ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: اهلبیت و تفسیر موضوعی قرآن ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
المؤلف: محمدرضا داوودی
المصدر: فصلنامه معرفت، العدد ٧١
الملخص
«التفسير الموضوعي للقرآن» هو أسلوب تفسيري يتم فيه جمع جميع الآيات المتعلقة بموضوع قرآني معين ودراستها لاستخلاص رأي القرآن بشأن ذلك الموضوع. هذا الأسلوب يختلف عن تفسير القرآن بالقرآن، حيث يُستخدم في الأخير آيات ذات مضمون مشابه لتوضيح آية معينة وإزالة الغموض عنها. وقد ورد في بعض الأحاديث أن أهل البيت عليهم السلام قد فسروا القرآن بالطريقة الموضوعية.
المقدمة
تفسير القرآن الكريم أمر بالغ الأهمية، وقد اعتبره الرب الحكيم من مهام النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وخلفائه المعصومين عليهم السلام[1]، وقد أدوا هذا الواجب العظيم بأفضل صورة وشرحوا كلام الله تعالى بما يتناسب مع فهم مخاطبيهم. وقد وصلتنا جزء من هذه الآثار الثمينة تحت عنوان «الأحاديث التفسيرية»[2]. وبعد الأئمة العظام، سعى العلماء المخلصون إلى توضيح كلام الله بأسلوب صحيح مستلهم من مدرسة أهل البيت عليهم السلام، ليشبعوا ظمأ الباحثين عن المعارف الحقّة من أصدق مصادر الدين (القرآن).
تفسير القرآن الكريم اتخذ شكلين: 1. التفسير الترتيبي الذي يتم بترتيب السور والآيات؛ وهذا النوع من التفسير له عمر طويل واستمر مع العصور والقرون حتى بلغ درجة من الكمال المرغوب، ومنذ بداية القرن الرابع توجد كتب تفسيرية منظمة تشمل تفسير جميع آيات القرآن[3]. 2. التفسير الموضوعي الذي نشأ مع مرور الزمن وظهور مسائل واحتياجات جديدة للمسلمين، حيث يُستخرج رأي القرآن الكريم في موضوع معين من موضوعات القرآن.
«التفسير الموضوعي» رغم كونه مصطلحًا حديثًا ظهر في القرن الرابع عشر وأُطلق على هذا الأسلوب الخاص في تفسير القرآن[4]، وحظي باهتمام خاص، وتكشفت أبعاده الجديدة يومًا بعد يوم في المجال الواسع للثقافة الإسلامية القرآنية، إلا أن القرآن الكريم كان يُفسر بهذا الأسلوب سابقًا؛ أي أن المفسرين كانوا يعرضون موضوعات على القرآن، ويجمعون الآيات المتشابهة ليحصلوا على إجاباتهم[5].
هذا المقال بعد تعريف التفسير الموضوعي، يتناول المسألتين التاليتين:
- هل التفسير الموضوعي هو نفسه تفسير القرآن بالقرآن أم أنه يختلف عنه؟
- هل كان للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة المعصومين عليهم السلام تفسير موضوعي في الروايات التي وردت عنهم؟
قدم الباحثون والمفسرون تعاريف مختلفة للتفسير الموضوعي[6]، ولتجنب الإطالة في النقاش، سيتم الاستغناء عن ذكرها ونقدها. وبشكل عام يمكن القول: «التفسير الموضوعي» هو جمع كل الآيات المتعلقة بموضوع معين من موضوعات القرآن، ودراستها وتحليلها لاستخلاص رأي القرآن الكريم في ذلك الموضوع.
وكما يتضح من التعريف السابق، للتفسير الموضوعي مرحلتان:
- جمع مجموعة الآيات المرتبطة بالموضوع؛ في التفسير الموضوعي يجب على المفسر أن يجمع كل الآيات المتعلقة بالموضوع قيد البحث. في هذه المرحلة يجب أن يتمتع المفسر بذاكرة قوية عن القرآن ليتمكن، حسب وسعه وواجبه، من جمع كل الآيات التي تتعلق بالموضوع محل النقاش نفيًا وإثباتًا، ويعتمد على المحتوى لا على اللفظ.[7]
- التلخيص والحكم على تلك الآيات وكذلك استخلاص النتائج منها؛ لذلك، إذا اقتصر بعض الأعمال على جمع آيات من موضوع معين في القرآن فقط، فلا يمكن اعتبارها تفسيرًا موضوعيًا.[8]
الفرق بين التفسير الموضوعي وتفسير القرآن بالقرآن
كما ذُكر، يمكن تصنيف تفسير القرآن بشكل عام إلى نوعين: «ترتيبي» و«موضوعي». والتفسير الترتيبي له أساليب متعددة؛[9] ومن بينها الاجتهادي وهو تفسير القرآن بالقرآن، حيث يعتمد المفسر في شرح الآيات على القرآن نفسه ويستخدم آيات أخرى لتوضيح الآية المعنية. ورغم التشابه الظاهري بين الطريقتين (الموضوعية والقرآن بالقرآن) حيث يستعين المفسر في كلتيهما بآيات أخرى، إلا أن لهما أهدافًا مختلفة ومتميزة.
