ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: بازخوانی نظریات شهید صدر پیرامون ربای بانکی بر اساس نظریه درآمد قانونی ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص
قدّم الشهيد الصدر نظرية «الدخل الشرعي» في كتاب «اقتصادنا». ووفقًا لهذه النظرية، فإن مصدر الحصول على الدخل الشرعي والقانوني هو «العمل». ويُظهر إعادة قراءة آرائه، لا سيما في كتاب «البنك اللاربووي»، أنه استند إلى هذه النظرية لتحليل قضايا الربا المصرفي. تُظهر مقالة «إعادة قراءة نظريات الشهيد الصدر حول الربا المصرفي بناءً على نظرية الدخل الشرعي» بأسلوب وصفي وتحليلي أنه استند إلى هذه النظرية لتقديم نموذج البنك الخالي من الربا. ووفقًا لهذه النظرية، يجب أن يكون كل دخل يتحقق في البنك مقابل أداء عمل، والتغييرات الشكلية في العقود والمعاملات المصرفية، رغم أنها قد تخرج الدخل المحقق من كونه ربويًا، إلا أنها غير قانونية وغير شرعية لأنها ليست مستندة إلى العمل. ونتيجة لذلك، فإن استبدال عقد القرض في البنك بعقود البيع، المضاربة، الجعالة، وما شابه ذلك، طالما لم يؤدِ إلى أداء عمل اقتصادي ذي قيمة، لا يجيز تحقيق الدخل أو استلام أو دفع الفائدة، ويُعتبر الدخل والأرباح المحققة كدخل غير مستند إلى العمل، غير قانوني وغير شرعي.
المؤلف: محمدتقی تولمی، محمدجواد حیدری خراسانی
المصدر: البحوث الفقهية، المجلد الخامس عشر، العدد ٤، شتاء ١٣٩٨
المقدمة
درس الشهيد الصدر في كتابه القيم «اقتصادنا» المدرسة الاقتصادية الإسلامية مقارنةً بالمدارس الاقتصادية الأخرى. كما قدم نموذجًا مقترحًا للبنك الخالي من الربا، حيث طرح قضايا الربا في البنوك بشكل مستقل وقدم حلولًا لإزالة الربا من النظام المصرفي.
وقد حلل بدقة جميع الأنشطة المصرفية في زمنه في كتاب «البنك اللاربووي» وحدد الأنشطة الربوية للبنوك واقترح لها حلولًا جديدة.
يمكن تقسيم القضايا التي طرحها حول الربا المصرفي إلى ثلاثة أقسام. القسم الأول هو أسباب مؤيدي الربا ونقدها، والتي تشمل الربا المصرفي وغير المصرفي. القسم الثاني هو مناقشات حول طرق تحويل الربا المصرفي إلى ربح حلال، والتي وردت في كتاب «البنك اللاربووي» كملاحق فقهية، وقد قام هو بدراستها ونقدها. القسم الثالث من أفكاره حول موضوع الربا المصرفي يمكن إيجاده في مجمل مناقشاته حول تفسير وتقديم نموذج البنك الخالي من الربا.
تشكل مجمل مناقشاته حول البنك الخالي من الربا مقدمة لتحقيق النظام الاقتصادي الإسلامي؛ لأن أحد أهم ركائز الاقتصاد في البلدان هي البنوك التي للأسف قد تلوثت بالربا في البلدان الإسلامية. ومن النقاط المهمة التي غفل عنها كثير من الباحثين في دراسة أفكار الشهيد حول قضية الربا المصرفي، هي أنه استند إلى نظرية حول الدخل الشرعي والقانوني واعتمد عليها في دراسة وتحليل العديد من القضايا المختلفة في مجال الأحكام الاقتصادية الإسلامية، لا سيما الربا. وهذه النظرية التي نطلق عليها اسم «نظرية الدخل الشرعي» هي في الواقع أصل وأساس العديد من نظرياته في قضية الربا المصرفي.
وقد أشار إلى هذه النظرية في مناقشاته حول فلسفة تحريم الربا في كتاب «اقتصادنا»، لكنه في نقد بعض الحلول العملية لإزالة الربا من النظام المصرفي وكذلك في النموذج المقترح للبنك الخالي من الربا في كتاب «البنك اللاربووي»، قدم آرائه دون الإشارة إلى النظرية. في هذه المقالة، سنُظهر من خلال إعادة قراءة أفكاره أن نموذج البنك الخالي من الربا العملي قد بُني على أساس هذه النظرية.
نظرية الدخل الشرعي
نظرية الدخل الشرعي هي نظرية قدمها الشهيد الصدر لتفسير العلاقة بين الدخل والعمل، ويرى أن تحريم الربا يستند إلى هذا القاعدة السلبية. لفهم هذه النظرية بشكل أفضل، من الضروري التعرف على بعض أفكاره حول أنواع الثروة وكيفية توزيعها. فيما يلي نُشير بشكل منسجم إلى مباحثه الأساسية حول هذه النظرية (المنتشرة في كتاب «اقتصادنا»).
من المسائل المهمة التي اهتم بها الشهيد الصدر في كشف وتفسير النظام والمدرسة الاقتصادية الإسلامية هي مسألة الثروة والعمل وعلاقتهما. فهو يقسم الثروة إلى قسمين.
الثروة الأولية أو الثروة المنتجة التي تشمل الأرض والموارد الأولية (المواد الطبيعية) والأدوات اللازمة لإنتاج السلع؛ والثروة الثانوية أو الثروة المنتجة التي تشمل جميع السلع والدخول التي تم الحصول عليها باستخدام الثروة الأولية (صدر، ١٤١٧: ٤١٣). ومن خلال دراسة نظرية توزيع الثروة قبل الإنتاج ونظرية توزيع الثروة بعد الإنتاج، سعى للإجابة على سؤال: ما هو الأساس الذي يُبنى عليه تحقيق الملكية أو الحقوق الخاصة بالنسبة لهذه الثروات قبل وبعد الإنتاج؟
ويُظهر في أبحاثه أن معيار إنشاء الملكية أو الحقوق الخاصة هو «العمل»، أي أن الملكية أو الحقوق الخاصة على الموارد الأولية في مرحلة ما قبل الإنتاج مشروطة بأداء »العمل« عليها (صدر، ١٤١٧: ٥٠٢ و ٥٠٥). وكذلك فإن مصدر الحصول على الدخل الشرعي والقانوني للشخص بعد إنتاج المنتج هو عمله (صدر، ١٤١٧:٥٨٦). ويستند في تأييد هذه النظرية إلى الأحاديث والفتاوى التي نشير إلى بعضها.
