العدالة من منظور الإمام الخميني والشهيد صدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: عدالت از منظر امام خمینی و شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: تتناول هذه المقالة مكانة ومفهوم العدالة من منظور الإمام الخميني والشهيد صدر؛ وهو موضوع يُعد من أهم قضايا العلوم المعرفية والاجتماعية التي حظيت باهتمام العلماء دومًا. لقد بذل هذان العالمان الشيعيان الكبيران، اللذان يمتلكان إلمامًا واسعًا بالعلوم المعرفية والعملية في الإسلام، جهدًا كبيرًا في توضيح العلاقة بين هذا المفهوم من حيث «الوجود» و«الوجوب». وعلى الرغم من أن العدالة في العلوم المعرفية صفة لله تعالى أو الإنسان الكامل، وفي العلوم الاجتماعية صفة للسلوكيات والقوانين البشرية، إلا أن العدالة في وجهات نظر هذين العالمين تُعرَّف كحقيقة متجلية في عالم الوجود وفي الوقت ذاته هدف الشريعة على المستويين الفردي والاجتماعي. في ما يلي، سيتم توضيح آرائهما بشأن استراتيجيات تحقيق العدالة.

المؤلف: منیره حق‌خواه

المصدر: فقه و حقوق خانواده، شتاء 1385، العدد 44، ص112 إلى 140.

المقدمة

لقد كانت العدالة، باعتبارها القضية الأهم في حياة الفرد والمجتمع، محط اهتمام العلماء دومًا، كما أنها في الأديان السماوية تُعد من أهم أهداف بعثات الأنبياء (حدید‌، 25). وقد استخدمت المدارس الفلسفية والحكماء والمفكرون تعبيرات مختلفة لتفسير هذه الكلمة. وهذا الاختلاف هو أحد الأسباب الرئيسية لحدوث فجوة عميقة بين المدارس والمذاهب.

كما أن تعدد هذه التفسيرات يعود بدوره إلى اختلاف المدارس في النظرة الكونية والرؤية الفلسفية. ففي النظرة الاشتراكية التي تقوم على أولوية المجتمع، تعني العدالة أساسًا العدالة في توزيع المنتجات والموارد، وهي تركز أكثر على العدالة الاقتصادية. أما في النظرة الغربية التي تقوم على الإنسانية وأولوية الفرد، فالعدالة تعني الحفاظ على الحقوق الأساسية.

وفي الفكر الإسلامي أيضًا لا يوجد اتفاق بين الفرق المختلفة بشأن تفسير هذا الأصل. فالأشاعرة من أهل السنة، بنفيهم ذاتية الحسن والقبح، يقدمون تفسيرًا خاصًا للعدل والظلم، بينما العدلية، باعتقادهم في ذاتية الحسن والقبح، يرون العدل خيرًا ذاتيًا والظلم شرًا ذاتيًا، ويقدمون تفسيرًا مختلفًا للعدالة. ومن البديهي أن كل تفسير من هذه التفسيرات هو مصدر لنظريات خاصة في مجال العلوم الاجتماعية.

وكما أن التفسير الدقيق للشيعة للعدالة من المنظور الفلسفي والكلامي والفقهي كان دائمًا مصدرًا لآثار اجتماعية إيجابية. فإيمان الشيعة بالعدل الإلهي وعلاقته بالاختيار البشري، وكذلك إيمانهم بذاتية وعقلانية العدل والظلم، وإيمانهم بأن العدالة هدف في الشريعة، كان دائمًا يستلزم إضعاف حكم الظالمين والسعي لتحقيق العدالة الفردية والاجتماعية.

وقد نشأت هذه الأسس من كلام أئمة الشيعة عليهم السلام، وبلغت ذروتها تدريجيًا في الفلسفة والكلام والتصوف الشيعي. كما أن تفسير العدالة الاجتماعية في حكمة الفارابي، وتفسير العدالة في التصوف وكذلك في الحكمة المتعالية لصدر المتألهين، يعكس هذا المسار التطوري الذي مهد الطريق لنظريات علمية وتطبيقية لدى علماء الإسلام مثل الإمام الخميني والشهيد السيد محمد باقر صدر في موضوع العدالة.

الإمام الخميني، قائد الثورة الإسلامية في إيران، هو من فقهاء زمانه البارزين، ومتمرس في الفلسفة والتصوف الإسلامي، ويحمل فكرًا فلسفيًا قائمًا على الحكمة المتعالية الصدرائية. إن جمع هذه العلوم فيه، ونظرياته في مجال الفلسفة السياسية الإسلامية وقيادة المجتمع الإسلامي، استنادًا إلى رؤية سياسية عميقة، وضعته على قمة الفقه الشيعي في عصر غيبة ولي العصر (عج).

أما آية الله السيد محمد باقر صدر، المعروف بـ«الشهيد الرابع»، فهو أيضًا من الفقهاء والفلاسفة والمنظرين في مجال السياسة والاقتصاد الإسلامي، ويحمل فكرًا فلسفيًا صدرائيًا، وله أوجه تشابه كثيرة مع الإمام الخميني في العناصر الفكرية والعلمية، وكذلك في الفعل السياسي، وربما لو تأخر نيله شهادة في سبيل مبادئه، لحدثت قيادة شيعية أخرى إلى جانب قيادة الإمام الخميني في العراق.

لقد تناول مفهوم «العدالة» كأحد المصطلحات الأساسية في علوم مثل الفلسفة والتصوف والكلام والفقه، على المستويين الفردي والاجتماعي، في مؤلفات هذين العالمين الجليلين، ومن خلال تتبع هذا الموضوع في أعمال هذين الفيلسوفين، يمكن الوصول إلى آفاق مشتركة كثيرة من الجوانب العلمية لهذين الفقيدين، كما يمكن إدراك ذروة تأثير الأسس المعرفية المشتركة لهذين العالمين على النظريات المتعلقة بالعدالة الاجتماعية.

في هذا المقال، سيتم توضيح النهج المشترك لهذين المفكرين بشأن مفهوم العدالة من المنظور الفلسفي والتصوفي والفقهي، وكذلك الاستراتيجيات لتحقيقها.

ولهذا الغرض، خصص القسم الأول من المقال لتوضيح مفهوم ومكانة العدالة من الأبعاد الفلسفية والكلامية والتصوفية، وفي القسم الثاني سيتم بيان مكانة العدالة في الفقه الفردي والاجتماعي وعلاقتها بالأسس المعرفية، وكذلك استراتيجيات تحقيق العدالة في المجتمع من منظور هذين العالمين الكبيرين.

مفهوم العدالة في النظرة الفلسفية والكلامية والتصوفية للإمام الخميني والشهيد صدر: العدل في اللغة يعني الاستقامة والوسط بين الإفراط والتفريط. كما أن الظلم يعني الانحراف عن الاعتدال (ابن‌منظور، 1405ه، ج4، ص 153). وبناءً على المعنى اللغوي تشكلت المفاهيم الاصطلاحية للعدل.

مفهوم العدالة في الآثار الفلسفية والكلامية والصوفية للإمام الخميني والشهيد الصدر قد طُرح بشكل متفرق ومرتبط مع باقي الأسس المعرفية لهما، وهذا المفهوم الذي يمكن تسميته بالعدالة التكوينية، يشكل الأساس النظري لنظريات هذين الفقيهين المشهورين في مجال الفقه الفردي والفقه السياسي، وبعبارة أخرى العدالة التشريعية. وعلى هذا الأساس، نبدأ بتوضيح الأسس المؤثرة في النظريات الفقهية لهذين الفقيهين المشهورين لكي يتضح في موضعه العلاقة بين هذين المجالين. ويمكن تلخيص شرح هذه الأسس والمفاهيم في النقاط التالية:

أ- العدالة صفة الحق تعالى والإنسان الكامل

تُدرس العدالة في العلوم المعرفية كصفة فعل للرب أو كصفة للإنسان الكامل أو كصفة للعالم الوجودي، ويتم توضيحها. من وجهة نظر الإمام الخميني، العدالة هي أبرز صفة للمعبود في العالم، والعدل في هذا المعنى هو العدل والاستقامة المطلقة والكاملة وشاملة كل الفضائل وجميع الكمالات، كما أن العدالة في هذا المعنى مختصة بالإنسان الكامل. أما عدل الحق تعالى فهو استقلالي، وعدل الإنسان الكامل هو على نحو الاستظلال.

