تفسير موضوعي من وجهة نظر الشهيد الصدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: تفسیر موضوعى از دیدگاه شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

المؤلف: سید محمدعلی ایازی

مقدمة

يقرأ المسلمون القرآن وفق ترتيب خاص ويتدبرون معانيه، كما أنهم يولون هذا الترتيب أهمية خاصة ولا يزالون كذلك. وأصح موقف تجاه هذا الترتيب هو القول بأن الترتيب الحالي للقرآن قد تم تنظيمه في عصر النبي وبموافقته.[۱]

لقد بذل مفسرو القرآن الكريم منذ بداية مرحلة التدوين جهودًا كبيرة للحفاظ على هذا الترتيب، وشرحوا وفسروا القرآن وفقًا له. ولهذا السبب، يُعتبر التفسير الترتيبي تقليدًا عريقًا في تاريخ تفسير القرآن الكريم.

لكن مقابل هذا الأسلوب، كانت هناك طرق أخرى شائعة في التفسير مثل التفسير بناءً على ترتيب النزول[۲] والتفسير الموضوعي. لا شك أن جميع هذه الأساليب شهدت تحولات عميقة وبرز فيها علماء كبار. ونحن الآن نشهد عصرًا من هذا الازدهار والتطور والتوجه نحو ألوان مختلفة من التفسير، حتى نشأت علم مستقل يُسمى «التفسير البحثي» وظهرت مؤلفات قيمة في تحليل ونقد الاتجاهات وعرض التفاسير الخاصة.[۳]

من بين الذين تحدثوا عن التفسير الموضوعي[۴] وقدموا آراء مبتكرة وبناءة في هذا المجال الشهيد الجليل سيد محمد باقر الصدر رحمه الله. فقد كتب الشهيد الصدر في مجالات متعددة مثل الفلسفة والاقتصاد والمنطق والكلام والأصول والفقه، وكان لديه آراء مبتكرة وخلاقة نابعة من عبقريته وقدرته العلمية مع وعيه العصري. ومن الجدير بالذكر أن آرائه في مجال التفسير الموضوعي لم تحظ بالاهتمام الكافي وربما تعرضت للنقد والمراجعة، لذا فإن تحليلها ومقارنتها مع آراء أخرى يبدو ضروريًا.

في هذا المقال، نناقش أولاً مسألة التفسير الموضوعي وأهميته وكذلك الفرق بينه وبين تفاسير القرآن بالقرآن (التي تشبه التفسير الموضوعي كثيرًا)، ثم نشير إلى الطرق المختلفة للتفسير الموضوعي والنقاشات والنقد المثار حوله مع أمثلة وأساليب متنوعة، وبعدها ندرس وجهة نظر الشهيد الصدر في التفسير الموضوعي ونحلل نقاطها البارزة، كما نولي اهتمامًا للتحليلات والانتقادات التي وُجهت إلى آرائه. ونأمل أن يكون هذا المقال قد تمكن من تقديم تحية تقدير لذلك الشهيد الجليل وأن تحظى أفكاره باهتمام أكبر في الأوساط العلمية.

ما هو التفسير الموضوعي؟

التفسير الموضوعي هو أسلوب لاكتشاف وفهم وبيان موضوع معين من خلال النظر في الآيات المشتركة أو ذات الموضوع الواحد أو ذات المضمون الواحد أو المبادئ التي تساعد على فهم الموضوع. في هذا الأسلوب، يضع المفسر الآيات المختلفة المتعلقة بموضوع واحد جنبًا إلى جنب، ويجمعها ويحللها ليعرض وجهة نظر القرآن حول ذلك الموضوع. عادةً ما يتم التفسير الموضوعي للرد على سؤال يُطرح في مجالات مختلفة مثل العقيدة أو الاجتماع أو السياسة أو التاريخ أو الفقه أو حتى المفاهيم، ويهدف المفسر إلى صياغة نظرية واستخلاص وجهة نظر القرآن.

أما في التفسير الترتيبي، فيتم فهم مدلول آيات القرآن دون استخراج نظرية، وفق ترتيب المصحف، وهدف المفسر هو الكشف عن معنى ومقصود كل آية، لذا فإن الهدف النهائي في التفسير الترتيبي هو اكتشاف معاني المفردات وفهم مراد كل آية، رغم أن ذلك يتم بمساعدة آيات أخرى.

أما في التفسير الموضوعي، فهدف المفسر أوسع من فهم الآية أو مفردات آية واحدة فقط. في هذا التفسير، يسعى المفسر إلى الحصول على نظرية قرآنية حول موضوع من مواضيع متعددة بناءً على فهم مدلول كل آية، أو الكشف عن وجهة نظر القرآن تجاه موضوع طرحه القرآن نفسه من مجموع آياته، أو لأنه قد قدم تعبيرات وبيانات مختلفة حول ذلك الموضوع، يقوم المفسر بجمعها ليحصل على نظرية متماسكة من القرآن. يمكن أن يكون التفسير الموضوعي نقاشًا نظريًا أو ذا جانب إرشادي للعمل. كما يمكن أن تكون النظريات خارجية أو ذات طابع ذهني أو ميتافيزيقي أو حتى مفهومي ووصفي. في التفسير الترتيبي يكون الهدف فهم الفقه والنظرية القرآنية، بينما في التفسير الموضوعي يكون الهدف فهم الفقه والنص.

عنصر الموضوع في التفسير الموضوعي

عندما نذهب إلى الموضوع في التفسير الموضوعي، يطرح السؤال: أي موضوع يمكن البحث عنه في القرآن، وما هي المحاور التي يمكن دراسة وجهة نظر القرآن فيها والتي تحظى باهتمام التفسير الموضوعي؟

بعضهم يستخدم كلمات وعبارات وردت في القرآن نفسه للبحث عن أنواع التعبيرات والكلمات ذات الجذور المشتركة واستخداماتها في القرآن كله، لجمعها وتحقيق الموضوع وتوضيحه، مثل الصبر في القرآن، الإنسان في القرآن. البعض يوسع هذا العمل ليشمل موضوعات لم ترد ألفاظها في القرآن ولكن معانيها موجودة، أو قضايا إنسانية تحظى باهتمام المجتمعات، ويبحثون في القرآن للحصول على إجابات. آخرون يعتبرون التفسير الموضوعي يشمل حتى المفاهيم والكلمات التي كشفها القرآن والتي تجيب عن مجهولات الإنسان. مثلاً، يريدون معرفة معنى كلمة الكفر في استعمالاتها المختلفة من وجهة نظر القرآن، وما هو موقف القرآن من الكفر وكيف هو؟ في موضوع النفاق، الفسق، الجبت، الطاغوت، وعشرات الكلمات التي تشبه المصطلحات القرآنية والتي نظر إليها القرآن من منظور خاص، يُطرح السؤال عن رأي القرآن فيها، ويجمع المفسر الموضوعي الآيات المتعلقة بها ويجمع بينها ليحصل على نظرية، ثم يفسر الآيات ويكشف معانيها.

ماذا نقول في هذا الشأن، هل يمكن توسيع موضوعات التفسير الموضوعي لتشمل مفاهيم ومعاني القرآن، أم المقصود بالتفسير الموضوعي هو الموضوعات الخارجية والواقعية، أي موضوعات الحياة؟ عمومًا، الذين يعتبرون التفسير الموضوعي من النوع الأول أو الثاني يقولون إن النقاش حينما يأخذ طابعًا مفهوميًا هو في الحقيقة دراسة في علم الألفاظ، بينما وظيفة التفسير الموضوعي هي اكتشاف النظرية واستخلاص وجهة نظر القرآن تجاه النزاعات الفكرية والتجارب العلمية للبشر. يجب أن تهب نسائم الآراء المختلفة من كل جانب نحو المفسر ليظهر الموضوع. حتى لا يُطرح السؤال، وحتى لا تنشأ مشكلة أو إشكال، لا يمكن استخراج النظرية.

لكن في مقابل هذا الرأي، يطرح سؤال: إذا كان الهدف من الموضوعي هو اكتشاف وجهة نظر القرآن، فمن المؤكد أن هذا الاكتشاف والكشف يمكن أن يكون في ميدان المفاهيم المفتاحية والمركبة في القرآن، والهدف ليس اكتشاف المعاني المفردة أو معرفة ألفاظ جملة أو آية. الهدف هو التلخيص والتحليل لوجهة نظر القرآن حول كلمة يستخدمها القرآن مرات عديدة ولا نعلم ما هو منظور القرآن تجاه تلك الكلمة أو المصطلح؟

لذا، إذا تحركنا لاكتشاف وكشف موضوع قرآني بطريقة تخدم توضيح المفاهيم القرآنية، فلا بأس أن يكون هذا التوجه في مرتبة أدنى تفسيرًا موضوعيًا، بل يمكن أن يكون بحثًا ضمن دائرة علوم القرآن. إذا سألنا: ما المقصود بالمحكم والمتشابه في القرآن؟ فلا بد لنا من استخدام علم الألفاظ وجمع الآيات والأدلة الخارجية لتفسير هذه الكلمات وتوضيح حقيقة المحكم، والمتشابه، وما هي نماذجها الواضحة في القرآن، وهل كل آيات القرآن محكمة أم كلها متشابهة أم بعضها محكم وبعضها متشابه؟[۵]

طبعًا، مثل هذا البحث سيكون تفسيرًا موضوعيًا، رغم أنه من مباحث علوم القرآن، لكنه لا يتعارض مع أن يتخذ هذا الجهد طابع التفسير الموضوعي، ولا يشترط أن يسير التفسير الموضوعي جنبًا إلى جنب مع علوم القرآن دون أن يخطو خطوة في هذا المجال. ما هو المعيار في التفسير الموضوعي هو أن يكون التركيز ليس على كشف معنى كلمة أو مضمون جملة في آية، بل على اكتشاف موقف القرآن من أحد الموضوعات التي لدينا فيها سؤال في القرآن كله. هذا الموضوع إما أن يكون مطروحًا في القرآن بطريقة معينة، أو أن يكون قد أصبح من الخارج موضوعًا إشكاليًا ونريد توضيحه. بالطبع، إذا أدرج أحدهم في متن التفسير الموضوعي عنوان نظرية أو قيد موضوعي من موضوعات الحياة، ففي هذه الحالة تخرج المفاهيم المفتاحية للقرآن من دائرة التفسير الموضوعي، ويجب أن تُبحث تلك المباحث في إطار الكشف والدلالات الأخرى.

لذا، نحن أخذنا الموضوع على ثلاثة أوجه:

١- عنوان ومفهوم ورد في القرآن، وأصبح محورًا للنقاشات داخل نصوص القرآن، ويتم دراسة مفهومه وتحليله؛ مثل موضوع النسخ، البداء، التشابه، الشرك، الكفر، النفاق، وعشرات الكلمات التي بعضها له جانب دراسة مفهومية قرآنية فقط، أو له جانب علوم قرآنية ويُعتبر مقدمة للتفسير، ويؤثر في الفهم الكامل أو الجزئي للقرآن، أو يُعتبر أساسًا لفهم وحكم موضوعات أخرى في القرآن، مثل كلمة الله، الرحمن، الرحيم، الكتاب، التبيان، العرش، الكرسي، والقلم. في كل هذه الحالات، ما يميزها عن دراسات علم الألفاظ هو التلخيصات والتحليلات التي تتجاوز الآية.

٢- عناوين وموضوعات نظرية تُعتبر خارج أسئلة الحياة اليومية للإنسان ومشكلات العصر، وقد عانى منها البشر منذ أزمنة بعيدة؛ مثل البحث والدراسة عن عالم الغيب، عالم الذر، الملائكة، الجن، صفات الذات وأفعال الله، وعشرات المسائل العقائدية والوجودية والتاريخية التي تتعلق بكيفية نشأة العالم والإنسان، والتي أشار إليها القرآن في آيات مختلفة بشكل مباشر أو غير مباشر.

في هذه الفئة من الموضوعات، نحن نبحث عن استخراج نظرية القرآن ونريد أن نعرف ما هي نظرية القرآن بشأنها، لذا نجمع الآيات المشتركة والمتعلقة بالموضوع ونرتبها ترتيبًا منطقيًا، ونبحثها وفقًا للمحاور العامة والجزئية.

٣- عناوين ومحاور تدخل في الحياة الفردية والاجتماعية، ولا نعلم في هذه المجالات ما هو موقف الدين أو تفسيره أو توجيهه، ومن أي موقف يتعامل معها؛ مثل الحرية، الحكم، السلطة، المعيشة، نموذج الاستهلاك، الإنتاج، التوزيع، وعشرات الأسئلة الأخرى التي نريد أن نعرف أولًا هل للقرآن توجيه في هذه المجالات أم لا؟ وثانيًا، إذا كان له توجيه، فما هو موقف القرآن في هذه الأمور ضمن نطاق الدين؟[۶]

عنصر الهدف في التفسير الموضوعي

السؤال الذي يُطرح حول التفسير الموضوعي هو: ما هو الهدف والغرض الذي ندخل به إلى التفسير الموضوعي؟ عنصر الهدف له تأثير كبير في توضيح الموضوع وتوجيه المفسر. إذا كان الهدف والغرض في التفسير الموضوعي واضحًا، فسنعرف نطاق التفسير الموضوعي بشكل أفضل، وستُحل الخلافات المتعلقة بحدود مفهوم التفسير الموضوعي.

