتباريات الشرعية هو الإنسان بمعناه الأعم، فلا بد من مواجهة تعارضات في الحديث عن الاعتباريات الشرعية والإنسان. لأنه لا يمكن فهم المقام التكويني للإنسان في مجال الشريعة بناءً على نظامه الأنثروبولوجي، إذ إن هذا الإنسان له غاية سببية محددة فقط في مقام التشريع، ولا يظهر تشكيل الوصول إلى تلك الغاية إلا في جهاز التشريع. من ناحية أخرى، لا يمكن تحليل ووصف جهاز التشريع المبني على الاعتباريات الشرعية، لأن بداية التشريع وأول تكليف مبنيان على المقام التكويني للإنسان الذي نزل التشريع لهديته وتنظيم حياته. لهذا السبب، في هذا الكتاب، وبالنظر إلى ضرورة تحليل هذا الارتباط وأصل بيان تأسيس بناء النظام الفقهي على الاعتباريات وقبلها مبادئ الأنثروبولوجيا الاعتبارية الشرعية (جهاز الشريعة)، يبدأ مسار تحليل المسألة من فهم مكانة الإنسان في الوجود وينتهي بمنطق بناء النظام الفقهي المبني على الاعتباريات ومبادئه الأنثروبولوجية.

٢. ماهية بناء النظام

كما ذُكر، مع تقدم المجتمعات البشرية وارتقاء مستوى العلاقات الاجتماعية، تغيرت توقعات الشريعة في آخر الزمان التي تقدم برنامجًا شاملاً للبشر في كل العصور. في مقابل الأنظمة التربوية والأخلاقية والسياسية والاقتصادية والقانونية، لا يمكن الاكتفاء ببيان الأحكام والتفاصيل فقط. المواجهة النظرية والعلمية في العصر الحاضر لا تتوقف عند التناظر في الأحكام الفرعية بين المذاهب الخمسة، بل إن «الفقه المقارن اليوم يضعنا أمام المدارس التربوية والأخلاقية والسياسية والاقتصادية والقانونية المعاصرة: مدارس تحولت في سياق العمل إلى أنظمة وتعمل بمساعدة التجربة على إصلاح وبناء ذاتها. نحن أمام هذه المدارس… يجب أن يكون لدينا ميدان وفي هذا الميدان يجب أن نضع مجموعة أمام مجموعة، وإلا فإن التشابهات والتماثلات الجزئية والكاملة في الأجزاء والتفاصيل تجعل المقارنات عرضة للخطأ واللبس، إلى حد أننا نقارن الإنسانية بمناقشة الكرامة والخلافة الإنسانية، ونقيس الحرية والاختيار الديني بالديمقراطية والليبرالية والتيارات السياسية والاقتصادية المختلفة.» (صفایی حائری، ١٣٧٩: ١١٨)

إن بناء النظم، بكل تعقيداته وأبعاده النظرية والعملية التي قد يحملها، في هذا النص، مع التركيز على «أسس الأنثروبولوجيا»، لا يعني سوى اعتماد وتشابك المعارف الإنسانية في سبيل تنظيم مختلف أبعاد حياة الإنسان المادية والمعنوية. بعبارة أخرى، يُعد بناء النظم أرضية للنشاط التداخلّي بين «العلوم الإنسانية الإسلامية» في إطار التفكير الفقهي باعتباره الأم للعلوم الإسلامية. ويُعاد التأكيد على أن مسألة بناء النظم يمكن نقدها وتحليلها من مناهج ومنظورات مختلفة، لكن في هذا النص، وبالنظر إلى تأسيس العلوم الإنسانية على موضوع الإنسان وتشكّل الاعتبارات الدينية والتجريبية لديه من خلال هذا المنهج، نُعرّف ونبيّن بناء النظم كجهاز في دمج العلوم الإنسانية الإسلامية. وبناءً على هذا التوضيح، يتضح موقع الأنثروبولوجيا في مسار بناء النظم. فالمواد التي تشكل الصياغة النهائية للنظم البشرية كلها تدور حول محور الإنسان وفي سبيل صياغة حياة أسمى له. والآن يجب أن نرى في جهاز الشريعة، ما هو تأثير المبادئ الأنثروبولوجية على المنظومات المعرفية التي هي في طور الاستخراج والبناء؟ وبعبارة أخرى، ما هو تأثير وتأثر المنظومات المعرفية والنظم الدينية بمبادئ الأنثروبولوجيا، وبشكل خاص في طريقة التشريع وإنتاج نظام الاعتبارات؟

٣. إمكانية تقييم بناء النظام الفقهي

يمكن تقسيم المناهج تجاه تقييم قدرة الفقه في مجال بناء النظم إلى ثلاثة مجالات: الحد الأدنى، الحد الأقصى، والمنهج المرحلي (الاختياري):

أ: المنهج الحد الأدنى:

في هذا المنهج، «علم الفقه علم قَلِيل. أي أنه يعطي أقل الأحكام اللازمة لرفع الخصومة ولا غير. وليس أن يعلم أقصى ما يلزم لإدارة وتدبير الحياة.» (عدالت نژاد، ١٣٨٤: ٣٤) فالفقه يختص فقط بالأحكام التكليفية والوضعية المحدودة والمعينة من جانب الشريعة، ولا يملك القدرة على التوسع أو الظهور في مسائل وأحداث جديدة بسبب محدودية المنهج والافتراضات الموضوعية. هذا المنهج يضع القضايا البشرية المشهورة والمقبولة إلى جانب الاستنباطات الفقهية، ويعتبر كل ما لا يتوافق مع منتجات العقل والتجربة البشرية دليلاً على ضعف وعدم كفاءة الفقه. ونتيجة لذلك، يحكم على الفقه بأنه محدود المجال وغير فعال في المجالات الاجتماعية وبناء النظم. ولهذا كتبوا: «الفقهاء، لأنهم لم يكونوا يسعون إلى تحول جذري في العالم والمجتمع، لم يأخذوا في آرائهم التحولات الجذرية في العالم والمجتمع كما ينبغي. كأن فرضيتهم كانت أن كل المجتمعات المستقبلية هي مجرد نسخ مكبرة من مجتمع العرب في عصر النبي (ص)، ولذلك فإن الأحكام السابقة صالحة إلى حد كبير للمجتمعات المستقبلية أيضاً، وفرضية أن المجتمعات المستقبلية قد تخضع لتحول جذري وأن القواعد قد تتحول إلى استثناءات والعكس، هي فرضية وهمية وخيالية ولن تتحقق أبداً.» (عدالت نژاد، ١٣٨٤‌: ٢٤‌) هذا المنهج يرى أن ارتباط الفقه بالقضايا الحديثة كان دائماً ارتباطاً لاحقاً، بعد أن وجد الفقهاء أنفسهم في مأزق أمام المواضيع الجديدة. ولذلك قيل: «لم يكن هناك فقيه مبتكر للانتخابات (ناهيك عن حق انتخاب النساء)، وإنما فقط بعد ظهورها قبلها مع بعض التحفظات. لذلك، لا يفكرون كثيراً في أن دخول فكرة الانتخابات في ذهن الإنسان الحديث يعكس تحولاً شاملاً في الفكر السياسي والاجتماعي والأنثروبولوجي، وليس مجرد عقد عادي جديد. لذا، اتخاذ هذا الأسلوب دون فهم مبادئه وأسسِه يؤدي عاجلاً أم آجلاً إلى تعارض في التطبيق وضعف في الأداء.» (عدالت نژاد، ١٣٨٤: ٢٤) أصحاب هذا الرأي لا يرون أن مواكبة الفقه للظروف الزمانية والمكانية كافية للارتقاء به وجعله فعالاً، ويعتقدون «هناك فرق بين أن نعتبر الفقه تابعاً للمصالح ونبني فقهًا أو حقوقًا جديدة باكتشاف مصالح جديدة، وبين أن نعتبره تابعاً للمبادئ ونبني فقهًا أو حقوقًا جديدة باكتشاف مبادئ وافتراضات جديدة.» (عدالت نژاد، ١٣٨٤: ٢٤) في النهاية، هذا المنظور الفلسفي لعلم الفقه ومنهجه الاستنباطي لا يرى أن بناء النظم والدخول في قدرات المجتمع الكبرى مفيد. إلا أن «علم الفقه علم تابع، أي أنه لا يبني المجتمع، بل عندما يُبنى المجتمع ويتشكل ويأخذ طابعاً خاصاً، يصدر الفقه أحكامه. الفقهاء لم يأتوا بالتنمية، ولا التأمين، ولا الانتخابات، ولا فصل السلطات. لم يلغوا العبودية ولا نظام الإقطاع… بل وقفوا ضد كل ذلك، ورضوا بها على مضض… المجتمع الفقهي لا يشترط أن يكون مجتمعاً حديثاً متقدماً… علم الفقه هو علم مستهلك، وهو مستهلك لعلم الكون والإنسان واللغة والاجتماع القديم، ولهذا فإن اجتهاداته ليست مقنعة ولا مجيبة. هذا الاستهلاك لا يقتصر على المعارف الثانوية بل يشمل المعارف الأساسية أيضاً.» (عدالت نژاد، ١٣٨٤: ٣٣) في النهاية، رد هؤلاء على تحديد مجال الفقه في بناء النظم هو: «لا يمكن تأسيس نظام بعلم الفقه، لكن يمكن الإجابة على بعض الأسئلة.»[5] (مجتهدشبستری، ١٣٧٥‌: ‌‌٥٦‌)

