تأملات في الاقتصاد الإسلامي في فكر الشهيد محمد باقر الصدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: تأملی بر اقتصاد اسلامی در اندیشه شهید محمد باقر صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

مرجع الاقتصاد الإسلامي في فكر الشهيد محمد باقر الصدر

المؤلف: مجید مرادی

عندما زار الدكتور محمد شوقي الفنجرى، أستاذ الاقتصاد في جامعة القاهرة، السيد محمد باقر الصدر في منزله في النجف الأشرف، سأل في البداية: من أي جامعة من جامعات العالم تخرجت؟ فأجاب السيد محمد باقر الصدر بأنه لم يدرس في أي جامعة لا في العراق ولا خارجه، بل درس فقط في مساجد النجف التي تُعقد فيها دروس الحوزة العلمية في النجف. فقال له الدكتور شوقي الفنجرى: حقًا إن مساجد النجف أفضل من جامعات أوروبا.

بعد عودته إلى القارة، اقترح الدكتور شوقي الفنجرى على الدكتور زكي نجيب محمود ترجمة كتاب «المبادئ المنطقية للاستقراء» إلى الإنجليزية، وأرسل كتبي «فلسفتنا» و«اقتصادنا» إلى روجيه جارودي». (زکی المیلاد، الاسلام و الاصلاح الثقافی، القطیف، آفاق، 2007، ص 36).

يمكن اعتبار ثلاثة أعمال قيمة هي «اقتصادنا»، و«فلسفتنا» ـ التي ألّفت في أوائل عقد الستينيات ـ و«الأسس المنطقية للاستقراء» المصادر الرئيسية لأفكار السيد محمد باقر الصدر في مجالات الفلسفة والكلام والاقتصاد. وقد ازدادت أهمية هذه الأعمال مع مرور الزمن؛ لكن كتاب «اقتصادنا» هو الأبرز والأكثر استراتيجية بين جميع كتب الشهيد محمد باقر الصدر، وذلك لعدة أسباب:

  1. أنه ظهر في ظروف وأجواء سياسية وأيديولوجية وفكرية خاصة. ونتيجة للتحدي القائم في ذلك الوقت بين معسكر الرأسمالية ومعسكر الاشتراكية الماركسية في الشرق الذي كان يهيمن على الجغرافيا العالمية. في هذا الزمان وهذه الأجواء، طُرح سؤال حول قدرة الإسلام على مواجهة المشاكل والصعوبات المطروحة في مثلث القوة والاقتصاد والنظام الاجتماعي مع تأكيد كبير. وقد قُدم كتاب «اقتصادنا» في مثل هذه الأجواء. هذا الكتاب يدرس بشكل واقعي ونقدي وبحثي مدارس الاقتصاد الماركسية والرأسمالية والإسلامية، والأسس الفكرية والأبعاد التفصيلية لهذه المدارس الثلاث. علاوة على ذلك، فإن تأليف هذا الكتاب يمثل نقطة تحول في الحياة الفكرية للسيد محمد باقر الصدر، حيث استجاب من خلاله لحاجة أساسية في مجتمعه، رغم أن موضوعه ـ أي الاقتصاد ـ لم يكن في مقدمة أولوياته العلمية والفكرية.
  1. هذا الكتاب من حيث المستوى والموضوع والمنهج، هو جهد جديد وجاد في مجال الكتابات والبحوث الحوزوية. المنهج يشكل جزءًا أساسيًا من البنية المعرفية للكتاب، وهو المعيار الأول لنجاح هذا الكتاب، إذ يكمن في منهجيته. منهج مناقشة كتاب «اقتصادنا» الذي يشمل البنية النظرية وتقديم النقاش والرجوع إلى المصادر الأصلية وأسلوب الاستدلال ومبادئ الحكم المستخدمة فيه، قد أثار دهشة الأصدقاء قبل الأعداء.
  2. هذا الكتاب هو جهد تأسيسي وجوهري يهدف إلى تقديم صورة نظرية متكاملة للاقتصاد الإسلامي. قبل هذه التجربة، كانت هناك جهود غالبًا محدودة أو ناقصة في هذا المجال، تقتصر على الإجابة عن بعض الأسئلة الجزئية أو كانت ردود فعل أيديولوجية حادة على الفكر الماركسي أو الشيوعي. يقول محمد المبارك في ذكره لأهم البحوث التي ظهرت في مجال الاقتصاد الإسلامي: «يمكن تقديم أربعة أمثلة من هذه المؤلفات التي ربما تكون من أفضلها مع اختلاف في الخصائص وظروف التأليف، وهي كما يلي:
  3. «العدالة الاجتماعية في الإسلام»؛ تأليف سيد قطب، وهو كتاب رائد في العالم العربي والإسلامي، وله تأثير عميق وواسع، تُرجم إلى لغات متعددة ولا يزال يحتفظ بقيمته بسبب طرحه لخطوط عميقة ومفاهيم واضحة وتحديد هدف «السياسة المالية» المرتبطة بالعدالة الاجتماعية وليس «النظام الاقتصادي في الإسلام».
  4. «الإسلام والأنظمة الاقتصادية المعاصرة»؛ من تأليف الأستاذ أبو الأعلى المودودي؛ ربما يمكن اعتباره أول كاتب مسلم معاصر تناول هذا الموضوع. كتبه ورسائله كانت باللغة الأردية وترجمت إلى العربية بعد سنوات. للمودودي مناقشات ومؤلفات قيمة حول الربا وملكية الأرض، وتتميز بتحليل واقعي متميز.
  5. «اشتراكية الإسلام»؛ تأليف الدكتور مصطفى السباعي. هذا الكتاب بارز من حيث غنى المحتوى وتنظيمه وحماسة الدعوة إلى الإسلام، رغم أنه تعرض للنقد بسبب تفسير النصوص لصالح الاشتراكية بهدف تقويتها، ولو لم يكن الموت قد أتى إليه، لكان ينوي إصدار طبعة منقحة تتضمن توضيحاته وردوده على بعض سوء الفهم.
  6. «اقتصادنا»؛ تأليف الباحث والمفكر الكبير الشهيد سيد محمد باقر الصدر، وهو أول جهد علمي فريد من نوعه لاستخلاص النظرية الاقتصادية الإسلامية من أحكام الشريعة، حيث جمع المؤلف من خلال عرض تفصيلي لأحكام الشريعة الأصول الفقهية والمفاهيم والمصطلحات العلمية للاقتصاد. نظم كتابه في قسمين كبيرين؛ في القسم الأول عرض وفسر ونقد علمي لمدرستين اقتصاديتين هما الرأسمالية والماركسية، وفي القسم الثاني اهتم باستخلاص نظرية اقتصادية في الاقتصاد.

يتألف كتاب «اقتصادنا» من ثلاثة أقسام: القسمان الأول والثاني ينتقدان نظام الرأسمالية والاشتراكية، والقسم الثالث وهو الأهم في الكتاب، يتناول الاقتصاد الإسلامي. وقد تجلت روعة الشهيد الصدر في هذا القسم من الكتاب. في هذا القسم الذي هو موضوع تقريرنا، تم تضمين مناقشات مختلفة: في مقدمة هذا القسم التي تحمل عنوان «العلامات الكبرى والأساسية للاقتصاد الإسلامي» وردت تأملات منهجية، وبعد ذلك خصص الجزء الأكبر لنظرية التوزيع قبل الإنتاج ونظرية التوزيع بعد الإنتاج، ثم نظرية الإنتاج، وبعدها مسؤولية الدولة في النظام الاقتصادي الإسلامي.

مبادئ الاقتصاد الإسلامي

يعدد الشهيد الصدر ثلاثة مبادئ أساسية للنظام الاقتصادي الإسلامي: الملكية المزدوجة، الحرية الاقتصادية المحدودة، والعدالة الاجتماعية.