في تفسير القرآن بالقرآن، هدف المفسر هو الاستعانة بآيات ذات مضمون مشابه لإزالة الغموض عن الآية محل النقاش، وبمساعدة آيات أخرى يوضح المعنى بشكل أعمق وأدق، ليصل إلى فهم دقيق للآية[10]. وبمجرد الوصول إلى المعنى الدقيق للآية، لا حاجة إلى آيات أخرى. وفي كثير من الحالات، يؤدي جمع عدة آيات متناسبة إلى ظهور حقيقة جديدة ومعارف لم تكن لتتحقق بدون هذا الجمع[11]. أما في التفسير الموضوعي، فغرض المفسر هو ربط الآيات المتشابهة والمتماثلة (لفظًا ومعنى) المتعلقة بموضوع معين، ومن مجموع هذه الآيات يجيب على سؤاله حول ذلك الموضوع ويستخلص رأي القرآن[12]. بمعنى آخر، في التفسير الموضوعي يسعى المفسر إلى معرفة رأي كلام الله في موضوع مستمد من القرآن نفسه أو من حاجات العصر التي أشار إليها القرآن، من خلال الآيات المرتبطة بالموضوع. ولا يهدف إلى إزالة الغموض أو توضيح معنى آية معينة، لأن الوصول إلى معاني الآيات هو من المراحل الأولى للعمل، بل الهدف النهائي هو معرفة رأي القرآن في الموضوع المعني.
لذا، وبسبب اختلاف الهدف، لا يمكن اعتبار الطريقتين طريقة واحدة، بل يجب اعتباره أسلوبين مختلفين ومتميزين. تفسير القرآن بالقرآن هو من نوع التفسير الترتيبي ويقدم على التفسير الموضوعي.
يمكن ملاحظة الفرق المذكور في الروايتين التاليتين:
1. تحديد أقل مدة للحمل
في يوم من الأيام، أحضروا إلى عمر امرأة أنجبت طفلاً بعد مرور ستة أشهر على زواجها. حكم عمر برجمها. فقال الإمام علي عليه السلام: سأستدل لك بكتاب الله (وأثبت براءتها بالقرآن). يقول الله تعالى:
«وَالْوَالِدَاتُ يرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَينِ كَامِلَينِ …» (بقره: 233)؛ فالأمهات يجب أن يرضعن أولادهن لمدة عامين كاملين.
وفي موضع آخر يقول: «… وَحَمْلُهُ وَ فِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرا» (احقاف: 15)؛ فمدة الحمل والفطام ثلاثون شهراً.
فإذا كانت مدة الرضاعة والحمل ثلاثين شهراً، ومن جهة أخرى، مدة الرضاعة سنتان كاملتان، فيمكن أن يولد طفل عمره ستة أشهر. فلما رأى عمر هذا الاستدلال، ترك المرأة.[13]
في هذه الرواية، استدل الإمام عليه السلام بآيتين للحصول على الحكم الفقهي الخاص بتحديد أقل مدة للحمل. ومن هنا، في التفسير الموضوعي يمكننا ـ على سبيل المثال ـ عرض موضوع «أقل مدة للحمل» على القرآن، وجمع الآيات والاستنتاج منها لإيجاد الجواب. وبما أن الإمام علي عليه السلام كان مطلعاً ومتمكناً تماماً من جميع معاني ومعارف القرآن، فقد استنبط الحكم المذكور من آيتين فقط، أما لو كان شخص آخر، لكان عليه جمع كل الآيات المتعلقة بالموضوع ثم الاستنتاج منها.
2. تحديد مقدار قطع يد السارق
استدل الإمام الجواد عليه السلام بالآيتين التاليتين لتحديد مقدار قطع يد السارق:
«وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيدِيهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ» (مائده: 38)؛ فاقطعوا يد الرجل والمرأة السارقين جزاءً لما كسبا عقاباً من الله.
«وَ أَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدا» (جن: 18)؛ والمساجد خاصة بالله، فلا تدعوا مع الله أحداً.
