دراسة مقارنة بين منهج الشهيد صدر والمنهج التقليدي للفقهاء في تشخيص المسائل المستحدثة

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: بررسی تطبیقی رویکرد شهید صدر با رویکرد سنتی فقها در موضوع شناسی مسائل مستحدثه ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: يبحث المقارنة بين منهج الشهيد صدر والمنهج التقليدي للفُقهاء في موضوع تشخيص المسائل المستحدثة، حيث يستعرض الفروقات الأساسية في التحليل المنهجي للموضوعات الفقهية. في المنهج التقليدي لتشخيص موضوعات المسائل المستحدثة، تُعتبر هذه الموضوعات حسب مرجع التشخيص من الموضوعات التخصصية؛ لذا يكون مرجع التشخيص هو الخبير، وبما أن هذه الموضوعات لم تكن موجودة في عصر الشارع، فهي تقع ضمن دائرة “ما لا نص فيه”. يقبل الفقهاء مبدأ خلود الشريعة وقاعدة اشتراك التكليف، ويعتمدون طرقًا مثل الإدراج تحت العناوين الفقهية أو التمسك بالعمومات والأصول العملية لاستنباط الأحكام، لكن هذا المنظور لا يولي اهتمامًا للنظامية والاتجاهية في الموضوعات. بالمقابل، من منظور الشهيد صدر، فإن تشخيص موضوعات المسائل المستحدثة هو مقدمة لفقه نظم المجتمع، ويجب تحليل الموضوعات بشكل منهجي. ورغم أنه يرى، كما في المنهج التقليدي، أن خاصية العلم هي الكشف عن الواقع، إلا أنه من خلال طرح مفهوم “المدرسة” وسيطرتها على العلم، يؤمن باتجاهية النظم الاجتماعية؛ لذا لا يمكن اعتبار تشخيص الموضوع مجرد أمر محايد وخالٍ من الاتجاه بمجرد حجية قول الخبير.

المؤلف: محسن سعیدی ابواسحاقی، عبدالله بهمن‌پوری

المصدر: مطالعات میان رشته‌ای تمدنی انقلاب اسلامی، شتاء 1401، العدد 4، ص 57 إلى 75.

المقدمة

في العصر الحديث، مع ولادة العلوم الإنسانية والاجتماعية الجديدة، تم تشكيل مجال الإدارة الاجتماعية والتدخل في واقع المجتمع بهدف تلبية الحاجات الجماعية من خلال إنتاج نظم اجتماعية، بحيث أن جميع الموضوعات الجديدة التي يواجهها الفقه نابعة من هذه النظم. ومن الضروري لفهم طبيعتها وخصائصها أن يتم التعرف على وضعها السابق وتحولاتها التاريخية، وكذلك الفكر والنظرة التي أثرت في إنتاجها وتطورها. هذا الفهم والمعرفة الجوهرية ضروريان للفقهاء، لأن الموضوع في مرتبة ما قبل الحكم ويعتبر سببه. فإذا لم يتعرف الفقيه على الموضوع بشكل صحيح ولم يميز أنواعه، فلن يستطيع أن يضع الحكم الصحيح عليه. في الفضاء الفقهي التقليدي توجد طرق خاصة لتشخيص الموضوع، وبمراجعتها سنتناول ضعف هذه الطرق في تحليل الموضوعات المستحدثة المعقدة المعاصرة، وسنوضح بعد ذلك وجه تفوق منهج الشهيد صدر في تحليل الموضوعات المستحدثة.

طبيعة الموضوع

رغم أنه لا يوجد فصل مستقل في كتب الفقه والأصول عن منطق تشخيص الموضوع وبيان ماهيته، إلا أنه خلال كلام الفقهاء وبالضرورة توجد إشارات لتعريف الموضوع وعلاقته بالحكم. من منظور الشهيد صدر، موضوع الحكم الاصطلاحي هو ما يشمل في نظره مجموع الأشياء المؤثرة في تفعيل الحكم المجهول. علاقة الموضوع بالحكم في بعض الجوانب تشبه العلاقة بين السبب والمسبب، مثل النار والحرارة. كما أن المسبب يعتمد على السبب، كذلك الحكم يعتمد على موضوعه، لأن تفعيل الحكم واستمراره مرتبط بوجود الموضوع. وهذا هو معنى عبارة الأصوليين الذين يقولون: تفعيل الحكم مرتبط بوجود الموضوع، وبسبب هذا الارتباط فإن مرتبة الحكم من حيث الرتبة متأخرة عن مرتبة الموضوع، كما أن المسبب متأخر عن سببه. (صدر، ج ١، ١٤٠٥: ١٥٨)

الأسبقية المنطقية لتشخيص الموضوع على تشخيص الحكم

الحكم الشرعي دائمًا ما يتعلق بالموضوع، ولا يمكن وجود الحكم بدون وجود الموضوع، لأن العلاقة بين الموضوع والحكم تشبه علاقة السبب والمسبب، وبما أن المسبب يعتمد دائمًا على السبب، فالحكم يعتمد على وجود الموضوع. الموضوعات التي يُحكم الشرع عليها تكون أحيانًا أشياء خارجية محسوسة، وأحيانًا أفعال المكلف؛ مثلاً عندما يُقال: الخمر نجس، فالخمر هو الشيء الخارجي الذي يُعتبر موضوع حكم النجاسة في هذه القضية الشرعية، أو عندما يُقال: شرب الخمر حرام، فموضوع الحكم هو فعل الشرب الذي يُعتبر محلاً للحكم بالحرمة. (آشتیانی، ج ٣: ١٤٠٣، ٦٦).

ومن جهة أخرى، بما أن القضايا الشرعية من نوع القضايا الحقيقية، فهي خلاف ما يبدو عليه من كونها جمل حملية، فهي في الواقع جمل شرطية. وعلاقة الموضوع بالمحمول هي علاقة الشرط بالمشروط، ومن الناحية المنطقية الشرط يسبق المشروط. ومن هنا يكون تشخيص الموضوع منطقيًا أسبق من تشخيص الحكم. وهذه المسألة هي التي تجعل تشخيص الموضوع أسبق منطقيًا من تشخيص الحكم، وعمومًا تشخيص الموضوع إلى جانب تشخيص الحكم هو جزء من عملية الاجتهاد.

أقسام الموضوعات بحسب مرجع التشخيص

في تشخيص الموضوع، يُقسم الموضوع إلى تقسيمات مختلفة بحسب الاعتبارات المتنوعة.

