همّ بناء النظام الديني في فكر الشهيد صدر وفقه الأهداف: مراجعة كتاب «فقه الأهداف في فكر الشهيد صدر»

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: دغدغه‌ نظام سازی دینی «شهید صدر و فقه اهداف» مروری بر کتاب«فقه الاهداف فی‌ فکر‌ الشهید‌ الصدر و دوره فی اصلاح الخطاب‌الدینی» ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: يسعى هذا النص من خلال مراجعة كتاب «فقه الأهداف في فكر الشهيد صدر» (للمؤلف سيد عبدالمطلب رضا) إلى نقده شكليًا ومضمونيًا، ودراسة همّ بناء النظام الديني في فكر الشهيد صدر. فقه الأهداف يشير إلى نظرية يمكن استخلاصها من مجموعة الأدبيات الفقهية، الأصولية، الاجتماعية والاقتصادية للشهيد صدر، ويحاول إعادة قراءة وإعادة بناء الأدبيات الفقهية مع مراعاة الأهداف العليا للشريعة. وقد حاول المؤلف في الكتاب المذكور استخراج واستنباط مجموعة من مقولات هذه النظرية، ومقارنتها مع نظرية المقاصد، ورسم منظومة من الأهداف العليا للشريعة.

المؤلف: محمود حکمت‌نیا

المصدر: نقد کتاب فقه و حکومت، صيف 1394، العدد 2، ص 27 إلى 40.

المقدمة

إن رسم النظام الفقهي والقانوني للإسلام من الموضوعات التي تحظى باهتمام في العصر المعاصر. يتشكل نظام الأحكام الفقهية والقانونية في نموذج ثلاثي الأضلاع. وأهم عنصر فيه هو الله تعالى كشارع، الذي وضع العلاقات بين الإنسان المكلف وبين نفسه كمعبود، وبين الآخرين والبيئة المحيطة، في إطار قواعد ومؤسسات تهدف إلى غايات معينة. هذا النظام يقف في مواجهة نموذج الإنسان المحوري، الذي فيه يُحذف الشارع كعنصر رئيس، رغم احتمال قبول الله كخالق[1]. هذا النظام يستند إلى مبادئ محددة، وفي إطار أهداف وقيم، يضع قواعد وأحكامًا ومؤسسات منظمة ذات أصول متنوعة في البيئة العربية وضمن خصوصيات ثقافية خاصة، وغالبًا في إطار اللغة التعبيرية العربية. هذه القواعد والأحكام تنعكس في مصادر وأدلة موثوقة، ويُفهمها الفقيه (المفهوم) بمنهجية مناسبة. وعلى الرغم من أن هذا النظام مبني على إرادة الشارع، فقد تطور في سياق من الإنجازات البشرية وبمرافقة تحولات عميقة، وتمت دراسة أبعاده المختلفة عبر التاريخ.

من الواضح أن الفهم المنهجي للقواعد والمؤسسات القانونية من المسائل المهمة في النظام الفقهي والقانوني الإسلامي. ومن بين الطرق التي تؤثر تأثيرًا كبيرًا في الفهم المنهجي للفقه، نظرية مقاصد الشريعة وفقه الأهداف. لنظرية مقاصد الشريعة تاريخ طويل في فقه أهل السنة، وتظهر بعض آثارها في الأدبيات الفقهية الشيعية؛ في المقابل، يرى البعض أن فقه الأهداف يمكن تصميمه كهيكل مختلف عن فقه المقاصد، وأنه يمكن تقديم إطار منهجي للشريعة من خلال رسم الأهداف.

لا شك أننا نواجه في مقولات الشارع ما يدل على المقاصد والأهداف. وبافتراض وجود مثل هذه المقولات، نواجه تساؤلات.

أحدها: هل يمكن الوصول من الأهداف إلى مقولات الواجب والمحظور؟ وإذا افترضنا هذا الاستنباط، هل يمكن نسب مضامين هذه المقولات إلى رضا الشارع وأمره؟ وإذا كان ذلك ممكنًا، فما العلاقة بين مضامين هذه المقولات وبين الأحكام المنصوصة والأدلة البيانية للأحكام؟ هل يؤدي فهم الأهداف إلى تغيير الفهم عبر تغيير في ظهور الأدلة، أم لا يتغير الظهور، لكن يُعتبران كدليلين متعارضين[2] يجب حل تعارضهما بطريقة ما؟ كما أن الأمر مهم من الناحية الجزئية، فما هي مصاديق الأهداف؟ وكم عددها؟ وإذا تعددت وتنوعت، ما العلاقة بينها؟ وفي حالة تعارض الأهداف، كيف نحل التعارض ضمن تسلسل الأهداف وبمراعاة قواعد مثل تقديم الأهم على المهم؟

وثانيًا: ما هو تطبيق هذه الأهداف؟ وهل يمكن لتحديد التطبيق أن يُتصور في الشريعة منطقًا كمنطقة فراغ، بحيث يمكن بناءً على مقولات تدل على المقاصد أو الأهداف التشريع؟

على فرض التوصل إلى نظرية في فقه الأهداف، من الضروري توضيح علاقتها بالنظريات المنافسة؛ على سبيل المثال، إحدى النظريات المنافسة هي «نظرية المقاصد» التي لها قرابة وثيقة مع «نظرية الأهداف»‌‌‌‌‌‌‌. إن العلاقة بين هاتين النظريتين واستقلال كل منهما عن الأخرى موضوع مهم يجب التطرق إليه‌‌‌‌‌‌‌‌‌. من بين الكتب التي تناولت هذا الموضوع كتاب فقه الأهداف في فكر الشهيد الصدر‌‌‌‌‌‌‌. هذا الكتاب حاول دراسة نظرية فقه الأهداف في الأدب الفقهي، الأصولي والاجتماعي للشهيد الصدر، وقدمها كنظرية متميزة عن نظرية فقه المقاصد‌‌‌‌‌‌‌. في هذا المقال نسعى من خلال تقديم موجز لهذا الكتاب إلى مراجعة ادعاءاته، وفي الختام ننظر نقدياً في نقاط ضعفه وقوته‌‌‌‌.

