تأثير القيم الأخلاقية في الاقتصاد من منظور الشهيد صدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: تأثیر ارزش‌های اخلاقی در اقتصاد از دیدگاه شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: تُعَدُّ آراء وأفكار الشهيد صدر، لا سيما في كتابه الشهير «اقتصادنا» الذي يُعَدُّ أول محاولة عملية لوضع نظام اقتصادي إسلامي، مصدرًا غنيًا لتوضيح موضوع «تأثير الأخلاق على الاقتصاد» في العصر الحاضر. تحاول هذه المقالة بالاعتماد على هذه الأسس إثبات أن التنمية الاقتصادية المستدامة لا تتحقق دون تأثرها بالأخلاق وتوافقها مع الفطرة الإنسانية. وعلى الرغم من أن علم الاقتصاد بعد عصر النهضة وبفضل نظريات أشخاص مثل «ليونيل روبينز» اتجه نحو فصل القيمة عن الواقع (الاقتصاد الوصفي)، إلا أن الأزمات الناجمة عن الفجوة الطبقية دفعت المفكرين إلى العودة مجددًا إلى ضرورة الربط بين الأخلاق والاقتصاد. في هذا البحث، وباستخدام الأدلة الوحيّة والفلسفية والتاريخية، تم رسم أفق جديد لهذا التفاعل الضروري ليكون مفتاحًا للاقتصاد الإسلامي.

المؤلف: اصغر ابوالحسنی، رحمت‌الله علی‌رحیمی

المصدر: مطالعات اخلاق کاربردی، ربيع 1389، العدد 19، ص 39 إلى 88.

المقدمة

الشؤون والمتغيرات الاقتصادية، من حيث ارتباطها بالإنسان، تصاحبها الفضائل والرذائل الأخلاقية وتكتسب لونًا أخلاقيًا. وبناءً عليه، ومن دون شك، فإن دراسة الاقتصاد دون تأثير الأخلاق لن تؤدي إلى نتيجة مفيدة.

ظاهرة «تأثير الأخلاق على الاقتصاد»، سواء من الناحية النظرية أو التطبيقية، جذورها في فكر الإنسان. ورغم أن دراسة هذه الظاهرة، مع فهم عميق للأفكار النقية، ترتبط بالاقتصاد الديني أو الاقتصاد الإسلامي، إلا أنها بلغة الناس العاديين والإدراك المتوسط للمجتمع، تتجاوز الاقتصاد الإسلامي.

إذا كان الاقتصاد الإسلامي هو النظام التنفيذي لاستخدام قدرات الاقتصاد في إطار الدين الإسلامي، فإن ظاهرة «تأثير الأخلاق على الاقتصاد» هي النظام الأخلاقي له. وبعبارة أبسط، هي مسؤولية تتجاوز مهام الموحد أو المسلم في مجال الاقتصاد، رغم أن مهام المتدينين لا تنتهي حتى الوصول إلى الله والقرب منه.

يمكن أن تُثير «تأثير الأخلاق على الاقتصاد» كظاهرة نقية، فكر جميع منكري الله حول محورها الأخلاقي، وتفتح لهم طريقًا نحو الدين.

كما أن «تأثير الأخلاق على الاقتصاد» واضح في حياة الناس اليومية وأفكارهم العامة. فمصطلحات مثل «البركة» أو «القرض الحسن» قد اكتسبت معنى جوهريًا ناتجًا عن هذه الظاهرة.

«تأثير الأخلاق على الاقتصاد» هو ترجمة لحضور خاتم الأنبياء والنموذج الكامل للأخلاق ذات الفكر الوحي، وذلك بين الناس الأرضيين الذين أقصى أفكارهم هي «همّ المعيشة».

الخلفية التاريخية للموضوع

في تاريخ البشرية، كانت الأحكام والقرارات والاختيارات في نوع الحياة الفردية والاجتماعية ذات تأثيرات عظيمة. يختبر الله الناس والمجتمعات من خلال هذه القرارات. ومن هذه الاختيارات والأحكام، اختيار طريقة الكسب الاقتصادي للأسرة وقرار تأثير الأخلاق في المجال الاقتصادي للحياة. يقول القرآن الكريم في هذا الصدد:

– (أَحَسِبَ ٱلنّاسُ أَن يُترِكُوا أَن‌ يقولوا‌ آمنّا و هُم لايُفتَنونَ)[1]

«هل ظن الناس أنهم إذا قالوا آمنا لم يُفتَنوا؟»

(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)[2]

«واعلموا أن أموالكم وأولادكم فتنة، وأن الله عنده أجر عظيم.»

ويذكر القرآن الكريم عن قول النبي سليمان(ع) في اختبار الإنسان الاقتصادي والأخلاقي:

(هذا‌ مِن‌ فَضلِ رَبّي لِيبلُوَني ءَأَشكُرُ أَم أَكفُرُ)[3]

«هذا من فضل ربي ليبلوَني: هل أشكر أم أكفر؟»

الإنسان في هذا العالم يختار بحرية ووعي، ويصنع لنفسه السعادة أو الشقاء الأبدي.

