ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: ثابت و متغیر در نگاه شهید صدر، امام خمینی و علامه طباطبایی ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص: مسألة الثبات والتغير في الأحكام الإسلامية وبيان قدرة الدين على الاستجابة لاحتياجات المجتمعات المعقدة المعاصرة، هي إحدى القضايا الأساسية في الفقه والفكر الإسلامي. تتناول هذه المقالة دراسة مقارنة لهذه المسألة في آراء ثلاثة من العلماء المعاصرين البارزين. وفقًا لنتائج البحث، يؤكد الإمام الخميني (قده) على تأثير الزمان والمكان في التحول الداخلي لموضوعات الأحكام. أما العلامة الطباطبائي (قده) فيبحث المسألة من زاوية الاحتياجات المتغيرة للعصر وطبيعة الإنسان السائلة، وفي النهاية يوضح الشهيد صدر هذا الموضوع في إطار مقاصد الشريعة ودور الأهداف الكبرى الإسلامية في عملية «بناء النظام». هذا البحث يصوغ بدقة المناهج الاجتهادية المختلفة في مواجهة التحولات الاجتماعية.
المؤلف: احمد مبلغی
المصدر: کیهان اندیشه، فروردين و ارديبهشت 1376، العدد 71، ص 28 إلى 38.
المقدمة
تُخصص مقدمة البحث لذكر ثلاث نقاط:
1. أهمية وضرورة البحث: إن البحث في مسألة الثبات والتغير في الإسلام يحظى بأهمية وضرورة كبيرة. لأنه في ظل هذا البحث وتعميقه يمكن إثبات قدرة الإسلام على إدارة المجتمعات المعقدة الحالية ووضع حد للشبهات الباطلة التي تقدم الأحكام الإسلامية عاجزة أو غير كافية في حل مشاكل البشر. فهذه الشبهات، مستندة إلى الاحتياجات والصعوبات والتعقيدات المتزايدة في حياة الإنسان، تغذي الفكرة الخاطئة بأنه من المستحيل تلبية الاحتياجات المتنامية، والتغلب على الصعوبات المتزايدة، وإدارة المجتمعات المعقدة بواسطة أحكام الإسلام الثابتة.
2. علمية وحساسية البحث: إن البحث في مسألة الثبات والتغير في الإسلام ليس بحثًا بسيطًا يمكن إنجازه بتقديم أفكار عابرة وجمع مواد شعاراتية. هذا البحث من جهة يتطلب الوعي بالأوضاع المعقدة للمجتمعات البشرية، ومن جهة أخرى يتطلب معرفة بالإسلام وأهدافه وعمق تعاليمه، والاطلاع على منهج وأسس الاجتهاد. هذه المعارف شرط للدخول في حل هذه المسألة، وحل هذه المسألة يحتاج إلى نظرية؛ أي أن من يمتلك هذه المعارف يجب أن يقدم نظرية بجدية وبكامل الحساسية والدقة مع مراعاة جميع الجوانب، بحيث تتسم هذه النظرية بميزتين: من جهة تقدم صورة صحيحة وواضحة عن قدرات وإمكانات الإسلام الفريدة؛ ومن جهة أخرى تكون أساسًا وإطارًا للتخطيط الكلي، والسياسات، والاتجاهات الإسلامية.
ما ذُكر هو علامة كمال النظرية في هذا المجال. لكن هناك معيارين إذا خلت منهما النظرية فهي باطلة من الأساس:
أولًا: يجب ألا تخلط النظرية بين مجال الثابت والمتغير ولا تخلط بين أمثلة كل منهما.
ثانيًا: يجب ألا تقع النظرية في فخ الاتباع الأعمى للرأي، وغالب من لا يعرفون علم الأصول والاجتهاد ويبدون رأيًا في هذا المجال تكون نظرياتهم خالية من هذين المعيارين. بالإضافة إلى أنه لا ينبغي أن يدخل هذا المجال الخطير غير المؤهلين، بل يجب على العلماء أيضًا أن يتحلوا بالدقة والحساسية في صياغة النظريات.
3. الإمام الخميني، والعلامة الطباطبائي، والشهيد صدر، كلهم قدموا نظريات في هذا المجال. هذا المقال يقدم ملخصًا لكل نظرية، ويقارن بينها، ومن الواضح أن الدراسة المقارنة لهذه النظريات تساعد على فهم كل نظرية بشكل أفضل، وتمنح موضوع الثبات والتغير في الإسلام أبعادًا جديدة وجدية، ونتيجة لذلك تفتح الطريق لدحض الشبهات في هذا المجال. مثل:
– الأحكام الإسلامية تعيق التقدم والتنمية.
