الهيكل العام للحكم الإسلامي؛ شرح مبادئ الدستور الإسلامي من وجهة نظر الشهيد الصدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: ساختار کلی حکومت اسلامی؛ شرح اصول قانون اساسی اسلامی از دیدگاه شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

 

كتبه: الدكتور عبد الهادي فضلي[1]

ترجمة: عبد الله أميني‌

المصدر: فصلنامه علمی‌پژوهشی حکومت اسلامی، العدد 20

موضوع النقاش

مقالتنا في عرض وبيان المبادئ الأساسية الإسلامية التي وضعها الشهيد السعيد، السيد محمد باقر الصدر (قدّس الله نفسه الزكية) كأسس للدستور الإسلامي. كان الشهيد الصدر يعتزم في وقته كتابة هذا الدستور. هذه المبادئ كانت مقدمة لأنشطته الفكرية الإسلامية.

موضوعات النقاش

قبل بدء النقاش، نعرض مصادر المبادئ ونصوصها، لكي تتاح للقارئ الكريم الفرصة للاطلاع عليها والمشاركة والتفاعل مع الكاتب في صياغة المقالة والتعليق حول البحث. بعد ذلك ننتقل إلى بيان هذه الموضوعات:

تعريف المبادئ الأساسية وبيان أهميتها

وهي تحديد الهدف، شرح زمن وضع المبادئ، عددها، محتواها، تحديد المركز القانوني، مكانة وموقع المبادئ التاريخي، سريتها، السلسلة القانونية وشهرة الصدر العلمية.

مصادر المبادئ ونصوصها

هذه النصوص مأخوذة من كتابين:

  1. الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر: دراسة في سيرته ومنهجه، تأليف: محمد الحسيني، نسخة مطبوعة أولى، 1989 م- 1410 هـ، بيروت، دار الفرات، ص359-336؛
  2. تجديد الفقه الإسلامي: محمد باقر الصدر بين النجف وشيعة العالم، تأليف: شبلي الملاط، ترجمة: غسان غصن، بيروت، دار النهار للنشر، الطبعة الأولى، فبراير 1998م، ص33-48.

المبدأ الأول: الإسلام

الإسلام في اللغة يعني التسليم والخضوع، وبنفس المعنى ورد كصفة عامة للدين الإلهي في هذه الآية وآيات أخرى:

“إن الدين عند الله الإسلام”.[2]

المعنى الاصطلاحي للإسلام هو “العقيدة والشريعة” التي جاء بها الرسول الكريم محمد بن عبد الله (ص) من عند الله تعالى. المقصود من الإسلام في الآية التالية هو هذا المعنى:

“اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا”.[3]

المقصود بـ”العقيدة” هو مجموعة المفاهيم التي جاء بها رسول الله والتي من خلالها تعرفنا على الخالق والعالم والخلق والماضي والمستقبل للحياة ودور الإنسان فيها ومسؤوليته أمام الله. هذه المفاهيم تسمى “عقيدة” لأنها معارف قطعية ويقينية نعتنقها. أما “الشريعة” فهي مجموعة القوانين والنظام الذي جاء به النبي ويتناول جميع جوانب حياة الإنسان، سواء الفكرية أو الدينية أو الاجتماعية، بكل ألوانها الاقتصادية والسياسية وغيرها. لذلك الإسلام هو الأصل الكامل؛ لأنه عقيدة كاملة في الوجود، والنظام الاجتماعي – الذي يشمل مظاهر الحياة المختلفة – مستمد منها. الإسلام يلبي الحاجة الأوضح والأهم للإنسان، وهي الإطار الفكري والنظام الاجتماعي.

المبدأ الثاني: المسلم

المسلم نوعان:

المسلم الحقيقي، الذي أسلم بإيمان ويقين بالله ويوم القيامة ورسالة النبي، والقرآن – في كثير من المواضع – لم يصفه بـ”المؤمن” ولم يعارضه بـ”الكافر”.

المسلم الظاهري، الذي قال الشهادتين ولم يُرَ منه إنكار لضرورات الدين.

في عرف الدولة، كل من قال الشهادتين يعتبر مسلماً، وله حقوق وواجبات متساوية مع بقية المسلمين.

الدليل الشرعي على هذا الاعتقاد:

أولاً: سيرة النبي والمسلمين مع من أسلموا تحت ضغط التهديد بالقتل، وكان قبول إسلامهم بمجرد قول الشهادتين.

ثانياً: سيرة النبي – كما يشهد القرآن الكريم – مع الأشخاص الذين كان نفاقهم معروفاً.

ثالثاً: نصوص السنة التي تؤكد أن تطبيق أحكام الإسلام مرتبط بقول الشهادتين.

بناءً عليه، تساوي الدولة الإسلامية في الحقوق والواجبات والأحكام العامة الإسلامية مثل الطهارة، جواز الزواج ودخول المساجد، بين جميع من يقول الشهادتين؛ مع أن الدولة لا يمكنها أن توكل مهام مهمة لمن هم ظاهرياً مسلمون ولكن يخشى من نفاقهم وريائهم، لأن ذلك قد يضر الإسلام أو يشكله خطراً؛ كما يمكن للدولة مراقبتهم وتقييد نشاطاتهم بما يتناسب مع مصالح الإسلام العليا.

من الجدير بالعلم: أن توبة المرتد – سواء كانت وطنية أو فطرية – تُقبل من قبل الدولة، ويُقبل إسلامه – سواء كان حقيقياً أو ظاهرياً – وبناءً على رأي فقهي – الذي اعتمده الدين – يُعامل معاملة باقي المسلمين.

المبدأ الثالث: الوطن الإسلامي

الوطن الإسلامي هو أي مكان في العالم يعيش فيه المسلمون. من الضروري التمييز بين استحقاق الدولة الإسلامية لامتلاك الأرض وخصائص الوطن الإسلامي التي

يمكننا وصف أرض ما بها.

استحقاق الدولة الإسلامية لامتلاك الأرض نوعان:

النوع الأول: استحقاق سياسي؛ فالدولة الإسلامية، لأنها مسؤولة عن إدارة وتدبير السياسة العامة للإسلام، أي هي المسؤولة عن الكيان والنظام السياسي ذي الأصل الإسلامي، وشرعاً ملزمة بتطبيق النظام السياسي الإسلامي والدفاع عنه وتوسيعه، فهي تستحق امتلاك أرض. نطاق هذا الاستحقاق غير محدود؛ لأن النظام السياسي للدولة الإسلامية مبني على أصل فكري شامل وعام، وبناءً عليه لا فرق بين الأراضي والبلدان؛ لذلك الإسلام الذي يظهر في الدولة الإسلامية هو شرعاً صاحب جميع الأراضي:

“ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون”.[4]

لذلك، الدولة الإسلامية – من الناحية السياسية – لها الحق في امتلاك جميع أراضي العالم. طريقة استخدام هذا الحق وشكل تطبيقه يعتمد على دين ومذهب سكان تلك الأراضي، سواء كانوا مسلمين أو ذميين أو كفار غير ذميين… الأحكام الشرعية المتعلقة بسياسة الدولة الخارجية توضح هذا الأمر.

النوع الثاني: استحقاق ملكي؛ فالحكومة الإسلامية، لأنها أعلى ممثل للأمة الإسلامية ووكيل شرعي لهم في حقوقهم وأملاكهم، فهي تستحق امتلاك هذه الأراضي.

محدودة هذه الأراضي هي أراضي الخراج، وهي أملاك عامة للأمة الإسلامية التي تمارس الدولة عليها الولاية، وتكون وكيلة في شؤونها لتدبيرها بما يتوافق مع مصالح الأمة. الأحكام الشرعية المتعلقة بالأملاك العامة للأمة توضح هذا الأمر.

من الواضح أن خصائص الوطن الإسلامي تختلف بحسب الاستحقاق السياسي والملكي؛ فالاستحقاق السياسي للأراضي للدولة يعود إلى أن حماية المبدأ الإسلامي تقع على عاتق الحكومة، التي تمنحها الحق في امتلاك الأراضي لتنفيذ متطلبات الإسلام وفق القوانين الشرعية. أما الاستحقاق الملكي فهو بسبب امتلاك الأملاك العامة، مما يمنح الدولة الحق في تنفيذ متطلبات الأمة وفق مصالحها.