مرة واحدة يكون الهدف من التفسير الموضوعي هو التعرف على وجهات نظر القرآن تجاه جميع الأمور التي طرحها القرآن، سواء كانت آراء تتعلق بحل مشاكل المجتمعات وعقائدها أو من المسائل التي لها جانب مفتاحي في اللغة، أي من المفاهيم والمعاني التي استخدمها القرآن؛ مثلاً نريد أن نعرف ما المقصود بالقرآن من كلمة الله؟ هل الله مفهوم جديد أم كان له سابق في الجزيرة العربية والثقافات الأخرى بنفس المعنى قبل الإسلام؟[۷] أو نريد أن نحصل على مجال علم الألفاظ ودراسة معاني الله والإنسان في القرآن. وهو ما قام به إيزوتسو العالم الياباني، حيث بحث العلاقة الاستعمالية بين الله والإنسان في النظرة القرآنية وركز بحثه في الكتاب كله حول هذا الموضوع.[۸] في هذا الكتاب يفضل إيزوتسو أحيانًا أن يطلق على بحثه اسم علم معاني القرآن؛ لأنه في الدرجة الأولى عبارة عن تطبيق المنهج الدلالي أو التحليل التصوري على المواد المستمدة من مفردات القرآن.[۹]

من بين الباحثين الموضوعيين هناك العديد من الأمثلة التي تناول فيها المحققون مجموعة مختارة من الآيات المتفرقة لدراسة مراد الله في القرآن كله وأبدوا آراء في هذا المجال.[۱۰]

لا شك أن مثل هذا العمل يتجاوز علم اللسان. فمثل هذا العمل في كل الأحوال هو كشف وبيان، ويسمى في الاصطلاح تفسيرًا، لذا إذا ما أُخذ من حيث الهدف يمكن أن يُعتبر ضمن التفسير الموضوعي. ولكن مرة أخرى يكون الهدف من التفسير الموضوعي هو التعرف على النظريات والآراء القرآنية في موضوعات عقائدية مثل التوحيد، النبوة، العدل، الإمامة، أو الملائكة، الجن، القيامة وما شابهها. في هذه الحالة يُستخدم الآيات ذات المضمون المشترك، وبجمعها معًا نفهم ونستنبط ونستخرج نظرية القرآن. وهذه أيضًا يمكن أن تُعتبر نموذجًا من أهداف التفسير الموضوعي.

مرة أخرى يكون الهدف من التفسير الموضوعي هو التعرف على موضوعات حياة الإنسان، وهي موضوعات تتغير في مسار تطور البشرية، ويواجه الإنسان كل يوم مسألة أو مشكلة ويريد أن يعرف موقف القرآن منها، وفي وسط الحلول والتجارب المتنوعة التي قدمها البشر، إلى أي رأي يوجه القرآن؛ مثلاً نريد أن نعرف ما نوع الحكم المقبول في الإسلام وكيف يجب أن يُدار؟ نريد أن نعرف ما هو المجتمع الذي يراه القرآن مجتمعًا دينيًا وفي سياق أهداف الأنبياء، وما هي القيم والمبادئ الحاكمة عليه، وكيف يجب أن تكون الحدود والتحالفات، وكيف يجب أن يكون أسلوب التعامل مع المؤيدين والمعارضين والخصوم والمقاتلين، أو نفهم المبادئ الحاكمة على اقتصاد الإنسان ومعيشته؟ هذه من الأسئلة التي تتعلق بحياة الإنسان، وقد قدم البشر في هذا المجال حلولًا وتجارب، لذا فإن نوعية دراستها تختلف عن دراسة مفاهيم وعناوين الاعتقاد. إذا اعتبرنا التفسير كشفًا والهدف من التفسير الموضوعي استخراج وجهات نظر القرآن، فإن المحاور الثلاثة يمكن أن تقع ضمن دائرة التفسير الموضوعي وتُعتبر من أهدافه؛ لأن عملية الفهم والكشف تشمل كل المحاور سواء من حيث اصطلاح التفسير أو من حيث كلمة موضوع، ولا يمكن لأحد أن يقول إن موضوع المحكم والمتشابه في علوم القرآن أو لأن النقاش حول الله أو الرحمن له جانب لغوي لا يدخل في دائرة التفسير الموضوعي؛ لأننا في كل الأحوال نريد استخراج نظرية، وفي كل المجالات الثلاثة نريد الحصول على منظور ورؤية القرآن بناءً على مجموعة من الآيات.

الفرق بين التفسير الموضوعي وتفسير القرآن بالقرآن

ظن بعضهم أن التفسير الموضوعي هو نفسه تفسير القرآن بالقرآن. بالطبع تبدأ مراحل التفسير الموضوعي الأولية بشرح مختصر للآيات والاستعانة بآيات أخرى[۱۱]، وقد شوهد كثيرًا في التفاسير السابقة أنهم شرحوا معنى الآية المعنية واستدلوا بآيات ذات مضمون مشترك ليبينوا مراد القرآن من جملة أو آية أو حتى كلمة. في التفاسير الترتيبية، استُخدم أسلوب تفسير القرآن بالقرآن كثيرًا، واعتبره بعض المفسرين المصدر الأول لفهم الآية وذكروا أنه أفضل أسلوب تفسيري.[۱۲]

لكن النقطة المهمة والفرق الجوهري في تفسير القرآن بالقرآن هو أن المفسر يناقش حول آية واحدة ويركز تفسيره بمساعدة آيات أخرى، ولأجل فهم شامل للكلام يلجأ إلى آيات أخرى، سواء كانت هذه الآيات متشابهة في المضمون والسياق أو لا، فهي تدخل في فهم الآية بطريقة ما. وبطبيعة الحال، بهذا الأسلوب يصل إلى فهم أعمق للآية. والسبب في هذا الأسلوب واضح، لأن الطريق الطبيعي لفهم الكلام هو الرجوع إلى كلمات المتحدث الأخرى. كما قال العلامة الطباطبائي في الميزان إن أنجع الطرق هي أن نرجع إلى القرآن نفسه ونستعين بالكلمات والآيات الأخرى لفهم الآية.[۱۳] أما الهدف من التفسير الموضوعي فهو استخراج نظرية واستنباط وجهة نظر، وفي التفسير الموضوعي لا يُركز كثيرًا على آية معينة. قد يُستشهد بآية أكثر أو تُعتبر آية محكمة وتُحال إليها آيات أخرى، لكن الهدف ليس كشف معاني مفردة أو فهم مراد كل آية، بل توضيح الموضوع والعنوان العام مع مراعاة كل القرآن. ولهذا السبب في التفسير الموضوعي تُجمع الآيات المتشابهة والمرتبطة معًا، ولكن أكثر من أن يركز على فهم معنى كلمة أو جملة أو آية، يتابع نظرية أو خطة أو رأيًا معينًا ويريد أن يجيب على سؤال ويصل إلى فهم وجهة نظر القرآن حول ذلك الموضوع.

يبدو أن الشهيد الصدر يقصد بالتفسير التحليلي (الترتيبي) ذلك التفسير الذي يتحقق في أفضل فرض وأكمل صورة، وهو أن يكون هدفه فهم مدلول اللفظ وكشف الآية، وإن تم ذلك بواسطة آيات أخرى. وهو يعدد خمس خصائص لتفسير القرآن، القرآن بوضوح، لكنه يرى أن التفسير الموضوعي هو محاولة لاكتشاف موضوع من موضوعات الحياة الاعتقادية والاجتماعية والأنطولوجية للإنسان، وفي هذه الحالة يكون هدف المفسر تحديد الموقف النظري للقرآن واستخراج نظرية القرآن في مواجهة النظريات الأخرى.[۱۴]

لذا، إذا كان التفسير يهدف إلى توضيح كلمة أو مدلول جملة من آية أخرى، فهذا تفسير القرآن بالقرآن، أما إذا كان الهدف هو توضيح رسالة القرآن أو بيان نقطة عامة من مضامين القرآن أو استخراج نظرية، فهو تفسير موضوعي، حتى وإن نوقش ذلك تحت آية واحدة.

أهمية التفسير الموضوعي

إذا قبلنا أن القرآن هادٍ للناس[۱۵] ونورٌ مبين[۱۶] ومعبر عن كل الاحتياجات الروحية والدينية للبشر[۱۷]، فإذا أردنا أن نعرف رأي القرآن حول مشاكل واحتياجات الإنسان، أو إذا أراد شخص خارج دائرة الإسلام أن يعرف رأي الإسلام في موضوعات وقضايا مختلفة، فلا يمكنه الرجوع إلى التفسير الترتيبي والحصول على رأي القرآن العام بمجرد رؤية آية واحدة. فالقرآن كتاب نزل على مدى ٢٣ سنة مع مراعاة الاحتياجات والظروف والأحداث المختلفة. ففي آياتٍ تتركز كل نقاشات القرآن حول محاربة عبادة الأصنام والشرك ومحاربة العادات الجاهلية وتعليم التوحيد، وفي آيات أخرى توجد نقاشات حامية الوطيس في مجال الجهاد ومواجهة الأعداء الداخليين والخارجيين والمنافقين، وفي آيات أخرى نزلت كل واحدة منها بحسب ظروف المجتمع الإسلامي. ومن هنا، لأن كثيرًا من آيات القرآن نزلت بمناسبة أحداث ووقائع خاصة وكانت تتعلق بأسئلة ومشاكل، فقد كانت تهتم بجانب واحد فقط من أبعاد الموضوع. لذلك، إذا أردنا معرفة نظرية القرآن حول موضوع ما، فلا يمكننا الاستشهاد بهذه الآيات الجزئية، بل يجب علينا أن نأخذ بعين الاعتبار مجموعة من هذه الآيات.

من ناحية أخرى، اليوم يحتاج المسلمون أكثر من أي وقت مضى إلى صياغة نظريات قرآنية وتقديم خطة شاملة للموضوعات والقضايا التي يعاني منها المجتمع البشري. كيف يمكن الحديث عن الاقتصاد والسياسة والتعليم والعلوم والوعي والحرية والسلطة أو الرجوع إلى آية واحدة لسماع جواب القرآن؟ فالآيات القرآنية من هذه الناحية تشبه الكلمات المنفصلة التي لكل منها معنى خاص، وعندما توضع معًا تعطي مفاهيم جديدة. لذلك، لا يمكن للتفسير الترتيبي تلبية حاجة المجتمع الحالية لسببين:

١- التفسير الترتيبي يقتصر على شرح مجموعة من مفاهيم الوحي مع مراعاة التحليل والتجزئة وعدم الترابط. هذه الطريقة تقدم عددًا كبيرًا من الإرشادات والمعارف والمضامين القرآنية بشكل متفرق وغير مرتبط ببعضه البعض، دون أن تظهر العلاقة وتركيب الأجزاء المتفرقة لهذا المجموع الفكري، ودون أن تعرض في نهاية هذا التجوال والمراجعة عبر القرآن كله وجهات نظر القرآن لكل جانب من جوانب الحياة بشكل منسجم ومؤطر نظريًا. الهدف الرئيسي والمحدد للتفسير الترتيبي ليس بيان نظريات القرآن في المجالات المختلفة، رغم أنه قد تظهر أحيانًا إرشادات ضمنية من خلال تطبيق هذه الطريقة في التفسير، أو قد يتناول المفسر استثنائيًا موضوعًا من موضوعات القرآن.

٢- هذه الطريقة في التفسير، بسبب نظرتها المتفرقة للموضوعات، أدت إلى ظهور تعارضات وتناقضات مذهبية كثيرة؛ لأن المفسر يكفي أن يجد آية واحدة ويبرر بها وجهة نظره ونظريته.

إن ما ورد في الروايات: «أَنَّ الْكِتَابَ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضاً»[۱۸] «و ينطق بعضه بعضا شهيد بعضه على بعض»[۱۹] يعود إلى أن جمع الآيات معًا فقط يمكن من خلاله الحصول على نظريات القرآن وتقديم فهم كامل للوحي. ولهذا السبب، فإن التفسير الموضوعي، رغم أنه في فهم أجزائه يحتاج إلى التفسير الترتيبي ولا يمكن الانطلاق إلى التفسير الموضوعي دون توضيح الكلمات والجمل وربط الآيات ببعضها، إلا أنه بلا شك في جمع وربط هذا المجموع بشكل موضوعي يتضح رسالة القرآن ومضمونه جيدًا. إن أهمية التفسير الموضوعي تكمن في كونه جهدًا يسعى إلى تقديم نظريات القرآن بشكل منسجم، والموضوعات التي تبدأ من واقع الحياة واحتياجاتها تُؤخذ بعين الاعتبار وتُعرض أمام القرآن.

يكتب الشهيد صدر حول أهمية التفسير الموضوعي: المفسر الذي يتبع المنهج الموضوعي هدفه هو اكتشاف وجهة نظر القرآن بشأن موضوع معين، وبالاستلهام من نص القرآن ومن خلال مقارنته بالأفكار التي درسها، يحصل على نظرية القرآن وتوجيهاته. لذلك يمكن القول إن نتائج التفسير الموضوعي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتجربة الإنسانية؛ لأن نتائج هذا النوع من التفسير تُظهر الخطوط البارزة والتوجهات في القرآن، وفي النهاية طريقة التفكير والنظرية الإسلامية حول أحد موضوعات الحياة. كما يمكن الاستنتاج أن التفسير الموضوعي هو حوار ومحادثة مع القرآن الكريم وطرح الأسئلة عليه، وليس مجرد طلب إجابة سلبي وضعيف، بل هو طلب إجابة نشط وعملي وهادف من نص القرآن بهدف اكتشاف حقيقة من حقائق الحياة الكبرى. يقول أمير المؤمنين علي(عليه السلام) في حديث عن القرآن: «ذَلِكَ الْقُرْآنُ فَاسْتَنْطِقُوهُ وَ لَنْ يَنْطِقَ وَ لَكِنْ أُخْبِرُكُمْ عَنْهُ أَلَا إِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا يَأْتِي وَ الْحَدِيثَ عَنِ الْمَاضِي وَ دَوَاءَ دَائِكُمْ وَ نَظْمَ مَا بَيْنَكُمْ».[۲۰] إن كلمة الاستنطاق هي أروع وأجمل تعبير في مجال التفسير الموضوعي، وهي في ذاتها حوار مع القرآن الكريم وطرح المشكلات أمام هذا الكتاب المقدس بهدف إيجاد الإجابات والحلول القرآنية لها.[۲۱]

بالطبع هناك نقاط أخرى حول أهمية التفسير الموضوعي يمكن اعتبارها من فوائد التفسير الموضوعي وميزاته على منهج التفسير الترتيبي. سنتحدث عنها لاحقًا بمناسبة طرح آراء الشهيد صدر.

