ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: ماهیت و روش موضوع شناسی در «فقه نظام ساز» ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص: تتناول هذه المقالة طبيعة ومنهج «معرفة الموضوع» في «الفقه البنائي للنظام» مع التركيز على رؤية الشهيد الصدر (كمؤسس لهذا الخطاب). تُعد معرفة الموضوع من الضرورات في الخطابات الفقهية المعاصرة التي تهدف إلى قضايا العصر والحكم الإسلامي، والتي لم تحظَ باهتمام كافٍ في الفقه التقليدي. لقد طرح الخطاب الفقهي الحكومي معرفة الموضوع الفقهية كعنصر أساسي، وبطبيعة الحال فإن الفقه البنائي للنظام يوليها اهتمامًا خاصًا. في هذا البحث، وبعد توضيح معرفة الموضوع في الفقه البنائي للنظام على المستوى الكلي، تُدرس شروط دخول الشهيد الصدر (ره) إلى معرفة الموضوع بطريقة اجتهادية؛ وقد تم شرح هذا الأمر من خلال توضيح نظرته إلى المعرفة عبر العلوم الحديثة، وابتكاره لمذهب المنطق الذاتي لتعويض نقائص العلوم الحديثة ومنطق الاستقراء، وأخيرًا المعرفة من المنطلق الاجتهادي في قالب «التفسير الموضوعي» و«فقه النظرية».
المؤلف: عبدالحسین مشکانی سبزواری
المصدر: فقه نظامساز، شتاء 1401، العدد 4، ص 7 إلى 32.
المقدمة
إن إنتاج الأدب المعرفي ربما يكون أول إضافة ترافق نشاط جميع المفكرين في مجال «الفقه الفوق فردي». يشمل هذا الأدب مناقشات حول ضرورة ووجوب دخول الفقه إلى ميادين الحياة الفوق فردية للإنسان، لا سيما في مجال الأنظمة الاجتماعية والحكم، وقد جذب ذلك الكثير من التفكير والكتابات. كما يمكن تفسير الجهود المبذولة لإثبات كفاءة الفقه في بناء النظام وإدارة الحكم الإسلامي والاستفادة منه في بعض المجالات الحاكمة وحتى الحضارية ضمن هذا السياق. كذلك، تُعد المحاولات لتسمية هذه الظاهرة وإنشاء ملف داعم كلامي وتاريخي لهذه الرؤى والعناوين علامة جيدة على تشكل الأدب الفقهي الفوق فردي على المستوى الكلي والحضاري. لقد تشكلت في هذا الأدب عناوين مثل الفقه الحكومي، الفقه البنائي للنظام، الفقه الاجتماعي وأخيرًا الفقه الحضاري. كما يمكن اعتبار تحديد نطاق ومكونات التمايز بين هذا الفقه والفقه الفردي خطوات في الأدب النظري لهذا العلم. «بناء النظام»، «إدارة المجتمع»، «جميع شؤون الحياة الفردية والاجتماعية»، «تطور الأنظمة الاجتماعية» و«بناء الحضارة» هي مكونات يعتبر هذا الفقه نفسه مسؤولًا عنها. بناءً على هذا القول، فقد تجلّت عبر التاريخ، استنادًا إلى الخلفيات المعرفية والسياسية والاجتماعية، مظاهر من الحقيقة الشاملة والحضارية للفقه. يُظهر تاريخ الفقه أنه في أزمنة كان فيها التقية التامة سائدة، لم يُستنبط حتى الأحكام الفردية. ومع تهيئة الظروف، تم تنظيم هذا الجانب، ومع تهيئة المزيد من الظروف، نشط الفقه الفوق فردي على المستوى الصغير مثل العلاقات بين المؤمنين. في تطور آخر، أصبح الفقه معنيًا بالقضايا الفوق فردية الكبرى والأنظمة، والآن بعد أن توفرت الظروف التاريخية والسياسية والاجتماعية والمعرفية وغيرها، يسعى على المستوى الحكومي والحضاري والتنموي إلى تنظيم مكونات الفقه الحضاري.
في هذا الوقت، أصبح الفقه الحكومي نشطًا بدخوله في مبادئه وأساساته من جهة، ومن جهة أخرى اتخذ خطوات في مجال «منطق الفهم والأصول الفقهية». في تطور هذا العلم، يبدو من الضروري والملح استكمال هذه الأسس والمبادئ، ومناقشات أصول الفقه، وكذلك مناقشات فلسفة العلم مثل معرفة الموضوع. تُعد معرفة الموضوع، التي هي جزء تمهيدي من استنباط الأحكام، ربما من أهم الجوانب والوجوه التي يمكن أن يُحدث التطور فيها تغييرًا كبيرًا في حدود هذا العلم. على الرغم من الأدب الواسع في موضوع معرفة الموضوع، ومرجع المعرفة بالموضوع… إلا أن غناه لا يكفي لحل القضايا الموضوعية في الموضوعات المعقدة الحالية. من هذا المنطلق، يمكن اعتبار الدخول في معرفة الموضوع نقطة الصفر لعلم معرفة موضوعات الظواهر المعقدة الحالية في الفقه. من المهم الانتباه إلى أن الغموض في الموضوعات، والمطالبين بمعرفة هذه الموضوعات، ومدى حجية هذه المعارف، والسرقات التطبيقية العديدة، والاعتماد والتوكّل على المتخصصين في العلوم الحديثة… بدلاً من فتح التعقيدات، زاد من تشابكها. لذلك، يُسعى في سلسلة من المناقشات إلى الانتباه إلى هذه التعقيدات وتقوية جزء من الأدب المعرفي لموضوعات اجتماعية معقدة فقط.
في هذا المقال، وبالنظر إلى النظرة التي كان الشهيد الصدر يحملها تجاه الظواهر الاجتماعية، سيتم استعراض نظراته واعتباراته المتعلقة بفهمها في فقه بناء النظام بشكل موجز.
1. الأدبيات النظرية
1.1. الفقه وفقه بناء النظام
الكلام في باب الفقه ما وراء الفرد كثير. هناك مصطلحات مثل الفقه الاجتماعي، الفقه الحكومي، فقه بناء النظام، الفقه الحضاري، الفقه السياسي… مع تعريفات متفاوتة إلى حد ما ونطاق دلالي متنوع، تم إنتاجها في سبيل إثراء أدبيات الفقه ما وراء الفرد. وكذلك قُدمت تعريفات متفاوتة إلى حد ما حول فقه بناء النظام أو فقه الأنظمة الاجتماعية؛ لكن فقه بناء النظام من حيث الأصل يُنسب أكثر إلى الشهيد الصدر. فهو الذي تحدث عن إنتاج مدرسة أو مذهب، وحدد مكانة الفقه في هذا الإنتاج المعرفي. وقد طابق المفكرون وتلامذته نظرته إلى الفقه بمصطلحات مثل فقه بناء النظام أو فقه الأنظمة. ومن خلال النظر إلى ما قاله حول نطاق الفقه وتشخيص أدواره من جهة، وكذلك استفادته من مصطلحات مثل منطقة الفراغ، فقه النظرية، الفهم الاجتماعي للنص… يمكن شرح نظرته إلى الفقه وتجاوزه المجال الفردي في ثلاثية: فقه الموضوعات، فقه البناء، وفقه الإشراف. ورغم أن بعض المفكرين أعادوا تعريف هذه الثلاثية تحت عنوان الفقه الحكومي، إلا أنه يبدو أن التعريف المقدم لفقه الموضوعات يجعل إطلاق الفقه الحكومي عليه يحمل الكثير من التحفّظات.
