ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: بررسی قواعد و روش معرفت تاریخی در قرآن (با تکیه بر تاریخ پیامبر اکرم (ص) در قرآن) ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص: يبحث هذا المقال في قواعد ومنهج المعرفة التاريخية في القرآن الكريم مع التركيز على تاريخ النبي الأكرم (ص) في القرآن، موضحًا الأسس القرآنية لتحليل الأحداث التاريخية ورؤية الشهيد صدر حول السنن التاريخية. الهدف من هذا المقال ليس سرد تاريخ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، بل بيان قواعد منهج المعرفة التاريخية في القرآن الكريم. لذلك، تم عرض القواعد الأربعة التالية أولاً: 1- من وجهة نظر القرآن الكريم ليست كل الأحداث الماضية للبشر أحداثًا تاريخية (رأي الشهيد صدر)؛ 2- معيار تمييز الحدث التاريخي هو سيادة السنن التاريخية على ذلك الحدث (حجة الشهيد صدر)؛ 3- على عكس نظرية فلاسفة التاريخ الغربيين الجدد (هيوم، البروفيسور كار وآخرون) الذين ينكرون دور الله في التاريخ ويعتبرون كل التاريخ ملكًا للبشر، يرى القرآن الكريم أن الله يخلق أحداثًا تاريخية خاصة لهداية البشر وانتصار الأنبياء الإلهيين في مرحلة تبليغ الرسالة؛ 4- عدم تعارض القوانين التاريخية مشروط بإرادة واختيار البشر في التاريخ. ذُكرت غزوة بدر في تاريخ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كمثال لتطبيق هذه القواعد، والهدف ليس سرد تاريخ غزوة بدر. كما تم عرض وجهة نظر المؤرخين الإسلاميين حول هذه الحادثة في القرآن وبيان الفرق بينها وبين نظرية القرآن.
المؤلف: محمدعلی علیپور
المصدر: نامه تاریخپژوهان، شتاء 1385 وربيع 1386، العدد 8 و9، ص 140 إلى 180.
المقدمة
لا يمكن دراسة تاريخ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن الكريم إلا باستخدام منهج خاص. فالتاريخ يستخدم لفظيًا في معنيين مختلفين، وعندما يُذكر لفظ التاريخ قد يقصد المتكلم علم التاريخ الذي هو «علم» أو الأحداث والوقائع الإنسانية في الماضي التي هي موضوع علم التاريخ. المقصود من لفظ التاريخ في عنوان هذا المقال هو «معرفة التاريخ». أما في متن المقال، فيُناقش التاريخ بمعنى وموضوع «موضوع التاريخ» أيضًا.
1. ما هو التاريخ؟
السؤال الأول هو: ما هو موضوع علم التاريخ؟
قبل الدخول في بحث تاريخ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن، يجب توضيح هذا السؤال المهم، لأن التعريف الشائع بين المؤرخين المشهورين هو تعريف عامي، وبحسب البروفيسور كار هو «تعريف بديهي للتاريخ». سُئل إيمرسون: ما هو التاريخ؟ فأجاب: ما الذي ليس تاريخًا؟[1] هذا الرد هو التعريف العامي للتاريخ الذي لا يقبله فلاسفة علم التاريخ، فهم لا يعتبرون كل الأحداث والوقائع الماضية موضوع علم التاريخ أو حدثًا تاريخيًا،[2] بل يرون أن بعض الأحداث والوقائع الماضية فقط هي أحداث تاريخية. ومن هذا المنطلق، يحاول كولينغوود تقديم تعريف ومفهوم جديد للتاريخ.[3] ومع ذلك، لم يتم بعد التوصل إلى تعريف مقبول وموثوق في مجال المعرفة التاريخية. بناءً عليه، يجب علينا أن نصل إلى تعريف خاص ومستقل من القرآن الكريم لهذا الفرع من المعرفة.
1-1. نقد معيار «الحدث التاريخي»
للبدء في هذا الطريق، أول عمل هو نقد «معايير الحدث التاريخي من بين الأحداث الماضية الأخرى» التي قدمها فلاسفة علم التاريخ، وأؤجل هذا العمل إلى فرصة أخرى. ومع ذلك، يجب تقديم تعريف جديد وخاص لـ«التاريخ» بالمفهوم الذي يستخدمه القرآن الكريم مع الاعتماد على ألفاظ قرآنية خاصة، ثم شرح هذه المسائل في القرآن الكريم.
ما هو واضح ومؤكد أن هذا التعريف ليس فقط مختلفًا عن التعريفات الشائعة في «ثقافة التاريخ البشري»، بل في بعض الجوانب متعارض معها أيضًا.
1-2. الوثائق والأدلة التاريخية
يجب الانتباه بدقة كاملة إلى أنه إذا كانت بعض الأحداث والوقائع الماضية «أحداثًا تاريخية»، فإن بعض الوثائق والأدلة ستكون «وثائق وأدلة تاريخية» أيضًا، وهذا يتطلب تنقية الوثائق والأدلة التاريخية الموجودة والمشهورة. وبناءً عليه، يجب إعادة تقييم الرواة والمؤرخين الذين يُطلق عليهم اسم «المؤرخ». وقد قام ابن خلدون سابقًا بهذا العمل وفق معايير خاصة، حيث قسم المؤرخين إلى ثلاث فئات: «الرديء، المقلد، والأئمة».[4]
1-3. نقد أنواع التأريخ
إذا تم نقد وفحص الكتب التاريخية التي كتبها المؤرخون وثبت فقدان مصداقيتها العلمية والمعرفية، فإن الذهن يكون مستعدًا تمامًا لفهم معنى ومفهوم التاريخ في القرآن الكريم، ولن يسعى للعثور على معارف مماثلة لتلك الموجودة في كتب التاريخ داخل القرآن الكريم، وهو الجهد والمقارنة التي قام بها بعض الأشخاص وأعلنوا كنتيجة أنه لا توجد معرفة تسمى «المعرفة التاريخية» في القرآن الكريم. وقد قام عدد قليل من الأشخاص بنقد هذه الكتب التاريخية، ومنهم والش في كتابه «مدخل إلى فلسفة التاريخ» حيث طرح سؤال «أسباب عدم الاتفاق بين المؤرخين» ونقدها ودرسها.[5]
التعرف على هذه النقدات العلمية يهيئ ذهن الباحث للبحث عن المعنى والمفهوم الخاص للقرآن الكريم لـ«المعرفة التاريخية» في هذا الكتاب السماوي.
1-4. المفهوم الجديد للتاريخ
إذا تم اجتياز المراحل السابقة والوصول إلى تعريف خاص لهذه المعرفة المفيدة التي أُطلق عليها اسم «التاريخ» والتي لم تكن تُعرف بهذا اللقب الخاص في الماضي، فإن ذلك لا يفتح فقط نافذة بل بابًا واسعًا أمام الباحث في القرآن، ويجد بحرًا من المعارف الخاصة التي تحمل اسمها الخاص أيضًا. والله سبحانه وتعالى لم يدع الناس فقط للتعرف على هذا الفرع من المعرفة، بل جعل تعليمها من رسالات جميع أنبيائه:
واذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبّار شكور؛ [6] واذكروا أيام الله فإن في ذلك آيات لكل صبور شكور.
2. خصائص المعرفة التاريخية
بما أن المؤرخين حتى الآن قد قبلوا التعريف الشعبي للتاريخ وقالوا إن التاريخ يعني الماضي والأحداث والوقائع التي حدثت في الماضي، فلم يسعوا إلى بيان خصائص المعرفة التاريخية. فالتاريخ في هذا التعريف له خاصية واحدة وهي “الزمن الماضي”، والمعرفة التاريخية هي معرفة موضوعها هذه النوعية من الأحداث وتُعتبر من المعارف “النقلية”. وبذلك، فإن المعرفة التاريخية تقتصر فقط على الخصائص التالية:
1- تهتم بالماضي ولا علاقة لها بالحاضر والمستقبل؛
2- نقلية وتعتمد على الوثائق والمصادر والروايات؛
3- جزئية ولا تندرج تحت أي من العلوم التجريبية أو العقلية. [7]
إذا كان التاريخ من العلوم العقلية ووجدت معرفة تُسمى “فلسفة نظرية التاريخ”، فالمعرفة التاريخية ستتمتع بخصائص العلوم العقلية. وإذا كان التاريخ من العلوم التجريبية ووجدت معرفة تُسمى “التاريخ العلمي” كما يدعي فلاسفة علم التاريخ مثل همبل وبوبر، فالمعرفة التاريخية ستتمتع بخصائص المعرفة في العلوم التجريبية. أما إذا لم يكن أي من هذه الأنواع من المعرفة التاريخية قابلاً للإثبات والدفاع، ووفقاً لما يدعي أتباع ديلتاي، فإن الثنائية الدائمة بين العلوم الإنسانية، ومنها التاريخ، والعلوم التجريبية ستظل قائمة، ففي هذه الحالة تقتصر خصائص المعرفة التاريخية على معرفة التاريخ فقط. [8] ومع ذلك، إذا طرحت المعرفة الحديثة للتاريخ وخصوصاً تم توضيح المناقشات القرآنية المتعلقة بهذا الموضوع، ففي هذه الحالة “المعرفة التاريخية” لا تمتلك أي من الخصائص السابقة بل تمتلك خصائص المعارف القرآنية.
3. أسس علم التاريخ في القرآن
3-1. المصطلحات القرآنية لـ “التاريخ”
القرآن الكريم يعبّر عن المعرفة التاريخية و”علم التاريخ” بمصطلحين هما النبأ والأنباء وكذلك القصة والقصص، وللتعبير عن موضوع علم التاريخ يستخدم مصطلحات يوم، أيام وأيام الله. لذلك، فإن كلمة “تاريخ” لا تُستخدم في أي من معانيها في القرآن الكريم. دراسة معاني هذه الكلمات تتطلب فرصة مناسبة.
أما بالنسبة لمصطلح “يوم” بمعنى “حادثة تاريخية”، فيُكتفى ببيان العلامة الطباطبائي في هذا الشأن. فقد قال تحت الآية الكريمة “وتلك الأيام نداولها بين الناس..” [9]:
اليوم ظرف زمان ويُقال لقدر من ظرف الزمان يقع فيه حادث، وهذا بناءً على قاعدة تعلق الظرف بالمظروف حيث يُطلق اسم الظرف على المظروف. لذلك، اليوم اسم “ظرف” يُعطى للمظروف، أي الحادث الواقع في ظرف الزمان. بناءً على ذلك، “اليوم” تعني “حادثة” و”الأيام” تعني “حوادث”. [10] ومعنى الآية بدلاً من أن يكون “دوران الأيام بين الناس”، هو دوران الهزيمة والنصر بين الناس. هذه الآية تتعلق بغزوة أحد وتبيّن أحد أسباب هزيمة المسلمين في هذه المعركة.
