ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: بینش تاریخی شهید صدر، کلید شناخت فلسفه تاریخ در قرآن ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
المؤلف: میرزا محمد مهرابی
المصدر: فصلنامه پژوهه، العدد ١٢
القرآن لا يعتبر الأحداث التاريخية عشوائية أو نتاج «صدفة» أو تلقائية بلا تمهيد، ويرفض القضاء والقدر والاستسلام الأعمى للأوامر الغيبية، ويسعى إلى تنبيه العقل والسمع لدى الناس حتى لا يظنوا أن الأمر جبر محض، وأنه لا مفر من الاستسلام والرضا أمام أسد ذكر دموي! نعم، القرآن لا يقبل هذه التفسيرات المتطرفة والمنحرفة، ويعتمد على القوانين التاريخية الحاكمة. فإذا لم تستطع، بالإرادة والاختيار اللذين وهبك الله إياهما، أن تستفيد من القوانين التاريخية لصالحك وتحكم فيها، فإن القوانين التاريخية ستحكم عليك. فاسعَ لأن تكون حاكماً لا محكوماً.
«افتح عينيك كي لا تخطو في طريق الضلال»
نوع المعرفة التي يمتلكها مذهب ما عن المجتمع والتاريخ وطريقة فهمه لهما، له دور حاسم في أيديولوجية ذلك المذهب. ومن هنا، من الضروري أن يتضح في إطار النظرة العالمية الإسلامية موقف الإسلام من المجتمع والتاريخ.[۱]
وبما أن التاريخ على مدى أزمنة طويلة كان أداة مناسبة لتحقير أو تمجيد الأمم والأشخاص، وكان بيد الماكرين والطغاة يستغلونه، فمن المناسب أن يُنظر إليه كمصدر ومأخذ للتحليل والتفكيك حتى تتضح الحقيقة، ويجب أن يكون هناك أشخاص يتمتعون برؤية عميقة وفهم صحيح ليحلوا هذه العقدة ويمهدوا الطريق لفهم الحق. ومن جهة أخرى، بما أن التاريخ هو سيرة الأجداد وكنز من جواهر صفات السابقين وسفينة لللاحقين ومرآة عاكسة للعالم، فلا بد من تعلمه، وهذا التعلم يجب أن يكون مصحوباً بالواقع التاريخي والتحليل، ولكن معرفة الواقع التاريخي مع التحليل والفلسفة ليست كافية، بل يلزم أيضاً المعرفة والتفكير والعقل والحكمة. أي أن الوقائع التاريخية تزود الإنسان بمعلومات ومعارف، فتتأمل فيها قوته العقلية والإدراكية، ويتفكر فيها عقله وحكمته قبل اتخاذ أي قرار بشأنها.
الشهيد سيد محمد باقر الصدر (کاظمین ١۴٠٠-١٣۵٠ ه. ق) هو أحد العلماء والفلاسفة والفقهاء الإسلاميين الذين تناولوا موضوع التاريخ والقوانين الحاكمة عليه.
لقد تناول هذا الموضوع بفهم عميق ومعرفة صحيحة وعقل ناقد، وكانت جهوده في مجال المعارف التاريخية وفلسفتها فاتحة لحل المشكلات.
إن النظرة التاريخية للصدر مستمدة من القرآن ونهج البلاغة والأحاديث والسنة، وقد عرض التاريخ بأسلوب علمي وفلسفي.
سيد محمد باقر الصدر، إلى جانب مؤلفاته المتنوعة مثل «فلسفتنا»، «اقتصادنا»، «فدك في التاريخ»، «ماذا تعرف عن الاقتصاد الإسلامي»، «الإنسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية»، «البنك الربوي في الإسلام»، «المدرسة القرآنية»… كان يسعى بعمق نظره لسد الفراغ الفكري الموجود في فكر المصلحين الإسلاميين، خصوصاً المتعلمين في الجامعات والحوزات. لكن لقاء الحبيب ازداد، فانتقل إلى لقاء الحق، وحُرمنا من هذه النعمة العظيمة. ونأمل أن لا يدع محبوه وتلامذته يطفئون المصباح الذي أوقده.
بدأ الأستاذ العلامة مناقشاته حول معرفة سنن التاريخ وقوانينه في القرآن بطرح عدة أسئلة، وأجاب عليها، مشيراً إلى بعض المذاهب المادية والإلحادية، وناقش نقاط ضعفها ووجه إليها النقد. ١. هل البحث في القوانين التاريخية موضوع علمي؟ ما رأي القرآن في ذلك؟ ٢. هل حركة وتطور تاريخ البشر تتبع قانوناً خاصاً؟ ٣. ما هي القوة الدافعة للتاريخ؟ ٤. ما دور الإنسان في مسرح التاريخ؟ ٥. ما دور الدين والأنبياء في حركة التاريخ؟
١. هل البحث في القوانين التاريخية موضوع علمي؟
فيما إذا كان التاريخ علماً والنظرة التاريخية للشهيد الصدر…
هل البحث في القوانين التاريخية موضوع علمي أم لا؟ هناك اختلاف في الرأي، وهذا الاختلاف يعود إلى التفسيرات المختلفة التي يمتلكها أهل كل مجال من المجالات المتعلقة بالموضوع الأوسع «الإنسان» وما يتبع ذلك من آثار مثل المجتمع والاقتصاد والتاريخ وغيرها، وكذلك الأمر المهم «معرفة تلك المسائل». كلاهما يعتقد أن التاريخ يتبع قوانين، لكن الحصول على هذه القوانين وتحديدها بدقة ليس بالأمر السهل، ولا يصل بالإنسان إلى الهدف بسهولة.