طرق التفسير الموضوعي

لا شك أن المفسرين الموضوعيين لم يتصرفوا بطريقة واحدة من حيث المنهج وشكل الدخول والخروج في التفسير وفهم عملهم. ربما لم يكونوا يعلمون أنهم يختلفون في المنهج عن الآخرين وأن طريقهم متميز، ولكن عندما نقارن نرى أنه بالإضافة إلى اختلاف المعتقدات والرؤى ووجود توجهات عقائدية واجتماعية متنوعة تجاه القرآن، فإنهم اختلفوا أيضًا في المنهج وطريقة تناول الموضوع وكيفية الدخول والخروج في التفسير. لم يكن الأمر بحيث لا تؤثر التوجهات العلمية والاجتماعية والعقلية في اختيار المنهج وعرضه واستخلاصه. فالتفسير في فرعه الرئيسي، رغم أنه ينقسم إلى قسمين: الترتيبي والموضوعي، ولكل منهما صيغ وتوجهات ومنهجيات مختلفة، إلا أنه لا مبرر لأن نعتبر التقسيمات فقط في شكل التفسير الترتيبي ونتجاهل اختلاف المنهج في التفسير الموضوعي؛ لأن التفسير الترتيبي عمليًا من حيث الطابع التفسيري والتوجه الذهني للمفسر والأسس ومنهج التفسير، قد اختلف وله تقسيمات مختلفة، وحتى في نظر بعض الباحثين في القرآن فإن التفاسير الترتيبية بسبب التحولات الفكرية والاجتماعية قد قُسمت وفق مراحل زمنية وباتت محددة بتوجهات ومناهج مختلفة، والتفسير الموضوعي في مراحل زمنية معينة كان له مثل هذا الوضع والتقسيم.[۲۲] صحيح أن التفسير الموضوعي حركة حديثة، لكن ضمن المجموعات الموجودة نفسها يُلاحظ هذا التعدد والاختلاف في المنهج.[۲۳] مثلاً، من يعتقد أن الموضوعات القرآنية تتشكل في مواجهة الأفكار الإنسانية والتجارب البشرية وأن المفسر لا ينبغي أن يكون سلبيًا في استنباط الموضوعات من القرآن، بل يجب أن يبدأ الموضوعات من واقع الحياة والحقائق والاحتياجات ويرى ما هي الآراء والنظريات في هذا المجال، ثم يتوجه إلى القرآن،[۲۴] يختلف كثيرًا عن من يرى الموضوعات فقط من القرآن وإليه. منهج هذا الأخير ليس بالضرورة أن يكون واعيًا للمعارف الخارجية والتجارب البشرية، في حين أن الرؤية الأولى تقول: إن منهج الفهم في التفسير الموضوعي هو تنقية الرؤى والاستفادة من التجارب البشرية حول الموضوع. أحدهما يأخذ الموضوعات من المسائل الغيبية والاحتياجات الفكرية والاجتماعية خارج نص القرآن، والآخر يأخذها من القرآن. من ناحية أخرى، الفقه في الواقع نوع من التفسير الموضوعي للحديث والقرآن. هل عمل الفقهاء – بغض النظر عن التوجهات المذهبية والكلامية – بمنهج واحد في الاستنباط؟ هل منهج الفقهاء الأخباريين كان مثل منهج الأصوليين؟ هل منهج بعض الفقهاء المعاصرين في الفقه يختلف عن منهج الفقهاء السابقين فقط من حيث النقص والكمال أو البساطة والتعقيد؟ بالنظر إلى الكتب الفقهية نلاحظ هذا الاختلاف في المنهج بوضوح؛[۲۵] بعضهم في التفسير الموضوعي استخدم المنهج التحليلي والوصف، وبعضهم استخدم المنهج المقارن بين التجارب البشرية والتوجيهات القرآنية، والذي أُطلق عليه أحيانًا المنهج التوحيدي، وبعضهم في التفسير الموضوعي استفاد من المنهج العلمي والاكتشافات والنظريات العلمية ومقارنتها بالآيات.

على أي حال، يمكن تقسيم التفاسير الموضوعية من ثلاثة جوانب:

١- بناءً على المعتقدات والرؤى والتوجهات المذهبية والاجتماعية

٢- بناءً على أسلوب المفسر في الدخول والخروج وفهمه للتفسير الموضوعي

٣- بناءً على تنظيم وترتيب المناقشات وترتيب الآيات[۲۶]

لذلك، إذا كان المفسر الموضوعي إلى جانب الاستفادة من السنة لفهم الكتاب يقارن الأفكار البشرية أو يستخدم المناهج التاريخية والتجريبية في فهم النص، فإنه في الحقيقة يتبع منهجًا خاصًا في التفسير الموضوعي يختلف عن مناهج المفسرين الآخرين الذين لا يقبلون هذه الأسس ولا يعترفون أصلاً بحقانية المناهج التجريبية والتاريخية.

بعبارة أخرى، المفسر الموضوعي لما يعتمد عليه في فهمه، يبتكر في الحقيقة منهجًا مختلفًا يؤثر في شكل استنباط المفسر. فمثلًا حينما يعتقد المفسر الموضوعي بعدم تعارض الدين مع العلم، يستنبط بطريقة خاصة، كما أن من لا يرى الدين أساسًا في طرح مسائل الوجود وخلق الإنسان والظواهر، ويعتقد أن ما ورد في النصوص الدينية في هذه المواضيع هو مجرد انعكاس لثقافة العصر،[۲۷] يستنبط بطريقة أخرى، ويختلف أسلوب دخوله وخروجه عن المفسر الموضوعي.

نماذج من التفسير الموضوعي

قلنا إن التفسير الموضوعي له مناهج، ولكن الأمر ليس كما لو أن التفسير الترتيبي بنظرة لاحقة (مسبوقة بالواقع التفسيري) يتوزع إلى مناهج مختلفة كالآثارية والاجتهادية، وباتجاهات فلسفية، عرفانية، علمية، وعشرات الصبغات، بينما في التفسير الموضوعي يظهر شكل واحد فقط منه. وبالطبع لا يوجد تعارض عقلي بين التفسير الترتيبي والموضوعي من حيث اختلاف المنهج، لكن من الطبيعي أن المفسرين الموضوعيين بنظراتهم المختلفة لا يتصرفون بمنهج موحد، ويختلف أسلوب طرحهم للمباحث ودخولهم وخروجهم وشكل استنباطهم. وبنظرة إلى تفاسيرنا الموضوعية نلاحظ هذا التنوع في المناهج، وهي مناهج ناشئة عن الاتجاهات والمعارف والحساسيات، وفي النهاية الأسس المختلفة للمفسرين. يكفي أن نطّلع على بعض التفاسير الموضوعية المشهورة لنرى كيف اختلفت هذه التفاسير من حيث المنهج. والآن، للتعرف على بعض هذه التفاسير ولإظهار هذه الاختلافات، لا سيما في مناهجها، نذكر بعض الأمثلة من التفاسير الموضوعية المعاصرة.

١ـ الشهيد مطهري والتفسير الموضوعي

أحد المفكرين المعاصرين الذين طرحوا إلى جانب مباحث التفسير الترتيبي (تحت عنوان التعرف على القرآن) مجموعة واسعة من المباحث الموضوعية في القرآن هو الشهيد مطهري. فقد ناقش بحجم كبير موضوعات دينية بنظرة قرآنية، ومن أبرز نماذج ذلك بحث المعرفة في القرآن، القرآن ومسألة الحياة، الفطرة في رؤية القرآن، المجتمع والتاريخ، الإنسان في القرآن، حقوق المرأة، تعدد الزوجات، الحقوق الأساسية للمجتمع، الحرية، الفطرة، وعشرات المسائل الأخرى.

النقطة المهمة في بحوث الأستاذ، إلى جانب كونها تفسيرية وتحليلية، هي كونها إقناعية وإرشادية. الشهيد مطهري في كل هذه الأعمال لا يسعى إلى إظهار كيف يجب استخراج نظرية القرآن من نصوص الآيات، ولا يسعى بنفسه إلى تفسير النظرية القرآنية بطريقة استشهادية. كأنه قد صاغ نظرية منقحة مسبقًا، ويريد الآن أن يبيّن للقارئ كيف هي هذه النظرية في مقام الوصف ولماذا تتفوق على كل النظريات الأخرى، لذا يحاول أن يعرض آراء ومعتقدات الآخرين بشكل جيد ويبيّن ضعفها. كما أن الشهيد مطهري لا يسعى إلى جمع الآيات المتعلقة بموضوع معين ومناقشتها وفق ترتيب منطقي، لأن همّه الوحيد هو الشبهات والاعتراضات التي قد تثار حول الموضوع أو الغموض الذي ظهر فيه، والذي يحتاج إلى توضيح في السياق الثقافي والاجتماعي. كمثال، نشير إلى أحد هذه المباحث.

القرآن ومسألة الحياة

هذا النص مركب من مجموعة من المباحث الفلسفية التي تتناول أصالة الروح، طبيعة ارتباط الروح بالجسد، والاختلافات الجوهرية بين الكائنات الحية والكائنات غير الحية، وفي النهاية يشير إلى وصف منطق القرآن في مسألة الحياة بشكل مقارن. مطهري في هذا المجال يقارن بين منطق الماديين واللاهوتيين في مسألة الحياة والتطور، ويبيّن حتى اختلاف منطق اللاهوتيين عن منطق القرآن، ويشير إلى أسباب هذا الاختلاف، ويشرح أن القرآن في مسألة الروح يذكرها كأمر غامض، ويقدم شرحًا في حدود قدرة العلم في مسألة الحياة.

عمومًا، لغة مطهري في التفسير الموضوعي وصفية وتحليلية، خاصة حين يشير إلى أسلوب بيان القرآن في ارتباطه بالحياة. نظرته شاملة ودقيقة إلى حد أنه لا يتحدث فقط عن حياة الكائنات العاقلة بدقة، بل يستشهد لفهم الحياة بشكل كامل بالحيوانات والنباتات، ويذكر آثارًا ودلائل على الحياة في الكائنات مثل الفهم والإدراك، السمع والبصر، الهداية، الإلهام، والغرائز.[۲۸]

في هذا القسم، أمتع نقاش له هو شرحه للاختلاف بين نظرة اللاهوتيين ومنطق القرآن. يوضح أن اللاهوتيين في مسألة الحياة وكل ظاهرة في النهاية يلجأون إلى الكائن الحي الأول لأنهم لا يجدون تفسيرًا لظهور الحياة الأولى، ويقولون إنه خلق بنفخة إلهية. بعبارة أخرى، اللاهوتيون من الجانب السلبي لمعلوماتهم يستدعون الله، ودائمًا يبحثون عن الله في مجهولاتهم، ويتتبعون أشياء لا يعرفون أسبابها الطبيعية. لذلك كلما زادت معلوماتهم قل توحيدهم. بينما القرآن لا يستخدم هذا الأسلوب، ولا يستشهد أبدًا بأمور يُظن فيها أن نظامًا قد اختل وحسابًا قد تعطل لإثبات التوحيد، بل يستشهد بأمور يعرف الناس مقدماتها وأسبابها الطبيعية. في مسألة الحياة يقول: الحياة المطلقة فيض عالٍ وأعلى من أفق الجسد المحسوس، وهذا الفيض ينبع من أفق أعلى من الجسد وفق حساب وقانون.[۲۹] هذا الأسلوب في النقاش نجده عمومًا في كتابات أخرى للشهيد مطهري.

لذا، منهج الأستاذ أولًا: عرض كامل للموضوع من الجوانب الخارجية وطرح الاعتراضات التي قد تثار في أبعاد مختلفة حول الموضوع، خاصة أنه لا يركز على الكلمات والمصطلحات بشكل مباشر، بل يستخدم كل ما يساعد على توضيح النقاش.

ثانيًا: هذا النقاش مسبوق بنظرية ومخطط للموضوع، ويرمي إلى الرد على اعتراضات المعارضين أو ضعف الأفكار المقابلة، فلا يتركها دون إجابة في هذا المجال.

ثالثًا: النقاشات مصحوبة بالدقة والتعمق في الكلمات مع مختلف الفروض والأسئلة، حيث يطرح المنطقيون، بحسب تعبيرهم، من خلال الصبر والتقسيم حلولًا نظرية أو عملية مختلفة مع عيوبها، ويفضل منطقيًا الفرض الذي يتوافق مع النظرية الأولى.

رابعًا: منهجه عقلاني. وهذا العقلانية واضحة في جميع النقاشات القرآنية.

خامسًا: إحاطة الأستاذ ومعرفته بنظريات الفلاسفة الجدد والتجارب البشرية في مجال حلول المشكلات الاجتماعية واضحة تمامًا.

٢ـ عباس محمود عقّاد

الدكتور عباس محمود عقّاد هو أحد الكتاب المصريين المشهورين الذين خصصوا عدة كتبهم لمباحث موضوعية في القرآن، من بينها: الإنسان في القرآن، المرأة في القرآن والفلسفة القرآنية.

كتاب الإنسان في القرآن هو دراسة لأنثروبولوجيا الإنسان في القرآن بنظرة فلسفية. يسعى المؤلف، بتمكن خاص، إلى نقد ومقارنة الآراء القرآنية مع المدارس الفلسفية الغربية. يتألف هذا الكتاب من قسمين: في القسم الأول يعدد أوصاف الإنسان في القرآن، وفي القسم الثاني يشرح آراء العلماء الغربيين والفكر الحديث السائد بين الفلاسفة المعاصرين وينقلها بشكل نقدي.

في كتاب الفلسفة القرآنية يتناول مجموعة من المباحث مثل العلم، الخلق، الأخلاق، الحكم، الطبقات الاجتماعية، الإرث، تعدد الزوجات، العلاقات الدولية، الروح، المصير وقضايا من هذا النوع. منهج المؤلف هو المنهج التطبيقي، المقارن وأحيانًا النقدي. لفهم القضايا بشكل صحيح، يستخدم أسلوب الوصف والتحليل للموضوعات، ثم يتناول النقاط القابلة للمقارنة والمتميزة في تعاليم القرآن. في هذا المجال، يبدأ بذكر آراء الحكماء والفلاسفة العظام ويبين العيوب المحتملة لديهم تجاه النظريات التي قدمها القرآن، ثم يدافع عن النظريات القرآنية بشكل مقنع وعقلاني ويرد على الشبهات التي أُثيرت حول تعاليم القرآن. في نهاية الكتاب يؤكد أن هدفنا من طرح المباحث القرآنية ليس الاستشهاد للمواقف القرآنية من المذاهب الفلسفية؛[۳۰] لأن كثيرًا من فلاسفة القدم يتفقون مع النظريات القرآنية، بل هدفنا هو بيان وجهات نظر القرآن مقارنة بالنظريات الأخرى.

