مكانة الدولة في الاقتصاد الإسلامي

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: جایگاه دولت در اقتصاد اسلامی ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

المؤلف: ناصر جهانیان

مقدمة

النظرية حول الدولة تعني التأمل في غايات الحياة الاجتماعية وتغيرها.(١) فإذا افترضنا، على سبيل المثال، أن غاية الدولة هي تحقيق حياة سعيدة لجميع المواطنين، وأن ذلك يستلزم تلبية مطالبهم المادية والثقافية، فإن هذا الاستدلال له تأثيرات ونتائج واسعة النطاق في كيفية فهمنا لسياسات الدولة والمؤسسات اللازمة لتنفيذها، وبالتالي في حياة الفرد. لذلك، فإن النظرية حول الدولة تتطلب فهم طبيعة الحياة الاجتماعية وعنصرها الأساسي وهو الإنسان.

إذا تمكن مفكر من إقامة علاقة صحيحة بين طبيعة الإنسان والدولة، فإنه بلا شك قد قام بأهم جهد من وجهة نظر النظرية السياسية. يقول دانكن: «المحاولة لإقامة علاقة بين طبيعة الإنسان – بأي معنى – والدولة هي أهم جهد في النظرية السياسية.»(٢) ومن المؤكد أن من بين المفكرين المسلمين، كان آية الله السيد محمد باقر الصدر(ره) من الذين تناولوا هذا الموضوع بعمق، وتمكن من رسم علاقة منطقية وجذابة بين الإنسان الاجتماعي والدولة مستندة إلى القرآن والسنة. فقد وضع منظومة فلسفية واجتماعية واقتصادية تتميز بالشمول والتكامل والانسجام، ومن هذا المنطلق يمكن اعتباره منظراً بارزاً.

أ) أسس النظرية

مفهوم الدولة وطبيعة الإنسان هما من المفاهيم الأساسية في كل نظرية للدولة، لذلك سنبدأ بدراسة مفهوم الدولة من منظور الشهيد الصدر، ثم نحلل ونفسر نظريته حول الإنسان ودوره الجوهري في خلافة الله في الأرض.

١- مفهوم الدولة من وجهة نظر الشهيد الصدر(ره)

في المصطلح السياسي، توجد وجهات نظر مختلفة حول الدولة ومفهومها. بعضهم لا يفرق بين الدولة والهيئة الحاكمة، ويستخدمون مفهوم الحكم بمعنى «الإدارة» كمرادف للدولة. لكن أغلب المنظرين يعتبرون الدولة نوعاً من الكيان الذي ينبثق من تجمع الناس في أرض معينة؛ قوة تنبع من المجتمع. الدولة هي السلطة العامة الكاملة التي تمنح للحكم مكانته وهيبته. والحكم هو الجهة المنفذة والناقلة لسلطة الدولة، وهذه السلطة مستمرة ومتجاوزة للحكام والأفراد، وتمنح الدولة والدولة السياسية الاستمرارية والتماسك.(٣) بهذا التعريف، الدولة لا تزول ما دام الشعب والنظام الاجتماعي مستمرين. إزاحة الحكومات لا تعني زوال الدولة، لذا فإن أي تغيير في الحكم لا يعني بالضرورة أزمة في الدولة. وجود الدولة أو عدمه مرتبط بوجود المجتمع وشرعية نظامه الاجتماعي، وطالما أن النظام الاجتماعي مستمر وشرعي، فالدولة موجودة;(٤) لأن أي نظام اجتماعي، مهما كان شكله، يحتاج إلى إقامة النظام والعدل والأمن، ولا يوجد مجتمع يخلو من هذه الأركان الثلاثة للحياة الاجتماعية.(٥)

لذلك، الدولة تمثل المجتمع الذي تحقق فيه سلطة سياسية موحدة، وظهرت مؤسسات مثل «الحكم» لتحقيق هذه السلطة والحفاظ عليها واستخدامها بشكل مناسب لتحقيق الخير والسعادة المنشودة للمجتمع. الدولة والنظام السياسي-الاجتماعي في هذا المفهوم حالة ثابتة ومستقرة، رغم أن المؤسسات والهياكل قد تتغير وتتبدل. وبما أن الدولة في هذا المفهوم العام تتكون من أربعة عناصر أساسية: الإقليم، السكان، السيادة، والحكم، فقد يتغير عدد السكان أو الإقليم، أو تتغير القدرة والسلطة السياسية، أو يتغير شكل ونوع الحكومات، لكن الدولة والنظام السياسي-الاجتماعي يظلان ثابتين. إذن، ما يشكل الأساس والركيزة للدولة هو «الوحدة السياسية» أو «السلطة السياسية الموحدة» للمجتمع، وهذه الوحدة والسلطة تقع ضمن إطار إقليم وسكان وسيادة وحكم معين.

الشهيد الصدر(ره) يؤكد في تعريف الدولة على عنصر «الوحدة السياسية» الناشئة من وجود جماعة من الناس، ويقول: «الدولة هي أسمى تجلٍ للوحدة السياسية الموجودة بين الناس»(٦) وفي موضع آخر، يعتبر الدولة رمزاً للسلطة الاجتماعية الأصيلة في حياة الإنسان، التي نشأت بإرسال الرسل السماويين وبواسطتهم لحل خلافات الناس.(٧) من وجهة نظره، «الوحدة السياسية» أو «السلطة السياسية الموحدة» للدول تقوم إما على العاطفة أو على الفكر والعقل. فالدول العاطفية هي التي تقوم وحدتها على الأرض أو الخصائص القومية مثل العرق واللغة والتاريخ والثقافة المحددة، أما الدول القائمة على الوحدة الفكرية والعقلية فهي من عدة أنواع: أولاً، تلك التي تقوم على عقيدة ومذهب كفر، مثل الدول الشيوعية؛ ثانياً، تلك التي تدعي أنها قائمة على الفكر والعقيدة لكنها في الواقع ليست كذلك، مثل دول الديمقراطية الليبرالية الغربية؛ ثالثاً، الدول الفكرية والعقلانية الإسلامية التي تقوم على «الدين الإسلامي» وأسسها المتعلقة بالوجود والحياة والمجتمع.

٢- الإنسان المحوري الديني

الاستخلاص الصحيح لنظرية الدولة من وجهة نظر الشهيد الصدر يتوقف على فهم رؤيته الكونية. وقبل كل شيء، من الضروري بيان أن رؤيته الكونية المبنية على القرآن هي إنسانية المحور؛ لكن إنسانية طبعها ديني. الدين هو الفطرة التي خلق الله الناس عليها، وهي غير قابلة للتغيير؛ لأن الدين كقاعدة تاريخية وقانون ينبع من جوهر الإنسان وفطرته.

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ؛(٨) فوجهك نحو الدين الحنيف، فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل في خلق الله، ذلك الدين القويم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

في هذه الآية، الدين ليس مجرد نظام وقانون تشريعي يُفرض على الإنسان من مقامٍ عالٍ. الدين هو طبيعة الناس؛ الفطرة الإلهية التي خُلق الناس عليها، ولا يمكن أبداً تغيير الخلق.(٩)

وفقاً لرأي الشهيد الصدر، رغم أنه يمكن مواجهة هذا التقليد الفطري التاريخي على المدى القصير (مقارنةً بجريان التاريخ كله)، إلا أنه لا يمكن أبداً مقاومته على المدى الطويل، ولا يمكن إنكار الدين أو تجاهل هذه الحقيقة العظيمة إلى الأبد؛ لأن الدين حاجة أساسية وطبيعية للإنسان؛ تماماً مثل سنة الزواج بين الرجل والمرأة التي هي حاجة طبيعية، وإذا كان بالإمكان في المدى القصير منع هذه السنة عبر الانحراف الجنسي، فإن الناس على المدى الطويل، عندما يُحتمل خطر انقراض الجنس، سيعودون إلى حاجتهم الطبيعية.

لذا، من وجهة نظر الشهيد الصدر، الإنسان رغم كونه محور ومركز مخلوقات العالم، إلا أن هذا الإنسانوية بسبب طبيعته الدينية تختلف في ثلاثة فروق أساسية عن الإنسانوية في المدارس المادية:

١ ـ التوحيد الخالص: أسباب نشأة الإنسان وتكوينه هي أمور كلها مخلوقة من الله الواحد الأحد، ولا يوجد عامل مستقل في تحقيق الإنسان، ولا كائن مستقل في تربيته وإدارته.(١٠)

٢ ـ محتوى الإنسان: الإنسان يشكل مركز الثقل في بناء مسار التاريخ، ومركز ثقله ليس في جسده المادي، بل في محتواه الداخلي، أي روحه الخالدة التي تحمل الجسد الفاني الترابي. الترابية تدعوه إلى الشهوات والرغبات المادية، وتجره إلى كل الدنايا والانحطاطات المتناسبة مع الأرض، لكن شرارة الروح الإلهية التي نُفخت فيه تدعوه إلى العلو، وترتقي بإنسانيته حتى تقترب من صفات وأخلاق الله، ويتخلق بأخلاقه.(١١)

٣ ـ الهدف والغاية: الإيمان بالبعث والآخرة وغاية حركة الإنسان، وأن الروح لا تفنى بالموت، بل بعد عبور الدنيا تدخل العالم الدائم «القيامة» وتعيش فيه أبداً بجسد مناسب لذلك العالم، وتُحاسب كل معتقداته وأفكاره، وكل أخلاقه وصفاته، وكل أفعاله وسلوكياته، فلا تُترك أبداً.

أصل المعاد يمنح قوة روحية ونفسية ويخلق وقوداً إلهياً لتجديد إرادة الإنسان باستمرار، ليكتسب القوة، ويحقق شروط المسؤولية والضمانات الحقيقية لحل التناقض بين التراب والروح الإلهية في وجود الإنسان. الإيمان بالبداية والمعاد يخلق شعوراً بالمسؤولية الذاتية في الإنسان، ويرى نفسه في حضرة رب قادر، سامع، بصير، محاسب يعاقب على الظلم ويكافئ على الخير والعدل.(١٢(

١ ـ ٢ ـ الخلافة العامة للإنسان

الشهيد الصدر في تحليل عناصر المجتمع، مستشهداً بآية الخلافة(١٣) يكتب:

عندما ندرس هذه الآية، نلاحظ أن الله تعالى يُعلم الملائكة أنه أسس مجتمعاً على الأرض عناصره الأساسية هي: ١ ـ الإنسان ٢ ـ الأرض أو الطبيعة بشكل عام ٣ ـ الرابط الروحي الذي يربط الإنسان من جهة بالأرض والطبيعة، ومن جهة أخرى بالناس الآخرين كإخوة. هذا الرابط الروحي يسميه القرآن «الاستخلاف».(١٤(

العنصران الأول والثاني ثابتان في كل المجتمعات، لكن مسألة «الرابط» و«الاتصال» بين الناس وبعضهم البعض ومع الطبيعة يمكن أن تختلف في كل مجتمع، وهذا يعتمد على العنصر الرابع والركن الخارجي للمجتمع، وهو الله الذي قام بفعل تعيين الخليفة على الأرض. إذا قام الإنسان بالمسؤولية الخلافية كما يريد الله، يتشكل العنصر الثالث للمجتمع، أي مسألة «الرابط والاتصال»، وتتحقق الأخوة والسلام والطمأنينة والعدل والمساواة، أما إذا لم يعتبر الإنسان نفسه مسؤولاً وملتزماً أمام الله، فإن علاقته مع أي شخص يسيطر عليه ستكون علاقة حاكم ومحكوم، ومع أي شيء يمتلكه ستكون علاقة مالك ومملوك، وبالتالي تسود العصيان والاستغلال والاستعمار والاستكبار.(١٥)

لذا، بناءً على رؤية الشهيد الصدر، لعناصر أو أركان «الاستخلاف» أربعة أطراف:

١ ـ المستخلف وهو الله سبحانه وتعالى الذي يعين خليفة على الأرض من جانبه.

