فعالية طريقة الشهيد صدر في كشف النظرية الإسلامية للعدالة الاقتصادية

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: کارایی‌ روش شهید صدر در کشف نظریه اسلامی عدالت اقتصادی ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: دراسة فعالية طريقة الشهيد صدر في كشف النظرية الإسلامية للعدالة الاقتصادية مسألة تكتسب أهمية من خلال التمييز بين “المدرسة” و”نظرية العدالة”. يستعين الشهيد صدر في كتابه اقتصادنا بطريقة كشفية لتبيين المدرسة الاقتصادية الإسلامية. ولكن بما أن نظرية العدالة تختلف عن نظرية المدرسة، يمكن طرح السؤال: هل تمتلك الطريقة الكشفية الفعالية اللازمة لكشف نظرية العدالة؟ في هذه المقالة يُسعى للإجابة على هذا السؤال باعتباره السؤال الرئيسي للبحث. وفيما يلي، تم السعي بناءً على منهج تحليل النص لتقييم الجوانب المختلفة لطريقته الكشفية مع مراعاة مقتضيات موضوع العدالة. ونتيجة البحث هي أنه من جهة، هناك شك في وصف النتائج المستخلصة من الطريقة الاستكشافية بأنها “إسلامية”، ومن جهة أخرى يجب الاعتراف بأنها لا تتوافق تمامًا مع وظيفة العدالة؛ لذا نقترح استخدام طريقة مركبة تجمع بين الاستدلال القياسي والطريقة الكشفية.

المؤلف: سید حسین میرمعزی، محمدتقی نظریان مفید

المصدر: اقتصاد اسلامی، خريف 1398، العدد 75، ص 5 إلى 29.

المقدمة

قبل الدخول في النقاش والتفكير حول مسائل العدالة وتحديد حدود قدراتنا في معرفة نظرية العدالة، يجب أن نجيب على السؤال: كيف يجب أن يتخذ الذهن خطواته المنطقية والعقلانية في عملية الانتقال من المعلومات إلى كشف المجهولات وصياغة النظرية الإسلامية للعدالة بشكل عام، والنظرية الإسلامية للعدالة الاقتصادية كأحد أبعادها المهمة؟ التأمل في هذا النقاش يكتسب أهمية مضاعفة لأن الطريقة والمنطق المتبعين في مسار الاستدلال هما أهم معيار لنسب النظرية إلى الإسلام.

وفقًا لادعاء الشهيد صدر، هناك فرق بين البحوث في إطار الاقتصاد الإسلامي والبحوث في باقي المدارس الاقتصادية. عمل مفكري المدارس مثل المدرسة الرأسمالية والاشتراكية هو التكوين والابتكار للمدرسة. والمقصود بالتكوين والابتكار هو تأسيس بناء نظري؛ بحيث يقوم الفكر، مع تصاعده في البيئة الطبيعية، بوضع نظريات قدر الإمكان، وتصبح هذه النظريات أساسًا للبنى القانونية وغيرها. والنتيجة أنه في تكوين النظرية، يكون التحرك من الأصل إلى الفرع ومن القاعدة إلى البنية (الصدر، 1417هـ، ص370)؛ لكن المفكرين الإسلاميين، بالإضافة إلى طريقة التكوين والابتكار، وبسبب مواجهتهم لنظام قانوني مكتمل البناء النظري مسبقًا، يمكنهم أيضًا الاستفادة من الطريقة الكشفية، وهذا الاختلاف نابع من غنى المعارف الإسلامية وامتلاكها للمقومات الأخلاقية والقانونية. طريقة التكوين والابتكار هي حركة من الكل إلى الجزء وتحاول تكرار شكل القياس المنطقي؛ أما الطريقة الكشفية أو بمعنى آخر الطريقة التي تتحرك من البنية إلى الأساس فهي في الواقع نوع من الاستقراء لأحكام الشريعة الإسلامية في مختلف المجالات الاقتصادية وكشف المبادئ الحاكمة عليها في ذلك المجال.

ما نرغب في الإجابة عليه في هذا المقام هو: هل يمكن الاستفادة من طريقة الشهيد صدر التي استخدمها في كشف المبادئ والقواعد المدرسية على شكل حركة من البنية إلى الأساس، في كشف وتبيين نظرية العدالة؟ هل يمكن بالافتراض الأساسي لنظام الشريعة الإسلامية الوصول إلى معايير العدالة في المجالات المختلفة، خصوصًا العدالة الاقتصادية؟ وإذا كان الجواب نعم، هل يختلف تطبيق هذه الطريقة في مجال نظرية العدالة عن تطبيقها في كشف المدرسة؟

إجابتنا على هذا السؤال هي أن هذه الطريقة وحدها لا تصلح للاستخدام في مجال نظرية العدالة. رفض طريقة الشهيد صدر لا يعني الدفاع عن طريقة التكوين أو الحركة من المبادئ والأسس إلى الفروع (الحركة من الكل إلى الجزء)؛ لذا في صياغة نظرية العدالة يجب بالضرورة أن نبدأ من الأساس ونكشف معايير العدالة، أو نلجأ إلى مزيج من طريقة القياس المنطقي والاستقراء – مع الافتراض الأساسي لطريقة القياس – لصياغة والدفاع عن نظرية العدالة. في ما يلي، سيتم تقديم شرح مختصر لطريقة الشهيد صدر الكشفية. ثم تأمل في عدم وحدة وتجانس “نظرية العدالة” و”نظرية المدرسة” والعلاقة بينهما. وأخيرًا، مع الأخذ بعين الاعتبار النقد الموجه للطريقة الكشفية، سنحاول التقدم نحو إثبات الفرضية المذكورة أعلاه.

لا بد من التوضيح أن هناك العديد من المقالات التي تناولت نقد المنهج الاستكشافي للشهيد صدر أو بيان العدالة من منظوره؛ ولكن كما ذُكر، موضوع هذه المقالة ليس مجرد نقد لمنهج الشهيد صدر ولا في مقام بيان العدالة من منظوره فقط؛ بل القضية الأساسية هي «فعالية منهجه في اكتشاف نظرية العدالة». وبالنظر إلى الموضوع الذي يمكن اعتباره بطريقة مبتكرة، لم يُجرَ بحث في هذا الخصوص؛ لذلك يُمتنع عن ذكر الخلفية السابقة.

المنهج الاستكشافي للشهيد صدر

يستخدم الشهيد صدر في كتابه اقتصادنا منهجًا مبتكرًا لتبيين قواعد المدرسة الاقتصادية الإسلامية، لم يكن له سابق في التقليد الفقهي والاجتهادي قبله. وقد أشار في شرح منهجيته إلى التمايزات بين المدرسة والقانون المدني، واعتبر العلاقة بينهما علاقة كل وجزء أو أساس وبناء، مؤكدًا على عدم استقلاليتهما عن بعضهما البعض (المرجع نفسه، ص365). وبعد شرح الفروقات بين منهج تكوين المدرسة ومنهج الاستكشاف، قدم الانتقال من البناء إلى الأساس، أي المنهج الاستكشافي، كطريقة أكثر فاعلية وتأثيرًا في تبيين المدرسة الاقتصادية الإسلامية (المرجع نفسه، ص369‌-372‌)؛ لأن الحلال والحرام الإلهي المطروح في القوانين المدنية مثل أحكام العقود، والعلاقات المالية بين الدولة والفرد، والإيرادات الحكومية، والسياسة العامة للدولة، وغيرها، هي تجسيد للقيم الإلهية، ومن منظوره يمكن من خلال دراسة هذه القوانين بطريقة الاستكشاف الوصول إلى قيم متماسكة واكتشاف المدرسة الاقتصادية الإسلامية. وأكد على أنه لا ينبغي دراسة الأحكام بشكل منفصل، لأنه حين نروم اكتشاف المدرسة الاقتصادية لا يمكننا تجاوز الجمع والاستنتاج المنهجي منها (المرجع نفسه، ص376).

