ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: فلسفه نظری تاریخ از دیدگاه قرآن (نقد دیدگاه شهید صدر) ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
المؤلف: سید ضیاءالدین میرمحمدی
المصدر: تاریخ پژوهان، ١٣٨۵، العدد ٦
المقدمة
تنقسم الدراسات الفلسفية للتاريخ، نظرًا لاستخدام كلمة التاريخ المختلف والمنهج المعرفي (النوع الأول والثاني)، إلى فرعين معرفيين هما «الفلسفة النظرية أو الجوهرية للتاريخ»[1] و«الفلسفة التحليلية أو النقدية للتاريخ»[2].
الفلسفة النظرية أو الجوهرية للتاريخ هي معرفة من الدرجة الأولى تدرس الظواهر والأحداث التاريخية الماضية بحثًا فلسفيًا بهدف تعريف وتحديد وتنظيم مسار الحركة التاريخية العامة. الفلسفة النظرية للتاريخ تراقب الواقع الفعلي للظواهر التاريخية وتتجاوز العقلانية التي تقوم بها الدراسات التاريخية التقليدية، ساعيةً إلى اكتشاف الجوهر العام والعملية الكلية للحركة التاريخية.[3]
أما الفلسفة التحليلية أو النقدية للتاريخ فهي معرفة من الدرجة الثانية تفحص علم التاريخ والتأريخ بطريقة عقلانية، وتتناول الأبعاد الفلسفية والمنطقية والمعرفية لعلم التاريخ، مقدمة وصفًا وتبريرًا وشرحًا علميًا لعلم التاريخ. تسعى الفلسفة التحليلية أو النقدية للتاريخ إلى اكتشاف وفهم قدرات وضعف علم التاريخ بهدف رفع المستوى النوعي والعلمي لهذا العلم. التحليل الفلسفي للتأريخ والطرق المنطقية والاستراتيجيات العلمية التي تشكل منطق البحث التاريخي هي من مهام الفلسفة التحليلية أو النقدية للتاريخ.[4]
هذان الفرعان المعرفيان من فلسفة التاريخ يختلفان اختلافًا جوهريًا من حيث «موضوع الدراسة» (Object)، و«منهج الدراسة» (Methodology)، و«غاية الدراسة» (teleology)، حيث توجد فروق أساسية في التمييز الموضوعي تشمل التمييز في نوع المعرفة (epistemologic)، التمييز اللفظي، التمييز التصنيفي (typology)، التمييز بين العلم القبلي والبعدي، والتمييز القائم على المسألة.[5]
أما من حيث المنهجية، فإن الفلسفة النظرية أو الجوهرية للتاريخ، بالإضافة إلى استخدام المنهج العقلي، تستفيد من طرق الدراسة المقارنة والتجريبية لآثار الظواهر التاريخية والحضارات، وطرق تقنية الملاحظة للوثائق والأدلة والآثار التاريخية، وهذه الطرق لا تحظى بأهمية في الفلسفة التحليلية أو النقدية للتاريخ.
أما من حيث الغاية، فغاية الفلسفة النظرية أو الجوهرية للتاريخ هي إثبات القوانين الحاكمة للظواهر والتطورات التاريخية، وكذلك إدراك النظام والعملية العامة من حيث النظرة إلى قانونية التاريخ وتركيزه على القانون. أما غاية الفلسفة التحليلية أو النقدية للتاريخ فهي إثبات علمية علم التاريخ، والسيطرة والإدارة العلمية عليه وعلى التأريخ، بحيث يتم التعرف على المبادئ وأسلوب الكتابة العلمية في التاريخ ضمن نظام معرفي منهجي ومنطقي ومنظم.
فلسفة التاريخ في القرآن
في النظر والكتابة التاريخية من وجهة نظر القرآن، يمكن استنباط واستخلاص مبادئ الفلسفة النظرية أو الجوهرية للتاريخ، وحتى مبادئ كبرى من الفلسفة التحليلية أو النقدية للتاريخ. إن منهج القرآن في التاريخ وفلسفة التاريخ (كلا الفرعين المعرفيين) ليس منهجًا مجردًا قائمًا على وصف الأحداث، بل منهج القرآن في الدراسات التاريخية يقدم نموذجًا قائمًا على الحكمة والمنطق التاريخي والمنهج التأويلي والهرمنيوطيقي.[6]
تختلف المبادئ الكبرى للنظر والتأريخ التاريخي في القرآن اختلافًا جوهريًا عن المبادئ الكبرى للتاريخ البشري من حيث المنهج، والأسلوب، والطرائق، وحتى النظرة الكونية التاريخية، حيث توجد فروق جدية مع التاريخ المكتوب من قبل البشر.
في الفلسفة النظرية أو الجوهرية للتاريخ من وجهة نظر القرآن، يمكن الإشارة إلى مبادئ كبرى مثل مبدأ الحرية والإرادة الإنسانية في التاريخ، ومبدأ التقدم والتطور في التاريخ، ومبدأ أصالة العمل في التاريخ.[7]
أما في الفلسفة التحليلية أو النقدية للتاريخ من وجهة نظر القرآن، فيمكن الإشارة إلى مبادئ كبرى في الكتابة العلمية مثل مبدأ الحياد والموضوعية في التاريخ، ومبدأ التوحيد في التاريخ،[8] ومبدأ التركيب في التاريخ[9]، ومبدأ محورية الناس في التاريخ[10].[11]
تفسير وجهة نظر الشهيد الصدر القرآنية
يتناول الشهيد الصدر في دراسة تحليلية للمفاهيم القرآنية نظرية السنن التاريخية في القرآن. الموضوعات والقضايا التي تطرحها نظرية السنن التاريخية هي قضايا تهتم بها الفلسفة النظرية للتاريخ. يرى الشهيد الصدر السنن التاريخية في القرآن كمفاهيم تعبّر عن قانونية التاريخ ومسار حركة التاريخ وغاية هذه الحركة. وفي هذا المجال، يقدم نموذجًا ونمطًا من الفلسفة النظرية للتاريخ بمنهج قرآني.
الهدف من المقال الحالي هو دراسة نقدية لوجهات نظر الشهيد الصدر في مجال الفلسفة النظرية للتاريخ التي طرحها بمنهج ونظرة قرآنية. الميزة الخاصة والعظيمة لنظرية السنن التاريخية من وجهة نظر القرآن هي الابتكار والتجديد في التحليلات وحداثة الموضوع، حيث كان الشهيد الصدر رائدًا في هذا المجال ولم يسبق لأحد قبله أن قدم مثل هذه الأفكار والمحتوى من حيث البناء والخصائص.
حلل الشهيد صدر المسائل المطروحة في مجال فلسفة التاريخ النظري من وجهة نظر القرآن الكريم، تحت عنوان نظرية السنن التاريخية، في ثلاثة محاور كبرى وعامة هي: «بيان بنية وقالب القوانين والسنن التاريخية في القرآن»، «بيان خصائص وصفات القوانين والسنن التاريخية في القرآن» و«صور القوانين والسنن التاريخية في القرآن»، وقد تم نقدها ومناقشتها.