مع وجود اختلاف كبير بين العلوم الرياضية والطبيعية، أو بين العلوم المختلفة داخل هذه الفئات، يمكن التمييز بين العلوم والتاريخ تمييزاً أساسياً. وبسبب هذا التمييز المضلل، يُعتبر التاريخ وربما العلوم الاجتماعية الأخرى علماً، وهناك اعتراضات، بعضها أكثر إقناعاً من البعض الآخر، وهي باختصار: ١. التاريخ يتعامل مع الفرد الواحد، والعلم يتعامل مع العموم. ٢. التاريخ لا يُدرّس. ٣. التاريخ غير قادر على التنبؤ. ٤. التاريخ، لأنه يدرس الإنسان ذاته، فهو بالضرورة ذاتي. ٥. التاريخ، على عكس العلم، يدخل في مسائل دينية وأخلاقية.[۲]
وبالتالي، قرر كثير من فلاسفة العلم أن العلوم الإنسانية يجب أن تُخرج من تصنيف العلوم التجريبية وتُعتبر في مرتبة أدنى من العلم. وما ذكره هؤلاء في الغالب كدليل مبرر هو كما يلي:
في مثل هذه المعارف، يكون “الإنسان” في آن واحد هو الدارس والمُدرس، ولذلك لا يمكن له أن يكون حياديًا أو محايدًا تجاه نفسه، ولا أن يتجنب تأثير وجهات نظره القيمية. ولهذا السبب لم تظهر أية تعارضات من هذا النوع في العلوم الطبيعية، بينما العلوم الإنسانية مليئة بكل هذه التناقضات الأساسية التي لا تُحل. ولهذا السبب ذُكر “علم التاريخ” كأضعف العلوم الإنسانية، لأنه موضوع دراسته لا وجود خارجي له، ولذلك يضطر الباحث إلى التمسك ببعض البقايا المكتوبة وغير المكتوبة لكل فترة – والتي غالبًا ما تكون جزءًا ضئيلاً جدًا وغير ذي أهمية من مجموع عناصر تلك الحقبة – ليعيد بناء الهيئة العامة لتلك الحقبة، ثم يستطيع أن يفسر موضوعًا جزئيًا ومحددًا في الإطار العام المذكور بشكل علّي. ومن الواضح أنه عندما لا تستطيع تلك العلوم الإنسانية التي ترتبط مباشرة بموضوع دراستها الحي والحاضر أن تحقق إنجازًا يليق بـ “العلم”، فإن “علم التاريخ” الذي لا يمتلك موضوعًا حيًا وفعليًا فحسب، بل يمتلك آثارًا وبقايا محدودة جدًا وغير كاملة ومشكوك فيها، لا يمكن أن يكون له أي مكانة.[۳]
وهناك من لا يعتبر التاريخ علمًا فحسب، بل يراه بلا قيمة أو فائدة:
إن النقطة التي يرى فيها كثيرون أن العديد من أحداث التاريخ ليست سوى تكرار للأحداث أو سلسلة من الصدف والاتفاقات، كانت ذريعة رئيسية لأولئك الذين اعتبروا الانشغال به أمرًا بلا فائدة ومملًا، ويعتقدون أن موضوع التاريخ هو أحداث تتكرر في أزمنة وأماكن مختلفة، وعندما يستبعدون الفروق الفردية والفروق الناجمة عن مقتضيات البيئة ويجردون ما يعتبرونه مشتركًا، فإن الأفعال الإنسانية ليست سوى تجلٍ وتعبير عن طبيعة الإنسان، ولا شيء سوى تكرار مستمر لسلسلة من الأمور والأفعال المحددة والموحدة.[۴]
ويعتبر البعض التاريخ معلومات ناقصة وكاذبة عن مسائل وأحداث منقرضة وعديمة الجدوى، وهي بلا أساس وغير ممكنة.[۵]
وقد بحث الشهيد صدر هذا الموضوع من منظور القرآن، فقال: يظن بعض الأشخاص أن البحث في قوانين التاريخ هو نقاش علمي، كما أن البحث في قواعد الفيزياء والحياة والنبات والفلك والذرة وغيرها هو في نطاق العلم، ولكن القرآن كتاب هداية وليس اكتشافات علمية. فالقرآن ليس كتابًا دراسيًا، ولا محمد صلى الله عليه وآله نبي الإسلام معلمًا ليُدرّس لفئة من المتخصصين أو المثقفين. هذا الكتاب نزل فقط ليهدي الناس من الظلمات إلى النور، أي من ظلمة الجهل إلى نور الهداية والإسلام. لذلك لا ينبغي أن نتوقع من مثل هذا الكتاب نقاشًا في المبادئ والحقائق العلمية، ولا أن نطلب منه مسائل الفيزياء والكيمياء وعلم النبات وعلم الحيوان. صحيح أن القرآن أشار إلى كل هذه الأمور في مواضع متعددة، لكن هذا الأمر هو فقط للإشارة إلى البعد الإلهي وإظهار آثار القدرة الإلهية في عالم الخلق، وليس لتعليم تلك العلوم.