ويقول: «اعلم أن العدالة هي الحد الوسط بين الإفراط والتفريط، وهي من أمهات الفضائل الأخلاقية، بل العدالة المطلقة هي كل الفضائل الباطنية والظاهرة والروحية والقلبية والنفسية والجسمية، لأن العدل المطلق يشمل كل المعاني: سواء في تجلي الأسماء والصفات وتحقيقها، وهو الاستقامة المطلقة ومختص بالإنسان الكامل، وربه في ذلك الاسم الأعظم لله الذي هو على صراط مستقيم للأسماء الحقيقية، كما قال: “ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم”؛ رب الإنسان الكامل، وهو خاتم الرسل (r)، هو على الصراط المستقيم والحد الكامل للاعتدال، ومربوبه أيضًا على الصراط المستقيم والاعتدال التام، لكن رب تعالى شأنه على سبيل الاستقلال، والمربوب على سبيل الاستظلال» (الموسوی‌الخمینی، 1378، ص23؛ همو،1381‌، ص 147‌).

وجهة نظر الشهيد الصدر في باب العدل الإلهي مشابهة لوجهة نظر الإمام، رغم اختلافهما في نوع التفسير. تفسير الإمام للعدل الإلهي هو تفسير عرفاني، بينما الشهيد الصدر يقدم منهجًا كلاميًا مع التركيز على الدور الاجتماعي للعدالة.

ويقول: «الله عادل، ومن الله لا يصدر إلا العمل الجميل والحسن، ومن الناحية العقلية الفعل القبيح غير محبب له، وحكمته تقتضي عدله، لأن العقل والحكمة يتعارضان مع الظلم والجور» (صدر،1981م، ص54). العدل الإلهي يقتضي أن يكون صدور عالم الوجود من الفيض الإلهي على أساس العدل، وأصل العلية في العالم التكويني وكذلك التناسب بين السبب والمسبب يعبران عن تحقق النظام والعدل في العالم» (همو، 1408ه‍، ص 261  275).

لذا فهو يعرف العدل كصفة للحق تعالى ومقابل للجور والظلم، ويعتبر نظام العالم الوجودي قائمًا على العدل.

ويعتقد في رسم العدل كالمبدأ الثاني للدين أن هذه الصفة إلى جانب التوحيد تُعتبر من أصول الدين، لأن العدل صفة ذات بعد قيادي اجتماعي ومفهوم تربوي يحتاجها الإنسان أكثر من أي صفة أخرى في مسيرته الاجتماعية (همو، د.ت.، ص 198).

ب- العدالة غاية كمال الإنسان وهدف الشريعة

الشهيد الصدر والإمام الخميني، في سياق الأساس النظري السابق، يعتقدان أن العدالة هي غاية كمال الإنسان وهدف الشريعة، وعلى هذا الأساس يطرحان الأسس التالية:

1- تحقق العدالة في الأبعاد الثلاثة للوجود

الإمام الخميني، مع اعتباره تعديل القوى النفسية غاية كمال الإنسان ومنتهى سير الكمال، يرى أن «العدالة هي الحد الوسط بين الإفراط والتفريط، من نقطة العبودية إلى كمال العزة الربوبية، العدالة هي الخط المستقيم والسير المعتدل، والاعتدال الحقيقي لا يقدر عليه إلا الإنسان الكامل الذي لم ينحرف أو يعوج من أول السير حتى النهاية، وهو بالمعنى الكامل خط أحمد وخط محمد، والآخرون يتبعون السير تبعًا لا أصالة، ولأن الخط المستقيم والأصل بين نقطتين لا يزيد عن واحد، من هذه الناحية، الفضيلة، بالمطلق، للسير على طريق العدالة لا تزيد عن واحد، أما الرذائل فهي أنواع كثيرة بل لا متناهية» (الموسوی‌الخمینی،1381،ص 152153).

يرسم الإمام الخميني غاية كمال الإنسان في الأبعاد الثلاثة للروح والعقيدة والأخلاق، ويقول: «وفي تجليات المعارف الإلهية وتجليات التوحيد في قلب أهل المعرفة، العدالة فيها تعني عدم الحجاب عن الحق بالخلق، وعن الخلق بالحق. وبعبارة أخرى، رؤية الوحدة في الكثرة والكثرة في الوحدة، وهذا مختص بالكمال لأهل الله، والتفريط والإفراط في هذا المقام هو الحجاب عن كل من الحق والخلق بالآخر. قد يكون مقصد أهل الله من الآية الكريمة “اهدنا الصراط المستقيم” هو الوصول إلى هذا المقام، سواء في العقائد والحقائق الإيمانية، حيث العدالة تعني إدراك الحقائق الوجودية “علي ماهي عليه” من غاية القصوى للكمال الإسمي حتى النهاية، رجوع المظاهر إلى الظواهر، وهو حقيقة المعاد. أو في الأخلاق النفسية، وهو اعتدال القوى الثلاثة، أي القوة الشهوانية والغضبية والشيطانية» (همو، ص24‌؛ همو‌، ص 148).

الشهيد الصدر أيضًا، مثل الإمام الخميني، يؤسس نظرياته الفقهية على أسس إنسانية.

ويقول: «الإنسان يتشرف بالخلافة في الأرض من الله، واتساع هذه الخلافة يشمل كل قدرة يملكها الله على العالم وكل أمر

يشمل ذلك أيضًا العودة إليه، فهذه الخلافة هي الوصاية في الأخلاق الإلهية التي تقوم على العدل والعلم والقدرة والرحمة على المستضعفين والانتقام من الجبارين. لذلك، يصل الإنسان إلى النضج الحقيقي عندما يستطيع تجسيد القيم التي توجد في الله في ذاته بوصفه خليفة الله، وبما أن هذه القيم مطلقة في الله ومحدودة في الإنسان، فإن سير الإنسان هو حركة مستمرة وطويلة نحوه، وبما أن العدل في هذا المسار هو الشرط الأساسي لنمو جميع القيم الأخرى، وبدونه لا تتحقق القيم الأخرى في المجتمع، فإن وصاية الإنسان هي حركة مستمرة نحو العدل» (صدر، د.ت.، ص 142 141؛ همو، 1999م، ص17).

كما يرى الشهيد صدر، على غرار الإمام الخميني، أن تحول الإنسان نحو الكمال والمعارف يجب أن يتم في ثلاثة أبعاد: التحول «الفكري والعقيدي»، والتحول في «الأفعال الإنسانية والأخلاق»، والتحول في «المشاعر والعواطف». ويقول: «وهذا هو ما يسعى الإسلام إلى تحقيقه ويوليه عناية؛ أي خلق الإنسان النموذجي الذي يمتلك هذه القوى الثلاث. العقل الذي يكون في تفاعل ورد فعل مع محيط الوجود، والأخلاق التي تتفاعل وتتقابل مع المجتمع وتزدهر، والروح التي تتصل بالله خالق العالم ومصور الوجود» (همو‌، 1407ه، ص139140).

لذا يمكن القول إن كلا الفقيهين الكبيرين كانا يفكران في تحقيق مثل هذا العدل في المجتمع في نظريتهما الفلسفية السياسية وكذلك في تفاعلهما السياسي.

الشهيد صدر، بالإضافة إلى اعتباره وجود العدل في صميم تكوين العالم فعلًا من أفعال الباري تعالى، واعتباره النظام السببي دلالة على ذلك، يرى أن بسط العدل في المجتمع البشري هو سبب ازدهار الطبيعة وكثرة البركات، ويستند في ذلك إلى الآية «وإن لو استقاموا على الطريقة لسقيناكم ماء غدقا» (جن، 16‌)، وكذلك الآية «ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون» (اعراف، 96)، فيحلل أن العلاقات بين المجتمع العادل والطبيعة تظهر ازدهارًا،

بينما العلاقات بين المجتمع الظالم والطبيعة لا تتجلى بشكل جيد، ويقول: «هذه العلاقة ليست فقط ذات محتوى غيبي، بل نحن نؤمن أيضًا بمحتواها الغيبي، ولكن بغض النظر عن محتواها الغيبي، فإن هذه العلاقات تظهر أحد السنن الإلهية» (صدر، د.ت.، ص238). لذلك، فهو يعتبر العدل في التكوين معلولًا لله تعالى، والعدل في المجتمع البشري سببًا لازدهار الطبيعة، والظلم سببًا للعديد من اضطرابات المجتمع وفساد الطبيعة كسنة إلهية. ومن البديهي أن هذا الفكر والنظرة إلى العالم تختلف وتتناقض إلى حد بعيد مع أفكار الأنظمة الرأسمالية والاشتراكية التي تقوم على إنكار وجود الله أو الإلحاد أو الدييزم وإنكار الله المدبر والرب في رسم سعادة البشر والنماذج الاجتماعية العادلة، والشهيد صدر في طرح هذه المبادئ يولي اهتمامًا للفروق بين المجتمع العادل والمجتمع الظالم ولا يقتصر على النقاش المعرفي فقط.