٢ ـ المستخلف عليه وهم البشر على الأرض الذين يصبحون خلفاء الله على الأرض.

٣ و ٤ ـ المستخدم عليه وهو ما جرت عليه الخلافة، ويشمل الإنسان والطبيعة (الأرض) والمجتمع أو مسألة «الرابط والاتصال» بين الناس وبعضهم البعض ومع الطبيعة.

وبذلك، يعتبر القرآن تعيين الإنسان خليفة فعلاً من أفعال الله، ويطرح علاقة رباعية للمجتمع، وينبه الإنسان في آيات متعددة إلى أن يكون واعياً ومنتبهاً، وألا ينسى دور الله في المجتمع والعلاقات الاجتماعية فيه. ومن الواضح أن خلافة الإنسان هي للاختبار والامتحان، ليُعرف كيف يحدد البشر على الأرض علاقاتهم مع (الله، النفس، الآخرين والطبيعة) بناءً على سنة «الحرية والاختيار والانتخاب».(١٦)

بعد توضيح العناصر الأربعة للمجتمع من وجهة نظر القرآن الكريم، نعود إلى هذه المسألة: كيف يكون الدين كطبيعة بشرية أحد تقاليد التاريخ، وما الدور الذي يمكن أن يلعبه في الحياة الاجتماعية للبشر؟

٢ ـ ٢ ـ ارتباط سنة الدين التاريخية بالمجتمع

الشهيد الصدر في توضيح هذا الارتباط الاجتماعي والتاريخي للدين، يفحص عناصر المجتمع الأربعة من زاويتين مختلفتين: عندما ننظر من الأعلى ومن البُعد السماوي ومن جانب الله (الجعل التكويني) إلى الاستخلاف وحكم الإنسان على الأرض، يُعرّف الله الإنسان بأنه خليفته «إني جاعل في الأرض خليفة»، وإذا نظرنا من الأسفل ومن البُعد الأرضي ومن جهة الإنسان إلى هذه العلاقات، وأخذنا فطرة الإنسان معياراً للتقييم، تبرز مسألة «الأمانة» و«المسؤولية».(١٧)

كما يعتقد الشهيد الصدر أن ذلك الربط الرباعي موجود في البناء التكويني، وهو داخل في المسار الطبيعي والممر التاريخي، وبما أن العرض التكويني قد تم (جعل التكويني للخلافة) والقبول التكويني أيضًا قد تم على شكل قبول حمل أمانة الخلافة والسلطة، فإن السنة التاريخية الفطرية للدين موجودة دائمًا. وبالطبع يمكن مؤقتًا أن يُواجه هذه السنة الفطرية؛ لأن القرآن بعد بيان «القبول التكويني لحمل الأمانة» يقول: «حملها الإنسان أنه كان ظلوماً جهولاً»(١٨) والتعبير «ظلوماً جهولاً» يعني أن الإنسان الظالم والجاهل يمكنه أن يقف في وجه هذه السنة ويقاتلها سلبًا. كما يقول في نهاية آية الفطرة: «ولكن أكثر الناس لا يعلمون»(١٩). لذلك، فإن مضمون آية الفطرة وآية الأمانة(٢٠) متوافقان؛ لأن آية الفطرة تبين أن الدين القيم (الدين المستقر بذاته) هو ذات بناء الإنسان والنواة الفطرية الأساسية له التي تبني تاريخه ويمكنها أن ترعى حياته وتكون معتمده.(٢١)

٣ ـ ٢ ـ الدور الأساسي للدين في المجتمع

يشرح الشهيد الصدر لتبيان الدور الأساسي للدين والله (العنصر الرابع من العلاقات الاجتماعية) الإنسان ودوره في حركة التاريخ. وهو بناءً على الفكر المعروض في الآية «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم»(٢٢) يؤمن بأن:

أولاً: حركة التاريخ حركة هادفة وبناءً عليه مستقبلية؛ وليست تحت تأثير سبب فاعل أو مرتبطة بالماضي. المستقبل للحركة التاريخية الفاعلة يصنع الإنسان، وبما أن المستقبل غير موجود الآن، فإنه يُنظر إليه من حيث الوجود الذهني، ومن هذا المنظور هو أيضًا مولد للحركة. لذلك، الوجود الذهني الذي هو تجسيد المستقبل ومحرك التاريخ من جهة يدل على «الفكر» ومن جهة أخرى يدل على «الإرادة». وبدمج «الفكر» و«الإرادة» يتحقق قوة البناء للمستقبل وقوة الحركة للنشاط التاريخي على الساحة الاجتماعية. وبذلك يمكن القول: صانع حركة التاريخ هو المحتوى الداخلي للإنسان أي «الفكر والتفكير» و«الإرادة» لديه.

ثانيًا: بناء المجتمع على مستوى البنية الفوقية بكل روابطه ومنظماته وأفكاره وخصائصه قائم على أساس المحتوى الداخلي للإنسان، وأي تغيير أو تطور في بنيته الفوقية يتبع تغيير وتطور هذا الأساس. ومن البديهي أنه كلما كان هذا الأساس متينًا، بقيت البنية الفوقية للمجتمع متينة. وهكذا، العلاقة بين المحتوى الداخلي للإنسان والبنية الفوقية الاجتماعية والتاريخية للمجتمع هي علاقة تابع ومتبوع أو سبب ونتيجة.

ثالثًا: من الآية المذكورة، وخاصة من تعبير «ما بأنفسهم» يُستفاد أن تغيير فرد أو عدة أفراد غير كافٍ، بل تغيير المحتوى الداخلي والنفسي للأمة هو الذي يمكن أن يكون أساس التغييرات في البنية الفوقية لحركات التاريخ.(٢٣)

يستخلص الشهيد الصدر من النقاط الثلاثة السابقة نتيجتين دينيتين مهمتين تؤثران تأثيرًا أساسيًا في بنية المجتمعات:

أ ـ البناء الروحي والداخلي للإنسان والمجتمع، وهو أساس حركة المجتمع، يجب أن يسير متناسقًا ومرافقًا للبناء الخارجي للإنسان والمجتمع، وهو البنية الفوقية لحركة المجتمع. وبما أنه لا يمكن أبدًا اعتبار البنية الفوقية بدون أساسها، فقد سمى بناء المحتوى الداخلي في مساره الصحيح «الجهاد الأكبر» والبنية الفوقية التي تتحرك في مسارها الصحيح «الجهاد الأصغر». وكلما انفصل الجهاد الأصغر عن الجهاد الأكبر، يفقد المجتمع والإنسان محتواهما الأساسي، ولهذا السبب لا يملكان القدرة على إحداث تغيير حقيقي في الساحات التاريخية والاجتماعية. لذلك، أساس حركة التاريخ هو المحتوى الداخلي للإنسان، وهذا المحتوى الداخلي يشكل القاعدة والمعيار والقانون.(٢٤)

ب ـ المحتوى الداخلي للإنسان والمجتمع يتكون من الأهداف والمثل العليا. فالمثل والهدف هما اللذان يخلطان حركة التاريخ بإرادة وفكر الإنسان ويقودانه وينظمانه. هذا المثل الأعلى الكبير والهدف النهائي هو الذي يشكل الأهداف الصغيرة وتنشأ منه القضايا الجزئية والتكتيكية. لذلك، الأهداف وحدها هي التي تبني التاريخ، وهي في حد ذاتها نتاج أساس أعمق في عمق المحتوى الداخلي للإنسان، أي مثل حياته العليا، وهذا المثل الأعلى يقع في مركز كل هذه الأهداف المتوسطة، وجميع الأهداف تعود إليه.(٢٥)

يعتقد الشهيد الصدر باستخدام آيات القرآن الكريم وتاريخ المجتمعات البشرية أن المثل العليا الكبيرة أو الهدف النهائي للبشر والمجتمعات الإنسانية التي يذكرها القرآن الكريم بـ «الإله» هي من ثلاثة أنواع: ١ ـ المثل الأعلى للوضع القائم أو المثل الأعلى التقليدي والمألوف ٢ ـ المثل الأعلى المحدود ٣ ـ المثل الأعلى الأسمى واللامحدود.

لا نهدف هنا إلى شرح المجتمعات ذات الأهداف الثلاثة المذكورة، وإنما نوضح قصد الشهيد الجليل بمثال فقط. مثال المجتمع من النوع الأول هو المجتمعات التقليدية المتخلفة والمستعمرة وتحت الاحتلال الأجنبي… والمجتمع ذو المثل الأعلى المحدود هو مثل المجتمعات المتقدمة الحالية سواء الليبرالية أو الاشتراكية… التي تحمل جانبًا صحيحًا، لكنها من حيث القدرة والموارد والطاقات البشرية صغيرة جدًا وضئيلة. أما المثال الثالث من المجتمعات التي اختارت المثل الأعلى الأسمى واللامحدود أي «الله» كهدف نهائي لها، فهي المجتمعات التي قادها الأنبياء العظام والأولياء الكرام والعلماء الربانيون، وعلى رأسها مجتمع صدر الإسلام بقيادة النبي الأكرم(ص). وهذه المجتمعات تتميز بخصائص عليا:

أولاً: عندما يكون الطريق نحو المثال الأعلى غير المحدود والحقيقي، أي «الله»، مفتوحًا، يكون هناك دائمًا مجال للتزكية والتكامل والتقدم، ويمكن لهذا المثال الأعلى أن يزيل كل الآلهة الكاذبة وكل أنواع الأصنام وكل الحواجز بين الإنسان والله. ومن ثم، فإن الدين التوحيدي هو صراع دائم ونضال مستمر ضد كل الآلهة والمثل الدنيوية التافهة والمتكررة؛ لأن المثال غير الإلهي يريد أن يوقف الإنسان في منتصف الطريق وعند نقطة معينة، لكن الدين التوحيدي رفع راية المعارضة لهم عبر التاريخ. لذلك، فإن المثال الحقيقي والأسمى يحدث تغييرًا كميًا في الحركة، ويحرر القيود، ويخلص الإنسان من هذه الحدود والقيود المصطنعة ليواصل طريقه باستمرار.

