ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: نقد روششناسی اقتصاد اسلامی شهید صدر از دیدگاه واقعگرایی انتقادی ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص: في هذه المقالة، وبالنظر إلى إمكانيات منهج الواقعية النقدية، يتم نقد وتقييم مدى توافقها مع منهجية الاقتصاد الإسلامي لدى الشهيد صدر بطريقة تحليلية. تنبع ضرورة هذا البحث من أن غالبية الباحثين الجامعيين في الاقتصاد الإسلامي يتأثرون بـ«الفردية المنهجية»، كما أن الفقه الشيعي يركز تقليديًا على الأحكام الفردية، في حين أن التعاليم الاقتصادية الإسلامية تحمل مفاهيم كلية وجماعية. ومن ثم، فإن البحث عن منهجية مناسبة تحترم موقع الفرد والمجتمع وعلاقتهما أمر حيوي. تستنتج هذه الدراسة أن الواقعية النقدية تمتلك القدرة على تبرير وشرح المفاهيم المنهجية عند الشهيد صدر مثل المبادئ، والاكتشاف، والقاعدة والفوقية، والواقعية، والأخلاقية، والعقيدة، والعاطفة.
المؤلف: سید محمدرضا امیری طهرانیزاده، عماد افروغ
المصدر: روششناسی علوم انسانی، ربيع 1393، العدد 78، ص7 إلى 31.
المقدمة
في تفسير صعوبات البحث في الاقتصاد الإسلامي وحتى انحراف بعض مناهجه، يمكن الإشارة إلى غياب أو نقص الاعتبارات المنهجية والفلسفية في الاقتصاد الإسلامي. غالبية الباحثين والمدرسين في الاقتصاد الإسلامي حول العالم هم خريجو فروع العلوم الاقتصادية من جامعات تسود فيها الفردية المنهجية. كما أن الباحثين في الحوزات العلمية في مجال الاقتصاد الإسلامي يتعلمون الاقتصاد التقليدي عند أساتذة الجامعات. بناءً على ذلك، فإنهم في أبحاثهم الاقتصادية يجرون بحوثهم تحت تأثير الفردية المنهجية بشكل غير واعٍ. وهكذا، لا تقتصر الفردية المنهجية على بحوث الاقتصاد الأرثوذكسي، بل تمتد أيضًا إلى مجال دراسات الاقتصاد الإسلامي. ومن ثم، فإن الإغفال عن الاعتبارات الوجودية، والمعرفية، والمنهجية في دراسات الاقتصاد الإسلامي يترك أثرًا منحرفًا على منهجية بناء النظريات في هذا المجال.
وعليه، من المنطقي أن يُناقش قبل بدء البحث في الاقتصاد الإسلامي مدى ملاءمة وشرعية تطبيق الفردية المنهجية في هذه الدراسات، وأن تُستكشف إمكانيات المناهج المنهجية الأخرى في تحمل العبء الدلالي للنظرية ومفاهيم الاقتصاد الإسلامي. تهدف هذه الدراسة إلى اتخاذ خطوة نحو إعادة التعرف وإعادة بناء مناهج البحث في الاقتصاد الإسلامي من خلال نقد وتقييم منهجية الشهيد صدر الاقتصادية – في كتابه القيم اقتصادنا – من وجهة نظر الواقعية النقدية. وقبل بدء النقاش، سيتم تقديم عرض موجز لمنهج الواقعية النقدية.
كتاب إمكانية الطبيعة[1] (1979) هو البيان الكلاسيكي لرُوي بسكار[2] في العلوم الاجتماعية، حيث قدم فيه فلسفة اجتماعية واقعية تحت عنوان الطبيعة النقدية. الابتكار الرئيسي لبسكار هو تأسيس فلسفة العلم، التي تشمل قضايا المعرفة والمنهجية، على مبادئ وجودية واضحة وثابتة (توحیدی نسب، 1392، ص 10-9). وهو يرى أن فلسفة العلم المعاصرة قد ألغت الوجودية من مهامها وركزت فقط على المعرفة، وأن معظم مشاكلها ناتجة عن هذا الخطأ التاريخي (بسکار، 1975، ص 31-30).
وفقًا له، كل تفسير للعلم يفترض وجود وجودية مسبقة. أي أن كل تفسير للعلم يحمل إجابة على السؤال: «كيف يجب أن يكون العالم لكي يصبح العلم ممكنًا؟». وبعبارة أخرى، فإن طرح الأسئلة الوجودية في فلسفة العلم ممكن (المرجع نفسه، ص18). إن طرح سؤال «كيف يجب أن يكون العالم لكي يصبح العلم ممكنًا؟» يدل على أن الواقعية النقدية تعتبر وجود العالم وخصوصيته شرطًا لحدوث العلم (المرجع نفسه، ص26) وترى طريقة دراسة العالم مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بطبيعة وذاتية وجوده.
في الواقعية النقدية، تُعرّف فكرة أن موضوع المعرفة هو كيانات حقيقية مستقلة عن الأفراد وتعمل بشكل مستقل كبُعد لا زوال له[3] للعلم. أي أن المعرفة تتعلق بموضوعات ليست من صنع الإنسان، ولا تعتمد على الإنسان، ولا على إدراكه أو نشاطه. بالإضافة إلى البُعد اللا زوال، تهتم الواقعية النقدية بعملية إنتاج المعرفة كنشاط اجتماعي. بمعنى آخر، تُعرف الهويات اللا زوال التي تشكل محتوى المعرفة العلمية من خلال النشاط الاجتماعي للأفراد في إنتاج العلم. يُطلق على هذا البُعد من المعرفة اسم البُعد الزائل[4] (توحیدی نسب، 1392، ص 54 -55).
من وجهة نظر الواقعيين النقديين، تتكون الحقيقة من ثلاث طبقات: التجريبية، والفعلي[5]، والحقيقي[6]. العلاقات التي تُلاحظ في المختبر أو يمكن ملاحظتها (الطبقة التجريبية)، والعلاقات التي يمكن أن تحدث حتى لو لم تحدث فعليًا (الطبقة الفعلية)، كلها ناتجة عن الطبقة الأساسية من الحقيقة التي تمتلك آليات سببية ولا يمكن ملاحظتها بأي شكل (الطبقة الحقيقية).
بسكار يؤمن بالطبيعة النقدية ويرى جوهر النشاط العلمي في العلوم الطبيعية والاجتماعية متساويًا. بمعنى آخر، يرى أن جميع العلوم متساوية في اتباع المنهج. والمراد بتساوي المنهج هو أن جميع العلوم، بالنظر إلى الطبقات الثلاث للحقيقة، في الطريقة التي تُكتسب بها المعرفة العلمية (المعرفية)، وفي الاستدلال الذي يُنتج به العلم (المنهجية)، والمفاهيم التي يمكن من خلالها بناء أو إعادة بناء النظرية العلمية بشكل مناسب (الميتافيزيقيا)، متساوية.
يطرح الواقعية النقدية لتفسير وجود الظواهر الاجتماعية مسألة «البنية – الفاعلية». يشير بسكار في تفسير هذه المسألة إلى مجموعتين. ممثل المجموعة الأولى هو ماكس فيبر الذي يتبع الأنطولوجيا الفردية، وممثل المجموعة الثانية هو دوركهايم الذي ينظر إلى الظواهر الاجتماعية من منظور جمعي. يرفض بسكار الفرضية الأساسية لكلا الرأيين ويعتقد أن المشكلة تنبع من افتراض تماثل نوع وجود الفرد والمجتمع. من وجهة نظره، لا تتعلق خطأ هذه النظريات بكيفية العلاقة بين الفرد والمجتمع، بل هو نتيجة فهم خاطئ لطبيعة الفرد والمجتمع (المرجع نفسه، ص 101- 100).
قدم علماء العلوم الاجتماعية والاقتصادية نظريات مختلفة في رفض أو قبول الفردية والمنهجية الجمعية (یودن، 2001). كما عبّر المفكرون الإسلاميون عن آراء مختلفة صراحة أو ضمنيًا حول أولوية الفرد أو المجتمع (امیری طهرانی، 1372). كما يتناول الشهيد الصدر في مناقشاته، لا سيما في سلسلة محاضرات المدرسة القرآنية، موضوع الفرد والمجتمع إلى حد ما، لكن تم تفسير مواقفه في هذا المجال بطرق مختلفة؛ حيث يرى بعضهم موقفه كأولوية للجمع (جمشیدیها، 1389، ص40)، ويرى آخرون أولوية متزامنة للفرد والجمع (عبدالحمید، 2008، ص167)، بل ويعتبر بعضهم آرائه متناقضة مع بعضها البعض (تقیزاده، 1387، ص56-59).