وبوعي من الشهيد صدر بأن استخدام المنهج الاستكشافي مشروط بفهم صحيح للأحكام وعدم الخلط بين الأحكام الثابتة والمتغيرة، تحدث عن دور ثلاثة مقولات مؤثرة في اكتشاف المدرسة الاقتصادية. المقول الأول هو «المفاهيم». فالمفاهيم في تعريفه هي الآراء والتفسيرات التي يطرحها المفسر للأحداث الطبيعية أو الاجتماعية أو التشريعية (المرجع نفسه، ص 376‌). فعلى سبيل المثال، إذا كان هناك مفهوم للتجارة في الشريعة، وحول هذا المفهوم تم تأييد أو رفض أحكام وعلاقات خاصة، فلا بد أولًا من فهم مفهوم التجارة الدقيق في الشريعة وعدم الخلط بينه وبين المفهوم المعاصر للتجارة الذي قد يبعد كثيرًا عن المفهوم الإسلامي المعتمد. دور المفاهيم هو توضيح النصوص التشريعية بشكل عام أو حدود صلاحيات الدولة في وضع الأنظمة الاقتصادية لتنظيم «منطقة الفراغ» (المرجع نفسه، ص 380). المقول الثاني هو دور «منطقة الفراغ» في تنظيم الشؤون الاقتصادية. من منظوره، تتضمن المدرسة الإسلامية جانبين: أحدهما محدد بإيجاز من قبل الشارع ولا يجوز تغييره، والجانب الآخر الذي يسميه «منطقة الفراغ» يجب أن ينظمه ولي الأمر أو ما يسمى «الدولة» حسب الاحتياجات والظروف الزمانية والمكانية؛ لذلك إذا أردنا اكتشاف المبادئ العامة للمدرسة الاقتصادية، يجب أن نكون حذرين من الأخطاء التي قد تنشأ من الأحكام الاقتضائية. والنتيجة من قلة الانتباه إلى مقولة منطقة الفراغ هي استخدام ناقص لإمكانات التشريع؛ بمعنى أنه تم التركيز على العناصر الثابتة وتجاهل العناصر الديناميكية للنظام القانوني (المرجع نفسه، ص380‌-381‌). المقول الثالث هو الانتباه إلى جهاز الاجتهاد والآثار التي يتركها شخصية المجتهد في الفهم الصحيح للنصوص واكتشاف الأحكام الحقيقية. وأشار إلى أن المجتهد يجب أن يبذل أقصى درجات الدقة والأمانة في الكشف الحقيقي عن الأحكام وألا يدخل أهواءه وأفكاره المسبقة في فهم الأحكام (المرجع نفسه، ص383-384).

ونظرًا لأن الشهيد صدر يذكر أن الوصول إلى الأحكام القطعية الإلهية قليل جدًا، فإنه يستبدل الأحكام الناتجة عن منهج الاجتهاد بالأحكام القطعية الإلهية. وهذا الاستبدال يتيح إمكانية ظهور تصاميم متعددة للنظام الاقتصادي، والتي بحسب ادعاء الشهيد صدر، كل منها نابعة من أحكام مستخلصة من جهاز الاجتهاد، وجميعها مقبولة من حيث الحجية الشرعية والنسبة إلى الإسلام (المرجع نفسه، ص394). ويضيف بعد ذلك أن الباحث يجب أن يختار من بينها النظام الأكثر فاعلية في حل المشكلات والقضايا الاقتصادية. كما يذكر أن الباحث يجب أن يشكل مجموعة متماسكة من الأحكام والفتاوى مع مراعاة التوافق كأساس في تنظيم النظام، وقد يكون من الضروري في هذا المسار حتى التخلي عن فتواه واستبدالها بفتوى اجتهاد فرد آخر من أجل تحقيق التوافق.

باختصار، منهج الشهيد الصدر في الانتقال من البناء الفوقي إلى البناء التحتاني يشمل تجميع ودمج الأحكام التي تعبّر عن التوجه المذهبي للقوانين الإسلامية، وكذلك قياس نتيجة هذا الدمج بالمفاهيم الإسلامية. يمكن تنظيم عملية كشف المذهب الاقتصادي في المراحل التالية: 1. طرح سؤال مذهبي؛ 2. تجميع الأحكام الاجتهادية الاقتصادية؛ 3. اختيار الأحكام ذات الطابع المذهبي مع مراعاة دور المفاهيم، منطقة الفراغ، وتجنب الأخطاء في مسار الاجتهاد؛ 4. إيجاد التوافق والتناسق بين مجموعة الأحكام المجمعة من خلال استبعاد الفتاوى المتعارضة والمتنافرة واستبدالها بفتاوى متوافقة؛ 5. استنباط القضايا المذهبية المتعلقة بالمسألة المذهبية؛ 6. اختيار النظام الاقتصادي الأكثر فاعلية ووضوحًا في حل القضايا والمشكلات الاقتصادية.

مفهوم ووظيفة نظرية العدالة وتمييزها عن نظرية المذهب

السؤال الرئيسي في هذه المقالة يقوم على الفرضية القائلة بأن نظرية العدالة ونظرية المذهب هما مفهومان متميزان بمصاديق مختلفة؛ لأنه إذا لم يكن الأمر كذلك، فإن طرح سؤال حول التمييز المنهجي في كشف نظرية العدالة الاقتصادية عن منهج كشف المذهب الاقتصادي سيكون خطأً جوهريًا؛ لذا من الضروري في الخطوة الأولى التحدث عن ازدواجية وعدم وحدة المفهوم بين نظرية العدالة ونظرية المذهب. وبما أن فاعلية منهج الشهيد الصدر تُحكم في ارتباطها بنظرية العدالة، فمن الضروري في ما يلي تقديم تفسير ولو موجز لنظرية العدالة لتبيان ما نعنيه بالعدالة وما يُحكم على فاعلية منهج الشهيد الصدر في كشفه.

1. تمييز نظرية العدالة الاقتصادية عن نظرية المذهب الاقتصادي

يمكن إثبات عدم وحدة المفهوم بين نظرية العدالة ونظرية المذهب من آراء الشهيد الصدر، كما يمكن إظهار ذلك بالرجوع إلى آثار فلاسفة الاقتصاد الإسلامي الآخرين. في النظرة الأولى من أقوال الشهيد الصدر الصريحة في كتاب اقتصادنا يُستنتج أن علم الاقتصاد يتكون فقط من قسمين متميزين بعنواني «علم الاقتصاد» و«مذهب الاقتصاد»؛ لكن بالتدقيق والتأمل يمكن القول إنه خلال شرحه للتمييز بين المذهب وعلم الاقتصاد، يشير إلى قسم ثالث لا يمكن تصنيفه تحت علم الاقتصاد ولا يمكن اعتبار المذهب الاقتصادي عامًا عليه. يمكن اعتبار هذا القسم الثالث ضمن نظرية العدالة الاجتماعية بشكل عام أو نظرية العدالة الاقتصادية بشكل خاص، نظرًا لأن النقاشات تدور حول موضوعات اقتصادية.

يمكن بسهولة إثبات هذا الادعاء بالرجوع إلى توضيحات الشهيد الصدر حول التمييز بين علم الاقتصاد والمذهب الاقتصادي. فهو يصف علم الاقتصاد بأنه «علم يفسر الظواهر الاقتصادية ويحدد العلاقات بينها (المرجع نفسه، ص359)». علم الاقتصاد مسؤول عن وصف وشرح الواقع الموجود، ومن وجهة نظر الشهيد الصدر لا يمكن أن يكون عادلاً أو غير عادل. من منظوره، علم الاقتصاد يشمل أي نظرية تفسر الأحداث الاقتصادية الواقعية بعيدًا عن أي فكر عدلي مسبق الصنع (المرجع نفسه، ص362). لا تستند أي من القوانين العلمية إلى العدالة، والدور الوحيد لهذه القوانين هو البحث عن العلاقات الواقعية وتعليل الظواهر الخارجية المختلفة (المرجع نفسه، ص363-364). هذه الأقوال توضح بجلاء ازدواجية صريحة بين علم الاقتصاد والفكر القائم على المعرفة العدلية والعدالة.

يرى الشهيد الصدر أن المذهب الاقتصادي هو أسلوب تفضله المجتمع في حياته الاقتصادية وحل مشكلاته العملية (المرجع نفسه، ص44). أو في تعريف آخر، يطلق عليه أي قاعدة أساسية اقتصادية ترتبط بفكرة العدالة الاجتماعية (المرجع نفسه، ص 362)؛ ومن ثم فإن مفهوم العدالة هو الحد الفاصل بين المذهب والعلم وكأنه مؤشر يميز الأفكار المذهبية عن النظريات العلمية (المرجع نفسه، ص 363). مهمة المذهب الاقتصادي هي تقديم حلول تتوافق مع مفاهيم العدالة (المرجع نفسه، ص 364). ومن مجموع آرائه يمكن استنتاج أن المذهب الاقتصادي الإسلامي هو مبادئ منهج تنظيم الحياة الاقتصادية لحل المشكلات الاقتصادية من وجهة نظر الإسلام. يجب أن تكون هذه المبادئ مرتبطة بمفهوم العدالة الاجتماعية من منظور الإسلام. وتُستنبط هذه المبادئ من المصادر الإسلامية ولها جزآن: ثابت ومتغير (میرمعزی، 1385، ص123-146).