وعلى هذا الأساس، يمكن مراقبة مستويات تاريخية للفقاهة والاجتهاد بتواترات تعتمد على السياقات التاريخية والاجتماعية والسياسية. المستوى الأول، الذي سماه بعضهم فقه الموضوعات، وغالبًا ما يُطابق الفقه التقليدي، يدرس موضوع الحكم بطريقة فردية وصغيرة. في هذا المنظور، حتى الموضوعات الكبرى تتحول إلى موضوعات صغيرة، ويتم استنباط الأحكام لكل موضوع على حدة؛ فمثلاً، ظاهرة مثل البنك تُجزأ إلى معاملات صغيرة مختلفة، وتُستخلص موضوعات متعددة. ويستنبط المجتهد، بناءً على تشخيصه لواجب المكلف، أحكام الموضوعات الصغيرة دون النظر إلى الأحكام المتعلقة بالعلاقات والروابط التي تربط هذه الموضوعات الصغيرة والتي تشكل موضوعًا كليًا يُسمى البنك. وهذه المقاربة لا تدخل فقط في الموضوعات الصغيرة، بل وبادعاء الفقه ما وراء الفرد أو الفقه الحكومي تدخل أيضًا في استنباط الموضوعات الكبرى بنفس الطريقة؛ بمعنى أوضح، في فقه الموضوعات، يقوم الفقيه بتجزئة الموضوع إلى عناوين متعددة ويضعها تحت باب فقهي واحد. وبهذه الطريقة والأسلوب، تُدرج جميع الأنظمة الواقعية القائمة المستمدة من الأنظمة الغربية ضمن إطار أحكام الرسالة الفقهية، وتحصل على حكم الإباحة والحرمة دون تغيير في طبيعتها وجوهرها.
أما المستوى الثاني، الذي يُسمى فقه بناء النظام أو فقه الأنظمة، فقد تشكل فيه النظرة الحكومية للموضوعات مع الأخذ في الاعتبار الموضوعات الكبرى والعلاقات التي توجد بينها، ويتم استنباط الحكم بناءً عليه. لذلك، يكون الموضوع في هذا المستوى كليًا، ويستنبط الفقيه الحكم الفقهي مع مراعاة النسب والعلاقات والتأثيرات بين العناوين والموضوعات المختلفة تحت موضوع كلي واحد. كما يُسعى إلى استنباط النظام أو الأنظمة التي تحكم الأحكام الدينية. بمعنى آخر، في هذا المستوى يُستنبط حكم الموضوعات النظامية الخارجية وكذلك الأنظمة الحاكمة على الأحكام الإلهية. وكان الشهيد الصدر في فهمه للموضوعات الطارئة على المجتمع الإسلامي، التي دخلت من أجهزة فكرية غير دينية مثل الاشتراكية…، قد اقترب من فقه بناء النظام من جهة، ومن جهة أخرى فعّل فقه بناء النظام باستنباط المذهب أو المدرسة الاقتصادية الإسلامية. وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، تناول تطبيق مبادئه في الهيكل السياسي وقدم نموذجًا سياسيًا لإيران. وكان يعتبر “الأنظمة” و”الأنظمة الاقتصادية” مسألة مستحدثة يجب على الفقيه الفقه الحكومي استنباطها. فالأنظمة هي مجموعات مترابطة لها “مبادئ” و”غايات” خاصة بها، تنبع من مجموعة من المبادئ الأساسية والجذور الفكرية، ولا ينبغي أن تُبنى الأنظمة الإسلامية على خلاف ذلك (صدر، 1434[د]: 20). ومن وجهة نظره، يجب على الفقيه بنظرة نظامية أن يكتشف المذهب ويستنبط أحكام كل نظام (صدر، 1434[ج]: 117-119).
أما المستوى الثالث، الذي يُسمى “الفقه التنموي” أو “فقه الإشراف”، فبالإضافة إلى مراعاة العلاقات والروابط والتأثيرات، يُؤخذ في الاعتبار مكانة الإشراف في سبيل الوصول إلى الكمال. في هذا المستوى، لا يكتفي الفقيه بملاحظة العلاقات والنسب والتأثيرات بين الموضوعات، بل يضع في الاعتبار عملية كمال الأحكام لتكامل الإنسان والمجتمع وكيفية الإشراف على هذا التكامل، ويباشر الاستنباط بناءً على ذلك. ووفقًا لهذا المنظور، فإن المهمة الأساسية للحكومة الدينية هي “التكامل الاجتماعي في مسار العبودية وعبادة الله تعالى”، و”الفقه الحكومي” من خلال مؤسسة الحكومة يسعى إلى “هداية وإشراف المجتمع”. ومن هذا المنطلق، وبما أن المجتمع موضوع معقد ومركب ومتغير، يجب تحليله في إطار النظام الإسلامي الكلي وفي ظل الصراع الدائم مع نظام الكفر والنفاق. والمجتمع، الذي هو كالبشر نفسه في حالة نمو وتكامل، يجب أن يقدم خطة ونموذجًا شاملًا لإنارة هذا التكامل، وهو ما يتكفل به فقه الإشراف في تصميمه (ن.ک. میرباقری، 1396، فصل اول تا پنجم).
على الرغم من أن المقالة تسعى إلى توضيح رأي الشهيد صدر المبني على الفقه النظامي، إلا أنه يجب أن يُشرح أنَّه في نظره للنظام الاجتهادي ونظام الفقه، قد أخذ في الاعتبار المستويات الثلاثة المذكورة أعلاه. وحتى بالنسبة للمستوى الثالث الذي يعتقد بعضهم أنه متأخر عنه، فقد كان لديه آراء وتحدث في هذا السياق. سنُمعن قليلًا في نظرته إلى الفقه.
يعتقد الشهيد صدر أن هناك مرتبتين يمكن النظر فيهما إلى الشريعة: في المرتبة الدنيا، هي شريعة تحدد فقط واجبات الفرد في ظروف مختلفة؛ أما في المرتبة الكاملة، فالشريعة تنظم وتوجه حياة الإنسان الاجتماعية من خلال الأنظمة الاجتماعية (صدر، 1434[الف]: 61). وبالنظر إلى الأبعاد الثابتة والمتغيرة للموضوعات، يرى أنه يمكن استنباط الأحكام المتعلقة بالأنظمة في القسم الثابت والمتغير بناءً على المذهب الإسلامي. ويرى أن الولي الأمر والحاكم الإسلامي من خلال عملية اجتهادية، وبما يتناسب مع مصلحة واحتياجات المجتمع (المرجع نفسه، 1417[الف]: 371) وبالاستناد إلى المفاهيم الإسلامية وفي إطار أهداف الشريعة العامة (المرجع نفسه: 443) وضمن حدود الأحكام الثابتة (صدر، 1434[د]: 47)، يصدرون أحكام منطقة الفراغ.
بعبارة أوضح، هو يدرس نوعين من الفعل الفقهي عبر التاريخ: «أولًا: تطبيق النظرية في المجال الفردي بقدر ما يتعلق بسلوك وأفعال الفرد. ثانيًا: تطبيق النظرية في المجال الاجتماعي وإقامة الحياة الاجتماعية بكل مقتضياتها مثل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بناءً على هذه النظرية. وعلى الرغم من أن حركة الاجتهاد من حيث المبدأ والنظرية تهدف إلى كلا المجالين؛ لأن هذين المجالين من منظور الاعتقاد الإسلامي متساويان، إلا أن هذه الحركة في مسارها التاريخي الذي قطعته في الساحة الشيعية غالبًا ما استهدفت المجال الأول فقط؛ بحيث في عملية الاستنباط تتجسد في ذهن المجتهد صورة الفرد المسلم الذي يريد تطبيق نظرية الإسلام للحياة على سلوكه، وليس صورة المجتمع المسلم الذي يريد بناء حياته وعلاقاته على أساس الإسلام» (صدر، 1398[ب]: 515). الاجتهاد في هذا المستوى يتجاهل دائمًا الموضوعات التي تمهد المجال للتطبيق الاجتماعي. وبعبارة أخرى، «عقل الفقيه عند الاستنباط يركز غالبًا على الفرد المسلم واحتياجه إلى الإرشاد، وليس على المجتمع المسلم واحتياجه إلى تنظيم حياته الاجتماعية» (المرجع نفسه: 518).
يرى الشهيد صدر أن هذا المنظور هو الذي يجعل «الكثيرين يسمحون لأنفسهم بتجزئة موضوع واحد» (المرجع نفسه: 521). والمثال الذي يذكره الشهيد في هذا الجزء يقرب نظرته إلى الفقه الموجود إلى «الفقه الجزئي أو الموضوعي»: «في هذه الحالة يحاول من خلال تقديم تفسير شرعي للواقع الحياتي الحالي حل مشكلة الفرد المسلم، دون أن يشعر بأن نظام البنوك الربوي، حتى بعد تقديم تفسير شرعي للواقع القائم على أساس النظرة الفردية، يسبب مشكلة للحياة الاجتماعية بأكملها» (المرجع نفسه: 520).