ما يكتسب أهمية في هذا البحث وربما لم يُعطَ الاهتمام الكافي في الدراسات السابقة هو موضوع الفرد والمجتمع من الناحية المنهجية. بغض النظر عن العنوان الذي أُعطي لموقف الشهيد الصدر في المقالات المذكورة أو النقد الموجه إليه، فإن منهج الشهيد الصدر في هذا الموضوع كان من منظور الفلسفة السياسية والأنطولوجيا، وليس من المنهجية. بناءً على هذا الافتراض، تحاول هذه المقالة دراسة مدى توافق فكر الشهيد الصدر في الاقتصاد الإسلامي مع الواقعية النقدية، وتحليل قدرة الواقعية النقدية على تفسير الاعتبارات المنهجية لنظرية الاقتصاد الإسلامي عند الصدر. أولاً، يُستعرض ملخص لمنهجية الاقتصاد الإسلامي عند الشهيد الصدر.
المدرسة الاقتصادية مقابل علم الاقتصاد
يبدأ الشهيد الصدر في تفسير الاقتصاد الإسلامي في كتابه «اقتصادنا» بالسؤال عن وجود الاقتصاد الإسلامي. يجيب على هذا السؤال بالإيجاب، ويؤكد على وجود مدرسة الاقتصاد الإسلامي، ويعرفها قائلاً: «المدرسة الاقتصادية للإسلام هي الطريقة والبرنامج الذي ينظم الحياة الاقتصادية على أساس العدالة الاجتماعية». يرى الشهيد الصدر أن جميع المجتمعات لها مدرسة اقتصادية، لأن كل مجتمع يواجه الأسئلة الأساسية للاقتصاد حول الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، ويجب عليه اختيار السياسات والبرامج لتنظيم حياته الاقتصادية. وبعبارته، «المدرسة الاقتصادية في كل مجتمع هي الطريقة التي يفضل ذلك المجتمع أن يسير حياته الاقتصادية على أساسها، ويحل بها المشكلات العملية أيضًا» (صدر 1375، ص44).
يفصل الشهيد الصدر بين علم الاقتصاد والمدرسة الاقتصادية، ويؤكد أن الإسلام لا يحتوي إلا على مدرسة اقتصادية (المرجع نفسه، ص46 و 360). ويرى أن المدرسة الاقتصادية تشمل كل قاعدة أساسية في الحياة الاقتصادية ترتبط بطريقة ما بمفهوم العدالة الاجتماعية؛ بينما علم الاقتصاد يشمل كل نظرية تفسر واقعًا من الحياة الاقتصادية دون أي ارتباط بمفهوم العدالة الاجتماعية (المرجع نفسه، ص362). لذلك يعرف الشهيد الصدر علم الاقتصاد بأنه: «علم يفسر الحياة الاقتصادية وظواهرها ومظاهرها، ويشرح ارتباط تلك الظواهر والمظاهر بالأسباب والعوامل العامة التي تحكمها» (المرجع نفسه، ص44).
يستنتج الشهيد الصدر بناءً على المقدمات التي يهيئها أن مفهوم العدالة هو ما يميز المدرسة عن علم الاقتصاد. ويرى أن مفهوم العدالة ليس مفهومًا علميًا ولا يمكن قياسه بالأدوات العلمية؛ لأن العدالة ليست أمرًا حسيًا أو قابلاً للاختبار، بل هي أمر أخلاقي وقيمي (المرجع نفسه، ص363). لذلك، كل ما يتعلق بمفهوم العدالة هو مدرسي وليس علميًا. ومن ثم، فإن موضوعات مثل الملكية، والحرية الاقتصادية، وإلغاء الربا، وغيرها لأنها مرتبطة بالعدالة، فهي مدرسية، أما موضوعات العرض والطلب وقانون العائد المتناقص لأنها لا تتعلق بالقيم فهي علمية (المرجع نفسه).
يؤكد الشهيد الصدر أن علم الاقتصاد مسؤول فقط عن اكتشاف ودراسة الظواهر، وليس عن تقييمها. ومن وجهة نظره، فإن مهمة جميع العلوم هي اكتشاف الحقائق، ومن هذه الناحية لا فرق بين عالم الفيزياء وعالم الاقتصاد. ويصرح الشهيد الصدر بشأن العلاقة بين علم الاقتصاد والدين أن الاقتصاد الإسلامي ليس علمًا مثل علم الاقتصاد، بل هو مجرد مدرسة اقتصادية (المرجع نفسه، ص315).
فيما يتعلق بشرط علمية الاقتصاد الإسلامي، يرى الشهيد الصدر أنه من أجل إجراء تفسير علمي يجب أولاً جمع البيانات الواقعية، ثم تنظيمها بناءً على دراسة علمية، وفي النهاية اكتشاف القوانين المتعلقة بها. ويتوقف تحقيق هذا التفسير العلمي على تطبيق المدرسة الاقتصادية الإسلامية بشكل كامل في المجتمع، بحيث يمكن للمحقق الاقتصادي بعد ذلك تسجيل واقع المجتمع واستخلاص القوانين العامة التي تحكمه. ولكن بسبب أن المدرسة الاقتصادية الإسلامية لا تلعب دورًا فعليًا في حياة المجتمعات الإسلامية، فإن الاقتصاديين المسلمين لا يملكون معلومات عن واقع الاقتصاد الإسلامي. لذلك يستنتج الشهيد الصدر أن علم الاقتصاد الإسلامي لم يتحقق بعد (المرجع نفسه، ص317).
أما بشأن نظام الاقتصاد الإسلامي، فعلى الرغم من أن الشهيد الصدر لم يتناول الموضوع بشكل كامل وشامل، إلا أنه مهد الطريق لوضع نظام الاقتصاد الإسلامي من خلال مدرسته الاقتصادية (دادگر، 1380، ص14). يشير الشهيد الصدر إلى أوجه القصور والأزمات في الأنظمة الاقتصادية غير الإسلامية، ويعتبر نظام الاقتصاد الإسلامي بديلاً مناسباً لها. ويرى أن العلم وحده لا يستطيع حل كل المشاكل، «لأن العلم رغم كل تقدمه، هو مجرد وسيلة لاكتشاف الحقائق الخارجية. الشهيد الصدر يعتبر الإسلام ثورة ضرورية لتغيير الأوضاع المتردية، وهذا دور لا يستطيع علم الاقتصاد القيام به» (صدر، 1375، ص316). بعد مناقشة تمييز المدرسة والنظام الاقتصادي الإسلامي عن علم الاقتصاد، أو بمعنى آخر عن علم الاقتصاد الإسلامي في فكر الشهيد الصدر، ننتقل الآن إلى دراسة منهجيته.
منهج اكتشاف مدرسة الاقتصاد الإسلامي
يستعين الشهيد الصدر في كتاب اقتصادنا بمنهج فقهي واجتهادي خاص لا يقتصر على المنهج التقليدي للفقهاء لاكتشاف مدرسة الاقتصاد الإسلامي: أولاً، بعض المفاهيم التي يستخدمها في الاقتصاد الإسلامي لم تُصرح بها الآيات والروايات، بل استُنبطت من مجموع الأحكام، وهي في الحقيقة الأصل أو الروح الحاكمة عليها. ثانياً، اختار من بين الفتاوى والاستنباطات الفقهية الآراء التي تتوافق مع مبادئ الاقتصاد الإسلامي، حتى وإن كانت تلك الآراء الاجتهادية مخالفة لفتاواه الخاصة. ثالثاً، يسعى إلى تقديم صورة متناسقة ومتوافقة بين الأحكام الفقهية. فهو يرى أن أحكام الإسلام متناسقة ومتكاملة، بحيث إذا لم تُطبق الأحكام بشكل كامل، فلن تتحقق الحكمة الكامنة وراءها (المرجع نفسه، ص 48-49).
وفي شرح أوسع لطريقة الوصول إلى مدرسة الاقتصاد الإسلامي، يشير الشهيد الصدر في جزء آخر من كتاب اقتصادنا إلى نقطتين: الأولى أن مدرسة الاقتصاد الإسلامي يجب اكتشافها، لا ابتكارها. والثانية أن المدرسة والأساس الاقتصادي الإسلامي يجب أن يُستخرج من البنية التحتية للحقوق الإسلامية، أي من خلال القواعد الفقهية والحقوقية يمكن الوصول إلى إطار النظام الاقتصادي الإسلامي. لذلك، الباحث في الاقتصاد الإسلامي يواجه نظاماً متكاملاً مُعداً مسبقاً يجب عليه اكتشافه وتحديد أبعاده وقواعده الأساسية، وإزالة غبار التاريخ عنه، وتنقية الأخطاء المتراكمة عبر الزمن، وتحريره من تأثير الثقافات غير الإسلامية (المرجع نفسه، ص370).