المرأة في القرآن هو أحد أفضل الكتب التي تتناول علم نفس المرأة، وتبيّن الخصائص النفسية والأخلاقية للمرأة ودورها في المجتمع، وتفسر وتبرر أسباب النظرة الخاصة للقرآن في السلوك الاجتماعي، الحقوق، العقاب، الإرث وقضايا أخرى.

لذا فإن منهج عقّاد هو كما يلي:

١- عمومًا له جانب مقارن.

٢- توجهات وطريقة العرض ذات طابع إقناعي ودفاعي، ويسعى بأي طريقة إلى إظهار تفوق تعاليم القرآن للقارئ.

٣- في عرض المباحث يستخدم أسلوب الوصف والتحليل بدلًا من أسلوب الجمع والحكم. وبطبيعة الحال في هذا الأسلوب لا بد من مراعاة النقاط المطروحة في وجهات نظر المدارس الإنسانية وتعاليم الوحي.

٤- حيثما يكون النقاش متعلقًا بشبهة أو اعتراض على تعاليم القرآن، يبدأ بطرح الفروض والاحتمالات المتعلقة بالاعتراض؛ مثلًا في نقاش المرأة، حيث إن إحدى القضايا هي مساواة حقوق المرأة، والقرآن عبّر عن هذه المساواة بطريقة أثارت الشبهة، يشرح معنى المساواة ويرد على الشبهات.[۳۱]

٣ـ محمدتقي مصباح

أحد الكتاب والباحثين المعاصرين في القرآن الذين تناولوا التفسير الموضوعي هو الأستاذ محمد تقي مصباح يزدي، الذي تناول في سلسلة المباحث القرآنية عدة موضوعات قرآنية، منها: علم الله، علم الكون وأنثروبولوجيا الإنسان كمعارف قرآنية، وناقش في بحثين مستقلين الأخلاق في القرآن والمجتمع والتاريخ من وجهة نظر القرآن.

في بحث علم الله أشار إلى الأدلة العقلية والفطرية القرآنية ودرس مسألة التوحيد من جوانب مختلفة في القرآن.

في بحث علم الكون يولي اهتمامًا لما ورد في القرآن عن السماء، الأرض، تعدد السماوات والأرض، وكيفية خلقها، وعن العرش والكرسي، وظواهر الكون، الليل والنهار، ويؤكد في بداية هذا البحث أن هذه المباحث وردت في القرآن بشكل عابر، وأن الغرض من ذكرها هو توعية الإنسان وتذكيره بنعم الله، وأن القرآن ليس كتاب فيزياء أو علم النبات أو علم الأرض.

في بحث أنثروبولوجيا الإنسان يشير إلى القضايا الطبيعية والفلسفية للإنسان ويركز على الخصائص الإنسانية من منظور قرآني.

في كتاب الأخلاق في القرآن يطرح المبادئ الأساسية لعلم الأخلاق وخصائص المفاهيم الأخلاقية كمقدمة للنقاش، ثم يطابق المفاهيم الأخلاقية العامة في القرآن مع النظرية التي ذكرها في بداية البحث. أهم نقاش في التفسير الموضوعي لهذا الكتاب هو بيان الفرق بين النظام الأخلاقي الإسلامي والأنظمة الأخرى وتوضيح القيم الأخلاقية في القرآن. وبالطبع في جزء آخر تناول الأخلاق العملية والنقاط التربوية والإرشادية في تعاليم الأخلاق في القرآن.

في كتاب المجتمع والتاريخ من وجهة نظر القرآن يناقش فلسفة العلوم الاجتماعية، ومفهوم المجتمع، أولوية الفرد أو المجتمع، وقانونية المجتمع. كما يناقش تأثير المجتمع على الفرد، وتأثير الفرد على المجتمع، ودور الاختلافات في الحياة الاجتماعية، مؤسسات المجتمع، والتغيرات الاجتماعية، وهي من المواضيع التي نوقشت في هذا الكتاب بشكل استشهادي وتحليلي، ويقول إن أهم معيار لاختيار أهمية الموضوع في هذه المباحث هو وجود نقاط ضعف حوله، وتأثيره في المباحث التطبيقية، وفوق كل ذلك أولوية بيان وجهات نظر القرآن.

بشكل عام، هدف السيد مصباح من هذه الدراسات هو عرض معارف القرآن بصورة منهجية ومنظمة بحيث يمكن لكل باحث أن يبدأ من نقطة معينة ويربط حلقات المعارف الإسلامية سلسلةً متصلة، وفي النهاية يصل إلى الهدف الذي يبتغيه القرآن. ولهذا السبب، يقترح في مقدمة معارف القرآن تصنيف الموضوعات، تصنيف لا يقتصر على عرض المعارف القرآنية فقط، بل يكون مصحوبًا بتفسير موضوعي، أي أن تُؤخذ هذه الموضوعات وفق نظام خاص، ثم تُجمع الآيات المتعلقة بكل موضوع معًا، ويُتأمل فيها، وبمساعدة بعضها البعض تُزال نقاط الغموض.[۳۲]

في مجال تصنيف الآيات، يطرح السيد مصباح نقاشًا مستفيضًا في كتاب معارف القرآن ويقترح ثلاثة نماذج: ١- نموذج تقسيم موضوعات القرآن بناءً على العقائد، والأخلاق، والأحكام، ٢- نموذج الإنسانوية، ٣- نموذج محورية الله. ثم يفضل أن يكون محور النقاش هو التقسيم المحوري لله، بحيث يُراعى الترتيب المنطقي جيدًا ويرتبط الموضوعات ببعضها بشكل متين، كما يتوافق مع المقارنات والتوجهات القرآنية.

طريقة السيد مصباح بشكل عام هي كما يلي:

١- طريقة التفسير، الجمع، الحكم، والاستناد إلى النقاشات الأكاديمية ضمن المواد المتوفرة في الكتب الكلامية والاعتقادية.

٢- تُجرى هذه النقاشات في قالب تفسير استشهادي، وتختلف اختلافًا جوهريًا عن تفسيرين سابقين.

٣- تعتمد غالبية النقاشات على المعارف الفلسفية للمفسر.

٤- أحيانًا تتجاوز مجرد طرح الموضوع إلى جانب التطبيق، بمعنى أنه يثبت الفكرة والنظرية بالأدلة العقلية، ثم يبحث عن الشاهد القرآني لها.[۳۳]

٥- يُلاحظ كثيرًا الاعتماد على كلمات القرآن وشرح الجمل، أي الانتقال من التفسير الترتيبي إلى التفسير الموضوعي.

٦- نادرًا ما يُستخدم آراء الفلاسفة، خاصة الغربيين، ولهذا السبب لم تُطرح نقدات وتحليلات لكلمات الفلاسفة الغربيين في مختلف المجالات، ولا سيما في براهين وجود الله، ولم تُعرض الآراء القرآنية التي تعالج هذه الشبهات.

٤- عبدالعلي بازرگان

عبدالعلي بازرگان هو أحد الباحثين البارزين في مجال القرآن في البلاد، وله مؤلفات كثيرة في هذا المجال. بالإضافة إلى النقاشات التفسيرية وعلوم القرآن (في كتاب نظم القرآن حول نظم وترابط القرآن، وفي كتاب منهجية التدبر في القرآن حول طريقة فهم القرآن)، لديه نقاشات مستقلة في التفسير الموضوعي، مثل الإنسان الكامل في القرآن (في تعريف شخصية إبراهيم عليه السلام) والحرية في القرآن. تبدو هذه النقاشات في ظاهرها كأنها تفسير القرآن بالقرآن واستخدام آيات أخرى لفهم كلمة أو جملة أو المعنى العام للآية أو حتى الموضوع، لكنها في الحقيقة تهدف إلى كشف وإظهار وجهات النظر القرآنية.

واحدة من نقاشات كتاب منهجية التدبر هي عرض نماذج من التفسير الموضوعي.[۳۴] أسلوب وطريقة هذه النقاشات التفسيرية تختلف عن التفاسير الموضوعية الأخرى. معظم هذه النقاشات مصحوبة بتوجهات علمية في التفسير. مثل نقاش حركة السفينة، الإشارة إلى المعادن، الإشارات إلى مصادر المياه الجوفية، علم الأحياء واكتشاف أصل الحياة، الحركة التسبيحية للسموات والأرض من هذا النوع. وبالطبع، هناك نماذج أخرى في علم الأحياء واكتشاف أصل الحياة، وسلوك الإنسان وردود أفعاله، وقضايا تاريخية، وعقائدية، وأخلاقية، تمت بنفس المنهج والتوجه. بشكل عام، يمكن تلخيص منهجه في التفسير الموضوعي كما يلي:

١- عادةً يبدأ نقاشه في التفسير الموضوعي بالاستشهاد بكلمات القرآن، ويكون أساسه ومعاييره المفاهيم والكلمات المستخدمة في القرآن. مثلاً، يبدأ نقاش حركة السفينة بآية من آيات الله، ومن خلال جمع الكلمات وشرح استعمالاتها وتوجهاتها، يصل إلى نتيجة أن كلمة “فلك” استُعملت ٢٣ مرة، منها ست عشرة مرة تشير إلى حركة السفينة كآية من آيات الله، ويشرح خصائص كل منها، وسير نزولها، والموقع التاريخي والثقافي الذي نزلت فيه، ثم يستخلص النتائج.

٢- توجهاته، خاصة في اختيار الموضوعات، واضحة في كونها ذات طابع هداي وتربوي؛ نادرًا ما نجد نقاشًا لديه يقتصر على الجانب العلمي أو مجرد طرح نظريات بحتة. كمثال، لديه نقاش حول أسباب الإشارة إلى المعادن في القرآن، ويعتبر آيتي ٢٧ و٢٨ من سورة فاطر من نماذج ذلك، ويقول إن طرح هذه النقاشات مع التأكيد على تنوع وألوان هذه الرموز وتعدد وتنوع الخلق في المجالات الثلاثة المذكورة، يبيّن أن العلماء فقط هم الذين يخشون من هذه الآيات، ثم يؤكد في نقاشه: رغم أن القرآن كتاب هداية ولم يُنزّل لتعليم العلوم الطبيعية، إلا أن هذه الإشارات صيغت بطريقة تجعل مع تقدم العلوم تُكشف تدريجيًا جوانب وأسرار جديدة منها.[۳۵]

٣- يولِي اهتمامًا جادًا لسير النزول وبداية الآيات المتعلقة بالموضوع. هذه الطريقة بالتأكيد لم تُعطَ اهتمامًا كبيرًا في التفسير الموضوعي. في جميع كتبه، يولي هذا الأسلوب عناية خاصة لفهم الموضوع، وبالإضافة إلى استشهاده بأعمال مثل سير تحول القرآن لوالده الراحل، يشرح سير ترتيب النزول، وطريقة تطور نبرة الكلام، وارتفاع وانخفاض التعبير، والمسائل التاريخية والجغرافية والسياسية المرتبطة بالآيات، ويُبرز دور ذلك في فهم موقع الكلام.[۳۶]

٤- كما أشرنا في البداية، فإن التوجه نحو التفسير العلمي واستخدام البيانات العلمية لفهم معاني القرآن، سواء في التفسير الترتيبي أو الموضوعي (في طريقة البحث وأسلوب العرض والاستنباط)، له تأثير كبير، ولا يمكن تجاهل هذا المنهج في التفاسير الموضوعية التي تشكل جزءًا كبيرًا من نقاشات المفسرين الموضوعيين.

حتى الآن، ما استخلصناه من هذه المقدمات هو أن طرق المفسرين في التفسير الموضوعي تختلف، ورغم الاقتصار على بعض الأمثلة القليلة، فإن نماذج واختلافات الطرق في أسلوب النقاش، والاستنباط، والاستنتاج كثيرة. في الماضي، كان منهج التفاسير الفقهية وآيات الأحكام ذا طابع استشهادي، وكانت موضوعات الحياة تُناقش أكثر، وكانوا يقتصرون على توثيق ما هو مقصود في الفقه من الآيات، وكانوا أقل اهتمامًا بالتحليل والوصف الموضوعي، أو في منهج التفاسير الموضوعية- الاجتماعية كانوا يركزون على النقاشات الأساسية للمجتمع وحل المشكلات، وينقحون الموضوعات الخارجية، ثم يتوجهون إلى القرآن، أو كان بعضهم يكتفي بجمع آيات القرآن حول كلمة معينة ليصل إلى ترتيب منطقي واستنتاج، وكانوا أقل اهتمامًا بالتحليل والتفسير الموضوعي والنظري، أو كان هناك من يهدف إلى التفسير العلمي الموضوعي، ومن هذا المنطلق قارنوا بين النتائج العلمية الحديثة وكلمات القرآن حول قضية الخلق والكون، وأحيانًا لأجل التفسير الموضوعي استخلصوا نتائج خاصة من إحصاءات الكلمات، والتصنيفات الرياضية والتاريخية للسور المكية والمدنية[۳۷]، أو مثل عفيف طبارة في كتاب الأنبياء في القرآن واليهود في القرآن الذي جمع الآيات المتعلقة بحوادث تاريخية للأنبياء السابقين ورتبها ترتيبًا منطقيًا. وكذلك القرطبي في الصبر في القرآن والفقر في القرآن جمع وفرز كل الكلمات المتعلقة بهذين الموضوعين. وإيزوتسو أيضًا في المفاهيم الأخلاقية في القرآن والله والإنسان في القرآن درس مجالات الدلالة والمعاني والعلاقات بين هذه الكلمات لفهم موضوعي. لذلك، إجمالًا، اتبع جميع الباحثين في القرآن طرقًا مختلفة في الكشف، والإظهار، والاستنتاج.