3-2. المعرفة التاريخية في القرآن الكريم
في مقال “التاريخ، التعريفات والمعاني” ذكرت أن علم التاريخ ينقسم إلى خمسة أنواع: نقلي، تحليلي، علمي، فلسفي وفلسفة علم التاريخ. [11] لكن النقطة المهمة هي أن “المعرفة التاريخية في القرآن” ليست فرعاً من أي من هذه الأنواع من علم التاريخ. المعرفة التاريخية في القرآن، مثل باقي المعارف القرآنية، هادية، و”علم الأيام” أو “علم التاريخ” هو أيضاً من أنواع المعارف الهادية للإنسان ويُعتبر فرعاً جديداً من أنواع علم التاريخ. كتب الشهيد الصدر في هذا الشأن:
يعتقد البعض أننا لا ينبغي أن نتوقع من القرآن مناقشة قوانين التاريخ، كما لا نتوقع مناقشة قوانين الطبيعة، الكون، الذرة والنبات. القرآن كتاب هداية… ونزل ليخرج الناس من الظلمات إلى النور… لكن هناك فرقاً أساسياً بين أسس علم التاريخ وأسُس باقي علوم العالم… مناقشة قوانين التاريخ لها علاقة وثيقة بالقرآن الكريم ككتاب هداية. [12]
لذلك، القرآن الكريم كتاب هداية، وعلم التاريخ كما يطرحه القرآن الكريم هو علم هداية البشر.
وباختصار، فإن القوانين التاريخية في القرآن الكريم ليست من نوع القوانين الفلسفية، ولا من نوع القوانين العلمية-التجريبية، بل هي معرفة خاصة لها قوانين خاصة بحياة الإنسان. مصادر التاريخ من وجهة نظر القرآن الكريم تختلف عن الوثائق والمصادر التاريخية في ثقافة تاريخ البشر إلى حد أن الله في القرآن الكريم يذكر أحداثاً ووقائع خاصة لهداية البشر ويعتبر ذكر أيام الله من رسالات الأنبياء.
3-3. تنظيم الأحداث في القرآن على أساس السنن
من المعتاد بين المؤرخين أن يكتبوا الأحداث والوقائع التاريخية حول محور الزمن مع مراعاة التقدم والتأخر الزمني للأحداث، وقد أصبح هذا العامل عند بعض المؤرخين ذا أهمية كبيرة حتى اعتُبر معياراً لتمييز التاريخ عن الأسطورة، إلى حد أنهم قالوا إن في الأسطورة لا يكون الزمان والمكان ومنشئو الحدث محددين، أما في التاريخ فإن وقت وقوع الحدث، ومكانه، ومنشئو الحدث جميعهم معروفون ومحددون بالأسماء. يكتب أحد المؤلفين في هذا الشأن:
الأسطورة والحكاية، هما الأدب الأولي والقديم للبشر…. في الأسطورة والحكاية، لا يُراعى الزمان والمكان، وقد لا توجد الشخصيات في الواقع أحيانًا، أو يُقال عنها أمور مبالغ فيها، وأحيانًا يُجعل القش جبلًا والجبل قشًا. أما في التاريخ، فيجب أن يكون الزمان والمكان والأشخاص محددين، وإذا لم يكن الزمان والمكان صحيحين ولم يكن للأشخاص وجود حقيقي، فإنها تصبح أساطير تاريخية…. نظرة إلى التوراة والقرآن الكريم والتاريخ المنسوب إلى هيرودوت وشاهنامه تُظهر أن التاريخ مختلط بالحكايات والقصص الدينية والوطنية والتاريخية. [13]
الآن ليس الوقت لمناقشة هذا الرأي حول «معيار التاريخ»، ولكن فيما يتعلق برأي هذا المؤلف حول القرآن الكريم وأولئك الذين يفكرون مثله، يجب القول إن القرآن الكريم عند ذكر تاريخ السابقين لا يذكر زمن وقوع الحدث، ولا مكانه، ولا صانعي الحدث. مثلاً، لا يذكر زمن وقوع غزوة بدر، ولا يحدد مكانها، ولا يذكر عدد جيش النبي صلى الله عليه وآله وأبو جهل والشخصيات الحاضرة في الجيشين، لكنه خصص سورة الأنفال لغزوة بدر. هذا لا يعني غياب النظام التاريخي في القرآن الكريم، بل إن القرآن الكريم له نظام خاص، ويعرض جميع الموجودات والوقائع التاريخية للأنبياء والأقوام السابقة وكذلك تاريخ النبي صلى الله عليه وآله في إطار نظام القوانين والسنن التاريخية.
4. تاريخ الأنبياء في القرآن
في نشاط الأنبياء الإلهيين جانبان مهمان: «تبليغ الرسالة» و«تنفيذ الشريعة». في بعد تبليغ الرسالة، يبلغ الأنبياء دين الله للناس ويُعلمونهم الأحكام الإلهية ويطلبون منهم الإيمان بدين الله وشريعته، وفي مرحلة تنفيذ الشريعة، يكون الناس ملزمين بالعمل بما آمنوا به وتحقيق دين الله. تبليغ الرسالة وتنفيذ الشريعة لهما اختلافات كثيرة وجوهرية. أول وأهم هذه الاختلافات هو أن الأنبياء في تبليغ الرسالة ينتصرون ولا يُهزمون أبدًا. يقول آية الله جوادي آملي في هذا الصدد:
عندما تظهر معجزة ويقف الطغاة في وجهها، يُنهى حياتهم. هذا يذكره الله كقاعدة عامة.
وبعد ذكره لأربعة آيات كمثال، يكتب:
القاعدة العامة التي تُطرح كسنة قطعية في مسار النبوة العامة هي أن كل نبي يأتي بمعجزة، وإذا وقف أهل الاستكبار في وجهه بعد المعجزة، فهم مستحقون للوعيد، سواء وعيد الدنيا أو وعيد الآخرة، وفي النهاية يُدانون، ولذلك قال: «كُلٌّ كَذّب الرُسُلَ فَحَقَّ وَعيد» [14]، ونتيجة لذلك، ينتصر الأنبياء. [15]
نسمي هذا في الرؤية التاريخية للقرآن الكريم نصرة الأنبياء القطعية. بالطبع، كان الأنبياء يُهزمون في تنفيذ الشريعة، وأحيانًا يُستشهدون، أو في بعض المعارك التي كانت مسؤولية الجهاد فيها على عاتق الناس، مثل غزوة أحد في عهد النبي صلى الله عليه وآله، أو دخول الأرض الموعودة في عهد موسى عليه السلام، وعصيان الناس لأمر الجهاد، كانوا يُهزمون.
الشهيد صدر في كتابه «سُنن التاريخ في القرآن» يقسم أنواع القوانين التاريخية إلى قسمين: قطعية ومشروطة. يمكن القول إن القوانين القطعية تتعلق بتبليغ الرسالة، والقوانين المشروطة تشمل أحداث فترة تنفيذ الشريعة.
أما في ما يخص تاريخ النبي صلى الله عليه وآله في القرآن الكريم، فيجب القول إن دراسة تاريخ ذلك النبي يجب أن تتم مع مراعاة جانبي تبليغ الرسالة وتنفيذ الشريعة، حينها يتضح أن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله في جميع الأحداث المتعلقة بتبليغ الرسالة كان منتصرًا، والمسلمون في جميع الأحداث المتعلقة بتنفيذ الشريعة كانوا مهزومين، خاصة في تنفيذ حكم الولاية الذي نزل في الحدث العظيم غدير خم، حيث قصر المسلمون بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله في تنفيذه وتجاهلوا هذا الحكم الإلهي.
في هذه المقالة سنكتفي بدراسة غزوة بدر في القرآن الكريم، ونترك بقية الأحداث المتعلقة بتاريخ ذلك النبي لفرصة أخرى.
5. غزوة بدر من وجهة نظر المؤرخين
من دراسة سورة الأنفال والمباحث المهمة في آيات هذه السورة المباركة التي نزلت بشأن غزوة بدر، تُستخلص إجابات لأربعة أسئلة وقضايا أساسية:
1- سبب وقوع غزوة بدر؛
2- أسباب انتصار الإسلام في غزوة بدر؛
3- موقف كفار قريش في حرب بدر؛
4- موقف المسلمين في غزوة بدر.
المحققون والمؤرخون الذين كتبوا مقالات أو كتبًا عن غزوة بدر قدموا إجابات لهذه الأسئلة. بالمقارنة بين إجابات المؤرخين والأسباب القرآنية، يتضح الفرق بين التأريخ البشري والرؤية التاريخية للقرآن، كما يرشد الباحثين القرآنيين إلى كيفية كتابة التاريخ بناءً على القواعد والموازين القرآنية.
في الكتب التاريخية، فيما يخص سبب وقوع غزوة بدر وهدف المسلمين من هذه الهجمة، ورد أن رسول الله صلى الله عليه وآله علم أن أبا سفيان مع ثلاثين أو أربعين من قريش عائدون من الشام إلى مكة، فقال لأصحابه: «هذا قافلة قريش وحامل أموالهم، فامضوا نحوها لعلكم ينالها الله لكم». وفي بعض المصادر جاء: «لعلكم ينال الله فتحًا في أمركم». لذلك، عُبر عن هدف حرب بدر بأنه الحصول على أموال قريش في قافلة أبي سفيان، أو تهديد اقتصادي لقريش ليتوقفوا عن إيذاء المسلمين ومصادرة أموالهم في مكة.
أما أبو سفيان الذي علم بهجوم النبي على قافلتهم فقد استأجر ضمضم بن عمرو الغفاري وأرسله إلى مكة، وعندما وصل ضمضم ودعا قريش إلى الإنقاذ لقافلتهم التجارية، استعد الجميع، متفقين، للخروج والدفاع عن أموالهم.
كان جيش النبي 313 رجلاً (82 مهاجر، 61 اوسی و 170 خزرجی) ولم يكن لديهم أكثر من ثلاثة خيول وسبعين جملاً. أما جيش أبو جهل فكان يتألف من 950 مقاتلاً، منهم ستمائة مدرع، ومئة حصان وسبعمائة جمل، وكانوا يذبحون يومياً عشرة جمال وأحياناً تسعة جمال لإطعام الجيش.