ثانيًا: الإيمان بالمثال الحقيقي والأسمى يخلق شعورًا بالمسؤولية الذاتية في الإنسان والمجتمع، ويحل المشكلة الأساسية للمجتمعات البشرية، وهي عدم التوافق بين المصالح الفردية والمصالح الجماعية، من خلال ضمان تنفيذ «ما لا تحبه لنفسك لا تحبه للآخرين». الإيمان الحقيقي بالله يحل مشكلة الإنسان مع إخوانه البشر وحتى مع الطبيعة والحفاظ على البيئة بأفضل صورة ممكنة.(٢٦) لذلك، يحدث أيضًا تغيير نوعي في حركة الإنسان والمجتمع.

٤ ـ ٢ ـ ضعف البشر وتنظيم طريق البشرية نحو المثال الحقيقي

كيف يمكن للبشر أن يصلوا إلى هذه التغيرات الكمية والنوعية الناجمة عن اختيار المثال الحقيقي ويتابعوا خط الخلافة الإلهية والتكوينية؟ مع أن الإنسان ليس معصومًا من الخطأ والنسيان والخطيئة والظلم وجميع أنواع التلوث، إلا أنه بسبب امتلاكه «الفطرة الإلهية» و«العقل» و«الإرادة» يمكنه متابعة خط الخلافة العامة.

يعتقد الشهيد صدر، مستندًا إلى آيات القرآن الكريم في إجابة السؤال أعلاه، أن الله سبحانه وتعالى إلى جانب خط خلافة الإنسان على الأرض، شرّع خط الشهادة والبرهان أيضًا بشكل قانوني، بحيث يحفظ الإنسان الخليفة من الانحراف ويهديه نحو أهداف الخلافة الإلهية السامية. ويكتب: حتى لا يحدث التدخل الرباني في عمل هداية الإنسان الخليفة في مسار حركته، تضيع كل الأهداف العظيمة التي رسمت له في بداية الحركة (خلافة الله). وهذا التدخل الرباني هو نفس خط الشهادة أو البرهان. والقرآن الكريم بتقديم هذا الخط، يقسم الشهود إلى ثلاثة أصناف: الأنبياء، الربانيون، والأحبار(٢٧):

إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فيها هُدي وَ نُورٌ يحْكمُ بِهَا النَّبِيونَ الَّذينَ أَسْلَمُوا لِلَّذينَ هادُوا وَ الرَّبَّانِيونَ وَ الْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كتابِ اللَّهِ وَ كانُوا عَلَيهِ شُهَداءَ؛(٢٨) لقد أنزلنا التوراة التي فيها هدى ونور، يحكم بها الأنبياء الذين أسلموا لليهود، وكذلك الربانيون والأحبار بما حفظوا من كتاب الله، وكانوا عليه شهداء، ليحكموا على اليهود.

وفقًا لهذه الآية، يتجلى خط الشهادة أو البرهان في ثلاث مجموعات من البشر:

١. الأنبياء؛

٢. الأئمة الذين يُعتبرون امتدادًا ربانيًا للنبي في هذا الخط؛

٣. المرجعية التي تُفترض امتدادًا لنمو وتكامل النبي والإمام في خط الشهادة أو البرهان.(٢٩)

وبذلك، تم تنظيم طريق البشرية نحو المثال الحقيقي عبر بشر من جنس البشر، لكن بـ «فطرة متفتحة» و«عقل يقظ» و«عزم راسخ» كـ «خليفة الله». وقد أكد الإمام الصادق(ع) على هذه المهمة للأنبياء، فقال:

[الرسل] يبينون مشيئة الله وهدفه للمخلوقين وعباده، ويهديهم إلى مصالحهم ومنافعهم وأسباب بقائهم وزوالهم.(٣٠)

الصفات المشتركة للشهود (النبي، الإمام، والمرجع) من وجهة نظر الشهيد صدر هي:

أولاً: العلم؛ يجب أن يكون عالماً يكون علمه في مستوى توسيع الرسالة الإلهية (الخلافة).

ثانيًا: العدل؛ أن يكون عادلاً يلتزم بهذه الرسالة ويؤدي واجبه بعيدًا عن الاستبداد.

ثالثًا: الوعي بالزمان؛ أن يكون لديه بصيرة وفطنة في فهم قضايا عصره.

رابعًا: أن يمتلك ملكات وخصالًا فطرية (الحكمة، الفطنة، الصبر، والشجاعة).(٣١)

لذا، فإن الأشخاص الكاملين بهذه الصفات المشتركة لديهم واجب إلهي في منع الناس من الانحراف، وقيادتهم نحو خط الخلافة الإلهية والوصول إلى المثال الحقيقي الأسمى، وتحقيق وحدة الهدف النهائي للناس. ومن ناحية أخرى، على الناس واجب الحفاظ على حق السيادة الإلهية العامة والوصول إلى مقام خليفة الله من خلال عبودية الله وطاعة الأشخاص الكاملين أو الشهود كـ «أمانة إلهية»، وفي هذا الطريق، من خلال «الجهاد الأكبر» و«الجهاد الأصغر»، يقللون التناقضات والصراعات الموجودة في داخلهم وفي المجتمع إلى الحد الأدنى، وبعد تحقيق الأهداف المرحلية المتوسطة، يتابعون الأهداف العامة للمرحلة التالية من أجل تكامل دائم نحو «الله».

٣ ـ ضرورة تشكيل الدولة الإسلامية

قيل إنه وفقًا لرؤية الشهيد صدر، الدولة هي أسمى تجلٍ للوحدة السياسية الموجودة بين الناس في المجتمع ورمز القوة الاجتماعية الأصيلة في حياة الإنسان. ويعتقد أن الوحدة الفكرية الناجمة عن وجود مثال مشترك جماعي تؤدي إلى الوحدة السياسية، وبالتالي إلى تشكيل واستمرارية وشرعية الدولة. وعندما لا يكون للمجتمع مثال أو يفقد رابط الصداقة مع مثاله، فإنه يصاب بالاختلاف والتشتت، وفي هذه الحالة، يضع التاريخ أمام هذا المجتمع ثلاثة برامج تنفيذية أو يضعها؛ إما أن يتفكك بسبب هجوم عسكري خارجي (مثل غزو المغول للدول الإسلامية وسقوط الحضارة الإسلامية)؛ أو ينجذب ويرتعب من المثال الأجنبي المستورد (مثل تأثير الثقافة المادية الغربية على العالم الثالث وعولمة الاقتصاد والسياسة والثقافة الغربية)؛ والطريق الثالث هو أن يعود إلى نفسه ويستعيد ذاته، ويزرع المثال الأصيل والحقيقي فيه.(٣٢)

لذلك، بعد العودة إلى الذات، تكون المرحلة الأولى من الحركة الثورية أو الإصلاحية لأي مجتمع هي الوصول إلى الوحدة الفكرية. ومن ثم، فإن «الثورة الثقافية والتربوية» (الجهاد الأكبر) هي الخطوة الأولى الضرورية التي بالطبع تستمر ضرورتها في المراحل اللاحقة أيضًا. والمراحل التالية هي «الثورة السياسية ـ الاجتماعية»، «تأسيس الدولة الجديدة»، و«استمرار، حفظ، تقوية وتوسيع شرعية الدولة».

وبذلك، كلما خرج مجتمع ما عن مسار «الخلافة العامة» لله تعالى ووقع في الخلاف والتشتت، فإنه إما لا يمتلك مثالاً أعلى، أو اختار مثاليات أجنبية ومحدودة ومتنافية مع الفطرة الإلهية للإنسان. في هذه الحالة، تقع على عاتق البشر الكاملين مهمة إيقاظ الناس، توعيتهم، إصلاحهم، وفي النهاية «الثورة»(٣٣) بمساعدة وتأييد الشعب. هذه قاعدة عامة استنبطها الشهيد الصدر باستخدام النصوص الدينية لتشمل تاريخ المجتمعات البشرية بأكمله.

يرى الشهيد الصدر، بناءً على المبادئ السابقة، أن تشكيل الدولة الإسلامية ضروري من جهتين: التكوينية والتشريعية:

أ ـ الضرورة التكوينية: الدولة هي أفضل وسيلة لتحقيق الخلافة العامة للبشر على الأرض، والطريق الوحيد للبشرية للوصول إلى مجتمع متكامل، موحد، صالح وسعيد، وهو إقامة الدولة على أسس إسلامية.

ب ـ الضرورة التشريعية: من هذا المنظور، الدولة الإسلامية ضرورية لإقامة حدود الله، واستمرار خط النبوة والإمامة، والحفاظ على الدين الإلهي وتوسيعه؛ لأنه بدون وجود الدولة الإسلامية، لا تسمح المؤسسات والمعايير غير الدينية السائدة بتشكيل المعايير والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الدينية. ولهذا السبب، كانت حركة الأنبياء دائمًا حركة ثورية تهدف إلى تغيير القيم والمؤسسات والهياكل الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفي هذا الطريق، أسسوا أولى الدول بمساعدة الشعب، وكان كثير منهم مثل داود وسليمان(عليهما السلام) مسؤولين عن الدولة بأنفسهم، وبعض الأنبياء مثل موسى(عليه السلام) قضوا حياتهم كلها في السعي لهذا الهدف.

يكتب الشهيد الصدر:

تمكن النبي محمد(ص) من تحقيق جهود أسلافه الطاهرين وأسس أفضل وأنقى نموذج للدولة في تاريخ البشرية. دولة أصبحت بحق نقطة تحول عظيمة في تاريخ الإنسان وتجسيدًا كاملاً لمبادئ الدولة الصالحة.(٣٤)

ب) نظرية الدولة من وجهة نظر الشهيد الصدر(ره)

في بداية هذا المقال قيل إن إقامة علاقة صحيحة بين طبيعة الإنسان والدولة تلعب دورًا أساسيًا في صياغة نظرية منطقية عن الدولة (كممثل للسلطة العامة في المجتمع). عادةً ما يؤكد المنظرون الذين لا يثقون بطبيعة الإنسان ويشككون في قدراته على التركيز السياسي، النظام السياسي، السيادة والسلطة الشاملة للدولة، بينما يؤكد المنظرون الذين يركزون على مفاهيم مثل السيادة الشعبية ومشاركة الناس ضمن الأطر السياسية اللامركزية على نظرة أكثر تفاؤلاً لطبيعة الإنسان.