– الإسلام يفتقر إلى نظم اجتماعية وسياسية واقتصادية.
– الإسلام لم يتدخل بجدية في شؤون الناس الدنيوية لأنه جعل رسالته الأساسية توجيه الناس إلى الآخرة والاهتمام بشؤونها.
ينظم البحث في هذا المقال تحت العنوانين التاليين:
– ملخص النظريات؛
– مقارنة النظريات؛
-1-ملخص للنظريات
1-1-نظرية العلامة الطباطبائي
يقول العلامة: الإسلام يقسم أحكامه إلى قسمين متميزين ومنفصلين: الأحكام الثابتة والأحكام المتغيرة.[1]
الأحكام الثابتة: هي الأحكام والقوانين التي وُضعت بناءً على احتياجات طبيعة الإنسان الموحدة والثابتة.[2] الإسلام يسمي هذا الجزء من الأحكام التي تستند إلى أساس خلق الإنسان وخصائصه الخاصة بالدين والشريعة: «فاقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم».[3]
الأحكام المتغيرة: هي الأحكام التي لها طابع مؤقت ومحلي (أو طابع اختصاصي آخر) وتختلف باختلاف أساليب الحياة. هذا الجزء قابل للتغيير مع التقدم التدريجي للمدنية والحضارة، وتغير وتحول مظاهر المجتمعات، وظهور واندثار الأساليب الجديدة والقديمة[4]، ويختلف حسب مصالح الأزمان والأمكنة المختلفة. هذه الأحكام، كآثار للولاية العامة، تعتمد على رأي نبي الإسلام (ص) وخلفائه ومن ينوب عنهم، الذين ضمن حدود الأحكام الثابتة الدينية وبحسب مصلحة الزمان والمكان، يحددونها وينفذونها (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم). }
يُطلق على هذا النوع من الأحكام اسم “صلاحيات الوالي” وهذا الأصل في الإسلام يجيب على الاحتياجات القابلة للتغيير والتحول للناس في كل عصر وزمان وكل منطقة ومكان، ودون أن تتعرض الأحكام الثابتة في الإسلام للنقض أو الإلغاء، فإنه يلبي حاجات المجتمع الإنساني. فالوليّ الأمر للمسلمين، نظرًا لولاية العامة التي يمتلكها في منطقة حكمه، وبحكم كونه محور أفكار المجتمع الإسلامي ومركز وعيه وإرادته الجماعية، يقوم بما يمكن للفرد أن يقوم به في حياته الشخصية، لكنه يفعله في الحياة العامة. [5]
2-1-نظرية حضرة الإمام
يؤكد حضرة الإمام على مبدأين:
أ. تحول موضوع الحكم في ظل العلاقات السائدة في نظام معين إلى موضوع آخر. يقول الإمام في هذا الصدد:
المسألة التي كانت في السابق لها حكم معين، قد تبدو نفس المسألة في ظل العلاقات السائدة في السياسة والاجتماع والاقتصاد في نظام معين، وقد تحصل على حكم جديد. بمعنى أنه من خلال الفهم الدقيق للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، يصبح الموضوع الأول الذي لم يتغير ظاهريًا عن السابق، في الواقع موضوعًا جديدًا يستلزم حكمًا جديدًا. [6]
تكمن أهمية وحداثة نظرية حضرة الإمام في أنه من جهة يعتبر العصر الحالي عصر سيادة العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المعقدة؛ ومن جهة أخرى يرسخ فكرة أن العلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في العصر الحاضر تلعب دورًا محولًا؛ بحيث تغير موضوعات الشرع بسهولة وبشكل ملحوظ في إطارها. ستتضح أبعاد حداثة وأهمية ودور هذه النظرية أكثر عند تحليل الآراء.