وفي تبرير استخدام منهج الاكتشاف في تحديد مدرسة الاقتصاد الإسلامي، يقول الشهيد الصدر: رغم إمكانية استنباط بعض جوانب النظام الاقتصادي مباشرة من الآيات والروايات، إلا أن هناك مسائل خاصة لا يمكن الحصول عليها من نصوص الآيات والروايات بشكل مباشر، بل يجب استنباطها بشكل غير مباشر من البنى الحقوقية. ويؤكد أنه إذا استُخدمت البنية الحقوقية والقواعد الفقهية لاستخراج المدرسة الاقتصادية، فلا ينبغي النظر إلى هذه الموضوعات بشكل منفصل ومستقل (كما في نقاش فقهي مستقل حول الربا أو الزكاة والخمس)، بل يجب النظر إلى حكم كل موضوع في ارتباطه بالأحكام الأخرى (المرجع نفسه، ص374- 375). وبالطبع، يواجه هذا المنهج صعوبات، من بينها التوفيق بين الآراء الفقهية المختلفة في المسائل الاقتصادية. وحل الشهيد الصدر في هذا المجال هو اختيار ودمج الأحكام المتوافقة مع بعضها (دادگر، 1380، ص 88- 89).
إلى جانب الاعتبارات السابقة، يقدم الشهيد الصدر عنصراً آخر تحت عنوان «المفاهيم» لاكتشاف مدرسة الاقتصاد الإسلامي. من وجهة نظره، المفهوم يشمل كل تصور عن الإسلام يتعلق بتفسير أمر تكويني أو اجتماعي أو تشريعي. على سبيل المثال، يشير إلى أن حقيقة أن كل الوجود ملك لله تعكس فهماً ورؤية خاصة للعالم. لذلك، لا يمكن أن تكون الملكية في الإسلام حقاً ذاتياً، بل هي مجرد أمانة في ظروف معينة. فالملكية في الإسلام مفهوم تشريعي، وكأي مفهوم تشريعي آخر تخضع لتأثير قوانين الشريعة. ومن ثم، يمكن للمبادئ والأسس الدينية، مثل وجوب إقامة العدالة الاجتماعية، أن تؤثر عليها (صدر، 1375، ص 376- 377).
وفيما يتعلق بمصطلح «المفهوم» عند الشهيد الصدر، يُشار إلى نقطتين: الأولى أن استخدام مصطلح الرؤية الكونية أو الأسس الميتافيزيقية بدلاً من «المفهوم» هو أكثر ملاءمة لهذا الموضوع، لأن «المفهوم» كما عرفه الشهيد الصدر هو في الحقيقة الرؤية الكونية والأسس الميتافيزيقية التي تؤثر تأثيراً كبيراً في كيفية استخراج المدرسة الاقتصادية. الثانية أن الشهيد الصدر يؤكد إلى جانب فهم المفاهيم، على معرفة حالة وظروف الزمان وتأثيرها على فهم موضوع البحث. ويضرب مثالاً بمفهوم الملكية ومفهوم التجارة. عندما يكون فهمنا للملكية على أنها أمر غير ذاتي واعتباري ومحدود ومؤقت، يصبح قبول الأحكام والآيات والروايات التي تحد من الملكية أمراً سهلاً جداً. والمثال الثاني هو مفهوم التجارة. فالتجارة في شكلها الأصلي هي من الأنشطة الاقتصادية الضرورية، لكن ميل التجارة إلى الوساطة المفرطة والطفيليّة يؤدي إلى انحرافها. لذلك، مفهوم التجارة عند الشهيد الصدر هو نشاط اقتصادي مفيد ومنتج، وغيابه يؤدي إلى اختلال في نظام توزيع السلع والخدمات (المرجع نفسه، ص 378- 377).
في فكر الشهيد الصدر لم يُصرَّح فقط بتأثير «المفهوم» أو النظرة الكونية على المدرسة والنظام الاقتصادي، بل يمكن ضمنيًا إيجاد أدلة على تأثيره على علم الاقتصاد أيضًا. يرى الشهيد الصدر أن العوامل الروحية والأخلاقية تؤثر حتى على منحنيات العرض والطلب في الاقتصاد (المرجع نفسه، ص292). ربما المقصود من تأثير القضايا الأخلاقية والروحية على العرض والطلب هو التأثير من خلال الأذواق، والمنفعة، والتوقعات، وما شابه ذلك. لأن أحد العوامل المحددة للطلب على السلعة هو الذوق، والذوق له أسس قيمية وما وراء طبيعية. الأفراد المختلفون تحت تأثير الأمور القيمية والنظرات الكونية المختلفة يظهرون أذواقًا مختلفة (دادگر 1380، ص42-43).
خصائص الاقتصاد الإسلامي
يعدد الشهيد الصدر خصائص للاقتصاد الإسلامي. ويعتقد أنه في الدراسات الاقتصادية الإسلامية يجب تجنب نوعين من الانفصال والقطيعة. الأول هو الانفصال بين الأحكام الاقتصادية المختلفة في المدرسة الاقتصادية الإسلامية، والثاني هو القطيعة بين المدرسة الاقتصادية وباقي المدارس (السياسية، والاجتماعية، والثقافية) في الإسلام؛ لأن هناك نوعًا من الارتباط بين المبادئ الاقتصادية وغير الاقتصادية في الإسلام (صدر 1375، ص293).
يشير الشهيد الصدر على سبيل المثال إلى ارتباط المدرسة الاقتصادية بالسياسية في الإسلام، ويرى أن اعتبار هذين المجالين منفصلين يؤدي إلى زلل الباحث في فهم رؤية الإسلام. حسب رأيه، بما أن الدولة من جهة تملك نطاقًا من الملكيات، ومن جهة أخرى تتمتع بصلاحيات كثيرة، فإن الغفلة عن ارتباط المدرسة الاقتصادية بالسياسية في الإسلام قد تكون مضللة. يؤكد الشهيد الصدر أن صفة العدل، ووجود المجلس، أو حتى العصمة التي يشترطها البعض على حاكم المسلمين، هي في الواقع لضمان ألا يلوث الحكام صلاحياتهم الاقتصادية. بعبارة أخرى، يجب أن يكون تدخل الولي الأمر والدولة الإسلامية وفق الضوابط وفي إطار الضمانات والمبادئ الشرعية (المرجع نفسه، ص 296- 298).
الخاصيتان الأخريان للاقتصاد الإسلامي من وجهة نظر الشهيد الصدر هما الواقعية والأخلاقية. يؤكد الشهيد الصدر أن هدف الاقتصاد الإسلامي هدف واقعي؛ لأن الإسلام في أبعاده الاقتصادية يرسم أهدافًا تتوافق مع روح وطبيعة الإنسان، كما يأخذ بعين الاعتبار الواقع والقيود في حياة الإنسان المادية بشكل كامل. أما المقصود بالأخلاقية في الاقتصاد الإسلامي فهو أن الإسلام يولي العوامل الروحية اهتمامًا لتحقيق أهدافه. بعبارة أخرى، الإسلام لا يرغب في تحقيق هدف معين بأي وسيلة كانت، لأن الواقعية في الهدف كانت كافية في هذه الحالة. لكن من وجهة نظر الإسلام، الجانب الأخلاقي يكمل بقية أبعاد الحياة الفردية والاجتماعية للإنسان (المرجع نفسه، ص 290- 291).
بالنظر إلى خصائص المنهجية عند الشهيد الصدر، التي أولاً تربط بين البنية القانونية والقاعدة الاقتصادية الإسلامية، وثانيًا تحدد العلاقة بين المدرسة الاقتصادية الإسلامية وباقي المدارس الثقافية والسياسية والاجتماعية، وثالثًا تعتبر الاقتصاد الإسلامي ذا طابع أخلاقي، يبدو أن الشهيد الصدر ينظر إلى الظاهرة الاجتماعية كمفهوم واحد ويدرس الاقتصاد كنظرية اجتماعية. ويمكن الاستشهاد بهذا الفهم من خلال إشارته إلى ثلاثة عناصر هي العقيدة، والمفهوم، والعاطفة كأسس أساسية للمجتمع الإسلامي، ويعتقد أن الاقتصاد قائم على هذه الأسس (المرجع نفسه، ص294). وبناءً على هذه الأسس يرسم ترابطًا بين العناصر الاقتصادية وغير الاقتصادية في الإسلام بحيث يتبلور كنظام متكامل وعناصره مرتبطة تمامًا.
يشير الشهيد الصدر إلى ارتباط العقيدة بالمدرسة الاقتصادية ويكتب: إن ارتباط العقيدة بالمدرسة الاقتصادية يجعل المدرسة الاقتصادية تتلون بألوان القيم، وهذا يعني نوعًا من الاطمئنان على الديمومة والبقاء؛ وبعبارة أخرى يُمنح الاقتصاد نوعًا من الضمان التنفيذي. يقول الشهيد الصدر عن ارتباط المفاهيم بالمدرسة الاقتصادية في مثال: الإسلام يقبل الملكية كحق مشروط بالمسؤولية وليس كحق مطلق. الملكية هي واحدة من المؤسسات الاقتصادية المهمة جدًا، لكن يجب الانتباه إلى أن الملكية في النهاية أداة، وأهميتها ليست بحيث تؤدي إلى سقوط المؤسسات والقيم الأخرى. وللأسف، من وجهة نظر بعض المفكرين المسلمين، تُعتبر الأموال والملكية مقدسة، ويبررون قاعدة السيطرة فيظهرون الملكية كحق مطلق (دادگر، 1380، ص45-44). أما عن ارتباط الاقتصاد الإسلامي بالعواطف، فيؤسس الشهيد الصدر ذلك على مفاهيم خاصة مثل عاطفة الأخوة. لهذه العواطف والمشاعر دور مهم في تحسين الحياة الاقتصادية للمجتمع وتحقيق أهدافه مثل التكافل والتوازن الاقتصادي (صدر، 1375، ص 296-298).