يجب قطع يد السارق من أصل أربعة أصابع؛ لأن الله أمر في الآية الأولى بقطع يد السارق، وفي الآية الثانية خصص المساجد، وهي مواضع من الجسم توضع على الأرض عند السجود، ومن بينها كف اليد، لله تعالى. لذلك، لا يُقطع أكثر من أربعة أصابع حتى يبقى الكف للسجود.[14]
هذه الرواية من أمثلة التفسير بالقرآن للقرآن؛ لأن كلمة «يد» في آية «فَاقْطَعُواْ أَيدِيهُمَا» مبهمة، وهناك على الأقل ثلاث احتمالات لها: 1. من رؤوس الأصابع إلى المعصم؛ 2. من رؤوس الأصابع إلى المرفق؛ 3. من رؤوس الأصابع إلى الكتف. فالإمام عليه السلام بمساعدة الآية الأخرى أزال هذا الغموض ووضح معنى «اليد».
مع ذلك، هاتان الطريقتان ليستا منفصلتين عن بعضهما، بل مرتبطتان. وربما يمكن القول: إن بين هاتين الطريقتين في التفسير «عموم وخصوص مطلق»؛ أي حيثما يتم التفسير الموضوعي، يكون هدفه الاستفادة من آيات متعددة، فتكون طريقة التفسير بالقرآن للقرآن موجودة، ولكن حين يُجرى التفسير بالقرآن للقرآن، لا ينطبق عليه التفسير الموضوعي، وفي بعض الحالات (كما في المثال أعلاه) تُستخدم فقط طريقة التفسير بالقرآن للقرآن.[15]
بعض الأشخاص اعتبروا تفسير الآيات المتشابهة بواسطة الآيات المحكمات، والعام بالخاص، والمطلق بالمقيد… نوعًا من التفسير الموضوعي[16]، ويبدو أن هذه الأمور تندرج تحت تفسير القرآن بالقرآن وتشمل التفسير الترتيبي.
التفسير الموضوعي في روايات أئمة أهل البيت عليهم السلام
في الأحاديث الواردة عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وأئمة المعصومين عليهم السلام، نجد روايات عملت بأسلوب التفسير الموضوعي؛ أي أنها بمساعدة آيات أخرى ذات مضمون مماثل قدمت لنا موضوعًا مهمًا وأجابت عن موضوع من موضوعات القرآن الكريم. فيما يلي نورد بعض الأمثلة من هذه الروايات:
1. الإيمان لجميع أعضاء الجسد
سأل أحد أصحاب الإمام الصادق عليه السلام ذلك الإمام هل الإيمان قول (نطق الشهادتين) أم عمل؟ فأجاب الإمام عليه السلام: الإيمان كله عمل، والقول جزء منه؛ وقد بيّنه الله في كتابه. ثم قال ذلك الشخص: صف لي الإيمان. فقال الإمام: فرض الله الإيمان على جميع أعضاء الإنسان وفرض لكل عضو وظيفة: «أما ما فرض على القلب من الإيمان فهو الإقرار والمعرفة والعزم والتسليم بأنه لا معبود إلا الله الواحد الأحد، الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا؛ وأن محمدًا صلى الله عليه وآله عبدُه ورسوله، وكذلك الإقرار بما جاء من عند الله من الأنبياء والكتب السماوية؛ وهذا عمل القلب كما يقول الله تعالى: “… إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا” (نحل: 106)؛ فمن كفر بعد إيمانه بالله عذاب شديد إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان، ولكن من وسع صدره للكفر غضب الله عليهم ولهم عذاب عظيم، ويقول أيضًا: “ألا بذكر الله تطمئن القلوب” (رعد: 28)؛ فاعلم أن بذكر الله تطمئن القلوب، ويقول القرآن: “يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسرعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم” (مائده: 41)؛ أيها النبي لا يحزنك الذين يسرعون إلى الكفر من الذين قالوا بالإيمان بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم، ويقول: “إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء” (بقره: 284)؛ وإذا أظهرتم ما في نفوسكم أو أخفيتوه يحاسبكم الله به، ثم يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء. هذه هي الإقرار والمعرفة التي فرضها الله على القلب، وهي عمل القلب وأصل الإيمان. وفرض الله على اللسان بيان ما آمن به القلب وأقر به، كما يقول: “وقولوا للناس حسنا” (بقره:83)؛ وتحدثوا إلى الناس بأحسن الكلام، ويقول: “وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون” (عنکبوت: 46)؛ وقلوا آمنّا بما أنزل إلينا وما أنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون. وفرض الله على الأذن أن تبتعد عن سماع المحرمات وما نهى الله عنه وما يغضب الله؛ يقول القرآن في ذلك: “وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزئ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره” (نساء:140)؛ وقد أنزل الله عليكم في الكتاب أنه إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تجلسوا معهم حتى يتحدثوا في أمر غيره. ويقول: “قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون” (مؤمنون: 4-1)؛ لقد فاز المؤمنون الذين يخشعون في صلاتهم والذين يبتعدون عن اللغو والذين يؤتون الزكاة، ويقول: “وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم” (قصص: 55)؛ وإذا سمعوا كلامًا فارغًا أعرضوا عنه وقالوا: لنا أعمالنا ولكم أعمالكم. فوظيفة الأذن ألا تسمع ما لا يحل لها سماعه.