ب: المنهج الأقصى

في هذا المنهج، لا يقتصر علم الفقه على كونه علم الأم للعلوم الإسلامية مقارنة بالعلوم الأخرى، بل يمتلك القدرة على الدخول إلى جميع المجالات ومجالات العلوم التجريبية والإنسانية الأخرى. في هذا الفهم، تصبح جميع جوانب الإنسان الفردية والاجتماعية موضوعاً للفقه، ويمكن وضع القواعد الفقهية في مواجهة تداخل المعرفة مع هذه العلوم. لذلك، يمكن للفقه في هذا المجال أن يصدر أحكاماً وبيانات تجاه آفاق كبرى مثل الحكم والنظم الاجتماعية من منظور عام وشامل وليس بالضرورة استقرائي. هذا الرأي نابع من توسيع النظرة الفلسفية الدينية إلى مجال الشريعة التي تعتبرها مؤهلة للدخول إلى جميع المجالات. والتفسير الدقيق لهذه العلاقة هو أن جميع العلوم يمكن أن تتصف بلاحقة دينية على جميع مستوياتها. بعبارة أخرى، يمكن استخراج كل من العلوم التجريبية والإنسانية أولاً من الدين، وما يُطرح اليوم من موضوعات علمية مستقلة يمكن إسلامتها بطريقة ما. عدم التوافق بين الدين والعلوم الإسلامية، ومنها علم الفقه، لا مكان له في هذا المنهج، ولا يمكن قبول أن علم الفقه لا يستطيع مواكبة الموضوعات والقضايا الحديثة للبشر. لذلك، وبالأساس، مع توسع مفهوم العبادة ليشمل جميع مجالات حياة الإنسان، يُعتقد أن: «تشكّل وتطور المجتمع يقوم على التولي والولاية، وهذا التطور يتحقق بطريقتين: القرب والبعد من الله تعالى. لكن جميع جوانب العبادة يجب أن تكون في سبيل عبادة الله. وبالطبع، فإن التفقه في مناسك هذه العبادة ضروري. في هذه الحالة، يصبح نظام غايات المجتمع الذي رسمه الشارع هو الحاكم على مسألة التخطيط الاجتماعي. لذلك، يجب علينا في حياة الفرد والمجتمع أن نعبد الله، وهذا يجعل «الفقه الأقصى» أمراً لا مفر منه.» (میرباقری: ۲ ۷۵-۷۶)

4. العناصر الأنثروبولوجية في صياغة النظم

تُرسم الأنثروبولوجيا عند الشهيد الصدر مع التأكيد على الأسس القرآنية والأطر النظرية الدينية. لأن جهاز الشريعة، وبعبارة أخرى خالق هذا الإنسان، هو الذي يستطيع أن يقدم أفضل معرفة عن الإنسان ونماذج ودوافع عمله حسب نوع خلقه. الشهيد الصدر، مع الأخذ في الاعتبار الغاية الخلقية التي رسمت للإنسان، يرسم العناصر الأساسية للسير إلى هذه الغاية من خلال تصنيف الخلق وهدايته. وعلى هذا الأساس، يقوم بناء نظام الأنثروبولوجيا في تشكيل النظم البشرية على صفتين مهمتين هما «الخلافة» و«الشهادة» للإنسان، حيث يلعب كل منهما دوراً مهماً في بناء النظام وفقاً للمنطق الاتصالي بينهما. بعبارة أخرى، لو لم تُخلق هاتان الصفتان المرتبطتان للإنسان، لما استطاع الوصول إلى هدف خلقه. أي أن هاتين الصفتين فقط هما القادرتان على تحقيق تلك الغاية العظيمة للوجود الإنساني، وإذا لم يُخلق هذا التركيب له، سيكون خلق الإنسان باطلاً وعديم الجدوى. (صدرء ۱۳۹۲۳: ۱۷۱‌-۵) ولهذا السبب، وبناءً على هذين العنصرين في العناصر الأنثروبولوجية الإسلامية، يمكن أيضاً تقدير صياغة نظم اجتماعية له.

4-1. خط الخلافة في صياغة مبادئ الأنثروبولوجيا لبناء النظام

كما ذُكر، تناول الشهيد الصدر في نظريته المعنونة بـ «خط خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء» هذه المسألة المهمة: لماذا وكيف نال الإنسان هذين المقامين؟ الخلافة والنيابة للإنسان على الأرض من قبل الله، مقامٌ رغم أنه أُعطي في البداية لآدم عليه السلام، إلا أن جنس الإنسان يشارك في الخلافة، وبعض الآيات الإلهية تشير إلى هذا الأمر بخطاب عام في الخلافة.[6]

والآن يجب أن نرى ما هي الحقوق والواجبات التي تجلبها هذه الخلافة للإنسان والتي يمكنها في النهاية أن تؤثر في غاية خلقه؟ بعبارة أخرى، غاية خلق الإنسان التي هي الوصول إلى مقام «العبودية» لله تعالى لا تتحقق إلا بالسير في مجاري الخلافة الإلهية. (صدر، ١٣٩٣: ١٤٩‌) أُعطيت الخلافة للإنسان بكل أبعادها وعظمتها التي خلقت مسؤولية له، وهذا أولاً أدى إلى توفير جهاز اختبار للإنسان، ومن جهة أخرى أتاح الظروف لنموه وارتقائه مقارنة بالمخلوقات الأخرى. يكتب الشهيد صدر عن عظمة حمل مسؤولية الخلافة:

«أن الله تعالى اختار خليفة في الأرض لا يعني أن هذا العمل كان مجرد اختيار خليفة فحسب، بل يشمل هذا الاختيار منح جميع الشؤون التي تعود إلى المستخدم (الله تعالى).» (صدر، ١٣٩٣: ١٥٠)

رداً على ماهية شأن خليفة الله الذي عُرض على الإنسان والبيئات التي يمكن أن توصله إلى مقام غاية خلقه، يُشار إلى تعليم الأسماء التي علمها الله تعالى للإنسان. هذه المرحلة من تكوين الإنسان هي السبب الأهم في منحه مقام الخلافة الإلهية. لأن الله تعالى في ردّه على اعتراض الملائكة بشأن فساد آدم في الأرض وبطلان خلقه قال: «إني أعلم ما لا تعلمون» (أنا أعلم ما لا تعلمون)، وبعد تعليم الأسماء ومقارنته بالملائكة، يعرّف فلسفة وضع مثل هذا المقام للإنسان بقدرته على إدراك هذه الأسماء. بناءً على ذلك، من خلال هذه الأسماء وحدها، اكتسب الإنسان القدرة على النمو والارتقاء إلى مقام العبودية الإلهية، وأصبح أفضل خلق الله. (صدر، ١٣٩٣‌: ١٥١‌)

وأيضاً بسبب تعليم هذه الأسماء وارتفاع مستوى الإدراك والعقل لدى الإنسان، وُصف هذه الخلافة بأنها أمانة:

«إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً» (سوره احزاب، آیه ٧٢) (لقد عرضنا الأمانة [الإلهية وحمل التكليف] على السماوات والأرض والجبال فرفضن حملها وخافن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظالماً جاهلاً) أي أن هذه القدرة أُعطيت للإنسان من قبل الله تعالى ليتمكن من السير في طريقه إلى الله معتمداً عليها.[7]

4-2. صياغة مؤشر موحد لمبادئ الإنسان المعرفية في بناء النظام

من المسلم به أن الإنسان بسبب عجزه عن تلبية احتياجاته وشؤونه الدنيوية يحتاج إلى حياة جماعية ليستمر في حياته بواسطة الآخرين واستخدام قدراتهم التي هو محروم منها. ولكن المجتمع والتفاعلات الجماعية، مع وجود غريزة المصلحة الذاتية لدى الإنسان، تتعرض لتضارب في الحفاظ على المصالح الفردية وتطويرها. لذلك يجب وضع «معيار» لوحدة استراتيجيات إدارة الحياة الجماعية. كما أن هذا المعيار الموحد هو الذي يحقق قبول مقام الخلافة الإلهية للنوع البشري. وإلا فإن الخلافة ستقتصر على فئة معينة ويُحرم الآخرون من هذا المقام. يرى الشهيد صدر أن هذا المعيار والأساس الموحد هو مفهوم «الفطرة» (صدرء‌ ۱۳۹۳: ۱۷۱-۱۷۲) التي من خلالها يتشكل تنظيم الحياة الاجتماعية بصبغة واحدة. بعبارة أخرى، ما يشمل البناء المادي للنظام الاجتماعي ضمن الأسباب الأربعة[8] ليس سوى جوهر التوحيد الواحد في نفس الإنسان الذي يُعرف في الأدب الديني بـ«الفطرة».[9] في هذا النظام الفكري لا يمكن للإنسان أن يؤدي مسؤولية الخلافة الإلهية على الأرض بشكل صحيح إلا إذا كان ضمن أمة واحدة نشأت بواسطة الفطرة الإنسانية الموحدة.[10]