بعد دراسة المنهجية الاقتصادية وخصائص الاقتصاد الإسلامي من منظور الشهيد الصدر، يتم نقد وتحليل منهجيته من وجهة نظر الواقعية النقدية.
الأنطولوجيا في الاقتصاد الإسلامي
يبدأ الشهيد الصدر نظريته في الاقتصاد الإسلامي بالسؤال عن وجود الاقتصاد الإسلامي. وقبل شرح وجهة نظره حول الاقتصاد الإسلامي، يعرض الأسس الأنطولوجية لرؤيته. بناءً على الأسس الأنطولوجية، وبحسب تعبير أوسكالي مكي (2001) في رؤيته الاقتصادية الكونية، وبتفريق مفهوم مدرسة الاقتصاد الإسلامي عن علم الاقتصاد، يرى الشهيد الصدر إمكانية وجود كل من مدرسة وعلم الاقتصاد الإسلامي. وقبل نقد هذا التفريق من منظور الواقعية النقدية، من الجدير بالاعتبار أن الشهيد الصدر يقدّم سؤال الوجود وماهية الاقتصاد الإسلامي على منهجيته. ويبدو أن الشهيد الصدر، متوافقًا مع الواقعية النقدية، يربط الأنطولوجيا بالمعرفة والمنهجية. وعند بحثه في أنطولوجيا الاقتصاد الإسلامي، يفترض بعض النقاط كمقدمات ميتافيزيقية. ومن ذلك تعريفه للمدرسة والعلم الاقتصادي وتفريقهما عن بعضهما البعض. في الواقع، يبدأ في الإجابة على سؤال الواقعية النقدية: «كيف يجب أن يكون العالم لكي يصبح العلم ممكنًا؟» من مبادئه الأساسية حول الوجود.
في تفريق المدرسة الاقتصادية عن علم الاقتصاد في رؤية الشهيد الصدر، يلعب مفهوم العدالة الاجتماعية دورًا محوريًا. يشكل مفهوم العدالة الاجتماعية الفرضية الأنطولوجية للصدر حول الاقتصاد الإسلامي. يرى الشهيد الصدر أن كل حكم اقتصادي يتعلق بالعدالة الاجتماعية ينتمي إلى المدرسة الاقتصادية، وكل حكم اقتصادي يعبر عن واقع يتعلق بعلم الاقتصاد. هذا التفريق متأثر بالنظرة الوضعية التي يبدو أن الشهيد الصدر استقى منها تعريف العلم. ومن الجدير بالذكر أنه حتى أوائل الستينيات الميلادية، أي في زمن كتابة كتاب اقتصادنا، كانت الوضعية، رغم كل الانتقادات، لا تزال المدرسة المنهجية الأكثر شيوعًا. التفريق بين المدرسة الاقتصادية وعلم الاقتصاد مستمد من التفريق بين “الواقع” و”الواجب” أو “الواقع” و”القيمة”. حتى العلاقة التي يراها الشهيد الصدر بين المدرسة وعلم الاقتصاد، والتي تنص على أنه إذا نُفذت سياسات مدرسة اقتصادية، يمكن للعلم أن يتولى دراسة وشرح العلاقات المحققة، تفترض مسبقًا تفريق المدرسة الاقتصادية عن علم الاقتصاد، لأن هذه العلاقة بين العلم والمدرسة الاقتصادية لا يمكن تصورها إلا إذا نُفذت سياسات المدرسة الاقتصادية في العالم الخارجي وأصبح من الممكن دراسة الظواهر الاقتصادية علميًا بطريقة تجريبية. وإلا، فلا يمكن تعريف العلاقة بين المدرسة وعلم الاقتصاد.
نظرًا لأن الواقعية النقدية، مع قبولها للحقائق، تنظر إليها بنقد وتسعى إلى تغيير الوضع القائم، فهي لا تفرق بين الواقع والقيمة. يتضح هذا أكثر إذا أخذنا في الاعتبار أن الواقعية النقدية تفضل الأنطولوجيا على الإبستمولوجيا وترى أن جميع العلوم مبنية على أسس ميتافيزيقية لا تنبع بالضرورة من الحقائق (بسکار، 1975). لذلك، يبدو تفريق المدرسة الاقتصادية عن علم الاقتصاد من وجهة نظر الواقعية النقدية غير صحيح. يعتقد بسكار أنه كما أن العلوم الاجتماعية ومنها علم الاقتصاد مستحيلة بدون المجتمع، فإن المجتمع أيضًا لا يمكن فهمه بدون وجود نوع من النظرية الأيديولوجية أو ما قبل العلمية أو العلمية عنه (بسکار، 1979، ص52). المقصود من وصف بسكار للنظرية الاجتماعية بأنها أيديولوجية هو نظرية تشارك فيها القيم. هذه الرؤية تقف في مواجهة النظرة التي تفصل الواقع عن القيمة، والتي ترى أن النظرية العلمية يجب أن تتناول الحقائق الخارجية المستقلة عن وعي الفاعلين والمفاهيم الموجودة في المجتمع (توحیدی نسب، 1392، ص110). لذلك، رغم أن تفريق المدرسة الاقتصادية عن علم الاقتصاد قد يكون صحيحًا من حيث المبدأ، فإن الفرق بينهما ليس في كون أحدهما ذو طابع قيمي والآخر لا، بل ربما في اختلاف أهدافهما.
المدرسة الاقتصادية، بحسب رأي الشهيد الصدر، هي مجموعة قواعد يجب على الأفراد اتباعها، في حين أن علم الاقتصاد يسعى إلى تفسير أو شرح الواقع. هذا التمييز، إذا عرفنا القاعدة بناءً على رأي وينش الذي له قرابة مع الواقعية النقدية، يزول، لأنه يرى وجود علاقة منطقية بين العلاقات الاجتماعية والعلاقات بين أفكار الأفراد، أي أنه يضعهما في فئة منطقية واحدة (وینچ، 1372، ص9). هذه العلاقة بين الفعل الاجتماعي – موضوع الدراسة العلمية – وأفكار الأفراد تنبع من خاصية الانتباه والالتزام بالقاعدة والنظام في العلوم الاجتماعية (فی، 1994، ص21). من وجهة نظر وينش، الالتزام بالقاعدة هو مبدأ يُطبق على جميع السلوكيات الإنسانية – بالمقارنة مع السلوك الحيواني – سواء كان الفرد واعيًا بالقاعدة التي يتبعها أم لا (وینچ، 1372، ص58). من هذا المنطلق، لا يوجد فرق بين المدرسة الاقتصادية التي يكون لدى الأفراد وعي أكبر بقواعد سلوكهم، وعلم الاقتصاد الذي قد يكون لدى الأفراد وعي أقل بقواعد سلوكهم. لذلك، يمكن الاستنتاج أنه من وجهة نظر وينش لا يوجد تمييز بين المدرسة الاقتصادية وعلم الاقتصاد.
قد لا يشير علم الاقتصاد صراحةً إلى العدالة الاجتماعية، لكنه، كما ذُكر، ليس منفصلاً عن المفاهيم الوجودية، ولو ضمنياً. من وجهة نظر بسكار، كل تفسير للعلم يفترض وجود أنطولوجيا معينة (بسکار، 1975، ص18). وقد اعتُبر علم الاقتصاد نفسه تفسيراً خاصاً للعدالة، إذ يُعتقد أن التوافق بين اقتصاد السوق والعدالة بمفهوم رالز يُظهر أن نموذج تنظيم الاقتصاد على أساس الأسواق التنافسية يتضمن أيضاً نظرية للعدالة (نیلی، 1386، ص10؛ طبیبیان، 1386، ص 39). على أي حال، لا نسعى هنا لإثبات ارتباط علم الاقتصاد بمفهوم العدالة الاجتماعية أو خلافاً لرأي الشهيد صدر، أن الاقتصاد الإسلامي يُعد علماً. بل المهم هو الانتباه إلى أن علم الاقتصاد لا يختلف أو ينفصل عن ما يسميه الشهيد صدر بالمذهب الاقتصادي، بسبب افتقاره إلى الأسس الميتافيزيقية – مثل العدالة الاجتماعية – التي يقوم عليها.