ورد عن الإمام الكاظم (ع) قوله: «الأراضي المفتوحة تُعتبر وقفاً وتُمنح لمن يجتهد في عمرانها» (کلینی، ١٤٠٧، ج ٥: ٤٤). وفقاً لبعض الروايات، إذا استأجر شخص منزلاً بمبلغ معين، لا يجوز له تأجيره بمبلغ أعلى إلا إذا قام بعمل مفيد فيه (حر عاملی، ١٤٠٩، ج ١٩: ١٣٠)، وكذلك في الروايات يُنهى عن قبول عمل مقابل مبلغ ثم التنازل عنه بمبلغ أقل دون أداء العمل، وتحقيق الربح من ذلك (حر عاملی، ١٤٠٩، ج ١٩: ١٣٣).
وكذلك وفقاً لفتاوى الفقهاء، فإن من يُحيي الأرض البور يحصل على حق الأولوية فيها (طوسی، ١٣٨٧، ج ٢: ٢٩)، ويصبح الشخص مالكاً للماء المستخرج من البئر، لكنه لا يصبح مالكاً لمصدر البئر (عاملی، ١٤١٠، ج ٧: ١٨٦). وقد اعتبر الشهيد الصدر هذه الروايات والأحكام في إطار نظريته، وعرّف النظرية بأنها مستمدة منها.
وفي شرح نظريته، بيّن أن ليس كل عمل يؤدي إلى تحقق الملكية الخاصة، وفي سياق بحثه عن توزيع الثروة قبل الإنتاج، قسم العمل إلى عمل اقتصادي وغير اقتصادي، واعتبر أن العمل الاقتصادي فقط هو الذي يسبب الملكية الخاصة (صدر، ١٤١٧: ٥١٠).
ويُقسم العمل الاقتصادي عنده إلى نوعين: النوع الأول هو العمل الذي يهدف إلى الاستفادة من المنافع الموجودة في الثروات الطبيعية، والنوع الثاني هو العمل الذي يهدف إلى خلق إمكانيات جديدة للاستفادة. ففرص الاستفادة من الثروة نوعان؛ إما فرص موجودة يستغلها الشخص بعمله لمصلحته، مثل جمع الحطب من الغابة ونقل الحجارة من الصحراء، مما يؤدي إلى ملكية الشخص للحطب والحجارة، أو فرص جديدة يخلقها الشخص بعمله، مما يهيئ المجال لاستفادة جديدة من الموارد الموجودة، مثل إحياء الأراضي الميتة حيث يخلق الشخص بمعماره للأرض وضعاً جديداً للاستفادة منها (صدر، ١٤١٧: ٥٢٧)، ويمكن أيضاً ذكر صيد أسماك البحر كمثال على خلق فرص جديدة، إذ إن الأسماك تتمتع بدرجة من المقاومة الطبيعية للاستفادة، لذا فإن صيدها يخلق فرصة جديدة للاستفادة (صدر، ١٤١٧: ٥٢١).
كما ذُكر، في بحث توزيع الثروة بعد الإنتاج، يعتبر الشهيد الصدر العمل منشأ الدخل. ومن وجهة نظره، إن الدخل يقوم على أساس العمل المنفق: «الكسب يقوم علي اساس العمل المنفق»، والدخول الناتجة عن غير العمل ليست قانونية ولا شرعية (صدر، ١٤١٧: ٥٨٨).
في الحقيقة، هذه النظرية لها جانب إيجابي وآخر سلبي. من الجانب الإيجابي، الدخل صحيح وقانوني فقط إذا كان ناتجاً عن العمل، ومن الجانب السلبي، كل دخل لم يُكتسب من العمل يُعتبر غير قانوني. والنقطة المهمة التي يؤكد عليها هي أن تحريم الربا مرتبط بالجانب السلبي لهذه القاعدة، ويعتبره من أهم نتائجها؛ لأن صاحب المال في الربا يطالب المقترض بفائدة زائدة على رأس المال دون استناد إلى أي عمل اقتصادي، وبالتالي فإن الربا يعد من أمثلة الدخل الناتج عن غير العمل، وهو غير جائز (صدر، ١٤١٧: ٥٧٥ و ٥٩٤).
وكما بيّن في نظرية التوزيع قبل الإنتاج نوع العمل الذي يكون منشأ الملكية على الثروات الأولية، فقد بيّن في نظرية التوزيع بعد الإنتاج نوع العمل الذي يكون منشأ الدخل القانوني، ويفصله إلى نوعين. النوع الأول هو العمل المباشر أو الفعلي، وهو الأعمال التي تُنشأ بالتزامن مع نشاط العامل، ويبدأ وينتهي في فترة زمنية محددة. هذا النوع من العمل يُستغل بالتزامن مع نشاط صاحبه ويعود نفعه إلى صاحب العمل، مثل العامل أو الأجير الذي يُوظف لعمل معين، وبعد انتهاء العمل يطالب بأجره من صاحب العمل؛ والنوع الثاني هو العمل المخزون أو العمل المحفوظ، وهو منفصل عن صاحبه وقد تم إنشاؤه في الماضي، لكنه مخزن في صورة أداة إنتاج أو سلعة معينة، وبعد أن يدخل في عملية الإنتاج أو الاستفادة، تُستغل منافعها تدريجياً من قبل المستخدم وتُستهلك. جواز تأجير المسكن قائم على الجانب الإيجابي من القاعدة وهو من نوع العمل المخزون. فصاحب المنزل يمكنه تأجير منزله والحصول على أجرة الإيجار، لأن المنزل هو تجسيد لعمل تم في الماضي، ومع انتفاع المستأجر بالمسكن يُستهلك تدريجياً. ولهذا يمكن لصاحب المنزل أن يطلب أجرة من المستأجر مقابل استهلاك المنزل (الذي هو عمل متجسد) (صدر، ١٤١٧: ٥٩٠).