2 العدل: فلسفة تشريع الأحكام وبعثة الأنبياء

استنادًا إلى الإنسان‌شناسيّة والرؤية الكونية الإلهية التي قُدّمت، فإن فلسفة النبوة من وجهة نظر الإمام الخميني هي تحقيق العدل في النفوس الإنسانية وفي المجتمع، ويقول: «الأنبياء جميعًا جاءوا ليصلحوا الإنسان. لم يأت نبيٌ واحدٌ بهدف غير إصلاح الإنسان. إقامة العدل هي إصلاح الناس… إقامة العدل هي تحويل الظالم إلى عادل، وتحويل المشرك إلى مؤمن» (الموسوی‌الخمینی، 1378ب، ص28).

وبناءً على هذا المنظور، يطرح الإمام الخميني فلسفة السياسة الإسلامية وبقية الأديان ويقول: «في الحقيقة، أهم واجب للأنبياء هو إقامة نظام اجتماعي عادل من خلال تطبيق القوانين والأحكام، وهو ما يرتبط ببيان الأحكام ونشر التعاليم والمعتقدات الإلهية. وهذا المعنى واضح من الآية الكريمة: “لقد أرسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط”، فالهدف من البعثات عمومًا هو أن ينظم الناس علاقاتهم الاجتماعية بشكل عادل،

ويعيدوا الإنسان إلى مقامه الصحيح، وهذا ممكن من خلال إقامة الحكومة وتنفيذ الأحكام» (الموسوی‌الخمینی، 1378ب، ص28).

لذلك، فإن الإمام الخميني كفقيه يستنبط الأحكام الإلهية من هذا المنظور الذي يرى أن مقصد الشريعة الإسلامية هو تحقيق العدل.

الشهيد صدر، مثل الإمام الخميني، يعتقد أن الأنبياء بعثوا من أجل إحداث تحول فكري وعاطفي وأخلاقي وتقريب الإنسان من مثله الأعلى (صدر، د.ت.، ص139).

الشهيد صدر يرسم بدقة واهتمام طريقة تحقيق هذا التحول في البشرية، ويشرح الدور الفعّال للدين في هذا المجال، ويثبت عجز المذاهب الفكرية الأخرى عن حل مشكلة المجتمع البشري وتحقيق سعادة الإنسان وخيره وصلاحه وعدله.

ويعتقد أن حب الذات هو الغريزة الأساسية والأشمل في فطرة الإنسان، وأن باقي الغرائز هي فروع لها، لأن محبة اللذة والسعادة وكره الألم والبؤس تدفع الإنسان إلى الحياة وتلبية حاجاته المادية، وهذا هو حب الذات ذاته (همو، 1358، ص75).

من وجهة نظره، غريزة حب الذات في الإنسان تحتل موقعًا حساسًا للغاية، وإذا كان «الذات» في نظر الإنسان تعني الجسد والقوة المادية المحدودة، و«اللذة» تعني اللذة المادية المفرحة، فإن الإنسان بطبيعة الحال سيظن أن ميدان تجارته محدود ووقته قصير، وأن الهدف النهائي من الحياة هو الحصول على الملذات المادية، والطريق الوحيد للوصول إليها هو الثروة. وفي هذا السياق، تؤدي غريزة حب الذات دورها حتمًا، بل تدفع الهيئات الحاكمة وقادة المجتمع إلى تقديم المصالح الشخصية على المصالح الاجتماعية، ولا تسمح للإنسان بأن يضحي حتى بجزء بسيط من مصالحه الفردية دون تحقيق منفعة، مادام المصلحة المادية تحكم الأفراد في المجتمع بحكم التوجه إلى المادية، فتبدأ المنافسة والصراع والتضاد الاجتماعي من جديد، وتظهر أنواع المخاطر والاستقلال والاستغلال في الساحة الاجتماعية (صدر، 1358، ص80).

يعتبر الشهيد صدر أن كلا المدرستين الرأسمالية والاشتراكية قد فشلتا في تحقيق السعادة والعدالة للبشرية وتخليصها من المشاكل والمخاطر الناجمة عن حب الذات، لأنه يعتقد أن الخطر الذي يهدد نوع البشر يكمن فقط في طريقة التفكير والرؤية المادية ومعاييرها. ولا شك أن دمج الثروات الصغيرة والكبيرة معًا وتسليمها إلى الهيئات الحاكمة دون إحداث تحول فكري لا يزيل هذا الخطر (نفسه). وهو يرى أن الدين الإسلامي يمكنه، من خلال توجيه «حب الذات»، أن يقود الإنسان إلى السعادة والعدالة، ولهذا الغرض، أولاً، يخلق الدين تحولًا فكريًا في الإنسان ويجعله يؤمن بأن الحياة المادية محدودة، لكن جهد الإنسان في سبيل نيل رضا الله له أجر في العالم الأبدي. لذلك، فإن جميع النشاطات الاجتماعية للإنسان لها منفعة شخصية، كما أن الإسلام يحقق تنسيقًا خاصًا بين رغبات الفرد والمجتمع، ويدفعه إلى المشاركة من أجل الحفاظ على العدالة الاجتماعية واستقرارها؛ ثانيًا، يسلم الدين تربية الإنسان الصحيحة إلى القيادة المعصومة، لكي توجه حب الذات من خلال تنمية مشاعر الإنسان وعواطفه بشكل كامل (نفسه).

من جمع آراء الشهيد صدر والإمام خميني يمكن التوصل إلى نتيجة مفادها أن هدف الأنبياء هو تحقيق العدالة والسعادة في المجتمع البشري، وهذا الأمر يتحقق من خلال تحول أفراد البشرية في الفكر والعقيدة والتربية الأخلاقية، وبالنتيجة يتحقق تحول الإنسان الجاهل الظالم إلى إنسان عالم عادل بفضل الأنبياء.

3 تحقيق العدالة في ظل حكم الحاكم العادل

يرى الإمام خميني أن تحقيق العدالة لا يتم إلا بحكمة الإمام المهدي (عج)، وفي هذا السياق يشرح فلسفة عقيدة الشيعة في المهديّة. يقول: «كما أن أمرًا عظيمًا كتنفيذ العدالة الحقيقية في العالم لم يحدث عبر تاريخ البشرية إلا مع المهدي الموعود (عج)، الذي حفظه الله تعالى للبشرية، فكل الأنبياء الذين جاءوا كان هدفهم تنفيذ العدالة في العالم، لكنهم لم ينجحوا؛ حتى رسول الله (ص) الذي جاء لإصلاح البشر وتنفيذ العدالة وتربيتهم لم ينجح في زمانه. ومن سينجح في هذا المعنى وينفذ العدالة في العالم كله ليس فقط العدالة التي يفهمها الناس العاديون، وهي مجرد قضية العدالة على الأرض من أجل رفاهية الناس، بل العدالة في جميع مراتب الإنسانية. إذا انحرف الإنسان بأي شكل، سواء كان انحرافًا عمليًا أو روحيًا أو عقليًا، فإن إعادة هذا الانحراف إلى حالته الأصلية يعني تحقيق العدالة في الإنسان. إذا كانت أخلاقه منحرفة، فعندما يعود من هذا الانحراف إلى الاعتدال، تتحقق العدالة فيه. وإذا كانت هناك انحرافات وميول خاطئة في عقائده، فإن إعادة هذه العقائد المنحرفة إلى عقيدة صحيحة وصراط مستقيم يعني تحقيق العدالة في عقل الإنسان» (الموسوی‌الخمینی، 1378ب، ص30‌).

وعلى هذا الأساس، يوضح الإمام خميني في كتاب «ولاية الفقيه» أسس ومستندات شرعية حكم الفقيه العادل في عصر الغيبة ونطاق صلاحياته، ويعتبر الفقيه العادل وحده الحاكم الشرعي لتنفيذ أحكام الدين وتحقيق العدالة. وفي استمرارية حركة الأنبياء، يرى الشهيد صدر مثل الإمام خميني أن وجود حاكم عادل أمر ضروري، ويعتقد أن استمرار هدف الأنبياء يتم عبر القيادة المعصومة (عليه السلام) أو من بلغ درجة عالية من العدالة وقارب العصمة (صدر، د.ت.، ص147).

ونظرًا لأن مجموع هذه الأسس يلعب دورًا مهمًا في تشكيل وجهات النظر الفقهية للإمام والمرحوم الشهيد صدر، فإننا هنا نناقش العدالة في الفكر الفقهي لهذين المفكرين.