يقول الشهيد صدر في تعريفه لعلم الاقتصاد إنّه يشرح العلاقة بين الظواهر من خلال «الأسباب والعوامل العامة» (صدر، 1375، ص44). في هذا التعريف، إشارة الشهيد صدر إلى الأسباب والعوامل عامة إلى حد الغموض، بحيث تتوافق مع المفاهيم الإيجابية والواقعية النقدية على حد سواء. رغم أن صفة «العامة» للأسباب والعوامل تثير في الغالب توجهًا إيجابيًا. خصوصاً أن الشهيد صدر في شرح علم الاقتصاد يشير إلى حسية الأمور العلمية وقابليتها للقياس والاختبار بالأدوات العلمية. في هذا البيان، اعتمد الشهيد صدر بوضوح على تعريف العلم الإيجابي كأساس لنقاشه، دون أن يسعى إلى نقده. مع ذلك، هناك عدد من مفاهيم علم الاقتصاد، مثل المنفعة، لا يمكن قياسها أو اختبارها بالأدوات العلمية، وأصلاً إمكانية الاختبار التجريبي في العلوم الاجتماعية ومنها علم الاقتصاد موضع شك، وهذا من وجوه التمايز المنهجية بين علم الاقتصاد ومنهجية العلوم الطبيعية.
لذا، فإن التفريق الذي أجراه الشهيد صدر بين المفاهيم المذهبية، مثل الملكية، والحرية الاقتصادية، وتحريم الربا والفائدة من جهة، والمفاهيم العلمية مثل العرض والطلب والعائد التنازلي من جهة أخرى، بسبب طابع المجموعة الأولى القيمي خلافاً للمجموعة الثانية (صدر، 1375، ص363)، يُشكك فيه من وجهة نظر الواقعية النقدية؛ لأن مفاهيم العرض والطلب في علم الاقتصاد تقوم أيضاً على فروض وجودية مثل العقلانية التي ليست بمعزل عن الأسس الميتافيزيقية والقيمية. إذن يمكن الاستنتاج أن معيار الارتباط بالقيم، وبعبارة أخرى بالأسس الميتافيزيقية، كوجه تمييز بين المذهب الاقتصادي وعلم الاقتصاد، غير مقبول من وجهة نظر الواقعية النقدية.
ويُذكر أن النقد الموجه للتفريق بين المذهب الاقتصادي وعلم الاقتصاد من وجهة نظر الشهيد صدر هو نقد منهجي. وإلا، فمن حيث المبدأ يمكن إجراء هذا التفريق من وجوه أخرى – مثل الأهداف – كما أن اعتماد العلم على الأسس الوجودية والميتافيزيقية لا يعني بالضرورة أن كل ما يقوم على هذه الأسس يُعد علماً.
يرى الشهيد صدر أن مهمة علم الاقتصاد هي «كشف الحقائق» (صدر 1375، ص315). تعبير «الكشف» رغم غموضه وتوافقه مع التفسير الإيجابي والواقعية النقدية، إلا أنه يبدو أن الشهيد صدر يقصد به المفهوم الإيجابي. لا يرى الشهيد صدر فرقاً في مهمة العلم، التي هي كشف القوانين، بين الفيزياء والاقتصاد والفلك وعلم النفس. لذلك يؤمن بالطبيعية ولا يعترف، مع الواقعية النقدية، بوجود فرق منهجي بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية. وبما أن الشهيد صدر يشترط في علم الاقتصاد أن يكون واقعياً من حيث التحقق الخارجي، ثم الملاحظة، وجمع البيانات، وتنظيمها، فإن طبيعويته من النوع التجريبي لا النقدي.
تعبير الشهيد صدر عن الملاحظة وجمع البيانات وتنظيمها يوحي بالانتظامات التجريبية في الإيجابية، ومن المحتمل أن «كشف القوانين» يعني التعميم أو التعميمات، رغم أنه لم يصرح بذلك. هذا التعبير يعزز تأثر الشهيد صدر بالنظرة الإيجابية للعلم، ويجعل كل الانتقادات الموجهة للإيجابية تنطبق هنا. لكن حين يتحدث الشهيد صدر عن «استخراج القوانين» العامة لحقائق المجتمع، فمن المحتمل أن يقصد الوصول إلى الطبقة الكامنة من الأسباب، أي الطبقة الثالثة من الواقع في وجهة نظر الواقعية النقدية التي تقوم على آلية سببية ولا يمكن ملاحظتها بأي حال.
تعبير «الاستخراج» من قبل الشهيد الصدر يتناسب مع مفاهيم الواقعية النقدية، مثل تعدد طبقات الواقع وخاصة القياس المحتمل[7]. لكن الحديث عن الاختبارات الواقعية باعتبارها شرطًا لتحقيق علم الاقتصاد الإسلامي (صدر 1375، ص317)، ربما لا يترك مجالًا للشك في النظرة الإثباتية للشهيد الصدر. وفقًا للقياس المحتمل، تُفسر الحوادث التي تُلاحظ في الطبقة التجريبية بناءً على افتراض والتعرف على آليات سببية في الطبقة الأعمق من الواقع – التي هي قادرة على إحداث تلك الحوادث – (سایر، 1385، ص123). في القياس المحتمل، وعلى عكس الإثباتية – التي تعتمد على تعميم ملاحظة جزئية أو استنتاج أفضل تفسير[8] – يتم انتزاع نوع من الآلية السببية الموجودة في الطبقات الأعمق من الطبقات التجريبية والمرصودة بالفعل. القياس المحتمل في الواقعية النقدية يختلف عن النموذج الاستنتاجي-القانوني[9] في الإثباتية على الأقل من جهتين. أولًا، القوانين[10] في النموذج الاستنتاجي-القانوني تحتاج إلى تكرار الاختبار التجريبي وجمع الأدلة المؤيدة، بينما القياس المحتمل في الواقعية النقدية لا يفترض إمكانية التكرار ويتجاوز الطبقات التجريبية والمرصودة بالفعل ليستخلص الطبقة الأعمق من الواقع. ثانيًا، انتزاع الآلية السببية الموجودة في الطبقات الأعمق من الواقع لا يُعبّر بالضرورة عنها بصيغة عبارات كلية، بل يمكن أن تشير إلى علاقة سببية فردية. في حين أن نموذج التفسير الاستنتاجي-القانوني يحتاج على الأقل إلى قانون (عبارة كلية بشروط يحددها هيمبل (1965)). في القياس المحتمل، الحركة ليست من الخاص[11] إلى العام (العالمي)[12]، بل من المادي (الملموس)[13] إلى المجرد[14]. لذلك، بينما يقيد القياس والاستقراء الباحث بالنظر فقط إلى المستوى الظاهري للواقع، يسمح القياس المحتمل بالتحرك إلى ما وراء الظاهرة السطحية (دنر مارک وآخرون، 2002).
يستفيد الشهيد الصدر من المدرسة الاقتصادية كمدخل لتأليف نظام الاقتصاد الإسلامي. نظرته موجهة نحو تغيير الوضع المتردي القائم الذي يرى أنه لا يمكن لعلم الاقتصاد التعامل معه. لتحقيق الوضع المرغوب، يتحدث عن النظام الاقتصادي الإسلامي كبديل للأنظمة الاقتصادية القائمة. نظرته النقدية للوضع القائم وتعبيره عن نظام الاقتصاد الإسلامي كثورة ضرورية لتغيير الأوضاع المتردية (صدر، 1375، ص316)، تتوافق تمامًا مع وجهة نظر الواقعية النقدية التي تسعى إلى نقد وتغيير الوضع القائم. مع الفرق أنه لأسباب ذُكرت أعلاه، الواقعية النقدية لا تميز بين النظام الاقتصادي وعلم الاقتصاد. بناءً على ما ذُكر، وبسبب أن المنهج الإثباتي كان المدرسة المنهجية السائدة في وقت كتابة كتاب اقتصادنا في أوائل الستينيات الميلادية، واستفاد الشهيد الصدر كتحقيق في الاقتصاد الإسلامي وليس كفيلسوف علم من ذلك، فقد قبل تعريفات وافتراضات الإثباتية. من الضروري الانتباه إلى أن الشهيد الصدر لم يكن في موقع محقق فلسفة العلم لينتقد المنهج الإثباتي أو يقترح منهجًا بديلاً، بل حاول مع افتراض المنهج الإثباتي أن يبحث في علاقة الاقتصاد الإسلامي به. لذلك، قد يكون نسب تعريف العلم أو علم الاقتصاد بصيغة إثباتية أو سلوكية إليه (دادگر 1380، 56-57) محل تأمل.
منهجية الاقتصاد الإسلامي
يشير الشهيد الصدر في شرح منهجية نظرياته الاقتصادية إلى عدة نقاط جديرة بالاهتمام. أولًا، يذكر «أصول» الاقتصاد الإسلامي التي لم ترد صراحة في الآيات والأحاديث، بل يمكن استنتاجها من مجموع العبارات الفقهية. من كلام الشهيد الصدر في هذا المجال يتضح أنه يعتقد بوجود أصول (كأساس) على مستوى أعمق من العبارات الفقهية (كواجهة)، والتي تدخل في تعريفها وتحديدها. لذلك يمكن تسميتها طبقة أعمق من الواقع أو آلية سببية تلعب دورًا في تحديد نوع الأحكام الفقهية. هذه الأصول تضمن توافق العبارات الفقهية في نظام الاقتصاد الإسلامي، أو كما يذكر الشهيد الصدر، هذه الأصول هي معيار اختيار العبارات الفقهية المطلوبة من مجموع الفتاوى المتاحة. بهذا نصل إلى النقطة الثانية التي توجهنا إليها، حيث يقدم الشهيد الصدر صورة متناسقة ومتوافقة من العبارات الفقهية. شرط التوافق في العلم يُعتبر ضرورة منطقية أو إرشادًا منهجيًا دائمًا في المدارس المنهجية. لذلك، المدرسة الاقتصادية التي يقترحها الشهيد الصدر تشترك مع علم الاقتصاد في شرط التوافق.