كما أُشير سابقًا، التمييز بين العدالة والمدرسة ليس محصورًا فقط في نظر وتعريف الشهيد الصدر للمدرسة، بل إنّ سائر المفكرين في مجال الاقتصاد الإسلامي قد انطلقوا من هذا التمييز لتعريف المدرسة؛ بل إنّ هذا التباين في بعض التعريفات المقدمة للمدرسة يصل إلى حد تعريف مبادئ مدرسية مستقلة ومنفصلة عن العدالة الاجتماعية. على سبيل المثال، يعرف محمد عبد الله العربي الاقتصاد الإسلامي كمجموعة من المبادئ العامة التي تُستخلص من القرآن الكريم والسنة لتأسيس الاقتصاد وفقًا لظروف كل عصر وبناءً على هذه المبادئ العامة (جنیدل، 1406هـ)، أو يمكن الإشارة إلى تعريف ميرمعزي للمدرسة الاقتصادية: «المدرسة الاقتصادية الإسلامية هي القواعد العامة والثابتة التي تُستنبط من المصادر (الآيات، الروايات والعقل) والتي تشكل أساس الفقه والأخلاق الاقتصادية الإسلامية، وتهدف إلى تنظيم العلاقات الاقتصادية في ثلاثة مجالات: الإنتاج، التوزيع والاستهلاك، بغية حل المشكلات وتحقيق الأهداف الاقتصادية» (میرمعزی، 1394، ص5-29). ومن الواضح أنه يمكن استنتاج عدم الوحدة المفهومية بين «المدرسة الاقتصادية» و«العدالة الاقتصادية» من المناقشات السابقة.

2. مفهوم ووظيفة نظرية العدالة

الرجوع إلى أدبيات مجال العدالة يكشف عن وجود تعريفات متعددة للعدالة. إذا اعتبرنا الشمولية والحصرية معيارًا للحكم على التعريفات المقدمة، فإنّ من بين التعريفات المختلفة، باستثناء تعريفين للعدالة كـ «وضع الشيء في موضعه» و«إعطاء كل ذي حق حقه»، فإنّ جميع التعريفات تواجه العديد من الأمثلة الناقضة، وبما أنها لا تملك القدرة الكاملة على تحقيق شرط الشمولية والحصرية، فإنها تُترك بسهولة؛ على سبيل المثال، لا الشرع ولا العقل ولا حتى اتفاق العقلاء يفسرون المساواة في المعاملة بين الأفراد في جميع مجالات الحياة على أنها عدالة؛ لذا لا يمكن اعتبار تعريف «العدالة كمساواة» تعريفًا كاملاً للعدالة.

«وضع الشيء في موضعه» يعني أن يُوضع كل كائن في المكان الذي يستحقه ويليق به ويجب أن يكون فيه. ومعنى «إعطاء كل ذي حق حقه» هو التعامل مع كل كائن بما يليق به ويستحقه. التدقيق في هذين التعريفين يقودنا إلى النتيجة بأن هذين التعريفين يعودان إلى معنى واحد يُعبّر عنه بـ «العدالة بوصفها الوضع اللائق والمطلوب».

من الآثار المهمة لفهم العدالة بوصفها «الوضع اللائق والمطلوب» هو أن وظيفة ونطاق حضور نظرية العدالة تصبح أكثر وضوحًا، وتحررنا من الوقوع في القوالب النمطية التي صُنعت تحت كلمة «العدالة» من قبل بعض النظريات. كما أن التفسير الصحيح للعدالة يحل الخلاف حول حسنها المطلق؛ على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى تفضيل «الكفاءة» على «العدالة» في إطار بعض النظريات في مجال اقتصاد التنمية. الانطباع الأول هو أنه من منظور هذه النظريات، «العدالة» تتعارض مع «الكفاءة» وتفقد حسنها، ويصبح التركيز عليها مذمومًا. هل يعني هذا حقًا أن العدالة في نظرهم خالية من الحسن، وأن للكفاءة حسنًا أكبر منها؟ الإجابة على هذا السؤال تعتمد تمامًا على فهمنا للعدالة. بناءً على تعريف «العدالة بوصفها الوضع اللائق والمطلوب»، فإن العدالة لا تفقد حسنها بسبب التعارض مع الكفاءة، بل من الأدق القول إنه من منظور هذه النظريات، الوضع اللائق والمطلوب، أي العدالة، هو التركيز على الكفاءة. ما ترفضه هذه النظريات في الواقع ليس العدالة، بل نفى الفهم الاشتراكي للعدالة الذي يفسر العدالة (Justice) بالمساواة (Equity).

فهم وظيفة نظرية العدالة، بالإضافة إلى الفهم الدقيق لمفهوم العدالة، يعتمد أيضًا على الدقة وفهم مكانتها بين القيم الأخرى. القيم هي معيار وحكم على حسن الفعل وبوصلة «الاختيار الجيد»، وهي مسؤولة عن ترتيب الاختيارات ومساعدة المختار في مواجهة الخيارات المتعددة؛ لكن هل ستكون القيم في مقام الاختيار متعارضة مع بعضها؟ على سبيل المثال، هل لا يكون هناك تعارض بين الالتزام بالصدق والحفاظ على حياة الإنسان، أو بين الحرية والأمن كقيمتين اجتماعيتين، أو بين القضاء على الفقر والنمو الاقتصادي في مقام السياسة الاجتماعية؟ هنا يظهر دور العدالة ووظيفتها في نظام القيم كحَلّ للتعارضات. نظرية العدالة مسؤولة عن تفسير أسباب وكيفية إزالة التعارضات وتبرير أهمية وأولوية جانب على آخر.

مكانة العدالة في إزالة التعارضات تجعلها خالقة للحسن في المجمل ضمن نظام قيمي. وهذا يشمل خلق نظام منطقي في المجتمع، ويشمل أيضًا الغائية في مسار السعادة، ويشمل التوازن والتناسب في القوى الداخلية للفرد، وكذلك النظام والتناسب في عالم الخلق. تصور أن العدالة قيمة موازية للقيم الأخرى هو خطأ شائع وقع فيه العديد من النظريات حول العدالة، وهذا الخطأ لم يأتِ إلا بذبح العدالة أمام قيم أخرى مثل الكفاءة، المساواة، الحرية، وغيرها. العدالة هي منطق ترتيب القيم الأخرى بالنسبة لبعضها البعض – وليس بالنسبة للعدالة – وبجانب بعضها البعض – وليس بجانب العدالة -. في الحقيقة، العدالة هي منطق التفضيل والتقدم للأحسن على الحسن، والحسن على القبيح، والقبيح على الأقبح، وهي في الواقع عنوان للنظام المرغوب لترتيب القيم جنبًا إلى جنب.

العدالة قيمة حسنها ذاتي ومطلق. وإذا اعتبرنا حسنًا لعناوين أخلاقية أخرى تبعًا للظروف، فذلك لأن العنوان المعني في تلك الظروف الخاصة يقع تحت إطار العدالة ويستعير حسنَه منها؛ على سبيل المثال، إذا اعتُبر النمو الاقتصادي في ظرف معين حسنًا، فذلك لأن النمو المشار إليه في تلك الظروف يُفترض أنه عادل ويُبرر بواسطة نظرية عدالة -سواء كانت صحيحة أو خاطئة-. وإذا اعتُبر الأمن حسنًا في بعض الظروف، فذلك لأن الأمن في تلك الظروف قد حاز على حسن تحت ظل العدالة، وتم تأويله وتبريره من خلال نظرية العدالة -سواء كانت صحيحة أو خاطئة-.