أ) بنية وقالب القوانين والسنن التاريخية في القرآن
من وجهة نظر القرآن، يُدار ويدار ميدان التاريخ الواسع بواسطة قوانين وقواعد وضوابط. في القرآن، يُعبّر عن إدارة المشهد الاجتماعي والتاريخي بواسطة القوانين والسنن التاريخية في ثلاثة بنى وأُطر: كلية، جزئية، كلية-جزئية، وقد حلل الشهيد صدر كل واحدة من هذه البنى والأُطر للسنن التاريخية بشكل منفصل مستندًا إلى آيات القرآن.[12]
١. البنية والأُطر الكلية للقوانين والسنن التاريخية في القرآن
الدلالة العامة ومضمون الآيات ذات الصلة يشير إلى البنية الكبرى للسنن التاريخية والقوانين التاريخية، ويدل على أن للتاريخ من وجهة نظر القرآن قوانين كلية وعامة تُدار وتُحكم بها ساحة التاريخ، وهذه الآيات تُظهر وجود قوانين علمية على التاريخ والظواهر التاريخية. وقد درس الشهيد صدر الآيات التي تدل على هذه البنية الكلية والثابتة في ثلاثة محاور عامة:
المحور الأول: أجل الجماعة العامة
يثبت الشهيد صدر من خلال الآيات المتعلقة بأجل الجماعة والأمة البنية الكلية للقوانين التاريخية.[13]
الآيات التي يستند إليها ويستنبط منها فكرة حكم القانون على التاريخ هي:
لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَئْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ؛ (یونس، آیه ۴٩) لكل أمة أجل، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون.
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَآءَأَجَلُهُمْ لاَيَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَ لاَيَسْتَقْدِمُونَ(اعراف، آیه ٣۴)؛ لكل أمة أجل، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون.
مَاتَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَايَسْتَئْخِرُونَ(مؤمنون، آیه ۴٣)؛ لا تسبق أمة أجلها ولا تستأخر.
الدلالة والمضمون لهذه الآيات يشير إلى أنه بالإضافة إلى الأجل الفردي، هناك أجل جماعي يحكم الأمم والمجتمعات، فالمجتمع والأمة من وجهة نظر القرآن مثل الفرد له حركة وديناميكية، وعندما يفقد هذه الحركة والديناميكية يصاب بالموت والدمار. كما أن موت الفرد تابع لتأثير قانون وسنة، فإن للأمم والمجتمعات أجل وموعد يخضع لقوانين وسنن. الآيات المذكورة بوضوح تدل على نظرية سنة التاريخ وحكم القوانين والسنن على التاريخ.[14]
النقد والمناقشة
يبدو أن استشهاد الشهيد صدر بهذه الآيات لإثبات قانونية التاريخ غير صحيح للأسباب التالية:
أولاً: الآيات المذكورة من حيث النص والظاهر والتضمن تدل على أجل الجماعة والأمة فقط، ولا تدل على أكثر من ذلك، فهي تثبت أصل أجل الأمة والمجتمع فقط؛
ثانيًا: حتى الدلالة المفهومية والالتزامية لهذه الآيات لا تثبت قانونية التاريخ، وعلاوة على ذلك، إذا كان يمكن إثبات قانونية التاريخ بالدلالة الالتزامية، فإن الشهيد صدر لم يقدم أي تفسير أو توضيح في هذا المجال؛
ثالثًا: ربط الشهيد صدر بين أجل الأمة وقانونية التاريخ، ومن أصل أجل الأمة يصل إلى قانونية التاريخ، لكنه لم يوضح هذا المنطق التجريدي؛
رابعًا: خروج الشهيد صدر في هذه الآيات عن موضوع ونطاق نظرية السنة التاريخية في القرآن، لأن قانونية التاريخ وأجل الجماعة والأمة موضوعان تخصصيان منفصلان؛
خامسًا: عدم التوافق والتناسب بين الدليل والادعاء، لأن دليله (أجل الأمة والمجتمع) أعم من ادعائه (قانونية التاريخ).
لذلك، لا يمكن استنتاج نظرية كلية لقانونية التاريخ من حيث البنية والقالب الكلي من الآيات المتعلقة بأجل الأمة والمجتمعات.
المحور الثاني: أصل العقاب الدنيوي
المحور الثاني الذي يستند إليه الشهيد صدر لإثبات بنية وقالب نظرية السنن التاريخية بشكل كلي هو العقاب الدنيوي. فهو يستند إلى الآيات التالية ويدعي أن من وجهة نظر القرآن تحكم القوانين العامة السنن التاريخية:
وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُوالرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً * وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدا؛ (کهف، آیههای ۵٨-۵٩) وربك الغفور ذو الرحمة، لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب، بل لهم موعد لن يجدوا من دونه مولا.
وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدًا.
وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى(فاطر، آیه ۴۵)؛ لو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة، ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى.
في هاتين الآيتين، الحديث عن العقاب الدنيوي، والنتيجة الطبيعية والضرورية للسلوك غير السليم والمشين لجماعة ما هي العقاب الدنيوي؛ أي بالإضافة إلى العقاب الأخروي، يثبت أصل لزوم العقاب الدنيوي للمخلوقات أيضًا. كل هذا منطق التاريخ وسنة التاريخ، وبناءً على هذا المنطق يُصيب المجتمع في الدنيا عذاب بسبب سلوكهم السيئ وتمردهم.[15]
الشهيد صدر يستند إلى الآيات المذكورة أعلاه ويدعي أن التاريخ يخضع لقوانين وسنن كلية تُدار وتُوجه بها الأمور.
النقد والمراجعة
بوجه عام، وبالنظر إلى الأسباب التالية يمكن القول إن مضمون الآيات المذكورة لا يثبت قانونية التاريخ:
أولاً: دلالة ومضمون الآيات من حيث التطابق، النص، وكذلك ظهورها، يثبت أصل لزوم العقاب الدنيوي، ولا يُستنبط منها أكثر من ذلك؛
ثانيًا: هذه الآيات لا تدل حتى دلالة مفهومية أو التزامية على إثبات قانونية التاريخ، وإذا كان مثل هذا الالتزام والدلالة قابلة للإثبات، فإن الشهيد صدر لم يقدم تفسيرًا كهذا للآيات المذكورة؛
ثالثًا: ما العلاقة المنطقية والمفهومية بين إثبات أصل لزوم العقاب الدنيوي وقانونية التاريخ التي استنتجها الشهيد صدر من أصل العقاب الدنيوي؟ بالإضافة إلى ذلك، لم يوضح أو يبين هذه العلاقة؛
رابعًا: الموقف والنزاع في الآيات المذكورة من حيث الدلالة والمضمون هو سنة وقاعدة إلهية، لكن الشهيد صدر يخرج عن محل النقاش التخصصي والموضوعي، لأن النقاش التخصصي حول العقاب الدنيوي لا علاقة له بإثبات قانونية التاريخ والتزامه بالقانون. بالإضافة إلى ذلك، لم يقدم دليلاً على كيفية الانتقال من مقام الثبوت وإثبات أصل وقاعدة إلهية باسم العقاب الدنيوي إلى مقام الثبوت وإثبات قانونية التاريخ؛
خامسًا: رغم أن هذه الآيات تدل على أصل لزوم العقاب الدنيوي، إلا أن إثبات نموذج من القوانين التاريخية من هذه الآيات غير ممكن ليتم تعميمه بواسطة الاستقراء التاريخي.
لذلك، دلالة ومضمون الآيات المذكورة يخرجان عن محل وموضوع نقاش قانونية التاريخ من وجهة نظر القرآن خروجًا تخصصيًا وموضوعيًا.