العدالة من منظور فقهي عند الإمام خميني والشهيد صدر

العدل في اللغة كما قيل هو ضد الجور؛ وفي الاصطلاح الفقهي يقابل الفسق والجور من حيث المعنى. العدل مقابل الفسق يعني توازن القوى الداخلية وملكة تمنع الشخص من ارتكاب الكبائر والإصرار على الصغائر. هذا المفهوم للعدل يتعلق بالوظيفة الفردية للعدل، أما الفسق فهو التخريب والفساد والانحراف والميل الذاتي. لكن مفهوم العدل في الوظيفة الاجتماعية والسياسية يقابل الجور، والجور يعني عدم الثبات والانحراف الكبير في مجال العلاقات الاجتماعية والسياسية (شاکری، 1385، ش 41-42، ص 67).

تمت دراسة العدالة من جوانب مختلفة. وسنشرح هنا كل جانب منها:

أ. العدالة كمقياس في استنباط الأحكام الإلهية

في كتب قواعد الفقه، لا توجد قاعدة تسمى «قاعدة العدالة». وكذلك في كتب الأصول، يُناقش فقط حسن وقبح العدل والظلم العقلي كأحد الصغريات الملازمة للعقل، ولا يُبحث في طرق الوصول إلى العدل واستنباط الحكم بناءً عليه. لكن الإمام خميني والشهيد صدر يعتبران العدل مقياسًا لاستنباط الأحكام الشرعية.

يعتبر الإمام الخميني في مؤلفاته العدل عمود القوانين، ويقول: «لقد جاء الإسلام لتأسيس حكم العدل، وجميع القوانين المالية والجزائية في الإسلام مبنية على العدل واليسر» (الموسوی‌الخمینی، د.ت.، ج2، ص 460).

وعلى هذا الأساس، يولي في استنباط الأحكام اهتمامًا لأصل العدل، ويستخدمه كمعيار للاجتهاد والإفتاء. ومن بين فتاواه المستندة إلى هذا الأصل، يمكن الإشارة إلى ما يلي:

1 الإمام يرى أن التصرف في ملك لا مال له حرام. ويعتقد أنه إذا لم يكن للشيء مال، فلا يجوز التصرف فيه بدون إذن صاحبه. والسبب الذي يطرحه هو أن التصرف المذكور ظلم وعقلاً قبيح (همو، ج1، ص 451)، ولذلك من وجهة نظره العدل معيار لاستنباط الحكم.

2 الإمام الخميني يرى أن كل من المتعاقدين يجب أن يسلم ما التزم بتسليمه للطرف الآخر، وفي استدلاله على هذه الفتوى يقول: «السبب هو أن الاحتفاظ بمال غير ظلم، والظلم من أحد الطرفين لا يبيح ظلم الآخر» (الموسوی‌الخمینی، د.ت.، ج5، ص 371)، وبالتالي فإن معيار هذه الفتوى هو العدل أيضًا.

3 الإمام في مسألة تحريم الربا يقول: «بالنظر إلى الآية المتعلقة بالربا، يُستفاد أن تحريم الربا ناشئ عن الظلم، وعلى هذا الأساس لا يجيز الحيل الربوية في الربا القرضي والمعاملات في الأشياء التي تساوي حسب سعر السوق، ويعتقد أن الروايات التي تدل على جواز الحيل محل نقاش، وحتى لو كانت هذه الروايات صحيحة، يجب تأويلها، لأن الحيل الربوية لا تخرج الموضوع من كونه ظلمًا وفسادًا، والربا بالحيل أيضًا مصداق للظلم ومحرم» (همو، ج2، ص 409).

وبالتالي يمكن القول إن حضرة الإمام يعتقد أن الفقيه في استنباط الأحكام الشرعية يجب أن يولي اهتمامًا لأصل العدل. حتى في الحالات التي يتعارض فيها هذا الأصل قطعًا مع أدلة أخرى مثل الروايات الصحيحة، فإن أصل العدل يكون معيارًا في إصدار الفتوى، كما أن أدلة جواز الربا بالحيل مرفوضة باستخدام هذا الأصل. لكنه لم يتحدث بتفصيل عن معيار تحديد مصاديق العدل والظلم من قبل الفقيه وإصدار الحكم بناءً عليها.

الشهيد الصدر أيضًا يعتبر العدل هدف الشريعة، ويأخذه في الاجتهاد واستنباط الأحكام كمؤشر ومقياس. ويظهر هذا الرأي بوضوح في تحليله للأحكام الاجتماعية والاقتصادية في الإسلام، وهو ما سنفصل فيه لاحقًا. الفقه الاجتماعي والاقتصادي الذي يقدمه يركز على أن العدل هو محور وهدف النظام التشريعي الإسلامي، وعلى عكس كثير من الفقهاء الذين يعرضون الأحكام الاقتصادية الإسلامية كقواعد متفرقة دون الاهتمام باتجاهها، يقدم الشهيد الصدر هذه الأحكام بشكل فريد مركزًا على العدل وبصورة نظام الاقتصاد الإسلامي. وستأتي نماذج فقهية مختلفة تعبر عن مكانة العدل في استنباط الأحكام في نظره في بحث العدالة الاجتماعية، وهنا نشير إلى بعض الأمثلة.

استنادًا إلى اعتبار العدل مقياسًا، يقسم القوانين الاقتصادية في المجتمع إلى ثلاثة أقسام، ويحلل الأحكام المتعلقة بالظواهر الثابتة التي تبين علاقات توزيع الثروة في المجتمع وفقًا لموازين العدالة الاجتماعية. كما يرى أن الأحكام المتعلقة بالظواهر المتغيرة، مثل تحديد مقدار الإحياء المسموح به للأرض من قبل الحكومة، مستلهمة من توجيهات الظواهر الثابتة، ويعتقد أن الحاكم الإسلامي يجب أن يصدر حكمه في هذا الشأن بناءً على مراعاة العدل في المجتمع (صدر، د.ت.، ص69 70؛ همو‌، 1359‌، ص42‌ 43). كما يعتبر قاعدة لا ضرر مبنية على العدل (همو، ص 33).

ب  العدل الفردي والاجتماعي في نظام التشريع

من وجهة نظر الإمام الخميني، تحقيق العدل في كل فرد وكذلك في المجتمع هو هدف الدين والشريعة. ويقول: «كل جهد الأنبياء كان من أجل إقامة عدل اجتماعي للبشر في المجتمع وعدل باطني للإنسان في الفرد» (الموسوی‌الخمینی، 1378ب، ج11، ص386‌).

وبالتالي من وجهة نظره، تحقيق العدل الاجتماعي لا يقل أهمية عن تحقيق العدل الفردي، وهذان البعدان يكملان بعضهما البعض، فالعدل الفردي يمهد الطريق للعدل الاجتماعي، والعدل الاجتماعي يوسع نطاق العدل بين الأفراد. سنواصل شرح هذين المفهومين للعدل في نظام التشريع من منظور الإمام الخميني والشهيد الصدر في قسمين، مع توضيح ارتباط كل منهما بالمبادئ المعرفية لهذين العالمين الجليلين. وأخيرًا نشير إلى أن العدل الثقافي هو الأساس بالنسبة لبقية أبعاد العدل الاجتماعي.

1 العدل الفردي

الإمام الخميني، مثل كثير من فقهاء الشيعة والسنة، في تعريف العدل في الفقه الفردي يقول: «العدل هو ملكة راسخة تدفع إلى ملازمة التقوى، من ترك المحرمات وفعل الواجبات» (الموسوی‌الخمینی،1390ه، ج1، ص10). ويعتبر العدل المطروح في الفقه كصفة فرد المكلف، ملكة متجذرة في النفس تدفع الإنسان إلى التقوى الإلهية وأداء الواجبات وترك المحرمات، وفي ظل هذه الملكة يتجنب الإنسان المعاصي. ولذلك العدل الفردي في الفقه هو أمر باطني، ومن آثاره حسن ظاهر المكلف في الالتزام بأحكام الله، ويعتقد أن هذه الصفة تزول بارتكاب الذنوب، وإذا وجدت الملكة تعود بالتوبة التي هي حقيقة باطنية (نفس المصدر).

تحصيل ملكة العدالة و ملازمة التقوى في الشريعة واجب على جميع المكلفين، وبالأخص مع مراعاة مبادئ الإنسان‌شناسيّة حضرة الإمام، فإن السلوك العادل ضروري لكل مكلف، وكما ذُكر، فالعدالة هي السلوك على الصراط المستقيم، وهدف بعثة الأنبياء وإبلاغ أحكام الشريعة هو تحقيق هذا الهدف العظيم. ولكن في كتب الفقه، تم طرح ضرورة وجود العدالة في بعض المواضع الاجتماعية. الإمام الخميني يرى العدالة شرطاً للإمامة في الجماعة أو المجتمع، والشهادة، والقضاء، وفي الواقع العدالة في هذا المعنى مرادفة للتقوى، ونظراً لأن إثبات هذه الصفة في هذه المواضع الفقهية بسبب كونها باطنية ليس ممكناً للجميع، فإنها تحتاج إلى إثبات من أجل سير الأحكام في المجتمع. وطرق إثبات العدالة الفردية من وجهة نظر الإمام الخميني هي:

1 شهادة اثنين عادلين؛ 2 معاشرة مفيدة للعلم والاطمئنان؛ 3 الشيوع الموجب للعلم؛ 4 حسن الظاهر ومواظبة الشخص على الأمور الشرعية (همو، ص10).