أهم جانب في حداثة نظرية حضرة الإمام هو أنه بناءً عليها، يمكن أن يتم تحول الموضوع بشكل خفي وهادئ. أي أنه بينما يبدو وجه الموضوع هادئًا، يحدث في خلفية هذا الهدوء الظاهري تحول. قبل هذه النظرية، كان الفقهاء يرون تحول الموضوع إلى موضوع آخر عندما تظهر علامة على هذا التحول في الظاهر، مثل تحول الخمر إلى خل أو تحول الملح إلى ماء مالح… لكن الإمام، من خلال معرفته من جهة بطبيعة الأحداث المتأثرة بالعلاقات الاقتصادية والسياسية، ومن جهة أخرى بتعريف موضوع الحكم الشرعي ومناط الحكم وفلسفته، لم يحصر عملية تحول الموضوع في التحولات التي لها علامات ظاهرة، بل قدم فكرة التحولات الداخلية.
في الواقع، كما أحدث ملاصدرا من خلال تقديمه للحركة الجوهرية تحولًا في النظرة الفلسفية لموضوع الحركة، فقد أحدث الإمام من خلال تقديمه للتحول الداخلي للموضوع تحولًا في النظرة الأصولية للتحول الموضوعي. أي كما كان قبل ملاصدرا يُعطى الاعتبار للتحولات الظاهرة في تحديد مصداق الحركة، كان قبل الإمام يُنظر إلى التحولات الظاهرة في تحديد مصداق التحول الموضوعي.
بالطبع، لا نقصد من تشبيه نظرية الإمام بنظرية الحركة الجوهرية أن ندعي: أن جميع الموضوعات في ظل العلاقات الاقتصادية والسياسية تخضع لتحول قهري، وهذا الادعاء لا أساس له! لأن بعض الموضوعات – مثل الموضوعات العبادية أو العديد من الموضوعات الأخلاقية… – تبقى ثابتة في إطار الزمن؛ وإنما المقصود من هذا التشبيه هو أنه قبل نظرية الإمام كان الاعتبار يُعطى للتحولات الظاهرة. وبالطبع فإن من مهام علم الأصول أن يناقش ويحدد حالات تحول الموضوع.
ولا بد من التنويه إلى أن إثبات نظرية الإمام يحتاج إلى بحث مستقل، ونحن في هذا المقال لسنا بصدد ذلك كثيرًا، بل نركز أكثر على مقارنتها مع نظريتي العلامة والشهيد صدر.
ب. الولاية المطلقة للفقهاء: يقول الإمام في هذا الصدد:
الحكومة التي هي فرع من الولاية المطلقة لرسول الله (ص) هي من الأحكام الأولية في الإسلام وأقدم من جميع الأحكام الفرعية… [و] يمكن للحكومة أن تمنع مؤقتًا الحج، وهو من الفرائض المهمة لله، في الحالات التي ترى فيها مصلحة الدولة الإسلامية. [7]
3-1-نظرية الشهيد صدر
ملخص هذه النظرية هو:
أ. الإسلام في نظام تشريعه قد ترك منطقة خالية من حكم إلزامي (وجوب أو حرمة). [8]
ب. خلو هذه المنطقة من حكم إلزامي ليس أمرًا عشوائيًا أو ناتجًا عن إهمال أو تقصير أو نقص في نظام التشريع الإسلامي، [9] بل تم ذلك بعناية ومن باب الحكمة. فالإسلام بذلك أراد أن يجعل نظام تشريعه خالدًا ويجعله نظامًا لكل الأزمان والأمكنة. [10]
ج. أسلم هذه المنطقة الخالية من الحكم إلى ولي الأمر، ليملأها بناءً على المصالح والمقتضيات الزمنية وعلى أساس أهداف ومقاصد الشريعة. [11]
-2-النظريات
التعرف على نقاط الاشتراك والاختلاف في النظريات وكذلك نقاط التميز والقوة لكل منها يتطلب منا إجراء مقارنة بينها. نقوم بهذه المقارنة بناءً على ثلاثة محاور:
1-2-هل نظام التشريع الإسلامي مرن؟
لا شك أن النظام يكون مؤهلاً للتطبيق في ظروف مختلفة إذا كان مرناً، بحيث يستطيع مع الحفاظ على هويته ووجوده وأهدافه ومبادئه أن يقدم حلولاً للأزمات والتغيرات والاحتياجات الجديدة. ومن هنا يتضح أن المراد بالمرونة هنا ليس خضوع النظام للواقع، لأن هذا النوع من المرونة يعني زواله وتفككه وليس استمراره في الحياة وأداء دوره البنّاء! جميع النظريات الثلاث، لأنها تهدف إلى إثبات خلود الإسلام وقدرته على التكيف مع الظروف المختلفة، أخذت مرونة نظام التشريع كأمر مسلم به. ولهذا السبب، تناولت هذه النظريات موضوعات في ظل الزمان والمكان أو دور ولي الأمر في إحداث التغيير.