المحور الثالث: هلاك المجتمعات بسبب طرد الأنبياء
المحور الثالث الذي استند إليه الشهيد صدر لاستخدام القوانين التاريخية من وجهة نظر القرآن في البنية والشكل الكلي هو محور هلاك المجتمعات بسبب طرد الأنبياء. فهو يعتبر الآية التالية دليلًا على البنية العامة والشكل الكلي للسنن التاريخية من وجهة نظر القرآن:
وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الاْءَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَ إِذَا لَا يَلْبَثُونَ خِلَفَكَ إِلَّا قَلِيلًا * سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا؛ (اسراء، آیههای ٧۶-٧٧) وقاربوا أن يثيروك من الأرض ليخرجوك منها، وإذا لم يلبثوا خلفك إلا قليلاً * هذه سنة من أرسلنا من رسلنا قبلك، ولن تجد لسنتنا تبديلًا.
تؤكد الآية الكريمة على هذا المفهوم العام أنه لا تغيير ولا تبديل في سنة الله، وهذه سنة كان عليها الأنبياء السابقون أيضًا. الطرد، الإخراج، المواجهة والمعارضة للأنبياء يؤدي إلى زوال المعارضين وعدم بقائهم طويلًا، والآية الكريمة تطرح إحدى السنن التاريخية.[16]
الشهيد صدر من خلال هذا التفسير يعتبر الآية دليلًا على قانونية التاريخ في البنية والشكل الكلي، ويطرح ويثبت سيادة القانون على التاريخ من وجهة نظر القرآن بناءً على هذه الآية.
النقد والمراجعة
بالنظر إلى الأسباب التالية، فإن استدلاله يستحق التأمل والتدقيق:
أولاً: مدلول ومضمون الآية، مثل الآيات السابقة، لا يظهر ولا يدل على قانونية التاريخ. مدلول التطابق، النص والضمان في الآية يدل فقط على هلاك المجتمعات بسبب طرد الأنبياء، ولا يمكن استخراج أو استنباط أكثر من ذلك؛
ثانيًا: دلالة التطابق في الآية هي عدم التغيير والتبديل في سنة الله، لكن لا توجد علاقة منطقية أو تلازم منطقي بين عدم التغيير في سنة الله وثبوت قانونية التاريخ؛
ثالثًا: الشهيد صدر استنتج من سنة الله في الآية سنة تاريخية، مع أن عدم التغيير في سنة الله لا يعني بالضرورة عدم التغيير في السنة التاريخية أو ثبوت قانون تاريخي، وهذه الاستنتاج يحتاج إلى دليل ومنطق قوي لم يقدمه؛
رابعًا: موضوع النقاش في الآية هو إثبات أصل هلاك المجتمعات بسبب طرد الأنبياء، وهذا الأصل يتنافى موضوعيًا مع نقاش قانونية التاريخ؛
خامسًا: الالتزام الضمني الخارج والدلالة المفهومية للآية لا تدلان على ثبوت قانونية التاريخ، والشهيد صدر لم يثبت ادعاءه من خلال الدلالة الالتزامية أو المفهومية أيضًا.
٢. البنية والشكل النموذجي لقوانين وسنن التاريخ القرآني
الآيات التي تبيّن السنة والقانون التاريخي في شكل نموذجي هي القسم الثاني من البنى والأشكال للسنن والقوانين التاريخية التي يتناولها الشهيد صدر مستندًا إلى الآيات المتعلقة بإثبات القوانين التاريخية من وجهة نظر القرآن.
يفحص ويحلل الشهيد صدر البنية والشكل النموذجي لقوانين التاريخ في ثلاثة محاور وثلاثة أبعاد: سنن الأمم السابقة، عدم الاستثناء في سنة التاريخ، ومواجهة الأنبياء للمنغمسين في اللهو.
المحور الأول: سنن الأمم السابقة
في المحور الأول، يستند الشهيد صدر إلى الآيات التالية التي تدل على وجود السنن في الأمم السابقة، ليثبت السنن والقوانين الحاكمة على التاريخ في شكل نموذجي:
قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الاْءَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ؛ (آل عمران، آیه ١٣٧) قد مضت من قبلكم سنن، فاسيروا في الأرض وانظروا كيف كانت نهاية المكذبين (لآيات الله)؟
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَةِ اللّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ؛ (انعام، آیه ٣۴) قُدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ، وَصَبَرُوا عَلَى تَكْذِيبِهِمْ وَتَحَمَّلُوا الْأَذَى حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا (فَكُنْ كَذَلِكَ)، وَهَذِهِ مِنْ سُنَنِ اللّهِ الَّتِي لَا يُبَدِّلُهَا شَيْءٌ، وَقَدْ وَصَلَتْكَ أَخْبَارُ الْمُرْسَلِينَ.
يَسْتَشْهِدُ الشَّهِيدُ صَدْرُ بِالآيَاتِ السَّابِقَةِ كَدَلِيلٍ عَلَى أَطْرَاقِ وَهَيْكَلَاتِ الْقَوَانِينِ وَالسُّنَنِ التَّارِيخِيَّةِ الَّتِي تُعْبَرُ عَنْهَا بِشَكْلٍ مَثَالِيٍّ، وَيَرَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ تُؤَكِّدُ كُلًّا مِنَ السُّنَنِ وَالْقَوَانِينِ التَّارِيخِيَّةِ وَأَيْضًا عَلَى تَتَبُّعِ وَدِرَاسَةِ الْحَوَادِثِ التَّارِيخِيَّةِ لِاسْتِخْرَاجِ تِلْكَ السُّنَنِ وَالْقَوَانِينِ، الَّتِي كَانَتْ تَسِيرُ عَلَيْهَا الْأَنْبِيَاءُ السَّابِقُونَ وَالنَّبِيُّ الْأُمِّيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
وَيَعْتَقِدُ الشَّهِيدُ صَدْرُ أَنَّ اللّهَ لَهُ رِسَالَةٌ وَكَلِمَةٌ لَا يَطْرَأُ عَلَيْهَا تَغْيِيرٌ أَوْ تَبْدِيلٌ فِي طَوْلِ التَّارِيخِ، وَبِالاعْتِمَادِ عَلَى ذَلِكَ، يُدْعِي إِثْبَاتَ قَانُونِيَّةِ التَّارِيخِ.[17]
النقد والمراجعة
فِي مَا يَخُصُّ نَظَرِيَّةَ الشَّهِيدِ صَدْرِ وَاسْتِشْهَادَهُ بِالآيَاتِ السَّابِقَةِ، فَإِنَّ النِّقَاطَ التَّالِيَةَ تَسْتَحِقُّ التَّأَمُّلَ وَالِانْتِبَاهَ:
النقطة الأولى: مَفْهُومُ الآيَاتِ السَّابِقَةِ مِنْ حَيْثُ الدَّلَالَةِ الْمُطَابِقِيَّةِ وَالنُّصُوصِ، يُبَيِّنُ وُجُودَ سُنَنٍ إِلَهِيَّةٍ فِي الأُمَمِ السَّابِقَةِ، وَالتَّوْصِيَةُ بِالْعِبْرَةِ وَالتَّفَكُّرِ فِي تِلْكَ السُّنَنِ لَا تَدُلُّ حَصْرًا عَلَى سُنَّةٍ تَارِيخِيَّةٍ حَصْرِيَّةٍ؛
النقطة الثانية: وُجُودُ السُّنَنِ فِي الأُمَمِ السَّابِقَةِ وَتَوْصِيَةُ القُرْآنِ الكَرِيمِ بِالتَّفَكُّرِ وَالتَّدَبُّرِ فِيهَا لَا يَدُلُّ دَلَالَةً مُطَابِقِيَّةً أَوْ تَضْمَنِيَّةً أَوْ التِزَامِيَّةً عَلَى إِثْبَاتِ نَظَرِيَّةِ السُّنَنِ التَّارِيخِيَّةِ وَالْقَوَانِينِ التَّارِيخِيَّةِ؛ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى، وُجُودُ السُّنَنِ فِي الأُمَمِ السَّابِقَةِ لَا يَعْنِي إِثْبَاتَ قَانُونِيَّةِ التَّارِيخِ؛
النقطة الثالثة: فِي اسْتِنْدَادِهِ إِلَى الآيَاتِ السَّابِقَةِ، الدَّلِيلُ أَعْمُّ مِنَ الْمَدْعَى، وَبِإِثْبَاتِ السُّنَنِ فِي الأُمَمِ السَّابِقَةِ لَا يُثْبَتُ قَانُونِيَّةُ وَاحْتِرَامُ التَّارِيخِ؛
النقطة الرابعة: مِنْ عَدَمِ التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ فِي كَلِمَاتِ اللّهِ، لَا يُسْتَخْدَمُ لِإِثْبَاتِ السُّنَّةِ التَّارِيخِيَّةِ وَالْقَانُونِ التَّارِيخِيِّ لِلْوَقَائِعِ التَّارِيخِيَّةِ، لِأَنَّ عَدَمَ التَّغْيِيرِ فِي السُّنَنِ الإِلَهِيَّةِ وَكَلِمَاتِ اللّهِ هُوَ سُنَّةٌ أَعْمُّ مِنَ السُّنَّةِ التَّارِيخِيَّةِ؛
النقطة الخامسة: أَدِلَّةُ الشَّهِيدِ صَدْرِ فِي اسْتِنْدَادِهِ إِلَى الآيَاتِ السَّابِقَةِ لِإِثْبَاتِ قَانُونِيَّةِ التَّارِيخِ فِي الْهَيْكَلِ وَالْقَالِبِ الْمَثَالِيِّ لَيْسَ لَهَا عِلَاقَةٌ بِمَوْضُوعِ النِّقَاشِ.