تقديم موجز للكتاب

كتاب فقه الأهداف في فكر الشهيد الصدر ودورة في إصلاح الخطاب الديني من تأليف سيد عبد المطلب رضا، صدر عن مركز الهدف للدراسات عام 2014‌‌‌‌‌‌‌‌‌. يحتوي هذا الكتاب على 300 صفحة، وهو مصمم بأسلوب الكتب العربية‌‌‌‌‌‌‌. يتألف الكتاب من مقدمة وأربعة فصول‌‌‌‌‌‌‌. الفصل الأول بعنوان «نظرية عامة حول فقه الأهداف في رؤية الشهيد الصدر» يقدم نظرة شاملة على فقه الأهداف في فكر الشهيد الصدر‌‌‌‌‌‌‌. الفصل الثاني مخصص لدراسة مقارنة بين رؤية الشاطبي والصدّر‌‌‌‌‌‌‌. الفصل الثالث يتناول أهداف الشريعة ودورها في إصلاح الخطاب الديني، والفصل الرابع يرسم منظومة الأهداف العليا للشريعة‌‌‌‌‌‌‌. بالإضافة إلى الاستفادة من القرآن ونهج البلاغة، استند الكتاب إلى 56 كتاباً وأربعة مقالات كمصادر‌‌‌‌‌‌‌‌‌. فيما يلي، نتناول بإيجاز المواضيع الرئيسية المطروحة في الكتاب‌‌‌‌.

في المقدمة، يؤكد المؤلف أن القرآن الكريم قد بيّن كل ما يتعلق بهداية البشر، مشيراً إلى دور النبي الأكرم (ص) في تفسير القرآن ومكانة التفكير والتدبر الرفيعة، ويعتقد أن جانب التدبر يتضمن كشف معاني آيات كتاب الله وسنة النبي (ص) من جهة، والتدبر في شؤون الإنسان، تحولات الحياة وأبعادها المختلفة من جهة أخرى‌‌‌‌‌‌‌. إن كشف مراد الشريعة مع مطابقة ذلك لمقتضيات الزمان من الأمور المهمة التي، بحسب رؤية المؤلف، قام بها الفقيه الجليل آية الله سيد محمد باقر الصدر[3]‌‌‌‌‌‌‌. كما يشير إلى آراء الباحثين الشيعة والسنة حول مكانة فكر الشهيد الصدر‌‌‌‌.

المؤلف في المقدمة لا يشرح إطار فقه الأهداف، بل يكتفي بتقديم صاحب النظرية للقارئ، وهو نقص يعوضه في الفصل الأول‌‌‌‌.

في الفصل الأول، يتناول المؤلف النظرية العامة حول فقه الأهداف في رؤية الشهيد الصدر‌‌‌‌‌‌‌. يرى المؤلف أنه رغم عدم التعبير الصريح عن فقه الأهداف من قبل الشهيد الصدر، إلا أنه يمكن استنباط هذه النظرية من خلال مراجعة آثاره، واعتبارها مختلفة عن نظرية مقاصد الشريعة‌‌‌‌‌‌‌. من وجهة نظر المؤلف، هناك فرقان رئيسيان بين نظرية فقه الأهداف ومقاصد الشريعة‌‌‌‌‌‌‌. الفرق الأول يتعلق بالمجال المعرفي‌‌‌‌‌‌‌. حيث إن العديد من العلماء غير الإمامية حين يتحدثون عن مقاصد الشريعة، يقصدون أحياناً حكمة الأحكام وأحياناً مصالحها‌‌‌‌‌‌‌. ورغم أن الحكمة والمصلحة من الأسس الفكرية في رؤية الشهيد الصدر، ويؤيدها المذهب الإمامي، إلا أنه من الناحية الاستنباطية، لا يمكن الاستناد إلى هذه الأمور لاستخلاص الحكم الشرعي، وفتح هذا الباب بسبب غياب الانضباط العلمي فيه، يصاحبه مشاكل ومخاطر جدية؛ كما أن النظر في أهداف الشريعة التي بيّنها الشارع والتي يمكن فهم الحكم من خلالها، منفصلة عن المصالح، أمر ضروري؛ مع ذلك، بعض العلماء في المقاصد يلتفتون إلى هذا الأمر ويعتقدون أن المقصود بالمصلحة هو حماية مقاصد الشرع‌‌‌‌‌‌‌. الفرق الثاني بين الأهداف والمقاصد الشرعية هو الفرق المنهجي‌‌‌‌‌‌‌. نظرية المقاصد الشرعية تعتمد في كشف المقصد على أمور مثل قول الصحابة، القياسات الظنية، المصالح المرسلة والاستحسان وما شابه ذلك؛ بينما في فقه الأهداف عند الشهيد الصدر وغيره من فقهاء الإمامية، يتم كشف الهدف والمقصد من خلال النصوص القطعية، الأحكام القطعية العقلية والاستقراء‌‌‌‌‌‌‌. من وجهة نظر المؤلف، إلى جانب التوصل إلى المقاصد والأهداف، فإن حمايتها أمر حيوي، وبحسب اعتقاد الإمامية، فإن فكر العصمة والعدل يسير في هذا الاتجاه‌‌‌‌.