الإمام الخميني يولي اهتماماً لهذه الصفة الفردية من بعد اجتماعي، ويقول: «الإسلام إلهه عادل، ونبيه عادل، والمعصوم، وإمامه أيضاً عادل ومعصوم، وقاضيه أيضاً معتبر لأن يكون عادلاً، وفقيه أيضاً معتبر لأن يكون عادلاً، وشاهد الطلاق أيضاً معتبر لأن يكون عادلاً، وإمام الجمعة أيضاً يجب أن يكون عادلاً، من الذات المقدسة الكبرى إلى آخرها، الحاكم يجب أن يكون عادلاً، والولي أيضاً يجب أن يكون عادلاً» (موسوی‌الخمینی‌، 1378‌الف، ص29).

الشهيد الصدر يعرّف العدالة الفردية في الفقه بأنها الثبات على شريعة الإسلام، ويقول: «العدالة عبارة عن الاستقامة على شرع الإسلام وطريقته» (شهید صدر،1981م،ص120). العدالة تعني ضرورة السير في الخط المستقيم والثبات على هذا السير، والذي من وجهة نظره يتحقق إذا لم يرتكب الإنسان من طبيعة وعادة الكبائر والصغائر. وهو خلاف الإمام الخميني الذي لا يشترط ترك الصغائر لتحقيق العدالة، إذ يرى أن ارتكاب الصغائر (بدون إصرار) يضر بالعدالة (نفس المرجع).

الشهيد الصدر، مثل باقي الفقهاء، يعتبر العدالة شرطاً للقضاء، والشهادة، والإمامة في الجماعة، والمرجعية، ويعتقد أن العدالة في هذه الأمور لها مراتب، وفي موضوع المرجعية وقيادة المجتمع، أعلى درجات العدالة هي الشرط (همو، د.ت.، ص147؛ همو،1999‌ه‌، ص25).

الشهيد الصدر يذكر أربع طرق لإثبات العدالة: عن طريق الحس، شهادة اثنين عادلين، حسن الظاهر، والسيرة الحسنة للفرد بين الناس (همو،1981م، ص121‌). على عكس الإمام الذي لا يعتبر شهادة الثقة دليلاً على العدالة، بل يعتبر الشيوع الموجب للعلم دليلاً عليها. ويبدو أن الإمام يطرح شروطاً أشد لإثبات العدالة، رغم أن في بعض الحالات تتفق فتواه مع فتوى الشهيد الصدر. وبالنظر إلى تأكيد الشهيد الصدر على العدالة الاجتماعية، فإن شرطية العدالة في المواضع المذكورة أيضاً مطروحة للفرد المكلف في الساحة الاجتماعية، ولكن مع مراعاة مبادئ الإنسان‌شناسي لديه، فإن تحول الإنسان إلى إنسان مستقيم ومعتدل يسير في صراط العدالة، كأرضية ونتيجة للعدالة الاجتماعية، يحظى بأهمية خاصة. لذلك، في فقهه الفردي، اكتساب العدالة ضروري لجميع المكلفين، واكتساب النظرة العالمية الصحيحة، وكذلك التربية الإلهية والسير في مسار التحول في الأبعاد الثلاثة (الروح، الفكر، والأخلاق) واجب.

2 العدالة الاجتماعية

العدالة بالمفهوم الكلي كما ذُكر هي ضد الظلم، وتتعلق بمجال العلاقات الاجتماعية والسياسية. لذلك يمكن القول إن العدالة الاجتماعية هي تجلٍّ واقعي للعدالة داخل المجتمع، التي تتجلى في إطار التفاعلات الاجتماعية، وإقرار وتنفيذ القوانين، وفي أبعاد مختلفة سياسية، واقتصادية، وثقافية، وقضائية، بحيث يتحقق التناسب والتوازن الحقيقي في النظام الاجتماعي ككل (جمشیدی، 1380، ص 581). العدالة الاجتماعية من وجهة نظر الإمام الخميني والشهيد الصدر تم التعبير عنها في محاور مختلفة:

1-2 نفي الحكم الجائر ومقاومته مقدمة للعدالة الاجتماعية

من وجهة نظر الإمام الخميني والشهيد الصدر، نظرية التغلب والحكم المبني على الهيمنة مرفوضة، والحكم العادل والشرعي فقط هو المقبول. الشهيد الصدر يقول: «نرفض إسلامياً نظرية القوة والتغلب» (صدر، د.ت.، ص 17).

لذلك، يرى ضرورة المقاومة ضد الحكم الجائر، كما هو واضح في منشوره السياسي، حيث يقاوم حكام العراق الظالمين ويدعو الآخرين إلى هذه المقاومة.

وكذلك الإمام الخميني، في مواجهة نظرية الجبر ونظرية التغلب، ينفي الجبر، ويعتقد أن «حكمة الخالق قامت على أن يعيش الناس حياة عادلة ويسيروا ضمن حدود الأحكام الإلهية. وهذه الحكمة دائمة ومن سنن الله تعالى ولا تتغير» (الموسوی‌الخمینی،1373، ص 31).

لذا، كان مقاومة الظلم والنضال من أجل إسقاط الحكم الجائر واجب كل مسلم، ومن حيث التطبيق، فإن منشوره السياسي عبر التاريخ وبين علماء الإسلام لا مثيل له.

2-2 إقامة الحكم الإسلامي أهم أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية

من وجهة نظر الإمام الخميني والشهيد الصدر، أساساً لا يمكن تحقيق العدالة الاجتماعية بدون إقامة حكم ديني يكون المسؤولون عنه من الأفراد العادلين، وعلى رأسهم الفقيه العادل. الإمام الخميني في كتاب «ولاية الفقيه» يشرح نظرية الإسلام في ضرورة حكم الفقيه العادل في عصر الغيبة وحدود صلاحياته، ويعتبر العدالة ضمانة لبقاء شرعية الحكم، ويقول: «الفقيه إذا ارتكب حتى ذنباً صغيراً، يسقط من الولاية» (الموسوی‌الخمینی، 1378ب ، ج11، ص 306). أو في شأن القاضي يقول: «من يخالف القانون ويكون مذنباً، لا يحق له القضاء». ومن ثم، من وجهة نظر الإمام الخميني، بعد إسقاط الحكم الظالم، تكون شرعية الحكم والمناصب الحكومية لتحقيق العدالة مع الحكم الفقيه العادل.

يرى الشهيد صدر أيضًا تحقيق العدالة الاجتماعية في ظل وجود الحكم الإلهي ممكنًا، ويرسم الأوامر الإلهية للإنسان المتدين في فضائين. يقول: «الأوامر الاقتصادية في الإسلام وُضعت في بعض الحالات لفرد مؤمن ومسلم يعيش في مجتمع غير إسلامي، والهدف منها ليس تثبيت النظام الاقتصادي للمجتمع الإسلامي، بل هي موجهة للفرد الصالح ليكون سلوكه مبنيًا على الإسلام قدر الإمكان في مجتمع غير صالح. أما مجموعة من الأوامر الإلهية فلا يمكن تحقيقها إلا في المجتمع الإسلامي وتحت ظل دولة إسلامية؛ فمثلاً، يجب أن يكون أسلوب التشريع في الشريعة الإسلامية مبنيًا على مكافحة الاحتكار ورفع الأسعار أو على إلغاء الربا، وهذه الأمور لا تتحقق إلا في ظل الحكم الإسلامي. لذلك، يرى الشهيد صدر أن النظام الأول يحقق فقط جانبًا من العدالة الاجتماعية التي يطالب بها الإسلام مع مراعاة قدرة الفرد المتدين (صدر، 1369، ص 2826).