2-2-كيفية مرونة نظام التشريع الإسلامي
الإدلاء برأي حول هذه الكيفية هو الموضوع الأكثر علمية وحساسية وحسمًا في نقاش الثابت والمتغير في الإسلام. في هذا الصدد، تختلف النظريات مع بعضها البعض، رغم أن الجميع يأخذ دور ولي الأمر في هذا المجال كأمر مسلم به ويبنون نظرياتهم على ذلك. من تحليل هذه النظريات (وكذلك نظرية أخرى سنشير إليها بإيجاز لاحقًا) يتبين وجود عدة وجهات نظر حول تحديد الآلية في هذا المجال (مرونة الإسلام).
وجهة النظر الأولى
ترك التشريع من قبل الشارع (عدم تدخل الشارع) في نطاق شؤون دنيا الناس وتسليمها إلى علمهم وتجربتهم.
هذه الوجهة متأثرة بالحلول التي قدمها الغرب لفصل الدين عن السياسة والاقتصاد، ويطرحها في الداخل من يعيد صياغة المبادئ الغربية ويعيد قولها.
وجهة النظر الثانية
ترك التشريع في منطقة معينة وتدبير ذلك بجعل الولاية المتعلقة بتلك المنطقة.
تُستخدم هذه الوجهة من نظرية الشهيد الصدر والعلامة الطباطبائي، التي تم تلخيصها سابقًا. كلام الشهيد الصدر يدل بوضوح أكبر على هذه الوجهة. مع وجود اختلافات بين رأي الشهيد الصدر والعلامة، وأهمها أن الشهيد الصدر يعتبر منطقة الفراغ (المنطقة التي تركها الشارع خالية من الحكم) منطقة المباحات في الإسلام، بينما يرى العلامة أن هذه المنطقة هي احتياجات الإنسان غير الفطرية.
الاختلافات بين وجهة النظر الأولى ووجهة النظر الثانية
هناك اختلافات بين وجهة النظر الأولى (المتأثرة بالأفكار الغربية) ووجهة النظر الثانية (المأخوذة من العلامة والشهيد الصدر) كما يلي:
1- وفقًا لوجهة النظر الأولى، فإن النطاق الذي تركه الشارع واسع إلى درجة أنه يشمل دنيا الناس أو معظمها، بينما وفقًا لوجهة النظر الثانية، فإن الحكم الذي تُرك يشمل فقط منطقة المباحات أو منطقة الاحتياجات غير الفطرية. مع ذلك، يصرح الشهيد الصدر بأن الحكم الذي تُرك كان حكمًا إلزاميًا، وإلا كان الشارع قد وضع حكمًا غير إلزامي لتلك المنطقة، ولهذا سمى هذه المنطقة منطقة المباحات. [12]
2- وجهة النظر الأولى تذكر فقط ترك التشريع، وهذا يوحي بنقص في الإسلام، بينما في وجهة النظر الثانية، أساس ترك التشريع هو التدبير؛ أي إذا ترك الشارع حكمًا في منطقة ما، فإنه من جهة أخرى يدبرها بتشريع حكم آخر، وهو تشريع الأحكام الحكومية. الشارع قام بهذا الترك والتدبير لجعل نظام التشريع مرنًا. ولهذا، تعطي هذه الوجهة رسالة كاملة وشاملة عن الإسلام.
3- وجهة النظر الأولى تعتبر الحكم، نظرًا لطبيعته الدنيوية، أمرًا خارج نطاق تدخل وتشريع الشارع، ولهذا ترى أن تحديد كيفية الحكم وبنيته من اختصاص العلم والتجربة. بينما وفقًا لوجهة النظر الثانية، الحكم داخل في نطاق التشريع وليس خارج منطقة الفراغ؛ أي أن الحكم لا يقع ضمن المباحات ولا ضمن الاحتياجات غير الفطرية، ولهذا تدخل الشارع بشكل جدي في نوع وبنية وشروط الحكم. هذه الوجهة تعتبر فلسفة تشكيل الحكم هي ملء الفراغ الناجم عن ترك الحكم بواسطة الحكم نفسه وبما يتناسب مع نظامه التشريعي.