5-1. أسباب نصر غزوة بدر من وجهة نظر المؤرخين
تعتبر المصادر الرئيسية لتاريخ الإسلام والمصادر البحثية والتحليلية أن سبب نصر غزوة بدر يعود إلى عاملين: الأول، إيمان وشهادة طلب المسلمين، والثاني، الجهود الاستراتيجية والسيطرة على المنطقة العسكرية لمنطقة بدر والسيطرة على آبار المياه في تلك المنطقة. وفيما يخص السيطرة على منطقة بدر قيل:
ظل قريش يتقدمون بأعدادهم نحو بدر حتى نزلوا في «عدوة قصوي»، أي على ضفة وادي «يليل» التي كانت أبعد من المدينة، خلف تل «عقنقل». وكانت آبار بدر تقع في «عدوة دنيا» أي على الجانب الآخر من الوادي الأقرب إلى المدينة. وفي تلك الليلة، هطلت أمطار جعلت الأرض الرملية غير الممهدة صلبة للمسلمين، وجعلت الأرض تحت أقدام قريش غير قابلة للعبور بسبب مياه الأمطار الكثيرة، ونتيجة لذلك، بادر رسول الله بالنزول بجانب أقرب بئر إلى بدر. قال حباب بن منذر بن جموح: يا رسول الله! هل أمرنا الله أن ننزل هنا ولا نتقدم ولا نتراجع، أم أنه من باب تدبير الحرب يمكن النزول حيثما كان مناسباً؟
فأجاب رسول الله صلى الله عليه وآله: «لا أمر محدد، بل يجب التصرف وفق تدبير وسياسة الحرب». فقال حباب: إذاً هذا المكان غير مناسب، فليتقدم الجيش الإسلامي وينزل بجانب أقرب بئر للعدو، ثم ندمر الآبار الأخرى ونبني حوضاً مملوءاً بالماء عند البئر التي ننزل عندها، ثم نقاتل العدو ونقطع عنهم الماء.
فقبل رسول الله صلى الله عليه وآله اقتراحه وأمر بأن ينزل جيش الإسلام بجانب أقرب بئر للعدو، ثم أمر بتجميع الآبار الأخرى وبناء حوض مملوء بالماء عند تلك البئر.
ولكن حسب تصريح ابن إسحاق، عندما اقتربت قريش وأرادت أن تشرب من الحوض، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «لا تمنعوهم».
فيما يخص موقف كفار قريش في معركة بدر، يكتبون أنهم كانوا مجموعتين: مجموعة لا ترغب في القتال وكانت تريد العودة إلى مكة، ومجموعة أخرى بقيادة أبو جهل، رغم تلقيهم رسالة من أبو سفيان تفيد بوصول القافلة سالمة إلى مكة، كانوا يرغبون في القتال وإظهار القوة للمسلمين وكانوا مصرين على وقوع المعركة.
أما موقف المسلمين فكان واضحاً؛ بعضهم كان طالباً للشهادة، كما عرض مقداد على النبي صلى الله عليه وآله أنه إذا أمرنا سنذهب حتى أعماق البحر الأحمر. وكذلك أعلن سعد بن معاذ، رئيس الأنصار، طاعته وطاعة الأنصار للنبي صلى الله عليه وآله. وبعضهم كان يرغب في العودة إلى المدينة وتجهيز الجيش من جديد لمواجهة جيش أبو جهل. ولكن في كل الأحوال، استسلموا لأمر النبي صلى الله عليه وآله وتحركوا نحو بدر للقتال.
في ميدان المعركة، في اليوم السابع عشر من شهر رمضان في السنة الثانية للهجرة، بدأ القتال بمبارزات فردية، ثم بدأ الهجوم العام، حيث اندفع مجاهدو الإسلام في قلب جيش العدو، وفي نهاية اليوم قتلوا سبعين من كبار قريش وأسروا سبعين آخرين، وقدم جيش الإسلام أربعة عشر شهيداً في سبيل الإسلام. [16]
6. غزوة بدر في القرآن
القرآن الكريم لديه وجهة نظر مختلفة تماماً عما قاله المؤرخون، إلى درجة أنه في بعض الأحيان يتعارض تماماً مع تلك الروايات.
6-1. سبب وقوع غزوة بدر
العامل الرئيسي في وقوع غزوة بدر هو مشيئة خاصة من الله سبحانه وتعالى. بالطبع، إذا اعتبرنا الله هو العامل في حدوث حادثة ما في تاريخ البشر، فسوف نواجه اعتراضاً شديداً من المؤرخين. فمنذ زمن ديفيد هيوم، الذي عارض تدخل المعجزات في أحداث التاريخ، لم يجرؤ أي مؤرخ على نسب وقوع حادثة إلى «مشيئة خاصة» من الله. وهم يؤمنون بالمشيئة الإلهية العامة في التاريخ، كما يعتبرون وقوع الحوادث الطبيعية وفق المشيئة العامة الإلهية وبموجب نظام السبب والنتيجة، لكنهم لا يقبلون المشيئة الخاصة لله في التاريخ، أي أن حادثة معينة وقعت بإرادة الله الخاصة. يكتب البروفيسور كار في هذا الصدد:
يمكن للمؤرخ الجاد أن يؤمن بإله نظم وأعطى معنى للمسار العام للتاريخ، لكنه لا يمكن أن يؤمن بإله العهد القديم الذي يتدخل في قتل العمالقة، أو الذي يزور ساعات النهار لصالح جيش يشوع، ولا يمكن للمؤرخ أن يستشهد بالله لتفسير أحداث تاريخية خاصة. [17]
وبالطبع، إذا اتبعنا تعليمات البروفيسور كار، فلا يمكننا قبول أن نار النمرود تحولت إلى حديقة زهور على إبراهيم الخليل عليه السلام، لأن الله قد تلاعب بخاصية النار وجعلها حديقة زهور على إبراهيم، ولا يجب أن نقبل أن عصا موسى عليه السلام تحولت إلى تنين أمام فرعون، لأن الله قد تلاعب، وحول عصا جافة إلى كائن حي قوي. وكذلك بقية المعجزات التي نقلها القرآن الكريم عن الأنبياء عليهم السلام.
أما إذا تناولنا الأحداث التاريخية من خلال رؤية تاريخية للقرآن الكريم، فسنرى أن في جزء من تاريخ البشر تسود قوانين الله القطعية، وفي جانب تبليغ الرسالة، يُنتصر الله برسله على المشركين. وفيما يتعلق بغزوة بدر، فقد صرح القرآن بأن الهدف من وقوع هذه الغزوة هو قطع نسل المشركين حتى لا يتمكنوا كما في عهد مكة من الكفاح ضد الإسلام. ويقول تعالى:
وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ؛ [18] والله أراد أن يثبت الحق بكلماته (بالوعود التي كتبت منذ الأزل في اللوح المحفوظ) ويقطع أصل وبقية الكافرين.
لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ؛ [19] ليُثبت الحق ويُبطل الباطل ولو كره المجرمون.
يكتب العلامة الطباطبائي في شأن مشيئة الله تعالى بخصوص غزوة بدر:
كان الله يريد أن تواجهوا جيوشهم، وهو يغلبكم عليهم، وبذلك يُثبت قضاؤه بظهور الحق وهلاك الكفار واقتلاعهم من جذورهم. [20]
علاوة على ذلك، كان المسلمون يتجنبون الاشتباك مع قريش، حتى مع قافلة أبي سفيان التجارية، ولم يكونوا راغبين في أي نوع من المواجهة العسكرية مع مكة. وقد عبّر الله عن هذه الحالة النفسية لهم في سورة الأنفال بقوله:
كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّهُمْ يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ؛ [21]
كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، مع أن فريقًا من المؤمنين كانوا مكروهين (أي غير راغبين) * يجادلونك في الحق بعد أن تبين، كأنهم يُساقون إلى الموت وهم ينظرون.
يكتب الأستاذ سيد جعفر مرتضى العاملي، بعد نقل أقوال المؤرخين الذين اعتبروا سبب عدم حضور بعض المسلمين في المدينة لغزوة بدر هو اعتقادهم بعدم وقوع اشتباك، ما يلي:
نعم، لم يكونوا سعداء حقًا بالخروج لأنهم كانوا يقولون إن قريش لن تبقى صامتة بعد ذلك وستنتقم لمسألة بهذه العظمة. لذلك، فإن من يقول إن سبب معارضة البعض هو عدم احتمال وقوع القتال وإلا كانوا سيشاركون، هذا غير صحيح، لأن القرآن الكريم صرح بأن هؤلاء لم يرضخوا بعد ظهور الحق، وهذه محاولة من أنصارهم للاعذار، رغم أن هذه المحاولات كانت غير معقولة وغير مقبولة. [22]
آيات أخرى تدل على مشيئة خاصة من الله في غزوة بدر ستُذكر في المباحث القادمة. إذًا، فقد تبيّن سبب وقوع غزوة بدر وجزء من أهدافها وهو «قطع دابر» المشركين.
6-2. نقد وجهة نظر المؤرخين حول أسباب نصر غزوة بدر
يرى المؤرخون أن أسباب نصر المسلمين كانت السيطرة على المنطقة الاستراتيجية لآبار بدر، وكذلك إيمان وجهاد جنود الإسلام، لكن من خلال دراسة آيات القرآن الكريم يتضح أن لا آبار بدر كانت في يد المسلمين، ولا كل الجنود كانوا مؤمنين وجادين في طلب الشهادة، بل إن معظمهم خالفوا أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم واتجهوا إلى حب الدنيا.
وقد ذكرت المصادر التاريخية بالإجماع أن المسلمين نزلوا في منطقة بدر بخطة مسبقة واستولوا على آبار الماء وسيطروا استراتيجيًا على أوضاع المنطقة.
لكن آيات من القرآن الكريم التي نزلت في شأن هذه الغزوة تثبت العكس؛ بمعنى أن نزول المسلمين والمشركين في منطقة بدر لم يكن وفق ترتيب مسبق وحساب مدروس، بل كانت مشيئة إلهية خاصة وضعتهم في المنطقة بطريقة خاصة. وقد ذكرنا سابقًا رواية حباب بن منذر حول تموضع المسلمين وسيطرتهم على آبار بدر، لكن القرآن الكريم يقول في ذلك:
إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى * وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ * وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا * لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَن حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ؛ [23]
اذكروا ذلك اليوم الذي كنتم فيه في العدوة الدنيا وهم في العدوة القصوى، والقافلة أسفل منكم، ولو كنتم قد اتفقتم مسبقًا لاختلفتم في الموعد، ولكن ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة، وإن الله سميع عليم.
تفسير الآية:
«كان يوم بدر ذلك اليوم الذي نصبتم فيه معسكركم في أسفل الوادي، وكان الكفار في أعلاه، وكان نزولكم في الأسفل ونزول الكفار في الأعلى متوافقًا، بحيث لو أردتم أن تتفقوا مسبقًا على أن تعسكروا أنتم هنا وهم هناك، لحدث خلاف بينكم، ولم تتمكنوا من تشكيل هذا الجبهة بهذا الشكل. إذًا، لم يكن تموضعكم وتموضعهم بهذا الشكل من قبلكم ولا من قبل الكفار، بل كان أمرًا مقدرًا قضاه الله، وإذا قضى الله ذلك، فذلك ليتمم حجته بمعجزة ودليل واضح.
وجملة «وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ» تعني أن نزول المؤمنين في العدوة الدنيا والمشركين في العدوة القصوى لم يكن باتفاق مسبق أو مشورة.»