4-3. صياغة مبادئ الإنسان المعرفية «القوى الحاكمة» في بناء النظام

أ. مكانة القوى الحكومية في بناء النظام

من أهم العناصر في عملية تصميم «برمجيات الأنظمة الاجتماعية والإنسانية» هو الانتباه إلى مسألة سيادة القوة القاهرة التي تتولى إدارة المجتمع وإدارته. هذه البيئة تُعتبر المحور الابتدائي لأي تغيير في مجموعة الأنظمة التي صُممت ونُفذت مسبقاً. رغم أن الجسم الرئيسي ومكونات الأنظمة هي التي تقوم بعملية التغيير في النهاية، إلا أنه نظراً لأن ارتباط الأنظمة داخلياً ومع بعضها البعض هو ارتباط نظامي، فإنها تحتاج إلى «نقطة رافعة» لإدارة التغيير في النظام. في الفكر الشبكي «نقاط الرافعة هي نقاط ممارسة السلطة في الأنظمة» (مدوزن ۲۳۴:۱۳۹۲)، وفي نظام الأنظمة الاجتماعية يمكن توفير هذه البيئة من خلال تشكيل «الحكومة».

ب. أساس حكم الناس على الناس

يرى الشهيد صدر أن مقام الخلافة الإلهية الذي أُوكل إلى الإنسان لا يخص شخص آدم فقط، بل المقصود هو جنس الإنسان. ولهذا السبب يُعتبر جميع البشر خلفاء الله على الأرض. ومن هنا يمكن تفسير شرعية حكم الناس على الناس. بعبارة أخرى، النهج الإنساني للشهيد صدر في صياغة الأنظمة وجهاز الحكم هو أن الإنسان يصبح خليفة على الأرض من جانب الحق تعالى الذي هو الحاكم المطلق. وبالطبع، كما ذُكر، فإن الخليفة في جميع شؤون المستخدم عنه له شأن نيابي، وفي مجال الحاكمية والسلطة أيضاً له واجب ممارسة الخلافة من جانب الله. بناءً على هذا المنظور، يكتب صدر:

«في القرآن الكريم، الخلافة هي أساس الحكم والحكم على الناس فرع على خليفة الإنسان.» (صدر, ۱۳۹۳: ۱۵۰)

فإن أساس الديمقراطية الدينية وحكم الناس على الناس هو تبني مكانة الخلافة التي وردت إليه من الحاكم المطلق، وهذا الأساس في منح جواز حكم الناس على الناس، الذي قيل إنه نزل من جانب الله، هو نقطة التمييز بين الديمقراطية الدينية وغير الدينية. لأن في نظام البناء الاجتماعي الذي تُمارس فيه الديمقراطية بشكل مطلق، لا يكون الناس مسؤولين أمام أحد، ولا يُؤخذ في الاعتبار مناطات الأداء الحقيقية والواقعية لهم، بل يكفي أن يتفقوا على شيء ما حتى وإن تعارض مع مصلحة وكرامة الجميع أو بعض الناس. (صدرء ۱۳۹۳: ۱۵۲-۱۵۳) على العكس من الديمقراطية الدينية التي يمارس فيها الناس الحكم من جانب الله، وبسبب اختلاط الخلافة بالأمانة، تندمج المسؤولية في أداء الأمانة في الخلافة وشؤونها المختلفة (منها الحكم). يمكن تقديم هذا الارتباط في الصورة التالية:

4-4. خط الشهادة في صياغة مبادئ الأنثروبولوجيا في البناء الفقهي للنظام

في استكمال المبادئ الأنثروبولوجية التي يستند إليها عملية البناء النظامي، يبيّن صدر خط شهادة الأنبياء إلى جانب خط خلافة الإنسان. لأن في البداية كان الملائكة يظنون أن الإنسان يتولى مقام خليفة الله بدون أي آلية هداية أخرى، وقد يفسد في الأرض بعجبه وتكبره بسبب هذا المقام. فقام الله تعالى بالتدخل الرباني بوضع خط شهادة الأنبياء في حفظ خليفته. وبالنظر إلى الآية الكريمة:

«إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء»

يقسم الشهود إلى ثلاث فئات:

الأنبياء، الأئمة الذين هم امتداد رباني للنبي في خط الشهادة، والمرجع الذي هو امتداد موجه لخط النبي والإمام في أمر الشهادة والبيان. (صدر، ١٣٩٣: ١٦٠)

ويعتقد الشهيد صدر في شرح خط شهادة الأنبياء وتفريق مقام النبي والإمام والمرجع أن المرجعية كخط قد بيّنتها الشريعة الإلهية، ولكن كتنفيذ في شخص معين، هو قرار من جانب الناس. (صدر‌ ۱۳۹۳‌: ۱۶۲) على عكس المقامين الآخرين اللذين حددهما الله بشكل شخصي وتعييني وليس نوعيًا. فالمرجعية عهد إلهي بالنسبة للخط وليس بالنسبة للفرد، لذا خلافًا للنبي والإمام اللذين لا يمكن أن يكونا غير معصومين بحسب التعبير «لا ينال عهد الظالمين»، فإن المرجع ليس معصومًا.

وبناءً على هذه التوضيحات، صوّر الشهيد صدر خطي الخلافة والشهادة متقابلين. فهل يمكن اعتبار خط الشهادة أولى بالحكم في تحديد الحاكم وصياغة نظام الحكم؟ أم يجب التفصيل واعتبار أن في مقامي الأنبياء والأئمة يُصمم هذا الشأن للحكم الدنيوي على الناس، وفي مقام المرجعية كما فعل صدر في تفويض التعيين للناس، يُفوض لهم أيضًا تصدي الحكم؟

يبدو أن قصد الشهيد صدر من هذا التعبير هو التفريق بين مقام المرجعية والمقامين الآخرين. لأن تطبيق المرجعية على الأشخاص ليس من اختصاص الناس، فهم عمومًا لا يملكون القدرة على اكتشاف الدرجات العلمية. لذا فإن قوله إن «تطبيق مقام المرجعية على الأشخاص من اختصاص الناس» يشير ظاهريًا إلى تصدي أمر الحكم والزعامة من قبل المرجع. لأنه في موضع آخر يكتب: «الخلافة والحكم من نصيب الجماعة البشرية، وخط الشهادة للمراقبة والتوجيه والتدخل في الحالات التي تقتضيها الظروف». (صدر‌ ۱۳۹۲۳‌: ۱۷۳)

فبعد تأمين شرعية حكم الناس على الناس في البناء السياسي بواسطة خط الخلافة، وبالتفريق والشرح الذي يقدمه عن مقامات أصحاب خط الشهادة، يبيّن آلية اختيار الحاكم خصوصًا في عصر الغيبة وغياب مقام النبي والإمام. كما يرى أن التقاطع بين خط الشهادة والخلافة بعد الهبوط وظهور الفساد في الأرض هو بحكم ضرورات حركة التطور البشري، ويؤكد أنه في خط الشهادة وبعد الإمام الذي هو مقام المرجعية لا يمكن الجمع بين الخلافة والشهادة:

«هكذا يصبح خط الشهادة وخط الخلافة في شخص واحد، وهو النبي، واحدًا… وفي كل حالة يُقرر فيها جمع خط الخلافة والشهادة في شخص واحد (بحكم ضرورات حركة التطور البشري) يُلاحظ أن العصمة شرط أساسي لذلك المحور الذي يُقرر أن يلعب دورًا في كلا الخطين معًا؛… خلافة الجماعة البشرية في مرحلة التحول الثوري التي يقوم بها النبي باسم الله، هي من الناحية النظرية ثابتة وقاطعة، لكن هذه الخلافة من الناحية العملية بمعناها الكامل ليست محققة. فالنبي عمليًا هو الخليفة الحقيقي وهو المسؤول عن رفع الجماعة البشرية إلى المستوى والمرتبة التي لهم في الخلافة». (صدر، ١٣٩٣: ١٨٠)

«على عكس المراحل السابقة التي كان فيها خط الشهادة والخلافة مجتمعين في شخص واحد، أي النبي ووصيه، في هذه المرحلة [المرجعية] انفصل هذان الخطان؛ لأن من الناحية العقائدية، جمع هذين الخطين في شخص واحد صحيح فقط في حالة وجود معصوم قادر على أداء الدور في كلا الخطين، وفي الظروف التي تفتقر فيها المجتمع إلى وجود مثل هذا الشخص، لا يمكن جمع الخطين في شخص واحد». (صدر‌، ١٣٩٣‌: ١٨٨)

الصياغة النهائية التي طرحها صدر للنظام السياسي والحكومي في عصر الغيبة، والمبنية على الآراء الإنسانية التي قدمها في المناقشات السابقة، هي أن «الإسلام في عصر الغيبة قد وزع مسؤولية خط الخلافة وخط الشهادة بين المرجع والأمة، وبين الاجتهاد الشرعي والمجلس العرفي.» (صدر، ١٣٩٣: ١٩٠)