يعتقد هؤلاء المفكرون أن البشر قادرون على العيش بشكل مستقل، مسؤول، ومتقٍ دون وجود جهاز إكراه شامل.(٣٥) بلا شك، يضع الشهيد الصدر من خلال تفسير «نظرية الخلافة والنيابة العامة للإنسان في العالم نيابة عن الله» الناس في ذروة القوة وامتلاك الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية، ويرى بواقعية أن الحياة المستقلة، المسؤولة والمتقية، بدون استهداف النموذج الحقيقي الأعلى، وبدون وجود «خط الشهادة والإقرار» وبدون الجهاد الأكبر إلى جانب الجهاد الأصغر، وبدون اعتبار «الأمانة» في حكم الناس، هي وهم باطل (يثبت تاريخ المجتمعات الغربية خلال القرنين الأخيرين التي تدعي السيادة الشعبية واقعية هذا الشهيد العظيم بوضوح).

١ ـ نقد نظرية الدولة الليبرالية

المجتمعات الغربية التي اختارت نموذجًا محدودًا لـ«الجنة المادية» و«الرفاهية» كهدف نهائي لها، أسست نظريتها عن الدولة على الاقتصاد السياسي الكلاسيكي الذي هو إرث آدم سميث وآخرين. كانت الدول الليبرالية الكلاسيكية في القرن التاسع عشر تحت تأثير قوي لـ«الاقتصاد السياسي» الكلاسيكي. في تلك الحقبة (مع توسع الطبقة البرجوازية الصناعية والتجارية وقوة ثقافتها المادية) لم يكن الاقتصاد السياسي، كما وصفه كارل ماركس، مجرد جانب من جوانب المجتمع المدني، بل كان «تشريح» المجتمع المدني ذاته؛ أي في هذه الحقبة الرأسمالية، لم يكن الاقتصاد داخل الفضاء الاجتماعي عاملاً من بين عوامل أخرى أو منسقًا بينها، بل كان بشكل خطير يحول كل شيء إلى تابع له، ويقلل من استقلالية وأهمية جميع العوامل الأخرى مثل الدين، الأسرة، نظام المكانة والقيم الفردية، التعليم، التكنولوجيا، العلم والفن.(٣٦)

كان نظام السوق الحر ويده الخفية، حسب اعتقاد آدم سميث والاقتصاديين الكلاسيكيين، ينظم كل السلوكيات الإنسانية ويخضعها لنظامه وانضباطه، ويحقق التناغم المطلوب بين المصالح الفردية والمصالح الاجتماعية. وهكذا، فإن إحدى الوظائف الأساسية للدول عبر التاريخ، وهي الحفاظ على التماسك، التنسيق، والتجانس(٣٧) والسيطرة على رعاياها، تُترك في هذه النظرية للمجتمع المدني البرجوازي وأداته «نظام السوق الطبيعي الحر»، ويبقى السؤال: ما هي وظيفة الدولة في هذه الحالة؟

كان الاقتصاد السياسي الكلاسيكي يحدد مهام الدولة في ثلاثة مبادئ: العدالة السلبية(٣٨) (العدالة)، الأمن والشؤون العامة (السلع العامة). وكان مبدأ «الحرية الاقتصادية» والنظام الطبيعي للسوق يستلزمان مبدأ «عدم تدخل الدولة» في العمليات الإنتاجية والاقتصادية. وقد انخفضت إدارة الدولة وتوليها للشؤون الاقتصادية التي انتشرت في القرون السادس عشر حتى الثامن عشر، في القرن التاسع عشر وخاصة في منتصفه. ومع ذلك، واجهت الدول الليبرالية الكلاسيكية في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين أزمة شرعية. وبالطبع، تمكنت هذه الدول على المدى القصير من إنقاذ سفينة شرعيتها بالاعتماد على الإنجازات الاستعمارية والغزوات العالمية أو الحرب العالمية الأولى (الصراعات بين الدول الأوروبية)؛ لكن على المدى الطويل، كان الحل هو الدول المتدخلة في الشؤون الاقتصادية، أي دول «الرفاه الاجتماعي».

كانت أسباب زيادة دور الدولة في الدول الغربية هي الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يجب شرحها بإيجاز:

أ) الأزمات الاجتماعية: كان هذا المصطلح في القرن التاسع عشر يشير إلى مجموعة من المشاكل التي نشأت من التجارة والتصنيع في اقتصاد هذه الدول. تعمق الفجوات الطبقية، الضغوط غير العادلة على السكان، البروليتاريا وأجور الطبقات الدنيا، انتشار الأمراض المعدية في المدن، الجريمة، الفقر المدقع، الحوادث الصناعية، انتشار الإلحاد المسيحي، نمو منظم للنقابات والاشتراكية، الأمية، الفسق، الجنوح لدى المراهقين، الولادات غير الشرعية، الإدمان على الخمر، الوحشية الاجتماعية، التخريب السياسي، الإضرابات والبطالة وغيرها من المشاكل والأزمات الاجتماعية. لم تكن الدول الليبرالية الكلاسيكية الأوروبية تقبل على الإطلاق أن تكون كل هذه الأزمات سياسية، لذا لم تفعل شيئًا لحلها سوى إرسال الشرطة لقمعها.(٣٩) وهكذا، كانوا يضاعفون المشاكل وتزداد التكاليف الاجتماعية.

ب) الأزمات الاقتصادية: لم تكن الأزمات الاقتصادية، خلافًا للماضي (في الاقتصاد التقليدي والاقتصاد الانتقالي)، تعني المجاعة والجفاف، بل كانت تعني أن انخفاض دخل غالبية الناس وعدم كفاية الطلب الفعّال يجعل من المستحيل بيع الإنتاج الضخم من السلع (ويُطلق على هذا النوع من الأزمات اسم الأزمة الدورية أو التجارية). بالإضافة إلى ذلك، أدت الأزمات الاقتصادية العالمية والممتدة إلى تقليل شرعية الدول الليبرالية الكلاسيكية. عدم كفاية آلية السوق لمواجهة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية وعجزها عن خلق توازن اقتصادي، دفع هذه الدول مرارًا وتكرارًا إلى التدخل في الشؤون الاقتصادية، وكانت تدخلاتها الاقتصادية تتمحور حول محورين:

١ ـ الأوضاع الاقتصادية، مثل تحديد الحد الأدنى للأجور …؛

٢ ـ أسس الاقتصاد، مثل تأميم المصانع … .

ج) الأزمات السياسية: كانت الأزمات السياسية عاملًا آخر في تقليل شرعية الأفكار الليبرالية وهزيمة الأحزاب الليبرالية الحاكمة. وكانت الأزمات السياسية، التي غالبًا ما كانت ناشئة من الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، تؤدي إلى تقليل ثقة الطبقات الكبرى في الأحزاب الليبرالية الحاكمة، فكانت هذه الطبقات تدريجيًا تنجذب إلى أحزاب أخرى سواء من المحافظين اليمينيين أو الاشتراكيين اليساريين، وهكذا لم تعد الأغلبية البرلمانية تحت سيطرة الأحزاب الليبرالية، وفقدت الدول الليبرالية البرجوازية شرعيتها وسقطت.

كانت الطبقات الكبرى عادةً من فئتين: إما أشخاص حققوا ثروات كبيرة في عصر تراكم رأس المال، وكانت الأحزاب المحافظة هي الأنسب لهم، أو عمال كانوا يتزايد عددهم يوميًا في عصر توسع الصناعة، وكان طريقهم في النهاية مختلفًا عن الليبراليين؛ لأن ظروف تشكيل النقابات العمالية بدأت تتوفر، وهذه الطبقة التي كانت تتمتع بميزة عددية، ظهرت مع توسع حق التصويت كقوة اجتماعية عظيمة ومستقلة.(۴٠(

أجبرت الأزمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المذكورة أعلاه الدول الليبرالية على تبني سياسات جديدة كانت أكثر تأثرًا بـ «ظروف الناس» منها بشعارهم القديم «الفردية» و«حرية الفرد». قال جوزيف تشامبرلين في عام ١٨٨٣م: «السياسة المستقبلية هي السياسة الاجتماعية».(۴١(

يرد الشهيد الصدر على نظرية «حرية الفرد» عند الليبراليين قائلاً:

الحرية المجردة التي يتمكن الإنسان فيها من التصرف في السوق كما يشاء، لا يمكن أن تكون كافية له. يجب أن نرى كيف يجب أن نخطو، وما هو الهدف من تجاوز السوق؟ هذا المحتوى والمعنى قد فقده الأوروبيون. فقد جعل الإنسان الأوروبي الحرية هدفًا. الحرية جيدة، لكنها ليست كغاية مثالية. الحرية هي القالب. مع الحرية نحتاج إلى محتوى، يجب أن نعرف لأي غاية وهدف نريد أن نكون أحرارًا. عندما لا نعرف لأي محتوى صُنع قالب الحرية، فإن هذه الحرية نفسها تجلب بؤسًا خطيرًا وعظيمًا، وهو نفس البؤس الذي يعاني منه الحضارة الغربية اليوم التي وفرت للبشرية جميع وسائل الهلاك؛ لأنهم لم يضعوا أي محتوى داخل قالب الحرية.(۴٢(

يرى الشهيد الصدر أن عبادة الله الواحد تحرر الإنسان من عبودية الغير، وأن التوحيد الحقيقي يرفض جميع الآلهة الكاذبة (لا إله إلا الله)، وهذه هي الحرية الحقيقية والروحية من داخل وجود الإنسان (الجهاد الأكبر)؛ والنتيجة الطبيعية لهذه الحرية الروحية والتوحيد هي حرية الثروة والطبيعة من أي مالك سوى ذات الله تعالى، وهذه هي حرية الإنسان من خارج وجوده (الجهاد الأصغر)؛ وقد ربط الإمام أمير المؤمنين(ع) بين هذين الحقيقتين (الحرية الداخلية والحرية الخارجية) ببيان واضح فقال: «العباد عباد الله والمال مال الله».

به هذا النحو، يزيل الإسلام بثورته الاجتماعية كل القيود الاصطناعية والعقبات التاريخية التي تعيق تقدم الإنسان وتطوره نحو الله سبحانه وتعالى. ولهذا السبب، فإن مضمون حرية الفرد لا يتحقق إلا من خلال التوحيد والثورة الإسلامية وتأسيس مجتمع يمكنه تحقيق تطور ديناميكي يكون فيه الجهاد الأكبر محور الجهاد الأصغر، والبناء، وتغيير البيئة الطبيعية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية.({{C7}})

والآن حان الوقت لتطبيق مكونات نظرية الشهيد الصدر في مجال الاقتصاد. هذه النظرية، كما بيّن في قسم «أسس النظرية»، تربط بين خطي «الخلافة» و«الشهادة» في الدولة في آنٍ واحد، ولا تفصل بين الحكومة والشعب أو الأمة والإمامة. لذلك، تُعرض نظرية الدولة عند الشهيد الصدر في ثلاثة أقسام: خلافة الإنسان في الشؤون الاقتصادية، التخطيط بناءً على العناصر الثابتة والمتغيرة، وواجبات الدولة في الاقتصاد.