بعد ذلك، يتناول الباحث تاريخ فقه المقاصد والأهداف، ويحاول تتبع الخلفية التاريخية لهذه النظريات بين فقهاء أهل السنة والإمامية‌‌‌‌‌‌‌. في الفقه الإمامي يشير إلى نماذج من أقوال فقهاء الإمامية، مثل آراء الشهيد الأول في كتاب القواعد والفوائد، والحالات التي استند فيها صاحب الجواهر إلى أهداف الشريعة مثل إقامة العدل وتحريم الإضرار بالمسلمين، كما يرى أن عبارات مثل طعم الفقه، مذاق الشريعة، ذوق فقهي، روح الشريعة التي وردت في الأدب الفقهي لفقهاء متأخرين مثل الشيخ الأنصاري، آية الله الخوئي والإمام الخميني، تعبر عن دور فقه الأهداف في نظام الاستنباط‌‌‌‌.

الفصل الثاني من الكتاب يقارن بشكل أعمق نظرية فقه الأهداف في الأدب الفقهي للشهيد الصدر مع الأدب الفقهي والأصولي لمقاصد الشاطبي بشكل تطبيقي‌‌‌‌‌‌‌‌.

المؤلف[4] يرى أن كلمة الهدف تختلف لغويًا عن كلمة المقصد؛ بمعنى أن الهدف يدل على العلو والعظمة، بينما القصد يدل على القرب والاعتدال والثبات؛ ونتيجةً لهذا الاختلاف، تختلف المقاصد عن الأهداف من جوانب أخرى أيضًا. في ما يلي، يُستعرض أدب المقاصد من منظور الشاطبي والاختلافات المهمة بين المقاصد والأهداف وفقًا لرؤية الشهيد الصدر؛ على سبيل المثال، توضح الأهداف حدود المقاصد، لكن العكس غير ممكن. النقطة المهمة التي أُشير إليها في هذا المجال هي أن نظرية المقاصد عند الشاطبي، بالنظر إلى التصنيف الذي يقدمه للمقاصد، هي محاولة لتفسير الفقه الفردي؛ بينما وفقًا لرأي المؤلف، فإن نظرية الأهداف تغطي بالإضافة إلى الفقه الفردي، الفقه الاجتماعي أيضًا. سبب ذلك هو أن نظرية الأهداف تتناول الأمور الكبرى والموجهة لسلوكيات النظام الإسلامي. الاختلاف الرابع هو أن المقصد، خاصةً بالنظر إلى مصادره، أمر غير منضبط، في حين أن الهدف من الناحية الموضوعية يُعتبر أمرًا منضبطًا. وفقًا لرأي الشاطبي، بعض مصادر فهم المقصد أمور ظنية، بينما المصادر في نظرية الأهداف وفقًا لرؤية الصدر ذات حجية. اختلاف آخر بين نظرية المقاصد عند الشاطبي ورؤية الصدر هو أن الشاطبي فرق بين المصالح الدنيوية والأخروية. قد يكون هذا في البداية مناسبًا ومبررًا، لكنه يهيئ مجالًا لسوء استخدام النظرية؛ بحيث قد يدعي السلاطين تأمين المصالح الدنيوية وينسبون تأمين المصالح الأخروية إلى الدين. في المقابل، تشير نظرية الشهيد الصدر دينيًا إلى هدف الخلافة الإنسانية في الأرض وتربيتها وتصرفات الإنسان، ويعتقد أن درجات الإنسان تتبع عنصر الخلافة؛ لذلك، فإن المصالح الدنيوية كلها تحت ظل خليفة الله الإنسان في الأرض ومن ثم تستحق الارتقاء إلى الدرجات الأخروية. هذا النظر يربط بين الدنيا والآخرة.

كما ذُكر، فإن الفصل الثالث من الكتاب مخصص لأهداف الشريعة ومكانتها في إصلاح الخطاب الديني. في هذا الفصل، يشير المؤلف إلى قول للصدر يُبرز نقطة أساسية مفادها أن النظرية التربوية لعلي(ع) كانت أن يربّي أصحابه في سبيل تحقيق الأهداف؛ ولهذا يستشهد بقول لعلي(ع) يرى أن معرفة الحق مقدمة على معرفة صاحب الحق. بناءً على هذا الفهم للأهداف، يبحث في مكانتها عبر العصور والمجالات المختلفة ويحاول أن يلفت الانتباه إلى تأثيرها في مجال الاستنباط من جهة وفي إصلاح الثقافة الدينية من جهة أخرى.

من حيث التأثير في مجال الاستنباط، يذكر المؤلف أن أهم همّ الفقهاء هو الفهم المنهجي للأحكام بناءً على إرادة التشريع الإلهي، ويعرض دور نظرية الأهداف في هذا الفهم المنهجي والاستنباط من جوانب متعددة. من هذه الجوانب ظهور[5] الأهداف الفقهية التي يمكن أن تُستخدم مثل الأدلة الأخرى في عمليات الاستنباط. مع توضيح أن الفقيه بحصوله على الأهداف العليا والعامة للشريعة يحسب مقدار دلالتها، وبالنظر إلى هذا الظهور والدلالة، يأخذها في الاعتبار إلى جانب الأدلة الأخرى. هنا يقيس الفقيه علاقة دلالة الأهداف بالأدلة الأخرى ويقوي من خلال ذلك عمليات الاستنباط. طبيعة هذه الدلالة ستكون من نوع دلالة السياق، وستكون إلى جانب دلالات أخرى مثل الوصف، والسياق اللفظي، والقرائن الحالّية والعرفية والاجتماعية. بهذا المنهج يمكن تسمية نوع دلالة الأهداف على الأحكام بدلالة سياقية للأهداف، أو ارتكاز هدف.