وكما أن العلم مسؤول عن وصف وتفسير الواقع الموجود، فإن نظرية العدالة تتحمل مسؤولية وصف وتبرير الوضع المثالي. في نظرة عامة، تنقسم المعارف البشرية إلى قسمين: نظري وعملي. الحكمة النظرية مسؤولة عن تفسير الموجودات، والحكمة العملية تتناول البحث في الأمور الحسنة والواجبات. الحكمة النظرية مؤسسة على الأصل البديهي «امتناع جمع النقيضين»، وهذا الأصل هو معيار صحة النظريات في هذا المجال. ولهذا المنزلة والمكانة الأصل البديهي «حسن العدالة وقبح الظلم» في الحكمة العملية والواجبات السلوكية (جوادی آملی، 1390، ص30 و 1385، ج12، ص324). تُحلّ المسائل المعقدة في الحكمة العملية بحسن العدل وقبح الظلم (المرجع نفسه، 1391، ص 599)؛ لذلك يجب الاعتراف بأن كل ما يُعتبر مرغوبًا في الوضع المثالي يعود إلى أن عبء الاستدلال على تبريره يقع في جوهره على أكتاف نظرية العدالة، وحُسنُه مبرر بواسطة نظرية العدالة.

العدالة مفهوم عام لا يمكن اعتبار أي من ميادين حياة الإنسان خاليًا منه. يمكن تقليل عموميتها بتحديد موضوع نظرية العدالة، وحصرها في مجتمع أو مجال خاص مثل الاقتصاد؛ لكن يجب أن نكون واعين أن تحديد الموضوع لا يؤدي بأي حال إلى تغيير المفهوم والوظيفة النظرية للعدالة. في كل ميدان وكل مجال، العدالة مسؤولة عن وصف الوضع المثالي ومسار الوصول إليه، والاستدلال على حسن الوضع المثالي والمسار المقترح. بفهم هذا الموضوع، أن الفرق بين مفاهيم مثل نظرية العدالة، نظرية العدالة الاجتماعية، أو نظرية العدالة الاقتصادية يكمن فقط في موضوعها وليس في المفهوم أو الوظيفة؛ لذلك في هذا البحث لا نرى مشكلة في استخدام هذه المصطلحات بالتبادل، رغم أن تركيزنا الأكبر على العدالة الاقتصادية.

3. علاقة العدالة بالمدرسة

استنادًا إلى التعريفات المتعددة المقدمة للمدرسة الاقتصادية، يمكن اختصارها بأنها طريقة لحل المشاكل الاقتصادية. لا يمكن فهم المشاكل الاقتصادية دون وجود تصور ولو إجمالي عن الوضع المثالي، كما أن حل هذه المشاكل يعني إحداث تحول في الوضع القائم نحو الوضع المثالي. في الواقع، المدرسة هي المتطلبات العامة التي تنقلنا من الوضع القائم إلى الوضع المثالي، وكونها إسلامية يعتمد على طريقة اكتشافها. بهذا التعريف، يمكن فهم نظرية العدالة كعموم على نظرية المدرسة، وتعريف العلاقة بينهما كعلاقة عموم وخصوص مطلق؛ لأن من وجهة نظرنا، نظرية العدالة تفسر في آن واحد «الوضع المثالي» و«المبادئ اللازمة» للتحرك نحوه، بالإضافة إلى أنها مسؤولة عن تبرير واستدلال حسنها مقارنة بالوضعيات والبدائل الأخرى.

ويجب أيضًا الانتباه إلى أنه إذا أردنا الاستفادة من طريقة الشهيد صدر لاكتشاف نظرية العدالة، فلا يمكن كما في اكتشاف المدرسة، أن نصل إلى نظرية العدالة مباشرة من خلال الجمع والاستنتاج من الفتاوى؛ بل يجب أولًا اكتشاف نظرية المدرسة والمتطلبات العامة من الفتاوى، ثم من خلال المدرسة يتم اكتشاف الوضع المثالي.

وفي الختام، وبالنظر إلى التفسير المقدم بشأن علاقة نظرية العدالة ونظرية المدرسة، من الضروري التنبيه إلى أنه بما أن المدرسة عنصر داخل نظرية العدالة، والعدالة عامة عليها، وأن اكتشاف المدرسة هو المرحلة الأولى والضرورية لاكتشاف نظرية العدالة، فإذا وُجد نقد لطريقة الشهيد صدر في استخراج المدرسة، فإن النقد ذاته سيكون واردًا على استخراج نظرية العدالة عبر تلك الطريقة.

نقد ومراجعة الطريقة الاستكشافية للشهيد صدر

في نقد الطريقة الاستكشافية يجب الانتباه إلى مسألتين: الأولى هل يمكن نسب نتائج هذه الطريقة إلى الإسلام؟ لأننا نسعى لاكتشاف نظرية العدالة الإسلامية. الثانية هل تتناسب الفرضيات المكتشفة بهذه الطريقة مع وظيفة ومكانة نظرية العدالة؟ لأنه قد تكون هذه الطريقة قادرة على اكتشاف نظرية المدرسة في مجال معين، لكنها في ذات المجال قد لا تكون صالحة لاكتشاف نظرية العدالة بسبب عدم التوافق بين نظرية العدالة ونظرية المدرسة. في ما يلي، سنعرض نقدًا لاذعًا للطريقة الاستكشافية للشهيد صدر.

1. عدم تفوق النظرية الاستكشافية على غيرها من نظريات العدالة من حيث التوافق مع المصالح الحقيقية والكونية

الأحكام الفوقية تلعب دورًا كبيرًا في طريقة الشهيد صدر؛ لكن هذا الدور نفسه يضع أمام هذه الطريقة مشكلة كبيرة وهي عدم الوصول إلى الأحكام القطعية الإلهية، وهو أمر يعترف به هو نفسه. ويدعي أن الأحكام التي ثبتت ضرورتها ويقينها بوضوح قد لا تتجاوز خمسة بالمئة من مجموع الأحكام الموجودة في كتب الفقه (الصدر، 1417، ص395). ولملء الفراغ المتبقي، يجب استبدال الأحكام القطعية بالأحكام المستنتجة من الطريقة الاجتهادية.

إن استخدام الأحكام الاجتهادية يطرح مشكلات جديدة أمام هذه الطريقة، وأهمها أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نكون متيقنين من صحة المذهب المكتشف – كما أراد الإسلام – بشكل قطعي. وفي هذا الصدد يقول الشهيد الصدر: «الحقيقة أن الخطة الاقتصادية التي تستمد من الإسلام، لأنها تُنظَّم استنادًا إلى الأحكام والمفاهيم، هي نتاج طريقة اجتهادية محددة وخاصة قام بها المجتهد في تنسيق وتجميع النصوص. ونظرًا لأن مثل هذه الخطط ذات طابع شخصي ويحتمل الخطأ في الاجتهاد، فلا يمكن الإيمان بصحتها بشكل قطعي (المرجع نفسه، ص 383)».

إن جهاز الاجتهاد يسعى إلى الوصول إلى أحكام يمكن الاحتجاج بها أمام الله وإقامة الحجة الشرعية للدفاع عنها. إن إمكانية الخطأ والاعتذار في الأحكام أمام الله لا تعني بالضرورة مطابقة الواقع والمصالح الحقيقية التي يقصدها الشارع، وكما اعترف الشهيد الصدر، لا يمكن التوصل إلى اعتقاد يقيني بصحة أو خطأ المذهب المكتشف من الأحكام الاجتهادية. وهذا يعني أن الالتزام بالمذهب الاقتصادي المقصود وتطبيق القواعد والمبادئ الناتجة عنه في البنى الاجتماعية والاقتصادية لا يضمن بأي حال من الأحوال بشكل قطعي حركة المجتمع نحو السعادة والمصلحة الحقيقية. ولن تزول هذه الشكوك حتى إذا أمكن اكتشاف مذهب اقتصادي متماسك ومنسجم من جهاز اجتهادي واحد.