يعتقد الشهيد صدر أن الخلاف الأساسي بين الإسلام والنظام الرأسمالي والاشتراكي يكمن في طبيعة الملكية التي يقبلها كل من هذه الأنظمة، لأن المجتمع والنظام الرأسمالي يؤمنان بشكل خاص بالملكية الفردية ولا يعترفان بالملكية العامة إلا في حالات الضرورة الاجتماعية، والمجتمع الاشتراكي على العكس تمامًا؛ لكن المجتمع الإسلامي يختلف عن كلا النظامين، لأنه «يعترف بأشكال مختلفة من الملكية في آن واحد، وبدلاً من مبدأ الشكل الواحد للملكية الذي قبله الرأسمالية والاشتراكية، اعتمد مبدأ الملكية الثنائية أو الملكية ذات الأشكال المتنوعة. وأشكال الملكية المختلفة ثلاثة أنواع: الملكية الخاصة، العامة، والدولية».

في باب الحرية الاقتصادية المحدودة، يرى الشهيد محمد باقر صدر أن قيدين يمنعان مطلقية الملكية الخاصة في الإسلام. القيد الأول شخصي وداخلي ومستمد من القيم الأخلاقية للمشاركة في الثروة، كما علمها الإسلام. هذه القيم التي تقع خارج نطاق الحكم والإكراه الحكومي، لا يمكن قياسها، وهي مجرد أدوات منحها الدين للفرد؛ أما القيد الثاني، فهو قيد موضوعي وواقعي محدد بدقة في القانون، ويطبق على مستويين: على المستوى الأعلى «مصادر الشريعة الإسلامية العامة تمنع مجموعة من الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، مثل الربا والاحتكار وما شابه ذلك» وعلى المستوى الآخر «مبدأ إشراف ولي الأمر على الأنشطة العامة ومبدأ تدخل الدولة للحفاظ على المصالح العامة والحريات العامة».

في باب العدالة الاجتماعية، ينبه الشهيد صدر إلى خطر العموميات والتعميمات غير المجدية في علاقة الإسلام بالعدالة الاجتماعية، ويشير بإيجاز إلى أن مفهوم العدالة الاجتماعية ينقسم إلى مبدأين فرعيين: «التكافل العام» و«التوازن الاجتماعي».

الدين والاقتصاد

من وجهة نظر الشهيد صدر، ما يفعله الدين هو حل النزاع بين الفرد والمجتمع، «لأن الدين قوة روحية يمكنها تعويض تنازل الإنسان عن الملذات الدنيوية المؤقتة، وتشجيعه على التضحية في سبيل الأهداف السامية، وخلق مفهوم يتجاوز الحسابات التجارية في ذهن الإنسان عن الربح والخسارة».

يرى الشهيد صدر أن الاقتصاد الإسلامي، على عكس الاقتصاد الماركسي الذي يدعي العلمية، ليس علمًا. «الاقتصاد الإسلامي من هذه الناحية يشبه المدرسة الاقتصادية الرأسمالية التي تهدف إلى تغيير الواقع وليس تفسيره، لأن مهمة المدرسة الاقتصادية الإسلامية هي اكتشاف الصورة الكاملة للحياة الاقتصادية بناءً على الشريعة الإسلامية ودراسة الأفكار والمفاهيم التي تلقي الضوء خلف هذه الصورة». يؤكد الشهيد صدر أن الاقتصاد الإسلامي لا يدعي العلمية، بل يبدأ من الأهداف الاجتماعية ثم يدمج الواقع الاقتصادي معها. ويوضح أن الإسلام، خلافًا للماركسية، لا يرى علاقة بين تحولات أساليب الإنتاج والتحولات في العلاقات الاجتماعية وعلاقات الإنتاج.

المعضلة الرئيسية للاقتصاد

يرى محمد باقر صدر أن المعضلة الرئيسية في الاقتصاد الرأسمالي هي ندرة الموارد الطبيعية مقابل متطلبات واحتياجات المدنية الحديثة، وفي الاقتصاد الاشتراكي هي التناقض بين طريقة الإنتاج وعلاقات التوزيع. ومن وجهة نظر الشهيد صدر، معارضة الإسلام للرأسمالية تنبع من اعتقاده بأن الطبيعة توفر موارد وثروات كثيرة للبشرية، ومعارضته للاشتراكية تنبع من رؤيته أن المشكلة ليست في أساليب الإنتاج بل في الإنسان نفسه.