ما يمكن طرحه هنا كنقد لرؤية صدر ورسم أفق بديل للخليفة الإلهي الإنسان الكامل هو أنه من المؤكد أن حكم الناس على الناس بمعنى حكم جميع الناس على جميع الناس غير ممكن. لأن من الضروري أن يقوم شخص واحد أو عدد قليل بممارسة الحكم. والسؤال هنا هو، مع الأخذ في الاعتبار مساواة البشر في التمتع بصفات الخلافة ومشتقاتها من ضمنها الحكم، ما هو المعيار لطرد الآخرين من هذا المجال وتعيين عدد قليل منهم لتولي مسؤولية الحكم؟

لذا، من هذه الناحية، يُوجه نقد لرؤية المرحوم صدر بأنه بتصور منح مقام الخلافة بشكل متساوٍ لجميع البشر، أولاً وبالذات اعتبر جميع البشر أهلين للحكم على أنفسهم، وجعل مقام الإنسان الكامل الذي وصفه بـ «خط شهادة الأنبياء» في عرض خط الخلافة كمراقب له. بينما يجب الانتباه في شأن هذين المقامين إلى أن خط شهادة الأنبياء الذي هو بالذات خاص بالأنبياء والأئمة الطاهرين؛ من جهة هم أنفسهم من نوع الإنسان، وبالضرورة يجب أن يكونوا أصحاب مقام الخلافة، ولكن بما أن مقام الخلافة يستمد هويته وقيمته كلها من تعليم الأسماء للإنسان، ووفقاً للروايات فإن هذه الأسماء لم تكن إلا أسماء المعصومين(ع)، إذن المعصومون أنفسهم الذين هم أيضاً بشر يجب أن يكونوا عين الخليفة. بمعنى آخر، ليس الأمر أنهم مثل باقي البشر قد فرض عليهم مقام الخلافة، ومن ثم يُعتبر «أمانة» تُسترد. بل إن المعصومين(ع) هم عين الخلافة الإلهية التي بواسطتهم وتعليمهم للأسماء، غُطّي مقام الخلافة على باقي البشر. إذن في كل مرحلة يجب أن يُعتبر مقام الشهادة أو الإنسان الكامل متقدماً على مقام الخلافة الإلهية لباقي البشر. ويجب الانتباه إلى عدم الخلط بين مقام الولاية التكوينية والتشريعية الإلهية. ما أشار إليه صدر بـ «شهادة الأنبياء» هو ذات خط الولاية الذي أُعطي لهم من الله تعالى، وهم أيضاً لهم ولاية ومقام إشراف على باقي الناس. لذا لا يمكن وضع هذين الخطين في عرض بعضهما البعض. بينما مقام الولاية هو مقام أسمى من خط الخلافة العامة، ولا يمكن أن يكون تعبير صدر بأن «الولاية بين جميع المؤمنين سواء من الرجال أو النساء تسري بشكل متساوٍ» (صدر‌, ۱۳۹۲۳‌: ۱۹۰‌) تعبيراً دقيقاً وصحيحاً.

وفي الوقت نفسه، يؤكد صدر أنه في عصر المرجعية لا تتجمع شهادة وخلافة في شخص واحد؛ والنتيجة الفاسدة لهذا القول هي أنه أولاً في عصر المرجعية؛ الإمام المعصوم الذي يجمع خط الخلافة والشهادة، غائب عن الأنظار، أي معدوم. كما أن اجتماع الشهادة والخلافة لا يحتاج بالذات إلى العصمة النسبية والذاتية، بل المرجعية أيضاً كما بيّن صدر يمكن أن تقترب من مقام العصمة بالاقتناء للعدل والتقوى. (نک: صدن ۱۳۹۳: ۱۶۳)

٥. بناء النظام الفقهي والأسس الاعتبارية الإنسانية

بالنظر إلى ما قُدم حول الإنسان في المناقشات السابقة، يُطرح محوران وصفيان من الأسس الاعتبارية الإنسانية[11] في بناء النظام الفقهي:

أ: وصف سير الاعتبارات أثناء هبوط الإنسان؛ أي ارتباط هبوط الإنسان بموضوع «الاعتبار» الشرعي من جانب إلهي.

ب: وصف علاقة نظام الاعتبارات الشرعية المتجسدة في علم الفقه، بعملية بناء النظام التي تعني تصميم البنى الاجتماعية للبشر في مجال الإدراكات الحقيقية والاعتبارية[12]. كما سيتم بيان علاقة الإدراكات الشرعية والاعتبارية العرفية في عملية بناء النظام.

5-1. هبوط الإنسان، التشريع والاعتبارات

تم التطرق في الأقسام السابقة إلى موضوع خلق الإنسان، مقام الخلافة الإلهية، وعلاقة هذا المقام بغاية خلقه. في هذا المبحث سيتم شرح أصل الهبوط وبدء التشريع الإلهي ومكانة الاعتبارات في هذا السياق. عندما ارتكب الإنسان المعصية الأولى، صدر الأمر بهبوطه إلى الأرض:

فَأَزَلَّهُمَا الشَّيطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ (سوره بقره، آیه 36)

ثم في الآية التالية أُبلغ أول تشريع إلهي إلى الإنسان، ويتعلم استراتيجية العودة والتوبة إلى الله:

فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (سوره بقره، آیه 37)

يبدو أنه وفقاً للغة القرآنية صدر أول تشريع، وبعبارة أخرى أول حكم شرعي اعتباري للحياة الإنسانية في هذه المرحلة. وهذا الاعتبار لم يكن موجهاً لتنظيم حياته الفردية، بل كان موضوعه علاقة الإنسان بمبدأ الوجود. بينما في نظر المتكلمين، الحديث عن أول واجب للإنسان له موقف نظري مختلف عن هذا المنظور القرآني. بعضهم يرى أن أول واجب هو الوجوب العقلي في الأدلة على معرفة الله، ويعتبرون هذا الواجب عقلياً ومقدماً على الواجبات السمعية الأخرى. (سیدمرتضی، ١٤١١هـ: ١٦٧) بناءً على ذلك، قبل الهبوط وأول تشريع في اللغة القرآنية، وُضع الوجوب العقلي للنظر في الواجبات الإلهية كأول حكم اعتباري وتشريعي للإنسان. ويعتقد الشهيد صدر أن أول واجب وقع على آدم هو أن يمتنع عن الشجرة الخاصة في هذه الحديقة الصغيرة، لكي يستطيع الإنسان الخليفة لله أن يعمل بحرية أمام شهواته…«. (‌ ‌صدر، ١٣٩٣: ١٧٠)

به اين ترتيب يمكن تفسير أول المبادئ الإنسانية التي تدل على بداية الاعتبارات. هذا الأساس له أثر فقهي مهم في تصميم عناصر الفقه النظامي، لأن أساس اختيار التكليف الأول كوجوب، من حيث الدليل، هو دفع الضرر المحتمل في الآخرة (سیدمرتضی، ١٤١١هـ: ١٦٨)، وهو قاعدة كلامية فقهية لها آثار شرعية متعددة.[13] (بجنوردی، ١٤١٩هـ: ج ٧: ٣٣٣) بناءً على هذه القاعدة، يعرض الشهيد الصدر نظرية مهمة وقيمة تحت عنوان «حق الطاعة» تختلف عن الرأي الشائع وتقف في مواجهة نظرية قبح العقاب بلا بيان والحكم بالبراءة بناءً عليها.[14] (صدر، ١٤٢١هـ: ٤٣‌) هناك رأي آخر في المناقشات الكلامية يرى أن التكليف الأول هو وجوب معرفة الله، ويعتقد أن هذه المعرفة هي أول تكليف يقع على المكلفين عقلاً وسمعاً، وأن باقي الواجبات والتكاليف تعتمد عليها. في هذا المنهج، يُلغى فرض الإنسان المكلف قبل الرسالة الإلهية وفرض وجود فرد أو مجتمع بشري بدون رسالة شرعية مأخوذة من السمع. (مکدرموت، ١٣٦٣: ٩٢)

الثمرة الفقهية والأصولية لهذا الرأي هي أنه في مناقشة «التحريم والإباحة»، يُلغى قدرة العقل على تمييز الإباحة أو التحريم لما يُسمع من مباح أو حرام، ولذلك فإن ترك الإنسان بدون سمع يتعارض مع الحكمة الإلهية. بناءً على ذلك، وبما أن هذه الحالة تؤدي في النهاية إلى اعتبار أفعال مباحة لا يستطيع العقل تمييز مباحها من حرامها، فإن تقدم التكليف العقلي على السمعي هو ظاهرة مذمومة ومستحيلة. (شیخ‌ مفید‌، ١٤١٣هـ: ٤٣)

بناءً عليه، فإن النظام الفقهي مبني على الاعتبارات الشرعية، وهذه الاعتبارات تعتمد على قراءتها الخاصة للإنسان والمنهجيات الإنسانية المطروحة في هذا السياق مثل كيفية خلقه وهبوطه، وكذلك كونه مخاطباً للتكاليف الإلهية. هذا التحليل يعبر عن المنطق النظري وميدان العناصر والمبادئ المؤثرة في بناء النظام.