دور آخر تتولاه الأهداف هو إقامة العلاقة بين الفقه ومجموعة الشريعة. وفقًا لرأي المؤلف، يتأثر الشهيد الصدر بمحمدجواد مغنية في فهم الأدلة الفقهية، ويركز على عنصر الفهم الاجتماعي، ويؤكد أن الارتكاز الاجتماعي ليس له مكانة كبيرة في فهم نصوص العبادات، وتأثير هذا الفهم يكون في النصوص المتعلقة بأبعاد الحياة الاجتماعية مثل المعاملات. من أمثلة ذلك المؤسسات مثل مناسبات الحكم والموضوع. منطلق الاهتمام بهذا الأمر هو مبدأ حجية الظهور. باعتبار أن المتكلم فرد، يُفهم كلامه لغويًا، وباعتباره فردًا اجتماعيًا، يجب فهم كلامه ضمن البنية الاجتماعية. في ما يلي يشير المؤلف إلى دور الارتكاز العقلي في الاستنباط الفقهي ويحاول إظهار هذا التأثير في نموذج محدد بعنوان الفقه البنكي. من وجهة نظر الفقهاء، القرض الربوي باطل. من القضايا المهمة في مجال الربا طرق التهرب والهروب من الربا التي تُعرف بحيل الربا. السؤال الآن هو هل يمكن بيع مبلغ نقدي مؤجل بمبلغ أكبر، وبما أنه ليس قرضًا، يُحكم بصحة المعاملة، وبالتالي الهروب من تحريم الربا؟ ونظرًا لأن القياس غير مقبول في منطق فهم الأحكام، قد نواجه سؤالًا هل يؤدي هذا الاستدلال إلى القياس؟ الشهيد الصدر يحلل اجتماعيًا المعاملات ويشرح الأهداف الثلاثة لكل معاملة، ويبين الأدلة، ويخلص إلى أن دلالة الأدلة عرفيًا على ربا القرض عامة وتشمل الحالة الثانية أيضًا؛ لذلك، يُستنتج أن حكم هذه المعاملة هو البطلان.

كما يتضح من التحليل الذي يُجرى على سياق الفهم الاجتماعي والارتكاز العقلي، أن الارتكاز المتعلق بالأهداف يقع على مستوى أعلى من الارتكازات الاجتماعية والعقلية. وللتقريب إلى الذهن، يمكن القول إن الحكماء، بناءً على الأهداف، يصلون إلى ارتكاز يختلف عن الفهم الذي لا يأخذ الأهداف في الاعتبار.

إذا تصورنا أدوات الاستنباط والفهم كأنها مصباح، يمكن القول إنه عندما يضيء الفاهم المصباح اللغوي على النصوص، فإنه يفهم صورة النص الظاهرة، وعندما يضيء على نفس النصوص مصباح السياقات اللفظية والظروفية، يصل إلى فهم آخر[6] قد يختلف عن الفهم اللغوي. أما إذا توجه الفاهم إلى النصوص بمصباح الفهم الاجتماعي، فإن الصورة المكتشفة تتغير لديه، وفي النهاية، عندما يضيء الفاهم مصباح أهداف الشريعة ويعود إلى مجموع الكتاب والسنة، يصل إلى فهم مختلف لكنه دقيق للنصوص؛ لذلك، لا تقتصر الأهداف على كونها دليلاً إلى جانب الأدلة الأخرى فحسب، بل تلعب دوراً بارزاً في تشكيل ظهور الأدلة الأخرى.

من الأدوار الأخرى للأهداف مكانتها ودورها في تأسيس الفقه الاجتماعي. يرى المؤلف أن من أهم تطبيقات فقه الأهداف هو تحويل الفقه من الحالة الفردية إلى الحالة الاجتماعية؛ لأنه عندما يعتبر الفاهم ارتكاز الأهداف مؤثراً في عمليات الاجتهاد، فإنه لا بد أن يراعي المصالح الاجتماعية في التشريع، أما إذا اتبع أسلوب التجزئة في الاستنباط وتجاهل الأهداف، فإن نظرته إلى الفقه ستكون غالباً جزئية وفردية ومنفصلة عن الحياة الاجتماعية. هنا يتناول المؤلف عملية التنازل عن الأهداف وتوسع الاجتهاد في المجال الفردي، ويحاول توضيح ذلك بأمثلة.

المثال الأول هو نقاش أصولي. في مباحث حجية الأصول، يقول بعضهم إنه في حال عدم التمكن من الوصول إلى الأدلة، يُقال إن باب العلم مسدود، ويصلون إلى نتيجة مفادها أن كل ظن لا يوجد دليل صريح على عدم حجيته يكون حجّة، لكن من مقدمات حجية الظنون عدم قبول شرعية وإمكان الاحتياط؛ لأنه إذا افترضنا أن الشخص يستطيع الاحتياط، فلن تصل مسألة حجية الظن إلى محلها. هنا، رغم أن بعضهم يعتبر الأخذ بالاحتياط سبباً للعسر والحرج، إلا أن الشهيد صدر يواجه مبدأ الاحتياط بتحدٍ جدي. فهو يرى أن طرح مثل هذا الشك مبني على فقه فردي، لأن الحياة الاجتماعية والعلاقات الاقتصادية والتجارية والسياسية لا يمكن تنظيمها على أساس الاحتياط؛ بمعنى آخر، لا معنى لإمكان الاحتياط في الحياة الاجتماعية، ولم يتوقع الشارع مثل هذا الأمر في نظامه. كما يستشهد بقاعدة لا ضرر. وفق الأدبيات الفقهية، تنفي هذه القاعدة الضرر، وعلى هذا الأساس طُرح الشك بأن النظام الفقهي والقانوني الإسلامي يحتوي على أحكام ضارة كثيرة مثل الديات والقصاص والضمان والزكاة. حاول الفقهاء الرد على هذا الاعتراض. يرى الشهيد صدر أن أصل الاعتراض مبني على النظرة الفردية للتشريع، وهذه الأحكام تُعتبر ضارة من منظور فردي، بينما إذا نظر الفقه من منظور اجتماعي وأُخذت المصالح الاجتماعية في الاعتبار في التشريع، فإن هذه الأحكام لا تكون ضارة، بل إن غيابها يكون ضاراً.