النهج الأساسي لـ«اقتصادنا» يقوم على التوزيع والطرق التي يمتلك الإسلام من خلالها القدرة على تنظيم التوزيع لتحقيق أقصى حد من الثروة الاقتصادية، والطريق لذلك هو استثمار الإنسان للموارد والثروات الطبيعية، كما ذُكر، الجزء الرئيسي من الكتاب مخصص لقسمين: «التوزيع قبل الإنتاج» و«التوزيع بعد الإنتاج».

«جهاز التوزيع في الإسلام يتكون من أداتين رئيسيتين: العمل والحاجة». من وجهة نظر الشهيد صدر، الإسلام يعترف فقط بالعمل كسبب لملكية العامل لنتيجة عمله، وهذه الملكية الخاصة المبنية على العمل تعبر عن الميل الطبيعي للإنسان لامتلاك نتائج عمله، والقاعدة الإسلامية التي يستخلصها الشهيد صدر هي أن العمل يسبب ملكية العامل للمادة وليس سببًا لقيمتها، لذلك عندما يستخرج العامل اللؤلؤ، يصبح مالكًا له فقط بعمله هذا، ولا يمنحه هذا العمل قيمة إضافية.

يلخص الشهيد صدر العناصر الثلاثة المكونة لجهاز التوزيع في الإسلام كما يلي: العمل كأساس للملكية وأداة رئيسية للتوزيع، لذلك من يعمل في مجال الطبيعة يحصد ثمرة عمله ويصبح مالكًا لها.

الحاجة كتعبير عن حق إنساني ثابت في حياة كريمة، هي أداة أساسية للتوزيع، وبالتالي فإن التوزيع مسؤول عن تلبية احتياجات المجتمع الإسلامي.

الملكية من خلال الأنشطة التجارية التي يسمح بها الإسلام ضمن شروط خاصة لا تتعارض مع مبادئ العدالة الاجتماعية الإسلامية، هي أداة ثانوية للتوزيع.

يعتبر الشهيد صدر في نقاش التوزيع أن المشكلة الاجتماعية الأساسية هي «الظلم».

الاعتبارات المنهجية

يفصل الشهيد صدر بين مفهومي «المدرسة» و«العلم». فالمدرسة هي الطريق الذي تسلكه مجتمع ما في تطوره الاقتصادي وحل مشكلاته العملية، والعلم يشرح الحياة الاقتصادية والعلاقات القائمة بين الحقائق الاقتصادية والعوامل المحددة مسبقًا. وبعد هذا الفصل المحوري، يطرح الشهيد صدر أربع فرضيات:

  1. أن الاقتصاد الإسلامي مدرسة؛ وليس علمًا. هي مدرسة توضح الطريق الذي يجب أن يسلكه أتباعها في الاقتصاد.
  2. الاقتصاد الإسلامي قائم على فكرة العدالة، وبما أن مفهوم العدالة لا يُنسب إلى عالم العلم، فلا عجب أن الاقتصاد الإسلامي ليس علمًا، لأن جوهر العدالة هو التقييم والقيمة الأخلاقية؛ ولهذا يقول الشهيد صدر في نهاية هذا القسم: لذلك فإن الملكية الخاصة أو الحرية الاقتصادية أو إلغاء الربا وتأميم وسائل الإنتاج… كلها تقع ضمن دائرة المدرسة لأنها مرتبطة بفكرة العدالة؛ أما أمور مثل قانون العرض والطلب وقانون الأجور الحديدي… فهي من القوانين العلمية.
  3. الفرضية الثالثة هي أن الشريعة الإسلامية هي الطريق الأول لاكتشاف الاقتصاد الإسلامي.
  4. الفرضية الرابعة هي أن الاقتصاد الإسلامي قائم على الاكتشاف؛ لا على التكوين. ولهذا فإن العالم الإسلامي يتمتع بحرية أقل مقارنة بالآخرين؛ وخياراته محدودة ضمن نطاق القوانين الإسلامية التي تحكم الاقتصاد.