نعم، في بعض الأحيان وردت حقائق في القرآن اكتشفها العلم بعد مئات السنين. ولكن، بشكل عام، لم يرِد في القرآن أن يُشلّ قوة الابتكار والبحث والموهبة والجهد لدى الإنسان في مجالات الحياة والتجربة المختلفة. لم يرِد القرآن أن يحل محل قدرة الإنسان الخلاقة، بل أراد أن ينمّي قدراته ويقوده في الطريق الصحيح ويُفعّل القوى الكامنة لديه. ولكن في الرد على من ظن أو قال: إن القرآن كتاب هداية فقط وليس اكتشافات علمية، وإذا دخل هذا الكتاب في هذه المسائل يصبح كتابًا دراسيًا ومتخصصًا ولا يعود له بعد ذلك جانب إرشادي للبشر، نقول: صحيح أن القرآن لم يرِد أن يشل قدرة الإنسان على الابتكار والنمو والبحث، لكن هناك فرق جوهري وأساسي بين المجال التاريخي وباقي مجالات الوجود.[۶]
وفي هذا المجال يقول الشهيد مطهري: من البديهي أن الإسلام ليس مذهبًا في علم الاجتماع ولا فلسفة تاريخ؛ ففي الكتاب السماوي للإسلام لم تُطرح أية مسائل اجتماعية أو تاريخية بلغة علم الاجتماع المعتادة أو فلسفة التاريخ. وكذلك لم تُطرح أية مسائل أخرى: أخلاقية، فقهية، فلسفية، وغيرها بلغة اصطلاحات وتقسيمات شائعة ومألوفة. ومع ذلك، يمكن استنباط واستخلاص الكثير من مسائل تلك العلوم.[۷]
٢. هل حركة وتطور تاريخ البشر تتبع قانونًا خاصًا؟
أحد الموضوعات التي شغلت ذهن فلاسفة التاريخ هو: هل يتبع تاريخ البشر قانونًا خاصًا أم لا؟ بمعنى آخر: هل التاريخ مجرد أحداث جزئية ولا يمكن استخراج مبادئ عامة منها؟
في هذا الصدد يقول السيد والش في مقدمة فلسفة التاريخ الخاصة به: هل يمكن أساسًا أن يكون هناك قانون للتاريخ وأحداثه، وإذا كان الأمر كذلك، فما هي تلك القوانين؟[۸]
في هذا الشأن هناك اختلاف في الرأي، فبعضهم يعتقد أن حركة وتطور تاريخ البشر يخضع لقانون خاص، وهم معروفون بالوضعية (Positivism) أو الإيجابية.
يقول المؤرخ الأمريكي الإيجابي تشيني: إن تاريخ الإنسان يشبه حركة الأجرام السماوية التي تتحرك وفق قوانين ثابتة ومستقلة، وسلوكها مثل قانون الجاذبية أو التطور الطبيعي أمر لا مفر منه. ويقول إن تاريخ المجتمعات يتبع ستة قوانين: التتابع، القابلية للتغيير، الاستقلال، الاتفاق بين الناس، والتقدم الأخلاقي.[۹]
بينما لا يعترف آخرون بأي قانون للتاريخ ويشعرون تجاهه بالتشاؤم (Pessimism). يكتب ماير، الباحث البارز في العالم القديم من ألمانيا: خلال أبحاثي التي استمرت عدة سنوات، لم أتمكن من اكتشاف أي قانون تاريخي، ولم أجد مثل هذه القوانين في مؤلفات المؤرخين الآخرين حتى الآن.[۱۰]
ينتقد بوبر أولئك الذين يسعون لإيجاد قانون يفسر حركة التاريخ، ويقول: إن الأمل في أن نتمكن يومًا من إيجاد قوانين حركة المجتمع كما وجد نيوتن قوانين حركة الأجسام المادية، ليس سوى نتيجة لهذه المفاهيم الخاطئة. لأنه لا توجد حركة اجتماعية تشبه حركة الأجسام المادية من كل الجوانب، وبالتالي لا توجد مثل هذه القوانين.[۱۱]
إذا تم الانتباه قليلاً، يتضح أن النظريات متقابلة تمامًا، وكلها من أصحاب الرأي، لكن ما دفعهم إلى هذا الموقف هو تصورهم للتاريخ وتفسيرهم الأحادي الجانب لحركة التاريخ. أما العلماء المسلمون الذين تستمد آراؤهم من القرآن والأحاديث، فيقولون: إن سلسلة من القضايا الشرطية تُعد سننًا إلهية تحكم التاريخ، ولا يمكن إنكار القوانين الحاكمة للتاريخ، والآيات القرآنية تدل على ذلك.