تنقسم موضوعات الأحكام حسب مرجع التشخيص إلى ثلاثة أقسام: أ. الموضوعات المستنبطة ب. الموضوعات العرفية

ج. الموضوعات التخصصية أو الخبرائية

فيما يلي نقدم تعريفًا وبيانًا لخصائص كل من هذه الموضوعات.

١. الموضوعات المستنبطة

هذه الموضوعات هي عناوين إما أن أصلها قد وُضع واعتُبر من قِبَل الشرع، أو أن حدودها قد حُددت من قِبَل الشرع (کوه کمره‌ ای‌، ١٤١٠: ٢٧‌). على سبيل المثال، الاعتكاف والإحرام من العناوين التي كان أصل وضعها واعتبارها من قِبَل الشارع. وكذلك الصلاة والصيام والحج من نوع هذه العناوين (موحدی لنکرانی‌، ١٤٢٥‌: ٢٨٧‌) (طباطبایی، ج ١، ١٤١٥: ٣٣٣)، أما عناوين مثل الوطن، البلوغ، والماء الكَرّ فهي موضوعات كان أصل وضعها من العرف، لكن تحديد حدودها يتم بواسطة الشرع، والشارع له تدخل في بيانها وتعريفها (اشتهاردی، ج ٢١، ١٤١٧: ٤١٣). إذن، اعتبار هذه الموضوعات من قِبَل الشرع. وبسبب شرعية هذه الموضوعات، فإن ما يقوم به الفقيه في استنباط الحكم الشرعي ينطبق أيضًا على هذه الأنواع من الموضوعات، أي إن استنباط هذه العناوين من اختصاص الفقيه، لأن لسان الشرع يجب أن تُوجد فيها (حسینی هاشمی‌، ١٣٩٢: ٧٣).

٢. الموضوعات العرفية

هذه العناوين هي موضوعات لم يكن أصل اعتبارها ووضعها من قِبَل الشرع، وإنما تُرك تشخيصها للعرف؛ مثل «الغرر»، بمعنى أن تشخيص الغرر وتعريفه سواء بالسلب أو الإيجاب يكون بيد العرف ولا يُرجع إلى الشرع (انصاری، ج ١٤، ١٤١٠: ٢٥١)، أو «التزكية» (حسینی، ج ١، ١٣٨٣: ٢٥٢)، أو «الغليان» (مروج، ج ٨، ١٤١٥: ٣٥٠)، أو «الوطن» (کوه‌ کمره ای، ١٤١٠: ٢٧). مثال آخر هو «التجارة عن تراضٍ» (سبزواری، ج ١٦، ١٤١٣: ٢٨٨).

٣. الموضوعات الخبيرة

الموضوعات الخبيرة أو التخصصية هي موضوعات يتطلب التعرف عليها من حيث المفهوم أو المصداق أو كليهما وجود خلفيات بحثية وتخصصية. بمعنى أنها موضوعات لا يستطيع العرف استيعابها، ولا توجد في الأدلة ما يجعلنا نتوقع من الفقيه تفسيرها. في القضية الشرعية التي تقول إن السمك ذو القشور حلال اللحم، في الحالات المشكوك فيها، تشخيص ما إذا كان السمك ذا قشور أم لا، ليس من اختصاص العرف ولا الفقيه، بل المختص بهذا الأمر هو من يملك الأدوات والعلم أو الفن الخاص، وعليه أن يُرجع إليه في تشخيص مثل هذه المسألة (فرحناک‌، ١٣٩٠‌: ٨٣‌).

تقسيم الموضوعات باعتبار تعلق الحكم الشرعي بها

الفقيه في مقام الاستنباط وإصدار الفتوى، وباعتبار تعلق الحكم الشرعي بهذه الموضوعات، يواجه نوعين من الموضوعات:

١. الموضوعات المنصوصة

المقصود بالموضوعات المنصوصة هي الموضوعات التي أصبحت في لسان الأدلة موضوعًا لحكم شرعي. وقد قسمنا هذه الموضوعات إلى مستنبطة وعرفية. الزكاة، الخمس، الصيام، الغناء، وغيرها من هذا القبيل (مهدوی، ١٣٨٩: ٩٥).

٢. الموضوعات المستحدثة

الموضوعات المستحدثة هي موضوعات لم يُنص عليها في النصوص الشرعية كموضوع لحكم من قِبَل الشرع (مهدوی، ١٣٨٩: ٩٥). أحيانًا يُشار إلى الموضوعات المستحدثة في كتب الفقه بتعبير «ما لا نص فيه» (عاملی، ج ١، ١٤١٩: ٩٩).

على سبيل المثال، في أداء الدين وهو أمر عرفي، في جو التضخم وعندما ينخفض قيمة المال، يجب أن نرى ما الذي يعتبره العرف أداءً للدين. إذا كان انخفاض قيمة المال شديدًا، فإن العرف لا يبرئ ذمة المدين إلا إذا اعتبر القيمة الحقيقية للمال معيارًا ودفَعها للدائن. وإلا، إذا دفع المدين القيمة الاسمية، فإن العرف العام لا يبرئ ذمته (مکارم شیرازی، ج ٣١، ١٤٢٧: ٨٣‌). هذا الظرف يُعتبر من المسائل المستحدثة لأنه من آثار النقود الورقية والائتمانية، ولو كانت المعاملات تتم كما في السابق بالذهب والفضة لما واجهنا مثل هذه الظاهرة.