التوزيع وعوامل الإنتاج

للتوزيع قبل الإنتاج أربعة عوامل يمكن تسميتها الموارد الطبيعية للإنتاج: الأرض، المواد الخام التي أغلبها من المناجم، المياه، وغيرها من الموارد الطبيعية (البحر، اللؤلؤ، …).

يأتي في هذا القسم نقاش مفصل حول تحليل الحقوق المتعلقة بالأراضي. أولًا، يُطرح نقاش التحديد التاريخي للأرض وطريقة دخول قطعة أرض معينة ضمن نطاق الحكم الإسلامي: «ملكية الأرض في العراق تختلف عن ملكية الأرض في إندونيسيا، لأن العراق وإندونيسيا يختلفان في طريقة الانضمام إلى دار الإسلام. يمكن تمييز ثلاثة أنواع من الأراضي من الناحية التاريخية:

  1. الأرض التي دخلت ضمن نطاق الإسلام بالفتح، مثل العراق، مصر، سوريا، إيران وأجزاء كبيرة من العالم الإسلامي.
  2. الأرض التي دخلت ضمن نطاق الإسلام بالدعوة.
  3. أرض الصلح.

فيما يخص الأراضي التي كانت مزدهرة وقت الفتح، يقول الشهيد صدر: يتفق فقهاء الشيعة والسنة على أن الأرض التي كانت مزروعة ومأهولة بالبشر عند الفتح هي ملك لجميع المسلمين؛ ولهذا فإن الملكية الخاصة في هذه المناطق ممنوعة، والملكية العامة لهذه الأراضي لها شروط؛ منها أنها لا تخضع لقوانين الإرث، وهذه الأراضي لا يجوز بيعها أو مبادلتها، والولي أمر مسؤول عن ازدهار هذه الأراضي وفرض الضرائب على المستأجرين، والخراج أيضًا ملك عام، وعند انتهاء مدة الإيجار تنقطع العلاقة بين المستأجر والأرض؛ أما الأراضي التي كانت مهجورة (ميتة) وقت الفتح فهي ملك للدولة، وهي أيضًا غير قابلة للبيع، ولكن الأراضي التي كانت مزدهرة طبيعيًا مثل الغابات فهي ملك للدولة، ولكن الغابات والأراضي المزدهرة طبيعيًا التي تُؤخذ من الكفار هي ملك عام.

أما الأراضي التي دخلت ضمن نطاق الإسلام بالدعوة، مثل أراضي المدينة وإندونيسيا، فجزء منها فقط كان مزروعًا ومأهولًا قبل الإسلام ويظل على حاله، وملكيته الخاصة مطلقة، وفرض الضرائب عليها حرام؛ أما الأراضي غير المزروعة (الميتة) أو الأراضي المزدهرة طبيعيًا فهي ملك للدولة.

الوضع القانوني لأراضي الصلح هو كما يلي: الجزء الذي كان مزروعًا ومأهولًا يدير بناءً على اتفاق يجعل سكان هذه المنطقة جزءًا من العالم الإسلامي؛ أما الأراضي غير المزروعة والمزدهرة طبيعيًا، إذا لم يتخذ الاتفاق قرارًا بشأنها، فهي جزء من ممتلكات الدولة.

استمرارية الاستغلال ونظرية ملكية الأرض

بصرف النظر عن الطبيعة، كل مجموعة معينة تستولي على قطعة أرض تصبح هذه الأرض ذات شروط أساسية تلزم المالك بالاستمرار في استغلال الأرض بشكل مستمر، وإذا تُركت الأرض دون زراعة، يفقد المالك سيطرته القانونية عليها. في حالة وفاة الشخص الذي كان يعمل على الأرض، تُطبق قوانين الإرث على ما تركه من أشياء، بما في ذلك أرضه، ويمكن لورثته أن يرثوا الأرض إذا لم يوقفوا استغلالها، وإذا أوقفوا الاستغلال، فإن الأرض بسبب الإهمال تصبح ملكًا عامًا.