بعد هذا التشخيص، يشرح الشهيد عملية دخول الاجتهاد الشيعي في المرحلة الثانية، ويعتقد أن «حركة الاجتهاد في مسار مقاومتها أدركت إلى حد ما أن الجانب الفردي لتطبيق نظرية الإسلام للحياة مرتبط تمامًا بالجانب الاجتماعي؛ لأن انهيار الجانب الاجتماعي أدى تدريجيًا إلى تدهور الجانب الفردي أيضًا» (المرجع نفسه: 516). ويشرح كيف أن الأمة الإسلامية بالإضافة إلى النظام الاجتهادي الذي كان يستعد لحل المشكلات الاجتماعية والحكومية، كانت تغير أيضًا نظرتها إلى الفقه. وكانت نتيجة هذه الحركة الثنائية إحداث تغييرات في النظام الاجتهادي التي يرى أن «الخطوات الأولى لهذا التغيير يمكننا رؤيتها بوضوح في الوضع الحالي لحركة الاجتهاد في الشيعة ونتائجها مثل الجهود المبذولة لتبيين نظام الحكم في الإسلام، والمذهب الاقتصادي الإسلامي، وغيرها من القضايا الاجتماعية في الإسلام» (المرجع نفسه: 517).
بعبارة أخرى، في المستوى الثاني الذي يُسمى «الفقه النظامي» أو «فقه الأنظمة»، كان لديه نظرة حكومية للموضوعات مع الأخذ في الاعتبار الموضوعات الكبرى والعلاقات الموجودة بينها. في هذا المستوى، يستنبط الفقيه الحكم الفقهي مع مراعاة النسب والعلاقات والتأثيرات المتبادلة بين العناوين والموضوعات المختلفة تحت موضوع كلي واحد. وفهم هذه العلاقات مبني على المبادئ العامة للفهم التي توصل إليها الفقيه بناءً على الأسس الدينية والاجتهادية ويقوم بصياغتها. يجب أن تكون صياغة عناوين العلاقات والتعقيدات بطريقة تحميها من أي اختراق. ولهذا، فإن فهمها يحتاج إلى اجتهاد. نوع خاص من الاجتهاد يعترف بتعدد الآراء للوصول إلى مذهب أو مذهب فقهي أو نظرية. استنباط المذهب أو النظرية الذي نوقش في قالب الأنظمة الاجتماعية في «فلسفتنا» هو خلاصة رأيه من هذا المنظور.
في تطبيق رؤية الشهيد الصدر على الثلاثية التي ذُكرت، لم تُغفل المرحلة الثالثة أيضًا. فهو في الأفق الذي يرسمه للفقه، وكذلك في نظرياته المتعلقة بتنظيم نظام الاحتياجات الطبيعية والفطرية للبشر، يأخذ في الاعتبار تطوير الفقه للوصول إلى كمال الإنسان. مصطلحات مثل «الامتداد العمودي والأفقي للفقه»، «الحركة الدافعة»، «الحركة الجهادية للفقه»، «الفهم التراكمي الاجتماعي للنص» (المرجع نفسه: 520-523) وغيرها التي استخدمها في دراسة نظام الاجتهاد، تُظهر نظرته إلى تحول الفقه نحو النمو والكمال. يُلاحظ تقييم العلاقات بين الإنسان، والأدوات، والهدف في جميع تحليلات الشهيد الصدر الاجتماعية تقريبًا. يرى الشهيد الصدر أن الإنسان الذي يُعرف تحت ظل الحكم الإسلامي، سيتبع هدفًا أسمى: «الحقيقة هي أن الهدف الوحيد الذي يضمن استمرار حركة الإنسان الحضارية في مسارها، واستمرار إشعاعها واحتدامها، هو ذلك الهدف الذي يقترب الإنسان منه تدريجيًا، ومع اقترابه منه تُكتشف آفاق جديدة ومديات غير متوقعة له، مما يزيد من اشتعال حركة الإنسان ويمنح حركته حيوية وابتكارًا أكبر. هنا يتضح دور الحكم الإسلامي في وضع الله كهدف لمسار الحركة التطورية للإنسان، وطرح صفاته وأخلاقه كمعايير لهذا الهدف العظيم» (صدر، 1398[الف]: 198).
وبما أن الشهيد الصدر يعتبر الفقه أهم علم يحقق هذه الأهداف السامية (صدر، 1398[ب]: 416-417)، فإن التطوير في الهدف الإنساني يتناسب مع ذلك، حيث يرغب في تطوير الفقه أفقيًا بالإضافة إلى تطويره عموديًا ليتمكن من تغطية هذا الهدف السامي: «حتى لا يتطور الفقه كميًا ولا يتوسع أفقيًا، لا يمكنه أن يُظهر الدين الإسلامي بكل شموليته وانتشاره، ولا يستطيع أن يُبرز خصائص الإسلام وغناه وقوته وقدرته على حل مشكلات الإنسان المعاصر، ولا يمكنه أن يعرض الإسلام في صورة تجذب انتباه الأمة إليه» (المرجع نفسه: 417).
1.2. موضوعشناسي في الفقه المبني على المستويات الثلاثة
تتكون عملية الاجتهاد في علم الفقه من مرحلتين: المرحلة الأولى هي موضوعشناسي (معرفة الموضوع) بحيث بناءً على معرفة دقيقة بالموضوع وتقديمه إلى الأدلة، تبدأ المرحلة الثانية وهي حكمشناسي (معرفة الحكم)[1]. يُقال للموضوع «متعلق به» الحكم أو «موضوع عليه» الحكم الفقهي. في الواقع، قد يعني «الموضوعات الفقهية» أحد المعنيين التاليين: 1. موضوع يكون مصدر اعتباره «الفقه»؛ 2. موضوع يتناوله «الفقه» سواء كان مصدره الفقه نفسه، مثل الصلاة، أو كان مصدره خارج الفقه، مثل التفاعلات السياسية والاجتماعية للأفراد، كـ«التأمين». في العبارات الفقهية التي تتكون من «المتعلق»، «المتعلق به»، المكلف، والحكم، إذا كان المتعلق أيضًا من الظواهر السياسية والاجتماعية، يمكن تناول ذلك في هذا البحث. يتم تشكيل القياس لتطبيق هذه العناوين والموضوعات على الأدلة والمصادر الشرعية بواسطة علم أصول الفقه؛ لكن معرفة الموضوع الذي يجب استنباط حكمه الشرعي من الأدلة خطوة تسبق هذه المرحلة، وهي ذات أهمية كبيرة في صحة الحكم الشرعي. لذلك، كانت معرفة الموضوع ومرجع معرفته محل نقاش الفقهاء عبر تاريخ الفقه.
بالنظر إلى المستويات الثلاثة للموضوعات، النظامية والإشرافية التي قُدمت، يمكن أيضًا شرح موضوعشناسي على نفس الأساس. بناءً عليه، «فقه الموضوعات» بمنطقته وأسلوبه الخاص، يصيغ الموضوعات الخارجية إلى عناوين عامة مستقلة عن بعضها البعض ويستنبط حكم كل منها على حدة. أما «الفقه النظامي» فيعتمد على منطق «النظرة الشمولية»، حيث ينظر إلى موضوعات النظام في ارتباطها وتفاعلها وتكاملها مع بعضها البعض ويستنبط حكم «كل» متماسك. في كلتا الطريقتين، نواجه نوعين من الموضوعات: البسيطة والمركبة. النقاش الأكبر يكون حول الموضوعات المركبة التي لها بنية نظامية ومنهجية، ولذلك تحتاج إلى منطق لفهم مكانة العناصر في النظام وتركيبها، واستنباط أحكام العناصر والعلاقات والروابط فيما بينها. رغم أنه أحيانًا في فقه الموضوعات تُرى هذه النسب والعلاقات، مثلًا في باب التزاحم الذي يحاول حلها، إلا أن هذا النوع من النظرة يكون استثنائيًا. في «الفقه الإشرافي» بالإضافة إلى ما هو موجود في الفقه النظامي، يلعب بعد الزمن والحركة الدور الرئيسي. الموضوعات، رغم وجودها داخل النظام، ليست ثابتة أو جامدة؛ بل هي في عملية زمنية، تتغير وتتبدل وتتكون. هذه الحركة والتكوين تحتاج إلى إشراف لمنع التحول نحو الباطل وتحويله نحو الحق: «الميزة البارزة في موضوعشناسي على مقياس التطوير والإشراف» هي «تبدل الموضوعات في عملية التحسين». عندما يتم تحسين نظام الموضوعات في طريق الوصول إلى النقطة المثلى، تتغير كمية ونوعية عناصر النظام، وهذا يؤدي إلى حذف أو إضافة موضوعات وتغيير التوازن والنسب وطبيعتها. بناءً على ذلك، يصبح «التخطيط الشامل والمستقبلي» في «الفقه الإشرافي» ذا أهمية، لأن عقلانية المجتمع الدينية يجب أن تحدد مراحل التطور الاجتماعي ضمن خارطة طريق للمجتمع وتوضح كيف ستكون جودة الأنظمة الاجتماعية وموضوعاتها في كل مرحلة من مراحل التطور» (میرباقری، المرجع نفسه: 162)؛ كمثال، يمكن دراسة الحدث التاريخي الدستوري في هذه المستويات الثلاثة. الدستورية تحتوي على عناوين فرعية مثل العدالة، المساواة، الحرية، الولاية، الوكالة، والتشريع العرفي، ويمكن استنباط حكم كل منها بشكل تحليلي.