مثال آخر هو ما إذا كان من الجائز تخدير العضو الذي يُراد قطعه عند تنفيذ الحد أو القصاص، أو تخدير جسد الشخص المحكوم عليه بالجلد أو الرجم؟ هذا سؤال ظهر اليوم في ضوء بروز الطب الحديث والتقنيات الطبية المتقدمة. فقد أتاح تقدم العلم الطبي والأساليب الجراحية الحديثة إمكانية تخدير الجسم أو عضو منه بحيث لا يشعر المصاب بالألم الناتج عن الضرب أو الجرح. وبلا شك، إذا كان هذا الأمر جائزًا للشخص المحكوم عليه بالحد أو التعزير أو القصاص واعتُبر حقًا له، فإنه بلا شك سيطالبه؛ لأن ذلك يخفف عنه الألم كثيرًا. هذه المسألة من المسائل المستحدثة، ولهذا لم تكن مطروحة على فقهاء السابقين، إذ لم تكن هناك إمكانية لمثل هذا الأمر في العصور الماضية حتى يناقشها الفقهاء. لذلك، يجب فتح باب البحث والاستنباط في حكم هذه المسألة كما في غيرها من المسائل المستحدثة(هاشمی، ج ١٥: ٣). مثال آخر هو أن بعض عيوب النكاح في السابق لم تكن قابلة للعلاج إطلاقًا أو كانت صعبة العلاج، ولكن في عصرنا هذا يمكن علاجها، بل قد يُعالج العقل والدماغ جراحيًا، كما أن الجذام والبرص في عصرنا قابلان للعلاج. فهل يجب إعطاء الزوجة فرصة للعلاج أم يمكن للزوج فسخ النكاح؟ هذه المسألة أيضًا من مسائل المستحدثة(مکارم شیرازی، ١٤٢٤: ٥٢‌).

طريقة تطبيق الأحكام الفقهية على الموضوعات المستحدثة

أسلوب استنباط الحكم للموضوعات المستحدثة يقوم على موضوعية خاصة. بمعنى آخر، هناك منهج تحليلي دقيق للموضوعات المستحدثة لا يلتفت إلى نظامها واتجاهها، وهذا المنهج الموضوعي يظهر في طرق تطبيق الحكم؛ ومن هنا من الضروري بيان هذه الطرق لفهم المنهج التحليلي الدقيق في موضوعية مسائل المستحدثة.

١. طريقة تطبيق الأحكام على الموضوعات المستحدثة في المنهج التقليدي

النقاش حول حكم الموضوعات المستحدثة وكشف إرادة الشارع بشأنها يحتاج إلى مراحل سنوضحها تفصيلاً الآن:

المرحلة الأولى: الإدراج تحت أحد العناوين العامة

أول مرحلة في تطبيق الحكم على الموضوعات المستحدثة هي محاولة إدراج الموضوع تحت أحد العناوين الفقهية. فمثلاً في باب المعاملات المستحدثة، يحاول الفقهاء أولًا إدراج العقد المستحدث تحت أحد العقود المعروفة المتداولة في زمن الشارع والتي حُددت حقيقتها وناقش حكمها تفصيلاً، فإذا تم إدراج العقد المستحدث تحت أحد هذه العقود، فإنه يحصل بالتالي على حكمه الفقهي.

المحقق الكركي يرى أنه بالنسبة للحوادث الواقعة في زمن المجتهد، إذا كان الموضوع من الجزئيات التي تدخل ضمن الكليات التي ناقشها المجتهدون، فيجب إدراج هذا الجزئي تحت ذلك الكلي، ويُرجع بحث الأحكام والضوابط الفقهية للموضوع المستحدث إلى تلك المناقشات التي أُجريت حول الكلي، وبهذا نحصل على حكم الموضوع الجديد(عاملی، ج ٣، ٥١: ١٤١٣).

على سبيل المثال، عقد التأمين أو التأمين موضوع مستحدث. التأمين هو عقد يُبرم بين المؤمن والمؤسسة أو الشركة أو الشخص الذي يقبل التأمين(موسوی خمینی، ١٤٢٦: ٦١١). وصيغ عقد التأمين متعددة: إحداها أن يقول المؤمن له: أتعهد بدفع مبلغ معين في وقت معين شهريًا، مقابل أن تعوضني عن الضرر الذي يلحق بمحل تجارتي مثلاً من حريق أو سرقة، ويقبل الطرف الآخر، أو يقول الطرف الآخر: أتعهد بتعويض الضرر الذي يلحق بمؤسستكم من حريق أو سرقة مثلاً مقابل مبلغ معين(موسوی خمینی، ١٤٢٦‌: ٦١٢‌). في بيان الأحكام الفقهية المتعلقة بالتأمين، بعض الفقهاء مثل السيد الخوئي يدرجون عقد التأمين تحت الهبة المعوضة ويعتبرونه بمثابة هبة معوضة. يقول في هذا الصدد:

“فإن المؤمن له يعطي مبلغًا معينًا من المال عن كل قسط تأمين، ويشترط ضمن العقد على الطرف الآخر أنه في حال وقوع حادث معين حسب الصدفة يقوم بتعويض الضرر”(خوئی‌، ج ١، ١٤١٠: ٤٢١). وبعض الفقهاء الآخرين يدرجون عقد التأمين تحت ضمان المعاملات(فیاض کابلی، ١٤٢٦‌: ٢٩٥‌).

في العملية التي يتبعها الفقهاء لإدراج الموضوعات المستحدثة تحت العناوين الفقهية العامة، أحيانًا لا يندرج بعض العقود الجديدة تحت صيغة واحدة من المعاملات، لذا يدرجونها تحت صور مختلفة من العناوين الفقهية. لذلك، عند مواجهة موضوع مستحدث، يقومون بتجزئته إلى أجزاء متعددة، ويضعون كل جزء تحت أحد المعاملات المستقلة عن المعاملات المعروفة.

المرحلة الثانية: إدراج الموضوع المستحدث تحت العمومات والإطلاقات

طريقة أخرى لتطبيق الأحكام على الموضوعات المستحدثة هي إدراج الموضوع المستحدث تحت العمومات أو الإطلاقات في أبواب الفقه المختلفة، ليحصل الموضوع المستحدث على حكمه.

وفقًا لفقهاء، غالب الأحكام الشرعية التي تُطرح كقضية هي قضايا حقيقية، وبالتالي تشمل مصاديقها جميع الحالات التي تُوجد عبر الزمان والمكان، إلا في الحالات الخاصة التي يُقام فيها دليل معتبر للاستثناء. لذلك، يُحل بيان الحكم المتعلق بالموضوعات المستحدثة بالتمسك بالإطلاقات والعمومات ما لم يكن هناك دليل على التقيد أو التخصيص. فمثلاً، الآية الكريمة “أوفوا بالعقود” تسري على جميع العقود الجديدة – سواء التي ظهرت بعد عصر الأئمة (ع) أو التي أُبدعت في عصرنا الحالي – مثل عقد التأمين(مکارم شیرازی‌، ١٤٢٧‌: ٤٧٦‌-٤٧٧) (موسوی، ١٤٣٠: ١٥٠).