هذا الاستحقاق، بطبيعته، حكم شرعي يجب استنباطه من الأدلة الشرعية وتحديد نطاقه. أما تحديد الأراضي التي يمكن اعتبارها وطنًا إسلاميًا، فليس حكمًا شرعيًا، بل المرجع فيه هو العرف السليم الذي يعرف الوطن الإسلامي بأنه: كل مكان يعيش فيه المسلمون هو وطن إسلامي.

المبدأ الرابع: الدولة الإسلامية

تنقسم الدولة إلى ثلاثة أنواع:

النوع الأول: الدولة القائمة على فكر معارض للإسلام، مثل الدولة الشيوعية والدولة الرأسمالية الديمقراطية.

الأساس الفكري للدولة الشيوعية والرأسمالية، رغم عدم تعاملهما بشكل محدد وواضح مع الحياة والوجود، إلا أنه يتعارض مع نظر الإسلام في المجتمع وتنظيم الحياة؛ لذا تُعتبر هذه الدولة كافرة، وكل طاقتها موجهة للدعاية ونشر الفكر المضاد للإسلام ومقاومة كل ما يخالفه، ومن بين هؤلاء المعارضين الإسلام بعقيدته وأفكاره وقوانينه.

حكم الإسلام في شأن الدولة الكافرة هو أن المسلمين – إذا استطاعوا – يجب أن يقاتلوها، وباستخدام وسائل وأساليب دعوية ونضالية مختلفة، يخلصوا الإسلام من خطرها؛ لأن الإسلام – حتى لو كان مجرد عقيدة – معرض للخطر ويتعرض لهجوم الدولة الكافرة. لذلك، يجب أن يكون المسلمون في حالة جهاد للدفاع عن الإسلام، مع أن وجوب الجهاد مع هذا العدو لا يعني القيام بأعمال بلا نتيجة إيجابية تعرض المجاهدين للخطر.

النوع الثاني: الدولة التي لا تمتلك إطارًا فكريًا محددًا، كما هو الحال في الحكومات القائمة على إرادة الحاكم الشخصية ورغبته، أو حكومة تخضع لإرادة ومصالح أمة أخرى.

هذه الدولة ستكون دولة كافرة، وليست دولة إسلامية؛ حتى لو كان الحاكم والمحكومون جميعًا مسلمين، لأن صفة إسلامية الدولة لا تعتمد على انتماء الأشخاص الحاكمين للإسلام، بل يجب أن تكون الدولة، بوصفها هيئة حاكمة، مخلصة للإسلام؛ بمعنى أن تكون ثابتة على الإطار الإسلامي، وتأخذ التشريع والنظرية الحياتية والاجتماعية من الإسلام. وأي دولة لا تحقق ذلك ليست إسلامية.

عندما يكون الكفر هو النقيض والمتضاد الوحيد للإسلام، يمكننا اعتبار كل دولة غير إسلامية دولة كفر، وكل حكم غير إسلامي حكمًا كافرًا؛ لأن كل حكم إما إسلامي أو كافر وجاهلي. فإذا لم يكن الحكم إسلاميًا وملتزمًا بالقالب الإسلامي، فهو حكم كفر وجاهلية، حتى لو كان الحاكم مسلمًا ومتعبدًا بعبادة الإسلام. في الحديث الشريف: “الأحكام نوعان؛ حكم الله عز وجل وحكم الجاهلية؛ فمن أخطأ في حكم الله فقد وصل إلى حكم الجاهلية.”

العقيدة والفكر الإسلامي لا توجه قتالًا ضد هذه الدولة، ولكن بما أن هذه الدولة قد انحرفت عن أساسها، فلا يضمن الإسلام بقاؤها، ويصبح وجودها مهددًا.

الحكم الشرعي في شأن هذه الدولة هو أنها ليست دولة شرعية، ويجب على المسلمين تدميرها وتحويلها إلى دولة إسلامية؛ مع أن وجوب التحويل لا يعني القيام بأعمال بلا نتائج إيجابية تعرض المجاهدين للخطر. كما أن شدة وضعف الأساليب المستخدمة في التدمير والتحويل تُقيَّم بحسب مدى الخطر الذي يهدد الإسلام، وبما يتناسب مع قدرات المجاهدين واحتمال تحقيق نتائج لصالح الإسلام.

النوع الثالث: الدولة الإسلامية القائمة على الإسلام الذي تشريع وفقه؛ أي أن مراكز التشريع تعتمد على الإسلام، وأن وجهات نظر الدولة حول الوجود والحياة والمجتمع مستمدة من المفاهيم الإسلامية. وهذه الدولة الإسلامية تنقسم إلى ثلاثة أنواع:

أولًا: أن تكون جميع تشريعات الدولة مستمدة من الإطار الفكري للإسلام، بحيث تكون مصادر السلطات التشريعية والتنفيذية، بشكل مضمون ودون تقصير أو خطأ، متوافقة ومنسجمة مع متطلبات وأحكام الإسلام. وإذا كانت السلطة الحاكمة معصومة من الخطأ والهوى، فإن هذا الوضع ممكن، كما في عهد النبي وأمير المؤمنين(ع). ووفقًا للإسلام، فإن طاعة هذه الدولة واجبة، ورفض أوامرها وقراراتها في كل الأحوال غير جائز، لأنها تعبر عن السلطة الحاكمة الإسلامية.

ثانيًا: أن تكون بعض التشريعات والقرارات التنفيذية، بسبب جهل السلطة الحاكمة بحقيقة الحكم الشرعي أو الموقف، غير متوافقة مع الإسلام. وحكم الإسلام في شأن هذه الدولة هو:

  1. على المسلمين العارفين واجب تعليم الأحكام الإسلامية لمن لا يعلمون، وخاصة السلطة الحاكمة، ليحرصوا على تعليمها للأحكام الإسلامية التي لا تعرفها الدولة.
  2. على المسلمين واجب طاعة السلطة الحاكمة في جميع الحقوق والمجالات التي تمتلك فيها السلطة الشرعية والكفاءة.
  3. إذا أصرّت السلطة الحاكمة بحسن نية على رأيها الخطأ، ولم يستطع المعارضون إثبات رأيهم، وكان الأمر من الأمور التي تتطلب وحدة الرأي، مثل الجهاد والضرائب، فيجب على المعارضين – رغم اعتقادهم بخطأ الدولة – طاعة الأمر، أما إذا لم تكن وحدة الرأي ضرورية في المسألة، فيجوز للمعارضين أن يعملوا في ذلك الموضوع الخاص باجتهاد مخالف لرأي الدولة.

ثالثًا: أن تنحرف الحكومة في نشاطاتها التشريعية والتنفيذية عمدًا وبسبب توجه غير مسؤول أو رأي مفاجئ، فتخالف الإطار الأساسي للإسلام.

الإسلام في شأن هذه الدولة، يعتقد ما يلي:

  1. إزاحة السلطة الحاكمة وتحويلها على المسلمين واجب؛ لأن العدل من شروط الحكم في الإسلام، وعندما ينحرف الحاكم عن المقصود في الإسلام، يزول العدل، وبالتالي تصبح سيطرته غير شرعية. وفي هذا الشأن يجب على المسلمين – دون وقوع حرب أهلية – إزاحة السلطة الحاكمة.
  2. إذا لم يستطع المسلمون عزل الهيئة الحاكمة، فعليهم أن يمنعوها من المعصية وفق أحكام الشريعة المقدسة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
  3. إذا استمرت الدولة المنحرفة في سيطرتها، فإن سيطرتها تكون غير شرعية، ولا يلزم اتباع أوامرها وقراراتها – في الحالات التي تكون فيها طاعة ولي الأمر واجبة – إلا في الحالات التي تقتضيها المصلحة العليا للإسلام، مثل مواجهة الدولة لخطر تهديد أو غزو كفري، ففي هذه الحالة يجب على المسلمين – رغم انحراف الدولة – دعمها وتنفيذ الأوامر التي تؤدي إلى نجاة الإسلام والأمة من الغزو والخطر.