المحور الثاني: عدم الاستثناء في سنة التاريخ
المحور الثاني الذي يَرَى الشَّهِيدُ صَدْرُ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى هَيْكَلِ وَقَالِبِ السُّنَنِ وَالْقَوَانِينِ التَّارِيخِيَّةِ مِنْ مِنْظُورِ القُرْآنِ هُوَ مَوْضُوعُ عَدَمِ الاسْتِثْنَاءِ فِي سُنَّةِ التَّارِيخِ، وَيَسْتَنِدُ فِيهِ إِلَى الآيَةِ التَّالِيَةِ لِلدِّرَاسَةِ وَالإِثْبَاتِ:
أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَمَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ؛ (بقره، آیه ٢١۴) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّكُمْ سَتَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَمْ تَصِلْكُمْ مَثَلَاتُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ؟! الَّذِينَ أَصَابَهُمْ الْبَلَاءُ وَالضُّرُّ وَاهْتَزُّوا حَتَّى قَالَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ: «مَتَى نَصْرُ اللّهِ؟» أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ.
يَدَّعِي الشَّهِيدُ صَدْرُ أَنَّ الآيَةَ السَّابِقَةَ تَدُلُّ عَلَى قَانُونِيَّةِ التَّارِيخِ، وَيُبَيِّنُ مِنْ خِلَالِهَا هَيْكَلَ وَقَالِبَ السُّنَنِ التَّارِيخِيَّةِ بِشَكْلٍ مَثَالِيٍّ. وَيَسْتَخْلِصُ مِنْ عَدَمِ الاسْتِثْنَاءِ فِي سُنَّةِ التَّارِيخِ قَانُونِيَّةَ التَّارِيخِ، وَيَعْتَبِرُ نَصْرَ اللّهِ وَالنَّصْرَ مِنْ سُنَنِ وَقَوَانِينِ التَّارِيخِ الَّتِي تَسِيرُ عَلَيْهَا مَنَاطِقُ التَّارِيخِ.[18]
النقد والمراجعة
هَذَا الاسْتِدْلَالُ لِلشَّهِيدِ صَدْرِ أَيْضًا مُعَطَّلٌ لِلأَسْبَابِ التَّالِيَةِ:
أَوْلًا: دَلَالَةُ الآيَةِ عَلَى الدَّلَالَاتِ الثَّلَاثِ (الْمُطَابِقِيَّةِ، التَّضْمَنِيَّةِ وَالالتِزَامِيَّةِ)، وَظُهُورُ وَنَصِّ الآيَةِ وَحَتَّى الدَّلَالَةُ الْمَفْهُومِيَّةُ لَا تَرْتَبِطُ بِإِثْبَاتِ قَانُونِيَّةِ التَّارِيخِ. مَوْضُوعُ النِّقَاشِ فِي الآيَةِ هُوَ عَدَمُ دُخُولِ الْجَنَّةِ دُونَ اخْتِبَارٍ إِلَهِيٍّ وَلَا تَحَمُّلِ الْمَشَقَّاتِ وَالْعَنَاءِ، وَلِذَلِكَ لَا تَكُونُ لِلآيَةِ دَلَالَةٌ مُطَابِقِيَّةٌ أَوْ نُصِّيَّةٌ عَلَى إِثْبَاتِ قَانُونِيَّةِ التَّارِيخِ مِنْ مِنْظُورِ القُرْآنِ؛
ثَانِيًا: الآيَةُ الْمُرْتَبِطَةُ أَعْمُّ مِنَ الْمَدْعَى الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّهِيدُ صَدْرُ، وَلَا وُجُودَ لِعَلَاقَةٍ مَنْطِقِيَّةٍ أَوْ تَبْيِينٍ مَنْطِقِيٍّ بَيْنَ الآيَةِ وَإِثْبَاتِ قَانُونِيَّةِ التَّارِيخِ؛
ثَالِثًا: مَوْضُوعُ الآيَةِ لَيْسَ سُنَّةً تَارِيخِيَّةً مِنْ حَيْثُ إِثْبَاتِ قَانُونِيَّةِ التَّارِيخِ، بَلْ هِيَ إِشَارَةٌ إِلَى السُّنَّةِ الإِلَهِيَّةِ، وَلَا يُمْكِنُ فَهْمُ انْصِرَافِ السُّنَّةِ التَّارِيخِيَّةِ عَنْهَا بِمَعْنًى مُطَابِقٍ أَوْ التِزَامِيٍّ؛
رَابِعًا: الآيَةُ الْمُذْكُورَةُ قَدَّمَهَا الشَّهِيدُ كَدَلِيلٍ عَلَى هَيْكَلِ وَقَالِبِ الْقَوَانِينِ التَّارِيخِيَّةِ بِشَكْلٍ مَثَالِيٍّ، وَفِي حِينِ ذَلِكَ مَوْضُوعُ النِّقَاشِ فِي الآيَةِ لَيْسَ مَثَالِيًّا أَوْ خَارِجِيًّا بِحَصْرٍ.
لِذَلِكَ، بِالاعْتِمَادِ عَلَى هَذِهِ الآيَةِ، لَا يَثْبُتُ قَانُونِيَّةُ التَّارِيخِ فِي الْهَيْكَلِ وَالْقَالِبِ الْمَثَالِيِّ لِلنَّظَرِيَّةِ السُّنَنِ التَّارِيخِيَّةِ.