قد يُقال إن الاجتهاد هو جهد منهجي للوصول إلى الحكم الحقيقي، وأن المجتهد في طريق استنباطه يكتشف الحكم الحقيقي بشكل قطعي أو بناءً على ظن معتبر، وبالتالي فإن المذهب المكتشف من هذه الأحكام إما قطعي أو على الأقل مبني على ظن معتبر هو المذهب الاقتصادي الإسلامي ذاته. والرد على ذلك أن مقام النظر يختلف عن مقام العمل. في مقام العمل، العقل يحكم بتفضيل الظن المعتبر على الظن غير المعتبر؛ أما في مقام النظرية والاكتشاف، فإن الفرضية إما تُثبت (أو تُبطل) بشكل مطلق أو تبقى معلقة في حالة شك، وفي هذه الحالة لا يوجد فرق معرفي بين فرضية مثلاً فيها خمسون بالمئة شك وفرضية فيها سبعون بالمئة شك؛ ثانيًا، إن الادعاء بوجود خاصية التعدي والانتقال في انتقال اعتبار الظن من الأحكام إلى المذهب المكتشف ليس ادعاءً قابلاً للدفاع أو الإثبات. وبما أن الطريقة الكشفية لا تعتمد على القياس اللمّي، فلا يمكن حتى لو كانت الأحكام موجودة أحكامًا قطعية إلهية أن يُعطى حكم قطعي أو حتى ظني بإلهية المذهب المكتشف، فكيف إذا كان المذهب مستنتجًا من أحكام ظنية. هذا الشك يكون أعظم في نظرية العدالة؛ لأن اكتشاف نظرية العدالة يعتمد على البيانات والعناصر المكتشفة لنظرية المذهب، لذا يجب القول إنه بناءً على هذا الشك المعرفي، لا يمكن الدفاع عن إسلامية النظرية المكتشفة عند استخدام هذه الطريقة في اكتشاف نظرية العدالة.

2. عدم التمتع بالحجية الشرعية

بعد استبدال الفتاوى المستخلصة من طريقة الاجتهاد لسدّ فراغ الوصول إلى الأحكام الحقيقية، يواجه الشهيد الصدر مشكلة عدم انسجام المبادئ المستنبطة من الفتاوى الاجتهادية. وحلّه هو التمسك بتمييز مقام اكتشاف المذهب عن مقام الاجتهاد. إن مشكلة عدم انسجام الأحكام الاجتهادية تنبع من الاختلاف بين الأحكام الشرعية القطعية والأحكام التي هي نتيجة اجتهاد الأفراد. ومن المسلّم به أن الأحكام الحقيقية والقطعية في جميع المجالات تتمتع بأسس متماسكة ومنسجمة وموحدة؛ لأن مصدر صدورها كيان واحد وفي غاية الحكمة؛ ولكن لأسباب مختلفة لا يمكن اعتبار هذا الأصل صحيحًا بالنسبة لمجموعة الأحكام والفتاوى الاجتهادية التي يصدرها الأفراد. فمثلاً قد يكون المجتهد قد أخطأ في استنباطه، أو قد يكون النص الذي كان من الممكن أن يغير نتائج الاستنباط قد خرج من متناول المجتهد لأسباب تاريخية، أو على العكس قد يكون النص الذي استند إليه في اجتهاده وفتواه ليس تعبيرًا حقيقيًا عن قول الشارع.

الشهيد الصدر، بتمييزه بين شأن الاجتهاد في مقام استنباط الأحكام وشأن المكتشف في مقام اكتشاف المذهب في التأملات النظرية حول النظام الاقتصادي، يقرر مبدأ «البقاء على الحكم الاستنباطي» في مقام الاجتهاد ومبدأ «تشكيل منظومة متماسكة ومنسجمة» في مقام اكتشاف المذهب. ويقول في هذا الصدد: «إذا ظهر تعارض بين أجزاء النظام، يجب فصل ما يبدو غير متوافق عن بقية الأحكام وإدخال الأحكام المنسجمة الأخرى في المجموعة» (المرجع نفسه، ص401).

والسؤال الآن هو: ما هو الدليل الشرعي الذي يمكن أن يبرر تراجع المجتهد عن فتواه وحكمه الذي توصل إليه باتباع منهج أصول استنباط الفقه مع مراعاة الدقة والتعقيدات الدقيقة للاجتهاد؟ ولماذا يكون الاعتداد بالحصول على مجموعة متماسكة من الأحكام أكثر اعتدادًا من مجرد مراعاة نتائج المنهج الاجتهادي؟ هل اكتشاف الأصول المذهبية ليس إلا من أجل تطبيقها واستخدامها في بناء النظام الاقتصادي الذي يتسم بشدة الاحتكاك والتفاعل مع أفعال الأفراد والمؤسسات؟ هل اكتشاف المذهب الاقتصادي الإسلامي يقتصر على عرضه في مقام النظر إلى جانب أصول المذاهب الاقتصادية الأخرى مثل الاشتراكية والرأسمالية دون أن يكون له تطبيق عملي؟ مع وجود عدم حجية المنهج وعدم اليقين من مطابقة النتائج مع مصالح المجتمع الحقيقية، يجب القول إن إضافة صفة «الإسلامي» إلى المذهب المكتشف بهذا المنهج ستواجه بالشك؛ ومن ثم، فإن الشك في نسبته إلى الإسلام يمتد بقوة أكبر إلى النظرية العدلية التي تم التوصل إليها باستخدام العناصر المكتشفة للمذهب.

3. عدم وجود دليل منطقي وشرعي في تحديد الجزء غير المتوافق والمتعارض في مجموعة الأحكام

ذكر الشهيد الصدر في أجزاء من كتاب اقتصادنا أن كثرة الأحكام قد تكون معيقة وقد تدفعنا إلى الخطأ في النتائج؛ لذا يجب أن نكون حذرين من خداع كثرة الأحكام عند كشف قواعد المذهب فيما يتعلق بموضوع معين. على سبيل المثال، أشار إلى ازدواجية الجوانب النظرية والعملية للنصوص. يوضح الشهيد الصدر أنه إذا أراد الإنسان أن يولي اهتمامًا للجوانب العملية ويجعل ما كان سابقًا أساسًا للعمل، فقد يظن أن الإسلام يؤيد حرية الملكية والأنشطة الخاصة، أي النظام الرأسمالي، كما هو الحال عند بعض الأشخاص الذين وقعوا في هذا الظن. سبب هؤلاء هو وجود الحريات الفردية في مجال الإنتاج والاستهلاك والاستفادة من الثروات الطبيعية في زمن حكم الاقتصاد الإسلامي، ومطابقة هذه الحريات مع مبادئ مذهب الاقتصاد الحر. لا يمكن إنكار أن الفرد في عصر النبوة كان يتمتع بحريات اقتصادية كثيرة، وربما لا يمكن فصل هذه الحريات عن حريات النظام الرأسمالي اليوم أو اعتبارها مختلفة عنه (المرجع نفسه‌، ص402). تراكم مثل هذه الأحكام ناتج عن عدم ظهور وإمكانية الإنتاج الكمي في الماضي. وبما أن قدرة الإنسان في الماضي على الاستفادة من الطبيعة كانت محدودة قسرًا، فلم تُطرح أحكام تحد من حريات الأفراد، أو إن طرحت استثناءً، كانت قليلة جدًا مقارنة بالأحكام التي تمنح الشرعية للحريات والاختيارات الإنسانية.

الآن، مع مراعاة ما سبق، افترض أن جميع الفتاوى المتعلقة بموضوع معين، والتي يوضح كل منها جانبًا من ذلك الموضوع، قد جُمعت معًا، وعددها يقارب العشرين فتوى. سبعة عشر حكمًا وفتوى من المجموعة المجمعة متناسقة تمامًا ومتماسكة مع بعضها البعض، بينما ثلاثة أحكام منها بسبب التناقض أدت إلى فقدان انسجام مجموعة الأحكام تلك. الحل الذي يطرحه الشهيد الصدر في هذا الخصوص هو استبعاد الأحكام غير المتوافقة واستبدالها بفتاوى متوافقة مع بقية الأحكام باستخدام فتاوى مجتهد آخر. والسؤال هو: ما الدليل والمنطق الذي يبرر تفضيل السبعة عشر حكمًا المتوافقًا على الثلاثة الأحكام المتعارضة؟ هل يمكن اعتبار كثرة الأحكام دليلاً على استبعاد الأحكام المتعارضة القليلة؟ يمكن القول بثقة إنه بمجرد الاقتصار على الأحكام الظاهرية، لن يكون هناك معيار مبرر لتفضيل الجزء الأكبر على الجزء الأصغر. إن الطابع التاريخي للظواهر الظاهرية يجعل وزن القضايا السابقة أعلى من وزن القضايا الجديدة، مما يؤدي إلى انحرافات في البنية الاقتصادية المبنية على أصول مجردة من الظواهر الظاهرية الفعلية؛ لأن الأحكام الحقيقية، نظرًا لقلة مقتضياتها العملية في الماضي، قد تُهمش بسبب قلة عددها مقارنة بالأحكام الأخرى التي تتكرر كثيرًا عبر التاريخ، مما يفقدها أهميتها.