5-2. الفرق بين الاعتبارات الشرعية والاعتبارات العرفية

الاعتبارات التي تُوضع وتنتشر في العرف لا مصدر لها سوى العقل والإدراك البشري. القوانين والأحكام المتعلقة بالزواج، الملكية، تأمين الأمن والصحة، والحكم من بين الأمور التي صيغت أغلبها بواسطة العقل والخبرة البشرية. مصدر إصدار الاعتبار والواجبات والنواهي هو جهاز الشريعة، ووجوه الإلزام به تحددها الشريعة. مع ذلك، يجب الانتباه إلى أن هذه الاعتبارات العرفية أيضاً تُلهم من الله تعالى، الذي هو مصدر كل الوجود، إلى الإنسان. (طباطبایی‌، ١٤١٧هـ: ج ٢: ١١٦) ورغم أننا نعتبر الاعتبارات بلا مصدر خارجي والإدراك الحقيقي له مصدر خارجي، إلا أن كل العلوم والأحكام تعتمد على فعل الله تعالى؛ لأن كل ما له نصيب من الوجود هو نتيجة فعل إلهي. لذلك، عندما يُذكر قانون طبيعي وعقلي كإدراك حقيقي، فإنه يشير إلى أن الله تعالى ربط دائماً علاقة بين هذا الموضوع والمحمول. وكذلك الأمر عندما نعتبر حكماً ارتكازياً عقلياً كاعتبار ونفرض عليه إلزاماً. هذا النوع الثاني يعني أن الله تعالى خلق الإنسان بحيث يقوم بهذا الارتكاز بشكل فطري. (طباطبایی، ١٤١٧هـ‌، ج ٨: ٦٦)

5-3. الاعتبارات النظامية وخلفيتها الفقهية

المقصود بالاعتبارات النظامية هي القواعد الشرعية الاعتبارية التي تصدر عن جهاز الشريعة وتدعم القواعد الواقعية في تركيب الأنظمة.

في موضوع بناء النظام، يمكن النظر إلى الاعتبارات في ثلاث مراتب: المرتبة الأولى تتعلق بـ«التصورات» وتكوين المفاهيم، والمرتبة الثانية تشمل «التصديقات» وإصدار الأحكام، والمرتبة الثالثة تتعلق بجعل الحكم الجزئي. يمكن تفصيل هذا الترتيب كما يلي:

١. مرتبة خلق الطبيعة: هذه المرحلة تتم أو بمعنى أوسع وفقاً لروح المعنى؛ بمعنى أن الاعتبار هنا ليس توسعاً واقعياً، بل اتساع المعنى في التوافق مع معنى آخر مكتشف، أو أن شخصاً ينقل طبيعته ادعائياً وتنزيلياً تحت طبيعة أخرى، أو يرفع طبيعة عن ما تقتضيه. ما يجب الانتباه إليه هنا وفي محل بحث هذا المقال، أي بناء النظام وعلاقة الإدراكات الحقيقية والاعتبارية في بناء الأنظمة، هو أن موطن الحقيقة أوسع من موطن الاعتبار. لأن أساس الحقيقة هو نفس الأمر والطبيعة، وأساس الاعتبار هو الوجود. لذلك، لا يلزم أن تمتد مقتضيات مرتبة الوجود إلى مرتبة نفس الأمر والطبيعة، لأن في عالم الوجود خلق الفرد فقط مفترض وليس خلق الطبيعة. (سوزنچی، ١٣٩٥: ١٣) لذلك، عندما يتم الاعتبار في عملية بناء النظام، فإن مقتضيات هذا الاعتبار لا تقع ضمن نطاق الشخص المعتَبَر، بل من خلال تقديم طبيعة هذا الاعتبار تظهر العلاقات نفس الأمر مع باقي الطبائع (الاعتبارية وغير الاعتبارية).

٢. مقام جعل الحكم الكلي: للتخلص من التنازعات التي تنشأ بين الحسن والقبح للأفعال والمصالح والمفاسد الخاصة بها، نحن بحاجة إلى «أحكام» اعتباريّة تتمكّن في مقام التحقيق الخارجي للاعتباريات من التوفيق والتقليل بينها. النقطة المهمة في هذه المرحلة التي ترسم بنية نظامية بواسطة الاعتباريات الشرعية ونفس الأمر هي أن الاعتباريات، التي هي مجموعة من الواجبات والمنهيات القيمية، لها مقام منفصل عن الحسن والقبح العقلي للأمور، وهذا الأمر مهم جداً في تصميم مكونات المعرفة والهياكل العلمية للنظام. لأننا في الحسن والقبح العقلي نواجه ثلاثية الحسن، القبيح والمحايد. لكن في الاعتباريات الخمسة: الوجوب، الحرمة، الاستحباب، الإباحة والكراهة تشكل الهيكل الأساسي للمجموعة المعنية. مع هذه التوضيحات يتضح أن هذا المقام مرتبط تماماً بعالم الثبوت لا الإثبات. بمعنى آخر، هذا مقام يقوم فيه الشارع بنفسه بجعل الحكم مع مراعاة المصالح والمفاسد، ولذلك فهو مرتبط بالمستنبط للمجعولات الشرعية وليس بالمجتهد. (سوزنچی، ١٣٩٥: ١٤) من جهة أخرى، مع هذا الاختلاف في ساحة الصدور يجب أن يثبت النسبة إلى الاعتباريات في مقام الجعل والإصدار. هذه النسبة ستكون ذات وجهين، لأن من جهة المبادئ الاعتبارية تُحدد الأحكام التكليفية والوضعية، ومن جهة أخرى في أمر بناء النظام يجب أن يُفسر مسار الكشف والجعل للواجبات الشرعية باعتبارها اعتباريات.

فيما يتعلق بمبادئ وأُسس مفاهيم الاعتباريات الشرعية وخاصة في الأحكام الوضعية، هناك اختلاف في الرأي. بعضهم يعتبرها من الأمور المجردة ومنشأ التجريد هو الأحكام التكليفية. على سبيل المثال، مفهوم الاعتباري للملكية منتزع من الحكم التكليفي بجواز التصرف للمالك وعدم جواز التصرف لغير المالك. لذلك قالوا:

«وأما في المعاملات… فإذا وُجد سبب لأمر آخر كسببية البيع للملكية والنكاح للزوجية… فهذه الأمور بنفسها ليست أحكاماً شرعية، نعم، الحكم بثبوتها شرعي وحقائقها، أما الأمور الاعتبارية فهي منتزعة من الأحكام التكليفية كما يُقال الملكية كون الشيء بحيث يجوز الانتفاع به وبعوضه… أما الأمور الواقعية فهي كشف عنها الشارع…». (انصاری، ١٤٢٨هـ، ج ٣: ١٣٠-١٢٩)

المحقق الخراساني أيضاً يرى وقوع أنواع من الاستقلال والانتزاع في الاعتباريات، وبناءً عليه يرفض إمكانية الجعل الاستقلالي لجميعها. أي إنه يعتبر الأحكام الوضعية إما بجعل استقلالي أو منتزعة من الأحكام التكليفية. لذا يمكن تقديم تقسيم للحالات المختلفة لجعل الاعتباريات الشرعية كما يلي:

١. قسم يُجعل تشريعياً مستقلاً ولا يتبع التكليف.

٢. قسم لا يمكن جعله تشريعياً إلا تبعاً للتكليف.

٣. قسم يمكن اعتباره مجعولاً مستقلاً كما يمكن اعتباره تابعاً لتكليفه بمعنى أن يكون التكليف منشأً لانتزاعه، مثل الحجية والقضاء.

