ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: بررسی اندیشههای اسلامی مدیریتی شهید صدر و علامه مصباح یزدی ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص: أُعدَّ هذا المقال بهدف دراسة ومقارنة الأفكار الإسلامية الإدارية لعلامة مصباح اليزدي والشهيد صدر، وهما شخصيتان بارزتان أصيلتان في الإسلام. يستخدم هذا البحث منهج «الدراسة المقارنة لبيردي» ويعتمد على أربعة كتب مرجعية لتحليل وجهات نظر هذين المفكرين. تشير النتائج إلى أن كلا المفكرين يؤكدان على الأسس الفكرية ودورها في علم الإدارة، وكذلك على التمييز الجوهري بين الجمل الوصفية والتقريرية. ومع ذلك، يرى العلامة مصباح أن إنتاج الجمل التقريرية ضروري، في حين يركز الشهيد صدر على إنتاج الجمل الوصفية المتعلقة بالموضوعات. في النهاية، يمكن من خلال دمج هاتين الرؤيتين واستخدام الحسن الفعلي والفعلي معًا، استخلاص نموذج مفهومي متماسك وجديد لحل القضايا الإدارية.
المؤلف: قادرعلی واثق، غلامحسین رحیمی
المصدر: اسلام و پژوهشهای مدیریتی، خريف وشتاء 1400، العدد 23، ص 25 إلى 46.
المقدمة
تتمتع مقارنة الأفكار التي تُحدث تحولات علمية واجتماعية جذرية بأهمية كبيرة (بیگدلی و زیباکلام، 1396). يُعد الشهيد صدر والعلامة مصباح مفكرين رائدين وأصيلين وفاعلين في البحوث الإسلامية والاجتماعية.
يُعتبر «الإدارة الإسلامية» من المجالات المهمة للدراسات الإسلامية، وعلى الرغم من الجهود الكبيرة المبذولة، لا تزال بعيدة عن المثالية. لذلك، يُعد اليوم إنتاج النظريات الإدارية الإسلامية من القضايا المهمة للمنظمات الإسلامية.
تُعد دراسة أفكار الشخصيات العلمية الدينية من الطرق الفعالة التي يمكن من خلالها الحصول على النتائج اللازمة لحل مثل هذه القضايا. ولهذا الغرض، يبحث هذا البحث أفكار اثنين من الشخصيات الإسلامية البارزة ويقارن بينهما، ليتمكن من خلال ذلك من الوصول إلى قراءة شاملة ومعقولة للعلاقة بين الإدارة والإسلام، والعمل على تجاوز التحديات النظرية والتطبيقية في هذا المجال.
لذا، فإن هدف هذا البحث˚ هو الوصف النظري والمقارنة المقارنة لأفكار العلامة مصباح والشهيد صدر الإدارية، لا سيما الأسس وطريقة التفسير واستخلاص التعاليم الإدارية لديهما. هذا البحث هو دراسة مقارنة تستخدم نموذج جورج بيردي (George Beredy)، حيث تُدرس الأفكار المذكورة خلال أربع مراحل: «الوصف»، «التفسير»، «التجاور» و«المقارنة». على الرغم من الأهمية الكبيرة لهذين الرأيين، لم يُجرَ حتى الآن بحث مستقل عنهما. ومن دون الاعتماد على أبحاث مماثلة، يبحث هذا البحث للمرة الأولى في الأفكار الإسلامية الإدارية لهذين المفكرين الإسلاميين.
الأسس النظرية
«الإدارة» من وجهة نظر فالت هي «فن إنجاز الأمور بواسطة الآخرين ومعهم» (الوانی، 1385، ص 17)، وفي تعريف آخر، «عملية الاستخدام الفعال والكفء لموارد المنظمة من خلال مهام الإدارة لتحقيق الأهداف» (رضائیان، 1387، ص 8).
تُعد الأفكار القرآنية الإدارية للشهيد صدر والعلامة مصباح جزءًا من وجهات النظر والمناهج الإدارية الإسلامية التي تناولها المفكرون الإسلاميون. هذان الفكران، تبعًا لمفكريهما، يُعتبران من وجهات النظر المهمة والأصيلة والمؤثرة في مجال الإدارة الإسلامية، ودراستهما مقارنةً تحظى بأهمية خاصة.
«التحليل المقارن النوعي» الذي طرحه لأول مرة تشارلز راجين (1987) أحدث تحولًا ملحوظًا في منهج المقارنة في العلوم الاجتماعية (کوثری، 1386). ومن الطرق المهمة والشائعة للتحليل المقارن التي تُستخدم لمطابقة الظواهر هو نموذج جورج بيردي الذي يتضمن أربع مراحل: «الوصف»، «التفسير»، «التجاور» و«المقارنة» (کریمی موقنی و خراشادیزاده، 1394):
1. في مرحلة «الوصف»، يتم تدوين ملاحظات حول ظواهر البحث بناءً على الأدلة والمعلومات؛ بحيث يصف الباحث الظواهر التاريخية المتعلقة بالبحث استنادًا إلى الأدلة والملاحظة المباشرة للوثائق وتقارير الآخرين التي حصل عليها. هذه المرحلة هي مرحلة تدوين الملاحظات حول الظواهر والمشاهدات لفحص الموضوع في المرحلة التالية.
2. في مرحلة «التفسير»، تُراجع المعلومات الموصوفة في المرحلة الأولى وتُحلل الأمور ذات الصلة. يجب أن يكون تحليل المعلومات مبنيًا على المبادئ والأساليب المعتمدة في العلوم الاجتماعية، أي «الشرح الموضوعي الحقيقي والمنظم لخصائص موقف أو موضوع معين».
3. في مرحلة «التجاور»، تُصنف المعلومات التي تم الحصول عليها من المراحل السابقة وتُجمع معًا لتشكيل إطار للمقارنة بين أوجه التشابه والاختلاف في المرحلة التالية.
4. في مرحلة «المقارنة»، تُدرس مسألة البحث التي تم تناولها بشكل إجمالي في المراحل السابقة بدقة وبالاهتمام بالتفاصيل في مجال أوجه التشابه والاختلاف.
لم يُعثر على سابقة لهذه الدراسة، باستثناء أن بعضهم قد كتبوا أقوال هذين المفكرين أو جمعوا كتاباتهما في موضوعات مثل كتاب علاقة العلم والدين (بواسطة الدكتور علي مصباح) وكتاب نظرية القرآن المبنية: مناهج تطوير منهج نظرية القرآن المبنية (بواسطة سعيد بهمني). لذلك، هنا يُركز فقط على أهم أعمال هذين المفكرين المتعلقة بالموضوع. وللمقارنة بين هذين الرأيين، تم اختيار أربعة كتب؛ كتابان يتعلقان بفكر العلامة مصباح وكتابان لدراسة الفكر الإداري للشهيد صدر.
من أهم آثار العلامة مصباح في مجال الإدارة الإسلامية: كتابا علاقة العلم بالدين (1392ب) ومتطلبات الإدارة الإسلامية (1391ب). الأول هو مجموعة من آراء سماحته في موضوع العلم والدين التي ألفها الدكتور علي مصباح، والكتاب الثاني هو مجموعة من محاضراته في باب الإدارة الإسلامية، وهو أهم أثر مستقل له في الإدارة.
بدأ سماحته بمناقشة «علم الإنسان» كمقدمة وأساس لعلم الإدارة وباقي العلوم الإنسانية، مؤكدًا على ضرورة وجود هذا الموضوع في تخصص الإدارة. ثم تحدث عن النظام القيمي في الإسلام الذي يتميز بـ «الشمول والعموم، التمتع بعلاقات وتماسك كافٍ، القدرة على التفسير العقلي، تفسير اللذة والمنفعة غير المحدودة، حسن الفعل وحسن الفاعل، وامتلاك مراتب للقيم». بعد ذلك قارن بين الإدارة المادية والإدارة الإسلامية، وفي النهاية قيّم مختلف المفاهيم لمصطلح «الإدارة الإسلامية» وحدد المعنى الأدق له وهو: تأثير النظام القيمي الإسلامي على الإدارة. ثم أكد على خاصية الثبات في النظام القيمي الإسلامي، معتبرًا هذه الخاصية أصل القيم الإسلامية، واعتبر النظرة السطحية للإسلام إحدى مشكلات المؤمنين بالإسلام في مناقشات العلوم الإنسانية.
أما أهم آثار الشهيد صدر فهي مجموعات المدرسة القرآنية: التفسير الموضوعي والتفسير التجزيئي في القرآن (صدر، 1421هـ الف) ونظرية القرآن المبنيّة: مناهج تطوير منهج نظرية القرآن المبنيّة (بهمنی، 1397). في أواخر حياته فتح باب موضوع جديد أمام تلاميذه. هذه المناقشات في شكل أربعة عشر درسًا تُعد آخر أقواله العلمية. بعد استشهاده، تم نسخ هذه الدروس عام 1362 بجهود اعتماد الكاظمي، ونُشرت المجموعة في عام 1379 بواسطة «مركز بحوث الشهيد صدر» ومؤتمره بعنوان المدرسة القرآنية: بحوث في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم وبحوث في علوم القرآن ومقالات قرآنية.