إن الوعي بالمشكلة المذكورة أعلاه يلقي بظلاله على صحة ومصداقية المبادئ العامة المستنبطة من خلال هذه الطريقة، وسيقلل من مصداقية نظرية العدالة المكتشفة من تلك المبادئ أكثر فأكثر. وسيكون هذا الانخفاض في المصداقية أكبر إذا ما أُعير الاهتمام للوظيفة الخاصة لنظرية العدالة، وهي إزالة التعارض بين القيم؛ لأن التعارضات والحاجة إلى اللجوء إلى منطق ترتيب القيم وفهم الأهم والأقل أهمية تنشأ غالبًا في المسائل المستجدة.

4. عدم إمكانية حصر جميع الأحكام والفتاوى المحتملة

إلى جانب النقطة التي تم توضيحها في القسم السابق، هناك مشكلة خفية أخرى في هذه الطريقة غفل عنها الشهيد الصدر. الأحكام المنسقة من طريقة الاجتهاد تشكل نسبة ناقصة – إن لم نقل قليلة جدًا – من جميع الأحكام الفوقية التي يمتلك جهاز الاجتهاد القدرة على إنتاجها. وبما أن تراكم المعارف الفوقية تاريخي، وتتم عملية استكمالها في سياق التاريخ ومع مراعاة القضايا والمشكلات الجديدة، فإن الأحكام التي تم الرد عليها اليوم في القوانين والحقوق المدنية أو في شرح المسائل لأهل البحث أكثر بكثير وأوسع نطاقًا من مجموعة الأحكام المتراكمة حتى خمسين سنة مضت. وبالمثل، فإن مجموعة الأحكام التي نذكرها اليوم كفوقيات للمذهب ستكون أقل من المجموعة المتراكمة خلال الخمسين سنة القادمة مع مراعاة القضايا المستجدة والمحدثة. في القسم السابق ذُكر مثال عن اجتماع عشرين حكمًا يتعلق بموضوع معين، حيث كانت سبعة عشر حكمًا منها متوافقة مع بعضها البعض، وذُكر أنه لا يوجد معيار منطقي لتفضيل الأحكام المتوافقة الكثيرة على الأحكام القليلة. في هذا القسم، السؤال هو: هل مجموعة الأحكام المتعلقة بذلك الموضوع الخاص تقتصر فقط على تلك العشرين حكمًا؟ هل يبقى الجزء غير المتوافق محصورًا فقط في تلك الثلاثة أحكام؟ هل يمكن الجزم بأن القدرات الموجودة في الفقه لن تنتج في المستقبل أحكامًا جديدة ناتجة عن ظهور مقتضيات جديدة، أحكام تنقض تمامًا المبادئ المذهبية المستنبطة من العشرين حكمًا الحالية، بحيث لا تكون متوافقة مع السبعة عشر حكمًا الكثيرة ولا مع الثلاثة أحكام القليلة؟

يمكن عرض هذه النقصان، التي وقع فيها الشهيد الصدر نفسه في كتابه الاقتصادنا، من خلال ذكر مثال. فقد توصل الشهيد الصدر لاكتشاف قواعد مذهبية في مجال التوزيع قبل الإنتاج، من خلال تصنيف الأحكام الفوقية المتعلقة بالأرض والمواد الأولية والمعادن والمياه الطبيعية، إلى أن معيار العمل هو المعيار الأساسي للملكية في مجال ما قبل الإنتاج. ويبدو أن اعتماده على معيار العمل كان بسبب استناداته إلى الأحكام الفعلية وإغفاله للأحكام الفوقية المحتملة. من بين الأحكام الفوقية، على سبيل المثال، في ما يتعلق بالحصول على حق الملكية بالنسبة للأراضي الميته، وبما أن تاريخيًا كانت كمية الأراضي الميته كبيرة جدًا مقارنة بعدد الأشخاص الذين يرغبون في إحيائها، فلم نشهد تعارضًا أو صراعًا بين شخصين يرغبان في إحياء أرض واحدة. افترض الآن أن عدة عوامل اقتصادية في الوقت ذاته ترغب في إحياء أرض ميتة واحدة، وأن الهياكل الاقتصادية بدعم متحيز لأحد هذه العوامل من خلال ربطه بالامتيازات المعلوماتية، والموارد المصرفية السهلة الوصول، وغيرها، تمكنه من تجاوز منافسيه بسرعة والانتصار في إحياء الأرض. هل لا يؤثر وجود هذه الدعم الهيكلي المتحيز على قوة الحكم بأن العمل هو المعيار الوحيد للتوزيع قبل الإنتاج؟ هل ليس من الظلم اعتبار الملكية عبر العمل في مثل هذا الهيكل غير العادل، كأن تزويد سكين لشخص ظالم قاتل؟ هل الانتباه إلى حكم مثل هذه القضايا وتفعيل الردود الفقهية المحتملة وجهاز الاجتهاد على مثل هذه الاعتبارات الأساسية لن يؤدي إلى ظهور معيار بعنوان «تكافؤ الفرص» – وهو معيار لم يتعرض له الشهيد الصدر إطلاقًا في تفسير معيار التوزيع قبل الإنتاج – يظهر قبل معيار العمل ويتحكم فيه؟ لا يمكن قبول أن يُسلب حق الفرصة المتساوية من أفراد المجتمع، ثم تُمنح كل حقوق الانتفاع بسبب اعتبار معيار العمل، لأولئك الذين تمكنوا من تجاوز المنافسين بسلب الحق؛ أو افترض أن معيار تكافؤ الفرص لم يُنتهك، لكن قدرات وكفاءات الأفراد مختلفة. هل لا يمكن اعتبار كفاءة الأفراد معيارًا ثانيًا قبل معيار العمل من منظور الولي الفقيه، لتخصيص الأرض الميته للأفراد لإحيائها؟ بالتأكيد هناك فرق بين شخص يمكنه خلق ثروة أكبر للمجتمع بتكلفة ووقت أقل، وشخص لا يمتلك هذه القدرة، ولا يمكن تجاهل هذا الفرق. هذه الأمثلة من نوع القضايا التي لم يتعرض لها جهاز الفقه ولم تتراكم فيها الأحكام الفوقية المتعلقة بهذه المعايير.

قد يُدّعى أنه بما أن المنهج الاستكشافي هو نوع من الاستقراء للأحكام مصحوبًا بالقياس الإنّي، فلا ضرورة لاستقراء جميع الأحكام الفعلية والاحتمالية معًا؛ ومن ثم فإن تجميع الأحكام إلى الحد الذي يمكن من خلاله الاستدلال على الأصل الأساسي إما بيقين أو ظن قريب من اليقين يكفي. وفي الرد على مثل هذا الادعاء يمكن التساؤل: كيف يمكن الحكم على نسبة الأحكام الموجودة إلى مجموع الأحكام الفوقية التي يمكن للفقه والنصوص الإسلامية إنتاجها؟ هل الأحكام الفعلية والمستخرجة تمثل تسعين بالمئة من القدرة الكاملة للأحكام الفقهية؟ أم ثمانين بالمئة؟ أم سبعين بالمئة؟ أم عشرين بالمئة؟ أم خمسة بالمئة؟ لا يمكن بأي حال من الأحوال إصدار حكم في هذا الشأن. ولا يمكن حتى التحدث إجمالًا عن مقدار القدرة المستخرجة نسبة إلى القدرة الكاملة للأحكام الفقهية؛ لذا فإن المقدار الذي يمكن من خلاله الحصول على اليقين أو الظن القريب من اليقين يعاني من غموض شديد.

قد يُقال أيضًا إنه ربما لا يمكن حصر جميع الأصول المذهبية بسبب عدم الوصول إلى الأحكام الاحتمالية، ولكن ما يُستخلص بناءً على الأحكام الفعلية يكون قابلًا للدفاع والقبول؛ فعلى سبيل المثال، قد توجد معايير أخرى إلى جانب معيار العمل كمعيار لتوزيع الموارد؛ لكن هذا لا يعني بطلان استنتاج الشهيد الصدر في هذا الشأن بأن «العمل هو معيار التوزيع». وفي رد هذا الادعاء يجب الإشارة إلى أنه أولًا، لا ضرورة لرفض معيار «العمل» وأن مجرد قبول إمكانية طرح معايير أخرى إلى جانب معيار العمل وأن التوزيع قبل الإنتاج ليس أحادي المعيار، يشكل في ذاته ضررًا كبيرًا لنظريته؛ ثانيًا، مجرد بيان وجود معيار في مجال التوزيع لا يكفي في نظرية العدالة. كما تم شرحه سابقًا، فإن من المهام الأساسية لنظرية العدالة الحكم على التعارضات التي تنشأ عند التنفيذ بين المعايير والقيم المختلفة، وهذه المهمة تتجاوز مجرد تقرير وجود المعايير.