مثال آخر على تأثير الفهم الاجتماعي في الاستنباط هو ضرورة وجود قائد للأمة في زمن الغيبة؛ أي أنه إذا كان من المفترض أن تُطابق الأهداف الاجتماعية مقتضيات الزمان ويتحقق الفقه في قالب اجتماعي، فإننا بحاجة إلى قيادة سياسية[7]. ولهذا السبب تناول صاحب الجواهر شبهات عدم عمومية الولاية، واعتبر أنه إذا لم تكن الولاية عامة، فإن كثيراً من الأمور المتعلقة بالشيعة ستُترك دون معالجة. ويرى صاحب الجواهر أن من يطرح مثل هذه الشبهات لم يتذوق طعم الفقه ولا يعرف أسرار كلام الأئمة.

دور آخر للأهداف من منظور الشهيد صدر هو أداء دور في إدارة منطقة الفراغ. يرى صدر أن منطقة الفراغ هي المنطقة التي لم يُشرع فيها حكم، وأن وضع الأحكام فيها من اختصاص النبي (ص) والمعصوم (ع) والولي الفقيه كحاكم. وجود مثل هذه المنطقة في الشريعة لا يُعتبر نقصاً، بل هو أسلوب فني وحكيم للتعامل مع التطورات في هذه المنطقة. تحديد الأحكام لهذه المنطقة، بالإضافة إلى وجود سلطة مختصة، يحتاج إلى أصول ومنهج معين، وبحسب رأي المؤلف، يتم تأمين ذلك من خلال فقه الأهداف.

ما ذُكر حتى الآن كان موقع الأهداف في مجال الخطابات في مجال الأحكام. بعض الخطابات الموجودة في المنظومة المعرفية للإسلام تتعلق بمجال الثقافة. هنا أيضاً للأهداف دور ومكانة مهمة. الفقه الذي لا يؤخذ فيه الأهداف بعين الاعتبار، لن تتشكل أحكامه كنظام متكامل ومنسجم. مثل هذا الفقه سيُربي الأمة على دين لا علاقة له بشؤون الحياة وأساليب السلوك الاجتماعي؛ لأن جميع العبادات ستظهر في قالب ألفاظ وحركات جافة، فالصلاة ستكون مجرد كلمات وحركات خاصة، والصيام مجرد الامتناع عن الأكل والشرب؛ ولكن عندما توضع الأهداف الفقهية إلى جانب الأحكام، ترتبط الأحكام بالواقع الاجتماعي. الفهم الذي يأخذ الأهداف بعين الاعتبار يراعي أهداف الأمة مع أهداف الشريعة ويهدي الأمة نحو أهداف الشريعة؛ ونتيجة لذلك، يصبح تعليم الأحكام نوعاً من التربية الدينية. في هذه الحالة، تظهر الصلاة مع مراعاة الابتعاد عن الفحشاء والمنكر. ليس من قبيل الصدفة أن الشهيد الصدر، إلى جانب كتاب الفتاوي الواضحه، يتناول أيضاً بيان العقائد ليُظهر أن هذه المجموعة تُفهم معاً. هنا يتضح أن العبادة ليست فقط علاقة العبد بالخالق، بل هي أيضاً ارتباط الشخص مع إخوانه من البشر.

من الأدوار الأخرى للأهداف تأثيرها في صناعة الثقافة، خصوصاً في مجال الشعائر الدينية. للشعائر الدينية دور مهم في الحياة الاجتماعية، ولكن إذا تشكلت وانغرسَت في المجتمع بمعزل عن الوعي والبصيرة، فقد تنحرف عن مسارها وربما تُدار عكس الأهداف الأصلية. المؤلف في شرح هذا الموضوع يبيّن الفرق بين الشعور والبصيرة الإسلامية من جهة، والحس الحماسي والانفعالات العاطفية من جهة أخرى. في المجتمع الإسلامي قد يوجد حس حماسي وقد يُحدث تغييرات جذرية، لكن هذا الأمر يتأصل في المجتمع عندما يكون مبنياً على الوعي[8] والشعور. للأهداف دور مهم في تصحيح الحس الحماسي والانفعالات العاطفية وبنائها على الوعي والبصيرة.

المؤلف في الفصل الرابع يشير إلى بعض الأهداف العليا للشريعة. هذا النقاش له مكانة مهمة في نظرية الأهداف، لأن ما ذُكر حتى الآن كان في مرحلة الإثبات، لكن هذه النظرية تصبح قابلة للعرض والدفاع عندما تستطيع تقديم منظومة من الأهداف. من منظور نظرية الأهداف، الهدف الأول هو التعبد والاتصال بالغيب، بحيث تُظلل عليه جميع الأهداف الأخرى. بناءً على هذا الهدف، يصل الإنسان إلى تفسير حقيقي للحياة والمعرفة الحقيقية لأجزائها بالنسبة للظاهر والباطن، والحاضر والمستقبل، ومن خلاله يبلغ الكمال. هذا الأمر يقتضي رحمة الله تعالى التي مكن الإنسان من خلالها من الوعي بأسرار الوجود وكيفية التفاعل معه؛ وبعبارة أخرى، الإنسان من حيث وجوده قادر على معرفة أسرار أسماء الله، وتنظيم حركته بناءً عليها ليبلغ الخلافة الإلهية في الأرض عبر العبادة. بهذا الفهم والعبادة يُصمم نظام الحياة الاجتماعية، من نظام قائم على حب الذات إلى نظام اجتماعي قائم على الإيثار ومراعاة المصالح الاجتماعية. وفقاً لرؤية الشهيد الصدر، يتحقق هذا الأمر بطريقتين. الأولى أن يصل الإنسان إلى تفسير حقيقي للحياة، وبالنظر إلى الاهتمام بالآخرة، يستنتج أن الوصول إلى السعادة الحقيقية مبني على كسب رضا الله ويتضمن مصالح شخصية واجتماعية؛ وبعبارة أخرى، في هذه الحالة لا تزال مسألة الفرد قائمة، لكن فرداً وصل إلى تفسير جديد للحياة والمنافسة في الأعمال الصالحة. هذا الأمر لا يتحقق بالفهم المادي للحياة فقط، بل يحتاج إلى فهم أعمق. الطريقة الثانية التي اقترحت للتوافق بين مصالح الفرد والمجتمع هي تربية أخلاقية خاصة تُكتسب عبر التعبد. التعبد يحفز الإنسان نحو العقل والتعلم من خلال الوحي، ويقوي الروح بالعبادة، ونتيجة لذلك تسود العواطف الإنسانية على الفرد والمجتمع. بهذا التحليل للتعبد، يُثار الجدل المعروف بين تعارض العقل والدين؛ لأنه قد يُقال إنه إذا كان الهدف الأعلى في الشريعة هو التعبد، فهذا يعني التخلي عن العقل وبالتالي التخلي عن العلم. يرى المؤلف أن هذا الإشكال ناتج عن فهم ناقص للدين؛ لأنه إذا كان الدين يعني طريقة معرفة الإنسان لأسراره واحتياجاته، وطريقة لفهم البيئة وكيفية تفاعل الإنسان معها، وكان العقل مصدر هذه المعرفة هو الله الحكيم، فإن النتيجة تكون أنه للوصول إلى المعرفة يجب التواصل مع مصدرها، وهو الله. لهذا السبب، يطرح الشهيد الصدر في أحد نقاشاته الأصولية لتحديد الحكم الابتدائي في حالة وجود شك في الأحكام، نظرية حق الطاعة التي بموجبها يأمر العقل في مثل هذه الحالات الشخص بالاحتياط والسعي للامتثال للحكم قدر الإمكان.