نظرية الدخل القانوني كانت من بين أهم الأفكار الاقتصادية للشهيد الصدر التي أثرت على بقية أفكاره الاقتصادية، ومن ثم فقد تم الاستناد إليها صراحة أو ضمنًا في تحليل القضايا الاقتصادية واستنباط أحكامها، لا سيما في الجزء المتعلق بمسائل الربا. يمكن ملاحظة أثر هذه النظرية بوضوح في كتاب البنك اللاربوي، الذي رغم عدم ذكره لهذه النظرية صراحة، إلا أن تأثيرها في استنباط الأحكام واتخاذ المواقف في العديد من المسائل الفقهية الواردة فيه ظاهر. في ما يلي، سنعرض أهم نظريات الشهيد الصدر استنادًا إلى نظرية الدخل القانوني. يمكن تقسيم هذه النظريات ضمن ثلاثة عناوين: نقد أدلة مؤيدي الربا، نقد طرق تحويل الفائدة البنكية إلى ربح حلال، ونموذج البنك بدون ربا.
أ) نظرية الدخل القانوني ونقد أدلة مؤيدي الربا
من القضايا المهمة في مسألة الربا، أدلة مؤيدي الربا على وجوب وضرورة الربا، خصوصًا في فكر النظام الرأسمالي. في هذا الفكر، يُذكر الربا على أنه ثمن المخاطرة، وثمن الامتناع عن الانتفاع، وأجرة رأس المال، وفارق القيمة الحالية والمستقبلية لرأس المال، ويُستدل على ضرورة وجود الربا تحت هذه العناوين. الشهيد الصدر تناول هذه الأدلة بالنقد والدراسة. والاعتماد والتمسك بنظرية الدخل القانوني في نقد هذه الأدلة من أبرز سمات فكر الشهيد الصدر.
الربا ثمن المخاطرة
من الأمور التي استند إليها أنصار الفائدة لإثبات ضرورة الربا، المخاطرة التي يتحملها صاحب المال عندما يضع ماله في يد آخر.
هذه المخاطرة تنشأ من احتمال عدم إعادة مبلغ القرض. وهم يرون أن الشخص يمكنه أن يأخذ فائدة مقابل هذه المخاطرة. في الحقيقة، الربا والفائدة مقابل المخاطرة التي يتحملها المقرض (صدر، ١٤١٧: ٦٠٣).
لكن من منظور الإسلام، المخاطرة ليست مصدرًا للدخل ولا ترخص نظريًا لأي نوع من أنواع الدخل القانوني (صدر، ١٤١٧: ٦٠٤). وفقًا لنظرية الدخل القانوني، لا يمكن أن تكون مخاطرة المقرض مصدرًا للدخل، لأنه كما تقدم، يجب أن يكون مصدر الدخل إما عمل مباشر أو عمل مخزون ومخزن، والمخاطرة لا تملك ذلك، ومن ثم فهي ليست مولدة للدخل. بمعنى آخر، لأن المخاطرة ليست عملًا، فهي ليست مولدة للدخل.
بالطبع يجب الاعتراف بأن التغلب على الخوف له أهمية أخلاقية كبيرة، لكن هذا لا يعني أن نعطي للمخاطرة قيمة اقتصادية؛ لأن المخاطرة ليست سلعة أو رأس مال يمكن عرضه على الآخرين ومطالبة ثمنه، ولا هي عمل يُنفذ على مادة ليُطالب بحق التملك عليها أو بأجرة مقابله، بل هي حالة نفسية يقوم فيها الشخص بعمل يخشى عواقبه.
نعم، إذا أدى هذا العمل المحفوف بالمخاطرة إلى إنتاج سلعة أو خدمة مفيدة، فإن هذه السلعة أو الخدمة هي التي تصبح مصدرًا للدخل، وليس المخاطرة بحد ذاتها مولدة للدخل. على أي حال، هذا الشخص هو الذي اختار الطريق المحفوف بالمخاطرة بإرادته الحرة، وقبل احتمال الخسائر المحتملة، وحتى لا تتجسد هذه الإرادة في شكل عمل ملموس على مادة، لا يمكن تحديد قيمة مادية لها ومطالبتها كثمن للمخاطرة (صدر، ١٤١٧: ٦٠١).
بعيدًا عن عدم جدوى المخاطرة، أساسًا في القرض لا توجد مخاطرة متوجهة إلى المقرض.
والتوضيح أن رأس مال المقرض مضمون في كل الأحوال، والمقترض ضامن لإعادة المبلغ، والخطر الذي يُعتبر في هذا الفكر مبررًا للربا لا يقع على المقرض. في الحقيقة، أفضل طريقة لمواجهة خطر عدم إعادة القرض هي الرهن والضمان التي وضعها الإسلام، وليس الربا والفائدة التي قال بها أتباع الفكر الرأسمالي (صدر، ١٤١٧: ٦٠٤).
بعبارة أخرى، مقابل الخطر يجب أن يكون هناك ما يزيل هذا الخطر، مثل الرهن، لكن الفائدة لا تملك هذه القدرة، بل هي نفسها معرضة لنفس الخطر والمخاطرة.
الربا ثمن الامتناع عن الانتفاع
من الأسباب الأخرى التي ذُكرت لتبرير الربا، امتناع صاحب المال عن استهلاك ماله. وفقًا لهذا الرأي، الفائدة هي مكافأة هذا الامتناع عن الاستهلاك والحالة الانتظارية التي يمر بها المقترض حتى موعد سداد القرض. في الواقع، كما أن المخاطرة تُعتبر مبررًا لأخذ الربا، فإن امتناع صاحب المال عن الاستفادة واستهلاك ماله يجيزه أن يحدد ثمنًا لهذا الامتناع ويطالبه من المدين. بالاستناد إلى نظرية الدخل القانوني للشهيد الصدر، هذا الرأي يواجه إشكالًا أيضًا، لأن المدين في موعد محدد يعيد قرضه، وفي هذه الأثناء لم يقم صاحب المال بأي عمل اقتصادي ليكون مصدرًا للدخل القانوني (صدر، ١٤١٧: ٦٠٥).
في شرح هذا النقد يمكن القول إن الامتناع عن الانتفاع، مثل المخاطرة، لا يمتلك صفة السلعة أو رأس المال بحيث يُطالب مقابله بثمن، ولا هو عمل له وجود مادي خارجي ويتجسد في مادة ما، ليُطرح حق الملكية على تلك المادة أو مطالبة الأجرة مقابل ذلك العمل، بل هو حالة نفسية تدفع الشخص إلى الامتناع عن الاستهلاك، ورغم أنه قد يكون ذا قيمة أخلاقية في بعض الظروف، إلا أنه لا يمكن أن يُعطى قيمة اقتصادية أو منفعة مالية. ونتيجة لذلك، فإن الاستدلال المذكور لتبرير الربا، مع الأخذ في الاعتبار نظرية الدخل القانوني، غير صحيح.