مفهوم العمل ومفهوم الإحياء في نظرية الملكية العامة للأرض يحتلان مكانة مركزية: «وبالتالي، نعلم أن الملكية الخاصة للأرض ـ سواء كانت حقًا أو ملكًا ـ تقتصر على أن يؤدي الفرد واجبه الاجتماعي في (إحياء) الأرض؛ وإذا تركها مهجورة وامتنع عن إحيائها وحولها إلى خراب، تنقطع علاقته بتلك الأرض وتتحرر الأرض من قيود ملكيته».

العامل الثاني من عوامل الثروة التي توزع في مرحلة ما قبل الإنتاج وفق النظام الاقتصادي المقترح من قبل صدر هو المواد الخام أو المناجم. في الرد على سؤال هل ملكية المناجم تتبع ملكية الأرض أم لا؟ كان جواب محمد باقر صدر بالنفي، لأن وجود المناجم «في أرض شخص معين لا يسبب له وحده من الناحية الفقهية ملكية ذلك المنجم».

الشهيد صدر أيضاً مثل الفقهاء القدامى، مثل الحلي، الشافعي والماوردي، يقسم المناجم إلى مناجم ظاهرة وباطنة، ويعد منجم الملح والكبريت من المناجم الظاهرة، والذهب والفضة والحديد من المناجم الباطنة. المناجم الظاهرة هي ملك عمومي: «هذه المناجم مشتركة بين الناس ولم يخصّصها الإسلام لأحد، ولذلك فإن استغلالها حق للدولة أو ممثل الدولة فقط. وفي النهاية، يمكن لكل شخص أن يستخدم من المناجم الظاهرة بقدر حاجته الشخصية.

أما المناجم الباطنة فتُقسم إلى نوعين: المناجم الباطنة القريبة من سطح الأرض التي، كما يقول الشهيد صدر، لم يسمح الفقهاء بالملكية الخاصة لها، وسمحوا فقط باستخدامها بقدر الحاجة؛ أما حكم المناجم المدفونة في باطن الأرض فهو محل نزاع بين الفقهاء؛ فبعضهم مثل الكليني، القمي والمفيد اعتبرها أنفال وملكاً للدولة؛ في حين أن فريقاً آخر مثل الشافعي اعتبرها ملكاً عاماً يشترك فيه الجميع.

العامل الثالث والرابع: المياه وغيرها من الموارد الطبيعية

هي أيضاً من نوعين: المياه السطحية والمياه الباطنة في أعماق الأرض. المياه الظاهرة، وبعبارة الشهيد صدر «المصادر المكشوفة والظاهرة»، هي ملك عام يمكن لكل شخص أن يأخذ منها بقدر الجهد الذي يبذله، والمياه في أعماق الأرض التي ليست متاحة للجميع يمكن لكل شخص أن يستخرج منها بقدر حاجته، ويمكنه أن يأخذ منها.

الموارد الطبيعية الأخرى هي من الممتلكات العامة التي يمكن لكل شخص أن يصبح مالكاً لشيء حصل عليه بجهده؛ مثلاً إذا دخل طائر إلى أرض شخص، لا يترتب على ذلك حق ملكية صاحب الأرض للطائر، بل الإمساك بالطائر هو الذي يترتب عليه حق الملكية.

من المسائل الدقيقة والحساسة التي تناولها الشهيد صدر في بحث المناجم وحلها، مسألة النفط. مع أن النفط من الموارد والمناجم الظاهرة والسطحية، إلا أن الشهيد صدر يرى أن النفط ملك عام، ولذلك لا يحق للقطاع الخاص استغلاله.