المحور الثالث: مُكافحة الأنبياء للمتعجرفين
فِي الْمَحْوَرِ الثَّالِثِ، يَسْتَنِدُ الشَّهِيدُ صَدْرُ لِإِثْبَاتِ هَيْكَلِ وَقَالِبِ الْقَوَانِينِ التَّارِيخِيَّةِ إِلَى آيَاتِ مُكَافَحَةِ الْأَنْبِيَاءِ لِلْمُتَعَجْرِفِينَ، وَمِنْ بَيْنِهَا الآيَةُ التَّالِيَةُ:
وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ؛ (سبأ، آیه ٣۴-٣۵) وَلَمْ نُرْسِلْ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ أَهْلُ النَّعِيمِ فِيهَا: «إِنَّا نَكْفُرُ بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ» * وَقَالُوا: «نَحْنُ أَكْثَرُ مَالًا وَوَلَدًا، وَلَن نُعَذَّبَ أَبَدًا».
الآية السابقة بحسب رأي الشهيد الصدر تشير إلى السنة التاريخية والقانون التاريخي في قالب وبنية مصداقيّة للقوانين التاريخية، ويرى أنه على مر التاريخ، كان هناك علاقة بين مقام النبوة وموقع الأعيان والأشراف، وهذه العلاقة كانت في حد النفي والتعارض بين الموقع الاجتماعي للنبوة والموقع الاجتماعي للمترفّين.[19]
النقد والمراجعة
الاستدلال الذي قدمه مع الآية السابقة، مثل غيره من الاستدلالات التي قدمها لإثبات القوانين التاريخية في إطار قالب وبنية مصداقيّة للسّنن التاريخية، لا يثبت ادعاءه.
مضمون الآية من حيث الدلالات الثلاثة ومن حيث الدلالة الالتزامية والمفهومية لا يدل على تثبيت القوانين التاريخية، بل يشير فقط إلى سنة إلهية في مجال العلاقة الاجتماعية بين مقام النبوة ومقام المترفّين؛ وبعبارة أخرى، فإن موقع موضوع النقاش في هذه الآية يختلف منطقياً وموضوعياً عن موقع موضوع نقاش السنة والقوانين التاريخية، بحيث يكون سالباً لانتفاء الموضوع.
٣. قالب وبنية مصداقي ـ كلي للقوانين والسّنن التاريخية في القرآن
ثالث قالب وبنية من قوالب القوانين التاريخية هو عرضها في قالب وبنية مصداقي ـ كلي، والذي يمكن تسميته بالاستقراء التاريخي. يشير الشهيد الصدر إلى أنه في النوع الثالث من قوالب وبُنى السّنن التاريخية، يكون البحث والدراسة في الحوادث التاريخية، وبفضل الدراسة على الوقائع التاريخية بناءً على الاستقراء التاريخي، يتم استنباط واستخراج القوانين والسّنن العامة الحاكمة للتاريخ.[20] والآيات التي يستند إليها لإثبات القالب المصادقي ـ الكلي لبنية القوانين التاريخية هي:
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الاْءَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللّه عَلَيْهِمْ وَلِلْكَفِرِينَ أَمْثَلُهَا؛ (محمد، آیه ١٠) أَلم يسيروا في الأرض ليروا كيف كانت نهاية الذين من قبلهم؟ لقد دمّر الله عليهم؛ وللكافرين أمثالها.
أَفَلَمِ يَسِيرُوا فِي الاْءَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ؛ (یوسف، آیه ١٠٩) أَلم يسيروا في الأرض ليروا كيف كانت نهاية الذين من قبلهم؟
وآيات أخرى في هذا المجال استند إليها.
النقد والمراجعة
الدلالة المطابقة والمنطوقة للآيات السابقة هي السير في الأرض ومشاهدة نهاية مصيرهم. في هذه الآيات يُوصى بالتدبر ونوع من الاستقراء، لكن هذا الاستقراء لا يدل على الاستقراء التاريخي ولا على ثبوت القالب المصادقي ـ الكلي لقوالب وبُنى السّنن التاريخية.
لذا، فإن الآيات السابقة من حيث الدلالة المطابقة والضمانية والالتزامية ليست دليلاً على ثبوت بنية مصداقي ـ كلي للقوانين التاريخية، وهذا المفهوم لا يمكن فهمه أو استنباطه حتى من الدلالة اللازمة خارج هذه الآيات.
من السير في الأرض ومشاهدة نهاية السابقين يمكن استخراج قواعد وضوابط، لكن ظهور ونصوص هذه الآيات لا تدل بأي شكل على إثبات قانونية التاريخ، لا سيما في قالب وبنية مصداقي ـ كلي.
لذا، فإن الاستدلال بجميع الآيات من قبل الشهيد الصدر لإثبات قانونية التاريخ في ثلاثة مجالات «السّنن والقوانين التاريخية في قالب وبنية كلي»، «السّنن والقوانين التاريخية في قالب مصداقي ـ كلي» و«السّنن والقوانين التاريخية في قالب وبنية مصداقي» من حيث الدلالات الثلاثة والدلالة الالتزامية والمفهومية والنصوص والظهور، استدلالات مشوّهة لا يظهر فيها علاقة منطقية وعلمية بين ادعائه وأدلته؛ وبعبارة أخرى كما أُشير، جميع أدلته من حيث المنطق هي مجرد ادعاءات.
ب) صفات وخصائص القوانين والسّنن التاريخية في القرآن
النقاش الثاني الذي يتناوله في مجال مسائل فلسفة التاريخ النظري من وجهة نظر القرآن هو نقاش خصائص السّنن والقوانين التاريخية، التي يناقشها في ثلاث خصائص: «عامة وشاملة القوانين التاريخية»، «إلهية السّنن والقوانين التاريخية» و«إرادة الإنسان في القوانين التاريخية».
١. العمومية والشمول للسّنن التاريخية في القرآن
أول خاصية يذكرها الشهيد الصدر من وجهة نظر القرآن للقوانين والسّنن التاريخية هي خاصية العمومية والشمول والتتابع للسنة التاريخية. ويرى أن السّنن التاريخية من وجهة نظر القرآن ليست مبنية على علاقة تصادفية أو عارضة، بل موضوعها ومفهومها يدور حول القوانين العامة. التأكيد على الطبيعة الشاملة والعامة للسّنن التاريخية من وجهة نظر القرآن هو تأكيد على الطبيعة العلمية للقوانين التاريخية، وطبيعة التتابع والترابط للسّنن التاريخية دليل على الطبيعة العلمية للقوانين التاريخية.
يستند الشهيد الصدر إلى الآيات التالية لإثبات هذه الصفة للسّنن والقوانين التاريخية:[21]
سنّة اللّه في الذين خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللّه تَبْدِيلاً…؛ (احزاب، آیه ۶٢) هذه سنة الله في الذين خلوا من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلًا.
سُنَّةَ مَنْ قَدْ اَرْسَلْنا قَبْلَكَ وَ لاَ تَجِدُ لِسنَّتِنَا تَحْوِيلاً…؛ (اسراء، آیه ٧٧) هذه سنة من أرسلنا قبلَك، ولن تجد لسنتنا تحويلاً.
وَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِ اللّه…؛ (انعام، آیه ٣۴) ولا مُبدّل لكلمة الله…
ويرى أن هذه الآيات جميعها تدل على خاصية العمومية والشمول للسّنن التاريخية وتعطي القوانين التاريخية طبيعة علمية.