وفرض الله على العين أن لا تنظر إلى ما حرم عليها وأن تبتعد عما نهى الله عنه، يقول: “قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم” (نور: 30)؛ قل للمؤمنين ليخفضوا أبصارهم ويحفظوا فروجهم، فنهى الرجال عن النظر إلى عورات بعضهم البعض، ووجب على كل فرد أن يحفظ عورته عن نظر الآخرين. وقال: “وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن” (نور: 31)؛ وقل للمؤمنات ليخفضن أبصارهن ويحفظن فروجهن، ونهى النساء عن النظر إلى عورات النساء الأخريات. في كل موضع في القرآن ذكر “حفظ الفرج” فهو متعلق بالزنا إلا هذه الآية التي تتعلق بالنظر.
لقد جمع الله ما فرضه على القلب واللسان والأذن والعين في الآيتين التاليتين: “وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم” (فصلت: 22)؛ [أيها الناس] لم تكن تخفون ما في قلوبكم من الذنوب خوفًا من أن تشهد عليكم آذانكم وأبصاركم وجلودكم. “ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً” (اسراء:36)؛ ولا تتبع ما ليس لك به علم، فإن السمع والبصر والقلب كلهم سيكونون مسؤولين عنه…»[17]
ثم ذكر الإمام عليه السلام في الختام إيمانًا خاصًا لليد والقدم والوجه مع آياتها، ثم استنتج أن من يلتزم بكل ما فرضه الله، يلقى ربه بإيمان كامل [عند الموت] ويكون من أهل الجنة، ومن يخون بعض هذه الأمور أو يعص أوامر الله يخرج من الدنيا بإيمان ناقص. وبذلك، دحض الإمام تصور أن الإيمان هو مجرد قول الشهادتين والاعتقاد القلبي، وأثبت بمساعدة آيات ذات مضمون مماثل أن «الإيمان كله عمل».
2. الكبائر
يقول عبد العظيم الحسني: ذات يوم حضر عمرو بن عبيد [أحد كبار المعتزلة] مجلس الإمام الصادق عليه السلام، وبعد السلام جلس، وقرأ الآية: «الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ» (نجم:32)؛ أي الذين يجتنبون الكبائر والفواحش إلا الزلات الصغيرة، ثم سكت. فسأل الإمام عن سبب صمته، فقال: أود أن أفهم الكبائر من القرآن. فقال الإمام عليه السلام: يا عمرو! أعظم الكبائر هو الشرك بالله، لأن الله يقول: «وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» (مائده: 72)؛ فمن أشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار. ثم اليأس من رحمة الله، قال تعالى: «إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ» (یوسف: 87)؛ فلا ييأس من رحمة الله إلا الكافرون. ثم الشعور بالأمان من مكر الله، قال تعالى: «فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ» (اعراف: 99)؛ هل ظنوا أنهم آمنون من مكر الله؟ [مع أن] لا أحد آمن من مكر الله إلا الخاسرون. ومن الكبائر أيضًا عقوق الوالدين (لعنتهما)، لأن الله وصف الولد العاق بأنه عنيد وبائس[18]، وكذلك القتل العمد، قال تعالى: «وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا…» (نساء: 93)؛ ومن قتل مؤمنًا عمدًا جزاؤه النار خالدًا فيها. ومن الكبائر أيضًا نسب الزنا إلى النساء العفيفات، قال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ» (نور: 23)؛ إن الذين يرمون النساء العفيفات الغافلات المؤمنات بالزنا ملعونون في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم. ومن الكبائر أيضًا أكل مال اليتيم، قال تعالى: «إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا» (نساء: 10)؛ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً لا يفعلون إلا أنهم يلقون نارًا في بطونهم وسيدخلون نارًا موقدة. ومن الكبائر الفرار من ميدان القتال، قال تعالى: «وَمَن يُولِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» (انفال: 16)؛ ومن يدير لهم ظهره يومئذ إلا متحرفًا للقتال أو متحيزًا إلى فئة فقد نال غضب الله ومأواه جهنم وبئس المصير. ومن الكبائر أيضًا أكل الربا، قال تعالى: «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ» (بقره: 275)؛ الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس. وكذلك السحر، قال تعالى: «وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ» (بقره:102)؛ لقد علموا أن من اشترى هذا [السحر] لا نصيب له في الآخرة. والزنا، قال تعالى: «وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا» (فرقان: 69)؛ ومن يفعل ذلك ينال إثامًا ويضاعف له العذاب يوم القيامة ويبقى فيه مهانًا. والقسم الكاذب، قال تعالى: «الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ» (آل عمران: 77)؛ الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم بثمن قليل لا نصيب لهم في الآخرة. والخيانة في المال، قال تعالى: «وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (آل عمران: 161)؛ ومن يغش يأتي بما غش به يوم القيامة. والتكاسل عن أداء الزكاة الواجبة، قال تعالى: «فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ» (توبه: 35)؛ يوم تُكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم في نار جهنم.