يقول الشهيد مطهري في كتاب فلسفة التاريخ: ما هو مسلم به هو أنه يمكن إلى حد ما اكتشاف قوانين عامة للتاريخ، ويمكن تعلم الدروس من التاريخ وفقًا لهذه القوانين العامة، ويمكن أيضًا التنبؤ إلى حد ما وفقًا لتلك القوانين العامة.[۱۲]
وقد درس الشهيد صدر هذا الموضوع من القرآن ويعتقد: كما أن الظواهر الأخرى غير الظواهر التاريخية لها سنن وقوانين، فإن الظواهر التاريخية لها قواعد وسنن خاصة بها. فالمجال التاريخي، مثل أي مجال آخر، مليء بظواهر متنوعة، كما أن علم الفلك، وعلم النبات، أو الفيزياء تتكون من ظواهر مختلفة، وفي كل من هذه المجالات توجد قواعد وقوانين للظواهر المتنوعة.[۱۳]
ويقول: في القرآن يُلاحظ بوضوح أن للتاريخ سننًا وقوانين، وأن مشاهد التاريخ تُزدهر وتُحيى بواسطة القوانين والسنن الخاصة بها، كما أن مشاهد العالم الأخرى عمومًا تُقام وتُزدهر بواسطة قوانين وسنن خاصة بها. هذا الكتاب المقدس يبيّن هذه الحقيقة بطرق متعددة ومختلفة خلال العديد من الآيات الكريمة. ففي بعض الآيات ورد هذا المعنى بصورة كلية، أي أن مدلولها العام والشامل هو أن للتاريخ سننًا وقوانين خاصة به. وهناك مجموعة أخرى من الآيات تقدم هذه القوانين والسنن من خلال عرض أمثلة ونماذج منها التي تحكم مسار وتوجه الإنسان التاريخي، وأخيرًا في بعض المواضع يُعرض هذا الواقع بأسلوب نظري ممزوج بمثال خارجي، أي بيان المفهوم العام مع إطار المثال والحالة.[۱۴]
نعم، هكذا هو الأمر: القرآن يعتبر التاريخ البشري ذا سنن وقوانين، لكنه لم يمنع أبدًا قدرات الإنسان، فإذا اجتهد الإنسان يصل إلى النتيجة المرجوة وإلا فلا. «وَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَسْعَى» (النجم/ ٣٩). والآن بما أن للتاريخ قانونًا، وما له قانون فهو علم، وعندما يصبح علمًا فهو ليس صدفة، على عكس رأي من يقولون:
«فلسفة التاريخ» يجب أن تبدأ من هذا الفكر بأن هناك قانونًا يحكم التاريخ حتى لو كان هذا القانون صدفة.[۱۵]
على أي حال، «فلسفة التاريخ» تؤمن بقانونية التاريخ. التاريخ هو هوية حقيقية لا اعتباريّة. هذه الهوية الحقيقية تبدأ من مكان ما، وتسير عبر طريق ما، وفي النهاية تصل إلى مقصد ما. فلسفة التاريخ هي الرأس الذي يبيّن كيف يتم هذا السير والنمو، وأين النقطة النهائية التي هي محطة التاريخ، وكيف يمكن، ولو بشكل غامض ومجمل، تصوير الانتقال من المحطة الحالية إلى المحطة النهائية، وهل المرور بالمراحل والمنازل التاريخية المختلفة أمر حتمي أم يمكن تجاوزه، وأخيرًا ما هو الدافع المحرك لحركة التاريخ. فلسفة التاريخ تقبل أن حركة التاريخ قانونية، وأن اكتشاف هذا القانون أو هذه القوانين ممكن لنا، وأن مجموع التاريخ قابل للتفسير بطرق علمية.[۱۶]
٣. ما هي القوة المحركة للمجتمع والتاريخ؟
ما العامل الذي يُحرّك محرك التاريخ، وما هي القوانين الحاكمة للتاريخ؟ في هذا الموضوع توجد آراء وأفكار ومعتقدات متنوعة، كل منها يبرر ويشرح حركة التاريخ بطريقة ما، ويعتبر عاملًا أو عوامل معينة سببًا لهذه الحركة، وقد قدموا أدلة لإثبات آرائهم. في هذا الصدد، قدمت آراء كثيرة وأحيانًا متباينة. يجب أن نرى ما هو رأي الشهيد صدر في هذا المجال، ولتوضيح آرائه، من الضروري ذكر بعض النظريات في هذا الشأن.
أ – يعتقد بعضهم أن الفرد لم يبنِ تاريخ العالم، بل إن الأعراق والجنسيات هي التي بنت التاريخ، ويرون أن الجنس هو القوة المحركة ومحرك التاريخ.
ب – نظرية أخرى تقول: إن البيئة والعوامل الجغرافية والطبيعية هي التي بنت التاريخ، والعامل المحرك للتاريخ هو العوامل الجغرافية والطبيعية (ومن بينهم مونتسكيو صاحب كتاب روح القوانين).
ج – هناك فريق يؤيد الأبطال، ويقولون: إن تحولات التاريخ وحركته تتم بواسطة الأبطال.
د – بين أقوال بعض المسلمين يوجد من يرى أن كل شيء مرتبط بالقضاء والقدر الإلهي، ولذلك يعتبرون المشيئة الإلهية هي عامل تحولات التاريخ.
هـ – ما يبرز أكثر ويظهر جليًا هو نظرية كارل ماركس مؤسس الماركسية. فهو يقول: إن الاقتصاد هو الذي أنشأ التاريخ، والاقتصاد هو أداة الإنتاج، وما يحرك التاريخ ويصنعه هو عامل واحد وهو العامل الاقتصادي، وهو القوة المحركة للتاريخ، وهذه النظرية تعرف بالمادية التاريخية التي تقوم على أن الاقتصاد هو أساس المجتمعات، وأن الثقافة والأدب والعادات والتقاليد للشعوب، والأيديولوجيا والمعتقدات والأديان والطوائف كلها لها أساس اقتصادي. فإذا حُلّت المشكلة الاقتصادية، تُحل كل هذه المسائل تلقائيًا. وهم يعتقدون أن الاقتصاد هو الجذر، أما الثقافة والأخلاق والروحانيات فهي الساق والفروع والأوراق.
بالطبع، تم تقديم ردود ونقد لهذه النظريات، خصوصًا نظرية ماركس، من قبل العلماء وفلاسفة التاريخ، وقد أُشير إلى بعضها.