النقطة الثالثة في منهجية الشهيد الصدر هي أن المدرسة الاقتصادية الإسلامية يجب «اكتشافها». سبق للشهيد الصدر أن تحدث عن تعريف العلم على أنه اكتشاف القوانين بمعناها الإثباتي. اكتشاف المدرسة الاقتصادية، نظرًا لعدم اعتماده على دراسة الواقع التجريبي، لا يعني تعميمًا تجريبيًا أو تعميمًا في المنهج الإثباتي، بل يدل على نوع من «الانتزاع» والتعمق. هذا المفهوم للاكتشاف يتوافق مع الانتزاع في الواقعية النقدية. تصور مفهوم الانتزاع من الاكتشاف عند الشهيد الصدر يتعزز بالنقطة الرابعة التي يذكرها.
يرى الشهيد صدر أن أساس مذهب الاقتصاد الإسلامي يجب أن يُستخلص من البنية الفوقية للحقوق الإسلامية. ويبدو أن مفهومي «البنية الفوقية والبنية التحتية» في منهجية الشهيد صدر لهما أوجه تشابه مع «تدرج الواقع» في الواقعية النقدية، بحيث تكون البنية الفوقية القانونية حكم الأمور الفعلية، والبنية التحتية حكم الأمور الواقعية. البنية الفوقية القانونية أو الفعلية هي العلاقات التي يمكن أن تتحقق، لكنها لم تتحقق حتى الآن بسبب وجود عوائق؛ مثل السلوكيات الاقتصادية الناشئة من المستويات التحتية للواقع التي تقوم على آليات سببية، إلا أن تداخل آليات أخرى قد يمنع حدوثها. وعدم ملاحظة هذا المستوى من الواقع أو عدم تفعيله لا يعني عدم وجود آليات سببية له (توحیدی نسب، 1392، ص4-5).
منهجية الشهيد صدر في اكتشاف المبادئ الأساسية أو الطبقات التحتية للواقع من البنية الفوقية القانونية والعبارات الفقهية تختلف من جوانب عن طريقة القياس المحتمل أو الاستقصاء في الواقعية النقدية. وأهم فرق هو أن الواقعية النقدية تبدأ من العبارات التجريبية، بينما منهجية الشهيد صدر تتعامل مع العبارات الفقهية والبنية الفوقية القانونية. ومع ذلك، وبالنظر إلى أن الواقعية النقدية لا تحصر الواقع في مستوى التجربة فقط، بل تؤمن بوجود طبقات تحتية للواقع، يبدو أنه يمكن إيجاد أوجه تشابه بين منهجية الشهيد صدر والواقعية النقدية. فالبنية الفوقية القانونية في منهجية الشهيد صدر، حتى وإن لم تتحقق خارجيًا بعد، تنشأ من آلية سببية في البنية التحتية أو الطبقات التحتية للواقع. وعدم تحقق البنية الفوقية لا يمنع اعتبار الآليات السببية التحتية واقعية. لأن من وجهة نظر الواقعية النقدية، الواقع متعدد الطبقات، وقد تلغي الآليات السببية المختلفة آثار بعضها البعض وتمنع تحققها. لهذا السبب، يبدو أن رغم اختلاف نوع العبارات في منهجية الشهيد صدر والواقعية النقدية، إلا أنهما يشتركان في هذا النهج الذي يسعى إلى تجريد الواقع التحتية أو استخراج المبادئ الأساسية.
كما يجدر الانتباه إلى أنه رغم أن الواقعية النقدية تذكر القياس المحتمل كطريقة للاكتشاف أو التجريد، إلا أنها لا تحصر طرق الاكتشاف والتجريد في ذلك فقط. ومنهجية الشهيد صدر، رغم التشابه، إذا ما كانت تختلف في بعض الجوانب عن الطريقة المذكورة، فهذا لا يعني بالضرورة تعارضها مع الواقعية النقدية.
في منهجية الشهيد صدر لاكتشاف المذهب الاقتصادي الإسلامي، يُقدّم عنصر «المفهوم». وتعريفه لـ«المفهوم» هو أي عبارة حول وجهة نظر الإسلام تتعلق بتفسير أمر تكويني أو تشريعي أو اجتماعي. مثل العبارة التي تقول إن كل الوجود من الله. وبناءً على هذا التعريف، فإن «المفهوم» في منهجية الشهيد صدر هو نفس الفرضيات الميتافيزيقية المتعلقة بالأنطولوجيا. ولهذا، فإن منهجية الشهيد صدر، مثل الواقعية النقدية، تستند إلى أسس أنطولوجية. كما يشير دادگر (1380، ص90)، فإن «المفهوم» في فكر الشهيد صدر هو نفس الأصل الموضوعي المتعارف عليه. لذلك، فإن المفاهيم التكوينية أو التشريعية في منهجية الشهيد صدر تحتل نفس المكانة كأصول موضوعية ميتافيزيقية وأنطولوجية في الواقعية النقدية.
المفاهيم أو الأصول الموضوعية تؤثر بوضوح على تعريف العلاقات الاجتماعية والاقتصادية؛ لأن هذه المفاهيم، أو كما يسميها أوسكالي مكي (2001، ص5-4)، النظرة الكونية والأسس الميتافيزيقية للاقتصاد، تلعب دورًا بارزًا في فهم واستنباط العبارات الفقهية لاكتشاف المبادئ الأساسية للاقتصاد الإسلامي. ومن خلال دراسة العبارات الفقهية في ضوء المفاهيم أو النظرة الكونية للاقتصاد الإسلامي، تُكتشف المبادئ الأساسية الثابتة أو آليات السببية الواقعية التي بدورها تنشط في تحقيق العلاقات على المستوى التجريبي. والعلاقات الاقتصادية المحققة يمكن أن تؤثر بدورها في تفسير النظريات المتعلقة بالآليات السببية، وهذا الدور الجدلي يستمر عبر الزمن في سبيل تطوير النظرية. لكن في عملية اكتشاف المبادئ الأساسية الثابتة في ضوء الأسس الأنطولوجية، لا ينبغي تجاهل تأثير الزمان والمكان. يشير الشهيد صدر إلى تطور علاقات الملكية والتجارة في ضوء «المفهوم» أو الأصل الموضوعي الأنطولوجي للملكية والتجارة، ويعتبر انحرافها عن المفاهيم الأصلية حكمًا سلبيًا. وبعبارة الواقعية النقدية، فإن وجود وتداخل آليات مختلفة يمكن أن يؤدي في أزمنة وأمكنة مختلفة إلى تفعيل علاقات وظواهر مختلفة على المستوى التجريبي. لذلك، فإن انحراف المبادئ الأساسية للاقتصاد الإسلامي من وجهة نظر الشهيد صدر يمكن تفسيره بدور الزمان والمكان في تداخل الآليات السببية وتفعيل الظواهر وفقًا للواقعية النقدية.
نقطة أخرى هي أن الشهيد صدر، رغم أنه لم يكن يهدف إلى نقد علم الاقتصاد التقليدي، فقد أشار ضمنيًا إلى تأثره بالمفهوم أو النظرة الكونية. فهو يعتقد أن العوامل النفسية والأخلاقية تؤثر على منحنيات العرض والطلب في الاقتصاد (صدر 1375، ص292). لذلك، يبدو أن الشهيد صدر كان واعيًا لتأثر علم الاقتصاد التقليدي بالأسس الميتافيزيقية والنفسية والقيمية. ومع ذلك، فإن هذه النقطة تتعارض مع الطابع التجريبي الطبيعي للشهيد صدر الذي استعارها من الإثباتية. وربما يكون هذا المثال دليلاً على أن الشهيد صدر لم يحاول أبدًا كفيلسوف علم أو فيلسوف اقتصاد نقد الإثباتية أو الاقتصاد التقليدي.