الشهادة الكاذبة وإخفاؤها؛ بسبب الآية «وَمَن يكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ» (بقره: 283)؛ من يكتمها قلبه آثم. وشرب الخمر، الذي نهى الله عنه، وترك الصلاة أو أي واجب آخر، حيث قال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله: «من ترك الصلاة عمداً فقد برئ ذمته من الله ورسوله.» وكذلك نقض العهد وقطع الرحم؛ لأن الله تعالى يقول: «أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ» (رعد: 25)؛ وأولئك الذين ينقضون عهد الله بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به بالوصل ويُفسدون في الأرض لهم اللعنة وسوء المصير.[19]
جميع ما ذكره الإمام من أمور هي من الكبائر التي بيّنها الله في القرآن. فقد قدم الإمام عليه السلام بأسلوب موضوعي في ذكر الآيات، إلى جانب تعداد بعض الكبائر (وقد ذُكر في هذا الحديث عشرون منها)، قاعدة لفهم الكبائر: الكبيرة هي الذنب الذي إما أن يُنهى الناس عنه أو أن يكون فيه عذاب إلهي مثل الوعد بالنار، الخلود في جهنم، ولعن الله. وفي معظم الآيات المذكورة في الحديث، ورد ذكر العذاب الإلهي، وفي بعضها بسبب أن العاصي يُعتبر من قوم كافر أو قوم ضال، ورد الوعد بالنار.
3. وجوه الكفر
يقول أبو عمر الزبيري: سألت الإمام الصادق عليه السلام عن وجوه الكفر في القرآن. فأجاب الإمام: الكفر في القرآن خمسة أنواع: 1. إنكار الله بدون تحقيق ومن باب الظن والتخمين؛ يقول الله تعالى: «وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يَهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ» (جاثیه: 24)؛ وقالوا: ليست إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر، وليس لهم في ذلك علم، إن هم إلا يظنون. 2. إنكار الله مع وضوح الحق؛ يقول القرآن: «وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيَقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ» (نمل: 14)؛ وأنكروا بها مع يقين أنفسهم ظلماً وعلواً، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين. 3. كفر النعمة؛ يقول الله تعالى: «قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ» (نمل: 40)؛ قال: هذا من فضل ربي ليبلوَني أأشكر أم أكفر، ومن شكر فإِنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإِن ربّي غني كريم. 4. كفر ترك الواجب؛ كما يقول الله تعالى: «وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ … أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ» (بقره:84 و 85)؛ وذكر حين أخذنا ميثاقكم ألا تريقوا دماءكم ولا تخرجوا أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون… أفأنتم تؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض؟ 5. كفر البغضاء؛ يقول القرآن: «وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةً بَيْنَكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا» (عنکبوت:25)؛ وقال: إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم في الحياة الدنيا، ثم يوم القيامة يكفر بعضكم بعضاً ويلعن بعضكم بعضاً.[20]
أظهر الإمام عليه السلام بطريقة موضوعية أن الكفر مثل الإيمان له مراتب؛ فالمرتبة العليا منه (المرتبة الأولى والثانية) تؤدي إلى الخلود في النار، والمراتب التالية (الثالثة والرابعة) تجلب فقط العذاب الإلهي، وبعض المسلمين يمتلكون هاتين المرتبتين؛ أما الوجه الخامس (كفر البراءة) فهو منفصل عن الوجوه الأربعة السابقة ويعني البُغض والبراءة.
٤. معنى الوحي
سُئل الإمام علي عليه السلام عن «الوحي» في القرآن، فأجاب: الوحي في القرآن ورد بمعانٍ متعددة وله الأقسام التالية:
- الوحي الرسالي [الوحي الخاص بالأنبياء]؛ يقول الله تعالى: «إِنَّا أَوْحَينا إِلَيكَ كَما أَوْحَينا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَينا إِلَى إِبْراهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ…» (نساء: 163)؛ كما أوحينا إلى نوح والأنبياء من بعده، أوحينا إليك وإلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان أيضاً.