المرحوم النراقي في نقاش حلية أو حرمة الصيد بالبندقية كموضوع مستحدث (لأن الأسلحة الحديثة لم تكن موجودة في زمن الشارع) يرى الحلّية وجواز الصيد بالأسلحة الحديثة، لأن العمومات تصرح بحلية ذلك الحيوان الذي يُصاد بعد ذكر اسم الله بواسطة السلاح، مع أن البندقية سلاح لم يكن موجودًا في زمن الشارع (نراقی، ج ١٥، ١٤١٥: ٣١٨)

وكذلك في نفس المسألة، يرى المحقق السبزواري «ره» في كتاب صيد وذباحة كفاية الأحكام أولًا وجود شك، ثم يعتبر القول بحلية الصيد بالبندقية قولًا غير بعيد، ويستند إلى عمومات حلية الصيد بالسلاح (سبزواری‌، ج ٢، ١٤٢٣‌: ٥٧٦‌).

بعض الفقهاء في إثبات صحة المعاطات يرون أن عمومية أوفوا بالعقود تشمل كل عقد عرفي، سواء كان مستحدثًا أو لا، وبما أن المعاطات عقد عرفي، فهي تقع تحت عموم هذه الآية، ولذلك فهي عقد صحيح (خویی، د.ت.، ج ٢: ١٦٨). كما يرى المرحوم النائيني في باب المعاملات تحت جواز الاستدلال بـ «أوفوا بالعقود» في حالات الشك في الأسباب والمسببات، أنه إذا كان السبب غير متعارف عليه في زمن الشارع ثم استحدث لاحقًا، فإن مجرد صدق العقد يقع تحت العمومات والاطلاقات، ولا وجه للاختصاص أو الانصراف (نائینی، ج ١، ١٣٧٣: ١٠٤- ١٠٥).

المرحلة الثالثة: الرجوع إلى الأصول العملية

إذا لم يقع الموضوع المستحدث تحت أي من العمومات والاطلاقات، تأتي المرحلة الثالثة وهي حل المسألة عبر الأصول العملية. يقول المحقق الكركي في هذا الخصوص: «إذا كان الموضوع المستحدث ليس من تفاصيل داخل الكليات التي ناقشها المجتهدون السابقون، وكان خاصًا بزمننا الحاضر، فإن المجتهد يرجع إلى الأصول ويستخرج الحكم من خلالها» (عاملی، ج ٣، : ٥١: ١٤١٣).

وقد ذهب بعض المحققين الفقهية المعاصرين إلى أن الخطوة الأخيرة في الاستنباط هي دائمًا الاستدلال بالأصول العملية؛ فالشارع وضع لنا أصولًا لنخرج من الحيرة، وفي المسائل المستحدثة، مثل فروع «التلقيح الصناعي»، يُرجع إلى الأصول العملية [1].

ويرى آخرون في كيفية الاستدلال بالعمومات والاطلاقات أن الموضوعات التي لم تكن موجودة في زمن الأئمة عليهم السلام، إذا كان هناك احتمال انتباه الإمام المعصوم عليه السلام إلى ذلك الموضوع الذي سيظهر في المستقبل، فيمكن الاستدلال بالعمومات والاطلاقات الصادرة عن ذلك الإمام عليه السلام، أما إذا لم يكن هناك احتمال انتباه إلى ذلك الموضوع، فلا يجوز الاستدلال بالعمومات والاطلاقات لإثبات الحكم، بل يجب الاستدلال بالأصول العملية [2].

منهج الشهيد الصدر في موضوعية مسائل المستحدثات

بعد بيان منطق معرفة موضوعات المستحدث في الفقه التقليدي وطرق هذا المنهج في تطبيق الأحكام الفقهية على المسائل الجديدة، تطرح الآن عدة أسئلة مهمة تُظهر تميز منهج الشهيد الصدر عن المنهج التقليدي.

هل الموضوعات المستحدثة الحالية، التي هي في الغالب مستمدة من نظام مفاهيم العلوم الإنسانية والعلوم التجريبية الحديثة، مثل الموضوعات العينية السابقة كفلسفة السمك وغيرها، أمور بسيطة أم أنها ذات طبيعة مختلفة عن الموضوعات التخصصية التقليدية؟ هل خاصية الخبرة الموضوعية في تشخيص الموضوعات هي مجرد تمثيل واقعي؟ هل الموضوعات المستحدثة أمور منفصلة بحيث لا توجد علاقة أو رابط حاكم بينها؟

١. ضعف منطق معرفة الموضوع المتعارف في فهم طبيعة الموضوعات المستحدثة

في منطق معرفة الموضوع التقليدي حول الموضوعات المستحدثة الحالية، ذُكرت خاصيتان: الأولى أن المرجع في تشخيص هذه الموضوعات هو الخبير، والثانية أن حقل هذه الموضوعات هو مالانص فيه. والسبب الذي يجعل المرجع في تشخيص الموضوعات المستحدثة يُعتبر خبيرًا هو أن الموضوعات التخصصية تشمل، بالإضافة إلى الموضوعات التخصصية التقليدية، الموضوعات الجديدة والمستحدثة الناتجة عن العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية الحديثة.

الافتراض الذي يقوم عليه هذا التعميم واعتبار الموضوعات التخصصية واحدة عبر كل العصور والأزمان هو: أولًا، أن العلم هو البنية والمقوم الأساسي للعرف الخاص. بمعنى أن كل عرف خاص مبني على علم أو فن خاص. فمثلًا عرف الأطباء مبني على علم الطب، وعرّف المنجمين مبني على علم الفلك، وعرّف الاقتصاديين مبني على قواعد علم الاقتصاد. ثانيًا، أن العلم متجذر في العقلانية البشرية، وهذا العقل موجود بشكل متساوٍ عند جميع البشر في كل عصر كانوا فيه. ثالثًا، أن عقل الإنسان يكتشف الأمور من خلال العلم؛ لذا خاصية العلم هي الكشف عن الواقع وتمثيله. ونتيجة لذلك، فإن الرجوع إلى الخبير في كل علم أو فن هو طريق موثوق لتشخيص طبيعة وواقع الموضوع، ولا يوجد طريق آخر أساسًا.