الربا إيجار رأس المال
يرى بعضهم أن الفائدة هي إيجار رأس المال الذي يقدمه المقرض للمقترض لفترة محددة، محرماً نفسه من منافع ذلك. من وجهة نظر هذه المجموعة، المال هو رأس مال وأحد عوامل الإنتاج، والربا والفائدة على رأس المال تُعتبر تكلفة إيجار المال ورأس المال.
رداً على هذا الادعاء، من أهم القضايا التي طرحت في مجال تحريم الربا والتي اهتم بها الشهيد الصدر، سبب جواز الدخل الناتج عن إيجار الأرض أو أدوات الإنتاج، وفي الوقت نفسه تحريم الدخل الناتج عن إقراض رأس المال. يربط الشهيد الصدر في تفسير الفرق بين هذين الأمرين بالنظرية الأساسية المذكورة سابقاً حول الدخل القانوني. من وجهة نظره، الدخل الناتج عن تأجير أدوات الإنتاج أو الأرض يقع ضمن مفهوم إيجابي للنظرية المذكورة، لأن المستأجر باستخدام أدوات الإنتاج أو الأرض يستهلك فعلياً جزءاً من العمل المخزون فيها، ومن ثم يمكن اعتبار الدخل الذي يحصل عليه صاحبها أجرة عمل سابق مخزون يتم استهلاكه بواسطة المستأجر. وهذا في حين أن الدخل الناتج عن ملكية رأس المال النقدي (الربا) ليس كذلك ولا يستند إلى أي عمل اقتصادي. فعلى عكس الانتفاع من أدوات الإنتاج الذي يستلزم استهلاك العمل المخزون فيها، فإن الانتفاع من رأس المال النقدي بحد ذاته لا يؤدي إلى استهلاك النقد، وبعد انتهاء مدة القرض يعود المبلغ إلى صاحبه (صدر، ١٤١٧: ٥٩٥ و605). إذن، الفرق بين إيجار الأرض وإيجار المال في القرض (الربا)، حيث الأول جائز والثاني غير جائز، يتعلق بالاستناد أو عدم الاستناد للدخل الناتج إلى عمل مباشر أو مخزون، وهو مصدر خلق الدخل القانوني.
الربا فرق القيمة الحالية والمستقبلية لرأس المال (القيمة الزمنية للنقود)
قال بعضهم في تبرير الربا إنه الفرق بين القيمة الحالية والقيمة المستقبلية لرأس المال. من وجهة نظر هذه المجموعة، الزمن يغير قيمة رأس المال، فإذا أُعير مبلغ لفترة معينة، وإذا استُعيد في نهايتها نفس المبلغ دون زيادة، فإن قيمته ستكون أقل مما دفعناه. لذا يمكن مطالبة زيادة لتعويض هذا النقص.
نظرية «بوم باورك» المعروفة بنظرية الصرافة أو ميزة الزمن تقول: سبب وجود الفائدة هو أن الإنسان يفضل السلع الحالية على السلع المستقبلية، لذا فإن المنتجات الحالية لها قيمة أكبر الآن من نفس المنتج في المستقبل، ويجب أن تزيد السلع الموجودة في المستقبل بما يكفي لتعويض الفرق بين القيمة الحالية والمستقبلية. ويسمى هذا الفرق معدل الفائدة الطبيعي (رجایی، ١٣٧٢: ٣). من وجهة نظر هذه المجموعة، للزمن دور حاسم في الفرق بين سعر السلعة الحالية وسعر السلعة المستقبلية. وفقاً لهذا الرأي، سعر وقيمة دينار في الوقت الحاضر أكبر من دينار في المستقبل. لذلك إذا أقرض شخص مبلغاً في السنة الحالية لآخر، فعليه في السنة القادمة أن يحصل على مبلغ زائد ليحصل على نفس القيمة التبادلية، لتعويض انخفاض القيمة التبادلية (صدر، ١٤١٧: ٦٠٥). النقطة الأساسية في هذا التبرير هي أولوية أو قيمة الزمن للنقود. ومن الضروري التنويه إلى أن مناقشة القيمة الزمنية للنقود التي استند إليها مؤيدو الربا في هذا الجانب تختلف عن مناقشة التضخم وانخفاض القوة الشرائية للنقود. وفقاً للقيمة الزمنية للنقود، النقود الحالية لها قيمة أكبر من النقود المستقبلية، حتى لو لم يكن هناك تضخم في الاقتصاد. السبب في ذلك هو أن النقود الحالية لديها القدرة على الدخول في أنشطة مربحة وزيادة قيمتها. بمعنى أن الشخص يمكنه مثلاً استثمار مئة وحدة نقدية يمتلكها الآن في نشاط اقتصادي ويحقق في نهاية العام عشرة وحدات ربح، بينما مئة وحدة نقدية سيحصل عليها في العام القادم ولم تصل بعد إلى يده، لا يمكنها الدخول في الاقتصاد وتحقيق ربح. لذلك يُقال إن مئة وحدة نقدية حالية لها قيمة أكبر من مئة وحدة نقدية مستقبلية. وتسمى هذه القيمة القيمة الزمنية للنقود التي لا علاقة لها بالتضخم. وتبرز أهمية هذه النقطة التي غفل عنها البعض عندما نعلم أن الشهيد الصدر في كتابه «الإسلام يقود الحياة» يرى تعويض انخفاض قيمة النقود الناتج عن التضخم ضرورياً ولا يعتبره من مصاديق الربا (صدر، ١٤٠٠: ٢٠٩).
أما تبرير الربا بالاستناد إلى القيمة الزمنية للنقود فهو باطل أيضاً، بالنظر إلى نظرية الدخل الشرعي للشهيد صدر؛ لأن وفق هذا التبرير، يُعتبر الفائدة من ضمن الدخل الذي ينشأ عن عامل الزمن وليس من عمل مباشر أو مخزون. أي أن الزمن هو الذي يسبب اختلاف السعر والقيمة التبادلية لسلعتين ورأس مال في زمنين مختلفين وليس العمل. ومن وجهة نظره، ينبع هذا الاستدلال الخاطئ من أن الإسلام (على عكس النظام الرأسمالي) لا يمنح العديد من العوامل المؤثرة في القيمة التبادلية وسعر السلعة، مثل الزمن، نصيباً من المنتج؛ بل بناءً على نظرية التوزيع بعد الإنتاج، فإن مالك المنتج هو عامل العمل، وهذا العامل ملزم بدفع أجر بقية عوامل الإنتاج (صدر، ١٤١٧: 606).