على المستوى الكلي وداخل الفقه النظامي يمكن اعتباره كنموذج نظام سياسي قائم على أهداف خاصة وأُسس مميزة. نظامٌ، رغم أنه يُدرك داخل الأرض الإسلامية من قبل علماء الإسلام، إلا أنه نظامٌ ناشئ من بيئة وأصل فكري غربي يحمل مفاهيمه القيمية، ومتطلباته، ونتائجه، وآثاره الخاصة، وإن كان يحمل شرطياً أحد أو عدة متطلبات شرعية إيجابية، مثل: حق التصويت للشعب. أما على المستوى التطويري، فيحلل الفقيه الفقه المشروطية كعملية اجتماعية. ومن هذا المنظور، فإن الحركة والتغير الذي تشكّل بواسطة المشروطية والتي تعمل على تحديث المجتمع التقليدي وتدمقرط النظام الملكي، هو حدث عظيم يُعد منشأً ومصدرًا لتحولات أعظم في المستقبل، وسيؤدي إلى ذوبان المجتمع الإيماني في مظاهر المجتمع الغربي الحديث.
1.3. مرجع معرفة الموضوعات
الموضوع بالمعنى الذي يُراد في الفقه له مستويات يمكن ملاحظتها في عملية الجعل، والكشف، وتنفيذ الحكم. فيما يلي إشارة إلى هذه المراتب. في المستوى الأول، يُنسب الشارع في مقام التشريع وفي وعاء الاعتبار حكماً تكليفياً أو وضعياً إلى موضوع. هذه هي المرتبة الأولى لاستخدام كلمة «موضوع» في مقام «الجعل» حيث يجعلها الشارع موضوعاً لحكم. وجود الموضوع افتراضياً أو حتى مفهوماً وذهنياً في هذا المستوى يكفي (نائینی، 1377، 1: 127).
المستوى الثاني هو الخطابات الشرعية التي تكشف عن إرادة الشارع. بالإضافة إلى الحكم، تحتوي العبارات الوحيانية على محكومٍ عليه يُسمى أحياناً موضوعاً وأحياناً مفعولاً به. في المستوى الثالث، وهو مقام تفعيل الحكم، يُعتبر الموضوع سبب تفعيل الحكم. لذلك، يكون مرتبة الحكم لاحقة للموضوع (صدر، 1421، 1: 108). المستوى الرابع، وهو موضوع البحث في المقال، هو مستوى معرفة الموضوع، وفي هذا المقام يسعى الفقيه إلى معرفة الموضوعات الخارجية وكشف حكمها. إذا كانت هذه الموضوعات لها سابق في التراث الفقهي، تُسمى «مستنبطة» وإذا لم يكن لها سابق تُسمى «مستحدثة». يسعى الفقيه إلى كشف حكمها من خلال معرفتها. في مرحلة الامتثال أو إيجاد المصاديق، لا يوجد فرق بين المكلف العادي والمجتهد، فكل منهما يجب أن يرجع في عمله إلى الأحكام الصادرة ويطبقها على المصاديق التي يواجهها. لذلك، المقصود بمعرفة الموضوع التي يحمّلها المقال أكثر على عاتق الفقيه هي المرحلة التي تسبق معرفة المصاديق.
بالنظر إلى هذه المراتب، فهم كثيرون معرفة الموضوع بمعرفة الموضوع في مرحلة الامتثال بشكل خاطئ. ومن ثم، يعتقدون أن المرجع الأساسي لمعرفة الموضوعات ليس المجتهد، بل المكلف الذي يتعرف على الموضوعات بناءً على العرف العام أو العرف الخاص. بالطبع، في الحالات التي يُذكر فيها ويحتاج إلى نظر اجتهادي في النصوص، يدخل المجتهد في معرفة الموضوع. العناوين المستنبطة سواء كانت شرعية أو عرفية أو لغوية هي عناوين يدخل فيها المجتهد الفقه التقليدي ويستخرج معرفتها من المصادر الدينية اجتهادياً. في تقسيم آخر، جميع العناوين التأسيسية للشارع تحتاج إلى معرفة المجتهد. بعض العناوين الإمضائية التي تدخل فيها الشارع أيضاً تحتاج إلى معرفة اجتهادية.
في التقسيم من حيث الاعتبار، العناوين الشرعية تحتاج إلى معرفة اجتهادية. الموضوعات الطبيعية عادةً ما تُعرف بواسطة العرف الخاص أو العام. بعض الموضوعات الطبيعية التي استخدمها الشارع كعناوين وأُدخل عليها قيد تحتاج أيضاً إلى معرفة اجتهادية. كذلك، العناوين التقليدية تقع على عاتق المجتهد، والعناوين البحثية تعتمد على بحوث المكلف أو المتخصصين. كما يمكن أن تكون العناوين العرفية والاعتبارية بحيث يجب أن تتم معرفتها بواسطة المجتهد، أما العناوين التكوينية في النظرة التقليدية فمعرفتها تحتاج إلى العرف الخاص أو المتخصصين.
من المسلم به أن جميع العناوين السابقة إذا كانت تحتاج إلى معرفة موضوعية قبل صدور الحكم، فهي موضوع بحث المقال. كما أن وجوب الفهم الاجتهادي لبعض الموضوعات بشكل عام ثابت إجمالاً.
بجمع التقسيمات السابقة يمكن وضعها في ثلاث فئات: 1) الموضوعات المستنبطة شرعياً التي هي من اختراعات الشارع ويجب أن يوضح الشارع طبيعتها، مثل: الحج والصوم…؛ 2) الموضوعات التي تدخل الشارع في تعريفها وتصرف فيها، ولذلك يعتمد فهمها على فهم نظر الشارع، مثل: صلاة المسافر، الفقير…؛ 3) الموضوعات العرفية مثل: الماء، الدم… التي يجب الرجوع فيها إلى العرف.
لذا، موضوع النزاع هو الموضوعات العرفية سواء العرف العام أو العرف الخاص. في هذه الموضوعات يجب تحديد المرجع والطريقة المعرفية وأخذها بعين الاعتبار.
في المستوى الأول، الذي سماه بعضهم فقه الموضوعات، يُنظر إلى موضوع الحكم بشكل جزئي. في فقه الموضوعات، يقوم الفقيه بتفكيك الموضوع إلى عناوين كلية متعددة ويضعها تحت باب فقهي واحد. في الواقع، هذا الفعل هو تطبيق الفقيه لنظرته الاجتهادية على الموضوع السياسي الاجتماعي المعقد.
في المستوى الثاني، الذي يُسمى فقه بناء النظام أو فقه الأنظمة، تتشكل النظرة الحكومية تجاه الموضوعات مع الأخذ في الاعتبار الموضوعات الكبرى والعلاقات القائمة بينها، ويتم استنباط الحكم بناءً على ذلك. لذلك، يكون الموضوع في هذا المستوى من الفقه موضوعًا كليًا، ويستنبط الفقيه الحكم الفقهي مع مراعاة النسب والعلاقات والتأثيرات المتبادلة بين العناوين والموضوعات المختلفة تحت موضوع كلي واحد. فهم هذه العلاقات يقوم على مبادئ عامة للفهم التي يصل إليها الفقيه بناءً على الأسس الدينية والاجتهادية ويقوم بصياغتها. يجب أن تكون صياغة عناوين العلاقات والتعقيدات بطريقة تحميها من أي اختراق. ومن ثم، فإن فهمها يتطلب الاجتهاد (صدر، 1434[د]: 20).