في الدرسين الأولين شرح منهج «التفسير الموضوعي المؤدي إلى النظرية». الدروس الخمسة التالية خصصها لنظرية «السُنن الإلهية»، وفي الدروس السبعة الأخيرة درس موضوع «عناصر المجتمع وعلاقاتها في القرآن». بشكل عام، يحتوي هذا الكتاب على آخر آراء الشهيد صدر حول العلوم الاجتماعية الإسلامية، ومنه يمكن استنباط فكره الإداري الإسلامي. كما أنه بنفسه، على سبيل المثال، في موضوعي السُنن الإلهية والعناصر المجتمعية، قد وضع نظريات باستخدام منهجه المبتكر.
الأثر الثاني للشهيد صدر هو كتاب نظرية القرآن المبنيّة: مناهج تطوير منهج نظرية القرآن المبنيّة، الذي ألفه سعيد بهمني، وهو (مثل كتاب علاقة العلم بالدين للعلامة مصباح) مستمد من آثار الشهيد صدر حول منهج نظرية «القرآن المبنيّة». هذا العمل التأليفي التحليلي وسّع منهج الشهيد صدر.
بشكل عام، تملك هذه الأعمال القدرة على أن تكون مجالًا موضوعيًا مناسبًا لمقارنة آراء مؤلفيها، وتوفير المواد والبيانات اللازمة، وبالتالي أن تكون فعالة في تحقيق هدف البحث. إطار تحليل هذه البيانات كما ذُكر هو نموذج جورج بردي الذي يتم في أربع مراحل (الوصف، التفسير، التجاور، والمقارنة).
منهج البحث
اقترحت نماذج العلم مسارين مختلفين ومتميزين بعنوان المسار الكمي والمسار النوعي للإنتاج العلمي. في المنهج الكمي نصل إلى التفسير والتنبؤ، وفي المنهج النوعي نصل إلى الاكتشاف التفسيري أو إحداث تحول نقدي (ایمان، 1388، ص 5). عادةً ما يكون أسلوب البحث في هذه المقالة نوعيًا واستقرائيًا. إذا كانت البيانات توصف الواقع بالكلمات وليس بالأرقام، فإنها تسمى «بيانات نوعية» (سرمد و همكاران، 1384، ص 207). «البيانات النوعية هي تلك التي تُطلق على البيانات بناءً على المفهوم الذي تعبر عنه من خلال الكلمات واللغة» (اندرسن، 1387، ص 178).
منهج تحليل البحث الحالي هو «دراسة مقارنة» التي وفقًا لجورج. ز. ف. بردي (George z. f. Beredy) تمر بأربع مراحل: «الوصف، التفسير، التجاور، والمقارنة» (كریمی موقنی و خراشادیزاده، 1394).
في المرحلة الأولى، تُجمع البيانات المتعلقة بالرأيين، وتُكتب وتُدرس. في المرحلة الثانية، تُفرز البيانات المجمعة وتصنف ضمن عدة محاور مهمة. في المرحلة الثالثة، تُرتب الفئات الناتجة مثل قطع البازل جنبًا إلى جنب لتكوين إطار لمقارنة أوجه التشابه والاختلاف (جدول مقارن لمقارنة أوجه التشابه والاختلاف بين الآراء). وأخيرًا في المرحلة الرابعة، تُقارن الآراء قيد الدراسة بناءً على الإطار الذي تم الحصول عليه في المرحلة الثالثة، وتُحدد أوجه التشابه والاختلاف بينها ليُجاب على سؤال البحث بناءً على ذلك.
دراسة الأفكار
تتبنى أفكار العلامة مصباح والشهيد صدر القرآنية أساسًا منهجًا مستقبليًا أو وصفيًا للمعرفة القائمة على القرآن. لذلك، فإن تحليل هذه الأفكار ليس دراسة للمعرفة والنظريات الإدارية المتجسدة من وجهة نظر القرآن ليتم وصفها مثل النظريات الإدارية الأخرى، بل هو دراسة لآراء هذين المفكرين باعتبارها متطلبات نظرية للإدارة القائمة على القرآن وتقديم كيفية ذلك من منظور الإسلام.
أ. الوصف
1. رأي العلامة مصباح
1. الإدارة القائمة على القيم الإسلامية
يشير العلامة مصباح إلى «العلوم الإنسانية» ويحدد أولًا موضوعها، وهو «الإنسان»:
في جميع فروع العلوم الإنسانية، يُعتبر «الإنسان» أحد موضوعات البحث والدراسة، وما يجمع بين جميع العلوم الإنسانية ويشكل عمودها الفقري هو الإنسان وأبعاد وجوده. كل من هذه العلوم يناقش بطريقة ما أحد أبعاد الإنسان أو مظاهره؛ لأن السؤال الدائم في كل العلوم الإنسانية هو: ما هو «الإنسان» نفسه؟ عندما يتضح موضوع هذه العلوم أكثر، يصبح النقاش حول أبعاد وتجليات وجود موضوع «الإنسان» أفضل وأكثر إقناعًا، بل من المنطقي أن يكون في جميع فروع العلوم الإنسانية قسم يُسمى «علم الإنسان»؛ لأن معرفة الإنسان في كل هذه الفروع حاجة ضرورية (مصباح یزدی، 1391ب، ص 15).
ثم ينتقل إلى تعريف «الإدارة» كأحد فروع العلوم الإنسانية الفرعية:
«الإدارة» علم يستفيد من علم النفس وعلم الاجتماع وبعض فروع العلوم الإنسانية الأخرى، ويبحث في قضاياه الخاصة. تستفيد الإدارة في سلوك الإنسان في كثير من الحالات من بركات علم النفس الاجتماعي، وعلم النفس التربوي، وعلم الاجتماع. مع هذا التوضيح، أصبح ارتباط العلوم الإنسانية بـ «علم الإنسان» واضحًا (المرجع نفسه، ص 16).
بالإضافة إلى أن «الإدارة» هي أحد فروع العلوم الإنسانية ومحورها الإنسان، ومن ثم من المستحق أن يُناقش الإنسان نفسه إلى جانب بحوث الإدارة، هناك حاجة خاصة في مجال الإدارة إلى معرفة الإنسان (المرجع نفسه، ص 1617).
بعد توضيح موضوع العلوم الإنسانية والإدارة (أي الإنسان)، يشير إلى أداة رقابة مهمة تُسمى «القيم الإنسانية» التي تُعد من الأسس والمتطلبات الأساسية في نقاش الإدارة:
حاجتنا إلى دراسة القيم الإنسانية في الإدارة جدية للغاية. أحد أسباب ذلك هو أن نتائج بحوث الإدارة تُظهر: إذا كان أعضاء منظمة إنتاجية يتمتعون بالقيم الأخلاقية، فإن إنتاجية العمل تكون أعلى وتكاليفه أقل، وربما يمكن القول: إن ترسيخ القيم الأخلاقية هو أفضل طريقة للسيطرة على القوى البشرية (المرجع نفسه).
من وجهة نظره، القيم تعطي الموظفين في المنظمة شعورًا بالشخصية، كما تقلل التكاليف، وبالتالي تزداد الإنتاجية:
بدون استبطان القيم، حتى مدير المؤسسة ليس موثوقًا به ويجب أن يُراقب، ويجب أن يكون هناك من يراقب المسؤولين عن الرقابة والتفتيش لضمان صحة تقاريرهم، وألا يخفي الحقائق أو يزور المعلومات، وهذا الكلام ينطبق على مجموعة الرقابة هذه أيضًا. ولكن إذا أمكن بدلاً من كل هذه القوى البشرية المراقبة أن تُغرس القيم في داخل الموظفين؛ أي أن يُلزموا بمجموعة من المبادئ الأخلاقية القيمة بحيث يمكن الوثوق بهم، ففي هذه الحالة تتحرر القوى المراقبة ويمكنها أن تنخرط في العمل المنتج، كما يمكن استخدام التكاليف التي تُصرف عليهم في مكان آخر. بالإضافة إلى ذلك، سيشعر العمال أكثر بالشخصية والقيمة؛ لأن الأشخاص الذين يُراقبون أنفسهم باستمرار يشعرون بالمهانة. أما عندما يُوثق بهم ويكونون فعلاً جديرين بالثقة، فإنهم يشعرون هم أنفسهم بالقيمة والشخصية، وهذا بدوره له آثار اقتصادية ونفسية وإنسانية، وهو أيضًا أكثر فائدة للتنمية؛ لأن في هذه الحالة تزداد القوة الفاعلة والمنتجة (المرجع نفسه، ص 1719).