٢ ـ خلافة الإنسان في الشؤون الاقتصادية

بعد إثبات أن «الناس عباد الله وأن الثروة ملك الله»، تتضح نظرية الخلافة في الشؤون الاقتصادية؛ أي أن الإنسان هو خليفة الله في استخدام واستغلال موارد الثروة مع الأمانة. وقد أكد الله تعالى هذه المسألة في آيات من القرآن الكريم حيث يصرح بأن الإنسان هو نائب الله في الاستغلال الأمين:

وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ;({{F3}}) وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه.

وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّـهِ الَّذِي آتَاكُمْ;({{E12}}) وأعطوهم من مال الله الذي آتاكم.

تتم هذه الخلافة في مرحلتين: جماعية وفردية:

المرحلة الأولى: المجتمع ككل هو نائب الله في الثروة، وهذه المسألة تثبت لهم الحق في الثروات الطبيعية والإلهية، كما تثبت لهم المسؤوليات والواجبات. وهذه المسؤوليات هي أمران: العدالة في توزيع الثروة، والعدالة في حفظ وتوسيع الثروة، بحيث تُكرّس كل الجهود والطاقات المجتمعية لاستغلال الطبيعة وإعمار الأرض وتوسيع النعم.

المرحلة الثانية: يصبح الأفراد كوحدات من المجتمع نوابًا لله في الثروة، ولكن هذه الخلافة والملكية الخاصة مقيدة بأن لا تتعارض مع الخلافة العامة للمجتمع والملكية العامة أو الخاصة لباقي أفراد المجتمع؛ لأن الأفراد مسؤولون أمام الله والمجتمع، وملتزمون بحفظ وصيانة الأموال بناءً على مبدأي «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» و«أداء الأمانات».({{N4}})

ينتج هذا الشعور بالمسؤولية عن الإيمان بالبعث وعالم واسع وواسع النطاق، مما يجعل هدف الإنسان من جمع الثروة، حتى وإن كان على حساب الآخرين (وهو نتيجة الإيمان بأن الحياة محصورة في الوجود المادي فقط)، يتحول إلى نفي التكدس ونفي الطمع، والتسابق في القيام بالأعمال الصالحة والمستحقة. وهذا التحول العظيم في تصور الأهداف وتقييمها يؤدي إلى ثورة عظيمة في الوسائل والنماذج الحياتية الاقتصادية والتخطيط الجماعي.({{C7}})

٣ ـ التخطيط بناءً على العناصر الثابتة والمتغيرة الاقتصادية

يعتقد الشهيد الصدر أن الخلافة العامة للإنسان في الشؤون الاقتصادية لا تتحقق بدون هداية الشهود إلى الهدف المنشود. وبناءً عليه، يتضح ضرورة التخطيط الاقتصادي وتدخل الدولة في الاقتصاد.

أحكام الإسلام بشأن الثروة وزيادة الإنتاج والنمو الاقتصادي مع العدالة الاقتصادية نوعان:

النوع الأول: العناصر الثابتة والعالمية لأحكام الاقتصاد الإسلامي التي يجب أن يتم التخطيط دائمًا في ظل هذه المبادئ والمؤشرات الثابتة، مثل: توزيع الدخل بناءً على العمل أو الملكية كأحد عوامل الإنتاج، والملكية بناءً على عاملين اجتماعي وإنساني يتمثلان في الحاجة والميراث.

النوع الثاني: العناصر المتغيرة زمنياً وبنيوياً التي تتشكل على أساس الخطوط والاتجاهات العامة للعناصر الثابتة؛ مثل: توازن سوق العمل أو السلع، والحفاظ على العدالة التوزيعية في ظل تغير أدوات الإنتاج. في الواقع، الأساس والقاعدة والاتجاه لهذه العناصر المتغيرة ثابت ومحدد، لكن طبيعة وجوهر هذه المتغيرات تُنشأ وفقًا للمصالح الاجتماعية في كل زمان. لذلك، فإن التخطيط الاقتصادي الصحيح في مجتمع إسلامي يعتمد على دمج العناصر المتغيرة مع العناصر الثابتة في تركيبة واحدة يجب أن توجهها روح واحدة وهدف مشترك. ويتطلب التعرف الدقيق واستنباط هذه العناصر المتغيرة من المبادئ والمؤشرات العامة والثابتة الأمور التالية:

أ) يجب التعرف بدقة وشمولية على الخطوط العامة الثابتة التي تحدد الاتجاه العام لهذه العناصر المتغيرة وتدل عليها.

ب) يجب أخذ الظروف والبيئات الواقعية والخارجية للاقتصاد المجتمعي من جهة، والأهداف الاقتصادية والأساليب والسياسات لتحقيق هذه الأهداف من جهة أخرى، في الاعتبار.

ج) يجب مراعاة نطاق صلاحيات الحاكم وولي الأمر في المجتمع الإسلامي ووقوع هذه العناصر المتغيرة ضمن هذا النطاق من الناحية القانونية والفقهية.

وبهذا يتضح أهمية التخطيط للحياة الاقتصادية في المجتمع الإسلامي، ودور المفكرين الإسلاميين سواء من الفقهاء المبدعين والمبتكرين، أو أساتذة الاقتصاد النخبة في عملية التخطيط بشكل تعاوني وتشاركي ضروري.({{F3}})

وبناءً على رؤية الشهيد الصدر، فإن المؤشرات الحاسمة والثابتة في أي تخطيط اقتصادي داخل مجتمع إسلامي هي:

١ ـ ٣ ـ التوجه العام للحقوق الاقتصادية

من بين الأحكام الثابتة في الإسلام، توجد مجموعة من الحقوق الاقتصادية التي تتميز باتجاه نحو هدف مشترك؛ ومن هذا التوجه العام يمكن فهم أن تحقيق هذا الهدف يحظى باهتمام واعتبار الله الحقيقي والأسمى، ولذلك يجب الانتباه إلى هذا الهدف كمؤشر حاسم في التخطيط.

بعد ذكر عدة أمور من هذا النوع من الحقوق الاقتصادية، يستنتج الشهيد صدر أن الاتجاه المشترك لها هو أن توزيع الدخل يجب أن يدور حول عامل العمل والجهد الاقتصادي المفيد، وأن الأنشطة غير المفيدة مثل إنشاء السوق السوداء والنقص المصطنع لا ينبغي أن تكون مصدرًا للدخل.

٢ ـ ٣ ـ الهدف المصرح به للحكم الثابت

تشير هذه المؤشر إلى أنه عندما تشريع مصادر الإسلام، أي الكتاب والسنة، حكماً معيناً وتصرح بالهدف منه، فإن ذلك الهدف يكون مؤشرًا هاديًا ينظم العناصر المتغيرة في التخطيط بصيغ وسياسات اقتصادية بطريقة تضمن تحقيق ذلك الهدف؛ على سبيل المثال، في آية الفَيء (٤٩) تم التصريح بشكل واضح بعدم تركيز الثروة في طبقة معينة كهدف. وكذلك في الأحاديث المتعلقة بالزكاة، تم التصريح بأن الزكاة ليست فقط لسد الحاجات الضرورية للفقراء، بل إن زيادة رفاهيتهم النسبية من أهداف الزكاة أيضًا. لذلك، فإن زيادة الرفاهية النسبية للطبقات ذات الدخل المنخفض، والتوازن وانتشار المال والثروة بطريقة تلبي جميع الاحتياجات الحقيقية للمجتمع (عدم تركيز الثروة في طبقة معينة)، هي من الأهداف الحاسمة في التخطيط الاقتصادي للمجتمع الإسلامي.

٣ ـ ٣ ـ القيم الاجتماعية المؤكدة

العدالة، والأخوة، والمساواة، وما شابهها من المبادئ القيمية التي لا يمكن التنازل عنها في المجتمع الإسلامي، والتي من جهة تفرض واجبات على الأمة، ومن جهة أخرى تلزم الحاكم الإسلامي بتحقيق هذه القيم ضمن نطاق صلاحياته القانونية.(٥٠)

٤ ـ ٣ ـ توجه العناصر المتغيرة في عصر حكم المعصومين

كان النبي الكريم (ص) والأئمة المعصومون (عليهم السلام)، بالإضافة إلى رسالتهم في بيان الأحكام الثابتة الإلهية، يتحملون مسؤولية قيادة المجتمع. وهذه المسؤولية بطبيعة الحال تستلزم إصدار أحكام وتعليمات تتعلق بالظروف الزمانية أو المكانية التي كان على المجتمع الإسلامي في ذلك العصر تنفيذها. هذه النوعية من الأحكام، بغض النظر عن مصدرها وعن عنصرها المتغير، تحدد الاتجاهات العامة، ويجب على كل حكومة إسلامية أن تولي اهتمامًا بالغًا لهذه الاتجاهات والخطوط العامة في عملية التخطيط. ومن أمثلة هذه الأحكام الحكومية (الولائية أو المتغيرة):

١ ـ تحريم منع استخدام المياه الزائدة، نظرًا للحاجة الشديدة إلى نمو وزيادة الإنتاج الزراعي والداجني؛

٢ ـ المنع القاطع للاحتكار، بسبب القضاء على مصادر الدخل الناتجة عن النقص المصطنع وارتفاع الأسعار؛

٣ ـ فرض ضرائب غير ثابتة، بسبب الاحتياجات المتزايدة للمجتمع الإسلامي والفقراء.

٥ ـ ٣ ـ الأهداف المحددة للولي الأمر

إن ولي أمر المجتمع الإسلامي، الذي من جهة هو جزء من الأمة الإسلامية، وبسبب تقواه وجهاده ومحبة الناس له وحضوره الفعّال، هو منتخب ومحبوب من الناس، ومن هذه الناحية يسير في خط الخلافة العامة ويؤدي دوره الريادي الإنساني، ومن جهة أخرى، بسبب عدالته وعلمه واجتهاده الفعّال، يقف في خط “الشهادة والإقرار” وينفذ دوره الإلهي والرباني، يجب عليه وفق النصوص الإسلامية أن يحقق أهدافًا في المجتمع الإسلامي حسب قدرة الجهاز الحكومي وظروف الزمان والمكان. وهذه الأهداف تشكل أساسًا وركيزة لرسم السياسة الاقتصادية وقاعدة لتشكيل العناصر المتغيرة؛ على سبيل المثال، ورد في حديث عن الإمام الكاظم (ع):

في حالة عدم كفاية زكاة الضرائب، يجب على ولي الأمر أن يعين الفئات الضعيفة من ماله الخاص حتى يبلغوا حد الاستغناء وعدم الحاجة.