في نظرية العدالة، لا ينبغي الاقتصار على القول بأن العمل أو الحاجة أو المساواة أو غيرها هي معايير التوزيع العادل؛ بل يجب الإجابة على السؤال: إذا تعارضت معايير العمل والحاجة، أو العمل والمساواة في التطبيق العملي، على أي منها يجب أن يُفضّل التوزيع ولماذا؟ فهم هذا الموقع في نظرية العدالة يعني أنه يجب تفسير جميع المعايير معًا بشكل كامل وتحديد علاقة كل منها بالآخر ضمن نظام قيمي لتتضح هندسة نظرية العدالة بشكل محدد. وبما أنه لا يمكن حصر جميع الأحكام، فلا يمكن الادعاء باكتشاف جميع المعايير؛ وبالتالي لا يمكن الدفاع بيقين عن الهندسة المرسومة لنظرية العدالة والاطمئنان إليها.

تزداد هذه المشكلة عمقًا عندما نعترف بأنه حتى الآن، وبالنظر إلى الظروف التاريخية للمذهب الشيعي، كان جهاز الاجتهاد مسؤولًا عن الإجابة على مسائل الأفراد ولم يكن مخاطبًا لقضايا تنشأ عن نظام اجتماعي بكامل أبعاده وزواياه الاجتماعية. نوعية القضايا الناشئة عن نظام اجتماعي ككل تختلف عن القضايا التي تواجه الفرد في حياته الشخصية وعلاقاته مع الآخرين؛ ومن ثم فإن الاعتبارات في الإجابة على هذه القضايا تختلف أيضًا. ما هو متاح لنا اليوم كطبقة فوقية هو نتيجة سنوات من الجهد الخالص والمجاهد للفقهاء في الإجابة على القضايا الناشئة عن العلاقات الفردية، ونسبة ضئيلة منها فقط أُجيب عليها بمراعاة شمولية. وعلى الرغم من أن نطاق نظرية العدالة يشمل المجالات الفردية والاجتماعية لحياة الإنسان، إلا أن الجزء الأكبر من نظرية العدالة موجه نحو حل التعارضات التي تنشأ في المجال الاجتماعي. فهل يمكن اعتبار الطبقة الفوقية المكونة من القضايا الفردية، التي لا تتناسب مع قضايا نظام اجتماعي شامل، نقطة انطلاق؟ الجواب بالنفي على هذا السؤال يبرز عدم كفاءة هذا المنهج في توفير مسار منطقي لتنظيم نظرية العدالة.

إذا أجرينا مقارنة بين منهج استدلال الشهيد الصدر في تبرير مهام الدولة وبين استدلالاته السابقة، مثلًا فيما يتعلق بالتوزيع قبل الإنتاج وبعده، سنرى اعترافًا ضمنيًا بعدم كفاءة هذا المنهج في كتاب اقتصادنا. فهو على عكس سياقه السابق، استند مباشرة في مناقشات التأمين الاجتماعي والتوازن الاجتماعي ومبدأ تدخل الدولة إلى الأحاديث والآيات، ونادرًا ما نرى استخدامه للأحكام الفوقية والفتاوى الاجتهادية؛ لأن الأحكام الاجتهادية المتراكمة والملحوظة في المصادر الفقهية بشأن تفاصيل المهام الاجتماعية والاقتصادية للحكومة للاستفادة منها في المنهج الاستكشافي غير متوفرة.

5. بقاء مشكلة تعدد النظريات

مشكلة أخرى هي إمكانية ظهور مذاهب مختلفة بسبب اختلاف أجهزة الاجتهاد. في هذا الصدد يقول الشهيد الصدر: قد يقدم أصحاب الرأي المختلفون، بناءً على اجتهاداتهم المتنوعة، تصاميم مختلفة للنظام الاقتصادي الإسلامي. وبما أن هذه التصاميم أُعدّت مع مراعاة ضوابط الاجتهاد، فيمكن اعتبارها جميعًا تصاميم لمذهب اقتصادي؛ لأنه إذا أُعدّ التصميم مع مراعاة الجوانب القانونية للاجتهاد – سواء كان متطابقًا مع الواقع أم لا – فإنه يُعتبر صحيحًا من الناحية القانونية (المرجع نفسه، ص 383).

لا يمكن التعامل بحياد مع المذاهب المتعددة المكتشفة واتخاذ موقف موحد تجاهها جميعًا؛ لأن التطبيق العملي يقتضي بالضرورة تفضيل أحدها على غيرها من المذاهب المكتشفة. قدم الشهيد صدر لحل هذه المشكلة معيار «اختيار أقوى وأوضح العناصر في كل نموذج لحل المسائل الاقتصادية» (المرجع نفسه، ص394) وعرّفها من الناحية الفنية بأنها ذات ضرورة قصوى (المرجع نفسه، ص 395). وفي هذا الصدد، يجب الإضافة أن قصد الشهيد صدر ليس أن يكون الاختيار محصورًا فقط بين المذاهب المكتشفة من الاجتهادات المختلفة؛ بل يجوز للمحقق أن يشكل مذهبًا مركبًا من عناصر مكتشفة من مذاهب مختلفة؛ بحيث يكون كل جزء وكل عنصر منه تابعًا لجهاز اجتهادي مختلف.

ما يذكره الشهيد صدر تحت عنوان المشاكل والمسائل الاقتصادية هو في الواقع نقائص الوضع القائم مقارنة بالوضع المرغوب. ومن المعيار المذكور يتضح أن فهم المشاكل والمسائل الاقتصادية يتم بشكل مستقل عن طريقة الاكتشاف، وقد تم تشخيصها قبل اكتشاف المذهب، وإلا لما كان بإمكانها أن تلعب دورًا كجزء من معايير التمييز بين المذاهب القوية والضعيفة. فبدون وجود فهم للوضع المرغوب – ولو بشكل إجمالي – لا يمكن الوصول إلى فهم للمشاكل القائمة، وبالتالي لا يمكن الاستفادة منه للحكم بين عدد المذاهب الاقتصادية المكتشفة من أجهزة اجتهادية مختلفة.

إن التدقيق في عناصر المعيار المعرفي المذكور أعلاه يقربنا كثيرًا من إثبات فرضية هذا البحث. قد يكون هذا المعيار فعالًا في اختيار المذهب الاقتصادي، نظرًا لوظيفته، لكنه غير معتبر بالنسبة لنظرية العدالة. إن الفهم الصحيح لهذا الادعاء يتطلب الانتباه إلى الفروق الأساسية الموجودة بين نظرية العدالة والمذهب، والتي تم بيانها سابقًا. كما تم التوضيح، المذهب هو بمثابة جسر للحركة من الوضع القائم إلى الوضع المرغوب؛ لذا تُعرّف كفاءته بمقدار الحركة والإصلاح للوضع القائم من أجل الوصول إلى الوضع المرغوب؛ أما نظرية العدالة فهي مسؤولة عن تفسير الوضع المرغوب ذاته. فهل نحتاج إلى وضع مرغوب ثانٍ لفهم كفاءتها؟ كيف يمكن مقارنة النظريات التي كلها مسؤولة عن تفسير الوضع المرغوب بنفس ذلك الوضع المرغوب وفهم مدى كفاءتها ووضوحها؟ هذا يعني أننا سنقع في حلقة مفرغة بسبب تعدد النتائج الناتجة عن الأجهزة الاجتهادية؛ لأننا لا نستطيع أن نحكم على النظريات المتعددة الناتجة للعدالة بمعيار نفس الوضع المرغوب الذي تسعى نظرية العدالة إلى وصفه وتفسيره.