في سياق[9] توضيح هذا الموضوع بشكل أعمق، يسعى المؤلف من خلال تحليله للعقل والتعبد إلى دراسة العلاقة بين العقل والدين، والتعبد والحداثة، والتعبد والحرية. وبعد دراسة الشبهات في هذه المجالات، يصل إلى نتيجة مفادها أن جميع الأحكام والقوانين والنظريات والأنظمة الموجودة في الشريعة، وكذلك جميع الخطابات الدينية، تُستخلص من النصوص والأصول الثابتة في الشريعة، ولكن لا ينبغي أن يؤدي التعبد إلى الجمود على هذه النصوص. حقيقة التعبد تكمن في تحليل هذه النصوص لاكتشاف الفروع والتفاصيل والتطابقات، والتي ينتج عنها تجدد في جميع ميادين الحياة، سواء العلمية أو العملية، للأمة الإسلامية، ومن خلال التواصل مع الغيب يصل الإنسان إلى الحرية الحقيقية؛ حرية من جميع القيود الداخلية والخارجية ومن التبعية للشهوات.

الهدف الثاني هو الخلافة. الخلافة مقام مهم منحه الله للإنسان، وهي أمانة عظيمة رفضت السماوات والأرض والجبال قبولها، بينما قبلها الإنسان. وما يهم هنا هو أن الشهيد صدر قد قسم الخلافة وفقًا للأدبيات القرآنية. عناصر الخلافة في نظره هي الإنسان، والطبيعة، وعلاقة روحية تحدد سلوك الإنسان تجاه الأرض من جهة وتجاه الآخرين من جهة أخرى. من بين هذه العناصر الثلاثة، العلاقة الروحية هي الأهم، والتي يُطلق عليها في القرآن استخلافًا. في المجتمعات البشرية، يشترك الجميع في العنصرين الأولين، لكن نظرتهم إلى العنصر الثالث تختلف. في النظرة المادية، توجد علاقة ثلاثية بين الإنسان ونفسه، والإنسان والآخر، والإنسان والطبيعة، أما في نظرية الاستخلاف، فهناك طرف رابع وهو الله، الذي جعل الإنسان خليفته في هذه النظرية. وبما أن البشر الآخرين أيضًا خلفاء الله، فلا أحد منهم أفضل من الآخر.

لتحقيق هذه الخلافة على الأرض، توجد أهداف فرعية أخرى في الشريعة: الهدف الأول هو إقامة الحكم الذي يتم على يد الصالحين. الهدف الثاني هو العدل، الذي بدونه لا تتحقق خلافة الله على الأرض. ولهذا السبب، اعتبر الله هدف بعثة الأنبياء وإنزال الكتب هو إقامة العدل. كما يجب أن يكون خليفة الله على الأرض مظهرًا لصفات من جعله خليفة، وأهم صفات الله هي العدل الإلهي. الهدف الثالث في نظرية الخلافة هو عمران ونمو المجتمع. هذا العنصر يستند إلى بعض آيات القرآن التي تشير إلى عمران الأرض وتوفير مقدماته. الهدف الرابع هو الوحدة والاعتصام بحبل الله. الهدف الخامس هو الاعتدال وتنظيم الأمور بحيث لا يحدث إفراط أو تفريط، وتوضع الأمور في موضعها المناسب. هدف آخر هو احترام الوعي الإنساني ومراعاة فهمه، واحترام الوقت، وتحصيل العلم قبل العمل، والرحمة والتيسير، والأمن.

الهدف الكلي الثالث للنظرية هو التزكية. هذا الهدف يتعلق بالفرد والمجتمع على حد سواء. التزكية مهمة من حيث المعرفة والسلوك، بحيث أن بعض الواجبات المالية مثل الزكاة والخمس تهدف إلى تزكية الأغنياء[10]. وإذا ما أُخذت أدلة مصاديق التزكية المالية دون مراعاة الهدف، قد يقع القارئ في الجمود على الألفاظ. من وجهة نظر المؤلف، العدل والتزكية يقتضيان أن تشمل الزكاة المواضيع الاقتصادية الجديدة أيضًا.