وجهة النظر الثالثة
جعل الولاية في ترك حكم (تنازل ولي الأمر عن حكم) بشكل مؤقت وتدبير ذلك بناءً على مصلحة الإسلام:
تُستخدم هذه الوجهة من الجزء الثاني من نظرية الإمام. وفقًا لهذه الوجهة، لا يُفترض أن الشارع المقدس لم يتدخل في تشريع حكم في نطاق معين، وهذا يعد نقطة قوة لنظرية الإمام. لأن فرض عدم تدخل الشارع في تشريع حكم – حتى في منطقة محدودة – يتعارض مع ما يُستفاد من الروايات.
مستفاد من الروايات أن الشارع لم يترك أي واقعة دون حكم. ما يُطرح بناءً على وجهة نظر الإمام هو تراجع ولي الأمر عن الحكم وليس عدم تشريع الشارع للحكم. ومن الممكن القول إن التراجع عن حكم ما يواجه إشكالاً آخر وهو تعارضه مع الرواية «حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة». ويُجاب عن هذا الإشكال بالنظر إلى ثلاث نقاط واضحة:
أولاً: الفرض هو أن من الروايات المتعلقة بولاية الفقيه يُستفاد حق منع حكم ما مؤقتاً وبناءً على مصلحة الإسلام لولي الفقيه.
ثانياً: الفرض هو أن ولاية الفقيه تقدم على حكم فرعي (مثلاً الحج)، ومن الواضح أنه عندما يدخل التقديم، يعني ذلك أن موضوع ذلك الحكم يُرفع مؤقتاً أثناء ممارسة الولاية.
ثالثاً: من الواضح أن الحكم، باعتباره تابعاً للموضوع، يزول بزوال الموضوع ولا يستمر في التطبيق. ومن الواضح أن هذا الرفع لا يفقد الحكم اعتباره؛ لأن عدم تطبيق الحكم يختلف عن عدم اعتباره، فإذا ظهر الموضوع مرة أخرى، يعود الحكم إلى التطبيق.
وبالتالي، إذا سُئل: هل يمكن لولي الفقيه منع حكم فرعي؟ فالجواب: نعم، لأن الأدلة تدل على ذلك (والنقاش هنا ليس حول تدليل هذه الأدلة حتى لا يكون هناك حاجة لذكرها وطرحها، بل النقاش حول الصورة التي يقدمها الإمام عن مرونة نظام التشريع وإثبات أن هذه الصورة كاملة). وإذا سُئل: هل يتعارض هذا المنع مع اعتبار الأحكام الإلهية أبدياً؟ فالجواب: إن رفع الحكم هنا هو من باب سالبة انتفاء الموضوع، وليس من باب فقدان الاعتبار، والرواية «حلال محمد» تدل على استمرار الاعتبار.
الرأي الرابع: تكثير الموضوعات
هذا الرأي أيضاً من حضرت الإمام ويُستفاد من الجزء الأول من نظريته – أي تغير الموضوع في ظل الزمان والمكان – لأنه إذا افترضنا تغير الموضوع في ظل الظروف الزمنية والمكانية، فهذا يعني أن الموضوعات من وجهة نظر الشارع ليست محدودة، بل مع زيادة أو اختلاف الظروف تظهر موضوعات مستقلة لكل منها حكم، وهذا يعكس واقعية الشارع.
حتى الآن لم تُقدم أي نظرية بقدرة هذه النظرية في هذا المجال، لأن:
أولاً: لا يوجد عليها إشكال، لأنها لا تستلزم الاعتقاد بعدم تشريع الشارع لحكم في منطقة معينة، فلا يُقال إن الشارع لم يترك أي حالة أو واقعة دون حكم، بل يجب أن نقر بأن الشارع في مقام التشريع نشط جداً، وشرّع بحكم عدد كبير من الموضوعات التي تتجسد في ظل ظروف مختلفة. كما أنها لا تستلزم الاعتقاد بتراجع الشارع عن جزء من أحكامه، فلا تتعارض مع الأصل الثابت (حلال محمد الخ)؛ لأن رفع حكم ما بسبب انتفاء موضوعه لا يعني فقدان اعتباره، فهناك أحكام شرعية كثيرة لا نطبقها لأن موضوعها غير محقق. بعبارة أخرى، نظرية الإمام تتعلق بتغير موضوع الحكم الشرعي وليس الحكم نفسه.