سياق جملات هذه الآية والآية التي قبلها، كلها أدلة على المسألة المطروحة، وهي أن هذا التصرف لم يكن إلا بمشيئة الله سبحانه وتعالى. [24]
وبالنظر إلى هذه الآية وتفسير الأستاذ العلامة الطباطبائي، ثبت أن نزول المسلمين في منطقة بدر لم يكن بناءً على اتفاق مسبق، وليس من الضروري لتفنيد رواية حباب بن منذر أن يقوموا بتقطيعها كما فعل بعض علماء الشيعة أو أن يضيفوا ملحقًا في نهايتها كما ذُكر في نموذج الدكتور آيتي، بل إن هذه الآية تدل على أنه لم يكن هناك أي مشورة في هذا الشأن الخاص، ورواية حباب بن منذر باطلة من أساسها.
علاوة على ذلك، تُظهر الآية 11 من سورة الأنفال أن آبار بدر كانت في يد المشركين، وأن المسلمين نزلوا في منطقة جرداء وصحراوية بلا ماء.
إذ يُغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماءً ليطهرّكم به ويذهب عنكم رجس الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام؛ تذكروا حين ألقى عليكم خمار النوم ليكون من عنده أمانًا، وأنزل عليكم من السماء ماءً ليطهركم به ويذهب عنكم رجس الشيطان، ويثبت قلوبكم ويثبت به الأقدام.
يقول الأستاذ العلامة الطباطبائي -رضوان الله عليه-: هذه الآية الكريمة تؤيد الروايات التي تقول إن الكفار دخلوا إلى حُفَر بدر قبل المسلمين، وعندما نزل المسلمون كان الكفار قد أخذوا الماء، فاضطر المسلمون للنزول في أرض جافة ورملية. [25]
ويكتب العلامة سيد جعفر مرتضى: لم يكن لدى المسلمين ماء، فأنزل الله عليهم ليلةً من السماء مطرًا حتى جرى في الصحراء سيل، فحفروا أحواضًا وشربوا الماء، وسقوا دوابهم، وتوضأوا، وملأوا القِرَب بالماء. [26]
فيما يتعلق بدور الإيمان ورغبة الشهادة لدى جميع مقاتلي غزوة بدر، يمكن استنتاج العكس من آيات القرآن الكريم وعصيان جيش الإسلام لأوامر النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فقد وقع لدى المسلمين انحراف وتخلف في غزوة بدر إلى درجة أن الله هددهم بنزول عذاب عظيم، ولم ينزل بهم هذا العذاب إلا لرحمة الله ومغفرته. ويتضح هذا من دراسة موقف المسلمين في غزوة بدر.
6-3. أسباب نصر الإسلام في غزوة بدر من وجهة نظر القرآن الكريم
بالنظر والتأمل في آيات القرآن الكريم يتبين أن بعض المسلمين الذين كانوا على علم بقوة جيش العدو لم يرغبوا في الدخول في هذه المواجهة. [27] ولهذا السبب أوجد الله ظروفًا جعلت الطرفين لا محالة يلتقيان ويخوضان هذه المعركة الحاسمة. يكتب الشهيد مطهري في هذا الصدد:
يؤكد القرآن أن الله في غزوة بدر أوجد سببًا يشجع الطرفين على القتال، فكانت هذه الحرب، التي هي حرب مصير، لتزداد فيها إيمان أهل الإيمان. من ذلك أنه عندما التقى الجيشان، تهيأت الظروف بحيث بدا الكفار للمسلمين قليلي العدد، إذ كانوا نحو ألف، لكنهم بدوا أقل بكثير في نظر المسلمين. قال المسلمون: هؤلاء عددهم قليل، وعندما رأى الكفار المسلمين، بدوا لهم أقل مما هم عليه. فظن المسلمون أن هؤلاء لا شيء وسيهزمونهم، وظن الكفار أن هؤلاء لا شيء وهم لقمة سائغة لهم. هذه حالة نفسية. فازدادوا قوةً في القتال، وكذلك المسلمون زادتهم قوة… يقول الله: كان لهذا سر إلهي، أردنا أن تظهر هذه الحقيقة ويبقى هذا الدرس دائمًا بين الناس. [28]
وقد أشار الشهيد مطهري إلى الآية 44 من سورة الأنفال التي ستُذكر لاحقًا.
بشكل عام، الأسباب والعوامل التي أدت إلى وقوع غزوة بدر وكذلك نصر الإسلام على الشرك في هذه المعركة الحاسمة هي:
1- إعلان وعد النصر القطعي في منزل ذفران للمسلمين بأنهم سينتصرون على أي من قبيلتي قريش (عير أو نفير) يلاقون؛
2- إنزال المطر لإزالة العطش، وتطهير المسلمين، واستعداد ساحة المعركة لصالحهم؛
3- رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام قبل الحرب مشهدًا من المعركة حيث حضر عدد قليل من الأعداء مقابل المسلمين، ونقل هذه البشرى للمسلمين مما عزز روحهم في التقدم إلى ساحة القتال؛
4- إنزال النوم على المسلمين في ليلة غزوة بدر مما أراحهم وأعدهم للقتال؛
5- إنزال ثلاثة آلاف ملك لنصرة المسلمين؛
6- إظهار الله للطرفين بعضهما في عين بعض صغيرين وقليلين عند المواجهة؛
7- بعد بدء القتال، أظهر الله المسلمين في عين كفار قريش ضعفًا مضاعفًا؛
8- إلقاء الله الرعب في قلوب المشركين وجعل المسلمين ينتصرون عليهم.
الآن يُشرح ويفسر هذه العوامل من وجهة نظر القرآن الكريم والمفسرين لآيات الله.
6-3-1. إعلان وعدة النصر
خرج المسلمون من المدينة بعد حسابهم لملاحقة قافلة أبي سفيان، لكن في منطقة ذفران، عندما علموا أن جيش أبي جهل العسكري قد خرج للدفاع عن القافلة التجارية، ترددوا في الاستمرار في القتال. لذلك استشار النبي الكريم صلى الله عليه وآله رأي مقداد وسعد بن معاذ. وبعد إعلان استعداد المسلمين لمساعدة النبي صلى الله عليه وآله، قال النبي صلى الله عليه وآله: إننا سننتصر على أي من القبيلتين نلتقي بهما. في الروايات التاريخية يُطلق على قافلة أبي سفيان اسم «عير» وعلى الجيش العسكري لأبي جهل اسم «نفير». [29] في القرآن الكريم ذُكر هذان القبيلتان بـ «طائفتين»، حيث يقول:
وَإذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إحدي الطائفتينِ أنها لَكُم و تَوَدّونَ أنَّ غَير ذاتِ الشوكَةِ تَكُونُ لَكُم؛ [30] اذكروا حين وعدكم الله أنكم بنصره ستغلبون إحدى الطائفتين، وكنتم تودون أن تكون الطائفة التي لا تملك شوكة (قوة عسكرية) هي لكم.
6-3-2. إنزال المطر
بالنظر إلى الآية 11 من سورة الأنفال، ذُكر سابقًا أن نزول المطر كان له بركات كثيرة للمسلمين. ومن هذه البركات، تثبيت أقدام المسلمين الذين نزلوا في أرض رملية وجافة. الجزء من بدر الذي كان متجهًا نحو مكة وكان في طريق جيش قريش كان تربة ناعمة، والجزء المتجه نحو المدينة وكان في طريق جيش رسول الله كان مغطى بالرمل والحصى. لذلك كان نزول المطر لصالح المسلمين وضد قريش؛ إذ ثبت الأرض تحت أقدام المسلمين وجعل طريق قريش موحلاً، مما صعّب عليهم الحركة والتحرك العسكري. ولم يكن تأثير المطر مقتصرًا على تثبيت الأرض فقط، بل أزال أيضًا ظمأ المسلمين، لأن الآية المباركة تقول: «لتطهّروا أنفسكم بماء المطر». ويكتب العلامة الطباطبائي في سياق نفس النقاش:
لم يمض وقت طويل حتى أصيب المسلمون بالعطش، فاستغل الشيطان الموقف ووسوس في قلوبهم قائلاً إن الأعداء قد استولوا على الماء وأنكم الآن تصلون وأنتم جنب وطاهر. [31]
6-3-3. حلم النبي الكريم صلى الله عليه وآله
رأى النبي الكريم صلى الله عليه وآله في المنام مشهدًا للمعركة حيث كان عدد قليل من الأعداء حاضرًا أمام المسلمين، وكان ذلك إشارة وبشارة بالنصر. نقل النبي صلى الله عليه وآله هذا الحلم للمسلمين كما هو، مما عزز روحهم وإرادتهم في التقدم نحو ميدان بدر. يقول القرآن الكريم في هذا الصدد:
إذْ يُرِيكَهُمُ اللّهُ فِي مَنَامِكَ قَليلاً وَ لَوْ اَرَيكَهُمْ كَثيَرا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَزَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكنَّ اللّه سَلَّمَ إِنَّهُ عَليمٌ بِذَاتِ الصُّدورِ؛ [32] حين أراهم الله في منامك قليلاً، ولو أراكهم كثيرًا لانهزمت ولبدأت الخلافات في الأمر، ولكن الله سلمكم، إنه عليم بما في الصدور.
بالطبع كان النبي الكريم صلى الله عليه وآله قد رأى هذا الحلم حقًا، لأن قوة وعدد العدو، رغم كثرتها الظاهرة، كانت في الواقع قليلة وضعيفة وعاجزة، ونعلم أن الأحلام عادةً ما تحمل إشارات وتفسيرات، وفي الحلم الصحيح يظهر الوجه الباطني للمسألة.