لكن في النهاية، ما هو أقرب إلى الصحة هو أن الأحكام من جهة الإنشاء منتزعة بشكل مستقل، والتكليف من آثار وأحكامها. (خراسانی، ١٤١٧هـ، ج ٤: ٤٧٤-٤٧٣)

بعض آخر يرى أن المفاهيم الاعتبارية من الأمور الحقيقية التي تقع تحت مصاديق الأعراض المتصلة الخارجية، ولها وجود خارجي مستقل عن الجعل والإنشاء. المرحوم سيد كاظم طباطبائي في هامش على المكاسب عن مفهوم الاعتباري للملكية يقول: «إن الملكية وإن كانت من الأعراض الخارجية، إلا أن حقيقتها ليست إلا اعتباراً عقلائياً». (یزدی، ١٤٢١هـ، ج ١: ٥٤) وكذلك في موضع آخر قال: «إن الملكية من الأمور الاعتبارية، وجودها عين الاعتبار العقلي وليست كالأسود والأبيض المحتاجين إلى محل خارجي، بل يكفيها المحل الاعتباري، بل أقول: إن جميع الأحكام الشرعية من الوجوب والحرمة ونحوهما… اعتبارات عقلائية، حقيقتها عين الاعتبار ولا وجود لها في الخارج غير الاعتبار، فتكفيها المحل الموجود في اعتبار العقلاء…». (یزدی‌، ١٤١٤هـ‌، ج ١: ٢١٠-٢٠٩)

بعض المبادئ الاعتبارية يربطها بطبيعة الاجتماع ويرى أن أصل جعلها في الاعتبارات بعد الاجتماع. مثلاً في مفهوم الملكية، أصل هذا المبدأ تحت عنوان «الاختصاص» وثابت قبل تحقق الاجتماع. لذا قالوا: «اعتبار الاختصاص من الاعتبارات العامة، لأنه إذا افترضنا الإنسان وحيداً ومنفرداً، في كل استخدام له للمادة إذا ظهر مانع أو مزاحم (ولو لم يكن إنساناً أو كائناً حياً آخر بل كان مانعاً طبيعياً) يريد أن يمنع الإنسان الفاعل من الأصل النشاط أو من إتمام النشاط، فإن الإنسان لا محالة، سواء أراد أو لم يرد، يرتقي إلى مقام الدفاع وبنشاطه الدفاعي يعتبر المادة كنسبة بينه وبين المادة، ونتيجة لذلك ينشأ في تصوره مفهوم الاختصاص (هذه المادة لي) وهذا المفهوم هو الاختصاص المطلق الذي أصل الملكية أحد فروعه.» (طباطبایی، ١٣٧٢، ج ٢: ٢٠٦-٢٠٥‌ و ٢١٢‌)

٣. مقام جعل الحكم الجزئي: في هذه المرحلة يتم الحكم الجزئي بواسطة موضوعية الموضوع ومطابقته للحكم الكلي الشرعي. هذه المرحلة إما تعني كشف الحكم الأولي من مصداق مشكوك فيه أو تعني رفع التنازعات في الأمور الجزئية الخارجية، وهنا أيضاً كما في مقام الثبوت، هناك حاجة إلى اعتبار جديد لتقليل وتفكيك الاعتباريات السابقة. (سوزنچی ١٣٩٥: ١٥) هذه المرحلة التي تمثل التصميم النهائي من جوهر بناء النظام الفقهي المرتبط بالاعتباريات المذكورة يمكن تقسيمها إلى:

أ. التصور المفاهيمي: الخطوة الأولى والأهم في إنتاج الفكر وتوسيع نطاق التفكير هي إنتاج المفاهيم والهياكل اللغوية العلمية لوصف الموجودات وخلق الواجبات الاعتبارية في مجال بناء الأنظمة. من خلال إنتاج المفاهيم وتوسيع دائرة المعاني التي تدل على مستويات مختلفة من العلاقات الاجتماعية، يمكن ضمان تدفق تراكم المعرفة والعلاقة الجدلية العلمية في الوصول إلى الاستراتيجيات والاستجابة للقضايا الاجتماعية. ويعتبر مبتكرو نظرية الاعتبارات هذا العملية من الترابط الاجتماعي مرتبطة بالاعتبارات بعد الاجتماع (طباطبایی، ١٣٧٢، ج ٢: ٢١٩).

ب. تشخيص المشكلة: من أهم تطبيقات بناء الأنظمة هو تجاوز التحديات والقضايا الكبيرة والصغيرة في مسار الحياة الجماعية. على الرغم من أن هيكل النظام يسبق ظهور المشكلة، وأن النظام يُصمم أساسًا ليجيب على مجموعة من القضايا والاحتياجات في إطار خطة شاملة مسبقة، إلا أن الطرق المتبعة في اكتشاف القضايا والمواضيع تحظى بأهمية خاصة. خصوصًا أن الموضوع في الأدب الفقهي يُعتبر سبب الحكم، وفهمه متوجه إلى الفقيه والمستنبط الديني، على عكس المصاديق التي تقع مسؤولية مطابقتها للأحكام الشرعية العامة على المكلف. في فهم إطار المشكلة، خاصة في مجال بناء الأنظمة، يمكن الاستفادة من النماذج المختلفة المطروحة في العلوم الاجتماعية، وفي النهاية تطبيق آلية الاعتبارات التي تم ذكرها.

على الرغم من أن المشكلة في علم الفقه تظهر عند السعي لفهم حكم تكليفي أو وضعي لمسألة ما، إلا أن بعضهم يرى أن تشكيل المشكلة مرتبط بإدراك أعضاء المجتمع لظاهرة غير مرغوبة، شائعة وقابلة للحل. أي أنه خلافًا للمكان الذي نعتبر فيه كل فعل وتأثير فعلي له حكم فقهي ومشكلة فقهية، في هذا المنظور يرتبط بناء المشكلة ارتباطًا كاملاً بالقيم الذهنية للمجتمع، ولا يمكن للمعايير الموضوعية أن تؤثر فيها (لوزیک، ١٣٩٤: ٣٠-٢٩). في هذا الرأي، إذا كانت المشكلة كاذبة أو مخفية، أي أن الظاهرة غير مرغوبة حقًا لكن الناس لا يعتبرونها كذلك، أو إذا كانت الظاهرة مرغوبة والناس يعتبرونها غير مرغوبة، فإن نتيجة اكتشاف المشكلة ليست صحيحة. لهذا السبب، استنادًا إلى الهيكل الاعتباري الذي ذُكر، يجب أن يكون بناء النظام الديني والفقهي مبنيًا على إدراك متزامن للعالم المادي والمعنوي. بناءً على ذلك، إلى جانب الأمور التي تُعتبر قبيحة فقط بناءً على القيم الذهنية، يمكن ذكر الأمور التي لها قبح بالطبع (طباطبایی، ١٣٧٢‌: ٥ و ٩). مع ضمان الدور الرقابي لجهاز الشريعة والعالم الغيبي في اكتشاف القضايا الحقيقية وبُنىها في بناء النظام، يجب إيلاء اهتمام بالغ أيضًا لخصوصية وتفرد تلك القضايا. على الرغم من أن الدين لا يصدر أحكامًا عامة للقضايا الشخصية والفردية، إلا أن بعض الاحتياجات التي تُعد مصدرًا للواجبات الاعتبارية مرتبطة تمامًا بالفرد ومنبعها حاجته الشخصية (شریعتی سبزواری، ١٣٨١، ج ٢: ٢٩٢). لذلك، يجب أن يكون وضع الأنظمة الاعتبارية اللفظية في هذه الظروف أيضًا وضعًا نوعيًا لا يُراعى فيه المادة والشكل الخاص، بل يُنظر إليه كعنوان ووجهة (صدر، ١٤١٧هـ، ج ١: ٩٥-٩٤). وهكذا، تم توضيح طبيعة الاعتبار في بناء النظام عند تشكيل المشكلة من حيث وضع الاعتبارات وظروف العمل بالواجبات.

ج. حل المشكلة: بالنظر إلى المبادئ المذكورة حول الاعتبارات، يجب الانتباه إلى أنه في تصميم هياكل حل المشكلات في الأنظمة الاجتماعية المختلفة، لا يمكن الاعتماد كليًا على البرهنة في حل المشكلات، لأن نوع القضايا الاجتماعية التي تقع ضمن الإطار والهياكل المعرفية الدينية هي من نوع الاعتبارات التي لا يمكن تعليلها علميًا وفلسفيًا، إلا في الحالات التي تكون من القوانين الطبيعية ومن الإدراكات الحقيقية (طباطبایی، ‌١٣٧٢، ج ٢: ١٣٠).

من بين الاستراتيجيات الأخرى لحل المشكلة التي يمكن تتبع مبادئها ثم آثارها في بناء النظام الفقهي هو مزيج من الاعتبارات الثابتة والمتغيرة. على الرغم من أن الإدراكات الاعتبارية، كما ذُكر سابقًا، مؤقتة وغير دائمة مقارنة بالإدراكات الحقيقية، إلا أن من بين هذه الاعتبارات الشرعية والعرفية تلك التي تتوافق مع الاحتياجات الفطرية للإنسان ولها موقع كلي مقارنة بالاعتبارات الأخرى، فهي دائمة وباقية، مثل أصل الاعتبارات الوجوبية أو أصل التوظيف ونظائرها. أما الاعتبارات التي تتعلق بالاحتياجات المؤقتة وغير الثابتة فلا تتمتع بالدوام، ومع زوال المعيار الذي أُنشئت من أجله، تزول تلك الاعتبارات أيضًا. (شريعتي سبزواري، 1381: 291-292)

في مجال الأحكام يمكن ملاحظة هذا الثبات والتغير أيضًا. يرى المرحوم صدر أن أحكام الشريعة الإسلامية المقدسة هي أحكام ثابتة مبنية في الشريعة نفسها على دليل من أدلة الكتاب والسنة والإجماع والعقل، ولا يجوز فيها أي تغيير أو تبديل لأنها تشمل جميع المقتضيات والأحوال، فلا خيار إلا تنفيذها دون تعديل. أما التعاليم والقوانين من النوع الثاني فهي قوانين متغيرة تتغير بتغير مقتضيات الدولة والحكم، ومنبع تغيرها وتطورها هو أنها لم تُذكر بنص صريح في الشريعة، بل تُستنبط من أحكام الشريعة بناءً على المقتضيات والأحوال التي هي مجال التغير والتحول (صدر، ١٤١٠هـ: ٣٥٥).