ومن البديهي أن تنفيذ مثل هذه المسؤولية يتطلب سياسات اقتصادية وتدابير لازمة، ويجب على الحكومة الإسلامية أن تستفيد من الإمكانيات المتاحة لديها (مثل الأنفال، الأموال العامة، الأوقاف، …) لتحقيق هذا الهدف.(٥١)

لذلك، فإن المؤشرات المحددة والعامة المذكورة أعلاه كعناصر ثابتة في أي تخطيط اقتصادي في المجتمع الإسلامي يجب أن تكون دائمًا مرشداً للمخططين وصناع السياسات الاقتصادية في كل عصر ومرحلة تاريخية، وهذه الخطوط العامة تشكل نظرية الشهيد صدر الاقتصادية حول الدولة.

٤ ـ المهام والمسؤوليات الاقتصادية للحكومة الإسلامية

يعتبر الشهيد صدر للحكومة الإسلامية مهمتين أساسيتين في نطاق الشؤون الاقتصادية:

الأولى: تطبيق العناصر الثابتة للاقتصاد الإسلامي، وتحديد العناصر المتغيرة المتوافقة مع المؤشرات العامة؛(٥٢)

الثانية: تنفيذ المهمة الأولى وفقًا لظروف وقدرة النظام الاقتصادي.

هاتان المهمتان الأساسيتان والواسعتان تفرضان مسؤوليات تفصيلية ومحددة على الحكومة، ومن بينها ما يلي:

أ) الضمان الاجتماعي الذي يضمن حدًا أدنى من الرفاهية النسبية لجميع أفراد المجتمع.

ب) التوازن الاجتماعي في الحياة من خلال تقريب مستويات المعيشة، والتوازن الاجتماعي في الدخل بمنع الاحتكار والاحتكار وتركيز الثروة.

ج) الاستفادة من جميع الإمكانيات والموارد المتاحة لصالح القطاع العام من خلال وضع سياسة كبرى للنمو والتنمية الاقتصادية.

د) التدخل المسؤول في أسواق السلع والخدمات ورأس المال… للحفاظ على السعر الحقيقي للتبادل، من خلال مكافحة الاحتكار في جميع ميادين الحياة الاقتصادية.(٥٣)

لتبيين كل من المسؤوليات الأربع للحكومة الإسلامية، لا سيما التأمين الاجتماعي والتوازن الاجتماعي، هناك مقدمة ضرورية. من وجهة نظر الشهيد الصدر، ينقسم الناس في المجتمع إلى ثلاث فئات: الفئة الأولى هم الذين يستطيعون العمل وباستغلال قدراتهم الفكرية والعملية يديرون حياتهم على مستوى مرتفع. الفئة الثانية هم الذين بالكاد يستطيعون من خلال عملهم تلبية ضروريات الحياة واحتياجاتهم الأساسية. الفئة الثالثة هم الذين بسبب ضعف بدني أو مرض نفسي أو عوامل أخرى تمنعهم من النشاط، لا يستطيعون العمل.(٥٤) بناءً على معايير التوزيع في الإسلام، تعتمد الفئة الأولى على عملها، لأن العمل هو أساس الملكية والوسيلة الرئيسية للتوزيع. أما الفئة الثالثة فتؤمن حياتها من خلال التوزيع حسب الحاجة، لأنهم لا يستطيعون العمل. لذلك، يستفيد أفراد هذه الفئة من التوزيع بمقدار يضمن لهم حياة كاملة وفقاً للاحتياجات التي لديهم، وهذا الضمان يتوافق مع مبادئ التعاون والتكافل الاجتماعي في المجتمع الإسلامي. أما الفئة الثانية التي تعمل ولكن دخلها لا يتجاوز الحد الأدنى للمعيشة، فيجب أن يعتمد دخلها على معيارين: العمل والحاجة، بحيث يغطي العمل ضروريات حياتهم، وتزيد الحاجة – وفقاً لمبادئ التعاون والتكافل – من دخلهم وترتقي بهم إلى مستوى الرفاهية العامة.(٥٥)

وبما أن الهدف النهائي للنظام الاقتصادي الإسلامي هو تمكين الأفراد من الاستغناء وخلق الرفاهية العامة، فإن أداء المسؤوليات الأربع المذكورة هو أقل ما يجب أن يسعى إليه الولي الأمر أو الدولة الإسلامية لتحقيقه.(٥٦)

١ ـ ٤ ـ التأمين الاجتماعي

تلتزم الدولة الإسلامية بتوفير وسائل الحياة الكاملة للناس، وتقوم بهذا الواجب عادة على مرحلتين: في المرحلة الأولى، توفر الدولة للفرد وسائل العمل وإمكانية المشاركة بكرامة في الأنشطة الاقتصادية ليتمكن من إدارة حياته بناءً على العمل والجهد. تتحقق المرحلة الثانية عندما يكون الفرد من الفئة الثالثة، أو إذا كان من الفئة الثانية ولم تستطع الدولة بسبب ظروف خاصة توفير التوظيف الكامل، ففي هذه الحالة يُطرح التأمين الاجتماعي الذي يضمن الحد الأدنى من الرفاه النسبي لجميع أفراد المجتمع، لا سيما الفئتين الثانية والثالثة.

يرتكز التأمين الاجتماعي من وجهة نظر الشهيد الصدر على ركيزتين: ١ ـ مبدأ الكفالة العامة ٢ ـ حق المجتمع في الإيرادات العامة للدولة.(٥٧) لا تتطلب مسؤولية الكفالة العامة أكثر من تأمين الاحتياجات الحيوية والضرورية للأفراد، لكن الركيزة الثانية للتأمين الاجتماعي، وهي حق أفراد المجتمع في الإيرادات العامة للدولة، تقتضي تحقيق جميع الاحتياجات الضرورية والعرفية إلى حد الكفاية. وتلتزم الدولة الإسلامية في كلتا الحالتين، ضمن حدود إمكانياتها، باتخاذ الإجراءات اللازمة للتأمين الاجتماعي.(٥٨)

٢ ـ ٤ ـ التوازن الاجتماعي

يختلف أفراد المجتمع اختلافاً طبيعياً واختيارياً، وإذا افترضنا أن قاعدة العمل كأساس للملكية هي المعيار الوحيد لكسب الدخل، وأن التنظيم الاجتماعي ـ الاقتصادي ليس ظالماً أو استغلالياً، فإن الفروق الفكرية والنفسية والجسدية ستؤدي بعد فترة إلى اختلاف في مقدار الثروات والممتلكات. يرى الشهيد الصدر أن الإسلام يعترف بالفروق الذهنية والجسدية بين الأفراد، لكنه، مع مراعاة عدالة النظام الاجتماعي ككل، وحفظ الحرية الاقتصادية والملكية الخاصة ضمن إطار القيم والأنظمة الإسلامية، يحقق التوازن الاجتماعي بطريقتين: سالبة وإيجابية:

١ ـ الطريقة السالبة: من خلال منع الاحتكار والاحتكار الحصري وتركيز الثروة، يقلل من عدم التوازن في الدخل.

٢ ـ الطريقة الإيجابية: من خلال تقارب مستويات معيشة الفئات الثلاث في المجتمع، يحقق التوازن الاجتماعي في الحياة.

ويعتبر الشهيد الصدر التوازن الاجتماعي تساوي وتوازن أفراد المجتمع في مستوى المعيشة وليس في مستوى الدخل. ومعنى التساوي في مستوى المعيشة هو أن تكون الأموال ورأس المال متاحة للأفراد بحيث يمكنهم الاستفادة من مزايا الحياة بشكل متساوٍ وفق مقتضيات العصر، رغم وجود درجات مختلفة داخل هذا المستوى المتساوي، ولكن هذا اختلاف في الدرجة وليس تعارضاً كاملاً كما هو الحال في المجتمعات الرأسمالية على مستوى المعيشة. وتلتزم الدولة الإسلامية بتحقيق التوازن الاجتماعي بمعنى تساوي مستوى معيشة أفراد المجتمع دائماً كهدف مهم وأساسي بطرق قانونية مختلفة:(٥٩)

أولاً: فرض ضرائب مثل الخمس والزكاة التي تُجمع بشكل ثابت ومستمر وتُصرف لتحقيق التوازن العام؛ أي أن هذه الضرائب من جهة تهدف إلى تلبية احتياجات الفئات الضعيفة في المجتمع، ومن جهة أخرى تهدف إلى تحديد وضبط ثروة الأغنياء.

ثانياً: ونظراً لأن فرض الضرائب الثابتة وحدها لا يكفي لتحقيق التوازن المطلوب، تقع على عاتق الدولة مسؤولية المساهمة في هذا الهدف من خلال الاستثمار في القطاع العام، أي من جهة تستغل الأملاك العامة والدولية بشكل صحيح لتوفير رؤوس الأموال اللازمة لخلق فرص العمل والدخل للفئتين الثانية والثالثة في المجتمع، ومن جهة أخرى تراقب القطاع الخاص من خلال إنشاء القطاع العام، فتتحكم في دخل القطاع الخاص وتؤثر بشكل غير مباشر في تعديل ثروات الأفراد؛ بمعنى آخر، تسعى إلى منع القطاع الخاص من الاستفادة من هذه الموارد دون رقابة وزيادة دخله الخاص.

ثالثاً: طبيعة التشريع الإسلامي الذي ينظم الحياة الاقتصادية في مختلف القطاعات يساعد الدولة في تنفيذ أهداف التوازن. بعض هذه القوانين هي:

أ ـ تحريم الربا: اليوم، العديد من الفوارق الكبيرة في الثروة في الدول الرأسمالية تنشأ من إمكانية الربا والدخول الهائلة الناتجة عنه. الإسلام بحذف الربا، يقلل من تكاليف الإنتاج وتكاليف استهلاك الفقراء، ويمنع انتقال الدخل من الفقراء إلى الأغنياء عبر هذا الطريق؛ ونتيجة لذلك، يُغلق أحد أبواب تفاوت الثروات واختلاف الدخل.

ب ـ قانون الإرث: أحكام الإرث في الإسلام وسيلة لتعديل الثروات؛ لأن غالبًا ما يكتسب الأثرياء، رغم أدائهم لجميع الحقوق المالية الواجبة، ثروة معتبرة خلال حياتهم، وعند وفاتهم تُوزع هذه الأموال بين ورثتهم وفقًا لقانون الإرث، وهذا بحد ذاته نوع من تعديل الثروة. أما لو كان كل الإرث يذهب إلى الابن الأكبر أو كان بإمكان صاحب المال نقل جميع ممتلكاته بعد الوفاة إلى من يشاء، لما تحقق هذا التوزيع والتعديل للثروة.

ج ـ المنع من الاحتكار والاحتكار والتركيز الثروتي: الدولة الإسلامية بتحريم الاحتكار ومنع الاحتكار، وخاصة إلغاء الاستغلال الرأسمالي الاحتكاري للثروات الخام والطبيعية، تمنع تركيز الثروة الناتج عنها، ومن خلال ذلك تخطو خطوات نحو التوازن الاجتماعي.

د ـ وضع القوانين: لصلاحيات الدولة في وضع القوانين ضمن إطار منطقة الفراغ التشريعي ومع مراعاة مصالح المجتمع تأثير كبير في دعم التوازن الاجتماعي.