النقد والمراجعة
في استدلاله واستشهاده بهذه الآيات الكريمة لإثبات خاصية العمومية والشمول للقوانين التاريخية، يمكن ملاحظة النقاط التالية:
أولاً: دلالة ومضمون مطابق وظهور ونصوص هذه الآيات هي عدم التحويل والتبديل في سنة الله وعدم التغيير في كلمات الله، ومن الواضح من الناحية المنطقية أنه لا يمكن استنتاج أي نتيجة لإثبات خاصية العمومية للسّنن التاريخية من عدم التغيير والتحويل والتبديل في سنة الله؛
ثانيًا: عدم التحويل وعدم التسليم في السنة الإلهية لا يعني ثبوت صفة العموم لقوانين التاريخ، لأن عدم التحويل وعدم التسليم في سنة الله أمر يتجاوز السنن التاريخية. بالإضافة إلى ذلك، لا يوجد بينهما استلزام منطقي أو دلالة التزامية؛
ثالثًا: لا توجد علاقة منطقية أو التزامية بين موضوع تخصيص الآيات المذكورة وموضوع تخصيص صفة العموم لقوانين التاريخ حتى يستدل الشهيد صدر من لزوم عدم التحويل وعدم التسليم في السنن الإلهية على صفة العموم والشمول للسنن التاريخية؛
رابعًا: يدعي أن صفة العموم والشمول للسنن والقوانين التاريخية تدل على الطبيعة العلمية للقوانين التاريخية، لكنه لم يبين العلاقة بينهما من الناحية المنطقية. وبعبارة أخرى، العموم والشمول ليستا مدلولًا مطابقًا أو منطوقًا للآيات المذكورة بحيث تستنبط منه طبيعة عامة؛
خامسًا: يؤكد أن طبيعة القوانين التاريخية هي طبيعة علمية، لكنه لم يحدد نوع العلم هل الطبيعة العلمية للقوانين التاريخية من نوع العلوم التجريبية أم العلوم المنطقية والفلسفية. لذلك، ظهور ونصوص الآيات ودلالتها لا تفيد صفة العموم والشمول للسنن التاريخية، وكان ينبغي عليه أن يثبت صفة العموم والشمول للسنن التاريخية باستخدام دلالات التزامية والمفهومية لهذه الآيات، لكنه لم يفعل ذلك.
٢. ألوهية السنن التاريخية في القرآن
الحقيقة الثانية التي تشير إلى صفة السنن والقوانين التاريخية هي صفة وألوهية سنة التاريخ. من وجهة نظر القرآن، السنة التاريخية إلهية، مرتبطة بالله تعالى وقانون من قوانين الله. ويعتقد الشهيد صدر أن صفة ألوهية سنة التاريخ لا تدل على الطبيعة الغيبية واللاهوتية والتغيير الإلهي للقوانين التاريخية، لأن الله يمارس قدرته من خلال هذه السنن والقوانين نفسها. هذه القوانين والسنن هي إرادة الله وممثل الحكمة والتدبير الإلهي.
ألوهية السنة التاريخية لا تعني أن الله ينسب الأحداث والظواهر التاريخية إلى ذاته حرفيًا ويقطع ارتباطها وعلاقتها بالأحداث الأخرى ويفصل الحدث والظاهرة التاريخية عن السياق والمسار الطبيعي، بل إن الله تعالى يجري إرادته في السنن والقوانين التاريخية عبر الأسباب والعوامل الطبيعية. لذلك، قانون الطبيعة والقوانين التاريخية مستندة إلى الله، والله ينفذها عبر العوامل والقوانين الطبيعية، وليس أن الله تعالى ينفذ هذه القوانين التاريخية مباشرة وبدون واسطة. وبعبارة أخرى، القول بأن السنن والقوانين التاريخية ليست خارج دائرة قدرة الله تعالى لا يعني أن هذه القوانين نشأت مباشرة من قدرة الله.[22]
لم يذكر الشهيد صدر آية خاصة في بيان مفهوم ألوهية السنة التاريخية ليحلل محتواها ومطابقها، رغم وجود آيات كثيرة في القرآن الكريم تحدد دائرة قدرة الله.
٣. دور إرادة الإنسان في السنن التاريخية في القرآن
الصفة والحقيقة الثالثة التي تتمتع بها السنن والقوانين التاريخية هي حقيقة إرادة الإنسان واختياره وحريته في التحولات والظواهر التاريخية. يرى الشهيد صدر أن حرية الإنسان واختياره لا تتعارض ولا تتضاد مع القوانين والسنن التاريخية.
من وجهة نظره، وهم التناقض والتضاد بين نظرية سنة التاريخ أو قانون التاريخ ونظرية حرية وإرادة الإنسان موضوع تناولته القرآن الكريم وحلته، وقد أكد الله تعالى أن المحور الأساسي في الأحداث والظواهر التاريخية هو إرادة الإنسان. إذًا، وفقًا للآيات القرآنية هناك مواقف إيجابية للإنسان تتجلى في حريته وقراره، وهذه المواقف لها نتائج ضرورية على أساس علاقات السنن والقوانين التاريخية وتنتج مؤثرات مناسبة.[23]
الآيات التي يستشهد بها الشهيد صدر لإثبات دور إرادة الإنسان وحريته في القوانين التاريخية هي:
إِنَّ اللّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ؛ (رعد، آیه ١١) الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
وَأَن لَوِ اسْتَقَمُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَهُم مَّاءً غَدَقًا؛ (جن، آیه ١۶) ولو استقاموا على الطريق لسقيناهم ماءً غدقًا.
يرى أن هذه الآيات تدل على أن للإنسان دورًا وإرادة وحريّة في القوانين والسنن التاريخية.
نقد ومراجعة
فيما يتعلق بمضمون ومدلول الآيات السابقة حول دور إرادة الإنسان في القوانين التاريخية، لا يمكن استخراج أو استنباط دلالة مطابقية أو منطوقية. بالطبع، مضمون ومدلول الآيات يشير إلى حرية الإنسان في العمل، لكن هذه المسألة لا علاقة لها بحرية الإنسان في القوانين الثابتة التاريخية ولا تثبتها؛ بمعنى أن الإنسان حر في أفعاله وتصرفاته، لكن مدلول مطابق وظهور الآيات لا يدل على ثبوت حرية وإرادة الإنسان في القوانين التاريخية.
ج) صور القوانين والسنن التاريخية في القرآن
وفقًا لرأي واستدلال الشهيد صدر، فإن صورة وشكل السنن والقوانين التاريخية من وجهة نظر آيات القرآن الكريم تُعرض في ثلاثة أشكال: «السنن والقوانين التاريخية في صورة القضية الشرطية»، «السنن والقوانين التاريخية في صورة القضية القطعية» و«السنن والقوانين التاريخية في صورة الميل الطبيعي»، وسنشرح ونوضح هذه الأشكال.
١. السنن والقوانين التاريخية في صورة القضية الشرطية
أول صورة وشكل للقانون والسنن التاريخية في القرآن هي صورة القضية الشرطية أو المشروطة، ففي هذه الحالة تظهر السنة التاريخية والقانون التاريخي في صورة القضية الشرطية، وتُعبّر عن الأحداث والظواهر التاريخية في قالب القضية المشروطة، وتبين وجود علاقة محددة بين الجزاء والشرط في القانون التاريخي. تحقق شرط القضية في القانون التاريخي يؤدي إلى الجزاء والنتيجة لذلك القانون.