في المستوى الثالث، الذي يُسمى الفقه التطويري أو فقه الإشراف، بالإضافة إلى مراعاة العلاقات والنسب والتأثيرات المتبادلة بين الموضوعات، يأخذ الفقيه في الاعتبار عملية كمال الأحكام من أجل تطور الإنسان والمجتمع وكيفية الإشراف على هذا التطور، ويقوم بالاستنباط بناءً على ذلك. من هذا المنظور، وبما أن المجتمع موضوع معقد ومركب ومتغير، يجب تحليله على مستوى النظام الإسلامي ككل وفي ظل حالة الصراع الدائم مع نظام الكفر والنفاق.
1.4. الموضوعمن وجهة نظرالشهيدصدر
يشير الشهيد صدر في عدة مناقشات إلى ضرورة أن يكون الباحث في الموضوع مجتهدًا، أو يصرح بذلك. ورغم أنه يذكر الاستشارة مع المتخصصين والرجوع إلى العرف والسيرة العقلائية، إلا أنه يؤكد في النهاية، وخاصة في الموضوعات المعقدة، على ضرورة الاجتهاد في معرفة الموضوع.
أول دليل يمكن الوصول إليه على ضرورة الاجتهاد في معرفة الموضوع هو مبحث تطوير الفقه عنده. كان يؤمن بالتطوير العمودي والأفقي للفقه، ويستدل بأن مثل هذا الفهم للواقع ليس خارج الفقه أو تنوع الأدبيات، بل هو ضرورة لتطوير الفقه الذي يؤدي إلى كشف أسرار الوجود بما يتناسب مع قدرة الإنسان (صدر، 1381: 39). إن دينية هذا الفهم وكذلك كشف الحكم أو النظرية الدينية بشأنه، يتطلب أن يستخدم الفهم «النصوص الإسلامية ويغوص في أعماق هذه النصوص ليكتشف ويعي موقف الإسلام من الواقع السياسي والاجتماعي بالنفي والإثبات، ويفهم كيف حل الإسلام هذه المشكلة في هذا المجال الذي وصلت إليه تجارب البشر بوعي في مختلف مجالات الحياة» (المرجع نفسه: 44). في الواقع، يجب أن يكون من يفهم الموضوع دينيًا ليستنبط الحكم منه فقيهًا ومجتهدًا، وأن يعيد النظر في المصادر الدينية ويفهم بطريقة حوارية وتدريجية بين الواقع السياسي والاجتماعي والمصادر الدينية ليعيد تعريف المفهوم.
في شرح خطوات كشف النظرية القرآنية، نجد أيضًا ضرورة أن يكون الباحث مجتهدًا. من جهة، يعتبر صحة أي كشف من القرآن مشروطة بالفهم الاجتهادي، ومن جهة أخرى، يحدد معرفة الموضوع كخطوة أولى في مراحل كشف النظرية القرآنية. إن معرفة الأجزاء والعناصر والخصائص الحقيقية للواقع ضرورية لا غنى عنها في عملية الاستنطاق من القرآن. الخطوة الثالثة التي يرسمها هي أيضًا نوع من معرفة الموضوع. في هذه الخطوة، يؤمن بأن جميع النصوص المرتبطة بالموضوع التي تحتوي على لفظ الموضوع أو المفهوم أو العناصر أو خصائص الموضوع يجب جمعها. كشف العلاقات النظامية بين النتائج هو أيضًا معرفة موضوعية يذكرها في الخطوة الرابعة. بالطبع، في هذه الخطوة يدخل أيضًا في معرفة الحكم، لكن هذا تداخل يقوم به الشهيد بين الموضوع، نظام الموضوع والحكم ليصل إلى فهم دقيق للموضوع وكشف الحكم (صدر، 1434[ج]: 41-42). ومن الجدير بالذكر أنه في فقه النظرية، رغم أنه يفرق بين كاشف النظرية وكاشف الحكم، إلا أنه يفترض أن كلاهما مجتهد، لذا يطلق عليهما فقيه كاشف النظرية وفقيه كاشف الحكم (همو، 1417[ب]: 399-401).
كما يشير في ضرورة الاستفادة من الاجتهاد في الفهم الذي يتعلق بتوقع الإنسان من الدين، إلى ضرورة المعرفة الشاملة للواقع: «يتوقع الإنسان من الإسلام أن يمنحه فكرًا وصورة شاملة عن الواقع، بحيث يفسر كل ظاهرة موجودة في الواقع الاجتماعي أو التاريخي من وجهة نظر إسلامية، ويحدد بدقة مكانة كل جزء من أجزاء الوجود أو كل جزء من أجزاء المسار التاريخي للإنسان» (صدر، 1398[ب]: 236).
النتيجة: يعتبر أصحاب الفقه الحكومي أن معرفة الموضوعات السياسية والاجتماعية المعقدة في النهاية من اختصاصات المجتهد، ولهذا يمكن اعتبارهم من أنصار تطوير الاجتهاد من معرفة الحكم إلى معرفة الموضوع.
2. ابتكارات الشهيد صدر في معرفةموضوع فقه بناء النظام
فتح الشهيد صدر من خلال طرح التحول الطولي والعرضي (العمودي والأفقي) في الفقه وتقسيم الفقه إلى فقه الموضوعات وفقه بناء النظام، أفقًا جديدًا أمام اختلاف معرفة الموضوعات الفقهية من وجوه متعددة. فهو يرى أن مجرد معرفة الموضوعات كما هي موضوعات لا يمكن أن توجه الفقيه إلى حقيقة الموضوع كما ينبغي. لذلك، يقترح أن تُعرف الموضوعات ضمن الأنظمة. في الواقع، يجب أن يُعرف الموضوع من حيث وجوده داخل النظام المناظر له. هنا، مثلاً، حكم موضوع اقتصادي داخل النظام الاقتصادي يختلف عن حكم ذلك الموضوع كما هو موضوع بحد ذاته. في هذا المنظور، المعرفة التي تكون ذات حجية للفقيه ويمكن أن تدخل في عملية استنباط الحكم الشرعي هي التي تُعرف ضمن الأنظمة المناظرة لها. كما أن استخدام منهج المنطق الذاتي من جهة ومنهج التفسير الموضوعي من جهة أخرى قد دفع نظرته في معرفة الموضوعات عدة خطوات إلى الأمام.
لفهم موضوعية فكره، ندرس العلاقات المعرفية التي تُستخدم عادة في إدراك المواضيع المعقدة؛ العلاقة التي تُستمد في إدراك المواضيع المعقدة من خلال التجريبية والعلوم الحديثة. العلاقة التي تُقام في إدراك المواضيع بين مدرسته الاختراعية، أي المنطق الذاتي، يمكن أن تُظهر تقريبًا طريقته الحصرية. في النهاية، استخدام هذه العلاقات في الفهم الديني للحقائق، التي قُدمت في إطار منهج التفسير الموضوعي وفي نهاية المطاف في فقه النظرية لديه، يوضح أصول موضوعيته. ومن البديهي أن تنقيح وإكمال هذه النظرية سيحتاج إلى كتابات كثيرة أخرى.
2.1. علاقة إدراك المواضيع المعقدة بالتجريبية
من المشهور، وقد أقر بعض تلاميذ الشهيد صدر بذلك، أن الشهيد صدر في النهاية يستفيد من العلوم الحديثة المبنية على التجريبية في إدراك المواضيع الاجتماعية والسياسية المعقدة، ولا يبتعد عنها كثيرًا؛ لكن البحث في آثار الشهيد صدر يمكن أن يدل على تجاوزه لهذا القول. فقد واجه الشهيد في مناسبات متعددة التجريبية وشكك في حجيتها المطلقة. كما شكك في المنطق الموضوعي المستخدم في التجريبية، وحاول تعويض نقائص مدرسة التجريبية من خلال تقديم منهجه أو مدرسته أو منطقَه الذاتي. علاوة على ذلك، فإن دخوله في منهج إدراك التفسير الموضوعي يدل على أنه أخذ الإدراك من منطلق المعرفة الدينية بعين الاعتبار. وفي النهاية، فإن اعتماد إدراك المواضيع والظواهر المعقدة على فقه النظرية يدل على تجاوزه القطعي لمنطلق التجريبية.