الدول الثلاث التي ذكرناها هي دول إسلامية، لأنها من الناحية الفكرية مبنية على الإسلام، ونظامها قائم على الإطار الإسلامي، ولا ينفي مجرد حدوث تناقض بين القاعدة التي تقوم عليها وبعض مظاهر الحكم الإسلامي، إسلاميتها، كما هو الحال مع أي دولة مبنية على أي أساس فكري، حيث توصف وتسمى بخصائص تلك القاعدة، رغم حدوث بعض التنافر في الجهاز الحاكم.

وبموجب أحكام الشريعة المقدسة، في كل هذه الحالات، تترتب على الدولة الإسلامية بعض الأحكام الفقهية، مثل براءة الذمة من الزكاة لمن يدفعها إلى الدولة الإسلامية.

المبدأ الخامس: الدولة الإسلامية دولة فكرية

بما أن الدولة هي المظهر الأعلى للوحدة السياسية التي توجد بين مجموعة من الناس، يجب أن تكون وحدة الدولة انعكاساً للوحدة العامة الموجودة بين الجماعات. الوحدة العامة بين الناس التي تتجلى في الوحدة السياسية تكون أحياناً بسبب الوحدة العاطفية وأحياناً بسبب الوحدة الفكرية.

الوحدة العاطفية هي عاطفة مشتركة ومُحسوسة بين مجموعة من الناس لأسباب مختلفة، مثل العيش في منطقة محددة بحدود جغرافية معينة أو الانتماء إلى جماعة ذات عرق معين أو تاريخ محدد. أما الوحدة الفكرية فهي إيمان جماعي لفئة من الناس بفكرة واحدة في الحياة، تبنون عليها وحدتهم السياسية. هذه الوحدة طبيعية ويجب أن يُبنى النظام السياسي الموحد – الذي تتجلى فيه الدولة – على أساسها. الوحدة العاطفية لا تملك هذه الأهلية؛ لأنها بطبيعتها لا تتناول الموقف السياسي للأمة ونظرياتها العملية في الحياة، وبالتالي لا يمكن أن تجلب دولة ونظاماً للأمة، لأن الفكر هو الذي يخلق الدولة والنظام؛ ومن ثم فإن العصب الطبيعي للدولة هو الفكر. الوحدة التي تستحق أن تكون العامل العلمي للوحدة السياسية المتجسدة في الدولة هي الوحدة الفكرية.

لذلك يمكننا تقسيم معظم الدول إلى ثلاثة أقسام:

  1. الدولة الإقليمية التي تتجلى وحدتها السياسية في الوحدة الإقليمية.
  2. الدولة القومية التي تكون وحدتها السياسية بسبب قومية موحدة ومتحدة.
  3. الدولة الفكرية التي تكون وحدتها السياسية بسبب وحدة فكرية معينة؛ والدولة الإسلامية من النوع الثالث.

من خصائص الدولة الفكرية أنها تحمل رسالة فكرية، ولا تقبل أي حدود سوى حدود ذلك الفكر، وبذلك تكون مؤهلة لتحقيق رسالتها في أوسع نطاق بشري ممكن. كما أن الدولة الإسلامية تحمل رسالة فكرية إسلامية؛ لأن الإسلام دعوة لكل البشرية، وقد بُعث النبي لأزمنة وأمكنة مختلفة بغض النظر عن الخصائص القومية والإقليمية، كما يقول الله تعالى:

“وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون”؛[5] “قل أي شيء أكبر شهادة، قل الله بيني وبينكم ووحى إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ”.[6]

وهناك آيات ونصوص أخرى لا تترك مجالاً للشك في أن الإسلام رسالة عالمية – وليست إقليمية أو قومية -.

المبدأ السادس: هيئة الحكم في الإسلام

تعريف الحكم في الإسلام: الحكم في الدولة الإسلامية يعني مراعاة وإدارة شؤون الأمة وفق الشريعة الإسلامية؛ ولهذا السبب كثيراً ما يُطلق على الحاكم “الراعي” وعلى المحكومين “الرعية”، كما في الحديث الشريف:

“كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته”.

الإدارة الشرعية تعتمد على أمرين:

أولاً: التنفيذ العملي لإدارة شؤون الأمة وتطبيق أحكام الإدارة الإسلامية؛

ثانياً: أن تكون الإدارة متوافقة مع شكل الحكم وطريقة الإدارة الإسلامية.

لذا إذا أرادت الإدارة أن تكون شرعية، فلا ينبغي الاكتفاء بتطبيق الدستور والقوانين الإسلامية الأخرى المتعلقة بإدارة شؤون الأمة – مثل الجهاد والاقتصاد والعلاقات السياسية – بل يجب أن يُراعى في الإدارة نفسها تطبيق الدستور والقوانين الإسلامية؛ لأن إدارة شؤون الأمة من شؤون الأمة وواجب أن تكون بالشكل الذي حدده الإسلام.

الأمور المهمة التي هي هدف ومطلب الدولة الإسلامية

الدولة الإسلامية تطلب عدة أمور مهمة هي:

أولاً: بيان الأحكام؛ أي القوانين التي بيّنتها الشريعة الإسلامية المقدسة بصياغة وثابتة ومحددة.

ثانياً: وضع التعاليم والتعليمات التي هي تفاصيل قانونية تُنفذ الأحكام الشرعية – حسب الحالة – بناءً عليها. ومن مجموع هذه التعاليم يتشكل النظام الحاكم لفترة معينة، طويلة أو قصيرة، حسب الوضع القائم.

ثالثاً: تنفيذ أحكام الشريعة – الدستور – والتعليمات المستمدة منه – القوانين واللوائح – بين الأمة.

رابعاً: القضاء في الخصومات التي تقع بين الأفراد أو بين الراعي والرعية، باستخدام الأحكام والتعليمات.

شكل الدولة الإسلامية:

الدولة الإسلامية على شكلين:

أولاً: الحكم الإلهي

الشكل الإلهي هو حكم الفرد المعصوم الذي يستمد صلاحياته مباشرة من الله، ويقوم بالحكم بتعيين خاص من الله – دون تدخل الناس وآرائهم.

وبلا شك وبإجماع المسلمين، هذا الشكل من الحكم ثابت في الإسلام. يتفق المسلمون على أن سيادة رسول الله كانت من هذا النوع، كما يقول الله تعالى: “النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم”؛[7] “أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم”؛[8] “وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً”.[9] وهناك نصوص أخرى في هذا المجال.

البيعة التي كان رسول الله يأخذها من المسلمين لم تكن تعني أنه يستمد صلاحية حكمه منهم، والمشاورة التي أمر بها في الآية “وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله”[10] لم تكن تعني أن حكمه مقيد برأي الأمة ومأخوذ منه؛ لأن الله تعالى لم يجعل نتيجة المشورة واجبة عليه، بل جعل الأمر مرهوناً بعزمه وقراره.

لذا، لا شك في وجود شكل الحكم الإلهي في الإسلام، ولا خلاف بين المسلمين في وقوعه، بل الخلاف في تحديد الأشخاص الذين ثبت لهم حق تولي الحكم بهذا الشكل، وهل بعد النبي أحد له هذا الحق أم لا؟ أهل السنة يرون أن هذا النوع من الحكم خاص برسول الله فقط، والشيعة يقولون إن هذا الحكم خاص بعد رسول الله للأئمة الاثني عشر الذين ورد ذكرهم بشكل خاص.

مع مراعاة الأمور الأربعة المهمة المذكورة أعلاه التي هي مطلب الحكم الإسلامي، يتضح أن صلاحيات الحاكم المعصوم تشمل الأمر الأول المهم (بيان الأحكام)، لأنه هو المبشر والناقل للشريعة إلى الأمة. وكذلك الأمر الثاني والثالث (وضع التعليمات وتنفيذ الأحكام) من صلاحياته؛ لأنه الحاكم، وكذلك الأمر الرابع المهم (القضاء) من صلاحياته؛ لأن مقام القاضي الأعلى له. فهو بما أنه المبشر والحاكم ورئيس القضاء الأعلى، يتولى الأمور الأربعة المهمة، أما في شأن الحاكم غير المعصوم – كما سنرى – فهناك اختلاف في الرأي.

ثانياً: الحكم الشورائي أو حكم الأمة

[مرّ أن الحكم الإسلامي على نوعين: إلهي وشورائي.]