نقد العمل

رغم أن المؤلف حاول استخراج نظرية الشهيد صدر من مجموع أعماله ونجح إلى حد ما في ذلك، إلا أنه يجب القول إن هذا الكتاب قابل للدراسة من جوانب متعددة. أحد هذه الجوانب هو الدراسة الشكلية للكتاب. على الرغم من أن المؤلف حاول تقديم الكتاب في هيكل منطقي، إلا أن الحفاظ على التسلسل المنطقي للنقاش في تقسيم الفصول والالتزام بتناسب الفصول لم يُراعَ جيدًا. أحد أجزاء الكتاب هو المقدمة، والتي عادةً في العمل البحثي تشرح المشكلة، ومنهجية حلها، والسابق البحثي وما شابه ذلك، بينما في هذه المقدمة تم التركيز على صاحب النظرية وهو الشهيد صدر بدلاً من النظرية نفسها. كان من الأفضل أن يفتح المحقق أبعاد النظرية المختلفة ويبرز أهميتها ضمن مجموعة النظريات.

وبنظرة عامة على الكتاب، نجد أن الفصل الأول يحتوي على 6 صفحات، والفصول الأخرى تتراوح بين 74 إلى 86 صفحة، ولا يتناسب ذلك مع الفصول الأخرى. كان من الأفضل أن يكتب المؤلف المقدمة متعلقة بالنظرية، وبهذا النهج كان يمكنه نقل العديد من النقاشات من الفصل الأول إلى المقدمة، ونقل بعض النقاشات الأخرى من هذا الفصل إلى الفصل الثاني.

نقطة أخرى ذات أهمية شكلية هي كيفية تقسيم وتصنيف المواضيع. من خلال تصنيف منطقي، يستطيع القارئ فهم ارتباط المواضيع جيدًا. رغم أن الكتاب الحالي قد نجح في العناوين العامة، إلا أن بعض العناوين الفرعية تُركت دون معالجة؛ على سبيل المثال، الفصل الأول يحتوي على ستة عناوين لم تُشرح علاقاتها في بداية الفصل، ويجب على القارئ أن يربط بينها بنفسه. كما أن هذه المشكلة تظهر في مواضع متعددة في الفصل الثاني.

عيب شكلي آخر في هذا العمل يكمن في الوصول إلى المعلومات المطروحة فيه. في الوقت الحاضر، تم التنبؤ بطرق متعددة لدخول القارئ إلى الكتاب. ونظراً لأن العناوين في كثير من الحالات لا تعبر عن المواضيع الفرعية للكتاب، ومن جهة أخرى قد تكون أبعاد موضوع أو قضية ما قد انعكست في أماكن مختلفة من النص، فإنه لتسهيل دخول القارئ يُستخدم الفهرس الموضوعي. والكتاب الحالي يفتقر إلى فهرس موضوعي. ومن المعلومات المفيدة الأخرى أن يتمكن القارئ بسهولة من الحصول على المعلومات بناءً على صاحب الرأي والمنظرين. ولهذا الغرض يُدرج فهرس الأعلام، والذي يفتقر إليه هذا الكتاب. لو كان الكتاب يتضمن مثل هذا الفهرس، لكان من السهل[11] أن يحصل القارئ على عدد المنظرين للمقاصد أو فقهاء الفرق الذين أُشير إليهم في الكتاب. ومن الفهارس الأخرى فهرس الآيات والأحاديث، وهو ذو أهمية كبيرة في الدراسات الإسلامية. وإعداد هذا الفهرس أيضاً مفيد جداً، ومن هذه الناحية الكتاب ناقص.

من الناحية المضمونية يمكن دراسة النص الحالي من منظورين: أحدهما من حيث هيكل تقديم النظرية، والآخر من حيث مضمون النظرية. النظرية هي مجموعة من القضايا المنهجية حول موضوع واحد. لو أن المؤلف كان قد اهتم بأبعاد النظرية من خلال الرجوع إلى هيكلها، لكان بإمكانه تقديم هيكل أنسب لنظرية الأهداف. وأيضاً، نظراً لأن النظرية تخص طرفاً آخر تناولته، كان ينبغي عليه عرض المعلومات اللازمة من مصادره ودراسة تطورها وتكوينها.

المنهج الآخر الذي يتبناه الباحث في نظرية فقه الأهداف هو المنهج المقارن مع نظرية المقاصد. ونظراً لأن الشهيد صدر يُعتبر من الباحثين البارزين المعاصرين، كان من المناسب أن يقارن المؤلف وجهة نظره مع أحدث إنجازات نظرية المقاصد؛ مع أنه في الدراسة المقارنة لم يلتفت إلى عنصر المعاصرة، وبدلاً من دراسة وجهة النظر العلمية للمقاصد، قارن نظرية الشهيد صدر مع الشاطبي. ولا شك أن الشاطبي هو من مؤسسي نظرية المقاصد، لكن نظرية المقاصد لم تتوقف عند عصر الشاطبي، بل تم تطويرها تدريجياً من قبل مفكرين آخرين. وكان من الأفضل أن يولي المؤلف الكريم اهتماماً لوجهات النظر الحديثة في المقاصد، خصوصاً وأن بعض هذه الآراء قد تكون متأثرة بوجهة نظر نظرية الشهيد صدر، أو بالعكس، فقد صمم الشهيد صدر نظريته استناداً إلى الأدبيات الجديدة للمقاصد. على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى كتاب “نحو تفعيل مقاصد الشريعة” للمؤلف جمال الدين محمد عطية، الذي نشره المعهد العالمي للفكر الإسلامي عام 2001، أي قبل 14 عاماً من صدور هذا العمل. في هذا الكتاب، ومن خلال تحليل نظرية المقاصد، يصنف المؤلف المقاصد الخمسة العامة إلى أربعة مجالات: الفرد، الأسرة، الأمة، والإنسانية، ويحاول استكمال بعض نقائص هذه النظرية. لو كان المؤلف قد اختار هذه النظرية للمقارنة، لكان ذلك أكثر ملاءمة للعصر المعاصر. ومن زاوية أخرى، يمكن اعتبار طريقتين للمقارنة: الأولى هي النظر إلى المنافس الذي استند إليه الشهيد صدر في بناء نظريته، وهو أمر لم يسع الباحث كثيراً لاكتشافه. والثانية هي النظر إلى طبيعة هذه النظرية من خلال أي وجهة نظر يمكن مقارنتها، وهذا يعتمد على أهداف الباحث. وكان من الأفضل أن يولي الباحث الكريم اهتماماً لآخر الآراء، أو على الأقل يشير إلى هذه النقطة ثم يوضح سبب اختيار الشاطبي.