شرح النبي الكريم صلى الله عليه وآله هذا الحلم للمسلمين، لكن ربما بقي سؤال في أعماق الأذهان: كيف لم ير النبي صلى الله عليه وآله في الحلم الوجه الظاهري لهم ولم يشرحه للمسلمين؟
تتابع الآية محل النقاش بالإشارة إلى فلسفة هذا الموضوع والنعمة التي منحها الله للمسلمين بهذه الطريقة، فتقول:
لو رأيتهم كثيرين، لانهزمت ولبدأت الخلافات؛ فتصبحون فريقًا مؤيدًا للذهاب إلى الميدان وفريقًا معارضًا؛ لكن الله نجّاكم من هذه الضعف والاختلاف والخصام والاضطراب بهذا الحلم الذي أظهر الوجه الباطني لا الظاهري، وحفظكم سالمين. [33]
6-3-4. إنزال النوم على المسلمين
بعد الحصول على معلومات عن موقع العدو ومعرفة المسلمين بعدد وتجهيزات الأعداء من جهة، والهبوط في أرض جافة ورملية وخالية من الماء من جهة أخرى، أصيب المسلمون برعب وخوف شديدين. في هذه اللحظة، نصر الله المسلمين وأدخل البشارة والطمأنينة إلى قلوبهم، فغلبهم النوم، كما يقول القرآن الكريم: «إذ يُغَشيكُمُ النعاس أمَنَةً مِنه». ويكتب الواقدي:
في تلك الليلة، غلب النوم المسلمين، وناموا دون أن يزعجهم المطر. يقول زبير بن عوام: في تلك الليلة غلبنا نوم شديد، فمهما قاومت وكنت الأرض تضايق جسدي، لم أستطع الصمود ولم يكن هناك حل سوى النوم. وكان النبي الكريم صلى الله عليه وآله وأصحابه في نفس الحال. يقول سعد بن أبي وقاص: غلبني النوم حتى سقط ذقني على صدري، استلقيت على جنبي ولم أشعر بشيء بعدها. يقول رفاعة بن رافع بن مالك: غلبني النوم حتى احتلمت، فاغتسلت في آخر الليل. ومن الواضح أنه لو لم يزول خوفهم ورعبهم، لما كان من المعقول أن يناموا في ميدان القتال. [34]
يكتب الأستاذ سيد جعفر مرتضى في تحليل هذا الأمر:
النوم من النعم العظيمة والمجهولة الإلهية التي بها يزيل الإنسان كثيرًا من أوجاعه وضعفاته. وقد ألقى الله تعالى في ليلة غزوة بدر المسلمين في نوم عميق، لأن جماعة المسلمين القليلة كانوا بحاجة ماسة إلى هذا النوم. تلك الجماعة التي واجهت خطرًا عظيمًا جدًا، ولم تكن تملك أي إمكانيات مادية أو عسكرية، فكان هذا النوم ضروريًا لهم حتى لا تضغط وساوس الشيطان الملعون عليهم نفسيًا، ولا تزرع في قلوبهم الرعب في تلك الليلة المظلمة المخيفة المرعبة (الليلة التي في مثل هذه الحالات تبدو فيها الأشياء الصغيرة والكبيرة ذات سماكة غير عادية، فكيف بالأمور التي هي حقًا بطبيعتها كبيرة وضخمة).
نعم، كان هذا النوم ضروريًا حتى لا يخاف جيش الإسلام من مواجهة العدو، ولا يشعر بالضعف أو الرهبة أو الدونية. كان هذا النوم ضروريًا حتى تتاح للعقول والأفكار الإسلامية الفرصة للسيطرة على مواقع العدو. كان هذا النوم ضروريًا حتى يُرفع كابوس الخوف من أمام أعين المسلمين، فيتحولوا إلى قوة صلبة عظيمة ذات جرأة وشجاعة تجاه العدو. نعم، كان هذا النوم ضروريًا حتى تنشأ في قلوبهم قوة وألفة ووحدة، فيطمئنوا قلبياً إلى أن الله تعالى يراقبهم، وأن عنايات الله وفضله اللامحدود متوجه إليهم. [35]
6-3-5. نزول الملائكة في غزوة بدر
من بين الأحداث التي رواها كتب التاريخ في غزوة بدر، والتي وردت آيات في القرآن الكريم عنها، مسألة نزول ملائكة الله لمساعدة المسلمين. في غزوة بدر نزل ثلاثة آلاف ملك لمساعدة الإسلام. يقول القرآن الكريم في هذا الصدد:
إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَثَةِ ءَالَف منَالْمَلَئِكَةِ مُنزَلِينَ؛ [36] “إذ قلت للمؤمنين: ألَيس يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة المنزلة؟”
تشير هذه الآية إلى أن الله أرسل في غزوة بدر ثلاثة آلاف ملك لمساعدة المؤمنين. [37] وعن كيفية حضور ملائكة الله في غزوة بدر يقول علي عليه السلام: العمامة تاج العرب، وفي بدر كان للملائكة عمائم بيضاء على رؤوسهم يعلقون طرفها خلف ظهورهم، وكان فقط جبريل عمامته صفراء اللون.
فيما يتعلق بدور الملائكة في غزوة بدر هناك رأيان: الرأي الأول أن الملائكة لم تتدخل في القتال، بل كانت موجودة فقط لتقوية قلوب المؤمنين. والرأي الآخر أن الملائكة شاركوا في القتال وقتلوا المشركين، كما يذكر ابن هشام:
روى عن ابن عباس أن الملائكة لم تتدخل في القتال أو الاشتباك إلا في غزوة بدر فقط، وفي غيرها من الحروب كانوا يأتون فقط للدعم والمساعدة دون الاشتباك.
رأي القرآن الكريم في دور الملائكة في غزوة بدر
يقول الله تعالى في سورة الأنفال:
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكمْ أَني مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَئِكَةِ مُرْدِفِينَ*وَ مَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّبُشْرَي وَ لِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَ ما النصْرُ إِلاَّ منْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ؛ [38] “إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين* وما جعله الله إلا بشرى و لتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم.”
يُستفاد من هذه الآية أن الملائكة الذين جاءوا لمساعدة المؤمنين لم يكن لهم تأثير مستقل في القتال، بل كانوا سببًا ظاهريًا لطمأنة قلوب المؤمنين. أما النصر الحقيقي فهو من الله سبحانه وتعالى وحده، ولا يغني عن الإنسان شيء غيره، وكل أمر يعود إليه؛ فهو العزيز الذي لا يُغلب، والحكيم الذي لا يدخل الجهل في حرمته المقدسة.
هذا المعنى يؤيد قول بعضهم الذين قالوا: إن الملائكة لم تنزل لقتل الكفار ولم يقتلوا أحدًا منهم، وإن المقصود من نزول الملائكة كان مجرد التواجد معهم كقوة ظاهرة، ليجد هؤلاء أنفسهم ويقوى قلوبهم، وفي المقابل تُرعب قلوب المشركين. [39]
6-3-6. التصرف في أعين الجيشين
لقد جعل الله سبحانه وتعالى المشركين في أول مواجهة في نظر المؤمنين قليلي العدد حتى لا يقع في قلوبهم رعب من الكفار، وجعل المؤمنين في نظر المشركين قليلي العدد حتى يغتروا ويعتبرونهم غير ذوي شأن، وهذا المعنى جعلهم يجرؤون على النزول والقتال. يقول الله تعالى في القرآن الكريم في هذا الصدد:
وَ إِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ في أَعيُنِهِمْ قلِيلاً وَ يُقَلّلُِكُمْ فِي أَعْنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْرا كَانَ مفْعُولاً وَإِلَي اللّهِ تُرَجَعُ الْأُمُورُ؛ [40] “وإذ يرونهم إذ التقيتم في أعينهم قليلاً ويقللّكم في أعينهم ليقضي الله أمرًا كان مفعولاً وإلى الله ترجع الأمور.”
تفسير هذه الآية قد ذُكر سابقًا مع بيان الشهيد مطهري، وسيُعاد عرض استدلاله المفصل بعد ذلك.
6-3-7. التصرف في أعين المشركين
القرآن الكريم في سورة آل عمران يشير إلى المرحلة الثالثة من معركة بدر فيقول: إن الأعداء بعد بدء القتال ورؤية الضربات القاضية للمجاهدين في سبيل الله التي كانت كالصاعقة تنزل عليهم، أصابهم الرعب، وشعروا هذه المرة أن جيش الإسلام قد ازداد عددًا، حتى أصبح ضعف ما كانوا عليه، وهكذا تزعزعت معنوياتهم وساعد ذلك على هزيمتهم:
قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَتِلُ في سبِيلِ اللّهِ وَ أُخْرَي كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ و اللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِن في ذَلِك لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الْأَبْصَرِ؛ [41] في جماعتين (اللتين التقتا في ميدان بدر) كانت آية لكم، جماعة تقاتل في سبيل الله وجماعة أخرى كافرة، وهم يرونهم بعينيهم كضعف ما هم عليه، والله يؤيد بمن يشاء بنصره. في ذلك عبرة لأصحاب البصائر.
6-3-8. بث الرعب في قلوب المشركين
الله تعالى مقابل كل تلك العنايات واللطف غير المحدود الذي منحه للمسلمين ورحمهم وحماهم، ألقى في قلوب المشركين رعبًا عجيبًا زعزع معنوياتهم بشدة. يقول القرآن الكريم في هذا الصدد:
إذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَي الْمَلَئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا سَأُلْقِي فِي قلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ؛ [42] اذكر حين أوحى ربك إلى الملائكة: إني معكم فثبتوا الذين آمنوا، سأُلقي في قلوب الذين كفروا الرعب.
وقد أرسل النبي صلى الله عليه وآله في ليلة بدر عمار بن ياسر وابن مسعود إلى جيش قريش، فطافا حولهم وعادا وقالا: يا رسول الله، قريش قد خافوا وخشوا، والسماء كأنها تنزل عليهم، والخيول حين تشهق تضربهم لتسكن. [43]
وكان من العجيب حقًا أن جيش قريش القوي قد فقد معنوياته أمام جيش الإسلام الصغير إلى حد أن بعضهم خشوا الاشتباك مع المسلمين.
يكتب الأستاذ سيد جعفر مرتضى تحت عنوان «سر رعب المشركين» في هذا الشأن:
كان المشركون يدركون جيدًا هذا الأمر ويرون بعين اليقين أن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله قد اتخذ القرار النهائي واستعد للمواجهة حتى النصر. وكان رد فعل هذه الاستعداد والقرار هو إحداث رعب عظيم في قلب العدو؛ عدو لا يقاتل إلا لأهداف دنيوية مادية وحقيرة، وليس من أجل عقيدة، وهذه الأهداف لا يمكن أن تخلق في قلوبهم دافعًا قويًا للثبات حتى الموت والترحيب به بمحبة وولع.
والسبب الآخر هو أن المسلمين كانوا في صمت معبر، وهذا المشهد يزيد من قوة الجيش وقدرته القتالية ويجعله يبدو أكبر، وفي المقابل يثير الرعب والخوف في قلب العدو، لأن العدو لا يعلم شيئًا عن طبيعة مصير الحرب ولا يتبع هدفًا محددًا، مع أنه سيُجبر على الاشتباك قريبًا. من الواضح أن الدخول الأعمى والغير هادف في مثل هذه المغامرة يثير الرعب. [44]
على كل حال، استقر الجيشان في تلك الليلة في المكان الذي نزلوا فيه.
وفي صباح اليوم التالي، صباح يوم الجمعة 17 من شهر رمضان المبارك، وبعد تحركات الجيشين، تقابلا وجهاً لوجه. يقول القرآن الكريم عن أهمية هذا اليوم:
إِن كُنْتُمْ ءَامَنْتُم بِاللّهِ وَ مَا أَنْزَلْنَا عَلَي عَبْدِنَايَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَي الْجَمْعَانِ وَ اللّهُ عَلَي كُلِ شَيْءٍ قدِيرٌ؛ [45] إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، والله على كل شيء قدير.