الدليل الشرعي لهذا النوع من الحكم هو الآية “وأمرهم شورى بينهم”[11]. الآية الكريمة تتحدث عن صفات المؤمنين الذين يستحقون المدح والثناء، وتدل على أن الشورى مرضية عند الله؛ أي حيث لا يوجد نص من الله والرسول، فإن الطريق الصحيح هو الشورى، أما حيث يوجد نص فلا تكون الشورى معتبرة؛ لأن الله يقول:

“وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم”.[12]

فإذا لم يحكم نص شرعي بحكم معين، فمشورة المسلمين جائزة.

ومن الواضح أن شكل الحكم للزمان الحاضر لم يرد فيه نص خاص في المذهب الشيعي أو السني، وفي عصر الغيبة يكون الحكم شورائياً؛ إذ يمكن للأمة أن تقيم حكماً تستمد أهليته وصلاحياته في تنفيذ أحكام الشريعة ووضع وتنفيذ التعليمات من الأمة. هذا الحكم سيكون بالشكل والحدود التي تتوافق أكثر مع مصالح الإسلام والأمة. وعلى هذا الأساس، أي حكم شورائي ضمن الحدود الشرعية يكون صحيحاً.

وقد قيدنا كيفية تنفيذ حق الدولة من قبل الأمة بالحدود الشرعية؛ لأنه لا يجوز للأمة أن تختار طريقة تنفيذ مخالفة للأحكام الشرعية، مثلاً تسليم زمام الأمور إلى فاسق أو فاسقين؛ لأن الإسلام نهى عن الوثوق بكلام الفاسق في الشهادة والإقرار، فكيف بتسليم الحكم وإدارة شؤون الأمة له؟ لذا يجب على الأمة مراعاة الحدود الشرعية في كيفية اختيار الحكم والجهاز المسؤول عنه.

الأصل السابع: تنفيذ الحكم الشورائي في وضع الأمة الحالي

علمنا أن الحكم الشورائي – إذا لم يكن هناك حكم إلهي سابق ولم يكن هناك نص شرعي على كيفية معينة في تنفيذ الحكم – صحيح؛ لذا يجب أن نعرف شروط تشكيل الحكم والجهاز الحاكم من قبل الأمة:

  1. تشكيل الحكم واختيار الجهاز الحاكم، بالإضافة إلى مراعاة الحدود الشرعية الإسلامية، يجب ألا يكون مخالفاً للأحكام الثابتة في الإسلام.
  2. اختيار شكل الحكم والجهاز الحاكم يجب أن يكون أكثر توافقاً مع مصلحة الإسلام، بمعنى اختيار أفضل شكل وأفضل الأشخاص للإسلام – لأنه دعوة عالمية وأساس الدولة.
  3. الحكم والحكام يجب أن يكونوا أكثر انسجاماً مع مصلحة المسلمين – لأنهم أمة ذات رسالة ولها جانب الرفاه المادي.

ومن الواضح أن تشكيل الحكم والجهاز الحاكم بهذه الشروط مرهون بوعي الأمة بالإسلام – من جهة – ومعرفة الوضع الحيوي والدولي – من جهة أخرى. فإذا كان لدى عموم الأمة هذا الوعي، يمكنهم تحديد شكل الحكم واختيار هيئة قادرة على إدارة الأمور. في تنفيذ هذا الحق، جميع المكلفين من الأمة سواء رجالاً أو نساءً المسلمين الذين بلغوا السن الشرعي متساوون.

إذا لم تكن الأمة، بسبب غياب الوعي العام بالإسلام، مستوفية للشروط المذكورة، وبالتالي لم تعرف الحدود الشرعية التي يجب مراعاتها في تشكيل الحكومة والجهاز الحاكم – كما يقتضي مصلحة الإسلام والأمة – وبما أن بداية الدعوة تتطلب وجود أمة واعية بحدود الإسلام ومصالحه ومطلعة على وضع الزمان ومصلحتها، فلا بد من رسم شكل مؤقت للحكم الإسلامي، واختيار جهاز حاكم، ليحدث وضع مناسب يُستشار فيه الأمة لاختيار شكل الحكم.

المبدأ الثامن: اختلاف الأحكام والتعاليم الشرعية

الأحكام المقدسة للشريعة الإسلامية هي أحكام ثابتة مستمدة من الأدلة الأربعة: الكتاب، السنة، الإجماع والعقل؛ ولذلك لا يجوز تحويل أو تغيير هذه الأحكام؛ لأنها ذات بنية محددة تشمل جميع الأحوال والظروف؛ فلا بد من تنفيذها دون تحريف. ومن ذلك، يجب على الأمة الإسلامية أن تبقي ما في وسعها من استعداد لمواجهة أعداء الإسلام. وهذا الاستعداد حكم شرعي، وقد ورد التصريح به في بعض أدلة الشريعة: “وَأَعِدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ”.[13]

الحكم الثابت يشمل جميع الأحوال والظروف. أما التعميمات واللوائح فهي تنظيم وتفصيلات الدولة التي تتطلبها طبيعة الأحكام الشرعية لكل زمان؛ ولذلك القوانين قابلة للتغيير حسب وضع الدولة. مصدر التغيير في هذه القوانين هو أنها لم ترد نصوصاً صريحة في الشريعة، لكنها تُستنبط من الأحكام الشرعية بحسب الظروف المتغيرة.

كل حكم يدل عليه دليل شرعي واضح يدخل ضمن الأحكام الشرعية، مثل وجوب الصلاة والزكاة والخمس والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكل التفاصيل المحددة التي جاءت بها الشريعة المقدسة.

ومثال ذلك في التعليم، إلزام المسلمين القادرين على تعلم فنون القتال، وهو حكم شرعي غير ثابت في كل زمان، ولا تدل عليه الأدلة الأربعة بشكل محدد؛ لذلك في زمن رسول الله (ص) لم يكن هناك إلزام بالتعليم – إلا في حالات قليلة – لأن وسائل القتال كانت بسيطة ومتاحة للناس، وكان التعليم عاماً، أما في الوضع الحالي، فإن التعليم العسكري أصبح من أسباب القوة، والاستمرار في ذلك والاستعداد له واجب، وهو من التعليمات التي تقتضيها طبيعة الحكم القانوني لوجوب إعداد القوة الدفاعية. وكذلك كل الأحكام والقوانين التي تقتضيها طبيعة الأحكام الشرعية في بعض الظروف تدخل ضمن اللوائح والتعليمات، مثل قانون قوة الشرطة وقانون الاستيراد والتصدير وقوانين التعليم واكتساب التخصص وقانون العمل وغيرها، التي تقتضيها طبيعة الأحكام الشرعية في بعض الأحوال.

وبناءً على ما تقدم، ندرك أن مصطلح “الدستور الإسلامي” عندما يُطلق على الشريعة المقدسة، أوسع من المصطلح المعتاد للدستور؛ لأنه يشمل جميع الأحكام الدائمة للشريعة، ومجموع هذه الأحكام يُعتبر الدستور، كما أن وصف اللوائح والقوانين بالأحكام الشرعية وصف صحيح، رغم أنها أحكام مؤقتة. هذه القوانين تكتسب صفة شرعية، وبمقتضى الأحكام الشرعية يجب تنفيذها شرعاً، وقد قبل الجهاز الحاكم العادل وضعها لإدارة وحفظ مصالح الأمة ومصالح الإسلام العليا.

ونعلم أيضاً أن المرونة التشريعية التي تجعل أحكام الإسلام مناسبة لكل الأزمنة لا تعني أن الإسلام سكت عن جوانب الحياة المتغيرة، أو أتاح للمتغيرات التشريع في الحياة، بل قدم الإسلام برامج ثابتة وواسعة النطاق للجوانب المتغيرة، بحيث لا تؤدي التحولات المدنية للبشر إلى تغيير هذه البرامج، بل تؤثر في القوانين والتعليمات التي تتعلق مباشرة بتنظيم الحياة في أزمنة قصيرة أو طويلة.