هو يسعى بدقة في منهج فهم المنطق العقلي والبرهاني وكذلك تطبيقهما، إلى تغطية النواقص الموجودة فيهما من خلال تقديم مناهج تكميلية. وهو يواجه هذه التساؤلات: «ما قيمة المعارف العلمية في تنظيم الحياة الاجتماعية؟ هل من الممكن إقامة الحياة والنظام الاجتماعي على أساس علمي وتجارب طبيعية، أي تجارب دقيقة مثل تلك التي تُستخدم في الفيزياء والكيمياء، بحيث يتم التحرر من جميع النواقص الموجودة في التجارب الاجتماعية التي تم استعراضها سابقًا؟» فيواجه بذلك نتائج العلوم التجريبية وطرقها في إدراك الظواهر. وقد ناقش الشهيد في كتاب «فلسفتنا»، و«أقوال أساسية»، و«الإسلام، قائد الحياة» وغيرها، بشكل مفصل حول التجريبية وكيفية استدلال التجريبيين لإثبات حجية الإدراك الناتج عن التجريبية والاستقراء. وقد بيّن في «فلسفتنا» أكثر من ثمانية اعتراضات قوية على التجريبية، منها: عدم كون الادعاء بأن التجربة معيار للإدراك أوليًا، عدم إمكانية الحكم على المستحيلات من منطلق التجربة، عدم إمكانية إثبات السببية من خلال التجربة فقط، فقدان مصداقية السببية عند اعتمادها على التجريبية، وغيرها (بهعنوان نمونه، ن.ک. صدر، 1398[الف]: 285).
2.2. تطبيق المنطق الذاتي في الإدراك
نتيجة نقدات الشهيد صدر على منهج «الاستقراء»، و«التجريبية» و«البرهان العقلي» تجلت في نظريته التي سماها «المنطق أو المدرسة الذاتية». في ميدان الإدراك، يحاول من خلال نقد «المنهج التجريبي»، خصوصًا أسس هيوم والهامش على المنطق الأرسطي والبرهاني، أن يقدم منهجًا جديدًا لا يعاني من عيوب هذين النوعين من الإدراك.
في مباحثه الأصولية وحول الرد على الإخباريين، يعتبر مصدر هذه النوعية من المعارف «الحدس» (صدر، 1417[ب]، 4: 119 به بعد). ويشرح استشهاد هذه الأمور بالحدس هكذا: «العلم بقضايا من هذا النوع نتيجة الحدس، ناشئ من طريقة تفكير كل إنسان وأسلوبه في الاستنتاج وسير الفكر من المبادئ إلى المراتب العليا، ومن هذه المراتب إلى المبادئ. هذا التحرك من المبادئ إلى المراتب العليا والعكس يختلف بين الأفراد من حيث الطبيعة والمنهج والخصائص. هذا الحدس هو الذي يدفع الإنسان إلى الاعتقاد بثبوت شيء لشيء نتيجة وجود ارتباط ورابطة بين شيئين، رغم أن هذه العلاقة قد لا تكون واضحة له تفصيليًا. هذا الاعتقاد أحيانًا ناشئ من الحدس وليس من العلم التفصيلي بذلك الرابط الذي يربط بين هذين الشيئين؛ كما قد يكون ثبوت شيء لشيء آخر نتيجة وجود حد وسط لا يعلم الإنسان شكله المحدد» (صدر، 1394: 98). وهنا بالذات يظهر دور هذا المنطق في نظام الاجتهاد لديه في علم أصول الفقه. فهو في الواقع يحاول تطوير تطبيق المنطق القياسي في فهم المفاهيم المجردة في القياسات الأصولية إلى المنطق الذاتي في فهم المواضيع والمفاهيم الحسية. كما أنه يعزز مكانة منطقَه الذاتي في الفقه بمصطلح آخر هو «الفهم الاجتماعي الفطري للنص»، إذ يرى أن هذا الفهم له مدلول أعمق من مدلول اللفظ، مما يجعل فهم الظواهر الاجتماعية أكثر كمالًا (صدر، 1398[ب]: 522).
بهذا الشكل، يختار لنفسه عنوان «المنطق، الطريقة أو المذهب الذاتي» مقابل المنطق التجريبي والمنطق البرهاني أو الموضوعي. أساسًا، وبما أنه يعرف المعرفة الخارجية، لا سيما الظواهر الاجتماعية، ضمن نظام الفكر، يكتب: «كل فكر له موضوع محفوظ في العالم الواقعي يُسمى موضوع الفكر أو موضوع المعرفة، وولادة فكر من فكر آخر والارتباط بينهما في الحقيقة ناشئ عن هذا الارتباط المحفوظ بين الموضوعين في العالم الموضوعي» (المرجع نفسه: 53). وعلى الرغم من اتفاقه مع مذهبين آخرين في موضوع المعرفة، إلا أنه يميز نفسه خصوصًا في منهج المنطق العقلي أو البرهاني أو الموضوعي: «المنطق العقلي لا يناقش ولادة فكر آخر، بل يتحدث عن ولادة أعمق في مرتبة سابقة. لذلك، موضوع علم المنطق العقلي ليس ولادة الفكر من فكر آخر، بل الولادة الحاصلة بين موضوعيهما التي نسميها “الولادة الموضوعية” مقابل “الولادة الذاتية”…. المنطق الذاتي يناقش منهجًا ذاتيًا في ولادة المعرفة؛ أي يفحص الفكر ذاته ولا يعنى بموضوع ذلك الفكر. بعبارة أخرى، يتحدث عن التلازم بين معرفة وأخرى ويناقش كيف أن أحدهما يوجب الآخر دون أن يكون هناك تلازم بين موضوعي هاتين المعرفتين في نفس الأمر والواقع» (المرجع نفسه). في هذا المنهج، الفكر بحد ذاته يولد فكرًا آخر.
في المنطق الذاتي الذي لم يُؤخذ فيه ارتباط التلازم بين موضوعين، يكمن سر العلية والولادة داخل إطار الفكر البشري؛ بمعنى أننا نبحث عن خاصية الفكر ذاته التي وُلدت من فكر آخر ونبحث عن سبب أدى إلى ولادة ذلك الفكر الآخر من هذا الفكر. في المنطق الذاتي، ندرس الخصائص الذاتية لذلك الفكر ولا نتعامل مع الأمور الخارجية عن إطار الفكر والمفكر: «لذلك، نسمي هذا المنطق “المنطق الذاتي”؛ لأنه منطق يكشف قوانين العلية لبعض الأفكار بالنسبة لبعضها الآخر. موضوع المنطق العقلي هو نفس الأمر والواقع؛ أما موضوع المنطق الذاتي فهو في الحقيقة الفكر البشري ذاته» (المرجع نفسه: 47).
فيما يتعلق بمشكلة الاستقراء وعلاقتها بالمذهب الذاتي عند الشهيد الصدر، يجب القول إن الشهيد اعتبر محاولة المنطق الأرسطي غير مكتملة وانتقدها. ثم سعى لحل مشكلة الاستقراء من خلال شرح المعرفة الثانوية ومرحلتي التوالد الذاتي (صدر، 1391: 166-168).
لذا، اليقين الذي يجب أن يتحقق للناس في الاستقراء هو اليقين الموضوعي وليس اليقين الرياضي أو اليقين الذاتي. ومن هذا المنظور، كلما استطاع الاستقراء زيادة اليقين الموضوعي، اقترب من العلم. لذلك، يكتب: «إذا أدى محور إلى تجمع كمية كبيرة من القيمة الاحتمالية، فإن هذه القيمة الاحتمالية الكثيرة تتحول إلى يقين بوجود شروط معينة» (المرجع نفسه: 334). والنتيجة أن الشهيد الصدر استبدل «قاعدة الصدفة لا تتكرر بشكل متماثل ومتتالي» بـ «قاعدة عدم التشابه».