ليس كل عالم التاريخ قابلاً للفهم والتنبؤ، رغم أنه يمكن دراسة وفهم العلاقات السببية والأدوار والدوافع والظروف لكل حدث على حدة. إن معرفة هذه العلاقات بالنسبة للأحداث الجزئية لا تمنحنا أبداً القدرة على معرفة التاريخ بأكمله. يظهر خطأ العلم الكلي في التاريخ من هنا، حيث يدعي أصحاب هذا العلم أن مصدر كل الأحداث والأمور سبب واحد. بمعنى أنهم إما يمنحون أحد الأسباب (مثلاً العامل الاقتصادي) صفة الإطلاق، أو يعممون تياراً واحداً، يعتقدون أنهم قد أدركوا جوهره، على كل الأحداث والأمور.[۱۷]
ملف التاريخ مليء بأمثلة تتناقض مع نظرية الماركسية، لأن حب الوطن مع الأمة أو الانتماء للدين كان أقوى بكثير من الدافع الاقتصادي والمادي البحت.
البروفيسور ألكسندر غري[۱۸] لديه ملاحظة مهمة جداً، حيث يكتب: «باستثناء عدد قليل جداً، لا أحد ينكر هذه النقطة أنه إذا أراد التاريخ أن يكون شاملاً وكاملاً، يجب أن يسجل في صفحاته حتى كل مواصفات مخزن حفظ طعام المطبخ. لكن في التاريخ يمكن أن نجد أشياء كثيرة غير العوامل الاقتصادية أيضاً. الإنسان لا يقتصر في حياته على الزحف على بطنه فقط. لأنه في الحماسة والصداقة والالتباسات، يمكن العثور على العديد من المحركات التي تدفع الإنسان إلى العمل، وهي ليست اقتصادية أبداً. لكنها في الوقت نفسه تؤثر على الظروف الاقتصادية. وفوق كل ذلك، من الصعب تفسير التأثير من عقل إلى عقل، بكل تلك النتائج العميقة والواسعة التي تُعد من أعظم أنواع التأثير في العالم، بطريقة اقتصادية. إذا افترضنا أنه يمكن تفسير كيفية ظهور دانتي (Dante) ومحمد صلى الله عليه وآله وكالڤين (Calvin) وماركس ولويد جورج (و جورج روبي (George Robey)) حقاً، يبقى مسألة أصعب وهي تفسير كيف ولماذا نشأت هذه الشخصيات في الأصل ولم تبقَ في عالم العدم. والأمر الأصعب من ذلك هو تفسير كيف يجد الرجل العظيم أصدقاء متفقين ومتحدثين بلغته، أي أولئك الذين قد ينقلون تأثيره إلى هنا وهناك في أجزاء مختلفة من العالم.
لأنه كان من الممكن ألا يجد كالڤين نوكس (Knox)، ولم يكن لماركس لينين يتبعه. في تفسير التاريخ، من الأصح أن يتواضع الإنسان وربما يؤمن بعدم كفاية عقله لفهم الأمور الخفية، لأنه يدرك جيداً أن عوامل لا حصر لها تشكل تاريخ الإنسان، والاقتصاد هو واحد منها وربما ليس من أهم العوامل».[۱۹]
في هذا المجال، كتب العلماء الإسلاميون ردوداً متنوعة على المادية التاريخية والقوة الدافعة للتاريخ. الشهيد مطهري في فلسفة التاريخ يعدد عوامل دافعة للتاريخ، وهي: عامل تحول التاريخ، تأثير العباقرة في حركة التاريخ، تأثير العوامل الدافعة للتاريخ على بعضها البعض، العامل الجغرافي وحركة التاريخ، التفسير الاقتصادي للتاريخ… وبعد شرحها وتبيينها، يستقصي الإسلام والقرآن في هذا المجال.
الشهيد الصدر في هذا المجال، بعد بيان أن الجوانب المنهجية لنظام الماركسية لا يمكن فصلها عن جوانبها العلمية، وأن المادية التاريخية التي هي أساسها لا تختلف عن بنيتها الفوقية، يشير إلى عدة نظريات طرحت في مجال العامل الأساسي في القوة الدافعة للتاريخ: العرق والجنس هما محرك التاريخ، العامل الجغرافي والطبيعي هما عاملان موحدان، نظرية الماركسية التي تعتبر الاقتصاد العامل الوحيد، وبعد عرض وتوضيح هذه النظريات يشير إلى نقاط ضعفها، ثم يثبت ردها باستخدام القرآن والسنة، وفيما بعد يشرح نظرية الإسلام.
يوضح الشهيد في كتابه الاقتصاد بوضوح أن الإسلام يعتبر القوة الدافعة للتاريخ هي الإنسان نفسه وإرادته، وهو من خلال تأليف وتدريس هذا الكتاب يتابع هدفين رئيسيين: الأول رد المادية التاريخية، والثاني تدريس وفهم الاقتصاد الإسلامي.
٤ – ما هو دور الإنسان في ميدان التاريخ؟
هل للإنسان دور في مسار ومشاهد التاريخ أم لا؟ وإذا كان له دور، ما مدى تأثيره؟ وإذا لم يكن له دور، هل الجبر التاريخي هو الحاكم؟
يرى فريق أن الأحداث والوقائع التاريخية تعمل تلقائياً والإنسان لا دور له فيها (الجبر التاريخي).
ويرى فريق آخر أن الإنسان هو الفاعل المطلق في مشاهد التاريخ، وهو المدبر في كل مكان (الإنسان صانع التاريخ).
وفقاً لما قاله «كوجو»:
علم الظواهر للروح هو وصف الإنسان من حيث علم الظواهر، وموضوعه هو الإنسان كظاهرة وجودية:[۲۰] أي الإنسان كما يظهر.