يعتبر علم الإنسان شرطًا أساسيًا خاصًا للإدارة، ويعتقد أن الإدارة تعتمد على معرفة الإنسان، وفي الواقع معرفة الإنسان من جوانب معينة هي شرط مسبق لـ «الإدارة». أهم هذه الجوانب هو أن الإدارة على أي حال تتضمن توصية بسلوكيات إنسانية معينة تُطرح في إطار الواجبات والنبهيات والقيم، وهذه الواجبات والنبهيات بحسب الأفكار المختلفة تكتسب أسسًا مختلفة.
أحيانًا يكون أساس القيم هو المنفعة والمصالح الاقتصادية. لذلك تتشكل الواجبات والنبهيات على هذا الأساس. الهدف الخاص لمنظمة إنتاجية يحدد الواجبات التي تحكم سلوك العمال؛ أي عندما يكون الهدف الرئيسي للمؤسسة هو تحقيق ربح أكبر، تكون الواجبات على هذا الأساس حول كيفية التصرف لتحقيق ربح أكبر للمؤسسة، وهذه مسألة اقتصادية بحتة، وعلاقتها بـ «الإدارة» هي أن المدير يجب أن يتصرف مع العمال بطريقة تؤدي إلى أداء أفضل للعمل وبالتالي تحقيق ربح أكبر للمؤسسة. من الواضح أن الهدف هنا مادي فقط (المرجع نفسه، ص 24).
يؤكد العلامة مصباح، ضمن شرح علاقة الإسلام بالقيم العليا في الإدارة الاقتصادية، على أن القيم الإسلامية كنظام رقابي ومراقبة مضاعف، يمكنها أن تساعد الإدارة بشكل صحيح من خلال التشجيع والتأديب:
يجب بدلاً من تعزيز نظام الرقابة في الإدارة، تعزيز القيم الأخلاقية، وهذا هو أفضل بديل للنظام الرقابي المعقد؛ لأن هذا العمل˚ يحرر العديد من القوى البشرية للنشاطات الإنتاجية ويخفض تكلفة العمل. لذلك، من الناحية الاقتصادية أيضاً نحن بحاجة إلى القيم الأخلاقية وفهم تلك القيم وكذلك فهم الإنسان. ليس الأمر كما لو أن أي طريقة كانت مرغوبة لتحقيق المنفعة وأداء الإدارة، بل يجب اختيار طرق للإدارة لا تضر بكرامة الموظفين الإنسانية؛ أي، لا تمنع فقط تطورهم الروحي والمعنوي، بل تساعدهم في هذا الاتجاه. هذه سلسلة من القيم الخاصة التي عادةً لا تُطرح في الجامعات الغربية، أو يتم تجاهلها ببساطة، بينما دراسة هذه القضايا ضرورية لنا وطرح هذه القضايا من وجهة نظر إسلامية ضرورة ملحة. بالإضافة إلى ذلك، لا ينبغي حصر الطرق العلمية في الطرق التي تم تطبيقها حتى الآن. ربما توجد طرق أخرى لاكتشاف الحقائق لم يصل إليها البشر بعد (المرجع نفسه، ص 2527).
من وجهة نظره، وجود مناقشات “علم الإنسان” في تخصص الإدارة أمر ضروري. كما أُشير في المبحث السابق، بما أن محور جميع العلوم الإنسانية هو “الإنسان”، فمن المناسب أن يُنشأ في جميع التخصصات مادة دراسية مخصصة لفهم الإنسان. بعيداً عن العلوم الأخرى، فإن توضيح مناقشات علم الإنسان في تخصص الإدارة ضروري من جوانب متعددة:
أولاً. هناك مناقشات تتحدث عن خلق دافع للعمل أو قبول المسؤولية، وخلق الدافع لا يكون ممكناً إلا إذا عرفنا أبعاد وجود الإنسان، وطبيعة تحفيزه، والقيم التي تحكم وجوده، وعرفنا كيف يمكن استخدام الدوافع الفطرية والروحية للإنسان لتحقيق هذا الهدف.
ثانياً. أحد الجوانب المهمة للإدارة التي تُطرح في النقاشات النظرية وتستهلك الكثير من القوى في الممارسة هو كيفية السيطرة على القوى البشرية العاملة. إذا أمكن خلق عامل داخلي في الأفراد يجعلهم يؤدون مسؤولياتهم بأفضل شكل وبدون الحاجة إلى رقابة خارجية، فإن التكاليف ستنخفض وتتحرر القوى للقطاعات الإنتاجية والخدمية، وبهذا تتحقق جميع الأهداف المقصودة في الإدارة. لذلك من هذه الناحية أيضاً يجب فهم الإنسان ودراسة ما يجب فعله لكي لا يحتاج الأشخاص إلى الرقابة الخارجية أو يحتاجون إلى رقابة أقل.
بالطبع في النقاش النهائي، يُؤكد على أن ضرورة طرح مناقشات علم الإنسان في الإدارة تأتي من أن “الإدارة” تتناول القيم الإنسانية، وهذه القيم يجب أن يكون لها أسس منطقية وفلسفية. لذلك، من المناسب قبل أي نقاش آخر أن نبدأ بالنقاش حول الإنسان وطبيعته (المرجع نفسه، ص 37).
هو يرى، مع الأخذ في الاعتبار الإنسان وسلوكياته، أن النظام السلوكي مبني على نظام قيمي، ويقول في تعريف “النظام القيمي الإسلامي”:
المقصود من “النظام القيمي الإسلامي” هو مجموعة منسجمة ومرتبطة من الواجبات والمحظورات التي تتبع جميعها هدفاً واحداً (المرجع نفسه، ص 40).
خصائص النظام القيمي الإسلامي هي: الشمولية والعمومية؛ التمتع بالاتصال والتماسك الكافي؛ القدرة على التفسير العقلي؛ تفسير اللذة والمنفعة غير المحدودة؛ حسن الفعل والفاعل؛ وجود مراتب للقيم (المرجع نفسه، ص 144).
المعيار لقيمة الأخلاق والسلوكيات الإنسانية من وجهة نظر الإسلام هو مساعدتها في إيصال الإنسان إلى الكمال الحقيقي. العمل ذو القيمة هو الذي يؤدي إلى تكامل الإنسان، وبما أن حقيقة الإنسان هي روحه والجسد له جانب أداة، فإن الكمال الحقيقي للإنسان هو كمال الروح، وكمالات الجسد مقدمة وأداة لكمال روح الإنسان (المرجع نفسه، ص 197).
المعيار الأساسي للقيمة في النظام القيمي الإسلامي هو “الكمال النهائي” للإنسان الذي هو مصداق “القرب الإلهي”. للوصول إلى هذا الهدف، يجب على الإنسان أن يقوم بأعمال ويكتسب خصالاً. كل سلوك وصفة تؤدي إلى التقرب إلى الله لها قيمة، وكل ما يؤدي إلى الابتعاد عن الله تعالى فهو بلا قيمة أو له قيمة سلبية.
الأفعال التي تقرب الإنسان إلى القرب الإلهي تنقسم إلى فئتين رئيسيتين: 1. العبادات المباشرة؛ 2. العبادات غير المباشرة.
الفئة الأولى هي الأفعال التي تُعد خطوات رئيسية في المسار المباشر لحركة الإنسان نحو الله، وتسمى اصطلاحاً “العبادات المباشرة”، وتبدأ هذه العبادات من مرحلة الانتباه القلبي إلى أي نوع من العبادة التي هي تجلٍ لانتباه الإنسان إلى الله تعالى وإظهار الخشوع والعبادة في حضرة الله.
الفئة الثانية هي السلوكيات التي لا تقع في هذا الخط المباشر، لكنها من لوازم حياة الإنسان المؤمن، بحيث إذا لم يلتزم بها قد ينحرف أحياناً عن المسار المباشر. الموضوعات التي تُناقش في الأخلاق الإسلامية وفي النظام القيمي هي نفسها “العبادات غير المباشرة”. الالتزام بالعدل والإنصاف، الصدق، الأمانة، حتى الأعمال مثل التجارة، الزراعة، الصناعة وما شابهها، التي تلعب دوراً في تحسين حياة الإنسان وتساعده في طريق الكمال، تُعتبر من هذه الفئة (المرجع نفسه، ص 214).