ورد عن الإمام جعفر الصادق(ع) حديث يشرح هذا الاختبار من الجانب الاقتصادي بطريقة واضحة وجميلة، حيث قال:

«إذا كسب الناس من الطريق الذي أمرهم الله به وأنفقوه في الطريق الذي نهاهم الله عنه، فلا يقبل منهم، وإذا كسبوا من الطريق الذي نهاهم الله عنه وأنفقوه في الطريق الذي أمرهم الله به، فلا يقبل منهم، إلا أن يكسب من الطريق الحلال وينفق في الطريق الحلال.»[4]

أول الأحكام الإنسانية في مجال الأخلاق والاقتصاد

كانت الاختبارات والأحكام بين الأخلاق والاقتصاد، بطريقة غير مكتوبة وغير معلنة، شغل فكر جميع بني البشر منذ زمن آدم(ع) وحتى الآن.

حين استقر آدم(ع) في الجنة وتلقى أمر النهي عن الاقتراب من الشجرة وأكل الثمرة المحرمة، اجتاحه «الشك في تنفيذ أمر الله» كمسألة أخلاقية، و«أكل الثمرة المحرمة» كمسألة معيشية واقتصادية[5].

وفي النهاية، اختار بين الأخلاق والاقتصاد (بوسوسة القلب) الاقتصاد والمعيشة، فحُكم عليه بالعيش على الأرض وتحمل المشقات والآلام.

وبعده، لم يتعلم قابيل، ابنه، من تجربة أبيه، واختار اقتصادًا غير أخلاقي في حياته، فلم يصل إلى الأخلاق والروحانية والسعادة، ولم يبلغ كذلك غاية الاقتصاد.

وقد رُويت قصة هابيل وقابيل على النحو التالي:

«عندما استقرّ حضرة آدم(ع) وحواء على الأرض، أرسل الله الحوراء من الجنة وأوحى إلى آدم(ع) أن يعطيها زوجةً لهابيل. غضب قابيل وقال: “أنا الأخ الأكبر، فلماذا تعطي الحوراء له؟” قال آدم(ع): “التفضيل والفضل بيد الله، وهو يعطي من يشاء.” قال قابيل: “هذا رأيك وليس رأي الله.” قال حضرة آدم(ع): “تقدموا بالتضحية، ومن قبلت تضحيته، فالفضل والشرف له والحوراء تستحقه.”

كان هابيل يعمل في تربية المواشي وأعدّ كبشًا سمينًا وجيدًا للتضحية. أما قابيل فكان يعمل في الزراعة وأحضر بعض السنابل الجافة والمحروقة للتضحية.

فقبل الله تضحية هابيل بسبب إخلاصه[6] ورفض تضحية قابيل. حينها اجتاح الغضب قابيل كله، وعندما ذهب حضرة آدم(ع) إلى مكة، قتل قابيل هابيل.»[7]

تُظهر هذه القصة بوضوح أنه منذ بداية خلق البشر، كان هناك دائمًا غموض في الحدود بين القضايا الأخلاقية والاقتصادية، وقد أدت إلى خلافات وصلت إلى حد القتل (ع) حتى بين الأخوين، وإلى حروب بين القبائل والدول.

لم يرضَ قابيل بسبب البخل، وعدم الإنفاق، وعدم التسامح، وتفضيل إنتاجاته الجيدة لنفسه وربما زيادتها، وبشكل عام «النفس الأمارة»، أن يرى دائرة الأخلاق أوسع من الاقتصاد؛ بينما من خلال تقديم هابيل أفضل إنتاجات تربية المواشي للتضحية، أضاء الله نور الأخلاق على مجال الاقتصاد، وبناءً على قول الله، أصبح قابيل من الخاسرين:

«فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ»[8]

فالنفس [الأمارة] حثّته على قتل أخيه فقتله، فأصبح من الخاسرين.

مفهوم دراسة الأخلاق

العبارات التالية نماذج من كلام الله والأنبياء والمفكرين حول كرامة الأخلاق.

«وَ إِنَّكَ لَعَلي خُلُقٍ‌ عَظيمٍ‌»[9]

«وحقًا إنك لعلى خلق عظيم.»

– «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ.»[10]

«لقد بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق.»

– «الله يحب مكارم الأخلاق ويكره رذائلها.»[11]

– «هناك أمران يملآن روحي بالدهشة والخشية التي تزداد باستمرار: السماء المرصعة بالنجوم فوق رأسي والقانون الأخلاقي في داخلي.»[12]

– «الفقه مقدمة للأخلاق، والأخلاق مقدمة للتزكية.»[13]

في اللغة العربية، جاءت كلمة «أخلاق» بمعنى «عادة، طبيعة، دين، ومروءة»[14]، وجمعها في اللغة هو «خلق».