إضافة إلى ما سبق، يمكن للدولة أن تقلل من ثروة الأغنياء بفرض ضرائب جديدة؛ وأن تحد من الأرباح اللامحدودة لبعض السلع بوضع أسعار لها؛ وأن تحمي حقوق الأجراء وتوفر لهم مستوى معيشة مناسبًا بوضع شروط على أصحاب العمل مثل الحد الأدنى للأجور، وتحديد ساعات العمل القصوى، وغيرها؛ وأن تمنع التملك الكبير للأراضي والمصانع والأرباح الضخمة الناتجة عن التجارة بوضع قوانين مناسبة. مراعاة مصالح المجتمع في كل هذه الأمور هي القاعدة والأساس.(٦٠)

هـ ـ تحريم الإسراف: يجب على الدولة الإسلامية توفير الآليات اللازمة لتنفيذ الحكم القطعي بحرمة الإسراف والإفراط في استهلاك عامة الناس والعناصر الحكومية؛ لأن ذلك من جهة يمنع المصاريف الزائدة للطبقة المرفهة الخاصة والحكومية، ومن جهة أخرى يُعطى الفائض عن استهلاك المرفهين للفقراء بناءً على مبدأ الإنفاق وضرورة المساواة والتعاطف معهم، فيرتقي مستوى معيشة الفئات الثانية والثالثة من المجتمع، وبهذا تتحقق التوازنات الاجتماعية أيضًا عبر هذا الطريق.(٦١)

٣ ـ ٤ ـ السياسة الكبرى للنمو والتنمية الاقتصادية لصالح عامة الناس

الشهيد صدر يرى أن النمو الاقتصادي من الأمور المتفق عليها بين المدارس الاقتصادية الثلاث: الرأسمالية، والماركسية، والإسلامية، رغم اختلاف هذه المدارس في أسلوب أو استراتيجية النمو؛(٦٢) فمثلاً، استراتيجية النمو الرأسمالية تقوم على الحرية الاقتصادية، في حين أن الاستراتيجية الإسلامية للنمو تقوم على الحرية الاقتصادية ضمن إطار محدود، والعدالة الاقتصادية، والاهتمام بالإنسان كوسيلة وغاية للنمو الاقتصادي.

لذلك، يُعتبر النمو الاقتصادي، وزيادة الثروة، والاستفادة من الطبيعة إلى أقصى حد ممكن، هدفًا مبدئيًا للمجتمع الإسلامي(٦٣)، وبناءً على ذلك والظروف الموضوعية والاجتماعية الأخرى، تحدد الدولة الإسلامية السياسة الكبرى للنمو الاقتصادي، وتلتزم الحكومة الإسلامية بتنفيذها.

الشهيد صدر يحدد مهام الدولة الإسلامية تجاه الحياة الاقتصادية لجميع الناس والاستفادة العامة من ثمار النمو الاقتصادي في ثلاثة أمور رئيسية؛ بمعنى آخر، تدخل الدولة في شؤون الإنتاج الاقتصادي يتركز في ثلاثة أمور:(٦٤)

أولاً: ضمان وتحديد الحد الأدنى والأقصى لإنتاج السلع الضرورية، لأن آلية السوق وحدها غير كافية.

ثانيًا: تحديد الأهداف العامة لسياسة النمو الاقتصادي بحيث يكون النمو الاقتصادي مصحوبًا بالعدالة الاقتصادية والروحانية. بناءً عليه، تخطط الدولة الإسلامية لهذه الأهداف العامة لفترات تمتد من خمس إلى سبع سنوات.(٦٥)

ثالثًا: الرقابة والإشراف على القطاع الأول من اقتصاد البلاد (أي إنتاج المواد الأولية الطبيعية، والزراعة، والمناجم)، ومن خلال ذلك على القطاعين الثاني والثالث من الاقتصاد، وهما الصناعة والخدمات.

نظرًا لوجود الملكية الحكومية على الأنفال والثروات الطبيعية، ولأن تملك هذه الثروات مشروط بالمباشرة في العمل، يجب أن يتم إنتاج الثروات الطبيعية والصناعات الاستخراجية وفقًا للأنظمة القانونية، وفقط بهذه الطريقة يُعتبر تأسيس وحدات اقتصادية كبيرة للاستغلال الطبيعي وتكليفها لخدمة المجتمع جائزًا وشرعيًا. لذا، ستتمكن الدولة من خلال الرقابة والإشراف على الصناعات الاستخراجية وإنتاج المواد الخام من مراقبة فروع الإنتاج المختلفة بشكل غير مباشر. وهذا الأمر يتيح مشاركة واسعة من عامة الناس في الإنتاج، ويقلل من التوزيع غير العادل للثروة ويقضي على الاحتكار.

٤ ـ ٤ ـ تدخل الدولة المسؤول في السوق

من وجهة نظر الشهيد الصدر، أحد الأسس الأساسية لأي نظام اقتصادي هو التبادل، الذي من حيث الأهمية لا يقل عن الإنتاج والتوزيع، لكنه تاريخيًا يأتي بعدهما؛ لأن الإنتاج والتوزيع كانا دائمًا مرتبطين بالوجود الاجتماعي للإنسان، بينما التبادل لم يكن موجودًا في المجتمعات البدائية ذات الاقتصاد الأسري المغلق. تدريجيًا، مع ظهور تقسيم العمل، ظهر التبادل في المجتمعات لتوسيع وتحسين الحياة وتلبية الاحتياجات المتزايدة وتوجيه الإنتاج نحو التخصص والتطور، وانتشر. كان التبادل يلعب دور الوسيط بين الإنتاج والاستهلاك أو بين المنتجين والمستهلكين. في عصر التبادلات العينية (المقايضة)، كان هناك توازن في الأسواق ولم تكن هناك مشكلة أو انحراف في التبادل من حيث أداء دوره كوسيط بين الإنتاج والاستهلاك؛ لأن كل منتج كان ينتج لتلبية احتياجاته ولمبادلة فائض إنتاجه بسلع أخرى. لذلك، كان العرض دائمًا يجد طلبًا مساويًا له، ونتيجة لذلك، كانت قيم السوق عند مستواها الطبيعي وتعكس القيم الحقيقية للسلع وأهميتها الحقيقية في حياة المستهلكين.

لكن بعد أن بدأ عصر النقود وسيطر على التجارة، انتقل ظلم الإنسان إلى التبادل، حتى تحوّل التبادل إلى شيء مختلف، فلم يعد وسيطًا بين الإنتاج والاستهلاك لتأمين رفاهية الناس، بل أصبح وسيطًا بين الإنتاج وتكديس النقود؛ بحيث أصبح الهدف من الإنتاج والبيع هو جمع النقود وتوسيع الثروة، لا تلبية الاحتياجات، ونتيجة لذلك، اختل توازن العرض والطلب وظهر عدم التوازن في الأسواق.

الاحتكار والاحتجاز في السوق يخلان بالدور الأصلي للتبادل ويعمقان التناقض بين العرض والطلب. دافع كبار المستثمرين من الإنتاج والبيع هو سحب النقود المتداولة في المجتمع، وخاصة العملات الذهبية والفضية، إلى مخازن ثرواتهم. إنهم يمتصون النقود المتداولة (الذهب والفضة) تدريجيًا ويمنعون التبادل من أداء وظيفته كوسيط بين الإنتاج والاستهلاك.(٦٦) في العصر الحديث وفي التبادلات الرأسمالية، انحرفت التجارة عن وضعها الطبيعي والصحيح الذي كان ناشئًا عن حاجات الإنسان الموضوعية والمنطقية. بدلاً من أن يتم نقل السلع من نقطة إلى أخرى وتكون مرحلة التبادل هي المرحلة النهائية لعملية الإنتاج (أي التبادل) التي تضيف منفعة جديدة للسلعة ليستفيد منها المستهلك ويجني التاجر ربحًا، تغيرت طبيعة التبادل والتجارة وأصبح الربح الناتج عنها فقط بسبب العقود التي تبدو قانونية والتي تتيح نقل الملكية. لذلك، في التجارة الرأسمالية، تتم عمليات نقل الملكية التي تبدو قانونية أحيانًا، دون أن تكون قد نشأت سلع أو خدمات جديدة، عدة مرات ـ تبعًا للوسطاء ـ على سلعة واحدة؛ ونتيجة لذلك، يربح كثيرون بهذه الطريقة(٦٧) (مثل شراء وبيع النفط الورقي في أسواق البورصة).

من البديهي أن الإسلام يدين الأنشطة التجارية التي تتم بالطريقة السائدة في النظام الرأسمالي؛ لأن هذه العمليات تتعارض مع اعتقاد الإسلام في التبادل الذي يعتبره جزءًا من عملية الإنتاج. لذلك، نظم الإسلام دائمًا شروط التبادل والتجارة بناءً على نظريته الخاصة ولم يرغب في إقامة فصل قانوني بين أحكامه التي وردت مثلاً في عقود البيع وأحكام الإنتاج. تستخدم الدولة الإسلامية مبدأ الصلاحيات القانونية للدولة (منطقة الفراغ) لمحاربة الوساطة وكل أشكال الطفيليات في عملية الإنتاج، لأنها تفتقر إلى أي محتوى إنتاجي وتتم فقط من أجل تحقيق الربح [مقابل نقل الملكية]، وهذا يشكل عبئًا زائدًا على المجتمع.(٦٨)

بعد دخول النقود في مجرى النشاطات الاقتصادية، يرى الشهيد الصدر أن المشكلة الأهم هي زيادة الثروة عن طريق النقود التي تحققت اليوم من خلال نظام المصارف الربوي؛ بمعنى آخر، النقود ليست مجرد وسيلة للادخار، بل وسيلة لزيادة الثروة؛ من خلال الأرباح التي يأخذها المقرضون من المقترضين، أو الأرباح التي يحصل عليها أصحاب الأموال بسبب إيداع أموالهم في البنك. وهكذا، تصبح النقود في المجتمع الرأسمالي سببًا لتركيز الثروة بدلاً من الإنتاج، وحتى لا يشارك التاجر في أي إنتاج أو تجارة ما لم يكن متأكدًا من أن الإنتاج أو التجارة تحقق له دخلًا أكثر من الربح الذي يحصل عليه من الإقراض أو الإيداع.

يعتقد الشهيد الصدر أن الدولة الإسلامية يجب أن تحارب كل هذه المشاكل التي تنشأ من النقود والتي تخل بالتوازن الطبيعي للأسواق وتدفق التبادل وتشوّه وظيفة التبادل كوسيط بين الإنتاج والاستهلاك.