المبدأ التاسع: بيان أحكام الشريعة وتعيين القضاة ليست من مهام الحكومة

علمنا أن إقامة الدولة الإسلامية لأربعة أمور مهمة:

  1. بيان أحكام الشريعة (الدستور)؛
  2. وضع اللوائح والتعليمات؛ القوانين التي تقتضيها طبيعة الأحكام الشرعية في الزمان الحاضر؛
  3. تنفيذ أحكام الشريعة والقوانين؛
  4. القضاء في المنازعات والاختلافات.

هذه الأمور المهمة، رغم ضرورتها للدولة، ليست كلها من اختصاص إدارة شؤون الأمة، بحيث تكون من صلاحيات الحكومة لمجرد كونها حكومة.

بيان أحكام الشريعة من قبل المعصوم عليه السلام ليس بسبب كونه حاكماً، بل لأنه المبلّغ والمكلف بإيصال الأحكام الإلهية إلى الناس. وكذلك القضاء بين الناس وتنظيم الجهاز القضائي وعزل القضاة غير الأكفاء، يكون لأنه قاضي القضاة. في الحكومة الشورية التي تقيمها الأمة في زمن غيبة المعصوم، لا يختص حق بيان أحكام الشريعة والدعوة إليها بهذه الحكومة فقط، كما أن القضاء في المنازعات ليس حكراً على الدولة. ولا يستطيع أي من الحكام أو غيرهم، مثل قاضي القضاة، تعيين القضاة أو عزلهم.

هذان الأمران المهمان (بيان أحكام الشريعة وتعيين القضاة) يتمان على النحو التالي:

  1. بيان الأحكام الشرعية واجب على كل عالم مجتهد بلغ في السلوك والصفات مرتبة العدل، ولا يحق إلا للمجتهد العادل أن يبيّن الأحكام الشرعية مستفيدًا من الأدلة الأربعة، ويسمى بيان الحكم الشرعي بالافتاء- الفتوى.

إذا كان في الأمة مجتهد عادل واحد فقط، وهو الذي اختير من قبل الأمة وتُوكل إليه السلطة، فإن أمرَي الحكم والافتاء يكونان على عاتقه. وإذا كان هناك مجتهدون عادلون كثيرون وكانت نتيجة استنباطهم واحدة، فلا مشكلة في ذلك، ولكن إذا كان هناك اختلاف في بيان الأحكام الشرعية بينهم، فلا بد من مراعاة طبيعة الحكم المختلف فيه؛ فإذا كان حكمًا يلزم أن تقبل الدولة اجتهادًا محددًا وتجعله اجتهاد الحاكم في المجتمع الإسلامي – مثل الأحكام المتعلقة بالسياسة والاقتصاد والدفاع – فيجب أن يكون الحاكم نفسه مجتهدًا، أو يختار من بين الاجتهادات اجتهادًا معينًا ويقبله؛ لأن اختيار وقبول اجتهاد محدد يعد من مراعاة شؤون الأمة، وهو من الواجبات الشرعية للحاكم.

قبول اجتهاد محدد من قبل الدولة لا يمنع المجتهدين المخالفين من العمل باستنباطهم أو إبداء آرائهم، بل يعني أن الاجتهاد المختار من قبل الدولة فقط هو الذي يجب تنفيذه والعمل به.

إذا كان الحكم المختلف فيه بين المجتهدين من الأحكام التي لا يلزم أن يكون للدولة فيها وحدة عملية، ولا يضر اختلاف الرأي والعمل بين الأفراد – وفقًا لاختلاف المجتهدين في الآراء – كيان الأمة والمجتمع، فلا يجوز للدولة في هذه الحالة أن تقبل اجتهادًا معينًا، بل يعمل كل مسلم برأي مجتهده أو برأيه الخاص – إذا كان مجتهدًا.

  1. القضاء في نظر الإسلام هو صبغة خاصة من دولمة الحكم؛ لأنه إشراف على شؤون الأمة في المنازعات، وهو ما يُطلق عليه في لغة الشريعة “القضاء”، والمتولى له هو القاضي، لا الحكم أو الحاكم.

حق القضاء للحاكم لا يثبت لمجرد كونه حاكمًا، بل يثبت لمن نصت عليهم الشريعة بنص خاص، مثل القضاة الذين كان المعصوم (ع) يعينهم في زمانه، أو الذين يُعينون بنص عام، مثل المجتهدين العادلين في الوقت الحاضر.

لكل مجتهد عادل حق القضاء. في المجتمع الإسلامي، يستمد القاضي هذا الحق من نصوص الشريعة التي تعتبر القضاء حقًا لكل مجتهد عادل – وليس لهيئة الحكم.

نتائج هذا الأمر هي:

أ) لا يمكن للدولة أن تنتزع حق القضاء من المجتهد العادل – الذي ثبت له هذا الحق في الإسلام – بل يجب عليها قبول قضائه وتنفيذه؛ كما لا يمكنها أن تمنح هذا الحق لغير المجتهد العادل.

ب) يجب على الدولة زيادة عدد المجتهدين العادلين ليقوموا بأمر القضاء وتلبية حاجة الأمة إلى المحاكم وحل المنازعات؛ لأن هذا من الأمور الواجبة في إشراف الأمة.

ج) إذا اختلف المجتهدون العادلون في الحكم، فهناك حالتان:

الأولى: أن يعود الاختلاف إلى اختلاف استنباط الأحكام الشرعية؛

الثانية: أن يكون الاختلاف في التنفيذ.

إذا كان اختلاف الحكم متعلقًا باختلاف الاجتهاد، وكانت مصلحة الأمة تقتضي إقامة القضاء بناءً على حكم شرعي معين، فيجب على الحاكم أن يقبل اجتهادًا معينًا ويلزم جميع المجتهدين العادلين بالحكم بناءً عليه. كل مجتهد يتفق مع ذلك الاجتهاد يكون قد قضى برأيه، ومن يخالفه يقضي بوكالة عن المجتهد الذي يقبل الرأي الذي تريده الدولة. قبول هذا الرأي واجب على الحاكم، لأنه من الأمور الواجبة في إشراف الأمة. أما إذا كان اختلاف الحكم لا يضر بنظام المجتمع وسكينته، فيجب منح حرية القضاء وفق الاجتهاد لكل مجتهد.

إذا كان اختلاف الحكم بسبب اختلاف المجتهدين في تنفيذ الحكم الشرعي – رغم وحدة الرأي الأساسي – مثلًا قاضٍ يعتبر شهادة زيد وعمرو بينة شرعية، وقاضٍ آخر يعتقد بفسق الشاهد، فهذا الاختلاف ليس بمشكلة تستدعي تدخل الحكومة؛ وبالتالي يُمنح كل قاضٍ الحق في القضاء حسب رأيه، وإذا صدر حكمان في مسألة واحدة، يُنفذ الحكم الذي صدر أولًا من قبل الحكومة – وقد نوقش موضوع القضاء في الفقه تفصيلًا-.

تعريف المبادئ الأساسية

المبادئ الأساسية الإسلامية – التي ذكرناها – هي مجموعة قواعد ومفاهيم مقننة موثوقة إسلاميًا. والمقصود بـ”المقننة” أن هذه القواعد مكتوبة بلغة قريبة جدًا من لغة القانون، ومصاغة بطريقة أكثر وضوحًا للقراءة العلمية القانونية. والمقصود بـ”الموثوقة” أن هذه المفاهيم مدعومة بأدلة فقهية تفصيلية، وتثبت مشروعيتها صراحة أو ضمنًا.

أهمية المبادئ

الأهمية الفقهية والقانونية للمبادئ المذكورة تكمن في كونها أول مجموعة من مبادئ الدستور الإسلامي؛ لأننا لا نذكر سابقًا وجود مبادئ للدستور الإسلامي، إذ لم يُسن دستور إسلامي في الدول الإسلامية التي تعاقبت عبر التاريخ، فكيف تُوضع وتُسن مبادئ أساسية! في الوثائق السياسية التي حصلنا عليها من عهد الدولة الراشدة – في المدينة – حتى نهاية الخلافة العثمانية – في إسطنبول – لم نعثر على نشاط فكري متكامل يشير إلى الوصول إلى دستور إسلامي.

طوال هذه المدة الطويلة – من القرن الأول حتى القرن الرابع عشر الهجري – اعتمد الحكام في التشريع الفقهي السياسي المتعلق بشؤون الحكم الإسلامي على فتاوى الفقهاء أو اجتهادات الحكام أو آراء المستشارين، ولم تكن هناك مواد فقهية سياسية مقننة مستمدة من مبادئ مدونة – أو على الأقل مبادئ شفوية وراثية -.