3-2 الآليات الثقافية في الإسلام لتحقيق العدالة الاجتماعية

كما ذُكر في الجزء الأول من المقال، من وجهة نظر الإمام الخميني والشهيد صدر، لا يمكن تحقيق العدالة الاجتماعية إلا من خلال تزكية النفوس البشرية وتحول الفكر والأخلاق والروح في سبيل رضا الله. كما بيّن أن الشهيد صدر يعتبر حب الذات هو الجذر الأساسي للمشاكل الاجتماعية والظلم والفساد، لذلك فإن أحد طرق تحقيق العدالة الاجتماعية من وجهة نظر الإمام الخميني والشهيد صدر هو التحول الثقافي، وهذا التحول في بعض الجوانب يعتمد على الفرد نفسه وفي جوانب أخرى هو مسؤولية الحكم الإسلامي. يرى الشهيد صدر أن الإسلام يستخدم طريقتين لإحداث هذا التحول:

الطريقة الأولى هي تصحيح نظرة الإنسان إلى العالم والحياة، فيدرك أن الحياة المادية المحدودة هي مقدمة للحياة الأبدية، وأن الإنسان كلما اجتهد في سبيل رضا الله في هذه الحياة، سيكون أكثر نجاحًا في الحياة الأبدية. لذا فإن الخسارة المؤقتة في الحياة المادية المحدودة هي في الحقيقة مكسبه الحقيقي في الحياة الأبدية.

الطريقة الثانية هي أن يترك التربية الأخلاقية للإنسان وتكامل مشاعره وعواطفه تحت قيادة معصوم، بحيث يتمكن من خلال التربية الصحيحة ونمو الأخلاق والعواطف من تجاوز مصالحه الشخصية التي تعيق نمو وتكامل ميوله الأخلاقية، وتمنع سيطرة ميوله الروحية (صدر‌، 1358، ص 9590).

يرى الشهيد صدر في ظل هاتين الطريقتين أن «حب الذات» لدى الإنسان يُوجه في مسار رضا الله، وأنه من خلال التحول في الفكر والروح والأخلاق، يصبح جميع أفراد المجتمع موجهين نحو تحقيق العدالة الاجتماعية، لأنه في مثل هذه الحالة لا يرتكب الناس الظلم بسبب المصالح المادية. ومن الواضح أن الشهيد صدر يرى أن هذا التحول يتطلب مهامًا جسيمة لكل من الفرد وقائد المجتمع، ولا يمكن تحقيق العدالة الاجتماعية بمجرد تحقيق العدالة الاقتصادية، لأنه في غياب هذه النظرة وهذا المنهج، لن تتحقق العدالة الاجتماعية بشكل كامل من خلال الاستراتيجيات الاقتصادية ورقابة الحاكم في مجال تعديل الثروة وتوزيع الموارد والدخل العادل في المجتمع.

يرى الشهيد صدر أن جذور الظلم في المجتمع تكمن في نظرة الناس. وعلى الرغم من أنه يشرح بالتفصيل الحلول الإسلامية لتحقيق العدالة الاقتصادية، إلا أنه يمكن من خلال أساسه أن ندرك عمق أهمية العدالة الثقافية من وجهة نظره كأساس لخلق العدالة الاقتصادية.

يرى الإمام الخميني أيضًا أن أهم حل لتحقيق العدالة الاجتماعية هو التحول الثقافي والتعليم والتربية. يقول: «حقًا، رأس كل الأخطاء والذنوب هو هذه الأنانية. ما دامت هذه الأنانية موجودة في الإنسان، فستظل الحروب والفساد والظلم والاعتداءات موجودة. كان الأنبياء يسعون لتحقيق حكم عادل في هذه الدنيا، لأنه إذا كان هناك حكم عادل، حكم بدافع إلهي وأخلاقي وقيمي إنسانية معنوية، فإن مثل هذا الحكم إذا تحقق، فإنه يكبح المجتمع ويصلحه إلى حد كبير» (الموسوی‌الخمینی، 1378ب، ج16، ص 162). كما كان الإمام في منهجه السياسي والاجتماعي، سواء قبل تشكيل الحكم أو بعده، يولي اهتمامًا خاصًا لاستخدام الآليات الثقافية لإحداث تحول ثقافي وتحقيق العدالة الاجتماعية عمليًا. وتدل مراجعة مجموع أعماله وسياساته على أهمية هذه المسألة من وجهة نظره.

4-2 الآليات الاقتصادية في الإسلام لتحقيق العدالة الاجتماعية

أحد أبعاد العدالة الاجتماعية هو العدالة الاقتصادية، التي بتحقيقها يتحقق جزء كبير من العدالة الاجتماعية. وقد قيل في تعريف العدالة الاقتصادية من وجهة نظر الإسلام: «العدالة الاقتصادية هي الرفاهية العامة وخلق التوازن والتناسق في الثروات والدخول».

هذا التعريف مأخوذ من وجهات نظر مفكرين مثل الشهيد صدر، وبناءً عليه تتحقق العدالة الاجتماعية إذا حقق الاقتصاد الرفاهية العامة والتوازن والتناسق بين الثروة والدخل.

في آثار الإمام الخميني، نلاحظ التأكيد المتكرر والإرشادات المتعددة له من أجل القضاء على الفقر وحماية المجتمع من خلق فجوة طبقية. ومن أجل تحقيق العدالة الاقتصادية، بالإضافة إلى شرح نظرياته الاقتصادية حول الملكية والربا وعيوب النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي، كان يهيئ لتحقيق العدالة الاقتصادية بطريقتين: الأولى من خلال تطبيق السياسات الحكومية والتخطيط للقضاء على الفقر وتقليل الفجوة الطبقية؛ والثانية من خلال تحفيز وتربية النفوس البشرية كقائد للأمة لمساعدة المحتاجين، وأداء الحقوق المالية الواجبة والمستحبة، وتثبيت القيم الدينية.

بساطة حياته ونصيحته إلى مذمومية الترف والعيش في القصور وطبيعته كذلك، بالإضافة إلى دعمه للمحرومين من خلال ابتكار جهاد البناء، وحساب 110 الإمام، … كل ذلك يعبر عن الآليات الثقافية والاقتصادية للإمام الخميني في سبيل العدالة الاجتماعية.

لذا فإن استنباط آراء الإمام في باب العدالة الاقتصادية لا يتم أكثر من خلال دراسة سيرته العملية ومقارنتها بإطار الاقتصاد الإسلامي، وليس من خلال مؤلفاته بشكل منسجم.

في المقابل، كان الشهيد الصدر في الجانب النظري يبذل جهداً كبيراً في تقديم نظام اقتصادي إسلامي متكامل وحلول اقتصادية لتحقيق العدالة الاجتماعية. وربما يجمع الربط بين نظريات الشهيد الصدر وعمليات الإمام الخميني في إدارة المجتمع الإسلامي رؤية كاملة للعدالة الاجتماعية في الإسلام.

ولكن بما أن هذا المقال يركز على دراسة نظرية العدالة الاجتماعية في الإسلام، فإننا نؤجل بحث السيرة العملية للإمام الخميني إلى فرصة أخرى، وفي هذا الجزء ندرس آراء الشهيد الصدر.

الشهيد الصدر في كتاب «اقتصادنا» يسعى إلى رسم مدرسة الاقتصاد الإسلامي، ويرى العدالة الاجتماعية من أركان هذه المدرسة الاقتصادية، ويضع مجموعة الأوامر والقوانين الاقتصادية في إطار هذا الهدف وتحديد ذي الحق والملتزم بأداء الحق. يشرح آليات الاقتصاد الإسلامي لتحقيق العدالة في ظل مبدأين: 1- التأمين الاجتماعي؛ 2- التوازن الاجتماعي (صدر‌، 1399‌ه‌، ص 699697).

المبدأ الأول: التأمين الاجتماعي

بموجب هذا المبدأ، يلتزم الإسلام الدولة بتوفير وسائل الحياة الكاملة لجميع أفراد المجتمع. وعادةً ما تقوم الدولة بهذه المهمة على مرحلتين. في المرحلة الأولى، تؤسس الدولة وحدات اقتصادية تتيح للناس المشاركة في الأنشطة الاقتصادية والعمل والاجتهاد لإدارة حياتهم؛ وفي المرحلة الثانية، إذا لم تستطع الدولة توفير فرص العمل للأفراد، يجب عليها أن تلبي احتياجات الفرد بنفسها. من وجهة نظر الشهيد الصدر، مصدر وضمان التأمين الاجتماعي هما أمران:

أ- الكفالة العامة

الكفالة في اللغة تعني الكفيل والضامن لشخص ما. هنا تعني أن جميع أفراد المجتمع مسؤولون تجاه بعضهم البعض بأن يسعوا، حسب إمكانياتهم، إلى تلبية الاحتياجات الضرورية لبعضهم البعض، وهذا واجب كفائي.

يستنبط الشهيد الصدر هذا المبدأ من روايتين. في الرواية الصحيحة عن سماعة جاء: «سُئل الإمام الصادق(u) عن جماعة يملكون ثروة كبيرة بينما إخوانهم (الدينيون) في ضيق شديد بحيث لا تفتح الزكاة لهم باباً، هل يمكنهم في هذه الظروف الصعبة أن يشبعوا بينما إخوانهم جائعون؟ فأجاب: المسلمون إخوة، لا يجوز أن يظلم بعضهم بعضاً أو يحتقر بعضهم بعضاً أو يسبب حرمان الآخر، يجب أن يسعوا في هذا الطريق ويتعاونوا مع بعضهم البعض ويساعدوا المحتاجين»[1] (الحرالعاملی، د.ت.، ج11، ص 597‌).