عرّف صدر نظريته “منطقة الفراغ” تحديدًا في مجال الأحكام المتغيرة، ويعتقد بعضهم أن الأحكام المتغيرة التي تصدر في مجاري منطقة الفراغ إذا كان مصدر صدورها هو الولي والحاكم الديني تُسمى “الأحكام الحكومية”، ومناطها وسببها المصلحة التي استند إليها الحاكم الديني في وضع هذا الحكم المؤقت (حسینی؛ ۳۱۴:۱۳۸۰).

إذاً، تُقسَّم الاعتباريات إلى قسمين: ثابت ومتغير، لكي تتمكن من أداء دورها الإلزامي والاعتباري حسب احتياجات الزمان. وبالمثل، كما لوحظ، تُقسَّم الأحكام المنبثقة من الاعتباريات الشرعية أيضًا إلى قسمين: ثابت ومتغير. ونظرًا لأن التوافق مع متغيرات الزمان يعني التمتع بصفة شمول مصاديق مختلفة لمسألة وموضوع معين، فلا بد أن تكون الاعتباريات التي تُؤخذ في هذا الجانب كلية، لكي تؤدي هذا الدور للمتغيرات. (شریعتی‌سبزواری، ۱۳۸۱، چ ۲: ۲۹۵) وبالمثل، في ماهية الأحكام، يمكن الاستشهاد بنظرية الخطابات القانونية كدليل على كلية ماهية الأحكام الشرعية. فوفقًا لهذا الرأي، لا تنحل الخطابات الشرعية إلى خطابات متعددة ومتفرقة بعدد المكلفين، بل تُحمَّل على عنوان عام يشمل هذه المصاديق. لذا، ليس من الضروري أن يكون جميع مخاطبي الحكم الشرعي مستوفين لشروط أداء ذلك التكليف، بل يكفي وجود طائفة منهم مستوفية للشروط لتحقيق الغرض. (خمینی، ۱۴۱۸هـ، ج ۲: ۲۴۱-۲۴۳‌ و ۴۵۲)

وبالنظر إلى مقتضيات المجتمع البشري وضعف الإحاطة بالعلوم المختلفة، وما يترتب على ذلك من ظن غالب في معظم المناهج العلمية، يجب أن يُبنى أحد أهم أسس حل المسائل في الأنظمة الاجتماعية على الظن الاطمئناني وليس العلم اليقيني، وهو ما تؤيده الإدراكات الاعتبارية أيضًا. وهذا الظن هو ما يدفع إلى العمل في عرف العقلاء في العالم. بناءً على ذلك، فإن تقرير الواقعية الإسلامية ليس مجرد سرد للحقائق البسيطة والخام. (مصلح، 1392: 89)

النتيجة

الأحكام الفقهية باعتبارها اعتباريات شرعية لها مبادئ إنسانية تنبع من منظومة ونظام المعرفة الدينية. وفي مجال بناء الأنظمة، حيث نواجه مزيجًا من الاعتباريات العرفية والشرعية، فإن العلاقة والنسبة التي تربط بينهما والاعتماد على المنطق النظري لإنتاج الاعتباريات تحتاج إلى دراسة وبحث علمي، وقد تناول هذا المقال ذلك. وبناءً على ذلك، وبالنظر إلى مقتضى التفكير متعدد التخصصات في بناء الأنظمة، تم تناول موضوع المبادئ الإنسانية لبناء النظام الفقهي من وجهة نظر ثلاثة مجالات معرفية: العلوم العقلية (الفلسفة والكلام)، الفقه، والعلوم الاجتماعية، من خلال دراسة وصفية وتحليلية، مع التركيز على الأصول المشتركة لهذه العلوم في الوصول إلى إنتاج أنظمة اجتماعية. ومع ذلك، فإن موضوع بناء الأنظمة في السياق العلمي يحمل دلالات كثيرة، ومن الضروري أن تُجيب الأبحاث العلمية المستقبلية بشكل محدد على الأسئلة التالية:

أ. السؤال الجوهري: هل بناء النظام هو نظام خطابي منهجي توجهي أم غايته محددة؟

ب. السؤال المنهجي: هل بناء النظام عملية برمجية (نرم‌افزاري) أم مادية (سخت‌افزاري) أم مزيج منهما؟

ج. السؤال الخاص بالخصائص: أي علم وأي فرع علمي هو المسؤول عن بناء النظام في المجال البرمجي وإنتاج المعرفة؟

المصادر

1. القرآن.

2. ابن بابويه، محمد بن علي. (۱۳۹۵هـ). كمال الدين وتمام النعمة. طهران. الطبعة الثانية.

3. الأنصاري، مرتضى بن محمد أمين. (۶۲۸ ۱هـ). فرائد الأصول. الطبعة التاسعة. قم: مجمع الفكر الإسلامي.

4. بجنوردي، سيد حسن بن آقابزرگ الموسوي. (۱۶۱۹هـ). القواعد الفقهية. السيد حسن لبجنوردي، ٧ مجلدات. قم: نشر الهادي.

5. پارسانيا، حميد. (١٣٧٣). الوجود وهبوط الإنسان في الإسلام. قم: دفتر نشر معارف.

6. حسيني، سيد علي. (١٣٨٠). تحليل النظريات المتعلقة بالأحكام الحكومية في فقه الإمامية. أطروحة دكتوراه. جامعة الإمام الصادق (ع).

7. خميني، مصطفى. (۱۶۱۸هـ‌). تحريرات في الأصول. قم: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام خميني (ره).

8. سوزنچي، حسين. (١٣٩٥). تقرير «الحقيقة وطريقة الاعتبار». فصلية العلوم الإنسانية الإسلامية صدرا. السنة الخامسة. العدد ١٩.

9. شريعتي سبزواري، محمد باقر. (١٣٨١). تحرير على أصول الفلسفة ومنهج الواقعية لعلامة طباطبائي. قم: مؤسسة بوستان كتاب.

10. شريف مرتضى، علي بن حسين. (٦١١ هـ ق). الذخيرة في علم الكلام. بتحقيق أحمد حسيني. قم.

11. شيخ حر عاملي، محمدين حسن. (١٣٨٠). الجواهر السنية في الأحاديث القدسية (كليات الحديث القدسي). طهران. الطبعة الثالثة.

12. شيخ مفيده محمدين محمد. (۱۶۱۳هـ). أوائل المقالات. بتحقيق إبراهيم الأنصاري. قم.

13. صدر، سيد محمد باقر. (۱۶۲۶هـ). اقتصادنا (الموسوعه الشهید الصدر ج۳). قم: مركز الأبحاث والدراسات التخصصية للشهيد الصدر.

14. صدر، سيد محمد باقر. (١٣٩٣). الإسلام قائد الحياة. مكتب الإسلام ورسالتنا. قم: منشورات دار الصدر (المعهد العلمي التخصصي الشهيد الصدر).

15. صدر، سيد محمد باقر. (۱۶۱۰هـ). الإسلام بقود الحياة. بيروت: دار التعارف للمطبوعات.

16. صدر، سيد محمد باقر. (۱۶۱۷هـ). بحوث في علم الأصول. تقرير سيد محمود هاشمي الشاهرودي. قم: مؤسسة دائرة المعارف الفقه الإسلامي على مذهب أهل البيت (ع).

17. صدر، سيد محمد باقر. (۱۶۲۱هـ). شرح الحلقة الثالثة. المجلد ٣ شرح: الشيخ ناجي طالب العاملي. بيروت: دار الهدى الميامين.

18. صدر الدين الشيرازي، محمد بن إبراهيم. (١٣٩٠). الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية. تحقيق وتعليق سيد جلال الدين الآشتياني. مشهد: المركز الجامع للنشر.

19. صفائي حائري، علي. (١٣٧٩). من معرفة الدين إلى الحكم الديني. طهران: معلومات.

20. صفائي حاثري، علي. (١٣٨٣). نقد على فلسفة الدين الإله في فلسفة التفسير التأويلي للكتاب والسنة. قم: ليلة القدر.

21. طباطبائي، محمد حسين. (١٣٧٢). أصول الفلسفة ومنهج الواقعية (مقدمة وهامش بقلم مرتضى مطهري). قم: منشورات صدرا.

22. طباطبائي، محمد حسين. (١٤١٧هـ). الميزان في تفسير القرآن. قم: دار نشر جامعة المدرسين الحوزوية في قم.

23. عدالت نژاد، سعيد. (١٣٨٤). في باب الاجتهاد، حول كفاءة الفقه الإسلامي في العالم المعاصر. طهران: طرح نو.

24. قمي، علي بن إبراهيم. (١٤٠٤هـ). تفسير القمي. مجلدان. قم: دار الكتاب. الطبعة الثالثة.

25. كليني، محمد بن يعقوب. (١٤٠٧هـ). الكافي. طهران. الطبعة الرابعة.