يتصور الشهيد في عملية المعرفة ثلاثة عقول، كل منها تتولى جزءًا من مراتب معرفتنا. ويشرح العلم الحضوري والحصولي ليبين أن أصل الوجود وخصائص الوجود بالذات ودرجة مطابقة الصورة المحسوسة للواقع، وهي في مجال العلم الحضوري، لا علاقة لها بالمنطق الذاتي، والمنطق الذاتي لا يتولى هذه الأمور. ويكتب في هذا السياق: «يمكن إثبات العلاقات والروابط بين شيئين خارجيين بالعقل الأول؛ لكن بعض منها لا يمكن إثباته بالعقل الأول ولا بالعقل الثاني، وهذا المجال هو نطاق المنطق الذاتي ومجال المنهج الذاتي في التفكير. تحديد نطاق المنطق الذاتي هو العلاقات والروابط التي لا يمكن إدراكها بالعقل الأول أو الثاني» (صدر، 1394: 87). وأن الشهيد يرى معرفة العلاقات والروابط بين الحقائق بواسطة العقل الأول والمنطق الذاتي، ومن جهة أخرى، أن العلاقات والروابط من أهم وأساسيات الحقائق الاجتماعية، يمكن فهم فعالية المنطق الذاتي في معرفة بعض الحقائق الاجتماعية.
الأوليات والفطريات الموجودة في العقل الأول تُستخدم في المنهج الذاتي، والثوابت العامة تثبت للعقل الثاني؛ على سبيل المثال، العلية تثبت بناءً على بطلان التسلسل. والعلية «أ» لـ «ب» تثبت أيضًا بواسطة المنطق الذاتي والاحتمالات التي ذُكرت، ثم يدخل المنطق العقلي لاكتشاف مصاديقها. اكتشاف ومعرفة العلاقات والنسب بين الظواهر التي أوكلت إلى المنطق الذاتي تدل على أن الشهيد الصدر يرى أن معرفة كثير من الحقائق الاجتماعية ممكنة بواسطة المنطق الذاتي.
2.3. تطبيق منهج التفسير الموضوعي والفقهالنظرية في المعرفة
يبدو أن الشهيد، مع مراعاته للتوضيحات التي قدمها، استفاد من هذا المنهج في موضوعية المعرفة ومنهج فهم موضوعات القرآن، وكان في طور تطويره.
وفقًا لرأي الشهيد، يتميز الفقهاء مقارنة بالمفسرين الذين تناولوا القرآن بشكل تحليلي وآية بآية في أنهم «قسموا البحث الفقهي إلى مسائل تتناسب مع حاجة الحياة، وجمعوا في كل مسألة الأحاديث المتعلقة بها بحيث توضح وجهة نظر الإسلام وتُستخدم في شرح المسألة بقدر ما تسمح به الأحاديث» (صدر، 1381: 27).
بعبارة أخرى، في نظام الفقه، الذي يقوم على الموضوعات والمسائل التي كان الفاعلون والمكلفون منخرطين فيها، يتمُّ «الاجتهاد والمعرفة»؛ أما في التفسير التحليلي المبني على آيات القرآن، وبهذا الترتيب الذي تمَّ ترتيبه به، فيتمُّ «الفهم». وفقًا لرأي الشهيد، فإن هذا النموذج الفقهي قابل للتكرار في التفسير حتى يتم الاستنطاق من القرآن الكريم، الذي كان هدف المعصومين عليهم السلام، بشكل جيد. ونظرًا لأن الشهيد تحدث عن كيفية هذا المنهج حول التفسير، فمن الضروري لتوضيح المفهوم أن يُشرح ذلك. وفي النهاية، سيتم الحديث عن رأي الشهيد نفسه في تطبيقه في الفقه، مع إجراء بعض التحليل.
في المنهج الموضوعي، يتم نوع من الحوار بين المفسر والقرآن. يشرح الشهيد هذا المنهج بتبيين مراحل حتى يصل إلى الحوار مع القرآن. وفقًا له، في التفسير الموضوعي الذي يدور أساسًا حول أحد موضوعات الحياة أو العقيدة أو الاجتماعية أو العالمية، يجب أولاً إجراء دراسات وأفكار مركزة حول ذلك، وجمع مواد بناءً على تجارب وأفكار الآخرين. يتم صياغة الحلول المقدمة والمسائل المحيطة بها، ويُستخدم منهج المطابقة التاريخية. هذا المنهج يجعلنا نُدرك الفراغات الموجودة، ثم نأتي إلى محضر القرآن بوعي مسبق، وفي هذه الحالة «لا يكون المستمع جامدًا ولا مجرد ناقل بلا جهد، بل يبدأ حواره مع النص القرآني لطرح المسألة أمام القرآن كموضوع معروض يتعامل مع الأفكار والدراسات البشرية الواسعة. يسأل المفسر والقرآن يجيب. يحاول المفسر، في ضوء مجموعة التجارب التي جمعها من دراساته وبحوثه البشرية، أن يحصل على رأي القرآن في ذلك الموضوع، ويفهم رأي القرآن بمقارنة نص القرآن بما تعلمه من الأفكار والرؤى التي جمعها. لذلك، فإن نتائج التفسير الموضوعي ترتبط دائمًا بأمور مترابطة وفي سياق تجربة الإنسان؛ لأن هذه النتائج تمثل علامات وتمييزات وضعها القرآن لحدود فكر الإنسان في كل موضوع من مواضيع الحياة» (المرجع نفسه: 31-32).
في هذه العملية، يبدو أن أهم عنصر يعتمد عليه الشهيد، والذي يميز الفهم القرآني أو الديني عن غيره، هو الحوار مع القرآن. إنه نوع من المحاورة التي تهدف إلى الحصول على إجابة من القرآن، وليس مجرد التأثر به. يرى الشهيد هذا النوع من الفهم كعمل نشط وهادف يؤدي إلى تطبيق نص القرآن على حقائق الحياة الكبرى. هذا التطبيق يكون مصحوبًا باستخدام جميع الموروثات العلمية البشرية ويقدمها في محضر القرآن «حتى القرآن الذي «لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه» (فصلت: 42)؛ لا يأتيه من قبل ولا من بعد أي باطل، ليُعبّر عن رأيه أمامها، حتى يتمكن هذا المفسر من استنباط رأي القرآن من مجموع الآيات المتعلقة بالموضوع. لذلك، يرتبط القرآن في هذا التفسير بالواقع ويتصل به؛ لأن التفسير يبدأ من الواقع الخارجي وينتهي بالقرآن» (المرجع نفسه: 33-34).
الاعتماد على الواقع الخارجي ومكانته في هذا المنهج كبير. ولهذا السبب يؤكد الشهيد مرة أخرى أن هذا التفسير له امتداد أفقي، وتقدم خطوة عن المنهج التحليلي، وبما أن مكوناته هي تجارب بشرية، فإنه يمكن أن يكون مستمرًا ومتقدمًا وأكثر غنى (المرجع نفسه: 40).
بناءً على ذلك، وفي تلخيص لهذا المنهج لفهم الموضوعات، يمكن ذكر المراحل التالية: 1) تركيز ذهني على الموضوع؛ 2) الاستفادة من تجارب وأفكار السابقين؛ 3) استخدام منهج المطابقة التاريخية وأسئلتها؛ 4) اكتشاف الفراغات المفهومية؛ 5) تقديم الموضوع المنقح إلى القرآن ومطابقة وتصحيح الفهم المكتسب مع الفهم القرآني؛ و6) استخراج النظرية القرآنية في الحوار مع القرآن عبر ذهاب وإياب.
وبناءً على هذا الفهم الذي يعطيه التفسير الموضوعي، يعود الشهيد إلى المنهج الفقهي ويحاول تطوير نموذج مأخوذ من الفقه داخل الفقه نفسه. ويعتبر الشهيد أن محور هذا التطوير هو المناقشات المتعلقة بمعرفة الموضوع، ويعتقد أن «مناقشاتنا الفقهية اليوم يجب أن تتوسع، ونحن بحاجة إلى بحوث جديدة أفقية وعمودية في المسائل الموضوعية؛ لأن المنهج الموضوعي يبدأ من حقائق الحياة وينتهي بالأحكام الشرعية» (المرجع نفسه: 36). وبالاستناد إلى عمل الفقهاء عبر التاريخ، يرى أنهم كانوا دائمًا يستمدون مسائلهم وموضوعاتهم من واقع حياة الناس، ويستنبطون الحكم الشرعي من المصادر عبر عملية الاجتهاد. المهم هو المنهج الفهمي الذي كان موجودًا بين الفقهاء بدرجات متفاوتة على شكل موضوعي، مع تدخل الفهم السابق مثل تجارب الناس في قالب العقل والعرف أو السيرة العقلائية؛ لكن وفقًا لرأي الشهيد، هذا المنهج لم يكن كاملاً ويحتاج إلى توسعة وتطوير: «يجب الانتباه إلى أن المنهج الموضوعي في الفقه يحتاج إلى توسعة أفقية؛ لأنه رغم أن علمائنا على مدى قرون متواصلة كانوا يقومون بأبحاثهم بناءً على المنهج الموضوعي، وبجهودهم الجبارة كانوا يستمدون جميع احتياجات الإنسان الواقعية من العالم الخارجي ويستنبطون حكمها من الشرع، إلا أنه مع ازدياد أبعاد حياة الإنسان وتعقيد الحضارة مع مرور الزمن، من الضروري أن تواكب البحوث الموضوعية الفقهية توسع احتياجات الحياة وتتوسع في مسائلها في هذا المجال» (المرجع نفسه: 37-38).