التفسير الموضوعي في رؤية الشهيد الصدر

حان الآن الوقت للوقوف عند آراء الشهيد الصدر في باب التفسير الموضوعي، وتحليل مكانة هذا العلم والنقاط البارزة في نظره. ما تمّ مناقشته حتى الآن يوضح بجلاء نوع الموقف والاتجاه الذي اتخذه هذا الشهيد العظيم، ويساعدنا في رسم المباحث. يجب تقييم آراء الشهيد الصدر في فضائين مختلفين: الأول، من درسه الأولين في كتابي مقدمات في التفسير الموضوعي والمدرسة القرآنية[۳۸]، والثاني، الدروس الاثني عشر اللاحقة له في مجال التقاليد التاريخية في نفس كتاب مقدمات في التفسير الموضوعي، والتي تشكل آخر دروسه في الحوزة العلمية في النجف، وتعتبر منهجًا وطرائق عملية للشهيد في التفسير الموضوعي.

الآراء النظرية

في البداية، نلخص هذه الآراء، ثم نشرحها بالتفصيل:

١- التفسير الموضوعي مكمل للتفسير الترتيبي بل هو متأخر عنه. فلا يتشكل التفسير الموضوعي إلا بوجود التفسير الترتيبي، ولهذا السبب لا ينفي التفسير الموضوعي التفسير الترتيبي.[۳۹]

٢- بالمقارنة بين التفسير الترتيبي والموضوعي، فإن التفسير الموضوعي يمتلك مزايا وفضائل كثيرة، في حين أن التفسير الترتيبي يعاني من نقائص ومشكلات لا تُحل إلا بالتفسير الموضوعي. وأهم مشكلة في التفسير الترتيبي هي أنه لا يعبر عن القول النهائي والشامل بشأن رؤية القرآن للموضوع، فالتفسير لآية واحدة لا يعني أن كل كلام القرآن حول ذلك الموضوع قد قيل، بينما نحن بحاجة إلى تقديم القول النهائي للقرآن بناءً على فهمنا لمجموعة الآيات المشتركة.[۴۰]

٣- طريقة التفسير الموضوعي في نظر الشهيد الصدر هي السبيل الوحيد الذي يمكننا من خلاله الوصول إلى النظريات الأساسية للقرآن في مواجهة موضوعات الحياة المختلفة.[۴۱]

٤- التفسير الموضوعي ليس محصورًا في الموضوعات الصريحة والمفاهيم المصرح بها في القرآن فقط، بل يشمل، في نظره، جميع الموضوعات التي تقع ضمن نطاق الدين والحياة الإنسانية والتي لدينا بشأنها أسئلة ومشكلات.[۴۲]

٥- من الفروق المهمة في توجه التفسير الموضوعي في نظر الشهيد الصدر عنصر الهدف. فهو يرى أن مجرد جمع وترتيب الآيات حول موضوع معين لا يُسمى تفسيرًا موضوعيًا، بل التفسير الموضوعي هو الذي يتناول أحد موضوعات الحياة أو المسائل العقائدية والاجتماعية، ويريد دراسة رأي القرآن فيها، وإلا فإن دراسة بعض مباحث علوم القرآن بهدف معرفة موقف القرآن من تلك المجالات لا يمكن أن تُسمى تفسيرًا موضوعيًا.[۴۳] فمثلًا، مناقشات مثل الناسخ والمنسوخ والعقوبات في القرآن هي من مباحث علوم القرآن، وهذا التوجه ناتج عن خلط التفسير الموضوعي مع علوم القرآن والتشابه الظاهري بينهما.

وبهذه التوضيحات المختصرة حول رؤوس آراء الشهيد الصدر، ننتقل الآن إلى شرحها وتفصيلها:

الأول: عندما طرح الشهيد الصدر مسألة التأخر الرتبي في التفسير الموضوعي، تحدث عن فوائد التفسير الموضوعي وميزاته على التفسير الترتيبي، وأكد على أن البشر في حالة تقدم وتطور مستمر، وأن المعرفة البشرية تتوسع وتتقدم بشكل متزايد. بالنسبة للإنسان المعاصر، هناك دائمًا أسئلة تنمو وتتفتح. بغض النظر عن أن تقدم العلوم يؤثر على أسلوب حياة الإنسان ويغير معيشته، فإن هذا التغيير بطبيعة الحال يثير أسئلة في الأذهان. يجب على الدين أن يجيب على كل هذه المسائل من موقعه الديني، ولا يمكن للتفسير الترتيبي أن يؤدي هذا الدور؛ لأنه يهدف إلى إظهار مدلول اللفظ فقط. لذلك، الطريق الوحيد المتبقي هو أن نعرض هذه الأسئلة على القرآن، وأن نحول نظريات ووجهات نظر القرآن إلى شكل سؤال وجواب. في الحقيقة، يمكن للتفسير الموضوعي أن يتحمل هذه المهمة. إذن، أول ضرورة للتفسير الموضوعي هي الإجابة على الأسئلة وحل مشاكل العصر.[۴۴]

قال بعضهم: إن كثيرًا من التفاسير الترتيبية قد طرحت هذه المناقشات الموضوعية بمناسبة تفسير الآية، مثل تفسير المنار لرشيد رضا والميزان لعلامة طباطبائي. لذلك، هذا ليس وجه تميز أو فائدة للتفسير الموضوعي.[۴۵] ومع ذلك، يجب الانتباه إلى أن الشهيد الصدر لم يرغب في نفي التفسير الترتيبي لهذا الامتياز، بل ذكر أسباب تفضيل طريقة التفسير الموضوعي على طريقة التفسير الترتيبي. لذلك، إذا تم اختيار طريقة التفسير الموضوعي في بعض التفاسير المتداولة، فهذا لا يعني اشتراك الفائدة، بل يعني الاستفادة من طريقة التفسير الموضوعي ضمن التفسير الترتيبي، أو كما يقول الشهيد الصدر، هو تفسير تحليلي.

وعلاوة على ذلك، كما سنوضح لاحقًا، يؤكد الشهيد الصدر على شكل خاص من التفسير الموضوعي، وهو التفسير الموضوعي الخارجي الذي يُدرس الموضوعات التي لوحظت في تجارب البشر وعلوم الإنسان. في حين أن أغلب ميول المفسرين السابقين كانت نحو الموضوعات التي وردت مفاهيمها في نص القرآن، بالإضافة إلى أن كثيرًا من المناقشات الموضوعية في النصوص التفسيرية، مثل ما طرحه المعتزلة والأشاعرة في مناقشاتهم التفسيرية والقرآنية، كانت في الحقيقة نصية وتحليلية داخلية، وحتى أنهم أقل ما اهتموا به هو التحليلات النصية وجمع الآيات. لذلك، إذا أشار الشهيد الصدر إلى أهمية التفسير الموضوعي وقال إن التفسير الموضوعي يفتح آفاقًا أوسع ويجيب على المزيد من المسائل، فذلك لأنه يعتبره مرحلة تطور للتفسير الترتيبي. يقول في هذا المجال:

التفسير الموضوعي دائمًا مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتجربة الإنسانية؛ لأن نتائج هذا النوع من التفسير تظهر الخطوط البارزة والاتجاهات في القرآن، وفي النهاية طريقة التفكير والنظرية الإسلامية حول أحد موضوعات الحياة.[۴۶]

الثاني: النقطة الأخرى التي تُعتبر من وجهة نظر الشهيد الصدر ميزة للتفسير الموضوعي هي الحيوية وقابلية التغيير فيه. في هذا الصدد، يقارن المفكر العظيم بين منهج التفسير الترتيبي والموضوعي وبين الطريقة التي اتبعها الفقهاء في الفقه، ويقول إنه إذا كان الفقه قد حظي بتطور وتقدم جيد، فذلك بسبب استخدامه المنهج الموضوعي. الفقه في الحقيقة هو تفسير موضوعي للأحاديث والآيات. أما إذا وقع التفسير في هذا الركود والجمود، فذلك لأن المنهج التحليلي قد تم اختياره. ولو اكتفى الفقه بشرح الأحاديث مثل الوافي، ومرآة العقول وعشرات الكتب الروائية، لما وصل إلى المرتبة التي هو عليها الآن. أساسًا، نشأ الفقه بناءً على حقائق الحياة والإجابة على أسئلة المكلفين في مختلف المجالات العبادية والمعاملات والجزاءات، وتحت كل موضوع جُمعت الأحاديث والأدلة الأخرى، وشرح الفقيه رأي الإسلام بشأنها. هذه الطريقة هي ذاتها الطريقة الموضوعية في المسائل الفقهية.

في التفسير، حدث العكس، حيث أن المفسرين بدلاً من ترتيب آيات القرآن بناءً على موضوعات الحياة واحتياجاتها وأسئلتها، ومناقشتها بدقة، وتوسيع البحوث الاجتماعية والسياسية، انكبوا على تضخيم التفسير الترتيبي، واكتفوا بالنقاشات الأكاديمية، والصرف، والنحو، والقراءات، والتدقيقات اللفظية، مما أعاق تقدم التفسير باستمرار، وجعل هذا العلم عمليًا متكررًا.[۴۷] بينما يمكن للتفسير الموضوعي أن يكون حيويًا وقابلًا للتغيير يوميًا مع التطورات العلمية وتغير الحياة، وأن يجيب على موضوعات جديدة في حياة الإنسان.

هذه النقطة ليست غريبة، لأن القرآن يحتوي على علم الماضي والمستقبل حتى يوم القيامة، ويفصل الحلال والحرام لكم، ويبين ما اختلفتم فيه من المسائل.[۴۸] أو كما ورد في حديث عن الإمام الصادق (عليه السلام):

إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْزَلَ فِي الْقُرْآنِ تِبْيَانَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى وَاللَّهِ مَا تَرَكَ اللَّهُ شَيْئًا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْعِبَادُ حَتَّى لَا يَسْتَطِيعُ عَبْدٌ يَقُولُ لَوْ كَانَ هَذَا أُنْزِلَ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا وَقَدْ أَنْزَلَهُ اللَّهُ فِيهِ.[۴۹]

وفي حديث آخر عن الإمام الصادق (عليه السلام) جاء:

لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْهُ لِزَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ وَلَا لِنَاسٍ دُونَ نَاسٍ فَهُوَ فِي كُلِّ زَمَانٍ جَدِيدٌ.[۵۰]

لذا، حسب قول الشهيد الصدر، يمكن للقرآن أن يكون يوميًا مستجيبًا مع تغير الحياة الاجتماعية واندفاع المشاكل، بشرط أن يُستخدم التفسير الموضوعي وأن تُعرض المسائل والموضوعات على القرآن.

ثالثًا: يكتب الشهيد الصدر في فائدة التفسير الموضوعي مقابل التفسير الترتيبي: إن أسلوب التفسير الترتيبي أدى إلى ظهور العديد من التعارضات والتناقضات المذهبية؛ إذ يكفي في مدرسة التفسير أن يجد المفسر آية يبرر بها عقائده ووجهات نظره المذهبية، كما حدث في كثير من القضايا والمباحث الكلامية مثل الجبر والتفويض حيث وقعت هذه الصراعات، مع أنه كان بالإمكان تجنب هذه الاشتباكات والحفاظ على الحصانة منها.[۵۱] أما في مقابل التفسير الموضوعي، فمع أنه في فهم وإدراك الأجزاء يحتاج الإنسان إلى التفسير الترتيبي ولا يمكن الانتقال إلى التفسير الموضوعي دون توضيح الكلمات والجمل، إلا أنه لأن التفسير الموضوعي يوضح رسالة القرآن من خلال جمع وربط هذه المجموعة بشكل موضوعي، فهو يتمتع بحصانة أكبر.

السيد سيد محمد باقر الحكيم يشكك في هذه الفائدة ويكتب: لا يمكن أن يكون هذا التفضيل سببًا لتفضيل التفسير الموضوعي على التفسير الترتيبي والتجزيئي؛ لأن التفسير الترتيبي كما يؤدي إلى الخلافات والتناقضات، فإن التفسيرات الموضوعية أيضًا قد تشهد ذلك. والدليل على ذلك وجود الخلاف والتناقض في كثير من التفسيرات المتأخرة والمعاصرة التي اتخذت المنهج الموضوعي. في الحقيقة، للتناقضات الفكرية والعقائدية عاملان يمكن أن يكونا مسؤولين ولا علاقة لهما بالتفسير:

أ: الافتراضات والطبائع الفكرية للمفسر والعقائد التي قبلها مسبقًا والتي ينظر ويُفسر القرآن بناءً عليها.

ب: عدم بذل المفسر الجهد الكافي لفهم الكلام بشكل صحيح أو عدم قدرته الشخصية على الإحاطة بكل مضامين القرآن.