الإنتاج ودور الدولة

في الفصلين الأخيرين من الكتاب، يؤكد الشهيد صدر على دور الدولة في النظام الاقتصادي كقوة أساسية للثروة الإنتاجية وأهداف التوزيع. أهمية دور الدولة في فكر الشهيد صدر تكمن في أن إطلاق مشروع اقتصادي كبير دون وجود الدولة غير ممكن، وهذه المشاريع الكبيرة تحتاج إلى تراكم رأس المال الذي لا يمكن تحقيقه بدون الدولة، لأن الإسلام يمنع التراكم الكبير للثروة، ويجب على الدولة التدخل في الاقتصاد لضمان سير الإنتاج بشكل صحيح والتوزيع العادل للموارد الطبيعية.

للدولة دور مهم في الاقتصاد (وفق نظرية الشهيد صدر). المجال الرئيسي لتدخل الدولة هو منطقة الفراغ التي شرحها المؤلف بالتفصيل في أجزاء بداية كتابه. في هذه المنطقة الخالية، يتصرف الحاكم، لأنه ولي الأمر، بإجراءات اقتصادية لتحقيق «الضمان الاجتماعي» و«التوازن الاجتماعي». الهدف والفلسفة من تدخل الدولة، كما يظهر من كتاب اقتصادنا، هو ضمان إزالة الفوارق والفجوات الاجتماعية العميقة. تدخل الدولة يمنع أن تصبح التناقضات والفجوات الاجتماعية شديدة إلى درجة تؤدي إلى احتكار الثروة في يد الأغنياء.

يجب أن تكون منطقة الفراغ مرنة بحيث تتيح للإسلام فرصة الاستجابة للاحتياجات الاجتماعية وحل المشكلات الاقتصادية في كل العصور.

كتاب اقتصادنا لا يزال أهم وأشهر كتاب في مجال الاقتصاد الإسلامي، في جميع جامعات الغرب وإيران، حيثما كان الاقتصاد الإسلامي حاضراً، فإن كتاب اقتصادنا هو محور الاهتمام.

لم يقتصر اعتبار وتأثير كتاب اقتصادنا على العالم الشيعي فقط، بل شمل مصر، وخاصة عدد من جامعات المغرب العربي التي كان يُدرس فيها هذا الكتاب.

ظهور كتاب اقتصادنا جاء في مرحلة تاريخية حساسة جداً، لأنه في مواجهة هجوم تيار الماركسية وازدهار الأحزاب الشيوعية في البلدان الإسلامية، أعاد الكفة لصالح الإسلاميين الذين، رغم ادعائهم أن الإسلام يجيب على كل احتياجات البشرية إلى الأبد، لم يكن لديهم ما يقولونه في مواجهة منافسيهم الماركسيين والشيوعيين الذين كانوا يملكون أدبيات ونقاشات منهجية اقتصادية علمية، ومصطلحات علمية أساسية وفوقية، وعلاقات الإنتاج وعوامل الإنتاج، والطبقة البروليتارية، والثورة العمالية، وغيرها. في الحقيقة، ما فعله علي شريعتي في مجال الثقافة والتاريخ والمجتمع، حيث وضع نظرية للعودة إلى الهوية الإسلامية وعرّف هوية جديدة لجيلنا الضائع ومنعهم من الوقوع في أحضان الماركسية وأعاد بعض الساقطين منها، هو ما فعله الشهيد محمد باقر صدر بكتابة كتابين محوريين هما اقتصادنا وفلسفتنا، حيث هاجم بدقة علمية الاقتصاد الرأسمالي والاشتراكي والفلسفة المادية والإلحادية، والأهم أنه وضع بديلاً إسلامياً لهما لا يزال صالحاً للاستخدام رغم مرور أكثر من أربعة عقود.

النقطة الأخيرة هي أن منهج الشهيد محمد باقر صدر في كتاب اقتصادنا هو منهج تقريبي. فهو في مناقشات هذا الكتاب يتجاوز حدود الفقه الشيعي وينظر إلى آراء وأفكار الفقهاء السنة كمصادر علمية لاكتشاف نموذج الاقتصاد الإسلامي؛ ولهذا يطرح آراء الشافعي، مالك، السرخسي وابن حزم إلى جانب آراء فقهاء الشيعة.