- الهداية الفطرية؛ يقول القرآن: «وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ» (نحل: 68)؛ وأوحى ربك إلى النحل أن تتخذ من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومن ما يبنون من أعشاش.
- الإشارة الخفية؛ يقول الله تعالى: «فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا» (مریم: 11)؛ فخرج على قومه من المحراب وأوحى إليهم أن يسبحوا صباحاً ومساءً؛ أي أشار إليهم، وذلك بسبب الآية: «أَلَا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا» (آل عمران:41) التي تعني أن علامتك أن لا تتكلم مع الناس ثلاثة أيام إلا بالإشارة.
- التقدير والقياس؛ يقول الله تعالى: «وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا» (فصلت: 12)؛ وأوحى في كل سماء أمرها وقدر فيها أقدارها.
- الوحي بمعنى الأمر؛ يقول القرآن: «وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي» (مائده: 111)؛ واذكر حين أوحيت إلى الحواريين أن يؤمنوا بي وبرسولي.
- الوحي الكاذب؛ يقول الله تعالى: «… شَيَاطِينُ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ» (انعام: 112)؛ شياطين الجن والإنس يوحون بعضهم إلى بعض كلاماً مزخرفاً لخداع بعضهم البعض.
- الوحي الإخباري؛ يقول القرآن: «وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ» (انبیاء: 73)؛ وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا، وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وكانوا لنا عابدين.[21]
بيّن أمير المؤمنين عليه السلام بطريقة موضوعية معاني واستخدامات الوحي المتعددة، وأوضح أن الوحي في القرآن ليس فقط رسالة سرية من الله إلى الأنبياء، رغم أن أغلب استخدامات الوحي في القرآن تدور حول هذا المعنى.
٥. معنى الاصطفاء (اختيار الأئمة عليهم السلام)
في المجلس الذي عقده المأمون، كان الإمام الرضا عليه السلام وعدد من العلماء من العراق وخراسان حاضرين. سألوا الإمام عليه السلام: هل فسر الله في كتابه «الاصطفاء»؟ فأجاب الإمام عليه السلام: في القرآن، ظاهرياً (وليس باطنياً) ورد «الاصطفاء» [لأهل البيت عليهم السلام] 12 مرة:
- الآية: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» (شعراء: 214)؛ وأنذر عشيرتك الأقربين؛ أي قصد الله أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله.
- يقول الله تعالى: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا» (احزاب: 33)؛ يريد الله فقط أن يزيل عنكم الرجس، أي النجاسة، يا أهل البيت، ويطهركم تطهيراً. هذه الآية تبين فضيلة عظيمة لأهل البيت يعلمها الجميع.
- يقول القرآن: «تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ» (آل عمران: 61)؛ قل: هلمّوا ندعو أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنضع لعنة الله على الكاذبين. المقصود بالنفس في هذه الآية هو علي عليه السلام.
- يقول الله تعالى: «وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ» (اسراء: 26)؛ وأعط ذي القربى حقه. هذه من الخصائص التي خص الله بها أهل البيت.[22]
يعدد الإمام عليه السلام اثني عشر دليلاً من الآيات، ويستخدم طريقة موضوعية من القرآن نفسه ليبين أن المقصود بالاصطفاء في القرآن هم أهل البيت عليهم السلام الذين اصطفاهم الله وميزهم عن بقية الأمة.
٦. معنى الضلالة
يقول الإمام علي عليه السلام في جزء من حديث طويل: الضلالة (الضلال) في القرآن وردت بعدة وجوه:
- الضلالة المحمودة؛ وهي ضلالة الله التي يقول عنها: «يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ» (مدثر: 31)؛ الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء؛ أي يبعدهم عن طريق الجنة بسبب أعمالهم، بعد أن يبين لهم الطريق، لأن القرآن يقول: «وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ» (توبه: 115)؛ والله ليس من شأنه أن يضل قومًا بعد أن هدّاهم، إلا بعد أن يوضح لهم ما يجب أن يتقوه.
- الضلالة المذمومة [أن يضل شخص جماعة عن الدين الحق]؛ يقول الله تعالى: «وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ» (طه: 85)؛ والسامري أضلهم. «وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ» (طه: 79)؛ وفرعون أضل قومه ولم يهديهم. وهناك آيات كثيرة في هذا الشأن.