لذا، وفقًا للمنهج المتعارف عليه في تشخيص الموضوعات المستحدثة، يجب أن يتم تعريف الموضوع بواسطة الخبير، لكي يبين الفقهاء الحكم الشرعي للموضوع بالتفاعل مع الخبير. لكن هل هذا الأسلوب في الإجابة على المسائل المستحدثة في الأنظمة الاجتماعية والموضوعات المستحدثة المعقدة الحالية كافٍ، أم أن منهج الشهيد الصدر في الإجابة على المسائل هو منهج مختلف؟ وبعبارة أدق، هل الرجوع إلى الشرع فقط في تشخيص الحكم، أم يجب أيضًا مراعاة علاقة الموضوع بالشرع في تشخيص الموضوع؟ وإذا كان من الضروري مراعاة علاقة الموضوعات المستحدثة بالشرع، فما هو موقع الرجوع إلى الخطابات الشرعية في استنباط أحكام الموضوعات المستحدثة؟

ما هو شائع في النظرة التقليدية للفقهاء هو أن الشارع يبيّن الحكم فقط، لأن مكانة الفقيه تُعتبر مجرد معرفة الحكم وكشف الإرادة التشريعية لله تعالى. كما أنه بما أن العلم والعرف الخاص طريق إلى الواقع لفهم الموضوع المستحدث، فإن تشخيص الموضوع يُسند إلى الخبير والمتخصص في كل علم. ومن هنا يعتقدون أن بيان وتشخيص الموضوع المستحدث لا علاقة له بالشرع.

٢. الخبرة الموضوعية من منظور الشهيد الصدر

التحول الذي طرأ في منهج المرحوم الصدر مقارنة بالمنهج التقليدي يتعلق بتحليل العرف الخاص، حيث أن خلافًا للمنهج التقليدي الذي كان يعتبر العرف الخاص موضوعًا محايدًا كطريق إلى الواقع، في منهجه، العرف الخاص أو الموضوعات الخبرية التي تنبع من العلوم الحديثة والحداثة هي أمور موجهة تنشأ في سياق ثقافي خاص ومبنية على أسس قد لا تكون بالضرورة معتمدة من الشارع المقدس. كما أنه خلافًا للمنهج التقليدي الذي ينظر إلى الموضوعات المستحدثة بنظرة تحليلية وتقسيمية، يرى هو أن الموضوعات المستحدثة هي أمور منظمة تحكمها توجهات خاصة.

يمكن اعتبار الشهيد السيد محمد باقر الصدر أول فقيه ومفكر وُلد منهج فقه الأنظمة في مؤلفاته. وقد عرض وجهة نظره بشكل رئيسي من خلال تطبيقها على النظام الاقتصادي في كتاب اقتصادنا. في هذا الكتاب، نقد هذا المفكر الأسس النظرية للاقتصاد الرأسمالي والاشتراكي وطرح مدرسة الاقتصاد الإسلامي. وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، عمل على تطبيق مبادئه في الهيكل السياسي واقترح نموذجًا سياسيًا لإيران، وكان ذلك في كتاب الإسلام يقود الحياة. كما أن كتبه الأخرى مثل المدرسة الإسلامية و ومضات التي نُشرت له تساعد أيضًا في توسيع هذا الفكر.

تنبع ضرورة المنهج الجديد للشهيد الصدر تجاه الموضوعات المستحدثة من هذه المسألة أن إدارة وتنظيم المجتمع في العصر الحالي يتم بشكل رئيسي عبر الهياكل والأنظمة الاجتماعية التي يمكن اعتبارها موضوعات جديدة ومستحدثة يجب تحديد علاقتها بالدين. لأنه خلاف ذلك، فإن المجتمع الشيعي باستخدام نماذج وأنظمة المجتمع الحضاري الغربي يسير عمليًا في طريق تحقيق أسس وأهداف الحداثة، وفي هذا السياق، إما أن ينحصر الدين والثقافة المذهبية في الطقوس الشخصية في زاوية المنزل وداخل المسجد، أو أن يتحول ويتغير بالتزامن مع قيم الحداثة. يجب على الحكم الديني أن ينشر قيمه ومثله العليا في جميع أبعاد وأوجه المجتمع، وأن يصمم وينفذ أنظمة وبرامج إدارة المجتمع على أساس المبادئ والقيم الدينية. فقط في هذه الحالة يتحقق الحكم الديني بمعناه الحقيقي، وتتجه جميع القوانين والسياسات والبرامج الإدارية للمجتمع نحو توسيع العبادة والخضوع لله تعالى. بلا شك، يمكن أن يكون الوصول إلى عقلانية إدارة المجتمع مستندًا إلى الدين فقط إذا وصل إلى حجية شرعية وفقًا لمبادئ وضوابط المشرع، وهذا الأمر قد يصاحبه في بعض المستويات علوم وسيطة، لكنه لا يتحقق إلا من خلال الفقه(صدر، ١٤٢٤: ٤).

المنهج الكلي والنظامي تجاه الموضوعات المستحدثة

يجب تتبع تجلّي النظرة الموضوعية للشهيد الصدر في وجهة نظره تجاه الأنظمة الاقتصادية، ومن هنا نحلل نظرته من الناحية الموضوعية في كتاب اقتصادنا. في نظر الشهيد الصدر، يتكون كل نظام اقتصادي من ثلاثة عناصر رئيسية، وهذه العناصر الثلاثة تعطي النظام الاقتصادي معناه من خلال علاقتها ببعضها البعض. هذه العناصر الثلاثة هي: النظرة الكونية والمعتقدات؛ المدرسة الاقتصادية؛ علم الاقتصاد. يشير إلى الترابط الوثيق بين هذه العناصر ويؤكد أننا لا نملك الحق في دراسة أجزاء الاقتصاد المختلفة كموضوعات منفصلة عن بعضها البعض؛ فمثلاً لا ينبغي دراسة الحكم الاقتصادي بشأن تحريم الربا أو جواز الملكية الخاصة بمعزل عن بقية أجزاء البرنامج الكلي؛ كما لا ينبغي تقييم الاقتصاد الإسلامي كمؤسسة مستقلة ومنفصلة عن المؤسسات الاجتماعية والسياسية الأخرى للدين وعن طبيعة ارتباط هذه المؤسسات؛ بل يجب التعرف على الاقتصاد الإسلامي في الإطار الكلي للإسلام الذي ينظم جوانب الحياة المختلفة في المجتمع(صدر، ١٤٢٤: ٣٥٤).