وفي الرواية الثانية عن الإمام الصادق(u) نقل: «المؤمن الذي يستطيع شخصياً أن يلبي حاجة مؤمن آخر ولا يفعل، أو إذا كان آخر قادرًا على ذلك ويمنعه، فإن الله يبعثه يوم القيامة بوجه أسود وعيون متحيرة وأيدٍ مقيدة حول عنقه، ثم يُقال له: هذا هو الذي خان الله ورسوله، ثم يُأمر بأن يُلقى في النار»[2] (الحرالعاملی‌، د.ت.، ج 11، ص 599).

بناءً على هاتين الروايتين، يحدد الشهيد الصدر موضوع الحكم ومنشأ حكم الكفالة العامة، ويقول: «يُستفاد من الروايات أن موضوع الكفالة العامة هو الحاجات الضرورية والاحتياجات الشديدة للأفراد وليس جميع الاحتياجات، كما يُستفاد من الروايات وجوب الكفالة العامة كواجب كفائي، لأن تاركها يعاقب في الآخرة، وكذلك سبب ومنشأ الحكم هو الأخوة الإسلامية، أي بسبب علاقة الأخوة التي تربط الناس يجب أن يسعوا إلى تلبية الحاجات الضرورية لبعضهم البعض».

من وجهة نظر الشهيد الصدر، لم يترك الإسلام هذا الواجب الكفائي بدون ضمان تنفيذ، بل وضع إشراف الدولة وتدخلها في أداء هذا الفرض الكفائي كضامن للتنفيذ (صدر، 1399ه‍، ص 703).

ب- مبدأ ضمان الدولة لأداء حق المجتمع في موارد الثروة

بموجب المبدأ الأول، تقع مسؤولية الدولة تجاه المحتاجين في تلبية حاجاتهم الضرورية ويجب أن تلبي احتياجاتهم بالكفاف، ولكن وفقاً لهذا المبدأ، تقع على عاتق الدولة مهمة توفير وسائل ووسائل معيشة أفراد المجتمع بالكفالة، وخلق مستوى معيشة مرفه يتناسب مع ظروف العصر.

يستخلص الشهيد الصدر هذا المبدأ أيضاً من مضمون الروايات ويعتقد أن النصوص الشرعية تؤكد على هذه المسؤولية على الدولة. كما يستنتج من تحت الآية الكريمة «وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب، ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير، ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى، فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم» (حشر، 67)، أن عمومية «الفيء» بسبب ضمان حق المجتمع المشترك في الثروات الطبيعية وعدم احتكارها بيد أقلية من الأغنياء. لتحقيق العدالة الاجتماعية ووصول ذوي الحقوق إلى حصتهم من الثروات الطبيعية، تقع على عاتق الدولة مهمة صرف «الفيء» لصالح المحتاجين (صدر، 1399ه‍، ص 314316).

المبدأ الثاني: التوازن الاجتماعي

التوازن يعني المساواة والتكافؤ؛ والتوازن الاجتماعي يعني المساواة والاعتدال في جميع أبعاد الحياة الاجتماعية لجميع أفراد المجتمع.

يشرح الشهيد صدر مفهوم التوازن من خلال قبول مطلبين. الأول هو وجود فروقات بين أفراد المجتمع بصورة فطرية وطبيعية، وهي مصدر اختلاف الأفراد في مستوى المعيشة؛ والثاني هو أن العمل هو أساس الملكية والحقوق الملكية. وبالنظر إلى هذين الواقعين، يستنتج أن المقصود من التوازن الاجتماعي بين أفراد المجتمع هو المساواة في مستوى المعيشة وليس المساواة في مستوى الدخل. بمعنى أنه بسبب الفروقات الفردية، يختلف مقدار ملكية الأفراد بعد العمل. ولكن الإسلام، مع قبوله لهذا الاختلاف، يعارض ظهور اختلافات طبقية حادة، ومن واجب الحاكم الإسلامي أن يرفع مستوى معيشة أفراد المجتمع إلى ما فوق الكفاف، أي إلى حد عدم الحاجة. لذا، في المجتمع المثالي عند الشهيد صدر، يكون الاختلاف الاقتصادي بين الأفراد اختلافاً في الدرجة وليس اختلافاً في مستوى المعيشة، على عكس الفروقات الطبقية الحادة في النظام الرأسمالي.

لذلك، يرى الشهيد أن طريق تحقيق العدالة الاجتماعية هو إلى جانب التأمين الاجتماعي، إيجاد التوازن الاجتماعي. ومن الجدير بالذكر أن الشهيد صدر، من خلال طرحه لمبدأ التوازن، ينظر إلى مسألة التنمية، ويعتقد أن الدولة، باعتبارها تقدم العلوم والفنون، يجب أن تخلق تنمية في وضع معيشة أفراد المجتمع. وهذا لا يقتصر فقط على المسائل المادية للأفراد، بل تقع على عاتق الدولة أيضاً مسؤولية تحقيق التوازن والاعتدال في المسائل السياسية والثقافية والاجتماعية للأفراد.

يرى الشهيد صدر أن الإسلام قد منح الدولة صلاحيات وأدوات مالية خاصة لتحقيق العدالة الاجتماعية ورفاهية العامة، وأن الأحكام الاقتصادية الإسلامية تجد مكانها في هذا الإطار. ويطرح الشهيد هذه الصلاحيات والإمكانات في ثلاثة مجالات:

1- فرض الضرائب الثابتة (كالزكاة والخمس) التي تُفرض على الفرد وفق شروط معينة لغرض تلبية الاحتياجات الضرورية والتأمين الاجتماعي وكذلك التوازن الاجتماعي، وتكون الدولة مسؤولة عن تحصيلها وإنفاقها.

2- تخصيص الفَيْء (الثروات الخاصة التي تكون في يد الحاكم) لاستخدامها في مصالح العامة وتحقيق التوازن الاجتماعي.

3- سن قوانين خاصة تساعد على التوازن الاجتماعي، مثل تحريم الكنز، الربا، وأحكام الإرث، أو مصادرة الأرض من من تركها مهجورة.

4- يرى الشهيد صدر أن صلاحيات الدولة في «منطقة الفراغ» هي أيضاً من آليات الاقتصاد الإسلامي لتحقيق التوازن والاعتدال.

النقطة المهمة هنا هي: إلى أي حد يمتلك الحاكم الإسلامي صلاحيات لإيجاد التوازن الاجتماعي؟ يرى الشهيد صدر أن نطاق صلاحيات الحاكم يقتصر على الأمور التي يكون إباحتها قد ثبتت مسبقاً، لكن الولي الأمر يحق له أن يمنع أو يفرض أي نشاط أو إجراء لم يُعلن صراحة تحريمه أو وجوبه كأمر ثانوي. بالطبع، الأفعال التي حُرمت قانونياً وبشكل مطلق، مثل تحريم الربا، لا يمكن تغييرها. كما أن الأعمال التي يُعتبر تنفيذها واجباً، مثل الإنفاق على الزوجة، لا يمكن للولي الأمر تغييرها، لأن ذلك يؤدي إلى نقض مقصد الشارع في تنفيذ الأحكام الإلهية (صدر‌،1399‌ه، ص726).

في المقابل، يرى الإمام الخميني أن الأحكام الحكومية يمكن أن تتدخل في جميع الأحكام الأولية والثانوية وتتقدم عليها… ويمكن للحكومة أن تلغي من جانب واحد العقود الشرعية التي أبرمتها مع الناس إذا كانت تلك العقود تخالف مصالح البلاد (الموسوی‌الخمینی، 1378، ج20، ص74).