السلوكيات الأخلاقية من وجهة نظر الإسلام لها قيمة وسيلة. بعبارة أخرى، مقدار قيمة كل عمل يعتمد على مدى مساعدته في الوصول إلى القرب الإلهي. الأفعال التي تساعد الإنسان في هذا المسار تُقسم من جهة إلى فئتين: «العبادات المباشرة» و«العبادات غير المباشرة». ولكن يمكن إضافة فئة أخرى إلى هاتين الفئتين، وهي القيم التي لا تصل إلى حد القيمة والمرغوبية في النظام القيمي الإسلامي، بل قيمتها فقط في أنها تساعد الإنسان على السير في الطريق الصحيح. هذه السلوكيات، رغم أنها لا تمتلك حد المرغوبية، إلا أنها من حيث أنها تمهد السبيل لسير الإنسان، فهي ذات قيمة نوعية.
القيم التي تطرحها الأنظمة الأخلاقية في المدارس الأخرى تقريبًا كلها في هذا المستوى؛ أي أن ما يُعرف هناك بـ«القيمة الأصيلة» في النظام القيمي الإسلامي أقل من حد القيمة. السلوكيات مثل الرجولة والإنصاف، الصدق والأمانة التي لها أصالة في المدارس الأخرى، من وجهة نظر الإسلام مرغوبة أيضًا، لكن قيمتها وسيلة ومن حيث المساعدة للإنسان في طريق السير إلى الله. لذلك، يمكن تقسيم كل القيم في هذا النظام إلى ثلاث فئات:
1. القيم المباشرة؛
2. القيم غير المباشرة؛
3. القيم العادية والمتعارف عليها أو المساعدة (المرجع نفسه، ص 231).
يقول العلامة مصباح في خلاصة مناقشات سابقة حول النظام القيمي إجمالاً:
أولاً، النظام القيمي الإسلامي نظام محوره الله. محور كل القيم هو الله تعالى والقرب منه.
ثانيًا، كل الموجودات في العالم خُلقت لتحقيق كمال خاص بها، ومن بينها الإنسان الذي هو كائن أكمل وذو استعداد أكبر للوصول إلى الكمال، يجب عليه بالاختيار والاختيار الحر أن يصل بنفسه إلى مرحلة الكمال.
ثالثًا، الحياة الدنيا حركة مستمرة نحو ذلك الهدف، ووسيلة لتحقيق الإنسان له، وليست هي الهدف بحد ذاتها. لذلك، نظرة الإنسان المسلم إلى الدنيا هي نظرة عابر للطريق، يبحث عن الهدف الرئيسي وراءها.
كل المخلوقات، بما في ذلك البشر، خُلقت لتحقيق الكمال. لذا يجب على البشر أن يروا أنفسهم جزءًا من نظام واحد يسير كقافلة نحو الهدف النهائي. إرادة الله متعلقة بأن جميع البشر يحتاجون إلى بعضهم البعض في طريق الكمال، ويتعاونون ويتكاتفون لقطع هذا الطريق. الإنسان الموحد يرى هدفه الرئيسي في القرب من الله ورضاه، وكل المواقف والظروف المختلفة في الحياة الفردية، الأسرية، الاجتماعية والعالمية من وجهة نظره هي مجال للاختيار والاختيار في الطريق والسلوك نحو القرب من الله. مثل هذا الإنسان يرى الهدف الرئيسي في مكان آخر، على عكس الماديين الدنيويين الذين تلخص كل أهدافهم في الدنيا (المرجع نفسه، ص 246).
لإظهار تجلّي القيم الإسلامية في مجال الإدارة، من الضروري دراسة كل جانب من جوانب الإدارة على حدة، وطرح تأثير القيم الإسلامية في أبعادها، ولو بشكل موجز:
الخطوة الأولى في الإدارة سواء كانت إنتاجية أو خدمية هي وضع السياسة أو تحديد الهدف. في هذا الصدد، هناك هدفان عامان يؤثران تقريبًا على كل جوانب الإدارة:
1. النظر إلى الإدارة كأداة لتحقيق أهداف مادية فقط؛
2. استخدام المنافع المادية للوصول إلى أهداف معنوية.
يمكن تلخيص خصائص هدف الإدارة المبني على النظام القيمي الإسلامي في عدة نقاط:
أ) هدفه من العمل هو الكمال المعنوي والقرب إلى الله. في هذه الحالة، الأولوية للعمل الذي يخدم الهدف بشكل أفضل (المرجع نفسه، ص 249).
ب) لا يفكر في مصلحته الشخصية، بل هدفه هو منفعة مجموعة البشر الذين يسيرون في هذا الطريق. رغم أنه قد تتحقق مصالحه الشخصية من هذا الطريق، إلا أن هدفه الأعلى هو تلبية الاحتياجات المادية أو المعنوية للمجتمع، الذي يسعى أحيانًا إلى تحقيق الكمال المعنوي من خلال رفع مستوى الرفاه الاجتماعي. لذلك، القيم تدخل في اختيار الهدف، نوع العمل، والقرار الأولي لبدء العمل (المرجع نفسه، ص 250).
ج) يمنع التبعية الاجتماعية على المدى الطويل. قد يكون اختيار عمل في الوقت الحاضر مفيدًا للمجتمع، لكنه على المدى الطويل يؤدي إلى التبعية الاجتماعية وسيطرة وتفوق اقتصادي للأعداء. صحيح أنه يحقق الآن مصلحة شخصية واجتماعية، لكنه مؤقت وزائل؛ لأنه يجعل الأجيال القادمة تعتمد على الأجانب؛ مثلاً، قد يلبي دخول صناعة التجميع احتياجات المجتمع لعدة سنوات ويوفر فرص عمل، لكنه يجعل المجتمع تابعًا لأصحاب تلك الصناعات، بحيث إذا امتنعوا يومًا عن المساعدة الصناعية، وبيع قطع الغيار، ونقل التكنولوجيا اللازمة، يصبح المجتمع أسوأ مما كان عليه. لذا، مراعاة عامل الزمن، والبصيرة، ومصالح الأجيال القادمة جزء من عمل الإدارة الذي يلعب فيه النظام القيمي الإلهي دورًا مهمًا (المرجع نفسه، ص 251).
سيطرة القيم تشمل، بالإضافة إلى مرحلة تحديد الهدف، العناصر الأخرى المشاركة في الإنتاج، مثل التنظيم، التنبؤ بالمستقبل، اختيار الشريك، ومرحلة إنتاج السلعة، وجودتها وكمّيتها (المرجع نفسه، ص 251). مراعاة العدل في التسعير، مراعاة ظروف الطبقات المحرومة، وتقليل الضغط عن كاهلهم من خصائص النظام الإسلامي (المرجع نفسه، ص 232). الشخص المتأثر بالفكر الإلهي لا يمكنه قبول النظرة المادية تجاه الآخرين (المرجع نفسه، ص 254).
في النظام الإسلامي، أولاً، عند دفع الحقوق يجب أن يُؤدى حق كل شخص، سواء اعتبر الناس ذلك الحق أو لم يعتبروا. ثانياً، يجب أن يتمتع العامل بوقت فراغ كافٍ لتلبية احتياجاته الصحية والروحية والتربوية والثقافية والأخلاقية (المرجع نفسه، ص 254).
وبناءً على ذلك، فإن النظام القيمي الإسلامي يؤثر بشدة على جميع أبعاد الإدارة، سواء في رسم السياسات، التنظيم، كمية ونوعية الإنتاج والخدمات، التسعير، أو العلاقات مع الموظفين والزملاء والمنافسين (المرجع نفسه، ص 254).
وفي النهاية، يشير إلى المعاني المتعددة لـ«الإدارة الإسلامية»، ويبين المعنى الأصح لها ويعتقد:
أهم دور يلعبه الإسلام في النظريات وكذلك في الأساليب العملية للإدارة هو من خلال تأثير القيم الإسلامية على الإدارة. نحن نعتقد أن الإسلام يمتلك نظامًا قيميًا عميقًا وواسعًا ومنسجمًا يؤثر على إدارة المديرين المسلمين، ويؤثر في أساليبهم العملية ويوجه حركتهم. هذا هو الدور الأكبر الذي يلعبه الإسلام في الإدارة، والمعنى الصحيح لـ«الإدارة الإسلامية» هو هذا بالذات (المرجع نفسه، ص 262).
يُطرح موضوع «القيم الإسلامية في الإدارة» بمناسبة دراسة جودة تأثير القيم عليها؛ أي بدلاً من إبداء الرأي حول الأساليب التطبيقية والعملية وطرح المشكلات الحالية وتقديم الحلول، نناقش الأسس الجذرية المؤثرة في هذه التغييرات، والتي في النهاية، مع مراعاتها في التطبيق، ستُحل العديد من المشكلات الاجتماعية. هذه الطريقة في النقاش هي في الواقع توجيه للإدارة وبيان «السبب»، «الهدف» و«المعايير» (المرجع نفسه، ص 263).