في هذه الآية، يُذكر يوم معركة بدر باسم يوم فصل الحق عن الباطل (يوم الفرقان) ويوم اشتباك الفريقين، فريق الكفر وفريق الإيمان، وهذا إشارة إلى:
أولاً: يوم بدر التاريخي هو يوم ظهر فيه دليل على حقانية النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، إذ قد وُعد المسلمون بالنصر سابقًا ولم يكن هناك دليل ظاهر على ذلك. لذلك، صدق الآيات التي نزلت على النبي في هذا اليوم يكمن في ذاتها.
ثانيًا: في هذا اليوم تميز المؤمنون الحقيقيون من مدعي الكذب، فكان هذا اليوم من كل وجه يوم فصل الحق عن الباطل. [46]
وبناءً على هذه العوامل، يؤكد القرآن الكريم أن انتصار المسلمين على جيش المشركين في غزوة بدر لم يكن أمرًا عاديًا، حيث يقول:
فَلَمْ تَقَتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَ مارمَيْتَ إِذْ رَميْتَ وَلَكنَّ اللّهَ رَمَي وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاَءً حَسَنا إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ؛ [47] فلم تقتلوا هم ولكن الله قتلهم، ولم ترمِ إذ رميت ولكن الله رمى، وليبلو المؤمنين منه بلاءً حسنًا، إن الله سميع عليم.
يقول الأستاذ العلامة الطباطبائي في تفسير هذه الآية: إن عبارة «ما رَميتَ إذ رَميتَ» إشارة إلى ذلك الحصى أو التراب الذي رماه رسول الله صلى الله عليه وآله تجاه المشركين. والمراد من «قتل» هو قتل كفار قريش في غزوة بدر على يد المسلمين. وفي سياق الآية، يريد الله تعالى أن يمنّ بنصره على المسلمين، ولهذا السبب أثبت لهم نفس الفعل الذي نفاه عن رسول الله صلى الله عليه وآله؛ فيقول: «لم ترمِ حين رميتَ».
في الحقيقة، المراد من هذه الآيات هو نفي عادية غزوة بدر؛ أي لا تظنوا أن استسلام الكفار وغلبة المؤمنين عليهم كان أمرًا عاديًا وطبيعيًا. كيف يكون ذلك، مع أن عادةً وطبيعةً لا يمكن لقلة قليلة العدد، وبدون تجهيزات حربية، وبحصان أو حصانين وعدد محدود من الدروع والسيوف أن تهزم جيشًا مجهزًا بالخيول والأسلحة والرجال المحاربين، إذ إن عددهم أكبر بكثير وقوتهم لا تقارن بقوة هؤلاء، ووسائل الغلبة والنصر معهم، فلا بد أن ينتصروا. إذًا، كان الله سبحانه وتعالى هو الذي بثبات المؤمنين ورعب الكفار بواسطة الملائكة التي أنزلها، وبالحصى التي رماها رسول الله صلى الله عليه وآله عليهم، فرّقهم وأتاح للمؤمنين قتلهم وأسرهم، وبهذا أبطَل مكائدهم وخمد ضجيجهم. [48]
7. التبيين الفلسفي لانتصار بدر
يرى الشهيد مطهري أن أسباب وعوامل النصر والهزيمة، وحياة واندثار الأمم والشعوب في القرآن الكريم تنقسم إلى قسمين: 1- الأسباب والعوامل المادية، 2- الأسباب والعوامل المعنوية. ويعتقد أن الأسباب المعنوية تتفوق على الأسباب المادية، وإذا حدثت واقعة بناءً على عوامل معنوية، فإنها تبطل وتلغي الأسباب والعوامل المادية. ويكتب في هذا الصدد:
بالطبع من وجهة النظر المادية يجب الاقتصار على الأسباب والعوامل المادية والعلاقات السببية بينها فقط. أما من وجهة النظر الإلهية التي لا تحصر الواقع في إطار المادة والجسم والصفات والتفاعلات الجسدية، فإن عالم الحوادث يحتوي على نسيج أكثر تعقيدًا وعوامل أكثر مشاركة في وقوع الحوادث.
من وجهة النظر المادية، العوامل المؤثرة في [نصر وهزيمة الأمم] هي فقط عوامل مادية، لكن من وجهة النظر الإلهية، توجد أسباب وعوامل أخرى تسمى العوامل الروحية والمعنوية، وهي تؤثر جنبًا إلى جنب مع العوامل المادية في أعمال الإنسان وشؤونه.
من وجهة النظر الإلهية، العالم كائن حي واحد واعٍ، لأفعال وسلوك الإنسان حساب ورد فعل. الخير والشر، وعلى مقياس العالم، ليسا بلا تأثير. تتلقى الأفعال الحسنة والسيئة ردود أفعال من العالم قد تصل إلى الفرد (أو المجتمع) خلال حياته.
من وجهة النظر الإلهية، العالم يسمع ويبصر، ويسمع صراخ الكائنات الحية ويرد عليها، ولهذا السبب الدعاء هو أحد أسباب العالم التي تؤثر في مصير الإنسان، فتمنع أو تخلق مجريات. بعبارة أخرى، الدعاء هو أحد مظاهر القضاء والقدر التي يمكن أن تؤثر في مصير حادثة أو تمنع وقوع القضاء والقدر.
في الأخبار والروايات التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وآله أو الأئمة الأطهار عليهم السلام، توجد نصوص بهذا المعنى أن إذا جاء القضاء والقدر، فإن الأسباب والعوامل، خصوصًا عقل الإنسان وتدبيره، تتوقف عن العمل. وقد انعكس هذا المعنى في الأدب الفارسي والعربي.
في جامع الصغير، تُروى عدة أحاديث بهذا المعنى عن رسول الله صلى الله عليه وآله، منها:
إنّ الله إذا أرادَ إمضاء أمرٍ نزعَ عقول الرجال حتى يمضي أمره فإذا أمضاه ردَّ إليهم عقولهم ووقعت الندامة؛ كلما أراد الله إنجاز أمر، ينتزع عقول الناس منهم حتى ينجز أمره، وعندما ينجزه، يعيد إليهم عقولهم، وحينها تقع الندامة.
وفي تحف العقول عن الإمام الرضا عليه السلام ورد:
إذا أراد الله أمرًا سلب العباد عقولهم فأنقذ أمره وتمت إرادته فإذا أنفذ أمره رد إلى كل ذي عقل عقله فيقول كيف ذا؟ ومن أين ذا؟؛ كلما أراد الله شيئًا، ينتزع عقول العباد منهم وينفذ حكمه، وعندما ينفذ حكمه، يعيد عقل كل صاحب عقل إليه، فيقول باستغراب: كيف حدث هذا؟ ومن أين جاء هذا؟
يقول مولوي:
| حين يأتي القضاء لا يبقى فهم ورأي | لا يعرف القضاء إلا الله |
| حين يأتي القضاء يغطي البصر | حتى لا يعرف عقلنا ما يجري |
| من إمام المتقين جاء هذا الخبر | قال إذا جاء القضاء عمى البصر |
| حين يمر القضاء يعضّ على نفسه | يمزق الحجاب ويمزق الرداء |
| حين يأتي القضاء لا ترى سوى الجلد | لا تميز الأعداء من الأصدقاء |
| حين يأتي القضاء يصبح الطبيب أحمقًا | ويصبح الدواء ضارًا للمرضى |
هذه الأخبار والروايات تتعلق بالنظام الكلي للعالم ومجموع الأسباب والعلل، سواء كانت مادية أو معنوية، وتتعلق بالحالات التي تؤثر فيها الأسباب والعلل المعنوية على الأسباب والعلل المادية. سبق وقلنا إنه لا ينبغي حصر الأسباب والعلل في الأبعاد المادية فقط، فـ«النظام الأتم» يتكون من مجموع الأسباب والعلل الظاهرة والخفية، كما أن الأسباب المادية والمحسوسة تلغي بعضها البعض وتوقف عمل بعضها في أوقات خاصة تحت تأثير الأسباب المعنوية.
من يرى الأسباب المادية والمحسوسة فقط يظن أن السبب محصور في هذه الأشياء فقط؛ ولا يعلم أن آلاف الأسباب والعلل الأخرى قد تكون في العمل بحكم القضاء والقدر الإلهي، وعندما تدخل الأسباب والعلل المعنوية في العمل تلغي وتوقف الأسباب والعلل المادية.
وفي القرآن الكريم نفسه ورد هذا المعنى بأسلوب بليغ وأوضح مما ورد في لغة الأخبار والأحاديث. ففي سياق غزوة بدر يقول تعالى:
وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلّلُِكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيقْضِيَ اللّه أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَي اللّه ترَجَعُ الْأُمُورُ؛ [49] اذكروا حين أراكم إياهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً وجعلكم قليلاً في أعينهم ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، وإلى الله ترجع الأمور.
هذا الحدث هو أحد الأمثلة على تقدم الأسباب المعنوية على الأسباب المادية. [50]
8. موقف المسلمون في غزوة بدر
غزوة بدر – كما ذُكر وسيُذكر في بحث أسباب انتصار الإسلام من وجهة نظر القرآن الكريم – كانت حادثة عظيمة واستثنائية وخاصة في تاريخ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، وكان للمسلمين فيها واجب خاص. وقد أبلغ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله المسلمين بهذا الواجب في خطبة قبل وقوع هذه المعركة، لكن المسلمين خالفوا ذلك. وكان هذا الخلاف أهم من ترك مضيق الجبل في غزوة أحد، لكن المؤرخين لم يولوا ذلك أي اهتمام، والمصادر التي ذكرت خطبة النبي صلى الله عليه وآله لم تشير إطلاقاً إلى ارتباطها بالمسلمين في غزوة بدر.
8-1. خطبة رسول الله صلى الله عليه وآله في غزوة بدر
ألقى النبي الأكرم صلى الله عليه وآله قبل غزوة بدر خطبة للمسلمين. يذكر الواقدي في المغازي:
يقال إن رسول الله صلى الله عليه وآله ألقى في ذلك اليوم خطبة. بدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم حثهم على القتال وشجعهم على الأجر والثواب:
أما بعد، فأنا أحثكم على شيء قد أُحِث عليه ربكم، وأنهى عن شيء قد نَهى عنه ربكم. إن ربكم الذي له المنزلة العظيمة يأمر بالحق ويحب الصدق، ويجازي أهل الخير خيراً، ويُذكر ويشمل بفضله. أنتم في منزلة من منازل الحق، والله تعالى لا يقبل من أحد شيئاً إلا إن كان خالصاً لرضاه. إن الصبر والثبات عند الشدة من الأمور التي يزيل الله بها الهم ويخلص من الحزن، وفي الآخرة ستكونون من الفائزين. النبي بينكم، ينذركم ويأمركم. والله يقول: «لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم»؛ [51] فانتبهوا لما أمر به في كتابه وأظهر لكم آياته، وبعد الذل أعزكم. فتمسكوا بكتابه لتكونوا مرضيين عنده. فقوموا لله بما يرضيه لتنالوا رحمته ومغفرته، فإن وعد الله حق، وكلامه صادق، وعذابه شديد. وأنا وأنتم جميعاً تحت نظر الله؛ الله الحي الباقي. نعتمد عليه، ونلجأ إليه، ونتوكل عليه، وإليه المصير. اللهم اغفر لي ولجميع المسلمين. [52]
في هذه الخطبة، بيّن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله حساسية غزوة بدر عند الله، وأعلن أن وضع المسلمين في هذا الحدث العظيم اختبار عظيم من الله، وقال لهم: «أنتم في منزلة من المنازل التي لا يقبل الله من أحدكم فيها إلا عملاً خالصاً له». وأكد أن النبي بينهم ينذرهم ويحذرهم، وطلب منهم أن لا يكونوا دنيويين؛ لا يفكروا في الغنائم، ولا في أسرى لأجل الفدية، ولا في إنقاذ الأصدقاء والأقارب، ولا في أمور مماثلة، وباختصار أن يتجنبوا الذنوب التي يلومهم الله عليها.