6. عجز المنهج الاكتشافي في مواجهة الأسئلة الناشئة من نظرية العدالة من نوع «اللماذا»

تم التوضيح باختصار أن نظرية العدالة تتحمل مسؤولية تفسير الوضع المرغوب والواجبات، وكذلك تبرير حسنها مقارنة بالوضعيات والواجبات البديلة؛ أما المذهب والنظام فهما مجرد جسر بين الوضع القائم والوضع المرغوب. فالمبادئ المذهبية في الواقع تشمل المعايير العامة المراعية في مجموعة من الأحكام؛ لكن السؤال الذي تواجهه نظرية العدالة ليس فقط ما هي المعايير الموجودة في الفقه لتوزيع الموارد، بل يجب أيضًا توضيح سبب وجود هذه المعايير المكتشفة في الفقه. هل العمل معيار للملكية والاستحقاق في التوزيع أم لا؟ إلى أي مدى يمكن أن يكون للحرية الاقتصادية مكانة في النظام الاقتصادي؟ وهل الحاجة، مثل العمل، معيار آخر للاستحقاق أم لا؟ وكل هذه الأسئلة من هذا النوع تقع ضمن نظرية المذهب؛ لكن نظرية العدالة لا تكتفي بذكر وجود مثل هذه المعايير فقط؛ بل تقع في موقع التبرير والتعليل لها. تحت نظرية العدالة يجب أن تُطرح أسئلة من هذا النوع: لماذا يجب الاعتراف بالعمل أو الحاجة كأصل توزيعي؟ هذا السؤال يختلف عن السؤال عما إذا كان العمل أو الحاجة يقع ضمن معايير التوزيع أم لا؟

عندما يواجه منهج الشهيد صدر أسئلة من نوع «اللماذا» أو يُطلب منه التبرير، فإنه يشير إلى البنية التحتية ويطلب الإجابات منها؛ فمثلًا إذا سُئل لماذا العمل هو أحد معايير الحصول على الحصة في مجال التوزيع بعد الإنتاج، فوفقًا لمنهجه يكون الجواب أن العمل هو سبب استحقاق المضارب أو الساقي في عقد المضاربة أو عقد المساقات في الربح أو المحصول المحقق. وبالتالي يثبت أن الإسلام يعترف بالعمل كمعيار للتوزيع ويشرّع ذلك. في الحقيقة، عندما نواجه في هذا المنهج سؤال «لماذا» الشرعية لمعيار ما، يكون الجواب: لأن هذا المعيار موجود في الشرع فهو مشروع.

بالإضافة إلى النقطة السابقة، يجب الإشارة إلى تمييز آخر بين أصول المذهب ونظرية العدالة. فالمذهب هو مجرد مجموعة من القواعد والأصول للانتقال من الوضع الحالي إلى الوضع المرغوب، أما نظرية العدالة فهي، بالإضافة إلى كونها تتكفل حصريًا بتبرير هذه الأصول ردًا على سؤال لماذا هذه الأصول، فهي تختص أيضًا بالحكم والبت بينها في حال تعارضها. فإذا نشأ تعارض بين معيار العمل والاحتياج، فإن هذه التعارضات تُحل بالإحالة إلى أصل أعمّ؛ ولكن ما هو هذا الأصل العام؟ إن طريقة الشهيد الصدر تعجز عن بيان هذا الأصل العام. ففي نظريته، تُلقى الإجابة عن هذا النوع من الأسئلة على مفاهيم مطاطة مثل «الحفاظ على التوازن» و«المصلحة»؛ ولكن هل التوازن والمصلحة لا يحتاجان إلى معيار للتشخيص والتبرير؟ في الواقع، السؤال الأساسي في نظرية العدالة هو: متى يتحقق التوازن الاجتماعي؟ أو كيف تُكتشف وتُبرر المصلحة في الفراغ الذي طرحه الشهيد الصدر؟ هل يمكن البحث عن إجابة هذه الأسئلة بالطريقة الاستكشافية للشهيد الصدر التي تتحرك من البناء الظاهر إلى البناء الباطن، أم أنه لا بد من اللجوء إلى الكليات المستمدة من المبادئ الإسلامية واتباع مسار الحركة من الكل إلى الجزء؟ الجواب واضح، فطريقة الاستكشاف ستكون مقيدة أمام هذا النوع من المسائل.

الملخص والاستنتاج

بالنظر إلى النقد المقدم، يجب الاعتراف بأنه من جهة، ثمة شك في استشهاد النتائج المستخلصة من الطريقة الاستكشافية بالإسلام، ومن جهة أخرى، لم تستطع طريقته تجاوز أصول المذهب ولم تكن متوافقة تمامًا مع وظيفة ومكانة العدالة؛ لذا يمكن الاستنتاج بأن الاعتماد الحصري على هذه الطريقة لا يمكن أن يكون معينًا دقيقًا لاكتشاف نظرية العدالة. ولكن هذا لا يعني أن هذه الطريقة لا يمكن استخدامها على الإطلاق؛ إذ إنه بالرغم من العيوب المذكورة، يمكن تعداد مزايا كثيرة لها، والتي تتطلب مجالًا آخر للبحث فيها. كما أشار الشهيد الصدر أيضًا، فإن السير في مسار من الكل إلى الجزء وصياغة الاستدلال القياسي من المبادئ إلى البناءات الظاهرة عمل صعب جدًا. اقتراحنا هو الاستفادة من جميع القدرات المعرفية المتاحة من خلال دمج هاتين الطريقتين والاستفادة من مزايا كل منهما.

والتوضيح أن تكوين نظرية العدالة يتطلب الإجابة على مجموعة من المسائل في ساحات ومستويات مختلفة من المبادئ إلى المناقشات البنائية الظاهرة. ومن المحتمل جدًا أن نتوقف في مسار الاستدلال من القاعدة إلى البناء في مفترقات طرق متعددة، ولا نستطيع توفير استدلال قطعي لعبور منعطفات الشك. ولعبور هذه العقبات يمكن الاستعانة بمصدرين: المصدر الأول هو أنه حسب كل ساحة تتفاعل معها العدالة، يمكن أن تكون المقولات اليقينية الموجودة في المصادر الدينية دليلًا جيدًا. فالكثير من هذه المقولات مرتبط بالمبادئ، وبعضها يتناسب مع معايير العدالة؛ لذا يجب أن نعتبر التفسير والتأويل الإسلامي في مفترقات الطرق هو الذي يتوافق أو يتوافق أكثر مع هذه المقولات. المصدر الثاني هو البيانات المستخلصة من طريقة الشهيد الصدر. يمكن استخدام هذه الطريقة كمعيار لفهم مدى صحة المسار المتبع في الوصول إلى المتطلبات العملية من القاعدة إلى البناء الظاهر؛ على سبيل المثال، افترض في مسار الاستدلال المبني على المبادئ وجود مفترق طرق يؤدي أحد طرفيه إلى نفي «العمل» كمعيار للتوزيع، والطرف الآخر إلى قبوله. يمكن لنتائج طريقة الشهيد الصدر أن تكون دليلاً في مثل هذه الظروف، مما يسهل الحكم على حركة الانتقال من الكل إلى الجزء ويساعدنا في اختيار المسار الثاني. في الواقع، يمكن لهذه الطريقة، من خلال تكثير الأدلة والبراهين، أن تساعدنا في الحكم على صحة المسار المتبع وتخفف من صعوبته.

المصادر والمراجع

1. جنیدل، حمدبن‌عبدالرحمان؛ مناهج الباحثین فی الاقتصاد الاسلامی؛ [دون مكان النشر]: شرکة العبیکان للطباعة و النشر، 1406‌ق.

2. جوادی‌ آملی‌، عبدالله؛ تفسیر انسان به انسان‌؛ تحقيق‌ و تنظیم‌ محمدحسین الهی‌زاده؛ چ۱، قم: اسراء، 1385.

3. جوادی آملی، عبدالله؛ تفسیر موضوعی القرآن الكريم: فطرت در قرآن؛ تحقيق و تنظیم محمدرضا مصطفی‌پور؛ چ ۷، قم‌: اسراء‌، 1390‌.

4. جوادی آملی؛ تفسیر تسنیم؛ تحقيق احمد قدسی، روح‌الله رزقی‌ و محمد‌ فراهانی؛ چ ۴، قم: اسراء، 1391.

5. الصدر، السیدمحمدباقر؛ اقتصادنا؛ الطبعة الاولی، قم: مکتب الإعلام الإسلامی، مرکز النشر، 1417ق.

6. میرمعزی، سیدحسین؛ «نقد‌ و بررسی‌ دیدگاه‌ شهید صدر درباره هویت اقتصاد اسلامی»، فصلنامه اقتصاد اسلامی؛ ش22‌، 1385.

7. میرمعزی، سیدحسین؛ «تعریف و روش کشف مذهب اقتصادی اسلام»، فصلنامه اقتصاد اسلامی؛ ش57، 1394.