سبق في مناقشة “الاجتهاد الشرعي” أن المؤلفات الفقهية الابتكارية – التي كانت مرجعًا ومصدرًا لشرح وتصنيف المواد الفقهية – لم تشمل المواد الفقهية-السياسية. لو كان الأمر كذلك، لكان ذلك عاملاً للتفكير في وضع أصول كلية للمواد القانونية. من بين هذه المؤلفات:

  1. المجموعة الفقهية المنقولة عن الشهيد زيد بن علي (توفي 122 هـ ق)؛
  2. الموطأ، للإمام مالك بن أنس (توفي 179 هـ ق)؛
  3. دعائم الإسلام، للقاضي نعمان المغربي (توفي 363 هـ ق)؛
  4. من لا يحضره الفقيه، للصدوق (توفي 381 هـ ق)؛
  5. المقنعة، للمفيد (توفي 413 هـ ق).

كانت هذه المؤلفات الابتكارية نموذجًا للأعمال الفقهية اللاحقة. وسبب عدم وجود مثل هذه المؤلفات قبل هذا التاريخ هو موقف القوى الحاكمة في منع تأليف هذه الكتب؛ ولهذا ابتعد الفقه الإسلامي عن الحياة الاجتماعية وخاصة السياسية، وأتيحت الفرصة للدكتاتوريين منذ زمن بني أمية للسيطرة على الحكم الإسلامي، وكان عمر بن عبد العزيز هو الوحيد الذي لقب بالخليفة العادل، وكان استثناءً في طبيعة الحكم الأموي. وهذا الأمر يدل بوضوح على جور وظلم الحكام الآخرين.

الهدف من الأصول

كان الهدف من وضع الأصول التسعة المذكورة هو الوضع والموقع الذي من أجله فُكرت هذه الأصول، والذي سأشير إليه بإيجاز: حركة الدعوة الإسلامية (حزب الدعوة الإسلامية) التي اختارت الشهيد صدر كمفكر ومرجع لها، اعتمدت على آرائه الفقهية وعملت بتوجيهاته. وكان الهدف الأهم لحزب الدعوة في ذلك الوقت إقامة حكم إسلامي في العراق. وكان على أي حكومة أن تملك دستورًا ومنظمات ناشئة عنه. ومن الطبيعي أن الدستور الإسلامي يحتاج إلى وضع أصول للتشريع تكون مرجعًا للمشرعين؛ ولهذا كان لا بد من البدء بالأصول، ثم وضع الدستور. وباختصار، كان الهدف من وضع هذه الأصول الأساسية هو تشكيل أصول للتشريع التي منها يمكن وضع وبناء القانون.

وضعية زمن التشريع

في السنوات الأولى من القرن العشرين الميلادي، حين فتح الغرب بوابة حضارته المتقدمة أمامنا، وشهدنا أبحاثًا حول طبيعة وأنواع الحكم، لاحظنا أن الغرب يبذل جهدًا مستمرًا لاستعمار الدول الإسلامية وقبول المسلمين للحضارة الغربية، بهدف استغلال ثروات الدول الإسلامية مثل المناجم وغيرها، واستخدام أسواقها لترويج منتجاته وتسويقها. هذا الوضع دفعنا للاستفادة من تراثنا الفكري في الذهن والسعي نحو الحكم الإسلامي، والعمل على طرد المستعمرين من البلاد الإسلامية. وفي ذلك الوقت أدركنا أن من أكثر العوامل فاعلية لطرد المستعمرين من بلادنا هو استخدام الأساليب المتقدمة الشرعية التي تساعد على استقلال الدول، وكان أبرز وأقوى هذه الأساليب في ذلك الوقت النشاطات السياسية.

عندما وقعت الدول الإسلامية في النصف الثاني من القرن العشرين الميلادي تحت نظر النظامين العالميين الرأسمالي الغربي والشيوعي الشرقي، كان على الجماعات الحزبية الإسلامية أو الحركات الإسلامية التي أرادت الدخول في ساحة الفكر مع هذين النظامين أن تبدأ بعدة أمور:

  1. فهم الإسلام كمبدأ (عقيدة وتشريع)؛
  2. معرفة الأنظمة الاجتماعية الأخرى، مثل الرأسمالية والشيوعية؛
  3. المقارنة والمقارنة بين الإسلام كمبدأ (عقيدة ونظام) والأنظمة الاجتماعية والفلسفات الحاكمة الأخرى.

وبسبب ما ذكرناه، تأسس حزب الدعوة الإسلامية في أواخر خمسينيات القرن العشرين الميلادي، وكان لا بد له من وجود منظّر وأيديولوجي من بين الفقهاء المجتهدين، يمتلك فهمًا واضحًا للحياة وكيفية التعامل معها. وبسبب كفاءات الشهيد صدر الذاتية، تم اختياره ….

وبناءً على ما ذُكر، كان حزب الدعوة بحاجة إلى دستور لإقامة الحكم الإسلامي، وهذا الاحتياج دفعه إلى وضع أصوله الأساسية – التي ذكرناها – قبل تولي الحكم. وكان التشريع الخطوة الأولى في مجموعة فكرية لتنظيم حياة المسلمين الإسلامية، وأظهر بوضوح عبقرية الشهيد صدر؛ لأن التسلسل والترتيب الطبيعي للتنظيم كان يتطلب هذه الخطوات:

أولاً: وضع أصول الدستور الإسلامي؛

ثانيًا: التشريع الإسلامي وفقًا لتلك الأصول؛

ثالثًا: وضع التعليمات واللوائح والمنظمات الإسلامية، وفقًا لمبادئ وأُطر الدستور، والتي يجب قبل وضع القوانين والمنظمات أن تُبحث وتُدرس طريقة الاقتصاد الإسلامي وغيرها من هياكل وأُطر المجتمع الإسلامي.

عدد الأصول

كان عدد الأصول الإسلامية في الميثاق تسعة أصول، كما هو موجود في هذين الكتابين:

  1. الإمام الشهيد، السيد محمد باقر الصدر، محمد الحسيني؛
  2. تجديد الفقه الإسلامي، شبلي الملاط.

وإذا أضيفت المخطوطات التي تحتوي على هذه الأصول إلى ذلك الميثاق، فإن عددها يصل إلى أكثر من ثلاثين أصلًا. وأتذكر أننا تعلمنا عند الشهيد صدر أكثر من هذه الأصول التسعة. وأتذكر أيضًا أنه في البداية حين شرح الشهيد صدر هذه الأصول، كان يذكرها لنا في محاضراته. ولا أعلم مصير هذه المخطوطات – بعد أن أفرغ الإمبريالية العالمية كل حقدها وغلها على النجف والشيعة ومرجعها وقائدها، الشهيد صدر.

محتويات الأصول

[كل ما ذكرناه هو محتوى الأصول، وسنستعرضه فيما يلي:]

الأصل الأول لهذا المحتوى كان يتضمن:

  1. تعريف مفهوم الإسلام في معجم اللغة العربية؛
  2. تعريف مفهوم الإسلام في الاصطلاح الشرعي؛
  3. تعريف العقيدة والتشريع الإسلامي وبيان العلاقة بينهما، لأن التشريع يدور حول العقيدة وينبع منها؛
  4. مصطلح المنطلق الإسلامي وتعريف المنطلق بأنه: عقيدة كاملة حول الوجود والحياة والمجتمع والإنسان، التي ينبثق منها النظام الاجتماعي الذي يشمل جميع أنواع الحياة، ويحقق حاجتين مهمتين: الإطار الفكري والنظام الاجتماعي للبشر.