توجيه المدرسة

يرى أن النظرة الكونية الإسلامية هي البيئة للمجتمع الإسلامي التي تتكون من ثلاثة عناصر رئيسية هي المعتقدات، والمفاهيم، والعواطف، وهذه الثلاثة معًا تشكل أساس المدرسة. بمعنى آخر، النظرة الكونية الإسلامية هي روح المدرسة التي تعطيها الحياة وتحدد منهج الإسلام في حل مشكلات المجتمع المختلفة. ويشير في ذكر مكونات النظرة الكونية إلى:

بيئة المجتمع الإسلامي والمدرسة الاجتماعية الإسلامية تتكون من هذه العناصر:

١- المعتقد الذي هو الأساس الرئيسي في الفكر الإسلامي ويحدد النظرة الأساسية للإنسان المسلم بشكل عام تجاه العالم والوجود.

٢- المفاهيم التي تعبّر عن وجهة نظر الإسلام في تفسير الأشياء، وهذه المفاهيم مستمدة من النظرة العامة التي يبنيها المعتقد.

٣- العواطف والمشاعر التي تكفّل الإسلام بنموّها وتوسيعها إلى جانب تلك المفاهيم؛ لأن المفهوم – باعتباره استيعابًا إسلاميًا لواقع معين – يثير شعورًا خاصًا تجاه ذلك الواقع في ذهن الإنسان المسلم ويحدد ميوله العاطفية نحوه. لذلك، فإن المشاعر الإسلامية هي نتاج المفاهيم الإسلامية، وهذه المفاهيم بدورها تتشكل في ضوء العقيدة الإسلامية الأساسية… العقيدة والمفاهيم والمشاعر هي عناصر ثلاثية تساهم في تشكيل البيئة المناسبة للمجتمع» (صدر، ١٤٢٤: ٣٥٤‌- ٣٥٥‌). كما يتضح من عبارة الشهيد الصدر، فإن النظرة الكونية الخاصة بالإنسان الإسلامي تشمل نظرته الخاصة إلى الوجود، وعقيدته في تفسير الأمور، وعواطفه وميوله القلبية تجاه الظواهر. هذه النظرة الكونية تظهر كروح في المذهب وتوجهه، لأن المذهب هو طريقة حل مشكلات وقضايا المجتمع، كما سيأتي. لذلك، فإن النظرة الكونية للإنسان هي التي تميز طريقته في حل القضايا. ولهذا السبب، فإن النظرة الكونية هي روح وأساس المذهب.

توجيه الموضوعات الفنية بسبب سيطرة المذهب على العلم

يواصل المرحوم الشهيد الصدر شرح المذهب الاقتصادي وعلم الاقتصاد وكذلك العلاقة بينهما.

يقول في تعريف المذهب الاقتصادي: «المذهب الاقتصادي لأي مجتمع هو الطريقة التي يفضل المجتمع أن يتبعها في الحياة الاقتصادية وحل مشكلاته العملية». ثم يعرّف علم الاقتصاد قائلاً: «علم الاقتصاد هو المعرفة التي تفسر الحياة الاقتصادية وأحداثها وظواهرها وعلاقتها بالأسباب والعوامل العامة المسيطرة عليها» (صدر، ١٤٢٤: ٤١٧‌-٤١٨‌). يرى الشهيد الصدر أن العلم هو تفسير وتوضيح الأمور، ولذلك يعتبر علم الاقتصاد تفسيرًا للأحداث والقوانين الحاكمة للحياة الاقتصادية، أما المذهب فهو في نظره طريقة. فمثلاً الإسلام في الحياة الاقتصادية يفضل طريقة خاصة تختلف عن الطريقة الاشتراكية أو الرأسمالية (صدر، ١٤٢٤: ٤١٨). ويعتقد الشهيد الصدر أن ما يمكن توقعه من الاقتصاد الإسلامي هو المذهب وليس العلم. ويؤكد في هذا الصدد أن الاقتصاد الإسلامي ليس علمًا بل مذهب، لأن الاقتصاد الإسلامي هو الطريقة التي يفضلها الإسلام في الحياة الاقتصادية، وليس تفسيرًا يشرح به الإسلام الأحداث والقوانين الحاكمة للحياة الاقتصادية (صدر، ١٤٢٤: ٤١٨).

ويرى في هذا السياق أن المذهب الاقتصادي يشمل كل مبدأ أساسي في الحياة الاقتصادية يتعلق بفكرة العدالة الاجتماعية. أما العلم فيشمل كل نظرية تفسر واقعًا من الحياة الاقتصادية بشكل مستقل عن أي فكرة سابقة أو هدف العدالة. إذًا، فإن فكرة العدالة هي الحد الفاصل بين المذهب والعلم وعلامة التمييز بين الأفكار المذهبية والنظريات العلمية؛ لأن فكرة العدالة ليست علمًا بحد ذاتها، وليست أمرًا محسوسًا أو قابلًا للقياس أو الاختبار بالأدوات العلمية، بل العدالة هي أساس التقييم والقيمة الأخلاقية. عندما نريد تقييم مدى العدالة في نظام الملكية الخاصة أو الحكم على نظام الفائدة الذي يشكل أساس البنوك ونعتبره عادلاً أو ظالمًا، لا نلجأ إلى الطرق والمعايير التي نستخدمها مثلاً لقياس درجة حرارة الجو أو درجة غليان سائل معين؛ لأن الحرارة والتبخر ظاهرتان طبيعيتان يمكن اختبارهما بالحس العلمي، أما لتقييم العدالة فيجب اللجوء إلى القيم الأخلاقية والأهداف التي تقع خارج حدود القياس المادي (صدر‌، ١٤٢٤: ٤٢٢).

ويعتقد أن العدالة ليست فكرة علمية، ولذلك عندما تختلط بفكرة أخرى تكتسب صبغة مذهبية وتتميز عن الفكرة العلمية. لذلك، فإن مبدأ الملكية الخاصة أو الحرية الاقتصادية أو إلغاء الفائدة وتأميم وسائل الإنتاج كلها تقع ضمن نطاق المذهب لأنها مرتبطة بفكرة العدالة. أما قانون العائد التنازلي أو قانون العرض والطلب أو قانون الأجور فهي قوانين علمية لأنها لا تهدف إلى تقييم تلك الظواهر الاقتصادية. فمثلاً قانون العائد التنازلي لا يحكم على هذه الظاهرة بأنها عادلة أو ظالمة، بل يكتشفها كحقيقة موضوعية ثابتة. وكذلك قانون العرض والطلب لا يبرر ارتفاع الأسعار بسبب قلة العرض أو زيادة الطلب بناءً على مفهوم خاص للعدالة، بل يوضح العلاقة الموضوعية بين السعر وحجم العرض والطلب كأحد الظواهر الحتمية في سوق الرأسمالية. ونفس الأمر ينطبق على قانون أجور العمال. هذا القانون يصف واقع حياة العمال الحتمي في النظام الرأسمالي حيث يحصلون فقط على حد الكفاف، بغض النظر عن مدى توافق قلة نصيب العمال في التوزيع مع العدالة أو عدمها. إذًا، لا يستند أي من القوانين العلمية إلى فكرة العدالة، بل تُبنى على الاستقراء في الواقع ودراسة ظواهره المختلفة. على العكس، فإن القواعد المذهبية تعبر دائمًا عن فكرة محددة للعدالة (صدر، ١٤٢٤: ٤٢٢).