يمكن تحقيق هذه المحاربة بثلاث طرق موجزة تذكر فيما يلي:

١ ـ عدم جواز الركود في المعاملات: بما أن أحد أسباب ركود المعاملات هو إخراج وسيلة التبادل من دورة السوق واحتجازها، فقد حارب الإسلام ذلك من خلال فرض ضريبة على الذهب والفضة (العملة المتداولة في الأزمنة الماضية)، واليوم، على الرغم من أن النقود الائتمانية ـ الأوراق النقدية ـ لا تعاني من هذه المشكلة، ولا تُفرض عليها ضريبة، إلا أن روح وحكمة هذا الحكم الضريبي، وهو تدفق المعاملات بشكل متوازن، لا تزال قائمة، بمعنى أنه يمكن القول إن السياسة الاقتصادية للدولة الإسلامية يجب أن تُنظَّم بحيث لا يتحول تدفق المعاملات إلى ركود وكساد.(٦٩(

٢ ـ تحريم الربا وتحريم دور التوليد الذاتي للنقود: بما أن المصرفية الربوية وأسواق المال ورأس المال في النظام الرأسمالي تعطل الوضع الطبيعي لهذه الأسواق، يجب على الدولة الإسلامية تنظيم المصرفية والسوق المالية على أساس تحريم الربا والعقود الإسلامية التي تقوم على المشاركة وغير الربوية.

٣ ـ الرقابة الشاملة للدولة على تدفق المعاملات والإشراف على الأسواق للقضاء على أسباب الاحتكار والاحتجاز والسيطرة غير المشروعة الفردية على الأسواق: بالطبع يجب أن تكون رقابة الدولة في هذا المجال بطريقة لا تؤدي بأي حال إلى ضرر أو زعزعة الحياة الاقتصادية.(٧٠(

الخاتمة

بشكل عام يمكن القول إن نظرية الدولة الاقتصادية من وجهة نظر الشهيد الصدر(ره) هي نظرية ناجحة نسبياً، شاملة وكاملة. ومن وجهة نظرنا، لو كان حياً، لكان بلا شك، وبفضل عبقريته وحيويته الذهنية والفكرية والعلمية، قد قدم هذه النظرية مع الحفاظ على جوهرها الأساسي وبإطار أكثر حداثة وتطوراً؛ لا سيما أن مناقشة مهام ومسؤوليات الدولة الاقتصادية الإسلامية، بالنظر إلى الكم الهائل من المعلومات التي طرحت خلال العشرين سنة الأخيرة، تحتاج إلى مزيد من التطور. ومع ذلك، يبدو أن هذه النظرية بأبعادها الكلامية والسياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية قادرة على تحقيق حياة سعيدة لجميع المواطنين؛ لأنها استطاعت إقامة علاقة صحيحة بين طبيعة الإنسان ومؤسسة الدولة وطرحت نظرية جديدة حول الدولة.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

١. أندرو فينسنت، نظريات الدولة، ترجمة حسين بشيرية (نشر نی، ١٣٧١) ص ٣٢١.

٢. المرجع نفسه، ص ٧٥.

٣. المرجع نفسه، ص ٥٦ ـ ٥٨.

٤. مفهوم الدولة يعادل كلمة State الإنجليزية (وليس معادل Government بمعنى الحكومة)؛ لأن هذه الكلمة مأخوذة من الجذر اللاتيني Stare بمعنى الوقوف، وبشكل أدق من كلمة Status التي تعني الوضع المستقر والثابت، والمشتقات Status في اللغة الإنجليزية مثل Static (ثابت) أو Stable (راسخ) تحمل نفس المعنى (آندرو وینسنت، المرجع نفسه، ص ٣۶).

٥. حسن أرسنجاني، سيادة الدول (ط.١: سازمان کتاب‌های جیبی، ١٣۴٢) ص ٦٧ ـ ٦٨.

٦. محمد حسين جمشيدي، الفكر السياسي للشهيد الرابع: الإمام السيد محمد باقر الصدر(ره) (دفتر مطالعات سیاسی و بین المللی، ١٣٧٧) ص ٢٣١.

٧. محمد باقر صدر، لمحة تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية (ط.٢: بیروت، دارالتعارف للمطبوعات، ١٣٩٩هـ) ص ١١.

٨. الروم (٣٠) آية ٣٠.

٩. السيد محمد باقر صدر، سنن التاريخ في القرآن، ترجمة سيد جمال موسوي أصفهاني (الطبعة الثانية: منشورات إسلامية، د.ت.) ص ١٧٥ ـ ١٧٦.

١٠. السيد محمد باقر صدر، خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء (بیروت، دارالتعارف للمطبوعات، ١٣٩٩هـ) ص ١٥.

١١. المرجع نفسه، سنن التاريخ في القرآن، ص ٢٣٦ و ٢٤٦.

١٢. المرجع نفسه، ص ٢٤٥ و ٢٣٧.

١٣. «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ» (البقرة (٢) آية ٣٠). ١٤. السيد محمد باقر صدر، المرجع نفسه، ص ١٨٤.

١٥. «إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ» (علق (٩٦) آيات ٦ و ٧).

١٦. بعض هذه الآيات هي: «وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ» (الأنعام (٦) آية ١٦٥)؛ «هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ فِي الْأَرْضِ» (فاطر (٣٥) آية ٣٩)؛ «إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ» (الأعراف (٧) آية ٦٩) و «يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ» (ص (٣٨) آية ٢٦).

١٧. السيد محمد باقر صدر، المرجع نفسه، ص ١٨٩.

١٨. «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا» (الأحزاب (٣٣) آية ٧٢).

١٩. الروم (٣٠) آية ٣٠.

٢٠. الأحزاب (٣٣) آية ٧٢.

٢١. السيد محمد باقر صدر، المرجع نفسه، ص ١٩٠ ـ ١٩١.

٢٢. الرعد (١٣) آية ١١: لا شك أن الله لا يغير حالة قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

٢٣. السيد محمد باقر صدر، المرجع نفسه، ص ١٩٤ ـ ١٩٥.

٢٤. المرجع نفسه، ص ١٩٦.

٢٥. المرجع نفسه، ص ١٩٨.

٢٦. المرجع نفسه، ص ٢٣٣.

٢٧. أخبار علماء الدين والربانيين هم المرتبة الوسطى بين النبي والعالم.

٢٨. المائدة (٥) آية ٤٤.

٢٩. انظر: السيد محمد باقر صدر، خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، ص ٢٤.

٣٠. محمد بن يعقوب الكليني، أصول الكافي، ترجمة سيد جواد مصطفوي (مؤسسة نشر ثقافة أهل البيت (عليهم السلام)، د.ت.) ج ١، ص ٢٧٥.

٣١. محمد حسين جمشيدي، المرجع نفسه، ص ٢٣٦ و ٣٢٤.

٣٢. السيد محمد باقر صدر، سنن التاريخ في القرآن، ترجمة سيد جمال موسوي أصفهاني، ص ٢١٤.

٣٣. محمد حسين جمشيدي، المرجع نفسه، ص ٣٢٤.

٣٤. السيد محمد باقر صدر، لمحة تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية، ص ١٣.

٣٥. أندرو فينسنت، المرجع نفسه، ص ٧٦.

٣٦. جان فرانكو تشوجي، تكوين الدولة الحديثة، ترجمة بهزاد باشي (تهران، نشر آگاه، ١٣٧٧) ص ١٩٠ ـ ١٩١.

٣٧. حسين بشيرية، علم الاجتماع السياسي، ص ٣٢٨.

٣٨. مقابل العدالة الإيجابية أو العدالة التوزيعية والعدالة المنزلية.

٣٩. جوزيف لاجوجي، الأنظمة الاقتصادية، ترجمة شجاع الدين ضيائيان (دانشگاه تهران، ١٣۵۵) ص ٥٦.

٤٠. أحمد نقيب زاده، السياسة والحكم في أوروبا، ترجمة عباس مخبري (سمت، نشر مرکز، تهران ١٣٧٧) ص ١٠٣ ـ ١٠٤.

٤١. أنتوني أربلاستر، ظهور وسقوط الليبرالية الغربية، ص ٤٣٩.

٤٢. السيد محمد باقر صدر، سنن التاريخ في القرآن، ترجمة سيد جمال موسوي أصفهاني، ص ٢١٩.

٤٣. المرجع نفسه، صورة عن اقتصاد المجتمع الإسلامي (بیروت، دار التعارف للمطبوعات، ١٣٩٩هـ) ص ١٠ ـ ١١.

٤٤. الحديد (٥٧) آية ٧.

٤٥. النور (٢٤) آية ٣٣.

٤٦. انظر: السيد محمد باقر صدر، المرجع نفسه، ص ١٤ ـ ١٧.

٤٧. المرجع نفسه، ص ١٨ ـ ٢٢.

٤٨. المرجع نفسه، ص ٢٣ ـ ٢٤.

٤٩. «مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ» (الحشر (٥٩) آية ٧).

٥٠. السيد محمد باقر صدر، المرجع نفسه، ص ٢٥ ـ ٣٠.

٥١. المرجع نفسه، ص ٣٠ ـ ٣٥.

٥٢. تم بيان هذه المؤشرات في الجزء السابق.

٥٣. سيد محمد باقر صدر، المرجع نفسه، ص ٦٧ ـ ٧٣.

٥٤. هو، اقتصادنا (بیروت، دارالتعارف للمطبوعات، ١۴١١هـ / ١٩٩١ م) ص ٣٣٥ ـ ٣٣٦.

٥٥. المرجع نفسه.

٥٦. المرجع نفسه، ص ٦٧٠.

٥٧. المرجع نفسه، ص ٦٥٩. ٥٨. المرجع نفسه، ص ٦٦٠ ـ ٦٦٦.

٥٩. المرجع نفسه، ص ٦٦٩.

٦٠. المرجع نفسه، ص ٦٧٩ و مبادئ الاقتصاد الإسلامي، ص ٤٢٧.

٦١. سيد محمد باقر صدر، المرجع نفسه، ص ٦٦٩.

٦٢. المرجع نفسه، ص ٦١٥.

٦٣. أحد الفروق المهمة بين الاستراتيجية الإسلامية للنمو والاستراتيجية الرأسمالية لها، هو أنه في الإسلام، زيادة الثروة هدف متوسط للمجتمع، أما الرأسمالية فترى ذلك هدفًا نهائيًا. الهدف النهائي للأمة الإسلامية هو أداء وظيفة الخلافة الإلهية وتنمية الفضائل الإنسانية. (المرجع نفسه، ص ۶٣۵).

٦٤. المرجع نفسه، ص ٦٥٤ ـ ٦٥٥.

٦٥. المرجع نفسه، ص ٦٢٨.

٦٦. المرجع نفسه، ص ٣٤٥ ـ ٣٥١.

٦٧. المرجع نفسه، ص ٦٤٦.

٦٨. المرجع نفسه، ص ٦٤٦ ـ ٦٥٠.

٦٩. مبادئ الاقتصاد الإسلامي، ص ٣١٦.

٧٠. المرجع نفسه، ص ٣٥٣ ـ ٣٥٤.