دليل ومبنى الإمام هو أنه كما يجب على الحاكم الشرعي في مرحلة الفتوى حل التضارب بين الأحكام الأهم والأهم، يجب عليه أيضاً القيام بذلك في مرحلة التنفيذ. فقد يحدث أن يؤدي تنفيذ واجب إلى إضاعة أمر أهم، وفي هذه الحالة، إذا اقتصر نطاق الأحكام الحكومية على الأمور المباحة فقط، فإن ذلك يعني أن ما يهم الشارع المقدس بشدة يُهمل ويحل محله ما له أهمية أقل، لذلك الحكم الحكومي هو حكم مؤقت يُصدر بناءً على مصالح أعلى ولا يُعد نقضاً لمقصد الشارع (کوثری، 1360‌، ص403‌). هذا الاختلاف في الرؤى له تأثير خاص على حدود صلاحيات الحاكم الإسلامي. ومن البديهي أن تحقيق التوازن الاجتماعي والضمان الاجتماعي يتخذ أشكالاً خاصة بناءً على كل من هذين الرأيين. كان الإمام الخميني يضع السياسات في المجتمع لتحقيق العدالة الاجتماعية وفقاً لمبناه، ويمكن لدراسة سيرته العملية أن تكشف عن مبادئه وكذلك نماذج فكره، وهذا يحتاج إلى تحقيق آخر. مكانة العدالة في المذهب الفكري تتأثر بمبادئه المعرفية، وعلى هذا الأساس تتشكل الحلول لتحقيق العدالة. يوضح علامتان كبيرتان من علماء الشيعة، الإمام الخميني والشهيد صدر، من خلال فهمهما العميق، مبادئ العدالة وسبل تحقيقها من منظور المذهب الإسلامي.

نتائج البحث

1- العدالة هي أبرز صفة للرب العالمين، والإنسان الكامل، حضرة ختمى المرتبة (r)، وتعني الصراط المستقيم والثبات المطلق والاعتدال التام.

2- حقيقة الوجود التي تصدر عن العدل المطلق هي خالية من الانحراف ومبنية على العدل والثبات.

3- غاية الإنسان هي السير وفق العدالة، وهذا يتحقق بتجلي العدالة في الروح والعقيدة والأخلاق.

4- هدف بعثة جميع الأنبياء والإمامة للأئمة عليهم السلام هو تحقيق العدالة في هذه الأبعاد الثلاثة وفي المجتمع الإنساني، ولكن الوحيد القادر على إرساء العدالة في الروح والعقل والأخلاق لجميع البشر في العالم هو المهدي المنتظر (عج).

5- العدل هو عمود قوانين الإسلام، لذلك يجب على المجتهد في مقام الاستنباط أن يولي اهتماماً إلى عدم تعارض الفتوى مع العدالة إلى جانب الأدلة الأخرى.

6- تحصيل العدالة الفردية واجب على جميع المكلفين، ووجودها شرط لبعض المناصب الاجتماعية.

7- بالنظر إلى أن تحقيق العدالة الاجتماعية هو الهدف من وجهة نظر الإسلام، فإن محاربة الحكم الجائر وإقامة الحكم الإسلامي واجب.

8 الثقافة الإنسانية هي أداة تحقيق العدالة الاجتماعية، ويتم ذلك من خلال تصحيح نظرة الإنسان وتربيته الأخلاقية بقيادة معصوم.

9 أحد أبعاد العدالة الاجتماعية هو العدالة الاقتصادية، ويتم ذلك من خلال إيجاد التوازن والتناسب في الثروة والدخل.

10 لتحقيق العدالة الاقتصادية، فإن تلبية الاحتياجات الضرورية للمحتاجين في المجتمع واجب كفائي على جميع المسلمين وعلى الحاكم المسلم.

11 تحقيق العدالة الاقتصادية الكاملة، بالإضافة إلى تلبية احتياجات المحتاجين، يتطلب إزالة الفجوة الطبقية وتطوير مستوى معيشة الناس، وهذا الأمر من مسؤولية قائد المجتمع الإسلامي.

12 في زمن الغيبة، يتولى الحكم الفقيه العادل، ووفقًا لرأي الشهيد الصدر، يمكنه التصرف في نطاق المباحات وفقًا للمصالح، ووفقًا لرأي الإمام الخميني، يمكن للحاكم الإسلامي في نطاق جميع الأحكام، عند تشخيص مصالح المجتمع الاقتصادية، إصدار حكم حكومي.

المصادر والمراجع

– القرآن الکریم

– جمشیدی، محمدحسین، نظریه عدالت از دیدگاه فارابی، امام خمینی و شهید صدر‌، تهران، پژوهشکده امام خمینی، الطبعة الأولى،1380.

– الحر العاملی، محمدبن‌الحسن، وسایل الشیعه الی تحصیل مسائل الشریعه، قم، مؤسسه آل‌البیت، الطبعة الثانية، دون تاريخ.

– شاکری گلپایگانی، طوبی، «عدالت خرد کلان»، تهران، فصلنامه ندای صادق‌، بهار‌ و تابستان 1385.

– صدر، سیدمحمدباقر، ‌ ‌اسلام و مکتب‌های اقتصادی، ترجمة: محمدنبی‌زاده، قم، مجمع ذخایراسلامی، 1358.

– همو، اقتصادنا، دون مكان النشر، نشر المجمع العلمی للشهیدالصدر، الطبعة الثانية، دون تاريخ.

– همو، الاسلام یقود الحیاه مشتمل بر خلافه‌ الانسان‌ و شهاده الانبیا  «خطوط عن اقتصاد المجتمع الاسلامی»  «لمحه فقهیه تمهیدیه » «منابع القدره فی الدوله الاسلامیه»  «الاسس العامه للبنک فی المجتمع الاسلامی»  «صوره عن اقتصاد المجتمع الاسلامی»، تهران، نشر وزارت‌ ارشاد‌ اسلامی، الطبعة الثانية، دون تاريخ.

– همو، الفتاوی الواضحه، بیروت، دارالتعارف للمطبوعات، الطبعة السابعة، دون تاريخ.

– همو، المدرسه القرآنیه، بیروت، دارالتعارف للمطبوعات، دون تاريخ.

– همو، ترجمة فلسفه ما، ترجمة: سید محمد حسن مرعشی‌ شوشتری‌، تهران‌، منشورات کتابخانه صدر، دون تاريخ.

– همو‌، رسالتنا‌، تهران‌، نشر التوحید، الطبعة الثالثة، 1407ه.

– همو، سنت‌های تاریخ در قرآن، ترجمة: سیدجمال‌موسوی، قم، منشورات اسلامی، فقه و حقوق خانواده» زمستان 1385 – العدد 44 (الصفحة 140).

– همو، طرح گسترده اقتصاد اسلامی‌، ترجمة‌: فخرالدین‌ شوشتری، ، الطبعة پرتو، 1369

– همو، فلسفتنا، قم، مجمع‌ الشهید‌ الصدر العلمی و الثقافی، الطبعة الثانية ، 1408ه

– کوثری، عباس، احکام حکومتی در بستر زمان و مکان (از مجموعه آثار کنگره‌ بررسی‌ مبانی‌ فقهی حضرت امام خمینی، نقش زمان و مکان در اجتهاد)، تهران‌، نشر عروج، الطبعة الأولى، 1360

– مهریزی، مهدی، «قاعده عدالت از نگاه امام خمینی»، تهران، فصلنامه فقه پژوهشی، دفتر‌ اول‌، دون تاريخ‌.

– الموسوی‌الخمینی، روح‌الله ، شرح حدیث جنود عقل و جهل، تهران، مؤسسه تنظیم و نشر‌ آثار‌ امام خمینی، الطبعة السادسة، 1381.

– همو، البیع، قم، نشر مؤسسه اسماعیلیان، الطبعة الرابعة، دون تاريخ.

– همو، تحریر‌ الوسیله‌، قم‌، نشر مؤسسه اسماعیلیان، 1390ه.

– همو، شرح چهل حدیث، تهران، مؤسسه تنظیم‌ و نشر‌ آثار‌ امام خمینی، 1376.

– همو، صحیفه نور، تهران، مرکز مدارک فرهنگی انقلاب اسلامی، 1361.

– همو‌، ولایت‌ فقیه‌، تهران، مؤسسه تنظیم و نشر آثار امام خمینی، 1373.

– همو‌، صحیفه امام، مؤسسه نشر تنظیم‌ و نشر‌ آثار امام خمینی، تهران، 1378ب.

– همو‌، عدل الهی از دیدگاه امام خمینی، تهران‌، مؤسسه‌ تنظیم‌ و نشر آثار امام خمینی، 1378.

[1]. «سأل الإمام جعفر بن محمد عن قوم لديهم فضل، وأخوانهم في حاجة شديدة، ولا يسعهم الزكاة أن يسعفهم ليشبعوا ويجوع إخوانهم؟ فإن الزمان شديد». فرد الإمام عليه قائلاً: إن المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحرمه، فيحق على المسلمين الاجتهاد فيه والتواصل والتعاون عليه، والمواساة لأهل الحاجة».

[2]. «أي مؤمن منح مؤمناً شيئاً مما يحتاج إليه، وهو يقدر عليه من عنده أو من عند غيره، أقامه الله يوم القيامة مسود الوجه، مزرقة العينين، مغلولة اليدان إلى عنقه، فيقال هذا الخائن الذي خان الله ورسوله، ثم يؤمر به إلى النار».