في نظر الشهيد الصدر، عندما نُفرّق تفريقًا قاطعًا بين المدرسة الاقتصادية وعلم الاقتصاد، ندرك أن الإيمان بوجود مدرسة اقتصادية في الإسلام لا يعني أن الإسلام يبحث في قوانين العرض والطلب ويحدد مقدار تأثير زيادة أو نقصان هذين العاملين على الأسعار في السوق الحر؛ بل بدلاً من ذلك، يناقش زيادة حرية السوق ويدعو إلى زيادتها والحفاظ على هذه الحرية، أو يدعو إلى الرقابة على السوق وتقليل هذه الحرية وفقًا للصورة التي يختارها هو للعدالة. وبالمثل، لا يناقش الإسلام العلاقة والتفاعل بين الفائدة والربح أو تدفق رأس المال الربوي والتجاري، وكذلك العوامل التي تؤدي إلى زيادة أو نقصان الربح؛ بل يقيم الفائدة أو الربح بنفسه، ويصدر حكمًا بشأن الاستغلال الربوي والتجاري بما يتوافق مع رؤيته للعدالة. كما أن الإسلام لا يتحدث عن ظاهرة العائد التنازلي وأسبابها؛ بل بدلاً من ذلك، يبحث في هذا المجال فيما إذا كان وضع الإنتاج تحت إشراف مجموعة مركزية عليا جائزًا وعادلاً أم لا. (صدر‌، ١٤٢٤‌: ٤٢٣)

وبناءً على التعبير الذي ورد عن المرحوم الشهيد الصدر في تعريف علم الاقتصاد والمدرسة الاقتصادية والعلاقة بينهما، يمكننا الآن القول إنه يعتبر العلم في حد ذاته محايدًا، لأن وظيفة العلم هي تفسير الواقع وشرح العلاقات بين الظواهر. أما المدرسة، فهي قائمة على رؤية كونية وتقوم بالتقييم القيمي، وتحدد بأسلوبها الخاص الواجبات والمحظورات لتنظيم الحياة الاقتصادية في النظام الاقتصادي. لذا، فإن المدرسة والعلم يختلفان في منهجيتهما. وعلى هذا الأساس، تختلف المدرسة والعلم من حيث المنهج والهدف والرسالة، وليس من حيث الموضوع ونطاق القضايا. وفقًا لرؤية الشهيد الصدر، علم الاقتصاد في حد ذاته ليس ذا توجه محدد، ولا يوجد علم اقتصادي إسلامي أو غير إسلامي، لأن وظيفة العلم هي تفسير وبيان الظواهر، بمعنى أن العلم كاشف للواقع ويخبر عنه، ويتناول الوجود والتعرف على الأسباب والعلاقات والنتائج. أما المدرسة الاقتصادية فهي ذات توجه محدد، ولها إسلامي وغير إسلامي، لأنها تطرح الواجبات والمحظورات. العلم يكتشف الواقع، لكن وظيفة المدرسة هي التقييم القيمي والبناء الهيكلي. وبعبارة أدق، في نظر الشهيد الصدر، يُستخدم العلم في سبيل تحقيق الغايات والأهداف التي تحددها المدرسة. وبذلك، فإن الموضوعات المستحدثة التي هي موضوعات فنية، بسبب سيطرة المدرسة على العلم، هي موضوعات ذات توجه محدد.

الخلاصة

كخلاصة في تمييز وتقدم نظرية الشهيد الصدر عن المنهج التقليدي للفقهاء، نقول إنه في نظره، خلافًا للنظرة التقليدية للفقهاء، فإن الموضوعات المستحدثة المعاصرة هي قضايا معقدة ومنبثقة من الأنظمة الاجتماعية، أي أنها ليست موضوعات جزئية ومنفصلة عن بعضها البعض. هذه الموضوعات ذات معنى ضمن مدرسة اجتماعية خاصة، وعند تحليل الموضوعات يجب الانتباه إلى المدرسة السائدة على الموضوع الجزئي. على سبيل المثال، يجب فهم عقد التأمين أو البورصة ضمن إطار المدرسة الاقتصادية الرأسمالية، وإلا فإن الفهم سيكون ناقصًا والجوهر الموضوعي سيظل مخفيًا في دراسة الموضوع. المدرسة قائمة على رؤية كونية تشمل طريقة نظر الإنسان إلى الوجود وتفسيره المفاهيمي للأشياء، وكذلك الميول العاطفية والقلوبية تجاه الأمور؛ هذه الطريقة في النظر والميول الروحية والباطنية تشكل المدرسة؛ المدرسة هي طريقة حل مشكلات وقضايا المجتمع سواء الاقتصادية أو غير الاقتصادية، التي تحدد الواجبات والمحظورات العملية. المدرسة مستمدة من رؤية الإنسان الكونية. وبسبب التأثير الذي تمارسه المدرسة في النظام الاقتصادي، يمكن أن يكون النظام الاقتصادي دينيًا أو غير ديني. ولهذا السبب، فإن الموضوعات الجزئية المستحدثة، خلافًا للنظرة التقليدية للفقهاء، ليست مجرد نتاج علوم بلا توجه أو كشف بشري خام. رغم أن الشهيد الصدر نفسه، مثل المنهج التقليدي، يعتبر خاصية العلم هي الكشف عن الواقع وشرحه، إلا أنه من خلال طرح مفهوم المدرسة وبيان اختلاف المدارس، يؤمن بتوجه الأنظمة الاجتماعية، مثل النظام الاقتصادي الذي يمكن تقسيمه إلى ثلاثة أنواع: النظام الاقتصادي الرأسمالي، النظام الاقتصادي الاشتراكي، والنظام الاقتصادي الإسلامي.