الإسلام هو ما ورد في القرآن، والقرآن هو ما نزل في عصر البعثة، ونحن قادرون على فهمه الصحيح لا التفضيلي أو النسبي، وكل هذه أمور تتطلب نقاشات خاصة بها. ثم يحين وقت الاستماع إلى كلام الله وتنفيذه عمليًا. وبعد افتراض كل ذلك، يحين الوقت للسؤال: ماذا يقول الإسلام عن «الإدارة»؟ والجواب، كما تم التأكيد منذ البداية، هو أن الإسلام له كلام وقانون في جميع شؤون حياة الإنسان، بما في ذلك الإدارة الصغيرة أو الكبيرة، قيادة المجتمع، العلاقات الدولية، وأعلى دوره كدين هو التأثير من خلال «النظام القيمي». هنا يتحول النقاش إلى «النظام القيمي»، أسسه ومعاييره، وتُطرح أسئلة مثل: ما هي تلك القيم؟ (المرجع نفسه، ص 263)
يجب دراسة الجذور والبحث للوصول إلى حقيقة أن المعارف والقيم الإسلامية راسخة. وباختصار يجب دراسة هذه الأمور:
أولاً: ما هو موقف الإسلام من معرفة «الوجود»؟
ثانياً: ما هو موقف الإسلام من معرفة «الإنسان»؟
ثالثاً: ما هو موقف الإسلام من «القيم»؟
علم الوجود، علم الإنسان، وعلم القيم هي الجذور الأولية للنقاشات العميقة في الإسلام ومنها الإدارة (المرجع نفسه، ص 269).
2. تمييز أنواع مقولات علم الإدارة
من وجهة نظر العلامة مصباح، المقولات، سواء كانت دينية أو قرآنية أو علمية أو إدارية، تُصنف إلى فئتين رئيسيتين: «وصفية» و«تقريرية». كل من المقولات الوصفية يمكن أن تكون محضة وخالصة، أو مركبة ومختلطة [مع المقولات التقريرية]. كما أن المقولات التجريبية من حيث الأمر أو النهي يمكن أن تكون محضة أو مختلطة. في كل الحالات الثمانية، عادةً ما تكون المقولات الوصفية الدينية فوق طبيعية وفوق تجريبية (حقائق شرعية)، أما المقولات الوصفية الإدارية فهي تجريبية وطبيعية.
«العلم الوصفي» مكلف بمعرفة الظواهر والعلاقات بينها. من ناحية أخرى، بيان كيفية استخدام ذلك لتحقيق السعادة الحقيقية للإنسان يتجاوز موضوع وهدف العلم (مصباح یزدی، 1392ب، ص 205). وهو يرى في ما يخص العلوم والمقولات الوصفية أنه لا يمكن تسميتها دينية أو غير دينية:
العلوم التي لا يرتبط موضوعها أو مسائلها أو أهدافها بالدين لا تُوصَف بأنها «دينية» أو «غير دينية» (المرجع نفسه، ص 208).
علوم مثل الرياضيات لا تتعارض مع المسائل الدينية؛ لا في الموضوعات، ولا في المنهج، ولا في المسائل. في هذه الفئة من العلوم، الحديث عن علم ديني أو غير ديني لا معنى له. فهي محايدة تجاه الدين وتعاليمه (المرجع نفسه، ص 210).
ويذكر مثالاً في هذا المجال:
في الاقتصاد نواجه نفس الظاهرة. في حين أن الجزء الوصفي من الاقتصاد المعروف بـ«علم الاقتصاد» لا يمكن تقسيمه إلى «ديني» و«غير ديني»، فإن الجزء التقريري منه الذي يُسمى عادةً «النظام الاقتصادي» هذا التقسيم فيه ذو معنى كامل، لأنه يوجه السلوك الاقتصادي للبشر ويحدد «الهدف» و«المعايير» (مصباح یزدی، 1391ب، ص 285288).
النقطة المهمة هي أنه حسب رأيه، فقط المقولات التقريرية ومجموعة التعليمات في العلوم يمكن اعتبارها «النظام القيمي للعلوم». تنقسم العلوم الإنسانية إلى علوم «وصفية» و«تقريرية»:
«العلم الوصفي» هو العلم الذي يصف الظاهرة وكيفية نشأتها والعوامل المؤثرة فيها، و«العلم التقريري» هو العلم الذي له جانب تقريري وقيمي ويتعامل مع الواجبات والمحظورات. غالبًا ما يكون للعوامل النفسية تأثير في العلوم التقريرية؛ مثلاً في الرياضيات تأثير العوامل النفسية يساوي صفرًا، والعوامل النفسية والاعتقادية لا تؤثر تقريبًا في كل مسائل الفلسفة والفيزياء؛ لأن هذين العلمين وصفيان، لا تقريريان. لكن في العلوم الوصفية، خلافًا للعلوم التقريرية، لا تؤثر التوجهات والعوامل النفسية على النتائج (مصباح یزدی، 1391الف، پنجمین جلسه از علم دینی).
في العلوم الوصفية، الحديث عن الموجودات والحقائق القائمة، والعالم يحاول فقط فهم ما هو موجود واكتشاف العلاقات بين ظواهر ذلك العلم؛ أما في العلوم التقريرية، فتُطرح الواجبات والمحظورات.
تنقسم العلوم الوصفية أيضًا إلى قسمين: فبعض العلوم «وصفية محضة» وبعضها الآخر يكون نتيجتها أمرية، أي أنها تعبر عن الواجبات والمحظورات. على سبيل المثال، رغم أن علم النفس يفسر الموجودات، إلا أنه يُتوقع من علم النفس أن يقدم حلولًا من خلال اكتشاف الحقائق والعلاقات. أو مثلاً، العلم الطبي يصف الموجودات المتعلقة بجسم الإنسان ويكتشف أن دواءً معينًا يزيل المرض. ورغم أن الطب ليس علمًا أمريًا، إلا أنه يقدم تعليمات مفادها أنه يجب استخدام دواء معين لعلاج المرض. وبعض العلوم الإنسانية تتسم بنفس الخصوصية.
يقول العلامة مصباح، مشيرًا إلى الفرق بين الجمل التوصيفية العلمية والدينية: إن تقديم التعليمات بهذا الشكل ليس مثل التعليمات في علوم مثل القانون؛ لأن الأمرية في القانون وما شابهها [على ما يبدو الفقه والدين] لها طابع إمراري، ولها عواقب في حال مخالفتها. بعبارة أخرى، بعض العلوم الإنسانية تكون أمرية من نوع تحويل الأخبار إلى الإنشاء، وبعضها الآخر يكون إنشائيًا وأمريًا.
بعض العلوم الإنسانية تتطلب الممارسة واكتساب المهارة. على سبيل المثال، القانون ليس فقط لمعرفة القواعد، بل يجب على القاضي، بالإضافة إلى معرفة القواعد والأنظمة، أن يكتسب المهارة ويمارس التدريب. وكذلك في العلوم التربوية، معرفة القواعد التربوية ليست كافية للمدرب، بل يحتاج إلى مهارة عملية، وهذا ما دفع البعض إلى اعتبار بعض العلوم الإنسانية فنًا وليس علمًا. لذلك، يجب النظر هل الإدارة علم له منهج خاص، أم هي فن؟ وهل هي أمرية وتحتاج إلى مهارة أم لا؟
حتى إذا اعتبرنا الإدارة فنًا يحتاج إلى الممارسة واكتساب المهارة، يجب أن نأخذ في الاعتبار أن استقرار الإدارة لا يعتمد فقط على التدريب والممارسة، بل يجب أن يكون هناك معرفة وعلم بالقواعد الإدارية ليتم التدريب والممارسة عليها. أما ما إذا كان هناك علم مستقل باسم «الإدارة» أم لا، فهذا موضوع آخر.
لذلك، أولًا، الإدارة ممكنة من خلال التدريب واكتساب المهارة. ثانيًا، هذا التدريب مبني على مجموعة من القواعد. ثالثًا، هناك علم كطبقة أساسية يُستنبط منه القواعد. رابعًا، هذه القواعد والعلم مبنيان على حقائق وموجودات أساسية تُعد وصفية بطبيعتها.
تُعتبر الإدارة مثل هرم له طبقات متعددة، وفي قاعدته ومستواه الأدنى توجد مجموعة من العلوم الإنسانية من بينها علم النفس، والتي تُنتج الجانب الأمري للإدارة؛ أي أن البنية التحتية لهذا العلم هي حقائق يجب معرفتها واكتشافها، وبناءً عليها تُرسم تعليمات الإدارة.