راغب الأصفهاني، عالم اللغة الكبير، اعتبر الأخلاق من جذر «خلق» (الخلق) وفسرها بأنها خلق الصورة والطبع الحسن.

الملا مهدي النراقي(ره)، عالم الأخلاق في القرن الثالث عشر الهجري، لديه تعريف أكثر شمولاً للأخلاق، وهو مقبول أيضًا من قبل فلاسفة الأخلاق. يقول:

«الأخلاق هي ملكة نفسية تجعل صدور الأفعال سهلاً وبدون حاجة إلى تفكير وتأمل.»[15]

خواجه نصير الدين الطوسي(ره) عرّف الأخلاق كذلك:

«هي علم يُعرف به كيف يكتسب النفس خلقًا يجعل جميع أفعاله الصادرة عن إرادته جميلة ومحمودة.»[16]

علم الأخلاق يرفع خصائص الإنسان وأخلاقه إلى أعلى مراتبها، وبمساعدته يصبح الإنسان كاملاً؛ ولهذا السبب كان الحكماء القدماء يسمونه «الإكسير الأعظم» وكانوا يرون أن الإنسان ما لم يزكِّ أخلاقه، فإن العلوم الأخرى لا تنفعه.[17]

الفارابي في كتاب «فصول المنتزعة» يبدأ من هذه النقطة في الأخلاق: «فالروح مثل الجسد لها صحة ومرض، ولا ينبثق السلوك الحسن إلا من روح صحية.»[18]

محمد بن زكريا الرازي، الفيلسوف والطبيب في القرن الثالث والرابع الهجري، سمى كتابه «الطب الروحاني»؛ من هذا المنظور أن روح الإنسان معرضة أيضًا للمرض.

في تصنيف العلوم، للأخلاق مكانة مهمة. يقول النبي الأكرم(ص):

«الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ: آيَةٌ محْكَمَةٌ أَوْ فرِيضَةٌ عادِلَةٌ أَوْ سُنَّةٌ‌ قَائِمَةٌ‌ وَ مَا خَلَاهُنَّ فَهُوَ فَضْلٌ.»[19]

«العلم ثلاثة أنواع: آيات محكمة (المعارف الإلهية والعلوم العقلية)، فريضة عادلة (علم الأخلاق)، وسنة قائمة (الأحكام)، وما خلاها فهو فضل.»

هذا التصنيف واقعي جدًا ويتناسب مع العوالم الثلاثة للوجود الإنساني؛ أي عالم المشاهدة، وعالم الملكوت، وعالم الجبروت.

تنقسم الأخلاق إلى ثلاثة أقسام: الأخلاق الفردية، والأخلاق الاجتماعية، وأخلاق العبادة، التي تبين على التوالي علاقة الإنسان بنفسه، وبالمجتمع، وبالله.

بعض علماء الأخلاق، متأثرين بأفكار أفلاطون في كتاب «الجمهورية» أو أرسطو في كتاب «الأخلاق النيقوماخية»، أسسوا مدرسة الأخلاق الفلسفية، ومنهم ابن مسكويه وخواجه نصير الدين الطوسي. تعتبر هذه المدرسة الإنسان ذا ثلاث قوى: القوة الشهوانية، القوة الغضبية، والقوة العقلية. لهذه القوى حدود في أدائها، فالإفراط والتفريط رذائل أخلاقية، أما الوسط والاعتدال فهو الفضيلة التي تسمى العفة، والشجاعة، والحكمة. ويُسمى التوليفة المثلى لهذه الفضائل الثلاث «العدل»، وهو فضيلة الفضائل.

في العالم الإسلامي، ظهرت مدارس أخلاقية أخرى باسم «الأخلاق الصوفية» (مبنية على الأخلاق الفردية وأخلاق العبادة)، و«الأخلاق الحديثية» (مبنية على الأحاديث والروايات)، و«الأخلاق التوفيقية» (مبنية على دمج المدارس الأخلاقية).

في الغرب أيضًا تأسست مدارس أخلاقية، وأشهرها «النظام الأخلاقي لكانط». في نظامه الأخلاقي، يعتبر «الإيمان بالله» و«دور الدافع» من الأمور السامية جدًا، وقد قدم هذا النظام على أساس القانون الذهبي ودور الضمير.

أهم المبادئ الموضوعية لعلم الأخلاق هي: حرية الإنسان، قابلية الإنسان للتغيير، الميل إلى الهدف النهائي في الإنسان، واعتماد سعادة الإنسان على الجهد.