26. لوزيك، دانيال. (١٣٩٤). نظرة جديدة في تحليل القضايا الاجتماعية. طهران: نشر أمير كبير.

27. مجتهدشبستري، محمد، (1375). التأويلات، الكتاب والسنة. طهران: طرح نو. الطبعة الثانية.

28. مدوز، دنل إتش. (1392). التفكير النظامي. عادل آذر وحامد فلاح تفتي. طهران: جامعة الإمام الصادق عليه السلام.

29. مصلح، علي أصغر. (1392). الإدراكات الاعتبارية لعلامة الطباطبائي وفلسفة الثقافة. طهران: روزگار نو.

30. مكدرموت، مارتن. (1363). الأفكار الكلامية للشيخ المفيد. أحمد آرام. طهران.

31. نائيني، محمد حسين. (1356). أجود التقريرات. تقرير أبو القاسم الخوئي. قم: مطبعة العرفان.

32. يزدي، سيد محمد كاظم الطباطبائي. (١٤١٤هـ). تكملة العروة الوثقى. مجلدان. قم: مكتبة داوري.

33. يزدي، سيد محمد كاظم الطباطبائي. (١٤٢١هـ). هامش المكاسب. مجلدان. قم: مؤسسة الإسماعيليين.

[1] «أَلَّفَ ٱلۡكِتَٰبَ أَحۡكَمَتۡ ءَايَٰتِهِۦ ثُمَّ صَلَّىٰ مِن دُونِ حَكِيمٍ خَبِيرٍ» وفقًا لرأي بعض المفسرين، تشير هذه الآية إلى أن جميع فروع الأحكام، رغم استقلاليتها، تُرجع إلى محور واحد في الدين وهو كلمة التوحيد العُليا. (طباطبایی، ١٤١٧هـ‌، ج ١٠‌: ١٣٨‌)

[2] Discipline

[3] Rights and Duties

[4] لا يُغفل أن موضوع بناء النظام مسألة معقدة وكاملة ذات أبعاد متعددة، وفي هذا المقال يُتناول جزءٌ منها فقط.

[5] في الرد على الشبهات، كتب أصحاب المنهج الحد الأدنى: «فقه الدين يختلف عن فقه الحكم، ومن الطبيعي أن فقه الدين يتولى بناء النظام وإدارته وتصميمه وتربية العناصر الفعالة وتوظيفها واستبدالها، ولا يطالب أحد فقه الحكم بهذا التصميم والتقدير والتربية والتنظيم… هل هذا التفكير بأن الواجبات والنواهي والأحكام والآداب لا تنبت في الهواء، بل تحتاج إلى نظام وبيئة وأُسس ومقاصد، وتحتاج إلى أصول وجذور، هل هو بلا أساس؟ أنت تفصل فقه الأحكام عن الإدارة والتصميم والتقدير والتربية والتنظيم، لكن التقدير والتدبير والتربية والتنظيم ترتبط بالقَدَر والاستمرارية والاتصال وبالأهداف وباتساع وحدود المجال والحيز المرئي أو الأوسع من الغيب والشهود. كيف يمكن تجاهل هذا وربط التوقعات من الأحكام بالحاكم، ومن الفقه بالحكم، ومن الفقه بالدين وبناء النظام والتصميم الكلي؟ لكل من الأديان أُسس ومقاييس. كم يمكن أن تُظهر الأفاعي أمام العيون؟… لم يطلب أحد من الفقه حكمًا تأسيسيًا، بل لا يُطلب من فقه الحكم إلا معرفة الحكم. التأسيس والتنظيم من أعمال القيادة والحكم، من أعمال الرسول والإمام، من أعمال فقه الدين… هل يجب أن يبني الفقيه الحوادث ليجيب عنها؟ الحوادث أو الموضوعات مستقلة عن كل فقيه وقيادة… يجب على الفقيه كمدرب أن يجيب عن «الوجود» ولماذا وكيف يكون الإنسان، لأن بهذا الجواب يتشكل المجتمع والسياسة والاقتصاد والقانون… المواجهة الفعالة مع الأسئلة من الطرق المؤثرة والمفيدة التي تزيح الأسئلة التقليدية وتمنع الإجابات التقليدية. الاجتهاد ليس فقط في مقام الجواب، بل يجب أن يكون متحولًا وديناميكيًا؛ فالاجتهاد في مقام التحليل وتنظيم الأسئلة له دور أساسي، وكما ذُكر، تنظيم الأسئلة وبداية ونهاية العمل مهمان، وهذا يبرز ضرورة التصميم الكلي. كما أشرنا سابقًا إلى ضرورة بناء النظام وشكله وطريقته بناءً على الأهداف والأُسس…. (صفایی‌ حائری‌، ١٣٨٣: ٩٢-٨٥) والتوضيح أكثر أن فقه الدين يتولى مهمة بناء النظام وتصميم نماذج الحكم الكلي، ويفقه الحكم يجيب على الأسئلة الجزئية والفروع الفقهية المعتادة. وبعبارة صفائي حائري، فقه الحكم لا يستطيع تقديم نموذج حول مقاصد الشريعة الكلية وأنظمتها بسبب اهتمامه بالمقاصد الجزئية، لكن مع فقه الدين الذي هو استنتاج كلي ودلالة التزامية، يمكن بناء النظام. هذا هو المسار الذي وصفه الشهيد الصدر بالحركة من البناء الفوقي (الأحكام الفرعية) إلى البناء التحتاني للأحكام (أُسس النظام).

[6] ثم جعلناكم خلفاء في الأرض (سوره یونس، آیه ١٤)، إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح (سوره اعراف، آیه ٦٩).

[7] بعض الروايات فسرت الأمانة بأنها الإمامة (قمی، 1404هـ، ج2: 1ع98) وبعضها فسرتها بولاية أمير المؤمنين (ع) (کلینی‌، 1417هـ، ج1: 413). كما يُطرح هنا سؤال لماذا وُصف هذا المقام بالأمانة؟ الجواب يمكن أن يكون أن تعبير الأمانة عن الخلافة الإلهية للإنسان يهدف إلى توضيح طابعها العرضي عليه. بمعنى آخر، الخلافة الإلهية التي تحمل كل آثار ومتطلبات المستخدم عنه للخليفة ليست من جوهره، بل هي عارضة عليه لفترة زمنية ليُتمم بها واجباته في هذا النظام ويقطع طريق عبودية الله تعالى.

[8] السبب المادي، السبب الصوري، الغائي والفاعل

[9] فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا

[10] كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ

[11] في بحث الأنثروبولوجيا يجب التمييز بين منهجين: الأنثروبولوجيا الوضعية الإسلامية والأنثروبولوجيا الغربية (Anthropology). في الأنثروبولوجيا الغربية، الإنسان لا يُفهم إلا في سياق قابل للتحليل. لهذا السبب، هذه الأنثروبولوجيا هي نوع من تصنيف البشر في سياقات ثقافية واجتماعية مختلفة. هذه الأنثروبولوجيا بطبيعتها تعددية وتتجه نحو فهم التنوع البشري، وهذا المنهج هو أساس العلوم الإنسانية في العصر الحاضر. هذا الهيمنة الفكرية تشمل المناهج الوضعية وغير الوضعية التي جذورها في التجريبية وفلسفات الحس في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وتشمل أيضًا الأنثروبولوجيا الفلسفية المعاصرة التي تستند إلى فلسفات مثل الظاهراتية عند كانط وهوسرل أو الوجودية عند كيركغارد ونيتشه. (پارسانیاء ۱۳۷۳‌: ۱۳‌-۱۳) على العكس من الأنثروبولوجيا الفلسفية والكلامية التي يُحلل فيها الإنسان باعتباره شرطًا وبالنظر إلى جوهره التوحيدي الواحد.

[12] المصطلح الاعتباري في الفلسفة يعني المفاهيم التي لا وجود لها في العوالم الخارجية (صدرالدین شیرازی، ۱۳60: ۱4)، لكن الإدراكات البشرية نفسها تُقسم إلى معرفة حقيقية ومعرفة اعتبارية. المعارف التي موضوعها الحقيقة تتعلق بنفس الأمر وتعكس الواقع الذهني. على العكس، الإدراكات الاعتبارية موضوعها الاتفاقيات التي يضعها الإنسان لتلبية احتياجاته الحيوية في الحياة الاجتماعية. (طباطبایی، 1372، ج2: 130)

[13] على سبيل المثال، في بحث البراءة العقلية استُشهد بهذه القاعدة، واعتبرها بعضهم متعارضة مع قاعدة قبح العقاب بل في الشبهات البدائية. (نائینی، ١٣٥٦، ج ٢: ١٨٦)

[14] تلميذ آية الله صدر في تقرير نظرية حق الطاعة يقول: «قال السيد المصنف (قده): نعم… وقد يُستدل على مذهب وجوب دفع الضرر المحتمل بالعقل، فمن يحتمل دخوله النار يوم القيامة مع عدم احتياطه ومع عدم وجود مؤمن بحسب الفرض، يلزمه عقله بالاحتياط». (صدر، ١٤٢١: ٤٣)