فهل انتبه المسلمون في غزوة بدر إلى هذه التحذيرات والتنبيهات؟ هل تجنبوا الدنيوية؟ هل امتنعوا عن أسرى الطمع في الفدية؟
القرآن الكريم وصف سلوك المسلمين. فالقرآن الكريم يصف المسلمين الذين في غزوة بدر أرادوا الدنيا وأسروا الطامعين في الدنيا بأنهم دنيويون، ويقول إنه لو لم يكن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله بينهم لنزل بهم عذاب عظيم:
ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم* لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم* فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً واتقوا الله إن الله غفور رحيم؛ [53] (من حيث تأسيس واستمرار الحكم الإلهي) لا يليق ولا يصح أن يكون للنبي أسرى (أسرى حرب) حتى يثبت حكمه على الأرض ويقويه (بل يجب أن يُقتل العدو في أثناء القتال). أنتم تريدون متاع الدنيا (لتبيعوا الأسرى أو تفدوا عنهم) والله يريد الآخرة، والله عزيز لا يُقهر وحكيم* لو لم يكن كتاب مقرّر من الله سابق (يمنع العذاب قبل إتمام الحجة) للاقاكم عذاب عظيم على ما أخذتم (الأسرى الذين أخذتموهم بدون أمر النبي بسبب الفدية)* فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً واتقوا الله إن الله غفور رحيم.
بعض المسلمين في ميدان بدر كانوا يحاولون أسر العدو قدر الإمكان، ووفقاً لما كان معمولاً به في حروب ذلك الزمان، بعد انتهاء الحرب كانوا يحصلون على مبلغ معتبر يسمى الفدية ويطلقون الأسرى مقابلها، أو بسبب العلاقات الودية والنسبية التي كان لبعض المسلمين مع الكفار كانوا ينقذونهم من الموت المحتم، مثل فعل عبد الرحمن بن عوف في إنقاذ أمية بن خلف. في كلتا الحالتين، كان عمل المسلمين غير مستحب وكان الدافع هو حب الدنيا، وقد أشار القرآن الكريم في هذه الآيات إلى دافع عملهم: «تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة».
والآن، مع مراعاة هذه المسألة وخطبة النبي صلى الله عليه وآله، يوبخهم القرآن الكريم ويقول: «لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم».
9. موقف المشركين في غزوة بدر
القرآن الكريم يبيّن موقف المشركين في غزوة بدر ويذكر أسباب نزول العذاب عليهم:
وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ* ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ* كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ* ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ* كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ؛ [54] ولو رأيت حين تتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ويذوقون عذاب الحريق* ذلك بسبب ما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظالم للعبيد* كما كان حال آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب* ذلك لأن الله لا يغير نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم* كما كان حال آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون، وكانوا جميعاً ظالمين.
علامة طباطبائي في تفسير الآية يقول:
«ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ» [55] الخ؛ أي أن العقاب الذي يعاقب الله به المعاقبين دائماً يتبع نعمة إلهية كان الله قد أنعم بها عليهم، بحيث يأخذ النعمة ويضع مكانها العقاب، ولا تتحول أي من نعم الله إلى نقمة وعقاب إلا بعد تبدل موضعها وهو النفوس البشرية. فالنعم التي أنعم الله بها على قوم حينما أُعطيت لهم كانت لأن نفوسهم كانت مستعدة لها، وعندما تُسلب منهم وتتحول إلى نقمة وعقاب يكون ذلك لأن استعداد نفوسهم قد فُقد وأصبحت النفوس مستعدة للعقاب.
وهذه قاعدة عامة في تحويل النعمة إلى نقمة وعقاب، وأكثر شمولاً من ذلك الآية الكريمة: «إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ؛ [56] الله لا يغير ما في قوم حتى يغيروا ما في أنفسهم.»
سبب نزول العذاب على مشركي قريش وقتل كبارهم، مبني على قوانين مشروطة للتاريخ وتدخل إرادة البشر، وقد بيّن ذلك. كان نزول العذاب بسبب أن المشركين قد غيّروا أنفسهم من الحالة السابقة إلى حالة الفسق وأنكروا آيات الله التي أُبلغت عن طريق النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، وكما قال العلامة الطباطبائي، هذه السنة هي فرع من السنة العامة «التغيير» التي وردت في الآية الحادية عشرة من سورة الرعد، وبحسب تفسير المفسرين الشيعة، هذه الآية هي أم السنن لجميع قوانين التاريخ المشروطة.
10. مقارنة بدر وأحد
إذا دُرست غزوتا بدر وأحد دراسة مقارنة وبناءً على قوانين التاريخ في القرآن الكريم، يتضح أن المسلمين رغم التفوق الواسع الذي كانوا يتمتعون به مقارنة بالمشركين في أحد، والذي لم يكن موجودًا في بدر، إلا أنهم انهزموا في أحد، لأن غزوة أحد من مصاديق قوانين التاريخ المشروطة وميدان بروز الإرادة والنشاطات المشروطة للبشر:
1- في بدر كان قائد المشركين أبو جهل وقائد أحد أبو سفيان، وكان أبو جهل متفوقًا على أبو سفيان في الأمور العسكرية؛
2- في بدر كانت المواقع العسكرية، أي آبار بدر، في يد المشركين، أما في أحد فكانت المنطقة الجبلية وأماكن القواعد العسكرية المحصنة في يد المسلمين؛
3- عدد المسلمين في بدر كان أقل من عددهم في أحد مقارنة بالمشركين؛
4- معدات المسلمين في بدر كانت أقل من معداتهم في أحد؛
5- ظهر إيمان المسلمين ورغبتهم في الشهادة في أحد، وكان استشهاد حمزة سيد الشهداء وسبعين من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله أبرز تجليات هذا الجانب.
وغيرها من النقاط التي تتطلب دراسة دقيقة وشاملة.
على كل حال، هناك قواعد وأساليب محددة ومعينة من وجهة نظر القرآن الكريم لدراسة التاريخ بشكل عام وتاريخ الأنبياء وتاريخ النبي محمد صلى الله عليه وآله بشكل خاص، وفتح هذا الباب سيخلق علمًا جديدًا بين العلوم الإسلامية.
النتيجة
من المناقشات السابقة يتضح مصاديق المبادئ التي ذُكرت في بداية المقال:
أولًا، أن غزوة بدر من الأحداث التاريخية وهي جزء من موضوع وجود هوية للتاريخ؛
ثانيًا، أن أسباب وعوامل نشوء وتقدم وانتصار هذا الحدث، وهو من موضوعات معرفية التاريخ، قد بيّنها القرآن الكريم. في القرآن توجد قواعد وقوانين تاريخية كثيرة، وقد تم في هذا المقال دراسة بعض هذه القوانين لتفسير هذا الحدث؛
ثالثًا، أن الله تعالى له دور في الأحداث التاريخية. خلافًا لآراء المؤرخين والفلاسفة الغربيين، فإن الله سبحانه وتعالى يتدخل في تاريخ الأنبياء من ناحية إبلاغ الرسالة وإتمام الحجة على الناس، ويجعل نصرهم حتميًا. غزوة بدر من أحداث مرحلة إبلاغ الرسالة وأدت إلى إتمام الحجة على الناس «ليهلك من هلك عن بيّنة و يحيي من حيّ عن بيّنة» [57]، ونتيجة لذلك، جعل الله وقوعها وانتصارها حتميًا من خلال تدخل ثمانية عوامل. وبعبارة العلامة الطباطبائي، غزوة بدر هي «مشية خاصة» لله سبحانه، وبعبارة الشهيد مطهري، هذا الحدث هو «قضاء حتمي» إلهي لا يمكن مخالفتها؛
رابعًا، أن سنة النصر الحتمي التاريخي تسود على غزوة بدر. من وجهة نظر القرآن، هناك قانون يسمى قانون النصر والانتصار. وينقسم قانون النصر إلى نوعين: الحتمي والمشروط. الآيات 171-173 من سورة الصافات تؤكد النصر الحتمي للأنبياء بأكثر من خمسة عشر تأكيدًا: «ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين*أنهم لهم المنصورون*و إن جندنا لهم الغالبون..».
في هذا النصر، رغم مخالفة الجيش للأوامر القيادية – كما لم يلتزم المسلمون في غزوة بدر بأوامر النبي – لا يتغير النصر وهو حتمي. أما الآية «يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم» [58] فتبيّن قانون النصر المشروط الذي حدث في أحد؛
خامسًا، موضوع مقارنة غزوة بدر وأحد هو موضوع عام، وبيان أن غزوة بدر من مصاديق قانون النصر الحتمي لله – وقد ورد شرح مفصل في متن المقال – أما غزوة أحد فهي من مصاديق قانون النصر المشروط لله، وبسبب مخالفة الجيش سُلب منهم النصر. كان النبي صلى الله عليه وآله قد وعد المسلمين بالنصر في غزوة أحد من عند الله، لكن هذا النصر كان مشروطًا بطاعة المسلمين لأمر النبي، ولما عصوا سُلب منهم. يقول الله في سورة آل عمران: «لقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين» [59]. جملة «حتى إذا فشلتم…» من مصاديق الآية «حتى يغيروا ما بأنفسهم». لم يغير الله وعد نصره المشروط حتى أصر جيش النبي على طلب الدنيا «ومنكم من يريد الدنيا»، ونتيجة لذلك سُلب منهم النصر المشروط؛
سادسًا، موضوع موقع المسلمين وموقع المشركين في غزوة بدر له سنن وقوانين تاريخية خاصة به، ولأن أحداث هذين الفريقين لم تُذكر في متن المقال، فلا يوجد تطابق للقوانين مع المصاديق.
قائمة المراجع
1. آیتی، محمدابراهیم، تاریخ پیامبر اسلام، إعداد ابوالقاسم گرجی، الطبعة السادسة: تهران، منشورات دانشگاه تهران.