- الضلالة التي نُسبت إلى الأصنام؛ يقول الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام: «وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضَلَّنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ» (ابراهیم: 36)؛ اجعلني وأولادي بعيدين عن عبادة الأصنام، يا رب، فإنها أضلّت كثيرًا من الناس. في الحقيقة، الصنم لا يضل أحدًا، بل الناس يضلون بسبب عبادة الأصنام.
- الضلالة بمعنى النسيان؛ يقول الله تعالى: «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ» (بقره: 282)؛ واستشهدوا بشاهدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فبرجل وامرأتين ممن ترضون من الشهداء، لكي لا تضل إحداهما فتذكر الأخرى.[23]
يبيّن الإمام الأول للشيعة، علي عليه السلام، من خلال ذكر عدة آيات عن الضلالة أن الضلالة في القرآن لها وجوه متعددة ومعانٍ مختلفة، وأن نسبتها أحياناً إلى الله وأحياناً إلى غيره ليست متناقضة مع بعضها البعض.
في المجلد 93 من بحار الأنوار (من الصفحة 1 إلى 97) ذُكر جزء من تفسير منسوب إلى محمد بن إبراهيم النعماني من تلاميذ المرحوم الكليني، وهو يتضمن عدة تفاسير موضوعية، وقد أورد العلامة المجلسي ذلك كتفسير منقول عن أمير المؤمنين عليه السلام، ومن المحتمل أن يكون رواية واحدة أو أكثر.[24]
ومن هذه الروايات المتعددة، التي ذُكرت كمثال، يتضح أن أهل البيت عليهم السلام في أقوالهم لتفسير القرآن قد استخدموا أسلوب التفسير الموضوعي.
[1]. «… وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» (نحل:44)؛ وأنزلنا هذا القرآن إليك لتبيّن للناس ما نزل إليهم، ولعلهم يتفكرون.
[2]. علي أكبر بابايي، مكاتب تفسيري، قم، پژوهشكده حوزه و دانشگاه، 1381، ص 36 و136.
[3]. أول كتاب تفسيري مدوّن فسر جميع آيات القرآن هو كتاب جامع البيان في تأويل القرآن، تأليف محمد بن جرير الطبري (224-310 هـ) (انظر: محمدحسین ذهبی، التفسیر و المفسّرون، چ2، د.م.، دارالکتبالحدیثه، 1396هـ، ج 1، ص 205.).
[4]. مصطفى مسلم، مباحث في التفسير الموضوعي، الطبعة الثالثة، دمشق، دار القلم، 1421 هـ، ص 17.
[5]. نموذج بارز للتفسير الموضوعي في الماضي هو آيات الأحكام، حيث جمع المفسر الآيات بناءً على الموضوعات الفقهية ودرسها. أول أثر في هذا المجال هو أحكام القرآن تأليف محمد بن سائِب الكلبي المتوفى 146 هـ، وبعده كُتبت كتب أخرى في هذا المجال (انظر: محسن امین، اعیان الشیعه، بیروت، دارالتعارف للمطبوعات، 1406هـ، ج 1، ص 125 / ابن ندیم، الفهرست، چ 2، بیروت، دارالمعرفه، 1417هـ، ص 58.).
[6]. يقول الشهيد صدر: «المراجعة الموضوعية تعني طرح مسألة من المسائل العقائدية والاجتماعية والطبيعية، والاهتمام بدراستها وتقييمها من وجهة نظر القرآن حتى يتضح رأي القرآن فيها.» (محمد باقر صدر، المدرسة القرآنية، الطبعة الأولى، قم، مركز دراسة آثار الشهيد صدر، 1421 هـ، ص 27. وللاطلاع على بعض التعريفات الأخرى انظر: ناصر مكارم شيرازي وآخرون، رسالة القرآن، تفسير نموذجي موضوعي، قم، منشورات نسل جوان، 1370 ش، ج 1، ص 21 / جعفر سبحاني، منشور جاويد، أول تفسير موضوعي للقرآن، قم، دار القرآن الكريم، 1369 ش، ج 1، ص 23 / أكبر هاشمي رفسنجاني وآخرون، تفسير راهنما، قم، منشورات مكتب التبليغات الحوزوي، 1371 ش، ج 1، ص 39.
[7]. عبد الله جوادي آملي، المرأة في مرآة الجلال والجمال، طهران، رجا، 1369 ش، ص 50.
[8]. مثل كتاب المدخل إلى التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، تأليف محمد باقر موحد أبطحي، الذي جمع آيات القرآن حسب الموضوعات المختلفة وبالترتيب الطبيعي لها، لكنه ترك الحكم والاستنتاج للباحثين اللاحقين؛ وكذلك المعاجم الموضوعية التي كُتبت للقرآن من هذا النوع.