هاتان العاملتان لا علاقة لهما بالتفسير الموضوعي أو الترتيبي.[۵۲] ولكن بالنظر إلى كلام الشهيد الصدر ربما يمكن تجاوز هذا الاعتراض للسيد الحكيم؛ لأنه صحيح أن ظهور التعارضات والتناقضات المذهبية متوقع في كلا الطريقتين، لكن بلا شك فإن احتمال حدوث هذه العيوب والمشكلات في التفسير الترتيبي أكبر. ولهذا يقول الشهيد الصدر:

دع عنك أن في التفسير الموضوعي احتمال أقل لسوء الفهم وعدم الشمولية، وطبيعة التفسير الموضوعي تقوم على الشمول والوعي والإحاطة بكل الجوانب؛ خصوصًا أننا في التفسير الموضوعي نواجه المحكمات والمقيدات والمخصصات الخفية للكلام بشكل أفضل، ويقل احتمال التحيز… [في التفسير الموضوعي] قد تُحل كثير من هذه التناقضات التي وقعت في التفسير التجزيئي، وهو تفسير لا يكتفي بآية أو بضع آيات بل يريد أن ينظر إلى مجموعة من الآيات معًا.[۵۳]

بعيدًا عن ذلك، النقد الموجه للسيد الحكيم هو أنه لم ينتبه إلى جوهر نظرية الشهيد الصدر. فقصده ليس تفضيل التفسير الموضوعي على كل الموضوعات الداخلية للنص حتى تُحل التعارضات والتناقضات المذهبية بفهم آية واحدة مع مراعاة الآيات الأخرى. إنما قصد الشهيد الصدر -كما سنوضح لاحقًا- هو استخراج النظريات القرآنية المتعلقة بالقضايا والمشكلات التي تواجه المجتمع. وبالضرورة، هذه الموضوعات ليست من النوع الذي يهيئ مجالًا للتعارض المذهبي، خصوصًا وأن هذه الموضوعات ليست من تلك التي يمكن استخراجها من آية واحدة لمقارنتها بالتفسير الترتيبي. مثلاً، عندما يسعى المفسر لاستخلاص نظرية قرآنية في موضوع الديمقراطية ويريد أن يعرف مكانة الناس في الحكم وعلاقتها بوضع الأحكام الإلهية، فإنه أولًا ينظر إلى نظريات الفلاسفة السياسيين والتجارب البشرية وأسباب التوجه نحو هذا النوع من القوانين في الحكومات البشرية، ويدرسها بدقة، ثم يعرضها على القرآن. لذلك، إذا فسرت هذه القضايا بتفسيرات مختلفة، فهي ليست من قبيل الموضوعات المذهبية الخلافية التي كان المفسرون السابقون يستندون فيها إلى آية أو عدة آيات. ومن ثم، إذا كان التفسير الموضوعي أقل عرضة للخطأ وأكثر حصانة من التفسيرات الأحادية والتفسيرات الترتيبية، فذلك لأنه يتناول المسألة بشكل شامل مع مراعاة كل الجوانب، وبالضرورة يقل احتمال التعصب المذهبي فيه.

رابعًا: كما أشرنا مرارًا وشرحنا في بداية البحث بمناسبة شرح عنصر الموضوع، قد يكون الفهم للموضوع ضمن نطاق الموضوعات الخارجية، وقد يكون أعم من الموضوعات الخارجية، أي يشمل المفاهيم والعناوين الاسمية ليشمل النقاشات الدلالية الميدانية والشبكية.

كان الشهيد الصدر في مقام المقارنة بين التفسير الترتيبي والموضوعي يرى التفسير الموضوعي ديناميكيًا ومتطورًا لأن الموضوعات تنبع من صلب القضايا الإنسانية والوقائع الخارجية، وبما أن هذه القضايا تتغير وتتطور يوميًا وتولد وتتجدد في ميادين اجتماعية وسياسية وعلمية مختلفة، فبالتالي تطرح أسئلة جديدة أمام الإنسان، ولهذا فإن علم التفسير الموضوعي يواجه موضوعات جديدة يجب أن يجد لها جوابًا في القرآن.

كما أنه في مقام مقارنة التفسير الترتيبي والتفسير الموضوعي، شبّه شرح الأحاديث والفقه، وقيّم آفاق التفسير الموضوعي في ظل النظرة إلى الفقه، وقال إنه بما أن الفقه يدرس كل الموضوعات والقضايا الحياتية والاحتياجات المادية والمعنوية للإنسان بشكل موضوعي فهو قابل للتطور والتكامل، لذلك يرى أن الموضوع يكون موضوعًا للتفسير إذا كان له واقع ذهني وخارجي، أما في مجال المفاهيم ومجالات علم الألفاظ القرآني فهو خارج دائرة نقاش التفسير الموضوعي.

عندما يتناول الشهيد صدر البحث حول المحاور والمفاهيم، مع أنه يحمل جانب الكشف والإفصاح عن نظرية القرآن، فإنه لا يعتبر ذلك تفسيرًا موضوعيًا، ويعتقد أن هذا النوع من التفسير يشبه التفسير اللغوي؛ لأن الدراسة في هذا النطاق تتوقف على المعنى والمفهوم اللغوي واللفظي للآية القرآنية دون تعمق في فهم المعنى للوصول إلى المصاديق المرتبطة بالواقع وظروف التحقيق والموقع. ومن جهة أخرى، فإن مثل هذا البحث لا يساعدنا في حل مشكلات الحياة اليومية والإجابة على الأسئلة التي نواجهها في الواقع. لذلك، يعتبر السيد الحكيم هذا الجانب من كلام الشهيد صدر من بين الموانع التفسيرية، ويرى أن هذا النوع من الحركة خطوة إلى الأمام في حركة التفسير التي لا تتسم بالسطحية في التفسير الترتيبي.[۵۴]

يبدو أن أهم نقطة في تقديم ورسم التفسير الموضوعي عند الشهيد صدر هي هذه النقطة التي يجب التحدث عنها أكثر وإضافة بعض الملاحظات حولها:

أ- الشهيد صدر بنظرة رسمية للتفسير الموضوعي ينتقد في الحقيقة بعض البحوث في التفسير الموضوعي ويقول: رغم أن غالبية هؤلاء الباحثين جمعوا الآيات المشتركة في موضوع واحد وأعطوا لها ترتيبًا منطقيًا واستخلصوا النتائج، إلا أنهم لم يتمكنوا من تقديم صورة كاملة لنظرية القرآن لأنهم لم يطلّعوا على التجربة البشرية ولم يتعلموا منها ولم يقارنوا ذلك مع القرآن. يمكن الوصول إلى نظرية شاملة للقرآن إذا كان أولًا: الموضوع من موضوعات حياة الإنسان ومشكلات المجتمع النظرية والعملية. ثانيًا: إذا تعلم البشر في هذا المجال حلولًا وتجارب، يجب أن يكون المفسر على علم بها ويقارنها مع آراء القرآن بطريقة استنطاقية. الموضوع موضوع فقط إذا كان يتعلق بتفسير الوجود أو مسائل الاجتماع أو الأحكام.[۵۵]

هذا القول من جهة هو عميق ومليء بالحكمة؛ لأن الإنسان يواجه يوميًا العديد من المشكلات وتعلم تجارب كثيرة. هذه التجارب ليست محصورة في بيئة معينة أو منطقة محددة؛ فقد تكون المكتسبات العلمية والتجارب البشرية في بيئة غير إسلامية. على سبيل المثال، كثيرون عندما يُتحدث عن طريقة إدارة المجتمع والحكم، الانتخابات، توزيع السلطة، والرقابة على السلطة يقولون إن هذه الطرق نشأت في مكان آخر وتم اختبارها في تلك البيئات ودُرست علميًا.

السؤال الآن، رغم ذلك، وحيث إن الحكمة عند المشركين والكفار موجودة،[۵۶] ألا ينبغي اختبار هذه التجربة بمقياس القرآن وسؤال القرآن؟ ألا ينبغي عرض التجارب التي تعلمها البشر من أخطر ظاهرة في العالم، وهي تمرد السلطة، والتي جربوها بطرق مختلفة على القرآن، لنرى هل يقدم القرآن، بالإضافة إلى الرقابة الداخلية وشرط الإيمان والتقوى للرقابة الخارجية، حلولًا أخرى؟ وهل يعارض القرآن أساسًا هذه التجارب للرقابة الأكثر والتحكم في السلطة عبر المؤسسات المدنية أم يؤيدها؟

لذلك، في التفسير الموضوعي – على عكس التفسير الترتيبي – لا يبدأ الشهيد صدر حركته من النص، بل يقول يجب أن نبدأ من الخارج ومن حقائق الحياة ونرى ما هي كل التجارب البشرية والأفكار التي وصلت في هذا المجال، وما هي المشاكل التي جلبتها كل تجربة بشرية، وما هي النقاط الإيجابية والسلبية، ثم نلجأ إلى القرآن، نطرح سؤالنا ونطلب جواب القرآن. هذا السؤال وهذا الجواب في الحقيقة حوار بين القرآن والمفسر الموضوعي إلى حد الكشف عن وجهة نظر القرآن.[۵۷]

لهذا السبب، يتحول التفسير من حالة الكشف والإفصاح عن مفردات الكلمات إلى كشف النظريات القرآنية، ويتغير من تطبيق تفسيري إلى تطبيق حواري واستنطاقي.

ب- من جهة أخرى، نحن نقبل أن بعض التصورات عن التفسير الموضوعي نوع من التهاون، مثل أن نتصور أن الجمعيات التي قام بها القدماء في بعض الآيات، مثل عقوبات القرآن، الناسخ والمنسوخ، المحكم والمتشابه، وأقسام القرآن في مكان واحد وباعتبار وجود جامع وخصائص مشتركة، لم تكن تفسيرًا أو كشفًا، بل يمكن اعتبارها بداية جهد ومظاهر حركة، لكنها لا تُعتبر تفسيرًا موضوعيًا. حتى في الماضي، تم التركيز على آيات الأحكام والقصص في كتب موضوعية، لكن أكثر من كونها موضوعية، كانت الجمعيات مع تحفظ الخصائص المشتركة بين الآيات.

نعم، تُعتبر تفسيرًا موضوعيًا – كما هو الحال في بعض الحالات – عندما تُناقش وتُدرس بشكل موضوعي؛ بمعنى أنه حول موضوع معين مثل الصلاة أو الصيام، تُجمع كل الآيات المتعلقة به وتُدرس وجهة نظر القرآن من جوانب مختلفة مثل الفلسفة، الأهداف، الآداب، الشروط، التاريخ، النتائج، ومكانته بين الأعمال والعبادات والمناسك، ومقارنته بالطرق التربوية الأخرى في الأديان والمذاهب. أو في موضوع أقسام القرآن، تُجمع مرة كل الآيات التي ورد فيها القسم بطريقة ما، ثم ندرس سؤالًا مثل: ما هو القسم؟ أين يُستخدم؟ ما هي أهداف القرآن من استعماله؟ هل القسم أمر مسبوق بسابقة اجتماعية وأدبية؟ وفي أي نطاق استُعمل؟ وهكذا من الأسئلة. بطبيعة الحال، هناك نوعان من المنهجيات والنظرات والتعامل مع الموضوع.

ج- يجب أن نرى ما هو الهدف من التفسير الموضوعي؟ إذا كان المقصود هو الوصول إلى نظرية القرآن فيما يتعلق بواقع الحياة والمشكلات الاجتماعية، فبالضرورة يكون التفسير الموضوعي مستمدًا من تجارب الإنسان وأسئلته، أما إذا اعتبرنا التفسير أعم من اكتشاف نظريات القرآن في مجال مسائل الحياة والمفاهيم القرآنية التي تكمل معرفتنا الإبستمولوجية، ففي هذه الحالة ليس من الضروري أن تكون الموضوعات معتمدة على التجارب البشرية، بل يكفي الرجوع إلى القرآن في المجالات المعنية. مثلاً حين نريد البحث في تاريخ الأنبياء في القرآن، يكفي أن نجمع كل الآيات المتعلقة بهذا الموضوع ونستخلص النظريات المختلفة حول الأهداف والبرامج وأساليب التعامل وردود فعل المجتمعات والأمم والمسائل المماثلة، ونرى ما هي الإجابات التي يقدمها القرآن وما هي النقاط التي يذكرها.

كما يمكن أن يكون التفسير الموضوعي متعلقًا بالنظريات التي طرحت في مجال مفاهيم مجال القرآن أو المفاهيم التي لها جانب من العلوم القرآنية، ومع ذلك قد تؤخذ التجارب البشرية في الاعتبار ضمن نطاق التفسير الموضوعي. مثلاً في موضوع المحكم والمتشابه نريد أن نعرف ما هي نظرية القرآن؟ نريد أن نعرف ما هي نظرية القرآن في النسخ والبدا؟ نريد أن نعرف حتى ما هي نظرية القرآن في التفسير العصري؟ في كل هذه الحالات، بالإضافة إلى المعرفة اللغوية، يجب الرجوع إلى القرآن نفسه لنرى هل للقرآن مصطلح خاص في هذا المجال أم استخدم المعنى اللغوي فقط. ما هي المشكلات البشرية في فهم هذه المسائل؟ مثلاً في موضوع التشابه، ما هي التجربة البشرية؟ هل ظهر التشابه في المطبوعات البشرية؟ ما هو عامل التشابه في هذه المطبوعات وكيف يتم معالجته؟ لماذا يظهر التشابه في بعض المطبوعات ولا يظهر في أخرى؟ لذلك يمكن أن يكون المحكم والمتشابه في نطاق المفاهيم له جانب من التفسير الموضوعي رغم كونه من علوم القرآن.[۵۸]

لذا، صحيح أن جزءًا مهمًا وكبيرًا من التفسير الموضوعي يجب أن يُعطى للبحث المحقق في الموضوعات الخارجية والمسائل التي تواجه المجتمعات الإنسانية والتي نريد استخراج واستنباط النظريات القرآنية بشأنها، لكن لا ينبغي إهمال البحوث المفهومية القرآنية التي تبدو ظاهريًا ذات جانب لغوي صرف. في الحقيقة، موضوعات مفهوم القرآن (وخاصة الدلالات التي أُجريت على شكل حقلي كما فعل إيزوتسو) هي استخراج نظرية القرآن حول المفاهيم المفتاحية التي تحمل أعباء عقائدية واجتماعية وبشكل عام تتعلق بمعرفة القرآن.