ثانياً: نظريتا العلامة والشهيد الصدر، بالإضافة إلى مواجهتهما للإشكال الأول، لم تستطيعا حل كل المشكلة. مثلاً، أحياناً نواجه تطوراً وتحولاً جاداً وواقعياً خارج دائرة المباحات، فكيف يمكن لنظرية الشهيد الصدر (التي تعتمد على تدخل ولي الأمر في دائرة المباحات) أن تحل هذه المشكلة؟ بينما نظرية الإمام لا تواجه هذا القيد.
وهنا توجد مناقشات كثيرة خارج نطاق هذا البحث ولن ندخل فيها.
1-3-2-كيفية تشكل النظريات
لمراجعة هذا الموضوع، يجب الانتباه إلى أمرين:
1- السؤال الذي واجهه واضع النظرية والذي يسعى من خلال نظريته إلى تقديم إجابة له. ومن الواضح أن معرفة السؤال الذي واجهه كل واضع نظرية في هذا المجال يبين كيف كان تصورهم للعالم المعاصر وكيف فهموا التغير والتعقيد في المجتمعات الإنسانية أو احتياجاتها. ومن الطبيعي كلما كان التصور أدق وأعمق، كان وضع النظرية أفضل.
2- طبيعة المنهج الذي اتبعه واضع النظرية لحل مشكلة الثبات والتغير في الإسلام. ومن البديهي أن صحة وملاءمة وعمق المنهج المتبع في نقاش ونظرية ما تؤثر تأثيراً حاسماً على نتائجها.
نبدأ بطرح موضوع السؤال ونبدأ بالنظرية العلامة:
2-3-2-العلامة في نقاشه حول الثابت والمتغير في الإسلام يطرح أسئلة على النحو التالي:
أ- هل الإسلام يجيب على احتياجات كل عصر؟
العلامة طرح هذا السؤال كعنوان لأحد مقالاته حول هذا النقاش. [13] في هذا السؤال، المفروض هو وجود احتياجات لكل عصر، إذن السؤال يركز على عنصر الاحتياجات التي تظهر في سياق الزمن.
ب- إذا كان الإسلام قد وضع سلسلة من العقائد والأخلاق والأنظمة الثابتة وغير القابلة للتغيير وفرضها على المجتمع البشري، فكيف يمكن التوفيق بينها وبين احتياجات العصور المختلفة؟ [14]
في هذا السؤال أيضاً يُركز على عنصر احتياجات العصور.
ج-هل يريد الإسلام أن يبقى المجتمع البشري على حالة ثابتة مع مرور الزمن، وأن تُغلق أبواب التقدم أمام المدنية تمامًا، وأن تُختم الأنشطة البشرية المتزايدة كليًا؟ كيف يقف في مواجهة الطبيعة السائلة والنظام الطبيعي الذي لا يخرج الإنسان عن نطاقه؟ [15]
في هذا السؤال، تم التركيز على عنصر الطبيعة السائلة للبشر، التي ينشأ عنها التقدم نحو المدنية والأنشطة المتزايدة.
لقد نظر العلامة في هذا السؤال الأخير بنظرة جادة وأعمق إلى الزمن وتطوّراته. ولكن كما يتضح من دراسة نقاشه ونظريته حول الثابت والمتغير، فقد وضع الأساس في النقاش على عنصر حاجات العصور التي تنعكس في السؤالين الأولين. لأنه في نقاشه، يعتبر تقسيم الحاجات غير الفطرية متغيرًا. ومن حيث أنه يرى أن ظهور القانون ناشئ عن الحاجة، يستنتج أن القوانين أيضًا تُقسم إلى ثابتة وغير ثابتة. [16]
2-3-3-أما السؤال الذي كان مطروحًا عند الشهيد صدر فهو:
كيف جعل الإسلام أصوله ومبادئه في التشريع (النظام الاقتصادي أو السياسي) ملائمة لكل العصور؟ في حين أن الإنسان في كل عصر يتخذ حلولًا جديدة لتجاوز المشاكل التي يواجهها. [17]
كما هو واضح، كان عند الشهيد صدر عدة أمور مطروحة:
أولاً: أن الإنسان في كل عصر يواجه مشاكل جديدة.
ثانيًا: أن هذه المشاكل الجديدة تتطلب حلولًا جديدة.