لكن الإنسان ليس وجوداً مادياً بلا روح ولا إرادة. إذا شبهنا التاريخ بمنزل، فالناس ليسوا فقط الطوب الذي بُني به هذا المنزل، بل هم أيضاً المهندس والبنّاء له. وعلاوة على ذلك، هذا المنزل بُني لهم وهم يعيشون فيه ويفكرون، ويرون ويشعرون بجدرانه وهوائه. هناك مجموعة من الناس لا يشاركون في بناء هذا المنزل: هؤلاء هم المثقفون المتعصبون الذين يعتنقون المذهب (الإيديولوجيا) بدلاً من الفلسفة، أو يأخذون المذهب مكان الفلسفة ويدّعون ذلك. أما الذين يستخدمون أيديهم وعقولهم في بناء المنزل، فإن ذهنهم وشعورهم وطبيعتهم تتغير خلال العمل، ويرافق ذلك زيادة في معرفتهم ووعيهم حتى يصلوا في النهاية إلى الفلسفة والعلم المطلق».[۲۱]
يكتب الأستاذ مرتضى مطهري عن القائلين بالجبر التاريخي: إذن الجبر في الطبيعة يعني أن كل حادث طبيعي مرتبط بسلسلة من الأسباب الخاصة التي بوجودها يكون وجود ذلك الحادث لا يمكن إنكاره، وبغياب تلك الأسباب أو استبدالها بسلسلة أخرى من الأسباب، يصبح وجود ذلك المسبب مستحيلاً. بالتالي، عندما نقبل العلية في التاريخ، لا بد أن نقبل الجبر التاريخي أيضاً: أي يجب أن نقبل أنه إذا حدث تحول تاريخي معين، فهذا يشبه القول بأن الماء يغلي عند درجة ١٠٠، أي إذا وُجد الماء ودرجة الحرارة ١٠٠ والشروط اللازمة متوفرة، يمكن القول جبرياً وضرورةً وبنسبة توقع ١٠٠٪: إن الماء سيتحول إلى بخار. الحوادث التاريخية كذلك. كل حادثة حدثت تعتمد على سلسلة من الأسباب الخاصة التي بوجودها يكون ظهور ذلك المسبب ضرورياً ولا يمكن إنكاره. هذا هو الجبر التاريخي[۲۲]، إذن الإنسان لا يملك أي حصة في مسرح التاريخ، بل التاريخ هو الذي أسر الإنسان.
يقول السيد مصباح: بعضهم يعتقد أن معنى قانونية المجتمع أو التاريخ ليس سوى أن الظواهر الاجتماعية والحوادث التاريخية ليست بلا سبب أو عشوائية، بل هي نتيجة لأسباب يمكن من خلالها التفسير والتوضيح. الظواهر الاجتماعية والحوادث التاريخية، مثل أي ظاهرة أو حادث آخر، تخضع لمبدأ العلية وتشمل نظام العلة والمعلول؛ وفي نهاية المطاف، في الظواهر والحوادث الإنسانية والاختيارية، يكون أحد مكونات العلية التامة هو إرادة الإنسان نفسه. لذلك، مع بقاء شمولية مبدأ العلية و”لا شيء يوجد إلا بوجود سبب”، لا يمكن قبول أن التنبؤ الحتمي لمستقبل المجتمع والتاريخ ممكن حتى مع العلم الكامل بالقوانين الاجتماعية والتاريخية، ولا يمكن قبول أن الأفراد محكومون بالجبر الاجتماعي أو التاريخي. في الحقيقة، للبشر في المجتمع والتاريخ حرية كاملة، ويمكنهم حتى أن يتحركوا عكس مسار المجتمع والتاريخ، أو الأهم من ذلك، أن يغيروا مسار المجتمع والتاريخ.
هذا هو الرأي الثالث، وهو رأينا نحن. ولهذا السبب، يجب أن نورد بضع كلمات في نقد الرأي الأول الذي يعتبر كل نشاطات الإنسان في المجتمع والتاريخ جبرية، والرأي الثاني الذي يفرق بين نوعين من النشاطات الإنسانية، أحدهما جبري والآخر اختياري. ما يشترك فيه هذان الرأيان هو أن الإنسان، على الأقل في بعض أعماله، خاضع لجبر المجتمع أو التاريخ. نقدنا موجه إلى هذا الجانب المشترك[۲۳].
يعتقد الشهيد الصدر، كما ذُكر سابقاً، أن القوانين والأحداث التاريخية لا تتعارض ولا تتقابل مع اختيار الإنسان وإرادته، فالإنسان مخلوق حر ويمكنه أن يكون صانعاً للتاريخ بكامل إرادته، بل يمكنه أن يتحرك عكس تيار التاريخ. ويثبت أن القرآن قد أوجد أفضل توافق بين الجبر والاختيار.
من وجهة نظر القرآن، فإن سنن التاريخ ذات طبيعة وجوهر علمي، لأن علاقة الفعل ورد الفعل التي هي من خصائص كل قانون علمي، تسري أيضاً في قوانين وسنن التاريخ.
وكذلك: من وجهة نظر القرآن، فإن سنن التاريخ ذات طبيعة وجوهر إلهي ورباني، لأنها تعكس حكمة وتدبير الله على كل ميادين التاريخ، وأخيراً يعتبر القرآن سنن التاريخ مقرونة بالطبيعة الإنسانية، إذ لا يراها منفصلة عن الإنسان ودوره الإيجابي، ولا يلغي الحرية والإرادة والاختيار في وجود الإنسان، بل يؤكد أكثر فأكثر على مسؤوليته في ميدان التاريخ[۲۴].
صنّف الشهيد الصدر منهج سنن التاريخ في القرآن وذكر آيات لكل صنف.