ب) نظرية الدخل الشرعي ونقد الحلول المقترحة لتحويل الفائدة البنكية إلى ربح حلال
في كتاب البنك اللاربوي، تناول الشهيد صدر شرحاً ونقداً لبعض الحلول المحتملة لتحويل الفائدة البنكية إلى ربح حلال (صدر،١٤٢٦: ١٦٤). وقد رفض هذه الحلول وقدم بنفسه أساليب عملية مناسبة ضمن مناقشة نموذج المصرفية بدون ربا. في هذا القسم سنشير إلى حلّين ونقدهما وفق نظرية الدخل الشرعي.
تحويل القرض إلى الجعالة
نظراً لأن الربا هو زيادة تُشترط مقابل المال المقترض، فإن أحد طرق تحويل الربا إلى ربح حلال هو أن تكون الزيادة التي تُستلم ليست مقابل المال المقترض، بل مقابل عمل الإقراض نفسه. والشرح أن القرض يتضمن عنصرين أساسيين: المال المقترض وعمل الإقراض. الربا هو زيادة تُشترط مقابل المال المقترض (خمینی، ٥١٠:١٣٧٩). لذلك، إذا كانت الزيادة ليست مقابل المال المقترض بل مقابل عمل الإقراض نفسه كعمل صادر عن المقرض، فإن القرض يخرج عن كونه ربويًا ولا يواجه مشكلة شرعية. لتحقيق ذلك، يمكن الاستفادة من عقد الجعالة؛ بحيث يعلن المقترض جعالة بأنه إذا أقرضه أحد مبلغاً، فإنه سيدفع مبلغاً كجعل مقابل عمل الإقراض.
لكن هذا الحل يواجه مشكلتين، صغرى وكبرى. من الناحية الصغرى، الاعتقاد العقلائي هو أن الزيادة في هذه الحالة تكون مقابل المال المقترض وليس مقابل عمل الإقراض؛ لذلك، من وجهة نظر العرف، تُعتبر هذه الجعالة مجرد لفظ ولا وجود لحقيقة أو واقع وراءها يمكن أن يكون موضوع نية العقد (صدر، ١٤٢٦: ١٦٩).
أما من الناحية الكبرى، وبافتراض قبول أن الطرفين، بغض النظر عن الاعتقاد العقلائي، قد قصدوا هذه الجعالة وأن الجعل وُضع مقابل عمل الإقراض نفسه، فإن المسألة تواجه إشكالاً وفق نظرية الدخل الشرعي؛ فالجعالة تتكون من جزأين: الجزء الأول هو الأمر الخاص أو العام بأداء عمل معين يصدر من الجاعل، وهذا الجزء هو معيار ضمان التعويض عن العمل ويثبت أصل الضمان بسبب هذا الأمر؛ والجزء الثاني هو تحديد الجعل ومبلغ معين مقابل أداء ذلك العمل، وهذا الجزء يحدد مقدار الضمان. وبناءً عليه، فإن استحقاق الجعل في الجعالة يكون بسبب ضمان العمل الذي أمر به الجاعل. في الحقيقة، الجعل هو ثمن العمل الذي يُنجز بناءً على طلب الجاعل، والجاعل ضامن له. وهذا الضمان، كما هو موجود في الأموال، هو في الواقع ضمان في الأعمال، وبما أن أصل الضمان في الجعالة هو الأمر بالعمل، فلا بد أن يكون العمل موضوع الأمر ذا قيمة في ذاته وله أجر مثيل، مثل الأمر بالخياطة أو التجميل وما شابه.
وبناءً عليه، فإن الجعالة على عمل الإقراض غير صحيحة، لأن عمل الإقراض من وجهة نظر العقلاء لا يمتلك مالاً ولا قيمة زائدة على المال المقترض. وبافتراض أن مال القرض مضمون بعقد القرض، فلا منطق لعقلاء أن يُتصور ضمان آخر لعمل الإقراض نفسه (صدر، ١٤٢٦: ١٧٠). في الواقع، كان الشهيد صدر في هذا النقد ملتزماً بنظرية الدخل الشرعي، ولأنه لا يعتبر عمل الإقراض من الناحية العقلائية عملاً اقتصادياً ذا قيمة زائدة على المال المقترض، فإنه لا يراه مبرراً لكسب الدخل.
تحويل القرض إلى بيع هو أحد الحلول المحتملة الأخرى لتحويل الربا إلى ربح حلال، وهو بيع النقود، وقد رفضه الشهيد صدر أيضاً. والشرح أن الفتوى المشهورة لدى الإمامية هي أن النقود ليست من معدودات الربا (حلی، ١٤١٤، ج ١٠: ٩٢)، وإذا لم تكن النقود ذهباً أو فضة (مثل الأوراق النقدية الحالية) فهي ليست موزونة أو مكيلة وتُعتبر معدوداً، فلا حرام في الربا المعاملي فيها، ويمكن بيع مبلغ أقل منها بمبلغ أكبر.
لذا يمكن للبنك بدلاً من إعطاء قرض ربوي أن يبيع نفس المبلغ بثمن أعلى بالتقسيط. وبهذا يصل البنك بالبيع إلى الهدف الذي كان يريده من خلال القرض الربوي. كما أن البنك، لمنع تأخير العميل في دفع المبلغ المتفق عليه، يشترط ضمن عقد البيع أن يدفع مبلغاً إضافياً للبنك عن كل شهر يتأخر فيه الدفع، وهذا الشرط، لأنه ليس ضمن عقد القرض ولا مقابل أجل، بل هو بحكم البيع وضمنه، فلا إشكال شرعي فيه.
لا يجيز الشهيد صدر هذا النوع من البيع، لأن الرأي السائد في العرف هو أن هذا الفعل قرض ربوي، وفي الواقع لا يقصد المتعاملون في بيع النقود إلا القرض الجدي، وإنشاء البيع في هذه الحالة هو مجرد تغيير لفظي للقرض مع إرادة معناه، وهو ما لا يؤثر في تغيير ماهية القرض. أما الإشكال الثاني، فهو أنه مع افتراض إمكانية الإرادة الجدية للبيع، فإن دائرة القرض في نظر العرف تمتد إلى حد اعتبار مثل هذه المعاملات، التي رغم تحققها على أساس عقد البيع، داخلًا في القرض، وتطبق عليها أحكام القرض (ومنها عدم الزيادة)، لأن القرض وفقًا للعرف والعقل هو تحويل مال مثلي خارجي إلى مثله في الذمة، وهذا المعنى موجود في بيع النقود بالتقسيط (صدر، 1426: 176).