ثالثًا: كيف نظم الإسلام نظامه ومذهبه الاقتصادي (أو السياسي) بحيث يمكنه تقديم الحلول الإسلامية لتجاوز مشاكل كل عصر؟
في إجابته على هذا السؤال، طرح عنصرين رئيسيين: الأول أن الإسلام قد بيّن جميع التوجهات والأهداف والمقاصد اللازمة. والثاني أنه أعطى للولي الأمر الحق في التدخل والتصرف، بحيث يتعرف على هذه الأهداف والمقاصد ويتخذ الحلول اللازمة لكل عصر. وبالطبع هناك عناصر أخرى في نظريته لم يُذكرها هنا.
2-3-4-أما من آراء الإمام فيتضح أنه:
1- يرى العالم عالمًا من الأنظمة ذات العلاقات الاقتصادية والسياسية وغيرها.
2- يرى هذه العلاقات معقدة وحاسمة؛ إلى درجة أن الظواهر أحيانًا تفقد هويتها السابقة تحت ظلها وتكتسب هوية أخرى. ومن هنا، كان السؤال الحقيقي عند الإمام: كيف يدير الإسلام في العصر الحالي عالم العلاقات الاقتصادية والسياسية المعقدة؟
2-3-5-أي سؤال هو الأدق؟
مع مراعاة عدة نقاط يتضح أن السؤال المطروح عند الإمام، من حيث النظرية في الثابت والمتغير، هو الأنسب والأكثر فاعلية ودقة.
(1) الإمام في فهمه للعالم المعاصر لا ينظر إلى النتائج بل إلى الأسباب، لأن ظهور الحاجات الجديدة – التي طرحها العلامة – أو ظهور المشاكل الجديدة – التي طرحها الشهيد صدر – هما ظاهرتان سببهما وجود العلاقات الاقتصادية والسياسية المعقدة. ومن الواضح أنه لحل مشكلة الثبات والتغير، لا يمكن التحدث بشكل جذري حتى تُكتشف الأسباب وسلسلة المحركات للتغيرات. وبالطبع يجب الاعتراف بأنه يمكن الاستفادة في دراسة العلاقات الاقتصادية والسياسية مما قاله العلامة والشهيد صدر، بحيث يمكن تقسيم النتائج الناشئة عن هذه العلاقات إلى حاجات جديدة ومشاكل جديدة – كما ورد في كلام الشهيد صدر والعلامة – وتعريف كل منها وتقديم أمثلة لها، وهذا بحد ذاته خطوة كبيرة نحو فهم أعمق لهذه العلاقات. كما يشير الإمام إلى هذه المسألة، أي ضرورة الدراسة الدقيقة للعلاقات الاقتصادية والسياسية. [18] ومن البديهي أن تعميق هذه المسألة، أي نقاش الثابت والمتغير، يتطلب اتخاذ مثل هذه الخطوات. خصوصًا أن كل ما قاله هذان الشخصان قد يحمل نقاشات خاصة. فمثلاً، بعد أن يطرح العلامة موضوع الحاجة، يذكر أنه يجب التمييز بين الحاجة الحقيقية والحاجة غير الحقيقية، ويشير أيضًا إلى أن طريقة التمييز بين الحاجات الحقيقية ليست رغبة الأغلبية، لأن رغبة الأغلبية لا تتطابق دائمًا مع الواقع. [19] ومن الواضح أن هذه النقاشات مركزية وجدية جدًا، لأن أحيانًا يُرى في بعضهم علمانية مفرطة أو توجه نحو الديمقراطية الغربية أو ميل لتفضيل الحاجات غير الضرورية على القضايا الروحية. على أي حال، إذا اعتبرنا نظرية الإمام معيارًا، فيجب أن نرى: هل الحاجة التي تفرضها العلاقات الحاكمة في العالم، مثلاً، حاجة حقيقية أم لا؟
وكذلك ما طرحه الشهيد صدر من ضرورة اتخاذ الحلول الإسلامية المستمدة من الأهداف والتوجهات الإسلامية صحيح، ولكن استخدام هذه الأهداف والتوجهات، وفقًا لرأي الإمام، يأخذ معنى آخر، وهو أن هذه الأهداف تصبح مناطات شرعية، وهي في الواقع موضوعات شرعية، وفي ظل الزمان والمكان يفقد موضوع مناط معين مناطه ويكتسب مناطًا آخر، وبالتالي يصبح موضوعًا آخر. وبالطبع هذه نقاشات دقيقة يجب أن تُعطى حقها في نقاشات أكثر تفصيلًا. على أي حال، نظرية الشهيد صدر تحمل نقاشات قيمة في مجال بناء النظام يجب أن تُعالج بشكل مستقل.