١ – آيات تُظهر الصورة العامة لسنة التاريخ: «لكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون» (یونس/ ۴٩) «لكل أمة أجل ووقت معين، وعندما يحين ذلك الوقت لا تأخير ولا تقديم». هنا الخطاب في القرآن موجه للجماعة لا للفرد.
٢ – آيات تعرض سنة التاريخ في قالب أمثلة، والتي تُعرض بدورها على النحو التالي:
أ – سنن الأمم السابقة: «قد خلت من قبلكم سنن…» (آل عمران/ ١٣٧).
ب – سنة التاريخ لا استثناء لها.
ج – صراع الأنبياء مع المترفين.
د – من العدالة إلى الرفاه الاجتماعي.
يستخلص الشهيد الصدر من مقارنة الآيات القرآنية ثلاث حقائق في مجال القوانين التاريخية ويشرحها: ١ – قانون التاريخ ليس أعمى أو صدفة، بل له عمومية وفي الحالات العادية لا يمكن إنكاره. ٢ – القوانين التاريخية ذات طابع إلهي ومرتبطة بالله. ٣ – الجبر والقوانين التاريخية والوجود لا تتعارض مع اختيار وإرادة الإنسان، والفكرة القائلة: إذا كان الجبر التاريخي وقوانين الوجود تحكمنا، فلا معنى للاختيار عند الإنسان، وإذا كان الإنسان حرًا ومختارًا تمامًا، فإن قوانين التاريخ ستكون كالطين في يده لينعمها ويستفيد منها حسب إرادته، هي فكرة خاطئة. في القرآن الكريم جاء: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم…» (رعد/ ١١) «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم».
لذلك، من وجهة نظر القرآن، رغم أن القوانين والسُنن التاريخية منظمة ومُحسوبة، إلا أن الجبر والنظام في القوانين التاريخية والوجود لا يتعارضان مع اختيار الإنسان وإرادته، فالإنسان له دور في ميادين التاريخ ويصنع التاريخ.
٥ – ما هو دور الدين والأنبياء في حركة التاريخ؟
في تحديد مدى دور الدين والأنبياء في حركة التاريخ أو ما إذا كان هذا الدور سلبيًا بشكل عام، يعتمد ذلك على نظرة المؤرخين والعلماء التاريخيين. أولئك الذين لديهم رؤية مادية للتاريخ، بالتأكيد يرون دور الدين والأنبياء في حركة التاريخ إما سلبيًا أو ضئيلاً جدًا، وأولئك الذين يرون العرق كمحرك للتاريخ يعتبرون القوة الدافعة للتاريخ هي الجماعة، وكذلك غيرها من الآراء التي تحمل طابعًا ماديًا، يرون أثر الدين والأنبياء في حركة التاريخ باهتًا أو ضعيفًا. أما الذين يفكرون بما هو أبعد من المادية ويأخذون في الاعتبار الجوانب الروحية، فهم بطبيعة الحال يرون دور وأثر الدين والأنبياء في حركة التاريخ ضروريًا، بحيث يقولون: عندما لا يتغير الإنسان، لا يتغير شيء، أي أنه إذا لم يكن هذا التغيير في الإنسان، لظل حياة الإنسان راكدة ومتماثلة مثل خلية النحل، ولم تمر بكل هذه المراحل. لذا يجب أن نرى كيف يتغير الإنسان وعلى أي أساس يتم هذا التغيير، وهذا التغيير لا يحدث إلا بواسطة الدين المغير والأنبياء المبشرين به.
في هذا الصدد يقول الشهيد مطهري: تفسير التاريخ بناءً على الدين لا يعني نفي قانون السبب والنتيجة. هذه النظرية تقبل قانون السبب والنتيجة، أي مبدأ السبب الفاعل. تفسير التاريخ على أساس الدين يعني أنه بالإضافة إلى السبب الفاعل، يجب قبول السبب الغائي أيضًا. فإذا فسّرنا التاريخ على أساس الدين، فهل يعني ذلك أن التاريخ لم يعد علمًا لأن علاقة السبب والنتيجة تتعطل؟ هؤلاء يفكرون في شيء آخر. لا، يجب أن نقول إن الأحداث التي تدفع التاريخ من الخلف، أي الأحداث السابقة التي وقعت وأدت إلى وجود ما بعد ذلك، تسحب التاريخ نحو هدف وغاية محددة مسبقًا.[۲۵] بناءً عليه، للدين دور في التاريخ وهو من سنن التاريخ.
أما الشهيد الصدر في رأيه حول دور الدين في حركة التاريخ فيعتقد أن أهم مثال تقدمه آيات القرآن الكريم لهذه السنن التاريخية هو الدين. فالقرآن يعتبر الدين من السنن الأصيلة والفطرية للتاريخ. من وجهة نظر القرآن، الدين ليس مجرد تشريع وقانون، بل هو في الوقت نفسه سنة من قوانين وسنن التاريخ. ومن هنا نرى أن القرآن يعرض الدين في وجهين: أ – كقانون وتشريع، أو كما يقول علم الأصول: كإرادة تشريعية. «شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا وذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما ندعوهم إليه» (شوری/ ١٣) «ما شرعه الله لكم من الدين الذي أوصى به نوحًا وذي أوحينا إليك وما أوصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن يقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه، هذا أمر ثقيل على المشركين مما تدعوهم إليه». هنا يعرّف القرآن الدين كتشريع وقانون وأمر من الله تعالى. ب – كأحد سنن وقوانين التاريخ، وكقانون يدخل في عمق تركيب الإنسان وفطرته وطبيعته. «فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون» (روم/ ٣٠) «وجهك للدين مستقيمًا، هذه فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل في خلق الله، هذا هو الدين القويم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون».