يمكن تفسير هذا الأمر بناءً على نظرية الدخل القانوني بأن الدخل الناتج عن بيع النقود بالتقسيط هو دخل غير ناتج عن عمل، ويُطبق عليه حكم الربا الذي هو التحريم. في الحقيقة، لا يؤدي التغيير الشكلي لعقد القرض إلى عقد بيع إلى جواز الدخل الناتج، لأن هذا التغيير الشكلي لا يحقق عملاً فعليًا يمكن أن يكون مصدرًا للدخل. وهذه النقطة مهمة لأنها توضح أن مجرد تغيير شكل العقود، ما دام لا يؤدي إلى تغيير جوهري فيها ولا يكون مصدرًا لعمل اقتصادي، لا يحقق دخلًا للبنك أو غيره.
ج) نظرية الدخل القانوني ونموذج البنك بدون ربا
في النموذج المقترح من قبل الشهيد صدر، خلافًا للطريقة المعتادة التي تُدرس فيها قضايا تجميع الموارد (الإيداع) بشكل مستقل عن قضايا تخصيص الموارد (منح التسهيلات)، تُطرح هاتان القضيتان معًا. والسبب في ذلك أن الشهيد صدر يعتبر تجميع وتخصيص الموارد البنكية جزءين من عملية واحدة متكاملة. في نظره، تجميع وتخصيص الموارد يتمان ضمن علاقة المضاربة بين المودعين والمستثمرين، وبواسطة البنك، وهما مكملان لبعضهما البعض (صدر، ١٤٠١: ٢٥)، ويبدو أن هذا الأسلوب متأثر أيضًا بنظرية الدخل القانوني التي سيتم شرحها لاحقًا.
بعد ذكر هذه النقطة، سنعرض تفاصيل نموذجه مع التركيز على نظرية الدخل القانوني في كلا الجزأين: تجميع وتخصيص الموارد.
إزالة الربا من قسم الودائع
من أهم أنشطة البنوك هو تجميع الموارد. تقوم البنوك لهذا الغرض بقبول ودائع الناس. تُقسم الودائع البنكية بشكل عام إلى ثلاثة أنواع: الودائع الجارية، وودائع التوفير، والودائع لأجل. الخاصيتان المشتركتان في هذه الودائع، اللتان تؤثران في تحديد طبيعتها، هما: أولًا، أن هذه الأموال توضع تحت تصرف البنك، ويجوز للبنك التصرف فيها كما يشاء؛ ثانيًا، أن البنك يضمن إعادة هذه الأموال، فإذا فقد المال لأي سبب، يكون البنك ملزمًا برده، حتى وإن كان قد تقصير في حفظه (موسویان، ١٣٨٦، ١٥). وبالنظر إلى هاتين الخاصيتين ومقارنتها بتعريف القرض، يمكننا أن نستنتج أن هذه الودائع هي قروض. وفقًا لتعريف الفقهاء، القرض هو تمليك الآخر بشرط ضمان مثل أو قيمته (خمینی، ١٣٧٩: ٥٠٨). وقد أكد الشهيد آية الله صدر أيضًا على كون الودائع قروضًا (صدر، ١٤٠١: ٨٤). بعد هذه المقدمة، سنناقش أنواع الودائع بالتفصيل.
في الودائع الجارية، يقوم المودع بفتح حساب جاري في البنك ويقرض البنك مبلغًا معينًا، ويمكنه في أي وقت يرغب فيه سحب المبلغ من حسابه واستيفاء قرضه. وبما أن هذه الودائع غالبًا لا تُعطى عليها فوائد، فلا يوجد ربا في هذا النوع من النشاط البنكي. ومن الجدير بالذكر أن أخذ رسوم مقابل الخدمات التي يقدمها البنك لا مانع منه.
في ودائع التوفير والثابتة، يمكن للمودع سحب أمواله في أي وقت من حساب التوفير، أي استيفاء القرض، أما في الودائع الثابتة، فيكون السحب بعد فترة زمنية متفق عليها. البنوك الربوية تدفع فوائد على هذا النوع من الودائع، مما يجعلها ربوية (صدر، ١٤٢٦:٨٤). في المقترح الذي قدمه الشهيد صدر، يُذكر أن هذه العمليات الربوية يجب ألا تتم في البنك بدون ربا.
فيما يخص الودائع لأجل، حيث يلتزم البنك بالإضافة إلى ضمان إعادة أصل الوديعة بدفع فائدة للمودعين، يقترح الشهيد صدر أن يتم هذا الإجراء ضمن عقد المضاربة. في هذا الاقتراح، يقوم المودعون بإيداع ودائعهم في البنك بدون ربا ليتم استخدامها وفقًا للمضاربة وبواسطة البنك. في هذه العلاقة، يشكل المودعون كمضاربين والمستثمرون (عملاء البنك) كأصحاب العمل طرفي المضاربة الرئيسيين.
في هذا السياق، يتولى البنك كوكيل للمودعين مهمة إبرام عقد المضاربة مع العامل والقيام بجميع الأمور المتعلقة بتسجيل هذا العقد وتوثيقه. وربما يطلب البنك مقابل هذه الخدمات رسومًا من كل من المودع والعميل. وبما أن البنك في هذه المضاربة يلعب دور الوسيط ووكيل المالك في التنفيذ والرقابة، يمكنه باتفاق الطرفين أن يحتسب لنفسه حصة من الأرباح كأجرة. وهذه الحصة التي يستحقها البنك من الأرباح يمكن تبريرها ضمن إطار الجعالة، وهي الرسوم التي يخصصها المودع للبنك لتنفيذ عقد المضاربة والرقابة عليه (صدر ١٤٢٦: ٢٠٥).