من وجهة نظر النظام الأخلاقي الإسلامي، المبادئ الأخلاقية ثابتة، حقيقية ومطلقة؛ لأن حاجات البشر عبر التاريخ كانت ثابتة؛ بينما روّج «ديفيد هيوم» للنسبية في الأخلاق وقال:

«عندما تصف فعلاً بأنه شرير، فإن قصدك ليس سوى أنك، بعد التفكير في ذلك الفعل أو الخلق، بسبب طبيعتك الفطرية، تشعر باللوم أو الإدانة تجاهه.»[20]

مصدر الأخلاق في النظام الأخلاقي عند كانط هو «الضمير الأخلاقي» وبناءً على نظرية أفلاطون «العدالة والجمال»، وبناءً على النظرية الهندية أو غاندي «العاطفة»، وبناءً على النظرية المسيحية «المحبة»، وبناءً على آراء الفلاسفة الإسلاميين «العقل والإرادة»، وبناءً على نظرية الماديين – ومنهم راسل – «العقل، لكنه عقل متبصر أو مصلحي»، وبناءً على نظرية الشهيد مطهري «الفطرة والعبادة».

الشهيد مطهري(ره) في بيان استدلاله يورد رواية مستندة عن قول النبي الأكرم(ص). وعلى هذا الأساس، يمكن اعتبار رأيه أرجح من جميع النظريات الأخرى.[21]

عندما نزلت الآية (وَ تَعاوَنُوا عَلَي ٱلبِرِّ وَ ٱلتَّقوي وَ‌ لا‌ تَعاوَنُوا‌ عَلَي ٱلإِثمِ وَ ٱلعُدوانِ(؛[22] أي: «تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان.» جاء رجل يُدعى «وابصه» إلى رسول الله(ص) وقال: لدي سؤال. فقال له النبي: «هل أخبرك ما هو سؤالك؟» قال: تفضل. فقال النبي: «لقد جئت لتفسير البر والتقوى والإثم والعدوان.» قال: نعم يا رسول الله، لهذا جئت. جمع النبي(ص) ثلاثة أصابعه وضغط بها على صدر وابصه وقال: «يا وابصه! اسأل من قلبك واستفت قلبك.»[23]

تشمل المدارس الأخلاقية في العالم مدارس الواجبية، الحدسية، الغائية، الأمرية، النسبية الثقافية، الذهنية، والعاطفية. معظم هذه المدارس تعتبر معيار خير أو شر الأفعال هو نتيجة «السلوك وفائدته»، لكن النظام الأخلاقي الإسلامي وكذلك النظام الأخلاقي عند كانط يعتبران «الدافع» مهماً أيضاً. الدليل على ذلك في النظام الأخلاقي الإسلامي هو هذه الآية: (إِنَّما يتَقَبَّلَ ٱللّهُ مِنَ ٱلمُتَّقينَ(؛[24] أي: «إن الله لا يقبل إلا من المتقين.»

من وجهة نظر القرآن والأحاديث، عوامل الانحطاط الأخلاقي هي: الغفلة عن النفس، حب الدنيا، هوى النفس والشيطان.

مصادر علم الأخلاق الإسلامية تشمل: القرآن، سيرة المعصومين، العقل، الحدس وسير حياة العلماء والحكماء.

أهم عناوين مجال الأخلاق الفردية والعبودية تشمل: حب الله، الأنس بالقرآن، التفكر، التدبر، النظر إلى المستقبل، الحياء، الخوف والرجاء، الزهد، التقوى، الصبر، الشكر، الرضا والاستسلام، اليقين، التوبة، الصدق والأمانة، المحاسبة والمراقبة، ذكر الموت، وكذلك الشهوة، الغضب، الحسد، الرياء، الكبرياء، العجب والأنانية، حب الدنيا، حب النفس، حب المال والجاه، قسوة القلب، الغرور والأنانية. وأهم عناوين المجال الاجتماعي والتطبيقي تشمل الأخلاق الطبية، الأخلاق البيئية، أخلاق التجارة والعمل، وأخلاق الحياة الحضرية.

جميع الأديان السماوية وغير السماوية تعتبر الأخلاق جزءاً كبيراً من تعاليم مذهبها. أقدم وأشمل قاعدة أخلاقية عالمية (القاعدة الذهبية أو القاعدة الفضية) وقاعدة كونفوشيوس الفضية تقول: «ما لا تحبه لنفسك، لا تحبه للآخرين.»

في دين السيد عيسى(ع) جاء: «ما تريد لنفسك، فافعل للآخرين.» هذه القاعدة وردت أيضاً في الإسلام وفي أقوال النبي(ص) والأئمة المعصومين(ع) كثيراً؛ فعلى سبيل المثال، في نهج البلاغة، يوصي الإمام علي(ع) في عدة مواضع، منها الرسالة 31 الموجهة إلى الإمام الحسن المجتبى(ع)، بهذا العمل.

يمكن اعتبار القاعدة الذهبية ملخصاً موجزاً لمحتويات أخلاق الأديان.[25]

ماني، بوذا وكونفوشيوس نشروا أدياناً مليئة بالمبادئ الأخلاقية التي تركز أساساً على الرحمة مع الوالدين، المحبة والود للأصدقاء والمرؤوسين، الأخلاق المحبة والمساعدة للجيران. كما أن زرادشت بيّن ثلاثة مبادئ أخلاقية هي «الكلام الحسن»، «الفكر الحسن» و«الفعل الحسن». وكان إبراهيم(ع) نموذجاً وقدوة بالتسليم لأمر الله (كأصل أخلاقي). وموسى(ع) جاء بعشر وصايا التي كانت في الغالب أوامر أخلاقية، وعيسى(ع) ركز كثيراً على المحبة الإنسانية وأضفى على دينه طابعاً أخلاقياً.