(2) تتوافق نظرية الإمام مع النظرات التي تُطرح في العلوم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية تجاه الظواهر، لأن في هذه العلوم غالبًا ما تُعرف الظواهر بناءً على دورها في العلاقات الاجتماعية. وبعض التنبؤات التي تُجرى في هذه العلوم تقوم على هذا الأساس، وهي تنبؤات تظهر وجود ترابط مذهل بين الظواهر في عالم الاقتصاد أو السياسة.
6-3-2-منهج البحث في كل من النظريات:
1-6-3-2-اتبع العلامة الطباطبائي، بسبب طغيان البعد الفلسفي لديه، منهجًا فلسفيًا في بحث الثبات والتغير، حيث جعل معيار تحديد حالات الثبات هو الطبيعة الإنسانية، فقال:
القواعد الثابتة هي القواعد التي أُخذ في وضعها بالاعتبار واقع الإنسان الطبيعي. ولتحديد حالات التغير، اعتبر الملحقات بالطبيعة الإنسانية معيارًا، فقال:
حياة الإنسان الطبيعي التي هي ثابتة ومتجانسة بالنظر إلى بنيتها الخاصة، تواجه باستمرار، بالنظر إلى الملحقات المكانية والزمانية، حالة تحول وتطور، وتتفاعل تمامًا مع العوامل الثورية (-التغير) والظروف المتنوعة للزمان والمكان، وتغير شكلها تدريجيًا وتتوافق مع البيئة الجديدة. هذا التغير في الأحوال يستلزم حتمًا تغير القواعد.
2-3-6-2-حاول الشهيد صدر اتباع منهج أصولي في البحث، لأنه تناول مثلاً موضوع المباحات. ولهذا فإن نظريته في بعض الجوانب تعمقت أكثر من نظرية العلامة في النقاشات.
3-6-3-2-يمكن القول إن نظرية الإمام صدّرت هي نظرية أصولية مئة بالمئة، بمعنى أنه في محتوى وجوهر نظريته يعتمد على فكر متجذر في أعماق أصول الشيعة. ومن يعرف أصول الشيعة يعلم أن الجزء الأكبر من التدقيقات الأصولية الشيعية (التي أدت إلى تقدم أصولنا) قد تم في ارتباط مع الموضوع، ولذلك فإن كلمة “موضوع” في هذا النقاش خارجة عن نطاق هذا الكتاب، ويمكن الرجوع إلى المقال التالي [20].
وبما أن بحث الثابت والمتغير في الإسلام هو بحث اجتهادي، فإن المنهج الأصولي في هذا البحث يتمتع بفعالية وقدرة أكبر.
الجدول أدناه يوضح الفروق بين النظريات بعضها البعض.

[1] العلامة طباطبائي، مقتطفات من الإسلام، ص 73.
[2] المرجع نفسه، ص 76.
[3] المرجع نفسه، ص 69.
[4] المرجع نفسه، ص 68.
[5] مقتطفات من الإسلام، ص 76-77.
[6] صحيفة النور، ج 21، ص 98.
[7] المرجع نفسه، ج 20، ص 170.
[8] صدر، سيد محمد باقر، اقتصادنا، ص 721.
[9] المرجع نفسه، ص 725.
[10] المرجع نفسه، ص 722.
[11] المرجع نفسه، ص 726.
[12] المرجع نفسه.
[13] مقتطفات من الإسلام، ص 45(برگرفته از مکتب اسلام، ع. 7).
[14] المرجع نفسه، ص 56.
[15] المرجع نفسه.
[16] المرجع نفسه، ص 63.
[17] اقتصادنا، ص 722 و 723.
[18] صحيفة النور، ج 21، ص 98.
[19] مقتطفات من الإسلام، ص 63.
[20] مقال «نظرية الإمام الخميني (قدس سره) حول دور الزمان والمكان في الاجتهاد» من الكاتب، ج 6، من مجموعة مقالات مؤتمر دراسة الأسس الفقهية لحضرة الإمام.