مع الشرح أعلاه، يتضح التوافق الكامل بين آرائه في مسألة حذف الربا من الودائع، وبين نظرية الدخل الشرعي. فقد أباح أخذ الأجر لقاء فتح الحساب في أنواع الودائع المختلفة، مع مراعاة الخدمات التي يقدمها البنك في هذا المجال، كما أباح أخذ الأجرة مقابل إبرام عقد المضاربة مع العامل وسائر الأمور المتعلقة بتسجيل وتوثيق هذا العقد في الودائع لأجل (التي يكون البنك وسيطًا بين الطرفين)؛ أي أن البنك يحصل على دخل مقابل العمل الذي قام به، وهذا يتوافق مع الاتجاه الإيجابي للنظرية. كما أن الأرباح التي يدفعها البنك على ودائع التوفير ربوية؛ لأن المودعين قد وضعوا المال في البنك كقرض فقط ولم يقوموا بأي عمل يستحقون بموجبه الحصول على الربح، لذا فوفق الاتجاه السلبي للقاعدة، هذا الربح ربا.
حذف الربا من قسم التسهيلات
القرض
واحدة من أهم الأنشطة المصرفية التي يوجد فيها الربا هي إقراض البنك. في هذا النوع من النشاط، الذي يُطلق عليه أيضًا الائتمان متوسط وطويل الأجل، يضع البنك مبلغًا معينًا تحت تصرف العميل ليعيده بعد مدة محددة، إما دفعة واحدة أو على أقساط، مع أصل المال والفائدة.
وفقًا للقوانين المصرفية، تُطرح الخصائص التالية للقرض المصرفي:
١. يقوم البنك بتحويل الأموال المقترضة إلى ملكية الطالب ويكون له الحق في التصرف فيها بأي شكل؛
٢. يلتزم المستفيد من القرض بإعادة أصل القرض وفائدته للبنك خلال فترة زمنية محددة.
وبالنظر إلى هذه الخصائص، تتوفر جميع أركان عقد القرض في القرض المصرفي، وبما أن شرط الزيادة (الفائدة) موجود فيه، فهو قرض ربوي (موسویان،١٣٨٦: ٥٩). ومع ذلك، إذا اشترطت البنوك عند إقراض العملاء أن تأخذ أجرة مقابل كل الأعمال التي يقوم بها البنك لتسجيل القرض والإجراءات اللازمة، وكل التكاليف المرتبطة بالإقراض، فهذا جائز قانونيًا وشرعيًا (صدر،١٤٢٦: ١٥٣)، لأنه يُعتبر وفق الاتجاه الإيجابي للنظرية، والدخل مقابل العمل المنجز، أما طلب فائدة تزيد على الأجرة، فهو ربا وغير جائز وفق الاتجاه السلبي للقاعدة.
الخصم
الخصم هو تحويل الدين طويل الأجل إلى نقد في المعاملات التجارية، حيث يأخذ أصحاب السندات هذه السندات إلى البنك ويطلبون الخصم المصرفي. تقبل البنوك السندات وبعد حساب وخصم الفائدة المستحقة للفترة المتبقية حتى الاستحقاق، تدفع لهم قيمتها.
قدم الشهيد الصدر حلين فقهيين مقبولين للخصم. في الحل الأول، يرى أن هناك ثلاثة عناصر أساسية في الخصم: القرض، التعهد، والتحويل. العنصر الأول هو القرض، حيث يصبح مبلغ الخصم الذي يدفعه البنك للطالب ملكًا له بحكم القرض، وهذا المبلغ هو قرض يمنحه البنك له؛ العنصر الثاني هو التحويل، حيث يحول الطالب البنك إلى مصدر السند، ومن ثم يصبح البنك دائنًا ومصدر السند مدينًا للبنك؛ العنصر الثالث هو التعهد، حيث يتعهد الطالب بدفع السند من قبل مصدر السند، وإذا امتنع المصدر عن الدفع عند الاستحقاق، يمكن للبنك الرجوع إلى الطالب ومطالبته بالمبلغ. في المصرفية الربوية، يطلب البنك فائدة عند تأخر مصدر السند عن الدفع في موعده. من وجهة نظر الشهيد الصدر، المبلغ الذي يخصمه البنك من قيمة السند هو فائدة مقابل القرض الذي منحه البنك للطالب، ولذلك فهو ربا ومحرم. لكن يمكن للبنك أن يأخذ أجرة مقابل الخدمات التي يقدمها، ويخصم هذا المبلغ عند الخصم وتحقيق القرض من قيمة السند. خصم مبلغ أكبر من ذلك غير صحيح ويُعتبر ربا ويجب حذفه (صدر، ١٤٢٦: ١٥٥ – ١٥٣).
في الحل الثاني، يُعتبر الخصم مكونًا من ثلاثة عناصر أيضًا: العنصر الأول هو القرض، حيث المبلغ الذي يأخذه الطالب من البنك هو قرض دفعه البنك له؛ العنصر الثاني هو التوكيل، حيث يوكل الطالب البنك لتحصيل مبلغ السند من الموقع عليه عند الاستحقاق وخصم دينه من المبلغ المحصل. يمكن للبنك أن يأخذ أجرة لتسجيل الدين وتكاليف تحصيله. وفق هذا التفسير، يظل الطالب مدينًا لمصدر السند بعد الخصم، لكنه يجعل البنك وكيلاً له في استيفاء القرض (صدر، ١٤٢٦: ١٥٧).
يرى الشهيد الصدر في هذين الحلين للخصم أن الدخل والأجرة المباحة للبنك هي فقط مقابل الخدمات والأعمال مثل تسجيل وتوثيق المعلومات والسندات القرضية.
الائتمان في الحساب الجاري والائتمان القابل للقبول
فتح الائتمان في الحساب الجاري هو في الواقع وعد بالقرض في المستقبل، حيث يتيح البنك للعميل إمكانية السحب من حسابه في فترة زمنية محددة كلما احتاج. من الناحية الفقهية، يمكن القول: إن البنك بتحديد حد الائتمان في الحساب الجاري وإعلانه لصاحب الحساب، يعلن استعداده لدفع القرض، وعندما يريد صاحب الحساب استخدام هذا الائتمان، يطلب القرض، وبدفع المبلغ المطلوب، يكون البنك قد أقرض صاحب الحساب، وعند السداد يأخذ منه فائدة (موسویان، ١٣٨٦: ١٩). تطلب البنوك الربوية فوائد على هذه التسهيلات، وهذه فوائد ربوية ومحرمات. أما البنك الخالي من الربا، فيلغي هذه الفوائد (صدر، ١٤٢٦: ١٥٤).