الأصل الثاني كان يحتوي على هذا المحتوى:

  1. تقسيم المسلم بناءً على مدى التزامه بالإسلام إلى مسلم حقيقي وظاهري، وتعريف كلا القسمين؛
  2. كما أوضح من هو المسلم في نظر الدستور الإسلامي، والدليل الشرعي لذلك هو سيرة النبي والمسلمين والنصوص الشرعية؛
  3. وكذلك كيفية تعامل الدولة الإسلامية مع كل من القسمين في مساواة الحقوق والأحكام العامة الإسلامية والواجبات بين من قال الشهادتين، مع أنه لا يجوز للدولة أن تسند أدنى الواجبات والأمور المهمة لمن تخشى نفاقهم ومنافقهم، لأن ذلك يشكل خطراً على الإسلام، بل يجب مراقبتهم وتقييد نشاطاتهم بما يتناسب مع مصلحة الإسلام العامة؛
  4. وفي النهاية، ينص هذا الأصل على أن المرتد عن الإسلام – سواء كان وطنياً أو فطرياً – إذا تاب، تقبل الدولة توبته وتتعامَل معه كغيره من المسلمين.

الأصل الثالث تضمن هذه المواضيع:

  1. بيان الوطن الإسلامي وتعريفه؛
  2. الفرق بين استحقاق الأرض للدولة وخصائص الوطن الإسلامي الذي يمكن وصف الأرض به. ويتم ذلك بتقسيم استحقاق الدولة الإسلامية إلى نوعين: سياسي وملكي؛
  3. تعريف كل نوع وبيان دليله.

في الأصل الرابع، كان نوع الدولة الإسلامية يُحدد بالنظر إلى أساس نظامها واتخاذ القرارات وكيفية التعامل مع المواطنين وغيرهم. لذلك، كانت أحياناً ذات إطار فكري وأحياناً تفتقر إليه، وأحياناً يكون الإسلام قاعدة وإطاراً فكرياً للدولة، وأحياناً أخرى مذهباً أو ديناً آخر، وعلى هذا الأساس تُعرف الدولة الإسلامية بأنها:

دولة قائمة على الإسلام وتشريعها مستمد منه.

الأصل الخامس تضمن تعريف الوحدة السياسية التي تقوم عليها الدولة الإسلامية، وتعني الوحدة الفكرية التي هي إيمان المسلمين بفكرة واحدة في الحياة، التي يبنون عليها أساس وحدتهم، مقابل الوحدة العاطفية.

الأصل السادس تناول شكل الحكم الإسلامي وعرّفه بأنه: رعاية شؤون الأمة وفق الشريعة الإسلامية. ثم شرح المطالب والأهداف المهمة للدولة الإسلامية. بعد ذلك تناول شكلين للحكم الإسلامي: الشكل الإلهي؛ أي حكم الشخص المعصوم، والشكل الشورى؛ أي حكم الأمة.

في الأصل السابع، تم بيان كيفية تنفيذ شكل الشورى من قبل الأمة.

الأصل الثامن تناول الفرق بين الأحكام والتعاليم الشرعية الإسلامية، وقال: الأحكام هي تشريعات ثابتة مبنية على أحد الأدلة الأربعة: الكتاب، السنة، الإجماع والعقل، ولا يجوز تبديلها أو تغييرها؛ لأنها ذات بنية محددة وتشمل جميع الأحوال والظروف. أما التعاليم فهي القوانين الواسعة للدولة والتنظيمات التي يحددها الدستور لكل حالة وموقف، وتتغير بتغير أوضاع الدولة.

وفي النهاية، في الأصل التاسع ورد: أن مهمة بيان أحكام الشريعة وتعيين القضاة، من الأهداف المهمة للحكم الذي يقام من أجل إقامة الدولة الإسلامية، مستثناة.

ما ذُكر هو ملخص أو فهرس لمحتويات المبادئ الأساسية التسعة الإسلامية التي تتيح للباحثين فرصة التعرف عليها ثم نشرها.

المركز القانوني للمبادئ

سبق وأن قلنا إنه لم تُوضَع مبادئ للدستور الإسلامي – قبل المبادئ الأساسية المذكورة – ليعمل المشرعون بموجبها وفي ضوء نتائجها؛ لأن معظم الدول القديمة لم يكن لديها دستور مكتوب، وما كان يُعرف بالدستور العرفي غير المكتوب كان هو العمل السائد. أول دستور مكتوب حديث هو دستور الولايات المتحدة الأمريكية عام 1787.[14]

قبل صياغة هذا الدستور، أُجريت أبحاث في مبادئ وأسس الدستور أخذت شكلاً علمياً يُعرف اصطلاحاً بـ “علم أصول التشريع”، الذي يُعرّف حديثاً بأنه: علم موضوعه القانون البشري ويناقش حكم المبادئ العامة والنظريات المشتركة بين القوانين البشرية المختلفة.[15]

“علم أصول التشريع” هو من ابتكارات العصر الحديث بعد مرور مرحلتين من التحول: المرحلة الأولى بدأت في منتصف القرن السادس عشر. خلال هذه الفترة، كانت مناقشات هذا العلم محصورة في إطار مصادر القانون وفكرة العدالة التي تعود جذورها إلى الفكر اليوناني. أما المرحلة الثانية فقد أسسها الفيلسوف الألماني كانط (1724-1804م) على أساس الوضعية، وناقش القانون وأصوله بطريقة عقلانية.

استمر البحث في أصول التشريع على يد علماء إنجليز وألمان كانوا رواداً في تطويره.[16]

لأسباب سبق ذكرها، لم يكن المسلمون منذ القرن الأول الهجري يفكرون في صياغة دستور إسلامي للدول الإسلامية القائمة، ولم يكن لدينا ما يشبه أصول التشريع، لكن حالياً توجد عدة دساتير لعدة دول إسلامية، وهي: جمهورية إيران الإسلامية، المملكة العربية السعودية وجمهورية السودان.

هناك حاجة ماسة لوضع علم أصول الدستور الإسلامي الذي يكون مركزاً ومحوراً للدستور، ليُستمد منه القانون، ويجب أن يكتسب هذا العلم موقعه ومكانته في مجال البحوث القانونية واتجاهاتها.

وفقًا لما ذكرناه، يتضح مدى أهمية الأصول المذكورة وسابقة قيادة هذا العلم على يد الشهيد الصدر- الذي كان الرائد الأول في وضع الأصول-.

الموقع التاريخي للأصول

كما لوحظ، كانت هذه الأصول تُعتبر أول وضع لعلم أصول التشريع الدستوري الإسلامي، أو بمعنى آخر: علم أصول القانون الشرعي، وكانت أول أصول مدونة للدستور الإسلامي.

إبقاء الأصول سرية

يُقال أحيانًا: إذا كانت هذه الأصول بهذه الدرجة من الأهمية، فلماذا لم تكتسب شهرة على الأقل في مجال التشريع؟ والجواب هو: هذه الأصول- كما ذُكر في سبب وضعها- كُتبت كأصول للدستور الإسلامي لتُطبق عندما يُقام الدولة الإسلامية في العراق. الحركة “الدعوة الإسلامية” التي قبلت هذه الأصول السرية، كانت تخفي كل ما له أدنى صلة بها، بما في ذلك هذه الأصول. بعد استشهاد السيد الصدر وكتابة أعمال عنه وعن دوره، أُلغيت سرية هذه الأصول ونُشرت مع بعض الأعمال العلمية للشهيد الصدر. وبما أن هذه الأصول لم تعد سرية، وجب تعريفها وتقديم تقرير موجز وواضح عنها، لتكون مقدمة لبحث عميق وكامل يؤدي إلى وضع علمي متكامل لأصول القانون الشرعي.

السلسلة القانونية للأصول

المقصود بالسلسلة القانونية- التي تُعد الأصول الإسلامية إحدى حلقاتها- هو مجموعة المعارف والتشريعات الإسلامية التي تهدف إلى تنظيم الحياة الإسلامية بطرق فكرية واجتماعية واقتصادية وسياسية مختلفة، وتشرعها، ومن حيث التسلسل الهرمي تُرتب وفق هذا الجدول الهرمي:

هذا الجدول الهرمي يقوم على أساس أن الإسلام هو منبع العقيدة والشريعة. فالعقيدة هي النظرية الفلسفية للوجود والحياة والمجتمع والإنسان. جميع المعارف والتشريعات الإسلامية تستند إلى العقيدة ومأخوذة منها. في البداية، كانت أصول الدستور الإسلامي مستمدة من العقيدة، والقانون قائم عليها. أظهر الشهيد الصدر الفكر العقيدي في كتابه “فلسفتنا” ووضع أصول القانون الإسلامي في كتاب “الأسس الإسلامية”. لم تتوفر الفرصة لوضع القانون؛ لذلك شرع الشهيد الصدر في بحث يُظهر منهج ومذهب الاقتصاد الإسلامي، فصدر كتاب “اقتصادنا“، وكان يعتزم تأليف كتاب بعنوان “مجتمعنا” لاكتشاف المنهج والمذهب الاجتماعي الإسلامي، وبعد ذلك كان ينوي تأليف عمل في المذهب السياسي الإسلامي. كانت هذه الجهود تهدف إلى أن تكون الكتب إطارًا أو قاعدة تستند إليها القوانين والمنظمات وتعمل ضمنها.