أن نعرف ما المقصود في القرآن من الكفر والنفاق، وأين استُخدم الغيب والشهادة، وأين كان نطاق دلالات الهداية، الرشاد، التقية، الضلال، الغوّية[۵۹]، وأن نعرف ما الذي يعتبره القرآن فسقًا، صحيح أننا ندرس تطبيق هذه المفاهيم في القرآن، لكننا في الواقع نستخلص نظرية قرآنية ونكشف عن كلمة ومفهوم لهما جانب معرفي ويمنحنا تصورًا خاصًا لرسالة الوحي. ومن المثير للاهتمام أننا أحيانًا نلجأ إلى الفهم الموضوعي الذي له جانب خطاب وكلام يوضح موقف كلام الله في مواضع استعمالها، ويُظهر الحساسية تجاه موضوعات معينة. لكن لأن هذا في مقام المقارنة وله جانب موضوعي فهو نظرة تفسير موضوعي تختلف عن التفسير الترتيبي أو الطرق التقليدية السابقة. ولهذا السبب نقول إن من فوائد التفسير الموضوعي إصلاح طريقة التفسير الترتيبي والموازنة بين الطرق المختلفة.[۶۰]

خامسًا: من النقاط الأخرى التي يطرحها الشهيد الصدر هي السياق التاريخي لنشأة التفسير الموضوعي؛ ما هي العوامل التي ساعدت على ظهور التفسير الموضوعي وما الذي جعل طريقة التفسير الترتيبي تسود لقرون طويلة كطريقة مطلقة في علم التفسير؟ رغم أنه لم يصرح بذلك صراحة، إلا أنه يمكن الاستنتاج من بين كلماته أن ظهور التفسير الترتيبي كان أمرًا طبيعيًا، وأن قصة نشأة التفسير كانت تدريجية، حيث كانت تظهر غموضات لفهم القرآن في البداية فيرجع الناس إلى النبي والأئمة المعصومين أو الصحابة لشرح الدلالات. هذه الطريقة ساعدت تدريجيًا على بناء نظام التفسير الترتيبي، خصوصًا في شكله التأثري.[۶۱] لكن كلماته عن التفسير الموضوعي كانت واضحة، حيث أشارت إلى الضرورات الاجتماعية ونمو المعارف البشرية وتوقع تلبية الحاجات الدينية من القرآن.[۶۲]

السيد محمد باقر الحكيم في نقد هذا الرأي قال إن سبب التوجه إلى التفسير الترتيبي وليس الموضوعي هو قدسية نص القرآن الكريم التي منعت أحدًا من العمل خلاف ترتيبه أو تغييره بالتفسير الموضوعي.[۶۳]

لكن في رأينا كلام الشهيد الصدر دقيق تمامًا، وهذه الطريقة في اختيار التفسير لم تكن نابعة من قدسية الترتيب، لأن في تلك العصور كان هناك مفسرون يعملون انتقائيًا ويقدمون تفاسير للآيات الأحكام والقصص، وقضية التفسير الترتيبي نابعة من طبيعة فهم واكتشاف وكشف النص. كمثال، شروح الكتب الفقهية مثل شرح لمعة، شرح شرائع (جواهر) وشروح الكتب الأدبية مثل شرح مثنوي وعشرات الشروح الأخرى بلغات مختلفة التي كانت تتم بطريقة ترتيبية لم تكن بدافع قدسية النص، بل كانت محاولة لفهم النص وإدراكه بشكل أفضل بما يتناسب مع القراء. بالطبع، إذا أراد أحدهم استخلاص نظرية واكتشاف وجهة نظر المتحدث أو المؤلف أو الشاعر، كان يقوم بذلك بالطريقة الموضوعية. قبل القرآن، كانت هناك كتب مثل تفسير الكتب المقدسة، شرح النصوص الأدبية وأعمال أرسطو تُفسر بهذه الطريقة. عمومًا، كان يُطلق على هذه الفئة من التفاسير مصطلح[۶۴] التفسير، مثل تفسير طيماوس لأفلاطون وتفسير الأربع مقالات لبطليموس.

لذا، لم يكن اختيار التفسير الترتيبي بسبب قدسية القرآن. وإذا كان للقدسية دور في هذا الأمر، فلم يكن ذلك الدور مهمًا أو مانعًا لاتباع طرق أخرى، كما هو الحال في تفسير مصحف أمير المؤمنين عليه السلام الذي أُبلغ بناءً على ترتيب النزول.[۶۵] لذلك، ما يمكن اعتباره تأكيدًا هو مجرد تأكيد على تغير الظروف الثقافية والاجتماعية للمسلمين، والعودة إلى القرآن، ودعوة المصلحين إلى التوجه نحو القرآن وأحكامه وقوانينه الإسلامية، مما زاد من توقع الحصول على الإجابات من القرآن وشجع المفكرين والمفسرين على النظر إلى الموضوع بشكل أوسع. ولهذا السبب، لا نقبل هذا النقد ولا نعتقد أن قدسية الترتيب هي التي أدت إلى التفسير الترتيبي.

بشكل عام، يقوم فهم التفسير الموضوعي في نظر الشهيد الصدر على ثلاثة أركان وقواعد:

١- الترتيب والتنظيم النظري بمعنى أن يُعرف الموضوع جيدًا، وتُفصل النقاط الغامضة والمتداخلة، وتُحدد الأسئلة المطروحة في هذا الصدد. هذا النشاط يؤدي إلى تحديد جميع جوانب القضية وإزالة الغموض عنها.

٢- بما أن التفسير الموضوعي يقوم على الموضوعات في مجال العقيدة والمجتمع ومشكلات الحياة الإنسانية، فلا بد من البدء بالواقع والخارج ثم عرضه على القرآن. لذا يجب البحث والتنقيب في كل التجارب البشرية والأفكار التي وصلت في هذا المجال، وتحديد نقاط القوة والضعف فيها، ثم الرجوع إلى القرآن.

٣- هذا السؤال والجواب هو في الحقيقة حوار بين القرآن والمفسر الموضوعي حتى تتضح وجهة نظر القرآن وتنكشف. وتسمى هذه الطريقة بالتفسير التوحيدي؛ لأنها تحقق نوعًا من الوحدة بين التجربة البشرية ورؤية القرآن، كما تحقق الوحدة بين الدلالات المشتركة التي وردت في القرآن، وتُنظم في إطار نظري موحد.

المنهج العملي للشهيد الصدر في التفسير الموضوعي

مع ما شرحناه، قد لا يكون شرح المنهج العملي للشهيد الصدر صعبًا، خاصة أنه في كتاب المدرسة القرآنية، بعد المناقشات النظرية، يشرح ويوسع التفسير الموضوعي ويطرح من خلال الأفكار النظرية موضوعات السنن التاريخية من وجهة نظر القرآن. ولا شك أن هذا المنهج العملي يمكن ملاحظته في بعض أعماله الأخرى[۶۶]، وما يمكن أن يكون مفيدًا وقابلًا للدراسة والمتابعة في هذا القسم هو منهجه في كيفية الدخول والخروج واستخدام وتحليل الموضوعات المتميزة، وفي النهاية الوفاء بالمنهج المعلن.

في بداية العمل، منهجه هو تحديد الموضوع والسؤال الرئيسي، لذا في باب وجوب الاستقرار في الأحداث التاريخية يتناول أهمية اكتشاف السنن التاريخية من القرآن ويؤكد على ما نبحث عنه، ثم يتناول طريقة بيان القرآن ويطرح السؤال: مثلاً، كيف عُرضت السنن التاريخية من وجهة نظر القرآن؟ ثم يستخدم الأشكال البيانية لفحص الموضوع وقياسه، ويقارن أوجه الاختلاف بينها. هذا المقارنة لتحديد الفروق.

نقطة أخرى مهمة جدًا، والتي أكد عليها أيضًا في النقاش النظري، هي استخدام المعرفة والتجربة البشرية في تقييم الموضوع وإظهار الحلول. هذا سؤال مهم جدًا يجب على المفسر الجيد أن يدركه ويستطيع عرضه أمام القرآن. عندما يأخذ المرء الموضوع من القرآن، مثل الصبر في القرآن، أو العهد في القرآن، أو الهداية في القرآن، قد لا تكون المسألة صعبة، لكن إذا أراد النظر إلى الموضوعات الواقعية والمجتمعية، تصبح صعوبة فهم الموضوع والتعرف على التجارب أكثر تعقيدًا. مثلاً، إحدى مشكلات البشرية كانت مسألة الحرية. عبر تاريخ البشرية، عانى الإنسان أكثر من الاستبداد والخنق والتقييد، وظهرت الحروب والفقر والتمييز الطبقي والظلم في ظل الاستبداد. وقد توصلت البشرية إلى نتيجة مفادها أنه ما لم تكن هناك حرية، فلن تكون هناك عدالة؛ وما لم تكن هناك حرية، فإن السلطة في يد الأفراد تؤدي إلى الفساد وسوء الاستخدام؛ ولا يمكن أن يكون الرقابة والمراقبة مثمرة إلا من الداخل، بل إن تقييد السلطة، وتفريق السلطات، والوقاية من فساد السلطة في كل مستوى ممكنة مع حرية التعبير والحرية الاجتماعية. هذه تجربة بشرية. فماذا يقول القرآن في هذا الصدد؟

يناقش الشهيد الصدر مسألة فلسفة التاريخ بهذا المنظور. في البداية، يولي اهتمامًا للضوابط والقوانين والسنن في حركات التاريخ ويسأل: هل وردت إشارات إلى مثل هذه القوانين في القرآن؟ وإذا كانت هناك غرائب في العلوم والاتجاهات، هل يمكن رؤية هذه الغرائب في ميدان التاريخ؟[۶۷] وفي هذا السياق، يجيب على الشبهات والاعتراضات المتعلقة بالمسألة ويتابع الموضوع بطريقة تحليلية وصفية.[۶۸]

ومن النقاط الأخرى في نقاش السنن التاريخية أنه في سير النقاش يشير إلى أجزاء من هذه القوانين ولا يناقش من الكلي إلى الجزئي؛ بل يستنتج من التفاصيل أن هذا المجموع له كلي، وأن القرآن في كل بيانه هو قانون[۶۹]، ليخلص في النهاية إلى استنتاج كلي.

بالطبع نرى هذا الأسلوب في كتاب اقتصادنا بشكل أوسع. يبدأ الشهيد الصدر في هذا الكتاب بالإشارة إلى المناقشات الفلسفية العامة للاقتصاد ويشرح النظريات المختلفة في مجال الاقتصاد، ثم يتناول نظريتين مشهورتين هما الماركسية والرأسمالية، وبعد شرح مفصل لتقديم الموضوع بدقة ومسائله ومشكلاته، يتوجه إلى النظرية الإسلامية. في البداية، يشرح الإطار العام للاقتصاد الإسلامي، وللفهم الصحيح للمبادئ العامة يورد بعض الآيات القرآنية التي تشرح أسس هذه المبادئ، مثل احترام الملكية، والحرية الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية. ثم يشرح القيم السائدة في الاقتصاد الإسلامي مع مراعاة آيات القرآن، ويشير إلى عنصر الأخلاق والتربية الروحية والتعليمات الإنسانية في الإسلام. بعد ذلك يتناول بعض المسائل الاقتصادية. إذًا الأسلوب هو نفسه؛ مع أن كتاب اقتصادنا يتمتع بإطار أكثر دقة ومنهجية أكثر منطقية، وقد تم استنتاج الموضوع بشكل أوسع وأفضل مع مراعاة التجارب البشرية والمعارف المتعارف عليها في الدين.[۷۰]

 

[۱]. هناك العديد من الأدلة على أن ترتيب القرآن الحالي توقيفي، منها الأحاديث التي تنسب تنظيم وترتيب بعض السور والآيات إلى النبي الكريم. وقد أشرت في رسالة مستقلة ومفصلة بعنوان نظرة جديدة إلى مسألة جمع القرآن إضافة إلى الأدلة إلى كبار القائلين بهذا الرأي.

[۲]. التفاسير التي كتبت بناءً على ترتيب النزول تعتمد أساسًا على المنهج المنسوب إلى تفسير أمير المؤمنين عليه السلام، وقد أقر اثنان من كتاب أهل السنة، هما محمد عزة دروزه في تفسير الحديث وملحوّيش في تفسير معاني القرآن بهذا الاتباع. وفي العصر الحاضر، يُعد كتاب المهندس مهدي بازرغان بعنوان خطوة بخطوة مع الوحي، الذي طُبع منه مجلدان حتى الآن، من التفاسير التحليلية والتاريخية التي كتبت بناءً على ترتيب نزول القرآن.

[۳]. في بداية نشأة التفسير البحثي، كان الاكتفاء بتقديم أسماء وطبقات المفسرين فقط، وكان يُشار إليه باسم طبقات المفسرين، لكن هذا المنهج توسع تدريجيًا، فإلى جانب كتابة المعاجم التفسيرية، اتجه إلى تقديم وتحليل مجموعات التفاسير. ومن أشهر هذه الأعمال التفسير والمفسرون لذهبي ومذاهب التفسير لغلازية في نهاية القرن الرابع عشر، لكن هذا التوجه خصص حجمًا هائلًا من التأليف في نقد وتحليل التفاسير الكبرى لدى الشيعة والسنة. في هذا الصدد انظر: إيّازي، المفسرون حياتهم ومناهجهم تحت كل تفسير على حدة.

[۴]. كتب كثيرة كُتبت حول التفسير الموضوعي، ومن بينها يمكن الإشارة إلى: التفسير الموضوعي، سيد أحمد كومي؛ البداية في التفسير الموضوعي، د. عبد الحي فرماوحي؛ المدخل في التفسير الموضوعي، فتح الله سعيد؛ منهجية التفاسير الموضوعية، هداية الله جليلي؛ بحوث في التفسير الموضوعي، مصطفى مسلم؛ «نظرة إلى التفاسير الموضوعية للقرآن»، سيد محمد علي إيّازي (کیهان اندیشه، ع. ٢٨)؛ دراسات في التفسير الموضوعي لقصص القرآن، أحمد جمال عرى ومقدمة رسالة القرآن، ناصر مكارم شيرازي.

[۵]. حول الأسئلة المطروحة في هذا المجال وكيفية تفسيرها انظر: محمد علي إيّازي، «خطوة في معرفة المحكم والمتشابه»، رسالة الحوزة، العدد ١٦، ص ٧٤.

[۶]. بالطبع للشهيد الصدر رأي خاص في هذا الشأن ويقدم تعريفًا خاصًا للتفسير الموضوعي، وسنناقش وجهة نظره بمناسبة طرح آرائه في المستقبل إن شاء الله.

[۷]. كمثال، كتب مونتغمري وات، الباحث الإنجليزي، كتابًا مستقلاً عن كلمة الله في القرآن وأشار إلى سابقية كلمة الله قبل الإسلام مستندًا إلى الآيات نفسها وحالات استعمالها.

[۸]. نُشر هذا الكتاب بواسطة أحمد آرام في مؤسسة شركة نشر الكتاب عام ١٣٦١ هـ ش.