يمكن تفسير كيف يصبح ناتج العلوم الوصفية أمرًا، وكيف تتحول الموجودات إلى واجبات ومحظورات، على النحو التالي: العلاقة بين الحقائق والتعليمات أحيانًا تتحقق تلقائيًا؛ مثلاً، عندما يثبت أن قرصًا معينًا فعال في علاج مرض، يتبادر تلقائيًا إلى الذهن وجوب استخدام ذلك القرص لعلاج المرض، وهذا ما يُسمى في الفلسفة «الوجوب بالقياس». لكن في المسائل الاجتماعية، العلاقة بين الموجودات والواجبات لا تُفهم بالوجوب بالقياس، وتصبح هذه العلاقة معقدة، بحيث تختلف النتائج في الثقافات والمدارس الفكرية المختلفة، وأحيانًا يكون الاختلاف في النتائج بين النفي والإثبات، فشيء واحد في مجتمع ما مرغوب، وفي مجتمع آخر مذموم؛ مثلاً، قضية المثلية الجنسية في بعض الدول منتشرة إلى حد أن مرشحي الرئاسة يحاولون كسب أصوات المثليين بدعمهم لها. لذلك، في بعض الدول يُعتبر السماح بالمثلية أمرًا مرغوبًا، وفي دول أخرى مذمومًا ومعاقبًا عليه.
قدمت آراء مختلفة ومتضادة حول العلاقة بين الموجودات والواجبات، بحيث ادعى البعض أنه لا يمكن استنتاج الواجبات من الموجودات. الرأي الصحيح هو أن العديد من الواجبات مبنية على الموجودات. حيثما يكون الأمر سببًا تامًا، يجب وجوده لتحقيق المسبب. لكن النقطة المهمة هي أن هناك وسيطًا بين الموجودات والواجبات العلمية، وهو النظام القيمي، وهذا الوسيط هو سبب اختلاف النتائج. بناءً عليه، الواجبات في كل مجتمع تعتمد على نظامه القيمي.
ويقول إن لو كان هناك نظام قيمي واحد في العالم، لما كان هناك اختلاف في الواجبات بين المجتمعات المختلفة. والنقطة الأساسية المهمة هي فهم كيف يتحقق النظام القيمي؟
لذلك، يمكن تلخيص النقاش بالقول: «الإدارة» علم يتغذى من علوم أخرى وخاصة علم النفس، ويمكن أن يكون لها تعليمات وقواعد عندما يكون هناك نظام قيمي وسيط بين هذه القواعد والظواهر النفسية، وهذا يعني تأثير بعض العلوم الإنسانية على علوم إنسانية أخرى.
النظام القيمي لمجتمع وأمة مبني على المعتقدات الموجودة في ذلك المجتمع. لذلك، يجب أن تكون هناك علاقة منطقية بين هذه المعتقدات والقيم. وللحصول على نظام قيمي صحيح، هناك حاجة إلى نظام عقائدي صحيح. لذلك، بعض العلوم الإنسانية تلعب دورًا أساسيًا في العلوم الإنسانية الأخرى ذات الطابع الأمري. وهذه هي العلوم التي تناقش المسائل الميتافيزيقية ولها نتائج يقينية (مصباح یزدی، 1392الف).
ثم يشير إلى نقطة يبدو أنها نقطة التحول في إنتاج مقولات الإدارة الإسلامية واستخدام الطرق المتعددة والمتناسبة مع كل منها، ولكن للأسف لم يولِ الباحثون في الإدارة الإسلامية اهتمامًا لها، وبالتساوي والتجانس في النظر، أوجدوا الوضع الحالي لإنتاج المعرفة في الإدارة الإسلامية:
للأسف في جامعاتنا هاتان الصفتان «الوصفية» و«التوجيهية» في علوم مثل الاقتصاد، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، والإدارة… التي لها جانبان وصفي وتوجيهي، مختلطة، وعمليًا من درس علم النفس وأصبح مستشارًا أو طبيبًا نفسيًا، يصف نفس الأشياء التي تعلمها. الإسلامization العلوم تكمن هنا. العلم علم؛ ولكن حيث تدخل العوامل القيمية (مثل نوع الوصفة التي توصف للمريض) يجب أن تُراعى القيم الدينية. القيم الدينية تعود إلى مصالح الإنسان نفسه؛ في الدنيا أو الآخرة، في الحياة الفردية أو الاجتماعية، على المدى القصير أو الطويل. الله هو الذي يعلم ما هو مجموع هذه الآثار وهل نتيجتها إيجابية أم سلبية، وفي الحالة الثانية ينهى عنها. هذا لا يعني تعارضًا مع العلم؛ لأن في العلم الخالص لا يوجد يجب ولا ينبغي، بل الأوامر والنواهي هي عوامل قيمية تُضاف إلى العلم. في هذه الحالة، نحن المسلمون يجب أن نلتزم بالقيم الإسلامية.
لذا يجب أن تتغير علومنا التوجيهية لأنها بالضرورة متأثرة بالقيم. كل علم توجيهي متأثر بالقيم؛ مثل الأخلاق، السياسة، الاقتصاد التوجيهي، الإدارة، علم النفس، علم الاجتماع… يجب أن يتأثر الجانب التوجيهي لهذه العلوم بالنظام القيمي، وبما أن نظامنا القيمي إسلامي، يجب أن نجعل هذا النظام سائداً على العلوم (مصباح یزدی، 1391ج).
يبدو من الضروري ذكر أنه رغم تصنيف العلامة مصباح لإدارة المعرفة ضمن العلوم التوجيهية، إلا أن هذا التصنيف لا يعني إنكار وجود مقولات وصفية في علم الإدارة. هناك العديد من العمليات والآليات والأساليب والفنون في الإدارة كلها وصفية. تصنيف معظمٌ له إما بسبب أهمية المقولات التوجيهية أو لخلط المقولات أو كما أشار بنفسه، العديد من الواجبات مبنية على الموجودات.
لذا، إذا لم تكن هناك مقولات تعبر عن الموجودات في الإدارة، يجب بالمثل أن نتخلى عن وجود مقولات تعبر عن الواجبات. بالإضافة إلى ذلك، كما قال، المقولات التوصية العلمية والدينية تختلف، ومقولات التوجيه في الإدارة ليست مثل التعليمات القانونية والفقهية بحيث يكون للتوجيه جانب إمراري ولها عواقب في حال المخالفة. بعبارة أخرى، بعض العلوم الإنسانية توجيهيتها مثل تحويل الأخبار إلى إنشاء، وبعضها الآخر إنشائية وأمرية.
من وجهة نظره، ليس المهم تصنيف الإدارة ضمن علوم «وصفية» أو «توجيهية»؛ لأن وصفية وتوجيهية مقولات الإدارة أمر أشار إليه، بل المهم من وجهة نظره هو وجود وسيط بين الموجودات والواجبات [العلمية] وهو «النظام القيمي» وهذا الوسيط هو سبب الاختلاف في النتائج. لذلك، الواجبات في كل مجتمع تعتمد على نظامه القيمي، والنظام القيمي مبني على النظام العقائدي لذلك المجتمع.
ثانيًا . وجهة نظر الشهيد الصدر
1. منهج التفسير الموضوعي المؤدي إلى النظرية
كما أُشير سابقًا، الشهيد الصدر في الدرسين الأولين من المدرسة القرآنية بيّن منهج التفسير الموضوعي المؤدي إلى النظرية. في الدرس الأول (الاتجاه التجزيئي والاتجاه الموضوعي في التفسير) يذكر أولًا المناهج أو أنواع التفسير، مثل اللفظي (الأدبي والبلاغي)، والمحتوى، والحديثي، والعقلي، والمذهبي وما شابه ذلك. ثم يتناول منهجين مهمين في التفسير وهما التفسير «التجزيئي» (الترتيبي) والتفسير «التوحيدي» (الموضوعي). بعد ذلك، لتقريب الفهم، يشبه التفسير الموضوعي بتبويب الأحاديث في الفقه، ويكتب: المناقشات الفقهية تتم بمنهج موضوعي، ولكن بجمع الأحاديث ذات الصلة تحت عنوان وموضوع محدد. في النهاية، يعدد أهم الفروق بين المنهجين التجزيئي والموضوعي:
1. المنهج التجزيئي سلبي؛ لأن دور الآية في هذا المنهج هو دور المحدث، ودور المفسر هو الاستماع والفهم (دور سلبي أو منفعل للمفسر).
2. المنهج الموضوعي إيجابي؛ لأن دور المفسر في هذا المنهج هو دور السائل والمتحاور.
وبالنظر إلى هذين الفرقين الأساسيين، يذكر الدرس الثاني فرقين تبعيين آخرين للمنهجين التجزيئي والموضوعي:
3. المنهج التجزيئي يركز على شرح وتفصيل مدلولات الآيات.
4. المنهج الموضوعي بالإضافة إلى عمل التفسير التجزيئي هدفه الوصول إلى النظريات.
في متابعة الدرس الثاني، يشرح الشهيد الصدر مصطلح «الموضوعي» ويذكر له معنيين ومقصودين:
أولًا: «التفسير الموضوعي» يعني: النقاش القرآني حول موضوع، أو حادثة خارجية، أو شيء خارجي؛ بحيث يبدأ المفسر عمله بالموضوع الذي يريده وينهيه بعرضه على القرآن.