2. استنفورد، درآمدی بر فلسفه تاریخ، ترجمة گل محمدی، الطبعة الأولى: تهران، نشر نی، 1382.
3. پل ادواردز، فلسفه تاریخ، ترجمة بهزاد سالکی، الطبعة الأولى: تهران، پژوهشگاه علوم، 1375.
4. پوپر کارل، فقر تاریخیگری، ترجمة احمد آرام، الطبعة الأولى: تهران، منشورات خوارزمی، 1350.
5. جوادی آملی، عبداللّه، تفسیر موضوعی قرآن، ج 6، (سیره انبیاء) الطبعة الأولى: تهران، مرکز نشر فرهنگی رجاء، 1372.
6. حسین طه، آئینه اسلام، ترجمة محمدابراهیم آیتی، الطبعة الثانية: تهران، منشورات رسالت، 1346.
7. حمیداللّه، محمد، رسولاکرم صلی الله علیه و آله در میدان جنگ، ترجمة سیدغلامرضا سعید، الطبعة الثانية: تهران، منشورات محمدی، 1351.
8. زمخشری، جاراللّه، کشاف، ج 2، قم، منشورات اسلامی، [دون تاريخ].
9. ژولین، فروند، آرا و نظریهها در علوم انسانی، ترجمة علیمحمد کاردان، تهران، نشر دانشگاهی.
10. شریعتی، علی، اسلامشناسی، (مجموعه آثار)، ج 2، الطبعة الأولى: تهران، منشورات قلم، 1357.
11. صدر، محمدباقر، سنتهای تاریخی در قرآن، ترجمة جمال موسوی، الطبعة الأولى: قم، منشورات اسلامی، [دون تاريخ].
12. طباطبایی، سیدمحمدحسین، تفسیر المیزان، ترجمة محمدرضا صالحی کرمانی، الطبعة الثانية: قم، منشورات دارالعلم، [دون تاريخ].
13. ————————–، تفسیر المیزان، ترجمة محمدباقر موسوی همدانی، الطبعة الأولى: تهران، منشورات محمدی، 1347.
14. عاملی، سیدجعفرمرتضی، الصحیح من سیرة النبی الاعظم، الطبعة الأولى: قم، منشورات اسلامی، 1402ق.
15. علیپور، محمدعلی، «تاریخ، تعاریف و معانی»، مجله حوزه و دانشگاه، سال یازدهم، ش 42، بهار 1384.
16. فارسی، جلال الدین، پیامبری و جهاد، الطبعة الأولى: تهران، منشورات مؤسسه انجام کتاب، 1362.
17. کار، ای. اچ، تاریخ چیست؟، ترجمة حسن کامشاد، الطبعة الثانية: تهران، منشورات خوارزمی، 1350.
18. کالینگ وود، مفهوم کلی تاریخ، ترجمة علیاکبر مهدیان، الطبعة الأولى: تهران، نشر اختران، 1385.
19. مطهری، مرتضی، آشنایی با قرآن، الطبعة الأولى: تهران، منشورات صدرا.
20. ——————-، انسان و سرنوشت، الطبعة الأولى: تهران، شرکت سهامی انتشار.
21. ——————-، جامعه و تاریخ.
22. ——————-، محمد خاتم پیامبران، ج1، (مقاله از هجرت تا وفات دکتر شریعتی)، الطبعة الأولى: تهران، منشورات حسینیه ارشاد، 1347.
23. مکارم شیرازی، ناصر، تفسیر نمونه، الطبعة الأولى: تهران، منشورات دارالکتب الاسلامیه، [دون تاريخ].
24. مهدی، محسن، فلسفه تاریخ ابنخلدون، ترجمة مجید مسعودی، الطبعة الأولى: تهران، منشورات بنگاه ترجمة و نشر کتاب، 1352.
25. واقدی، محمدبن عمر، مغازی، ترجمة محمود مهدوی دامغانی، الطبعة الأولى: تهران، مرکز نشر دانشگاهی.
26. والش، مقدمهای بر فلسفه تاریخ، ترجمة سیدضیاءالدین طباطبایی علایی، تهران، منشورات امیرکبیر، [دون تاريخ].
27. یکتایی، مجید، تاریخشناسی، الطبعة الأولى: 1350.
[1] علي شريعتي، إسلامشناسي، ص 7.
[2] والش، مقدمة في فلسفة التاريخ، ص 34 وإي. إتش. كار، ما هو التاريخ، ص 13.
[3] كالينغ وود، كتاب مفهوم التاريخ العام. مع أن دراسة محتويات هذا الكتاب توضح بجلاء أن قصد كالينغ وود هو تقديم مفهوم جديد للتاريخ، إلا أنه ليس واضحًا لماذا أصبح «مفهوم التاريخ العام» مشهورًا وتمت ترجمته بهذا الاسم.
[4] محسن مهدي، فلسفة تاريخ ابن خلدون، ص 190.
[5] والش، ناقش هذا الموضوع بتفصيل وكتب أن أربعة عوامل تسبب عدم اتفاق المؤرخين: 1- التعصبات الشخصية للمؤرخ، 2- التعصبات الجماعية والسياسية والاجتماعية للمؤرخين، 3- التعصبات الفلسفية والدينية للمؤرخين، 4- الفرضيات المتناقضة في تفسير التاريخ التي قد يستخدم كل منها نظرية تاريخية خاصة لتحليل وتأليف التاريخ. والش، المرجع نفسه، ص 111-120.
[6] إبراهيم 14 آية 5.
[7] هذه الخصائص ذكرها الشهيد مطهري للتاريخ النقلّي. الشهيد مطهري، المجتمع والتاريخ، ص 70-72.
[8] في مناقشات فلسفة العلوم الإنسانية هناك نظريتان معروفتان، إحداهما وحدة العلوم الإنسانية والعلوم التجريبية المعروفة بنظرية القانون الشامل «همبل-بوبر»، والأخرى ازدواجية العلوم الإنسانية والعلوم التجريبية التي يصر عليها ديلتاي وأتباعه (للمزيد من المعلومات في هذا الصدد راجع: كارل بوبر، الفقر التاريخي؛ جوليان فروند، الآراء والنظريات في العلوم الإنسانية؛ بول إدواردز، فلسفة التاريخ وستانفورد، مدخل إلى فلسفة التاريخ).
[9] آل عمران 3 آية 140.
[10] سيد محمد حسين طباطبائي، تفسير الميزان، ج 7، ص 46.
[11] محمد علي عليبور، «التاريخ، التعاريف والمعاني» مجلة الحوزة والجامعة، السنة الحادية عشرة، ربيع 1384، العدد المتسلسل 42، ص 13.
[12] راجع: الشهيد صدر، التقاليد التاريخية في القرآن، ص 110-117.
[13] مجيد يكتائي، تاريخشناسي، ص 11.
[14] ق 50 آية 14.
[15] عبد الله جواد آملي، تفسير موضوعي القرآن، ج 6، ص 147-148.
[16] المواد المذكورة موجودة في المصادر التالية: محمد بن عمر واقدي، المغازي، ص 14-124؛ جلال الدين فارسي، النبي والجهاد، ص 89-195؛ علي شريعتي، «من الهجرة إلى الوفاة»، مجموعة مقالات محمد خاتم الأنبياء، ج 6، ص 280-288؛ محمد إبراهيم آيتي، تاريخ النبي الإسلام، ص 203-235؛ محمد حميد الله، رسول الله صلى الله عليه وآله في ميدان الحرب، ص 44-70؛ دكتور طه حسين، مرآة الإسلام، ترجمة محمد إبراهيم آيتي، طهران، منشورات رسالت، الطبعة الثانية: 1346، ص 55 وجميع المصادر التي كتبت عن غزوة بدر أو تاريخ الإسلام قد ذكرت هذه المواد.
[17] إي. إتش. كار، المرجع نفسه، ص 109.
[18] الأنفال 8 آية 7.
[19] المرجع نفسه، آية 8.
[20] سيد محمد حسين طباطبائي، المرجع نفسه، ج 17، ص 32.
[21] الأنفال 8 آيتا 5 و6.
[22] سيد جعفر مرتضى عاملي، الصحيح من سيرة النبي الأعظم، ج 3-4.
[23] الأنفال 8 آية 42.
[24] سيد محمد حسين طباطبائي، المرجع نفسه، ص 145-146. التأكيد على الجمل من الكاتب.
[25] المرجع نفسه، ص 35.
[26] سيد جعفر مرتضى عاملي، المرجع نفسه، ص 180.
[27] الأنفال 8 آيتا 6 و7.
[28] الشهيد مطهري، التعرف على القرآن، ج 3، ص 89-90.
[29] سيد محمد حسين طباطبائي، المرجع نفسه، ص 30-31.
[30] الأنفال 8 آية 7.
[31] سيد محمد حسين طباطبائي، المرجع نفسه، ص 35.
[32] الأنفال 8 آية 43.
[33] مكارم شيرازي، تفسير نمونه، ج 7، ص 189-190.
[34] واقدي، المرجع نفسه، ص 40-41.
[35] العلامة سيد جعفر مرتضى عاملي، المرجع نفسه، ج 3-4، ص 183-184.
[36] آل عمران 3 آية 124.
[37] سيد محمد حسين طباطبائي، المرجع نفسه، ج 7، ص 12.
[38] الأنفال 8 آيتا 9 و10 وكذلك راجع: سيد محمد حسين طباطبائي، المرجع نفسه، ج 17، ص 34.
[39] سيد محمد حسين طباطبائي، المرجع نفسه، ج 17، ص 34.
[40] الأنفال 8 آية 44.
[41] آل عمران 3 آية 13.
[42] الأنفال 8 آية 8.
[43] واقدي، المرجع نفسه، ص 41.
[44] سيد جعفر مرتضى عاملي، المرجع نفسه، ج 3-4، ص 187.
[45] الأنفال 8 آية 41.
[46] مكارم شيرازي، المرجع نفسه، ج 7، ص 189-190.
[47] الأنفال 8 آية 17.
[48] سيد محمد حسين طباطبائي، المرجع نفسه، ج 17، ص 61-62.
[49] الأنفال 8 آية 44.
[50] الشهيد مطهري، الإنسان والمصير، ص.
[51] غافر 40 آية 10.
[52] واقدي، المرجع نفسه، ص 43-44 وكذلك راجع: سيد محمد حسين طباطبائي، المرجع نفسه، ج 17، ص 48-49؛ جلال الدين فارسي، المرجع نفسه والعلامة سيد جعفر مرتضى عاملي، المرجع نفسه.
[53] الأنفال 8 آيتا 67-69.
[54] الأنفال 8 آيتا 50-54.
[55] الأنفال 8 آية 53.
[56] الرعد 13 آية 11.
[57] الأنفال آية 42.
[58] محمد 47 آية 7.
[59] آل عمران 3 آية 152.