ما يتعلق بموضوع بحثنا هو أن هذا النوع من نظر الشهيد الصدر في تفسير الأنظمة الاجتماعية يتطلب أمرًا ضروريًا، وهو أنه بما أن الموضوع المستحدث قيد البحث هو فقه الأنظمة الاجتماعية، وهذه الأنظمة ليست محايدة، بل قائمة على مدرسة خاصة؛ بمعنى أن الموضوعات المستحدثة هي قضايا نظامية وذات توجه، لذلك في فهم هذه الموضوعات من جهة نحتاج إلى نظرة نظامية، ومن جهة أخرى بسبب توجه هذه الموضوعات، لا يمكن الاكتفاء بشرعية قول أي خبير مهما كان، بل هناك حاجة إلى خبرة إسلامية في هذه الموضوعات.

قائمة المراجع

القرآن الكريم

حسینی الهاشمی، سید منیرالدین، موضوع شناسی، قم: فرهنگستان علوم اسلامی، ١٣٩٢.

صدر، سید محمد باقر‌، دروس‌ فی‌ علم الأصول، ج ٢، … دارالمنتظر، ١٤٠٥ق.

میرزای آشتیانی، … ، بحرالفوائد، ج ١، کتابخانه آیت الله‌ العظمی مرعشی، ١٤٠٣ق.

نائینی، محمد حسین، أجودالتقریرات، ٢ المجلد، قم: منشورات مصطفوی، ١٣٦٨.

کوه کمری، سید محمد بن علی‌ حجت‌، فقه‌ استدلالی، نشر: طلوع، ١٤١٠ق.

لنکرانی، محمد فاضل موحدی، تفصیل الشریعۀ فی‌ شرح‌ تحریر الوسیلۀ، قم: مرکز فقه ائمه اطهار علیهم السلام، ١٤٢٥ق.

اشتهاردی، علی پناه، مدارک العروة، تهران‌: دارالأسوة‌ للطباعۀ‌ و النشر، ١٤١٧ق.

قمی، سید تقی طباطبایی، مصباح الناسک فی شرح المناسک، المصحح‌: غالب‌ سیلاوی‌، قم، منشورات محلاتی، ١٤٢٥ق.

موسوی خمینی، سید روح الله، کتاب البیع، تهران: مؤسسه تنظیم‌ و نشر‌ آثار‌ امام خمینی، ١٤٢١ ه. ق مروج، سید محمد جعفر، منتهی الدرایۀ، قم: دار الکتاب جزایری، ١٤١٥‌ هجری‌ قمری.

کوه کمری، محمد بن علی، النجم الزاهر فی صلاة المسافر، تبریز: طلوع‌ تاریخ‌، ١٤١٠‌ ه ق.

سبزواری، سید عبد الأعلی، مهذب الأحکام فی بیان الحلال و الحرام، قم: مؤسسه المنار، ١٤١٣‌ ه ق عاملی‌، محمد بن مکی، ذکری الشیعۀ فی أحکام الشریعۀ، قم: مؤسسه آل البیت علیهم‌ السلام‌، ١٤١٩‌ ه ق فرحناک، علیرضا، موضوع شناسی در فقه، قم: بوستان کتاب، ١٣٩٠ ه. ش.

شیرازی مکارم، ناصر، دائرة المعارف‌ فقه‌ مقارن، قم: منشورات مدرسه امام علی بن ابی طالب علیه السلام، ١٤٢٧‌ ه ق.

مکارم‌ شیرازی‌، ناصر، تاریخ کتاب النکاح، المصحح: محمد رضا حامدی و مسعود مکارم، قم: منشورات مدرسه امام علی‌ بن‌ ابی‌ طالب علیه السلام، ١٤٢٤ ه ق.

مطهری، مرتضی، فقه و حقوق مجموعه آثار، ج ٢٠، قم‌: منشورات‌ صدرا.

خمینی، سید روح الله موسوی، تحریر الوسیلۀ، قم: مؤسسه مطبوعات دار العلم، دون تاريخ.

خمینی‌، سید‌ روح الله موسوی، توضیح المسائل (امام خمینی)، در یک المجلد، اول، ١٤٢٦‌ ه ق.

کابلی‌، محمد اسحاق فیاض، المسائل المستحدثۀ (للفیاض)، در‌ یک‌ المجلد‌، مؤسسه مرحوم محمد رفیع حسین، کویت، اول‌، ١٤٢٦‌ ه ق.

نراقی، مولی احمد بن محمد مهدی، مستند الشیعۀ فی أحکام الشریعۀ، ١٩ المجلد‌، مؤسسه‌ آل البیت علیهم السلام، قم‌ – ایران‌، اول، ١٤١٥‌ ه ق، المجلد‌ ١٥‌.

سبزواری، المحقق، محمد باقر بن محمد مؤمن، کفایۀ الأحکام‌، المجلد‌ ٢، دفتر منشورات اسلامی وابسته به جامعه‌ مدرسین حوزه علمیه قم‌، قم‌ – ایران، اول، ١٤٢٣ ه ق.

نائینی، میرزا‌ محمد‌ حسین غروی، منیۀ الطالب فی حاشیۀ المکاسب، المجلد ١، المکتبۀ المحمدیۀ، تهران – ایران، اول‌، ١٣٧٣‌ ه ق.

خویی، سید ابو القاسم موسوی‌، مصباح‌ الفقاهۀ‌ (المکاسب)، جلد٢، ه ق.

موسوی‌، سید‌ علی عباس، فقه المسائل‌ المستحدثه‌، معهد الفقه و الحقوق، الطبعه الاولی، قم، ١٤٣٠.

شهید محمدباقر صدر، اقتصادنا، مرکز الابحاث و الدراسات‌ التخصصیه‌ للشهید صدر، الطبعه الاولی، قم، ١٤٢٤‌ مهدوی‌، اصغرآقا(١٣٨٩‌)، گفتارهایی‌ در‌ باب قرآن، فقه، فلسفه‌، تهران: منشورات دانشگاه امام صادق (ع)، الطبعة الأولى.

[1] http: //ijtihad. ir/NewsDetails. aspx?itemid=4113

[2] http: //mfeb. ir/2012-02-04-20-05-09/21-2012‌-02‌-04-19-58-39/7311-2017-05-19-13-43-29. html