[۹]. توشهيكو إيزوتسو، الله والإنسان في القرآن، ص ١ – ٤.

[۱۰]. كمثال، أجرى يوسف حداد بحثًا موسعًا عن كلمة رحمن وأظهر في أي موقع ومقام استُعملت الكلمة في القرآن وما هي الأبعاد الثقافية والاجتماعية التي تحملها. انظر: دروس قرآنية، القرآن والكتاب (منشورات المكتبة)، المجلد ٢، ص ١٢١.

[۱۱]. إذا دقق أحد في تطور وأسس التفسير الموضوعي، يرى أن التشابه بين هذين التوجهين كبير جدًا، بل يمكن إضافة أن الأسس والاتجاه نحو التفسير الموضوعي بدأ من تفسير القرآن بالقرآن، وكان منبع استخراج النظرية في بيئة تفسير القرآن بالقرآن، لكن بما أن الهدف مختلف، فلا ينبغي اعتبارهما واحدًا.

[۱۲]. في هذا الصدد انظر: ابن تيمية، مقدمة في أصول التفسير، ص ١٥؛ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، المجلد ١، ص ٦؛ الزركشي، البرهان في علوم القرآن، المجلد ٢، ص ٢٩١؛ الطوسي، التبيان، المجلد ١، ص ٤؛ والطباطبائي، الميزان، المجلد ١، ص ١١-١٢.

[۱۳]. الطباطبائي، الميزان، المجلد ٤، ص ٨٧. ينقل المجلسي عن الإمام محمد باقر عليه السلام: «ليس شيء من كتاب الله إلا عليه دليل ناطق عن الله في كتابه مما لا يعلم الناس» (بحار الانوار، ج ٨٩، ص ٩٠).

[۱۴]. مقدمات في التفسير الموضوعي، ص ١١ – ١٣. بالطبع سيتناول التفصيل في هذا النقاش في المستقبل.

[۱۵]. البقرة (٢)، الآية ١٨٥.

[۱۶]. النساء (٤)، الآية ١٧٤.

[۱۷]. النحل (١٦)، الآية ٨٩.

[۱۸]. نهج البلاغة، الخطبة ١٨.

[۱۹]. نفسه، الخطبة ١٣٣.

[۲۰]. نهج البلاغة، الخطبة ١٨.

[۲۱]. سيد محمد باقر صدر، التقاليد الاجتماعية وفلسفة التاريخ في مدرسة القرآن، ترجمة حسين منوچهي (تهران، مرکز نشر فرهنگى رجاء، ١٣۶٩)، ص ٥٠.

[۲۲]. لأن عوامل اختلاف المنهج نفسها، أي الرؤى والاتجاهات الفكرية والذوقية المختلفة، ظهرت وتظهر في التفسير الموضوعي، والتفسير بطبيعته قائم على شخصية المفسر، والمفسر له دور أساسي في كيفية التفسير.

[۲۳]. ظن بعضهم أن اختلاف التفاسير الموضوعية في البساطة والتعقيد هو نقص وكمال، وإلا فهي جميعًا تتبع منهجًا واحدًا، وهذا الحكم، حتى لو كان حكمًا أو تصورًا مسبقًا (وليس لاحقًا)، غير صحيح، كما لو قلنا إن التفاسير الترتيبية كلها تتبع منهجًا واحدًا، وإذا كان أحدهم في التفسير عقلانيًا والآخر نصيًا، وأحدهم تفسيره أدبي والآخر علمي، فكلها في نقص وكمال. الذي يناقش بطريقة الاستدلال، مع من يناقش بطريقة تحليلية ووصفية، في البساطة والتعقيد. إذا ناقش أحدهم بأسلوب استنباط الموضوعات مستندًا إلى لغة علمية ومن الآيات، وآخر يعتبر اللغة العرفية أساسًا، فهما من حيث المنهج وطريقة الدخول والخروج في النقاش يتصرفان بشكل متشابه. للاطلاع على هذا الرأي انظر: سيد هداية جليلي، منهجية التفاسير الموضوعية للقرآن، ص ٤٣-٤٦. ودع عنك أن اختلاف التفاسير الموضوعية أحيانًا يعود إلى طريقة تنظيم وترتيب المناقشات ومبادئها المختلفة، وهذا موضوع مستقل لا مجال لبحثه هنا.

[۲۴]. الشهيد الصدر – كما سنوضح لاحقًا – هو أحد دعاة هذا المنهج ويؤكد عليه بشدة. انظر: مقدمات في التفسير الموضوعي (الكويت، دار الترجمة الإسلامية)، ص ١٩.

[۲۵]. محمد مصطفى زلمي في كتاب أسباب اختلاف الفقهاء يشير إلى خلافات في المنهج لدى هذه الفئة من الفقهاء في الاستنباط، كما أن سعود بن عبد الله الفنيان في اختلاف المفسرين، ص ١٤٧-٢٢٣، بحث هذه المسألة وأشار إلى بعض الخلافات ذات الطابع المنهجي.

[۲۶]. حول تقسيم التفاسير الموضوعية من حيث تنظيم وترتيب المناقشات انظر: سيد محمد علي إيّازي، «نظرة إلى التفاسير الموضوعية المعاصرة» (كيهان انديشه، العدد ٢٨، ص ١٤٢). هذه الحركة، رغم كونها شكلية وبنيوية وفي خدمة تقديم الفهم للمجتمع، إلا أنها تدل على تغيير في هيكل تقديم الدين والثقافة الإسلامية.

[۲۷]. في هذا الصدد انظر: خرمشاهي، «القرآن وثقافة العصر»، مجلة بينات، العدد ٥.

[۲۸]. مرتضى مطهري، مقالات فلسفية (طهران، منشورات حكمت، د.ن.)، ص ٣٧.

[۲۹]. نفسه، ص ٥١.

[۳۰]. عقاد، الفلسفة القرآنية (ط.٢: بیروت، دارالکتاب العربى، ١٩۶٩ م)، ص ٢٠٩.

[۳۱]. عقاد، الفلسفة القرآنية، ص ٥١.

[۳۲]. مصباح يزدي، معارف القرآن (قم، انتشارات در راه حق، ١٣٧٣)، ص ٩ – ١٠.

[۳۳]. كمثال، في نقاش معرفة الله الفطرية والحضور الحسي، بعد النقاش والاستدلال العقلي وأخذ ذلك مسلمًا، يتبعون الآية والدليل القرآني. انظر: نفسه، ص ٣١ – ٣٣.

[۳۴]. لمزيد من المعلومات في هذا المجال انظر: عبد العلي بازرغان، منهج التدبر في القرآن، (ط.١: شرکت سهامى انتشار، ١٣٧۴)، ص ٢٢١.

[۳۵]. عبد العلي بازرغان، منهج التدبر في القرآن، ص ٢٢٧.

[۳۶]. كمثال، في نقاش دراسة الحالة الإيمانية للناس في عهد الأنبياء السابقين وشرح سير تطور قبول التوحيد في بني آدم، يشير إلى المسار التاريخي.

[۳۷]. يمكن ملاحظة هذا الأسلوب في أعمال مهندس بازرغان القرآنية التي تتضمن حتى منحنيات ونسب وعرضًا رياضيًا. كمثال انظر: القرآن والمسيحيون (شرکت سهامى انتشار، ١٣۶٧)، ص ٨.

[۳۸]. من الضروري التذكير بأن كتاب مقدمات في التفسير الموضوعي للقرآن والمدرسة القرآنية متطابقان في المحتوى والعبارات الرئيسية، مع اختلاف أن مقدمات في التفسير الموضوعي أُلقيت من قبل أحد تلاميذ الشهيد الصدر ونُشرت بواسطة دار التوجيه الإسلامي في الكويت عام ١٤٠٠ هـ ق، ثم نُقلت النصوص من الأشرطة وتم تنقيحها وتحريرها بشكل أفضل ونُشرت باسم المدرسة القرآنية في مؤسسة دار التعارف في بيروت. وقد صدرت ثلاث ترجمات فارسية لهذين الكتابين: الأولى بواسطة السيد محمد مهدي فولادوند بعنوان: الإنسان المسؤول صانع التاريخ من منظور القرآن، والثانية بواسطة حسين منوچهي بعنوان: التقاليد الاجتماعية في تفسير القرآن، والثالثة بواسطة سيد جمال موسوي بعنوان: التقاليد التاريخية في القرآن.

[۳۹]. سيد محمد باقر صدر، المدرسة القرآنية، ص ١٨.

[۴۰]. سيد محمد باقر صدر، المدرسة القرآنية، ص ٣٧ – ٣٨.

[۴۱]. نفسه، ص ٣٣.

[۴۲]. نفسه، ص ٢٠.

[۴۳]. نفسه، ص ١٧.

[۴۴]. سيد محمد باقر صدر، المدرسة القرآنية، ص ٣٣. مع إضافة وتوضيح من الكاتب.

[۴۵]. سيد محمد باقر حكيم، «التفسير الموضوعي»، سلسلة مقالات المؤتمر الثامن للوحدة الإسلامية (١٣٧٤ هـ ش)، ص ٥.

[۴۶]. «ومن هنا كانت نتائج التفسير الموضوعي نتائج مرتبطة دائمًا بتيار التجربة البشرية لأنها تمثل المعالم والاتجاهات القرآنية لتحديد النظرية الإسلامية بشأن موضوع من موضوعات الحياة»، (المدرسه القرآنیه، ص ٢٠ – ٢١).

[۴۷]. ما ورد في العبارات أعلاه هو مضمون آراء الشهيد الصدر وليس عباراته، انظر: المدرسة القرآنية، ص ١٥ – ١٧.

[۴۸]. مضمون حديث من أمير المؤمنين عليه السلام عن القرآن، انظر: الكليني، أصول الكافي، المجلد ١، كتاب فضل العلم، ص ٢٥٩، حديث ٧، ونهج البلاغة، الخطبة ١٠٨.

[۴۹]. الكليني، أصول الكافي، المجلد ١، ص ٥٩، حديث المرازم.

[۵۰]. الصدوق، عيون أخبار الرضا (طهران، منشورات جهان)، المجلد ٢، ص ٨٧.

[۵۱]. سيد محمد باقر صدر، المدرسة القرآنية، ص ١١ – ١٢.

[۵۲]. سيد محمد باقر حكيم، التفسير الموضوعي، سلسلة مقالات المؤتمر الثامن للوحدة الإسلامية، ص ٦.

[۵۳]. سيد محمد باقر صدر، المدرسة القرآنية، ص ١٢.

[۵۴]. سيد محمد باقر حكيم، التفسير الموضوعي، ص ٤.

[۵۵]. سيد محمد باقر صدر، المدرسة القرآنية، ص ١٩ – ٢١.

[۵۶]. ورد في العديد من الأحاديث: «خذوا الحق من أهل الباطل ولا تأخذوا والباطل من أهل الحق كونوا أنقاد الكلام» (بحار الانوار، ج ٢،ص ٩۶، حدیث ٣٩) أو جاء: «خذوا الحكمة ولو من أهل المشركين» (المرجع نفسه، ص ٩٧) والعديد من الأحاديث الأخرى التي وردت في هذا الباب في نفس مجلد بحار الأنوار.

[۵۷]. سيد محمد باقر صدر، المدرسة القرآنية، ص ٢٦ – ٢٨.

[۵۸]. الدكتور عبد الجبار شرارة يقبل أن الشهيد الصدر لم يقصد بالموضوع في التفسير الموضوعي المعنى اللغوي أو الاصطلاحي، بل وضع مصطلحًا جديدًا في هذا المجال؛ لأننا أحيانًا نقول تفسير موضوعي والمراد به شيء مقابل الذاتي (الخلفيات والافتراضات والذهنية)، بل المراد بالموضوعي هو الموضوع الخارجي الذي أُخذ من الخارج وعُرض على القرآن ليطرح النظرية القرآنية ويسأل ويجيب، لذا هذا التفسير ليس تفسيرًا من القرآن إلى القرآن بل من الواقع إلى القرآن. انظر: عبد الجبار شرارة، «نحو منهج سليم في التفسير»، قضايا إسلامية، العدد الأول، ص ٢٢٥.

[۵۹]. في هذا المجال انظر: إيزوتسو، الله والإنسان في القرآن، ترجمة أحمد آرام، ص ١٠٢.

[۶۰]. في باب هذه النقطة والنقاشات حول منهج الإصلاح انظر: عبد الستار فتح الله، المدخل إلى التفسير الموضوعي، ص ٥٣ – ٥٥.

[۶۱]. «ولما ساء على شيوع الاتجاه التجزيئي للتفسير وسيطرته على الساحة قرونًا عديدة النزعة الروائية والحديثية للتفسير…» (المدرسه القرآنیه ، ص ١٣ و ١۴).

[۶۲]. نفسه، ص ٣٠ – ٣٧.

[۶۳]. سيد محمد باقر حكيم، التفسير الموضوعي، ص ٧.

[۶۴]. كارادي فوكس، دائرة المعارف الإسلامية، الترجمة العربية، ص ٤٠٩، مادة تفسير.

[۶۵]. الكليني، أصول الكافي، المجلد ١، ص ٢٣١ والمجلسي، بحار الأنوار، المجلد ٢٦، ص ٢٢ و٣٨. في هذه الأحاديث من أوصاف المصحف الذي كان بحوزة الإمام، أولًا: يتضح أنه لم يكن مجرد القرآن فقط، وثانيًا: كان حسب ترتيب النزول. انظر: بحار الأنوار، المجلد ٨٩، ص ٤٠.

[۶۶]. كمثال، كتاب البنك الربوي له قد كُتب بهذا المنظور، ويحتوي على نقاشات علمية وتجريبية كثيرة.

[۶۷]. المدرسة القرآنية، ص ٤٤.

[۶۸]. كمثال انظر: نفسه، الصفحات ١٠١ – ١٠٥.

[۶۹]. نفسه، الصفحات ٥٠ – ٧٣.

[۷۰]. كمثال انظر: سيد محمد باقر صدر، اقتصادنا (بیروت، دارالفکر، ١٣٩٣هـ)، ص ٢٥٥ – ٣٥٦.