دور البنك في الاعتماد المستندي هو في الواقع التزام بدفع دين العميل الذي يستحقه البائع مقابل إصدار البضاعة (موسویان، ١٣٨٦: ٢٠). إذا قام البنك بسداد هذا الدين من رصيد حساب العميل لديه، فيجوز له أن يأخذ أجراً مقابل هذه الخدمة، أما إذا سدد البنك هذا الدين من رأس ماله وأصوله، فإن العميل الذي هو المستورد للبضاعة يصبح مديناً للبنك بنفس المبلغ. المبلغ الذي دفعه البنك هو في الواقع قرض قدمه البنك له. في هذه الحالة، يأخذ البنك بالإضافة إلى الأجر مبلغاً يزيد على أصل القرض، ويعتمد مقدار هذا المبلغ على مدة السداد من قبل البنك ووقت استرداده من العميل (صدر، ١٤٢٦: ١٣٣).
لذا فإن الدخل الذي يحققه البنك نوعان: أولاً، الأجر الذي يأخذه من العميل مقابل فتح الاعتماد المستندي والتواصل مع البائع والقيام بالأعمال المتعلقة به.
إن تحصيل هذه الأجور في إطار القاعدة الإيجابية لا يشكل مشكلة وهو جائز؛ وثانياً، الدخل الذي يتلقاه البنك كفائدة، وهذا المبلغ هو فائدة ربوية ومحرم، ولا ينبغي للبنك أن يأخذ هذه الزيادة من العميل بدون ربا.
الخلاصة
وفقاً لرأي الشهيد الصدر، فإن نظرية الدخل الشرعي كواحدة من الأسس النظرية للنظام الاقتصادي الإسلامي، كانت محل اهتمام الشارع في تأسيس وتشريع الأحكام الاقتصادية الإسلامية، بحيث إن تحريم الربا كأحد أهم التعاليم الاقتصادية الإسلامية يستند إلى هذه النظرية. لذلك يجب في تحليل ودراسة المسائل المتعلقة بالربا، لا سيما في تقديم الحلول العملية لتحقيق بنك بدون ربا، مراعاة هذه النظرية؛ لأنه وفقاً لها، فإن تحقيق أي دخل أو ربح في البنك بأشكال مختلفة وتحت عقود متنوعة، ما لم يكن مستنداً إلى عمل، فهو غير قانوني وغير شرعي. ونتيجة لذلك، فإن استبدال عقد القرض في البنك بعقود البيع أو المضاربة أو الجعالة أو ما شابهها، ما لم يؤد إلى القيام بعمل اقتصادي ذي قيمة، لا يجيز تحقيق دخل أو تلقي أو دفع فائدة، والدخل والربح الناتج إما يكون ربا أو دخلاً غير مستند إلى عمل، وهو غير قانوني وغير شرعي. وبعبارة أخرى، فإن التغييرات الشكلية لتبرير الربا الموجود في المعاملات البنكية، دون الالتفات إلى نظرية الدخل الشرعي، مردودة، ورغم أنها قد تخرج الدخل المحقق من الربوية، إلا أنها غير مستندة إلى عمل، وبالتالي فهي غير قانونية وغير شرعية.
قائمة المراجع
١. ابن البراج (١٤٠٦هـ). المهذب، قم: جمعية المدرسين.
٢. القسم الثقافي لجمعية المدرسين (١٣٧٥). المال والأنظمة النقدية، قم: جمعية المدرسين.
٣. ـــــــــــــــــــــــــ، (١٣٨١). الربا، قم: جمعية المدرسين.
٤. توتونجيان، إيرج (١٣٧٥). اقتصاد المال والمصارف، طهران: بحوث نقدية ومصرفية.
٥. جواهري، محمد تقي (١٤٠٥هـ). الربا فقهياً واقتصادياً، طهران: خيام.
٦. حر عاملي، محمد بن حسن (١٤٠٩هـ). وسائل الشيعة، قم: آل البيت.
٧. حسيني عاملي، محمد (١٤١٠هـ). مفتاح الكرامة، قم: آل البيت.
٨. حلي، حسن بن يوسف (١٤١٤هـ). تذكرة الفقهاء، قم: آل البيت.
٩. خميني، روح الله (١٤١٥هـ). البيع، قم: جمعية المدرسين.
١٠. (١٣٧٩). تحرير الوسيلة، قم: مؤسسة تنظيم ونشر الآثار.
١١. دادگر، يدالله (١٣٨٠). مبادئ فقهية متقدمة في الاقتصاد الإسلامي، كرمانشاه: رازي.
١٢. داوودي، برويز وآخرون (١٣٨٩). المال في الاقتصاد الإسلامي، قم: مركز بحوث الحوزة والجامعة.
١٣. رجائي، محمد كاظم (١٣٧٢). فصلية المعرفة، العدد ٥، قم.
١٤. صدر، محمد باقر (١٤٢٦هـ). البنك غير الربوي، بيروت: مركز الأبحاث.
١٥. ــــــــــــــــــــــــــ، (١٤٠٠هـ). الفتاوى الواضحة، بيروت: مركز الأبحاث.
١٦. ــــــــــــــــــــــــــ، (١٤١٧هـ). اقتصادنا، بيروت: مركز الأبحاث.
١٧. ــــــــــــــــــــــــــ، (١٤٠٠هـ). الإسلام يقود الحياة، بيروت: مركز الأبحاث.
١٨. الطوسي، محمد بن حسن (١٣٨٧). المبسوط، طهران: المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية.
١٩. عاملي، زين الدين بن علي، الشهيد الثاني (١٤١٠ ق). الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، قم: داوري.
٢٠. الكركي، علي بن الحسين (١٤١٤هـ). جامع المقاصد، بيروت: آل البيت.
٢١. الكليني، محمد بن يعقوب (١٤٠٧هـ). الكافي، طهران: دار الكتب الإسلامية.
٢٢. مطهري، مرتضى (١٣٨٩). ملاحظات الأستاذ مطهري، طهران: صدرا.
٢٣. ـــــــــــــــــــــــــ، (١٣٨٠). الربا، البنك والتأمين، طهران: صدرا.
٢٤. مكارم شيرازي، ناصر (١٣٧٦). الربا والمصرفية الإسلامية، قم: أمير المؤمنين.
٢٥. موسويان، سيد عباس (١٣٨٦). المصرفية الإسلامية، طهران: معهد البحوث النقدية والمصرفية.
٢٦. نجفي، محمد حسن (١٩٨١). جواهر الكلام، بيروت: دار الإحياء.
٢٧. هدايتي (د.ت.). العمليات المصرفية الداخلية، طهران: المعهد العالي للمصرفية في إيران.