في هذه الحالة، كان محتوى السلسلة يتألف من:

  1. العقيدة، التي كُتب عنها في كتاب “فلسفتنا”؛
  2. أصول القانون، التي تجلت في “الأسس الإسلامية” وهي موضوع بحثنا؛
  3. القانون، الذي لم يُكتب له أن يُوضع، لأن الفرصة التي تفرض وضعه لم تتوفر. ولكن، بحمد الله، لدينا الآن دستور جمهورية إيران الإسلامية، المتوافق مع فقه أهل البيت عليهم السلام، وهو نموذج حي للقانون الإسلامي. كان هدف الشهيد الصدر وضع هذا القانون، وكتب خطوطه وبرامجه التفصيلية الشاملة تحت عنوان “لمحة فقهية تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية في إيران”. تُعد هذه الرسالة النواة الأساسية لمشروع دستور إيران- الذي وُضع لاحقًا- لأن الشهيد الصدر عرض وجهة نظره حول نظام الحكم الإسلامي بالتفصيل، ليكمل ما قاله في كتاب “الأسس الإسلامية”. أنهى كتابة هذا العمل في الرابع من فبراير (شباط) 1979 م- قبل الانتصار النهائي للثورة الإسلامية بقليل-، ونتيجة لذلك قدم اقتراحًا وهيكلًا قانونيًا ودستوريًا مكتوبًا للدولة الإسلامية؛ ولهذا، يُعد هذا العمل من أوائل المخطوطات الدستورية لجمهورية إيران الإسلامية، ونظرًا لأهميته تُرجم فورًا إلى الفارسية بعد كتابته. عند مقارنة محتوى هذا العمل وبنود دستور إيران- في النص النهائي- نلاحظ أن الدستور استقى كثيرًا من محتوى هذا العمل الفقهي المختصر؛ وهو عمل يُظهر صورة كاملة للدولة الإسلامية في الفقه الإسلامي ويستند إلى مبادئ أساسية أهمها:
  4. الولاية- في الأصل- لله وحده؛
  5. النيابة العامة[17] للمجتهد المطلق العادل الذي هو في مرتبة الإمام المعصوم؛ بناءً على قول الإمام المهدي عليه السلام: “وإن الحوادث الواقعة …”.
  6. فكر أهل الحل والعقد الذي يُطبق في الحياة الإسلامية، وبسبب قابليته للتغيير، يتوافق مع إطار المجلس والرقابة القانونية لنائب الإمام، مما يستلزم وجود مجلس نواب منتخب من الأمة.

من بين نقاط التوافق بين دستور إيران وفكر الشهيد الصدر ما يلي:

تنص الفقرة الأولى من المادة الثانية على:

الجمهورية الإسلامية نظام قائم على الإيمان بالله الواحد (لا إله إلا الله) وخصوصية السيادة والتشريع له ووجوب الخضوع لأمره.

وفي المادة 56 نقرأ:

السيادة المطلقة على العالم والإنسان لله وحده. وهو الذي جعل الإنسان حاكمًا على مصيره الاجتماعي.

تشير هذه المبادئ بوضوح إلى العمل الذي كتبه الشهيد الصدر، كما تؤكد على دور الفقيه المفسر والوصي على الشريعة. ففي المادة الخامسة من الدستور ورد:

في زمن غيبة حضرة ولي العصر- عجل الله تعالى فرجه- في جمهورية إيران الإسلامية، تكون ولاية الأمر والإمامة على الفقيه العادل …

يؤكد السيد الشهيد على قانونية الحكم والتزامه بالقانون وقبول الحاكم والمحكوم للشريعة والقانون، وهو ما تشير إليه المادة 112[18] من الدستور:

القائد وأعضاء مجلس القيادة الآخرين متساوون مع بقية أفراد البلاد أمام القوانين.

نجد أوجه تشابه أخرى بين ما اقترحه السيد الصدر وما ورد في الدستور، منها: فصل السلطات الثلاث، تشكيل مجلس الشورى، إجراء الانتخابات لاختيار ممثلي البرلمان ورئيس الجمهورية مباشرة من قبل الشعب.

يقول السيد صدر: أعضاء السلطة التشريعية والتنفيذية (رئيس الجمهورية) يُنتخبون من قِبَل الأمة. للأمة الحق في اختيار أعضاء هاتين السلطتين بالطريقة التي يحددها الدستور.

هناك العديد من الأمثلة الأخرى التي تُظهر التوافق بين ما كتبه الشهيد صدر في “اللمحة الفقهية” وما ورد في بنود دستور إيران، مما يدل على ضرورة الرجوع إلى ما ورد في هذه “اللمحة” عند البحث في مبادئ دستور إيران. كُتِب هذا العمل ردًا على بعض علماء لبنان الذين كانوا يرغبون في معرفة المزيد عن طبيعة نظام الحكم والدولة الإسلامية التي كان الإمام الخميني مناديًا لإقامتها في إيران.

بعد أن استُخلصت من دستور إيران الإسلامي القوانين والمنظمات والمراسيم، يظهر الحلقة الأخيرة من هذه السلسلة، وكما يتضح من الجدول المذكور، يبقى ما يتعلق بالمذهب السياسي-الاجتماعي للإسلام، والذي يمكن استخلاصه من الفكر السياسي-الاجتماعي الإسلامي. آمل أن يوفق المختصون في هذا المجال للقيام بهذا العمل.

وفي الختام، يجب الإضافة: هذه السلسلة، لأنها كُتبت على يد الأستاذ الجليل، الشهيد السيد محمد باقر صدر – طيّب الله ثراه – تُعد إضافة مهمة للفكر الإسلامي وبالأخص لمذهب أهل البيت، وبذلك يصل السيد صدر إلى مصاف العباقرة الذين تركوا أفكارًا واضحة ودائمة في المجال الفقهي والقانوني.

الشهرة العالمية

بعد تأليف هذه السلسلة، نال الشهيد صدر شهرة عالمية تجاوزت حدود الحوزة العلمية في النجف الأشرف والعالم الشيعي والعالم الإسلامي غير الشيعي، وبحق أصبح من المفكرين العالميين.

[1]. عبد الهادي فضلي من أشهر علماء المنطقة الشرقية في السعودية وأستاذ في جامعة الملك عبد العزيز في جدة وجامعة لندن الإسلامية. نُشر هذا المقال في العدد 17 من فصلية المنهاج الصادرة في بيروت بعنوان “الأسس الإسلامية، عرض وبيان لما وضعه الشهيد الصدر من أصول للدستور الإسلامي”.

[2]. آل عمران، الآية 19.

[3]. المائدة، الآية 3.

[4]. الأنبياء، الآية 105.

[5]. سبأ، الآية 28.

[6]. الأنعام، الآية 19.

[7]. الأحزاب، الآية 6.

[8]. محمد، الآية 33.

[9]. الأحزاب، الآية 36.

[10]. آل عمران، الآية 159.

[11]. الشورى، الآية 38.

[12]. الأحزاب، الآية 36.

[13]. الأنفال، الآية 60.

[14]. موسوعة المورد: مادة Constitution.

[15]. علم القانون والفقه الإسلامي، د. سمير عالية، ص 9، نقلًا عن المدخل لدراسة القانون والشريعة الإسلامية، د. عبد الباقي البكري، ج1، ص 5.

[16]. المرجع نفسه، ص 10.

[17]. الرأي الأولي للشهيد الصدر، الذي تراجع عنه إلى ولاية الفقيه المطلقة.

[18]. هذا القانون هو المادة 107 من الدستور بعد المراجعة.