ثانيًا: «التفسير الموضوعي» يعني: أن يجمع المفسر الآيات التي تتعلق بموضوع معين ويوحد مدلولاتها ليستخرج النظرية ورؤية القرآن في ذلك الموضوع.
النقاش التالي في الدرس الثاني هو المنهج الموضوعي في المناقشات الفقهية. يكتب الشهيد الصدر: قلنا إن المناقشات الفقهية تتم بمنهج موضوعي، لكن الفقه الحالي، سواء من الناحية الأفقية (التوقف عند بيان الحكم) أو من الناحية العمودية (بناء النظرية)، لا يمتلك القدرة على المنهج الموضوعي الذي نريده.
النقاش الختامي في الدرس الثاني يتعلق ببيان تفوق المنهج الموضوعي في التفسير:
أ. المنهج الموضوعي أوسع أفقياً؛ لأنه يتجاوز المنهج التحليلي ويقدم بيانات أكثر.
ب. المنهج الموضوعي هو المنهج الوحيد للوصول إلى نظريات الإسلام والقرآن.
2. أسس الفكر الإداري للشهيد الصدر
1. الإبستمولوجيا: مبررية المعرفة الوحيّة للظواهر والعلاقات بينها، إمكانية الوصول إلى الأحكام من الوقائع الوصفية، أثر زيادة الخبرة البشرية على الفهم القرآني الصحيح، وإمكانية معرفة أسباب الأحداث والوقائع؛
2. أسس الأنثروبولوجيا: حاجة الإنسان إلى البيانات الوحيّة وقدرة الإنسان على بناء النظريات القائمة على القرآن؛
3. أسس القرآنية: عدم انتهاء القرآن، علمية القرآن، إمكانية التناغم والتوافق بين الخبرة البشرية والقرآن الكريم؛
4. أسس التفسير: إمكانية الوصول إلى نظريات أساسية بالتفسير الموضوعي، وجوب الوصول إلى النظريات من القرآن الكريم ووجوب النظر الكلي (بهمنی، 1397، ص 79).
5. عملية كيفية إنتاج الأحكام الإدارية بناءً على فكر الشهيد الصدر
باستخدام آثار الشهيد الصدر يمكن ترتيب عملية ومكونات نموذج النظرية القرآنية المفهومية كما يلي (المرجع نفسه، ص 123130):
6. تحديد المشكلة: معرفة المشاكل الواقعية، اختيار مشكلة كبرى (صدر، 1421ق الف، ج 19، ص 29)؛
7. دراسة الخلفية للإنجازات البشرية حول المشكلة: خلفية البيانات البشرية، معرفة الثغرات والنواقص البشرية في حل المشكلة (المرجع نفسه، ص 29و30)؛
8. تحديد الهدف: الوصول إلى نظرية قرآنية حول المشكلة، تحقيق الرسالة القرآنية للمشكلة (المرجع نفسه، ص 23)؛
9. صياغة السؤال: حول الثبوت، ماهية، كيفية، العوامل، الأمثلة، دور الإنسان، الدور السماوي والنبوة، والأسئلة الناشئة من دراسة الخلفية (المرجع نفسه، ص29، 46و186)؛
10. بناء الفرضيات (صدر، 1421ق ب، ص 275)؛
11. استنطاق القرآن الكريم: توضيح منهجية الاستنباط من القرآن، الاستفهام والحصول على الإجابة من القرآن، الوصول إلى الدلالات التفصيلية والاجتهاد المبتكر (صدر، 1421هـ الف، ص 30)؛
12. المقارنة: الوصول إلى الإنجازات البشرية حول الموضوع، مقارنة الإنجازات البشرية بالنتائج القرآنية، مقارنة الأهداف، مقارنة الأسس، الحكم، التصحيح (المرجع نفسه، ص 29)؛
13. بناء النظرية: الوصول إلى المصطلحات الخاصة بالقرآن، الوصول إلى أشمل المفاهيم، التركيب والمقارنة بين الدلالات، اكتشاف العلاقة بين الدلالات القرآنية، تحديد مواقع الدلالات، توحيد الدلالات، الوصول إلى مركب نظري أو نظرية (المرجع نفسه، ص 22)؛
14. الصياغة (المرجع نفسه، ص 29).
ب. التفسير
في هذا الجزء تُحلل وتُفصل الأفكار ذات الصلة، لتُجهز للمراحل اللاحقة. لذلك يجب الآن شرح المكونات الأساسية للفكرين. يمكن تصنيف المكونات أو المحاور البارزة للأفكار في أربعة محاور: «المشكلة»، «الأسس»، «الحل»، و«المنهج».
أولاً. المحاور المهمة لفكر العلامة مصباح
1. المشكلة: من وجهة نظره، المشكلة الإدارية هي الاستجابة للتحديات والاحتياجات الإدارية للمجتمع؛ لأن النظام الإسلامي يجب أن يحل هذه القضايا ويوفر أرضية الارتقاء المادي والمعنوي للناس.
2. الأسس: مع تمييزه بين الأحكام العلمية، يرى أن الأحكام الوصفية للإدارة لا تحمل طابعاً إسلامياً أو غير إسلامي، على عكس الأحكام التقريرية التي تقوم أساساً على نظام قيمي خاص، ويمكن وصفها بالإدارة الإسلامية أو غير الإسلامية. ويولي اهتماماً خاصاً لأسس الإبستمولوجيا، والأنثروبولوجيا، وعلم القيم.
3. الحل: يؤكد العلامة مصباح على أسس الإدارة، خاصة الأنثروبولوجيا وعلم القيم، ويصرح بأنه متى ما تم ترسيخ هذه الجذور بشكل صحيح، تُحل القضايا التطبيقية للإدارة تلقائياً. لذلك، من وجهة نظره، الحل هو تربية مدراء مسلمين قادرين على إنتاج نظريات إسلامية وحل قضايا الإدارة في المجتمع الإسلامي.
4. المنهج: لا يحدد منهجية خاصة لإنتاج الأحكام الوصفية، لكنه يجب أن يستخدم المنهج «الاجتهادي» لإنتاج الأحكام التقريرية.
ثانياً. المحاور المهمة لفكر الشهيد الصدر
1. المشكلة: كما ذُكر في قسم الوصف، يرى أن التفسير الموضوعي موضوعي لأنه يجب أن يركز على موضوعات وقضايا المجتمع الراهنة. لذلك، يمكن القول: مشكلته هي حل القضايا الإدارية في المجتمعات الإسلامية من خلال إنتاج نظريات تطبيقية.
2. الأسس: مع تمييزه بين الأحكام الوصفية والتقريرية، يولي اهتماماً لأسس الإدارة مثل الإبستمولوجيا، والأنثروبولوجيا، والقرآنية، وأسُس التفسير، لكنه يركز أكثر على المنهجية.
3. الحل: يعطي اهتماماً خاصاً لإنتاج النظريات الإدارية لحل قضايا المجتمع، بحيث تؤخذ القضايا الإدارية الكبرى بعين الاعتبار، وتُبحث خلفياتها النظرية في المعرفة والتجارب البشرية لإيجاد الحلول. ثم تُعرض مؤشرات هذه الحلول على القرآن ليُعرف رأي القرآن والإسلام في حل المشكلة المعنية.
4. المنهج: يعتقد أنه بالمنهج التفسيري الموضوعي المنتج للنظرية، يمكن إنتاج نظريات إدارية وحل القضايا الإدارية الراهنة.
ج. المطابقة أو التقارب
لتطابق الأفكار، تم إدراج المكونات المهمة للرؤيتين في الجدول (1) لتسهيل المقارنة في المرحلة التالية من خلال وضع العناصر المهمة جنباً إلى جنب:

كما يظهر، بالنسبة لمكون «طبيعة الحكم»، تركّز رؤية العلامة مصباح على الأحكام التقريرية والتوصية، بينما تركّز رؤية الشهيد الصدر على الأحكام الوصفية. وبالنسبة لمكون «المبادئ والأسس»، تركز رؤية العلامة مصباح على الأنثروبولوجيا وعلم القيم، بينما تركز رؤية الشهيد الصدر على الموضوع وتحديد المشكلة.
من الناحية المنهجية، وجهة نظر العلامة مصباح تتعلق بالتفسير الموضوعي العام أو ما يُعرف بالتفسير الموضوعي الكلاسيكي الحوزوي، بينما الشهيد صدر ابتكر منهجًا جديدًا بعنوان «التفسير الموضوعي المؤدي إلى النظرية».
وجهة نظر العلامة مصباح تركز على مستوى فلسفة العلوم الاجتماعية والبارادايم وأبعاده (المبادئ)، أما وجهة نظر الشهيد صدر فتتعلق بالمستوى الجزئي، أي النظريات التطبيقية.