يعتقد الشهيد الصدر أن العديد من السنن والقوانين التاريخية في القرآن قد وردت على شكل قضية شرطية، وأن الكون في مستوى القوانين والسنن التاريخية مبني على الشرط والعقاب. منطق القرآن في كثير من السنن التاريخية هو إقامة علاقة شرطية بين الأحداث والوقائع التاريخية.[24] ويستدل بالآيات التالية على وجود قضايا شرطية كوجه وشكل من أشكال القوانين التاريخية:
إِنَّ اللّه لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّي يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ؛ (رعد، آیه ١١) الله تعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
وَ أَن لَوِ اسْتَقَمُواْ عَلَي الطَّرِيقَةِ لاَءَسْقَيْنَهُم مَّآءً غَدَقا؛ (جن، آیه ١۶) ولو استقاموا على الطريق لسقيناهم ماءً غدقاً.
يَدّعي الشهيد الصدر استنادًا إلى هاتين الآيتين أن هذه الآيات تدل على وجود قضية شرطية في بيان السنن والقوانين التاريخية، وأنها قد عبرت عن السنن والقوانين التاريخية بلغة القضية الشرطية.[25]
النقد والمراجعة
ادعاؤه قابل للتأمل والدقة للأسباب التالية:
أولاً: هذه الآيات تدل دلالة مطابقة على التغيير والتحول الداخلي، ومن ثم التغيير والتحول في المجتمع، وهذا التغيير والتحول قد عبر عنهما في قالب وشكل القضية الشرطية على هيئة شرط وعقاب، ولا يثبت مضمون الآية وظهورها ونصها أكثر من ذلك.
ثانيًا: بيان القانون والسنة التاريخية في صورة قضية شرطية هو فرع على ثبوت القانون والسنة التاريخية، وكما ذُكر سابقًا فإن الآيات المذكورة لا تثبت قانونًا تاريخيًا من حيث الدلالة المطابقة والمنطوق، فلا يمكن بناءً عليه إثبات القانون التاريخي في قالب القضية الشرطية.
ثالثًا: القضية الشرطية التي استدل بها الشهيد الصدر في هذه الآيات، من حيث موقعها وموضوعها (قانونية التاريخ) تخرج عن التخصص والموضوع، لأن موقع النقاش فيها ليس قانونية التاريخ، فلا يمكن من خلالها إثبات شكل القضية الشرطية للقانون التاريخي.
لذا، فإن مضمون المنطوق والدلالة المطابقة والتضمن والظهور والنص في هذه الآيات لا يفيد في إثبات شكل القضية الشرطية للقانون والسنة التاريخية، وحتى بالاستناد إلى الدلالة الالتزامية والمفهومية، لم يتم توضيح أو بيان العلاقة المنطقية بين هذه الآيات وبنية الشرطية للقانون التاريخي من قبل الشهيد الصدر.
٢. السنن والقوانين التاريخية في شكل القضية القطعية
الشكل البنيوي في قالب القضية القطعية والمحققة هو الوجه الثاني الذي قدمه القرآن للسنن والقوانين التاريخية. القضية القطعية تعني تحققًا عمليًا لا يملك الإنسان فيه اختيارًا، ولا حتى إمكانية تعديل هذه القضايا، لأنها مصممة في قالب وبنية محققة ومسلَّمة. تتحقق القضايا القطعية في زمان ومكان محددين على نحو قطعي. القضايا القطعية التي عبرت فيها السنن والقوانين التاريخية بهذا القالب والبنية، بحسب اعتقاد الشهيد الصدر، يمكن فهمها واستيعابها في آيات القرآن.[26]
النقد والمراجعة
النقطة التي يمكن ذكرها حول ادعاء الشهيد الصدر ببيان بعض السنن والقوانين التاريخية في قالب وشكل قطعي، هي أنه لم يستشهد بأي آية تدل دلالتها المطابقة والمنطقية على القوانين التاريخية في شكل القضية القطعية، بل هو مجرد ادعاء دون تقديم دليل من آيات القرآن.
٣. الميل الطبيعي في السنن والقوانين التاريخية في القرآن
الوجه والشكل الثالث الذي طرحه القرآن الكريم للسنن والقوانين التاريخية هو وجه الميل الطبيعي الذي تتحرك فيه مجريات التاريخ. من الآيات التي استند إليها الشهيد الصدر لإثبات وجه الميل الطبيعي للسنن والقوانين الطبيعية:
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفا فِطْرَتَ اللّه الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَتَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّه ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَيَعْلَمُونَ؛ (روم، آیه ٣٠) فاجعل وجهك للدين حنيفًا، فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
النقد والمراجعة
الاستدلال بهذه الآية هو أحد الأسباب التي يعتبرها الشهيد الصدر دليلاً على الميل الطبيعي لتدفق السنن التاريخية في القرآن،[27] لكن هذا الاستدلال من حيث المضمون يواجه المشكلات التالية:
أولاً: لم يقدم تعريفًا محددًا أو توضيحًا واضحًا للميل الطبيعي للسنن والقوانين التاريخية، مما يثير غموضًا تعريفيًا في ادعائه.
ثانيًا: مضمون الدلالة المطابقة والظهور والنص في الآية يتعلق بالدين الحنيف، والفطرة الإلهية، وعدم التبديل في خلق الله، ولا تدل الآية على إثبات قانون تاريخي، وبالتالي فإن وجه الميل الطبيعي للقانون التاريخي هو فرع على ثبوت القانون التاريخي من الآية، والآية لا تدل دلالة مطابقة أو منطوقية على ثبوت القانون التاريخي.
ثالثًا: الشهيد الصدر لم يثبت الميل الطبيعي للقانون التاريخي حتى بالاستدلال بمفهوم الآية والدلالة الالتزامية، ولم يقدم تفسيرًا من خلال الدلالة اللازمة الخارجية لإثبات الميل الطبيعي للقانون التاريخي.
الخلاصة
من خلال الدراسة النقدية والتحليلية لنظرية «نظرية السنن التاريخية في القرآن» للشهيد الصدر، يمكن الإشارة إلى النتائج التالية:
١ ـ أهم عيب في المضمون النظري لنظرية السنن التاريخية في القرآن هو عدم تعريف دقيق لمفهوم قانونية التاريخ، حيث لم يقدم الشهيد الصدر تعريفًا له، بل اعتبره فرضية مسبقة ولم يشِر حتى إلى نوع قانونية التاريخ؛
٢ ـ نظرية نظرية السنن التاريخية في القرآن من حيث الأدلة المنطقية تواجه فرضيات، حيث يستنبط الشهيد الصدر منها نتيجة قطعية بعد مراعاة تلك الفرضيات. على سبيل المثال، يعتبر جميع الأحكام الإلهية في القرآن الكريم المتعلقة بالسنن الإلهية ضمن السنن التاريخية الجارية، ويرى السنن التاريخية في القرآن دليلاً على قانونية التاريخ. وبعبارة أخرى، لا يفسر العلاقة المنطقية بين السنن الإلهية والسنن التاريخية وقانونية التاريخ، بل يعتبرها مترادفة ومتساوية، كما أُشير في تحليل الآيات التي استند إليها؛
٣ ـ نظرية السنن التاريخية في القرآن التي تدعي إثبات قانونية التاريخ من منظور القرآن، من حيث الاستدلال على مدلول الآيات المطابقة، التضمينية والمنطوقة، ومن حيث ظهور ونصوص الآيات، لا تمتلك النظام المنطقي اللازم والمنهج المتماسك؛
٤ ـ العديد من الآيات التي يستند إليها الشهيد الصدر لإثبات نظرية السنن التاريخية والقانون التاريخي من منظور القرآن، من الناحية التخصصية والموضوعية، خارجة عن موضوع النقاش ومحل النزاع، ولم يراعِ ذلك؛
٥ ـ حتى من دلالة الالتزام في مفاد الآيات والدلالة المفهومية لها، لا يقدم علاقة منطقية وعلمية لإثبات قانونية التاريخ أو التزام التاريخ بالقانون أو مدارية التاريخ؛
٦ ـ العيب الرئيسي في أدلته هو عدم التناسب والملاءمة بين الدليل والمطالبة، والعديد من أدلته في إثبات القانون التاريخي للقرآن هي في الواقع من المطالب.