إلى جانب التوسع الأفقي الذي يشمل معرفة المسائل المستحدثة والمعقدة الراهنة، يجب أن يحدث هذا التوسع والارتقاء أيضًا من الناحية العمودية. يرى الشهيد أن هذا الارتقاء يتم من خلال التعمق والتفكير العميق في المسائل الفقهية، ومن خلال ذلك تُستخلص النظريات الفقهية. ويبدو أن هذا هو الممر الذي عُرف بـ «فقه النظرية»؛ وهو الأساس الذي يمكن أن يؤدي في جدلية ما إلى تحديث موضوعات الفقه، وإلى الارتقاء والتوسع الدقيق العمودي للفقه، بحيث تعكس عمق مسائل الاستنباط الفقهي والقوانين والأسس البنيوية المنتجة الأساس الديني لها. يجب أن تنعكس وجهة نظر الإسلام في إطار النظريات الأساسية الإسلامية خلال هذه القوانين التي تُسن (ن.ک. المرجع نفسه: 39). يرى الشهيد أن هذه النظريات الأساسية ليست خارج الفقه أو تنوع الأدبيات، بل هي ضرورة لارتقاء الفقه الذي يؤدي إلى كشف أسرار الوجود بما يتناسب مع قدرة الإنسان (المرجع نفسه). إن دينية هذا الفهم وكذلك كشف الحكم أو النظرية الدينية بشأنه، يتطلب أن يستخدم الفاهم «النصوص الإسلامية ويغوص في أعماق هذه النصوص ليُدرك ويُفهم موقع الإسلام في هذا الشأن نفياً وإثباتاً، وكيف أن الإسلام قد حل هذه المشكلة في هذا المجال الذي وصلت إليه تجارب البشر بوعي في مختلف ميادين الحياة» (المرجع نفسه: 44). ومن الضروري الانتباه إلى أن الشهيد صدر يعتبر أهم تطبيق للنظرية هو معرفة الحقائق الاجتماعية، وهو ما تم الإشارة إليه سابقًا.
من كلمات الشهيد وبعض مناقشاته الأخرى يمكن فهم ضرورة أن يكون الباحث في الموضوع مجتهدًا في نهاية المطاف. فالشخص الذي من المفترض أن يستخلص فهمًا دينيًا للموضوع ليستنبط الحكم منه يجب أن يكون فقيهًا ومجتهدًا، وأن يتعمق في المصادر الدينية ويفهم بطريقة جدلية وتدريجية العلاقة بين الواقع الاجتماعي والمصادر الدينية ليُدرك المفهوم.
يمكن شرح هذا الجهد في كشف النظريات القرآنية الشاملة (المرجع نفسه: 78-79) عبر الخطوات التالية: الخطوة الأولى هي «معرفة الموضوع». يجب علينا تحديد الموضوع الذي نرغب في كشف رأي القرآن بشأنه، والتعرف على أجزائه وعناصره وخصائصه الحقيقية، لكي نتمكن في الخطوة الثانية من طرح «أسئلة» على القرآن. في الخطوة الثالثة، نجمع جميع النصوص المتعلقة بالموضوع، سواء تلك التي تحتوي على لفظ الموضوع أو التي تعبر عن مفهومه أو عناصره أو خصائصه. في الخطوة الرابعة، نسعى لاكتشاف العلاقة بين المفاهيم الجزئية لكل آية ونص من النصوص المجموعة مع المفاهيم الأخرى، لنصل إلى نظام متكامل من المفاهيم. الخطوة الخامسة هي محاولة دمج هذه المفاهيم وتنظيمها في إطار تركيب نظري شامل، بحيث يُحدد موضع كل مفهوم، لنتمكن من استخراج المفهوم القرآني الذي يمكنه تصوير موقف القرآن من الموضوع (صدر، 14134[ج]: المرجع نفسه).
النتيجة
من خلال ما ذُكر يمكن إدراك تعقيد الموضوعات السياسية والاجتماعية التي تندرج ضمن نظام معرفة موضوعات الفقه البنائي. وهو تعقيد حاول الفقهاء معرفته بثلاث طرق: موضوعية، نظامية، وتطويرية. وبالدقة التي أُجريت في جوانب الموضوع في الفقه، تعزز تدخل الفقيه في معرفة الموضوع بالمعنى المقصود في المقالة، ثم مع الأخذ في الاعتبار منهج الشهيد صدر في التدخل الفقهي في معرفة الموضوعات، تم بحث دلالات ذلك المعرفية مثل اختراع المنطق الذاتي، وتطوير التفسير الموضوعي، والوصول إلى نظرية لفهم الموضوعات. والنتيجة أن الشهيد صدر يرى أن معرفة الموضوعات المعقدة تقع على عاتق الفقيه، الذي يجب أن يستند إلى معرفة التفاصيل الخارجية باستخدام المنطق الذاتي، وأن يحصل على معرفتها التفصيلية من خلال الحوار مع المصادر الدينية وكشف النظرية القرآنية.
المصادر والمراجع
1. صدر، سید محمدباقر (1381)؛ سنتهاى تاریخ در قرآن، تهران، تفاهم.
2. _________________ (1391)؛ الأسس المنطقیه للإستقراء، بیروت، دارالفکر.
3. _________________ (1394)؛ گفتارهای بنیادین، سیدابوالقاسم حسینی ژرفا، قم، دارالصدر.
4. _________________ (1398[الف])؛ اسلام، راهبر زندگى؛ مکتب اسلام؛ رسالت ما، سید مهدی زندیه، قم، دارالصدر.
5. _________________ (1398[ب])؛ بارقهها (مقالات، سخنرانیها و یادداشتها)، إعداد: سید امید مؤذنی، قم، دارالصدر.
6. _________________ (1417[الف])؛ إقتصادنا، المحقق: مکتب الإعلام الإسلامی – فرع خراسان، قم، مکتب الإعلام الإسلامی، مرکز النشر.
7. ________________ (1417[ب])؛ بحوث فی علم الأصول، تقریر: محمودهاشمی شاهرودی، قم، مؤسسه دایرهالمعارف الفقه الاسلامی.
8. _______________ (1421)؛ دروس فی علم الأصول (الحلقه الأولى و الثانیه)، قم، مجمع الفکر الإسلامی.
9. ________________ (1434[الف])؛ الاسلام یقود الحیاه (موسوعه الإمام الشهید السید محمدباقر الصدر، ج1-5)، قم، دارالصدر.
10. ________________ (1434[ج])؛ المدرسه القرآنیه (موسوعه الإمام الشهید السید محمدباقر الصدر، ج9)، قم، دارالصدر.
11. ________________ (1434[د])؛ فلسفتنا (موسوعه الإمام الشهید السید محمدباقر الصدر، ج1)، قم، دارالصدر.
12. میرباقری، سید محمدمهدی (1396)؛ درآمدی بر رویکردهای فقه حکومتی، نگارش: یحیی عبداللهی، قم، نشر تمدن نوین اسلامی.
13. نائینی، محمدحسین (1377)؛ اجود التقریرات (تقریرات آیتالله خوئی از درس اصول آیتالله نائینی)، قم، مصطفوی.
[1] في كل حكم فقهي توجد أربعة مفاهيم: 1) الحكم: مثل وجوب الصلاة؛ 2) موضوع الحكم: كالمكلّف العاقل البالغ الذي يُفترض وجوده عادة في الأحكام الشرعية. 3) متعلق الحكم: مثل وجوب الصلاة، فالصلاة نفسها هي متعلق الحكم. 4) متعلق الموضوع: ما يضيق دائرة موضوع الحكم بوصف أو قيد أو شرط… مثل: «يومية» في الصلاة اليومية.