في منهجية الشهيد الصدر لم يُبدِ تصريحًا صريحًا حول مسألة الفرد والمجتمع أو الجزئي والكلي أو الفاعلية والبنية أو حتى الحداثة الاجتماعية، ولكن من خلال دراسة نظريته في الاقتصاد الإسلامي يمكن استنتاج موقفه ضمنيًا. من النقاط التي تبرز في نظريته الاقتصادية الإسلامية تعريف الروابط الداخلية بين مكونات الاقتصاد الإسلامي المختلفة وكذلك بين مختلف جوانب الحياة الاجتماعية للإنسان. يبدو أن رأي الشهيد الصدر حول الروابط الداخلية في الحياة الاجتماعية، دون الإشارة إلى العلاقات الداخلية الهيغلية في كلٍّ أو العلاقات الخارجية الهيومية، يتوافق مع وجهة النظر الواقعية النقدية. فهو يؤكد على العلاقات الداخلية في المجتمع الإسلامي، ويعتبر النمط الإسلامي الشامل للحياة الاجتماعية “كليًا” لا يمكن تفكيكه ويمتد إلى جميع جوانب الحياة (المرجع نفسه، ص295). هذا النظر إلى المجتمع لا يتوافق فقط مع الواقعية النقدية بل يبدو متوافقًا أيضًا مع الكلية. لكن دراسة وجهة نظر الشهيد الصدر حول دور الفرد في المجتمع من خلال دراسة نظريته في الملكية الفردية تنفي الاحتمال الثاني (الكلية).
في منهجية الشهيد الصدر، لا تُعرّف الروابط الداخلية فقط بين مكونات وعناصر مجال الاقتصاد الإسلامي، بل تُعرّف أيضًا بين الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية المختلفة للمجتمع. يحذر الباحث في الاقتصاد الإسلامي من نوعين من الانفصال؛ الأول هو انفصال الأحكام المختلفة للاقتصاد الإسلامي، والثاني هو انفصال مذهب الاقتصاد الإسلامي عن المذاهب الاجتماعية والسياسية والثقافية الأخرى في الإسلام (المرجع نفسه، ص293). من هذا التحذير يمكن استنتاج وحدة الظاهرة الاجتماعية وكذلك دراسة الاقتصاد كنظرية اجتماعية. رغم أن الشهيد الصدر يؤكد في هذا البيان على الروابط الداخلية بين المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، إلا أن تركيزه يكون على الأحكام والبيانات، ولا يبدو أنه يمكن استنتاج مسألة الفرد والمجتمع من ضرورة الانتباه إلى الروابط والاتصال بين البيانات في الجوانب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية للمجتمع. ما يهم الشهيد الصدر في هذا البيان هو ضرورة مراعاة التوافق المنطقي بين البيانات والمبادئ الأساسية الاقتصادية وغير الاقتصادية في المجالات الأخرى للمجتمع.
يركز الشهيد الصدر بشكل خاص على العلاقة بين المجالين الاقتصادي والسياسي في المجتمع (المرجع نفسه، ص296- 298). إن تأكيده على ضرورة الاتصال والتنسيق بين المذهب الاقتصادي والسياسي يشير إلى تورط الآليات الاقتصادية والسياسية لتحقيق الاقتصاد الإسلامي. تعدد وتنوع الآليات الفاعلة يتوافق مع وجهة النظر الواقعية النقدية؛ التي ترى أن عدة آليات سببية تعمل في العمليات الاجتماعية، ومن أجل تحقيق النتيجة المرجوة يجب توظيف البنى بشكل مناسب. وإلا فلن تتحقق النتيجة المرجوة بسبب تداخل أو تعارض وظائف الآليات السببية. بالنظر إلى دور الآليات السببية والبنية الاجتماعية في تحقيق النتيجة، لا يبدو من غير المناسب أن يتحدث الشهيد الصدر هنا عن السببية الاجتماعية.
يشير الشهيد الصدر في منهجيته للاقتصاد الإسلامي إلى خاصيتين: الواقعية والأخلاقية. تعريفه للواقعية هو أن هدف الاقتصاد الإسلامي أمر واقعي، ويضيف في شرح الهدف الواقعي أن الاقتصاد الإسلامي يتبع أهدافًا تتوافق مع روح وطبيعة الإنسان. إذًا، معيار الواقعية من وجهة نظر الشهيد الصدر هو التناسب والتوافق مع روح وطبيعة الإنسان أو بعبارة أخرى مع ذات الإنسان وقدراته وإمكاناته.
النهج نفسه للشهيد الصدر تجاه القدرات والإمكانات الفطرية يتوافق مع وجهة النظر الواقعية النقدية، رغم أن الواقعية من منظور الواقعيين النقديين تحمل معنى مختلفًا. فالواقعية النقدية تعتبر البنى والآليات التي تُنتج الظواهر هي موضوع المعرفة، وتنسب إليها صفة الواقعية لأنها موجودة بشكل مستقل عن الذهن والنشاطات البشرية (بسکار، 1975، ص15). عند دراسة العلاقة بين هذين الرأيين حول معيار واقعية المعرفة الاقتصادية، هناك عدة نقاط جديرة بالتأمل؛ وهي هدفية الاقتصاد الإسلامي، التوافق مع طبيعة الإنسان، استقلالية الآليات السببية.
يقصد الشهيد الصدر بهدفية الاقتصاد الإسلامي أن السياسات والخطط والبرامج موجهة لتحقيق الهدف الواحد للاقتصاد الإسلامي، وهو إقامة القسط والعدل. لذلك، الهدفية صفة للأفعال والأنشطة الاقتصادية التي تتوافق مع القدرات والإمكانات الفطرية للإنسان، وليست بالضرورة صفة للمعرفة الاقتصادية الإسلامية. لا يبدو أن هذه النقطة تتعارض مع مبادئ الواقعية النقدية. من وجهة نظر الواقعية النقدية، البنى الاجتماعية شرط ضروري لأي فعل هادف. كما أنه لا يحدث أي فعل بدون عامل بشري هادف وواعٍ (بسکار، 1979، ص37). خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن الصفة النقدية تدل على عدم رضا الواقعيين النقديين عن الوضع القائم، والذي لا يمكن تعريفه إلا في ظل الإيمان بهدف أو وضع مثالي. أما بخصوص استقلالية البنية والمبادئ الأساسية للاقتصاد كمسألة أساسية في فلسفة العلوم الاجتماعية، فلم يتحدث الشهيد الصدر عنها صراحة.
الخاصية الثانية التي يعددها الشهيد الصدر للاقتصاد الإسلامي هي الأخلاقية. يعرف الأخلاقية بأنها مراعاة الجوانب الروحية والمعنوية. بمعنى أن الاقتصاد الإسلامي لا يبيح أي وسيلة لتحقيق أهدافه، بل يجيز قواعد تتوافق مع المبادئ الأخلاقية للإسلام. لذلك يمكن اعتبار الخاصية الأخلاقية صفة للقواعد الاجتماعية التي تم تناولها من وجهة نظر وينش. ولكن إذا كان المقصود بالأخلاقية هو الآثار الروحية التي يتركها الفعل على شخصية الفاعل، فإن الواقعية النقدية عمومًا وبسكار خصوصًا لا تقدم رأيًا حول الروح (توحیدی نسب، 1392، ص133).
يناقش الشهيد صدر في بحث أشمل أسس وأركان المجتمع الإسلامي، ويقدم ثلاثة عناصر هي العقيدة، والمفهوم، والعاطفة. يقصد الشهيد صدر بـ«العقيدة» المعتقدات القيمية للفاعلين التي تؤثر في سلوكهم. و«المفهوم» كما سبق بيانه يعني الفرضيات الميتافيزيقية وعلم الكونيات، و«العاطفة» تعني المشاعر والعوامل النفسية التي تؤثر في أفعال الأفراد. رغم أن الواقعية النقدية ترفض اختزال علم الاجتماع إلى علم النفس، إلا أنها تعترف بالعواطف والمشاعر الإنسانية نظرًا لتأكيدها على القدرات والميول الفطرية للإنسان. ومن الجدير بالاهتمام في شأن «العقيدة» من وجهة نظر الشهيد صدر أن بسكار في دراسته لعلم الوجود لبنى الاجتماعية يشير إلى اعتماد البنى على «المفهوم» (بسکار، 1979، ص42). هذا «المفهوم» يختلف عن تصور الشهيد صدر للمفهوم، ويقترب من تعريف «العقيدة» عند الشهيد صدر. من وجهة نظر بسكار، تُعتبر الأفعال والأنشطة الإنسانية اجتماعية لأنها تحمل معنى و«مفهومًا». لذلك تعتمد البنى الاجتماعية على الأنشطة الاجتماعية ذات المفهوم المحوري التي يقوم بها الأفراد. ومن الجدير بالذكر أن المفهوم قد يكون المفهوم الذهني للفرد الفاعل أو عقيدة مشتركة بين جميع أفراد المجتمع. في النشاط ذي المفهوم، توجد علاقة داخلية بين الفعل والمفهوم.
الملخص والاستنتاج
يبدأ الشهيد صدر منهجيته الاقتصادية بالسؤال عن وجود اقتصاد إسلامي. بناءً على أسس وجودية ورؤية اقتصادية كونية، يميز الشهيد صدر بين مفهوم مدرسة الاقتصاد الإسلامي وعلم الاقتصاد، ويرى أن الاقتصاد الإسلامي ممكن الوجود. الفرضية الوجودية للشهيد صدر حول الاقتصاد الإسلامي هي مفهوم العدالة الاجتماعية. يعتقد الشهيد صدر أن كل حكم اقتصادي يتعلق بالعدالة الاجتماعية ينتمي إلى مدرسة اقتصادية، ولذلك يعتبر الاقتصاد الإسلامي مدرسة وليس علمًا. هذا التمييز متأثر بنظرة الإيجابية التي يبدو أن الشهيد صدر استعار منها تعريف العلم. تعتبر الواقعية النقدية جميع العلوم مبنية على أسس ميتافيزيقية، لذا يبدو أن التمييز بين المدرسة الاقتصادية وعلم الاقتصاد من وجهة نظر الواقعية النقدية موضع شك.