ومع ذلك، ما ذُكر في الاستنتاج لا يعني نفي اعتبار القانون والضوابط في الظواهر التاريخية من منظور القرآن، بل إن الأدلة والآيات التي استند إليها لا تدل على هذا المعنى (قانونية التاريخ). إن إثبات قانونية التاريخ في الإطار والبنية الكلية والجزئية، وإثبات صفات وخصائص علمية للسنن التاريخية، وبيان صورة وشكل قضايا السنن التاريخية في القرآن بناءً على الدلالة الالتزامية والدلالة المفهومية للآيات، يبدو ممكنًا، لكنه يحتاج إلى دراسة وبحث عميق ومنهجي ومنظم في آيات القرآن الكريم، وما ذُكر مجرد نقل يبيّن عدم إثبات القانون التاريخي بناءً على نظرية السنن التاريخية للشهيد الصدر.
قائمة المراجع
١. القرآن الكريم.
٢. ادواردز، پل، فلسفه تاریخ (مجموعه مقالات)، ترجمة بهزاد سالکی، تهران، پژوهشگاه علوم انسانی، ١٣٧۵.
٣. استنفورد، مایکل، درآمدی بر فلسفه تاریخ، ترجمة احمد گل محمدی، تهران، نشر نی، ١٣٨٢.
۴. حضرتی، حسن، تأملاتی در علم تاریخ و تاریخنگاری اسلامی، تهران، منشورات نقش جهان، ١٣٨٠.
۵. رادمنش، عزتاللّه، مکتبهای تاریخی و تجددگرایی تاریخی، تهران، پیک ستاره دانش، ١٣٧٩.
۶. سروش، عبدالکریم، فلسفه تاریخ، تهران، حکمت، ١٣٧۵.
٧. صدر، محمدباقر، المدرسة القرآنیه، مرکز ابحاث و اللدراسات التخصصیه شهید صدر، مؤسسة الهدی، ١۴٢١ ق.
٨. صدر، محمدباقر، السنن التاریخی فی القرآن، إعداد شیخ محمدحسن شمس الدین، سوریه، دارالتعارف، ١۴٠٩ ق.
٩. نوذری، حسینعلی، فلسفه تاریخ، روششناسی و مکاتب تاریخنگاری، تهران، طرح نو، ١٣٧٩.
[1] Substantive or Speculative Philosophy of History.
[2] Analytical or Critical Philosophy of History.
[3] بول إدواردز، مجموعة مقالات فلسفة التاريخ، ص ٢؛ نوذري، فلسفة التاريخ، المنهجية ومدارس التأريخ، ص ٢٤-٢٥؛ سروش، فلسفة التاريخ، ص ٢٤-٢٥.
[4] نوذري، المرجع نفسه، ص ٢٤-٢٥؛ مايكل ستانفورد، مدخل إلى فلسفة التاريخ، ص ٢٢ و ٢٤-٢٥.
[5] للدراسة الموسعة حول فلسفة التاريخ النظرية أو الجوهرية وتمييزها عن فلسفة التاريخ التحليلية أو النقدية انظر: سيد ضياء الدين ميرمحمدي، «التباين والتمييز بين فلسفة التاريخ النظرية وفلسفة علم التاريخ»، مجلة الحوزة والجامعة، العدد ٤٢.
[6] حسن حضرَتي، تأملات في علم التاريخ والتأريخ الإسلامي، ص ١١٩-١٢٢.
[7] للدراسة الموسعة في مجال المبادئ الكبرى لفلسفة التاريخ النظرية من وجهة نظر القرآن انظر: عزت الله رادمنش، المدارس التاريخية والتجديدية التاريخية، فصل المدرسة التاريخية في القرآن.
[8] مبدأ التوحيد في التاريخ، أي الانتباه إلى كُلّية الظواهر التاريخية في التحليل التاريخي والتأريخ، وعدم التركيز على الجزئيات والحالات الفردية للظواهر التاريخية، وكذلك اعتبار التأريخ أمراً يتجاوز دائرة الفرد، الطبقة، القوم والأمة، وهو مبدأ فلسفي علمي في فلسفة التاريخ.
[9] مبدأ التركيب في التاريخ من وجهة نظر القرآن يعني أنه في تحليل الظواهر التاريخية يُستفاد من العلوم المساعدة ويُستخدم من علوم مثل علم الاجتماع، الأنثروبولوجيا، علم الإنسان، وغيرها.
[10] مبدأ محورية الشعب في التاريخ من وجهة نظر القرآن يعبّر عن أن موضوع التأريخ في القرآن لا يقتصر على التأريخ التقليدي (الحكام والحروب)، بل الشعب هو الركيزة والمحور الأساسي لدوران التاريخ في التأريخ القرآني.
[11] للدراسة الموسعة في مجال المبادئ الكبرى لكتابة التاريخ العلمي أو مبادئ فلسفة التاريخ التحليلية أو النقدية من وجهة نظر القرآن انظر: عزت الله رادمنش، المرجع نفسه، فصل المدرسة التاريخية في القرآن.
[12] تم تقديم المناقشات النظرية حول التقاليد التاريخية في القرآن بواسطة الشهيد الصدر في كتاب المدرسة القرآنية.
[13] لتفسير الآيات المعنية انظر: العلامة الطباطبائي، تفسير الميزان، تحت الآيات ذات الصلة.
[14] محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية، ص ٥٣-٥٤.
[15] محمد باقر الصدر، المرجع نفسه، ص ٥٣-٥٤.
[16] محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية، ص ٥٣-٥٥.
[17] محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية، ص ٦١-٦٢.
[18] محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية، ص ٦٢-٦٣.
[19] محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية، ص ٦٣-٦٤.
[20] محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية، ص ٦٦-٦٧.
[21] محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية، ص ٦٩-٧٠ وكذلك هو، السنن التاريخية في القرآن الكريم، ص ٦٧-٦٨.
[22] محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية، ص ٧١-٧٢ وكذلك هو، السنن التاريخية في القرآن الكريم، ص ٦٨-٧٠.
[23] محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية، ص ٧٤-٧٦ وكذلك هو، السنن التاريخية في القرآن الكريم، ص ٧١-٧٢.
[24] محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية، ص ٨٩ و ٩٠-٩١ وكذلك هو، السنن التاريخية في القرآن الكريم، ص ٨٣-٨٥.
[25] محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية، ص ٩٠-٩٢ وكذلك هو، السنن التاريخية في القرآن الكريم، ص ٨٣-٨٥.
[26] محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية، ص ٩٦-٩٧ وكذلك هو، السنن التاريخية في القرآن الكريم، ص ٨٨-٨٩.
[27] محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية، ص ٩٦-٩٧ وكذلك هو، السنن التاريخية في القرآن الكريم، ص ٨٨-٨٩.