ومن النقدات الأخرى التي يمكن توجيهها إلى هذا الكتاب أن المؤلف لا يشير إلى المشاكل النظرية والعملية للنظرية، بل يحاول تقديمها بشكل كامل، مع أنه كان بإمكانه دراسة المشاكل النظرية والعملية، أو حتى الإشارة إلى نقائصها أو تقديم حلول لها.

الدخول في مضمون نظرية فقه الأهداف يتطلب مجالاً آخر. لفحص أي نظرية يمكن النظر إلى مؤشرات مختلفة مثل التناسق الداخلي، التناسق الخارجي، الكمال، التزامن والدوام، الكفاية، وضوح القضايا، الأسس النظرية الواضحة والمبنية على منهجية محددة، وغيرها. يمكن أيضاً دراسة نظرية فقه الأهداف بهذه المؤشرات. كما ذُكر، لو أن المؤلف كان قد درس أدبيات الشهيد صدر بناءً على هذه المؤشرات وهيكل النظريات، لكان بإمكانه تقديم النظرية الحالية بشكل أفضل.

علاوة على ذلك، كان بإمكان الباحث الكريم مقارنة هذه النظرية مع نظريات شيعية أخرى.

وأيضاً، أضلاع النظرية تحتاج إلى نقاش واسع؛ على سبيل المثال، الدخول في موضوع منطقة الفراغ والنظريات المنافسة لها أمر مهم. وعلى الرغم من أن الدخول في هذا النقاش ليس ضرورياً، إلا أن الإشارة إلى النقاط العامة، خصوصاً في مجال نقدها، أمر ذو أهمية.

[1]نظرية مقاصد الشريعة لها تاريخ طويل في فقه أهل السنة، وتظهر بعض آثارها أيضاً في الأدبيات الفقهية الشيعية؛ في المقابل، يعتقد البعض أن فقه الأهداف يمكن تصميمه كهيكل مختلف عن فقه المقاصد، ويمكن من خلال رسم الأهداف تقديم إطار منظّم للشريعة.

[2]هل يؤدي فهم الأهداف إلى تغيير الفهم عبر تغيير في ظهور الأدلة، أم لا، فالظهور لا يتغير، لكنه يُعتبر كدليلين متعارضين يجب حل التعارض بينهما بطريقة ما.

[3]برأي المؤلف، فقه الأهداف رغم أنه لم يُصرح به صراحة من قبل الشهيد صدر، إلا أنه يمكن استنباط هذه النظرية من خلال الرجوع إلى مؤلفاته وتمييزها عن نظرية مقاصد الشريعة.

[4]يرى المؤلف أن كلمة هدف تختلف لغوياً عن مقصد؛ بمعنى أن الهدف يدل على العلو والعظمة، بينما القصد يدل على القرب والاعتدال والثبات؛ ونتيجة لهذا الاختلاف، تختلف المقاصد عن الأهداف من جوانب أخرى أيضاً.

[5]هل يمكن بيع مبلغ معين من النقد وجهًا مؤجلاً بمبلغ أكبر، وبما أنه قرض، يصح الحكم على صحة المعاملة، وبالتالي الهروب من تحريم الربا.

[6]يرى المؤلف أن أحد التطبيقات المهمة لفقه الأهداف هو أنه يحول الفقه من حالة فردية إلى حالة اجتماعية؛ لأنه عندما يعتبر الفهم أن الأهداف راسخة في عمليات الاجتهاد، فإنه يضطر إلى مراعاة المصالح الاجتماعية في التشريع.

[7]يرى صدر أن منطقة الفراغ هي منطقة لم يُشرع فيها حكم، وأن وضع الأحكام فيها من اختصاص النبي (ص) والمعصوم (ع) والولي الفقيه كحاكم؛ ووجود مثل هذه المنطقة في الشريعة لا يُعتبر نقصاً فيها، بل هو أسلوب فني وحكيم للتعامل مع التحولات في هذه المنطقة.

[8]يشير المؤلف في الفصل الرابع إلى بعض الأهداف العليا للشريعة؛ هذه المناقشة لها مكانة مهمة في نظرية الأهداف، لأن ما قيل حتى الآن كان في مرحلة الإثبات، لكن هذه النظرية تصبح قابلة للتقديم والدفاع عندما تستطيع تقديم منظومة من الأهداف.

[9]حقيقة التعبّد هي أنه من خلال تحليل هذه النصوص يتم الكشف عن الفروع والتفاصيل والتطابقات، ونتيجة لذلك، يحدث تجديد في جميع ميادين الحياة سواء العلمية أو العملية، وفي مسار الاتصال بالغيب يصل الإنسان إلى الحرية الحقيقية؛ حرية من كل القيود الداخلية والخارجية ومن اتباع الشهوات.

[10]في المقدمة الحالية، بدلاً من التطرق إلى النظرية، تم التطرق إلى صاحب النظرية وهو الشهيد صدر؛ وكان من الأفضل أن يفتح المحقق أبعاد النظرية المختلفة ويبرز أهمية النظرية ضمن مجموعة النظريات.

[11]لو أن المؤلف أولا اهتماماً بأبعاد النظرية من خلال الرجوع إلى هيكلها، لكان بإمكانه تقديم هيكل أكثر ملاءمة لنظرية الأهداف.