تعبير الشهيد صدر عن الملاحظة وجمع البيانات وتنظيمها يذكر بالانتظامات التجريبية في الإيجابية، ومن المحتمل أن المقصود بـ«اكتشاف القوانين» هو القوانين النظرية أو النظريات؛ رغم احتمال أن يكون المقصود بـ«استخراج القوانين» العامة لواقع المجتمع متعلقًا بالطبقة الأساسية للأسباب. تعبير الاستخراج يتناسب مع مفاهيم الواقعية النقدية مثل تعدد طبقات الواقع، وخصوصًا القياس المحتمل. النظرة النقدية للشهيد صدر تجاه الوضع القائم وتعبيره عن نظام الاقتصاد الإسلامي كثورة ضرورية لتغيير الأوضاع المتردية تتوافق تمامًا مع وجهة نظر الواقعية النقدية.
يشير الشهيد صدر في منهجيته الاقتصادية إلى عدة مفاهيم. أولًا «المبادئ» التي تقع على مستوى أعمق من الأحكام الشرعية، ولذلك يمكن اعتبارها الطبقة الأساسية للواقع أو الآلية السببية. ثانيًا «الاكتشاف» الذي يدل على نوع من التجريد والتعمق. هذا المفهوم يتوافق مع «التجريد» في الواقعية النقدية. ثالثًا مفهومي «السطح والبنية التحتية» اللذين يشبهان «تعدد طبقات الواقع» في الواقعية النقدية.
في منهجيته لاكتشاف مدرسة الاقتصاد الإسلامي، يقدم الشهيد صدر بالإضافة إلى المفاهيم المذكورة عنصر «المفهوم». المفاهيم التكوينية أو التشريعية في منهج الشهيد صدر تحظى بنفس مكانة المبادئ الميتافيزيقية في منهج الواقعية النقدية.
لا يتناول الشهيد صدر صراحة مسألة الفرد والمجتمع والحداثة الاجتماعية في منهجيته، لكنه يؤكد على العلاقات الداخلية للمجتمع الإسلامي، ويعتبر نمط الحياة الاجتماعية الإسلامية «كلّيًا» لا يمكن تفكيكه، ويمتد في جميع شؤون الحياة. ويحذر من نوعين من الانفصال: الأول انفصال الأحكام المختلفة للاقتصاد الإسلامي، والثاني انفصال مدرسة الاقتصاد الإسلامي عن المدارس الاجتماعية والسياسية والثقافية الإسلامية الأخرى. من هذا التحذير يمكن استنتاج وحدة الظاهرة الاجتماعية وكذلك دراسة الاقتصاد كنظرية اجتماعية.
يشير الشهيد صدر في منهجيته للاقتصاد الإسلامي إلى خاصيتين: الواقعية والأخلاقية. معيار الواقعية هو التناسب والانسجام مع طبيعة الإنسان وقدراته وإمكاناته. هذا المنهج يتوافق مع وجهة نظر الواقعية النقدية، رغم أن مفهوم الواقعية يختلف عند الواقعيين النقديين. الخاصية الثانية هي الأخلاقية، ويعرفها بالالتزام بالجوانب الروحية والمعنوية. لذلك يمكن اعتبار الخاصية الأخلاقية صفة للسلوك والقواعد الاجتماعية.
يناقش الشهيد صدر في بحث أشمل أسس وأركان المجتمع الإسلامي، ويقدم ثلاثة عناصر هي العقيدة، والمفهوم، والعاطفة. يقصد الشهيد صدر بـ«العقيدة» المعتقدات القيمية للفاعلين التي تؤثر في سلوكهم. و«العاطفة» تعني المشاعر والعوامل النفسية التي تؤثر في أفعال الأفراد. رغم أن الواقعية النقدية ترفض اختزال علم الاجتماع إلى علم النفس، إلا أنها تعترف بالعواطف والمشاعر الإنسانية نظرًا لتأكيدها على القدرات والميول الفطرية للإنسان. كما يشير بسكار إلى «المفهوم» الذي يختلف عن تصور الشهيد صدر للمفهوم ويقترب من تعريف «العقيدة» عند الشهيد صدر. من وجهة نظر بسكار، تُعتبر الأفعال والأنشطة الإنسانية اجتماعية لأنها تحمل معنى و«مفهومًا».
كما ذُكر، يتبنّى الشهيد الصدر في منهجيته الاقتصادية مواقف إثباتية تجاه العلم. ولهذا، فإن غالب مواقفه المنهجية حول العلم وخاصة علم الاقتصاد تتوافق مع الإثباتية. وعلى هذا الأساس، يفصل الإمام بين مهمة المدرسة الاقتصادية وعلم الاقتصاد، متحدثًا عن مقولات لا يمكن تبريرها من خلال الإثباتية. ويبدو أن الواقعية النقدية تمتلك القدرة على تبرير المقولات المنهجية عند الشهيد الصدر مثل المبادئ، والاكتشاف، والقاعدة والفوقية، والواقعية، والأخلاقية، والاعتقاد، والمفهوم، والعاطفة.
المصادر:
– تقي زاده داوري، محمود (1387). دراسة آراء فلسفة الاجتماع لآية الله سيد محمد باقر الصدر، مجلة علمية – بحثية في شيعة الدراسات، السنة السادسة، العدد 23، خريف، ص ص. 54-56.
– توحيدي نسب، زينب ومرضية فروزنده (1392). الواقعية النقدية؛ الأنطولوجيا الاجتماعية وإمكانية الفحص التجريبي في العلوم الاجتماعية، قم، بوستان كتاب.
– جمشيدي ها، غلامرضا وسيد رضا كلوري (1389). العدالة الاجتماعية في فكر آية الله سيد محمد باقر الصدر، مجلة علمية – تخصصية في الإسلام والعلوم الاجتماعية، السنة الثانية، العدد 3، ربيع وصيف، ص ص. 25-54.
– دادگر، يد الله وسيد محمد باقر نجفي (1380). المبادئ الفقهية المتقدمة للاقتصاد الإسلامي (تحليل واختصار كتاب اقتصادنا)، كرمانشاه، جامعة رازي.
– ساير، أندرو. (1385). المنهج في العلوم الاجتماعية؛ منهج واقعي، ترجمة عماد أفروغ، طهران، منشورات معهد البحوث في العلوم الإنسانية والدراسات الثقافية.
– صدر، سيد محمد باقر (1375). اقتصادنا، قم، مكتبة الإعلام الإسلامي.
– طبيبيان، محمد، (1386). العدالة الاجتماعية واقتصاد السوق، في كتاب الاقتصاد والعدالة الاجتماعية، تحرير مسعود نيلي وآخرون، طهران، نشر ني.
– عبد الحميد، صائب (2008). الشهيد محمد باقر الصدر؛ من فقه الأحكام إلى فقه النظريات، بيروت، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي.
– نيلي، مسعود وآخرون (1386). الاقتصاد والعدالة الاجتماعية، طهران، نشر ني.
– وينش، بيتر (1372). فكرة العلم الاجتماعي ورابطته بالفلسفة، طهران، منظمة دراسة وتأليف كتب العلوم الإنسانية.
Bhaskar, Roy. (1975) A realist theory of science. New York: Verso Classics.
__________. (1979) The possibility of naturalism. New York: Routledge.
Danermark, Berth, and others. (2002) Explaining Society; Critical realism in the social sciences. London: Routledge.
Fay, Brian and J. Donald Moon (1994) “What would an adequate philosophy of social science look like?” In Martin, Michael, and Lee C. McIntyre.
(ed.s) Readings in the Philosophy of Social Sciences, Massachusetts, The MIT Press, pp. 21–35.
Hempel, Carl G. (1965), Aspects of Scientific Explanation and other Essays in the Philosophy of Science, New York, The Free Press.
Lewis, D. K. (1991), Parts of Classes, Oxford: Blackwell.
Maeki, Uskali. (2001), The Economic World View; Studies in the Ontology of Economics, Cambridge, Cambridge University Press.
Udehn, L. (2001), Methodological Individualism – Background, History and Meaning, London and New York, Routledge.
[1]. The Possibility of Naturalism.
[2]. Roy Bhaskar.
[3]. Intransitive.
[4]. Transitive.
[5]. Actual.
[6]. Real.
[7]. Retroductive inference.
[8]. Inferece to the best.
[9]. Deductive -Nomological.
[10]. Lowlike.
[11]. Particular.
[12]. Universal.
[13]. Concrete.
[14]. Abstract.