الإسلام كآخر وأكمل دين في العالم، له نظرة خاصة للأخلاق. الله سبحانه وتعالى يعتبر محمد(ص) نموذجاً للأخلاق الحسنة ويقول: (لَقَد كانَ لكم في رَسولَ ٱللّهِ أُسوَةٌ‌ َحَسنَةٌ‌(؛[26] أي: «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة.» ويقول أيضاً: (وَ إِنَّكَ لَعَليٰ خُلُقٍ عَظيمٍ(؛ أي: «وإنك لعلى خلق عظيم.»

ويعتبر النبي(ص) هدف البعثة هو إكمال مكارم الأخلاق.

التحلیل المفاهیمي للاقتصاد

يبدو أن «الاقتصاد» يجب أن يكون له تعريفات بسيطة، لكن عبر التاريخ لم يكن فقط يمتلك مجموعة واسعة من الأسس والمفاهيم النظرية، بل من الناحية التطبيقية تجاوز الفرد والأسرة والمؤسسات إلى المستوى الوطني والدولي.

ولبيان بساطة علم الاقتصاد يكفي أن نقول إن متحدثاً مجهولاً قال عنه: «يمكنك حتى أن تجعل ببغاءً خبيراً في الاقتصاد، فقط علّمه كلمتين: العرض والطلب.»[27] وفي مقابل هذا الرأي، قال «ماكس بلانك»، واضع الفيزياء الكمومية والحائز على جائزة نوبل: «قررت ذات مرة أن أدرس الاقتصاد، لكنني وجدته صعباً، فانتقلت إلى الفيزياء.»[28]

الاقتصاد بمعنى السير في الوسط [منتهى الأرب، آنندراج وناظم الأطباء] والاحتفاظ بالوسطية [تاج المصادر البيهقي]، والحفاظ على الاعتدال [ترجمان القرآن]، والاعتدال في كل أمر [آنندراج، غباث اللغات وناظم الأطباء].

في المحادثات اليومية، تُستخدم كلمة «اقتصاد» بمعنى الاعتدال، والوسطية، والتوازن في المسائل المالية والنفقات والدخل والمصروف، أما في الاصطلاح، فهو أحد فروع العلوم الاجتماعية التي تتناول نوعية النشاط المتعلق بالدخل والمصروف وكيفية العلاقات المالية بين أفراد المجتمع، والمبادئ والقوانين التي تحكم هذه الأمور، والوسائل التي يجب اتخاذها عمليًا مع مراعاة مقتضيات الزمان والمكان لتحقيق سعادة وتقدم المجتمع ورفاهية وراحة أفراده.[29]

في تعريف الاقتصاد، كانت الظروف الاجتماعية والزمنية مؤثرة جدًا، ولهذا السبب نشأت عبر التاريخ مدارس اقتصادية مختلفة.

في كل عصر، قام الاقتصاديون بتعريف هذا العلم بما يتناسب مع أفكارهم وظنونهم. فقد عرفه «آدم سميث» بأنه علم دراسة طبيعة وأسباب ثروة الأمم، و«آرثر بيغو» بأنه دراسة نشوء النقود وتأثيرها في النشاطات، و«سامويلسون» بأنه علم اختيار الناس من الموارد النادرة، و«ستيوارت ميل» بأنه دراسة طبيعة الثروة من خلال قوانين الإنتاج والتوزيع، و«ألفريد مارشال» بأنه دراسة الإنسان في حياته المهنية والعملية.

وقد قال الشهيد سيد محمد باقر الصدر(ره) في مقدمة كتاب «اقتصادنا» في تعريف علم الاقتصاد: «علم الاقتصاد هو العلم الذي يفسر الحياة الاقتصادية وظواهرها ومظاهرها، ويبين ارتباط تلك الظواهر والمظاهر بالأسباب والعوامل العامة التي تحكمها.»[30]

في الثقافة العربية، توجد تعريفات مشابهة للاقتصاد:

«والاقتصاد في المعيشة هو التوسط بين التبذير والتقصير ومنه الحديث: “ما عال امرؤ في اقتصاد.” ومثله: “ما عال مقتصد.”»؛ أي: «الاقتصاد في إدارة الحياة هو الوسط بين الإسراف والإفراط والبخل والتقتير، كما ورد في الحديث: “لا يُفقر الشخص المعتدل.” أو في حديث آخر: “لا يحتاج المعتدل أبدًا.”»[31]

في كتاب مبادئ الاقتصاد الإسلامي، التعريف الذي تقدمه دائرة التعاون بين الحوزة والجامعة هو:

«الاقتصاد هو معرفة وتقييم واختيار الطرق التي يستخدمها الإنسان لإنتاج وتوزيع السلع والخدمات من الموارد المحدودة أو غير الجاهزة، بهدف الاستهلاك.»[32]

في القرن التاسع عشر الميلادي، وصف «توماس كارلايل» الاقتصاد بأنه «علم ممل».[33] ربما كان يقصد بذلك أن: أولاً، الاقتصاد يتحدث عن الواقع ويبتعد كثيرًا عن المثالية. ثانيًا، الاقتصاد علم عن الثروة التي لا تحظى باهتمام كبير في الكتاب المقدس، وهذه الثروة تسبب الملل.

– يبدأ تاريخ علم الاقتصاد بابتكار كلمة «Oikonomikos» على يد كسينوفون (من معاصري أفلاطون). هذه الكلمة مركبة من كلمتين تعنيان «البيت، الأسرة أو الملكية» و«الفعل والتدبير».

– بدأت الأفكار الاقتصادية المكتوبة منذ القرن الرابع قبل الميلاد – زمن أفلاطون وأرسطو -، لكن الاقتصاد الحديث نشأ في زمن آدم سميث.

– وصف «ستيلي جونز» علم الاقتصاد بأنه «ميكانيكا الرغبة والمصلحة الذاتية» التي تقوم أساسًا على العلاقات الاجتماعية بين البشر. وفي هذا السياق، يحاول الإنسان أن يقوم بأفضل عمل ممكن بما يملك.

– وصف «ألفريد مارشال» علم الاقتصاد بأنه «علم الإنسان في كسب العيش المعتاد». في الحقيقة، قسم الاقتصاد إلى جزأين؛ جزء يتعلق بالثروة وجزء بدراسة الإنسان.

– في كتاب علم الاقتصاد، الذي أعيد طباعته وتحريره ثماني عشرة مرة حتى عام 2004 وترجم إلى أكثر من واحد وأربعين لغة، عرّف «بول سامويلسون» و«نورد هاوس» الاقتصاد بأنه:

«دراسة كيفية استخدام المجتمعات للموارد النادرة لإنتاج منتجات ذات قيمة وتوزيعها بين الأفراد المختلفين.»

– يقول «البروفيسور منكيو» في كتاب مبادئ الاقتصاد: «علم الاقتصاد هو دراسة كيفية تخصيص الموارد النادرة.»

– يرى «هندرسون» و«كوانت» أنه لا يوجد تعريف دقيق للاقتصاد وأن نطاق هذا العلم في تغير مستمر.

– يعتبر «أرسطو» الاقتصاد علم إدارة البيت (من حيث النفقات بالطبع).

دراسة تأثير الأخلاق في الاقتصاد في التاريخ

كان علم الاقتصاد قبل عصر النهضة (1453 م) فرعًا من العلوم الإنسانية، ومنها الأخلاق واللاهوت، وكانت تعاليم هذا العلم تُعد من تفكيرات أرسطو والكنيسة التي كانت بلا شك مزيجًا من الأخلاق.

وقد لقب أرسطو بحق بـ«المعلم الأول». فهو الذي صنف العلوم لأول مرة، ولم يشر إلى الاقتصاد، لكنه تحدث عن السياسة والأخلاق.

دافع أرسطو عن الملكية الخاصة وانتقد الملكية المشتركة. كما حرّم الربا وميز بين «القيمة الاستعمالية» و«قيمة المبادلة».

تأتي آراء أرسطو في كتاب السياسة، وهي دائمًا مشبعة بالقضايا الأخلاقية. وقد روجت المدرسة السكولاستية، التي أحيانًا تُعتبر مدرسة اقتصادية أيضًا، للمبادئ الاقتصادية على أساس تفكيرات أرسطو والمبادئ الدينية الكاثوليكية، باعتبارها مدرسة أخلاقية وقيمية.

وفي الشرق، كانت أفكار العلماء المسلمين مثل: ابن خلدون (1332‌-1406 ه ق) وأبو نصر الفارابي في مجال الاقتصاد تحمل طابعًا أخلاقيًا.

مع ظهور عصر النهضة و إبداء آراء «ديكارت»، لا سيما في التمييز بين الحكمة النظرية والحكمة العملية وجملته الشهيرة: «أنا أفكر، إذن أنا موجود»، تحوّل مسار المعارف والعلوم من أُطُرها التقليدية إلى مسار أفكار الإنسانية، واستقلّت مجالا الاقتصاد والأخلاق.