[9]. طرق التفسير الترتيبي هي: 1. رواية خالصة (المفسر يذكر فقط الروايات المتعلقة بالآيات)؛ 2. باطنية خالصة (المفسر يذكر فقط المعاني الباطنية والرمزية للآيات)؛ 3. اجتهادية (المفسر يبذل جهداً علمياً مناسباً لاكتشاف معاني الآيات). وهذه الطريقة حسب الاجتهاد المستخدم فيها تنقسم إلى: أ. اجتهاد روائي؛ ب. اجتهاد قرآن بقرآن؛ ج. اجتهاد أدبي؛ د. اجتهاد فلسفي؛ هـ. اجتهاد علمي؛ و. اجتهاد شبه شامل (انظر: مکاتب تفسیری، ص 24).
[10]. محمد تقي مصباح يزدي، معارف القرآن، قم، مؤسسة في سبيل الحق، 1367 ش، ج 3-1، ص 9.
[11]. سيد محمد حسين طباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، الطبعة الخامسة، قم، إسماعيليان، 1371، ج 1، ص 72.
[12]. تفسير راهنما، ج 1، ص 37 / هداية جليلي، منهجية التفاسير الموضوعية، طهران، كوير، 1372 ش، ص 92.
[13]. «ورُوي عن يونس عن الحسن أن عمر أتى بامرأة قد ولدت في ستة أشهر فهُمّ برجمها فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: إنك خاصمتني بكتاب الله، خصمتك، إن الله عز اسمه يقول: “وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا” (احقاف: 15) ويقول تعالى: “وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ” (بقره: 233) فإذا تمّت المرأة الرضاعة سنتين وكان حمله وفصاله ثلاثين شهراً، كان الحمل منها ستة أشهر، فخلّى عمر سبيل المرأة وثبت الحكم بذلك، يعمل به الصحابة والتابعون ومن أخذ عنه إلى يومنا هذا.» شيخ مفيد، الإرشاد، قم، مؤتمر الألفية لشيخ مفيد، 1413 هـ، ج 1، ص 207.
[14]. محمد بن مسعود عياشي، تفسير العياشي، تحقيق هاشم رسولي محلاتي، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1411 هـ، ج 1، ص 348.
[15]. «هذا الأسلوب من التفسير (القرآن بالقرآن) كما يتحقق بالتفسير الموضوعي يتحقق أيضاً بالتفسير الترتيبي.» (جعفر سبحانی، الایمان و الکفر فی الکتاب و السنه، قم، مؤسسه امام صادق علیهالسلام، 1416هـ، ص 212.)
[16]. «براعم التفسير الموضوعي تُرى أولاً في القرآن نفسه، وكما قلنا فإن أمر القرآن في تفسير آيات “المتشابه” بآيات “المحكم” هو نوع من التفسير الموضوعي.» (پیامقرآن، تفسیر نمونه موضوعی، ج 1، ص 23.) مصطفى مسلم في تاريخ التفسير الموضوعي، بعد أن اعتبر أساسه الأول في أحاديث النبي صلى الله عليه وآله، واعتبر هذا الأسلوب هو الذي يُطلق عليه لاحقاً اسم «تفسير القرآن بالقرآن»، يقول: «وضع العلماء قاعدة في أصول التفسير مفادها أنه يجب للمعرفة بكل آية من القرآن الرجوع إلى القرآن نفسه، [والقاعدة هي: [الموضوع الذي ذُكر إجمالاً في آية ورد تفصيله في آية أخرى، والمطلق الذي ذُكر في سورة ورد تقييده في سورة أخرى…» (مباحث فی التفسیر الموضوعی، ص 18.)
[17]. أبو جعفر محمد بن يعقوب، الكافي، تحقيق علي أكبر غفاري، بيشا، بيروت، دار الأضواء، 1405 هـ، ج 2، ص 34.
[18]. أشار الإمام إلى هاتين الآيتين: «وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا» (مریم: 32)، «وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا» (مریم: 14).
[19]. الكافي، ج 2، ص 285، ح 24.
[20]. الكافي، ج 2، ص 389، ح 1.
[21]. بحار الأنوار، ج 93، ص 16.
[22]. محمد بن علي صدوق، الأمالي، طهران، المكتبة الإسلامية، 1362 ش، ص 522.
[23]. بحار الأنوار، ج 93، ص 12.
[24]. «… أما في الحقيقة فإن الكتاب المعروف بتفسير النعماني هو رواية عن أمير المؤمنين عليه السلام قسم آيات القرآن إلى ستين نوعاً وذكر لكل نوع مثلاً.» (رضا أستادي، التعرف على تفاسير القرآن والمفسرين، قم، مؤسسة في سبيل الحق، 1377 ش، ص 6.