هنا لم يُعد الدين مجرد أمر أو قانون أو قرار وتعليم من الأعلى فقط، بل هو طبيعة ونفسية وفطرة الناس، فطرة إلهية خلق الله الناس عليها ولا بديل لها، لأنها من خلق الله.
وبالنظر إلى ذلك، ندرك أن الدين سنة تاريخية وليس مجرد حكم شرعي يُطاع أو يُعصى.
وبالتالي نصل إلى نتيجة أن للدين بعدين: بعد سنة تاريخية وبعد تشريع وقانون يحتاج إلى متشرع. لذلك، فإن دور الدين والأنبياء في بناء التاريخ له نصيب كبير، بحيث يُعرف التاريخ بأنه مرونة بطولية لأبناء آدم الذين على محور التوحيد، في أعقاب الأنبياء، بوعي وحرية واختيار، يتجهون لعبادة الله تعالى على أساس الفطرة، وفي النهاية تحت مجموعة سنن الله، وهم يسيرون وسيستمرون في السير على هذا النهج.
لفهم صحيح لمسألة «السنن والقوانين الحاكمة للتاريخ» يدعو القرآن دائمًا إلى دراسة دقيقة للنماذج التاريخية، ويطلب من الإنسان أن يدرس الموضوع بعين مفتوحة وبصيرة نافذة وأذن صاغية، وأن يبذل كل طاقاته وقدراته ليصل إلى الحقيقة الكامنة وراء هذه النماذج التاريخية، ويجعلها منهجًا لأموره.
[۱]. مرتضى مطهري، المجتمع والتاريخ، قم، دار النشر الإسلامية، د.ت.، ص.٣٠٩.
[۲]. يروفه يف، ن.آ. ما هو التاريخ؟ ترجمة: محمد تقي زاده، الطبعة الأولى، نشر جوان، ١٣٦٠، ص.٩٣-٩٢.
[۳]. متز آدم، الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، ترجمة: علي رضا ذكاوتي، الطبعة الثانية، أمير كبير، ١٣٦٥، ج ١، ص. ٤.
[۴]. أفكار في باب التاريخ، دلفيكو. Delfico, M.Pendieri sula storiael, ineertzza edinutlita della medesima, ١٨٠٦. نقلًا عن التاريخ في الميزان، ص.١٥-١٤.
[۵]. أرنولد، توين بي، تحليل لتاريخ العالم من البداية حتى العصر الحاضر، ص.١٠.
[۶]. السيد محمد باقر صدر، الإنسان المسؤول وصانع التاريخ من وجهة نظر القرآن، ترجمة: محمد مهدي فولادوند، الطبعة الأولى، نشر ميزان، ١٣٥٩، ص ص. ١٨ و ١٩.
[۷]. المجتمع والتاريخ، ص.٣٠٩.
[۸]. والش، دبليو.ا.تش، مقدمة في فلسفة التاريخ، ترجمة: ضياء الدين علائي طباطبائي، الطبعة الأولى، طهران، أمير كبير، ١٣٦٣.
[۹]. ما هو التاريخ، ص ص. ١٠٦ و ١٠٧.
[۱۰]. ماير، أ.، مسائل نظرية ومنهجية في التاريخ، بحوث فلسفية تاريخية، ١٩٠٤، نقلًا عن ما هو التاريخ، يروفريف، ص.١٠٧.
[۱۱]. كارل. ر. بوبر، فقر النظرية التاريخية، ترجمة أحمد آرام، الطبعة الأولى، طهران، منشورات خوارزمي، ١٣٥٨، ص.١٢٣.
[۱۲]. مرتضى مطهري، فلسفة التاريخ، قم، منشورات صدرا، ١٣٧١، ص.١٩٠.
[۱۳]. الإنسان المسؤول وصانع التاريخ، ص.١٨.
[۱۴]. السيد محمد باقر صدر، التقاليد الاجتماعية وفلسفة التاريخ في مدرسة القرآن، ترجمة: حسين منوچهري، الطبعة الأولى، طهران، مركز النشر الثقافي رجاء، ١٣٦٩، ص.٨٣.
[۱۵]. عبد الحميد صديقي، تفسير التاريخ، ترجمة جواد صالحي، طهران، مكتب النشر والثقافة الإسلامية، ١٣٤٢.
[۱۶]. محمد تقي مصباح يزدي، المجتمع والتاريخ من وجهة نظر القرآن، الطبعة الثانية، قم، منظمة الدعوة الإسلامية، ١٣٧٣، ص.١٥٣.
[۱۷]. كارل ياسبرز، بداية ونهاية التاريخ، ترجمة: محمد حسن لطفي، الطبعة الثانية، طهران، خوارزمي، ١٣٧٣، ص.٢٤٩.
[۱۸]. Alecander Gray.
[۱۹]. Alexander Gray, The development of economic doctrine. نقلًا عن تفسير التاريخ.
[۲۰]. Phenmene existetiel.
[۲۱]. هيغل ج. و. ف.، السيد والعبد، ترجمة وتمهيد حميد عنايت، الطبعة الرابعة، طهران، خوارزمي، ١٣٦٨، ص ص. ١٧ و ١٨.
[۲۲]. مرتضى مطهري، فلسفة التاريخ، ص.٢٢١.
[۲۳]. المجتمع والتاريخ من وجهة نظر القرآن، ص.١٥٩.
[۲۴]. التقاليد الاجتماعية وفلسفة التاريخ في مدرسة القرآن، ص.١٢٣.
[۲۵]. فلسفة التاريخ، ص.٢٢.