يقول «السير إيزايا برلين»: «طالما كان الاقتصاد مختلطًا ببعض الافتراضات الميتافيزيقية، كان جزءًا من الفلسفة، لكنه تدريجيًا أصبح أو سيصبح مجالًا مستقلاً.»[34]

وقد أُطلق نداء انفصال الأخلاق عن الاقتصاد في تأسيس مدرسة التجارة (المركانتيلية) في القرن الخامس عشر. وكانت مبادئ هذه المدرسة تتمثل في الحصول على الذهب والفضة والاحتفاظ بهما كثروة وقوة اقتصادية للهيمنة، مع أنه كان من المتوقع أن تتأسس المدارس الاقتصادية مصحوبة بصبغة أخلاقية. يقول الشهيد الصدر في هذا الصدد:

«المدرسة الاقتصادية هنا تطلق على كل قاعدة اقتصادية ترتبط بفكرة العدالة الاجتماعية. علم الاقتصاد يشمل كل نظرية تفسر الأحداث الاقتصادية الواقعية بعيدًا عن أي فكر عدلي مسبق الذهن. ومن ثم، فإن مفهوم العدالة هو الحد الفاصل بين المدرسة والعلم، ويمثل مؤشرًا يميز الأفكار المدرسية عن النظريات العلمية.

مفهوم العدالة بحد ذاته لا يحمل صفة علمية، ولا يمكن ملاحظته أو اختباره بالأدوات العلمية، بل هو إدراك أخلاقي.»[35]

عرّف آدم سميث (1723-1790 م) الاقتصاد كعلم، وبدأ منه الاقتصاد الحديث. ففي عام 1759م، كتب كتابًا بعنوان «نظرية المشاعر الأخلاقية». هذا الكتاب يتناول القواعد الأخلاقية التي تحافظ على تماسك المجتمع. لا يقرأ الاقتصاديون هذا الكتاب ولا يربطونه بكتابه الآخر «بحث في طبيعة وأسباب ثروة الأمم» الذي كتب عام 1776م، لكن المهم أن سميث كان أستاذ كرسي الأخلاق في جامعة غلاسكو، رغم الادعاء بأنه عبّر عن نظرية معادية للأخلاق في قوله: «ليس من خلال إحسان الجزار أو صانع الجعة أو الخباز نحصل على طعام عشاءنا، بل لأن كل واحد منهم يفكر في مصلحته الشخصية.»[36]

يكتب البروفيسور حيدر نقوي عن العوامل التي أثرت في نسيان الدور الأخلاقي في الاقتصاد: «ربما يجب أن نعزو ذلك إلى روح العصر؛ الروح التي حركت الاقتصاديين منذ زمن سميث (1776م). ذلك آدم سميث الذي كان أستاذ فلسفة الأخلاق ودافع عن انفصال الاقتصاد عن الأخلاق. الانفصال الذي أعلنه روبينز رسميًا كطلاق في عام 1932م. وفي عام 1981م، أعلن ستيجلر: “نادراً ما يحدث أن يولي الاقتصاديون اهتمامًا للأخلاق عندما يتحدثون عن النظرية الاقتصادية أو السلوك الاقتصادي. والسبب في ذلك أن الإنسان بطبيعته يسعى إلى تعظيم منفعة نفسه؛ سواء كان في المنزل أو في المكتب، في القطاع العام أو الخاص، في الكنيسة أو المختبر، وباختصار في أي مكان.” وفي هذا السياق أضاف: “دعونا نتوقع نتيجة تجربة منظمة وشاملة في حالة تعارض المصلحة الشخصية مع القيم الأخلاقية؛ ففي معظم الأحيان تنتصر النظرية الشخصية (التي شرحتها في مدرسة سميث).”»[37]

هذا الرأي لا يزال مؤثرًا في مسار المدارس الاقتصادية ذات النظرة الأخلاقية، لكن تقسيم الاقتصاد إلى قسمين: الاقتصاد الوصفي والاقتصاد الإرشادي، أعطى للأخلاق وجهة أخرى.

الاقتصاد الوصفي[38] أو الإيجابي أو التحصيلي، هو الاقتصاد الذي تُدرس فيه النظريات والمتغيرات والقضايا الاقتصادية كما هي، دون مناقشة القيم والأبعاد الأخلاقية. في الحقيقة، الاقتصاد الوصفي هو مجموعة المعارف الاقتصادية.

الاقتصاد الإرشادي[39] أو المعياري، هو الاقتصاد الذي يتحدث عن كيفية كون المتغيرات والقضايا الاقتصادية ويمنحها صبغة أخلاقية وقيمية.