الهدف من البحوث الإسلامية في وجهة نظر العلامة مصباح هو التأكيد على تربية المدير المسلم، أما في وجهة نظر الشهيد صدر فهو تكوين نظرية الإدارة الإسلامية وغيرها من العلوم الاجتماعية الإسلامية.
من حيث المصدر، وجهة نظر العلامة مصباح تعتمد على إنتاج مقولات إدارية من جميع المصادر الإسلامية، بينما في وجهة نظر الشهيد صدر يُؤكد على المصدر الرئيسي وهو الإسلام، أي القرآن الكريم.
د. المقارنة
لمقارنة الأفكار، يجب بيان أوجه التشابه والاختلاف بينها:
1. كلا الوجهتين تؤكدان على المبادئ العقائدية الإسلامية، مع اختلاف أن العلامة مصباح يركز على علم الإنسان وتربية المدير المسلم، بينما الشهيد صدر يركز على المنهجية وإنتاج نظرية إدارية.
2. كلا الفكرين يعترفان بالتفريق بين المقولات الوصفية والتوصيفية للإدارة. من وجهة نظر العلامة مصباح، يمكن للدين أن يجعل الوصف الإداري فعلاً من أفعال المكلفين ويحكم عليه حكمًا شرعيًا، رغم أن الشهيد صدر يرى أن هذا الحكم يجب أن يُصاغ عبر آلية خاصة تسمى «الاستنطاق». الشهيد صدر يرى ضرورة إنتاج مقولات وصفية وخلق نظريات تطبيقية إدارية.
3. في كلا الفكرين، طريقة إنتاج العلم والمعرفة الإدارية هي «التفسير الموضوعي». العلامة مصباح، مع الإشارة إلى عدم حصر إنتاج العلم في المنهج التجريبي، يؤمن بالتفسير الموضوعي العام والتقليدي؛ أما طريقة إنتاج النظريات الإدارية عند الشهيد صدر فهي «التفسير الموضوعي المؤدي إلى النظرية» التي ابتكرها بنفسه.
4. مستوى فكر العلامة مصباح بارادايمي ويركز على المبادئ والافتراضات المسبقة لعلم الإدارة؛ بينما مستوى فكر الشهيد صدر نظري تطبيقي، أي إنتاج النظرية.
5. هدف العلامة مصباح هو تربية المدير المسلم، وهدف الشهيد صدر هو إنتاج نظرية إدارة إسلامية.
6. من وجهة نظر العلامة مصباح، إنتاج النظرية من المصادر الإسلامية، وخاصة القرآن، ممكن؛ أما من وجهة نظر الشهيد صدر، دور القرآن هو إنتاج النظرية مع التركيز على القرآن.
النتيجة والاستنتاج
في ملخص يمكن القول: العلامة مصباح يركز على مستوى الافتراضات المسبقة للإدارة، وخاصة دراسة القيم وإنتاج المقولات التوصيفية في مجال الإدارة الإسلامية، ويعتقد أنه من خلال تربية المديرين المسلمين وصياغة الأحكام يمكن التغلب على تحديات الإدارة في المنظمات الإسلامية. أما الشهيد صدر فيهتم بالمستوى التطبيقي، أي النظرية والموضوعية، ويؤمن بأنه يجب إنتاج نظرية تتناسب مع مشاكل المنظمات الإسلامية.
دمج هذين الفكرين يمكن أن يخلق نموذجًا مفهوميًا متماسكًا لإنتاج النظريات الإدارية؛ بحيث يُؤخذ في الاعتبار مبادئ الإبستمولوجيا، المنهجية، دراسة القرآن، علم الإنسان، ودراسة القيم، وتُدرس قضايا الإدارة في المجتمعات الإسلامية، مع السعي لتربية مدراء مسلمين وإنتاج نظريات إدارية قرآنية. بمعنى آخر، في جانب المبادئ الإدارية القرآنية يمكن الاستفادة من وجهة نظر العلامة مصباح، وفي الجانب العملي والتطبيقي يمكن الاستفادة من منهج التفسير الموضوعي المؤدي إلى النظرية للشهيد صدر لإنتاج نظريات إدارية قرآنية.
لذا فإن دمج هذين الفكرين يمكن أن يفتح أفقًا جديدًا في مجال إنتاج المعرفة الإدارية الإسلامية، بحيث نأخذ بعين الاعتبار التفريق بين المقولات الوصفية والتوصيفية، ونمتلك رؤية واقعية وصحيحة لنوع المقولات التي نريد إنتاجها، وأي منهج نستخدم، وما المشكلة التي نريد حلها. النظرة البارادايمية للعلامة مصباح تولي اهتمامًا خاصًا بالافتراضات المسبقة لعلم الإدارة الإسلامية، والتي يمكن أن تسهم بدورها في تربية المديرين المسلمين وإنتاج المقولات التوصيفية، مع الأخذ في الاعتبار دور النظام القيمي الإسلامي وترسيخه. وجهة نظر الشهيد صدر، مع مراعاة الاختلاف الجوهري بين المقولات الوصفية والتوصيفية، هي رؤية جديدة تقترح منهج «التفسير الموضوعي المؤدي إلى النظرية» في سبيل موضوعية مبنية على الافتراضات الإسلامية.
بناءً عليه، يُقترح مع مراعاة تنوع المقولات، تحديد واختيار مشاكل المنظمات الإسلامية المعاصرة، ودراسة التجارب البشرية ذات الصلة، وعرضها على القرآن، حتى يتم استخراج وجهة نظر إسلامية تنظيمية في المجال المعني. بهذه الطريقة، يمكن لدمج هذين الاتجاهين الأساسي والتطبيقي أن يحقق نتائج إيجابية للمجتمعات الإسلامية.
المصادر
الواني، سيد مهدي، 1385، الإدارة العامة، الطبعة السابعة والعشرون، طهران، نشر ني.
أندرسن، فاليري، 1387، البحث في مصادر إدارة الموارد البشرية، ترجمة محمد عرابي وسعيدة أميدي، طهران، مكتب البحوث الثقافية.
إيمان، محمد تقي، 1388، مبادئ البارادايم في مناهج البحث الكمي والنوعي في العلوم الإنسانية، قم، معهد بحوث الحوزة والجامعة.
بهمني، سعيد، 1397، نظرية القرآن المبنية: مناهج تطوير منهج نظرية القرآن المبنية لسيد محمد باقر صدر، قم، معهد العلوم والثقافة الإسلامية.
بيدغلي، محمد وصادق زيبا كلام، 1396، «مقارنة الأفكار السياسية لآية الله سيد عبد الحسين لاري وآية الله خامنئي حول الحكم»، العلوم السياسية، السنة الثالثة عشر، العدد 41، ص 109-128.
رضائيان، علي، 1387، مبادئ التنظيم والإدارة، طهران، سمت.
سرمد، زهرة وزملاؤها، 1384، مناهج البحث في العلوم السلوكية، طهران، آگاه.
صدر، سيدمحمدباقر، 1421هـ أ، المدرسة القرآنية، موسوعة الشهيد الصدر، قم، مركز الأبحاث والدراسات التخصصية للشهيد الصدر.
صدر، سيدمحمدباقر، 1421هـ ب، فلسفتنا، موسوعة الشهيد الصدر، قم، مركز الأبحاث والدراسات التخصصية للشهيد الصدر.
كريمي موقني، حسين وفاطمة خراشادي زاده، 1394، «مقارنة تطبيقية لطريقة تنفيذ استراتيجية الطالب محور في المنهج الدراسي للبكالوريوس في التمريض في دول أمريكا، كندا وأستراليا وتقديم الحلول المقترحة في المنهج الدراسي للتمريض في إيران»، تعليم التمريض، المجلد الرابع، العدد 2 (12)، ص 3847.
كوثري، مسعود، 1386، «تحليل مقارن نوعي في العلوم الاجتماعية»، رسالة العلوم الاجتماعية، العدد 31، ص 143-167
مصباح يزدي، محمدتقي، 1391أ، اللقاء الخامس من سلسلة لقاءات العلم الديني، في: mesbahyazdi.ir
مصباح يزدي، محمدتقي، 1391ب، متطلبات الإدارة الإسلامية، تحقيق وكتابة غلامرضا متقي فر، قم، مؤسسة الإمام الخميني التعليمية والبحثية (ره).
مصباح يزدي، محمدتقي، 1391ج، كلمة في جمع أساتذة مراكز التعليم العالي في قم، في: mesbahyazdi.ir
مصباح يزدي، محمدتقي، 1392أ، مؤتمر علاقة الإدارة بالعلوم الإسلامية، في: mesbahyazdi.ir
مصباح يزدي، محمدتقي، 1392ب، علاقة العلم بالدين، تحقيق وكتابة علي مصباح، قم، مؤسسة الإمام الخميني التعليمية والبحثية (ره).