في الحقيقة، كان هذا التقسيم للاقتصاد اعترافًا رسميًا بالأخلاق في العالم الحديث، لكن يبقى السؤال الأساسي: «هل يجب أن تصل الأخلاق إلى كلا المجالين: الاقتصاد الوصفي والاقتصاد الإرشادي؟»

أجاب مذهب كينز (الذي تأسس عام 1936م) بقيادة جون مينارد كينز واقتصاديين آخرين مثل بول سامويلسون، عن هذا السؤال بطريقة مختلفة. كان كينز يرى نظام الاستثمار مرادفًا للمالكية والجشع الشخصي وسببًا للانحطاط الأخلاقي، فاقترح أن يُدار بحكمة من قبل الدولة ليُخدم الأهداف الأخلاقية السامية.[40]

حتى أن اقتصاد التنمية، وهو أحدث أشكال الاقتصاد، له من حيث الجوهر طبيعة أخلاقية عميقة بحسب البروفيسور حيدر نقوي، رغم أن مؤسسي اقتصاد التنمية الأوائل – لأنهم كانوا يفكرون في النمو السريع – لم يعالجوا مسألة إعادة توزيع الدخل والثروة لتحقيق المساواة.[41]

سواء في اقتصاد الرفاهية حيث تقوم الدولة كصانعة للسياسات بتحويل تجارب الاقتصاد «الإيجابي» إلى اقتصاد «معياري»، أو في اقتصاد التنمية الذي تنفذه الدولة بسبب اتساع برامجه وحاجته إلى رأس مال كبير، فإن دور الدول في عملية الحكم الأخلاقي والاقتصادي مهم.

العلماء الأخلاقيون، ومنهم أفلاطون، باستثناء الحالات التي تؤدي إلى تشكيل حكم النخبة والمثقفين، والعلماء الشيعة مثل الإمام الخميني (ره) باستثناء الحالات التي تؤدي إلى تشكيل حكم ولاية الفقيه، أو علماء مثل الإمام محمد الغزالي، كانوا في الأصل يشككون في الحكومة والدولة. وبالطبع، هناك دائمًا هذا الاعتراض القائم بأن الاقتصاديين يعارضون تدخل الدولة في الاقتصاد لأن ذلك يخلق الريع، والعلماء الأخلاقيون يعارضون ذلك لأن الريع يؤدي إلى الفساد.

في عصر الاقتصاد الحديث، قدم «أمارتيا سن» – الاقتصادي الهندي الحائز على جائزة نوبل عام 1999 – أهم نظرية تربط بين الأخلاق والاقتصاد.

وكان السبب الأهم لمنحه جائزة نوبل هو «نظرية الاختيار الجماعي» التي حاولت إعادة النظر في سؤالين أساسيين في الاقتصاد؛ سؤالين يتعلقان بمقارنة رفاهية فردين. وهو، بنظرة أخلاقية، يتألم من أن المخططين الاقتصاديين في العالم لا يميزون بين احتياجات الفقراء الأساسية وبين السلع الفاخرة الضرورية لأنفسهم.

يدعي أن الاقتصاد الحديث قد أخذ مسافة جدية ومهمة من الأخلاق، مما أدى إلى إضعاف علم الاقتصاد أيضًا. ومع ذلك، فإن الجزء من الاقتصاد الذي اهتم بالأخلاق، للأسف، توصل إلى استنتاجات خاطئة؛ على سبيل المثال، افترض أن «السلوك العقلاني» للإنسان الاقتصادي هو نفسه «السلوك الحقيقي» له.[42]

ويعتقد الشهيد مطهري أيضًا أنه يجب وضع مبادئ أولية لعلم الاقتصاد تكون غير محل خلاف. وهذه المبادئ التي يراها الشهيد مطهري هي:

1. العدل والمساواة؛

2. تجنب الاستغلال؛

3. مسألة الحقوق الطبيعية والفطرية للإنسان.

ويعتبر هو بالذات مبدأ «مسألة الحقوق الطبيعية والفطرية للإنسان» مقدمًا على باقي المبادئ؛ لأن مبدأ العدالة وتجنب الاستغلال يجب أن ينبع أيضًا من المبادئ الأولية للحقوق الطبيعية وغير الطبيعية. فالعدل وتجنب الطمع من الفضائل الأخلاقية الأساسية، فضلاً عن أن الأخلاق من أبعاد شخصية الإنسان وتقع ضمن إطار الحقوق الطبيعية والفطرية للإنسان.

وقد اعتبر الشهيد مطهري في كتابه «نظرة إلى النظام الاقتصادي الإسلامي» أن الاقتصاد لا ينفصل عن الأخلاق، ويرى ارتباط الإسلام بالاقتصاد بطريقتين؛ الأولى «الارتباط المباشر» الذي يتم عبر الأحكام الاقتصادية المتعلقة بالملكية، والتبادلات، والضرائب، والوقف، والصدقة، والعقوبات المالية، والميراث، والثانية «الارتباط غير المباشر» حيث تتوسط الأخلاق؛ أي في هذا الارتباط، يوجه الإسلام الناس إلى أمور مثل: الأمانة، والعدل، والإحسان، والإيثار، ومنع السرقة، ومنع الخيانة والرشوة. كل هذه المسائل تقع في إطار الاقتصاد والأخلاق.

إثبات فرضية «تأثير القيم الأخلاقية في الاقتصاد»

1- الأدلة الوحيّة

القرآن الكريم، كدليل للبشر في إطار رسالته، لا يركز على وصف المسألة أو إثباتها فقط، بل يركز على جانبها القيمي. وبعبارة أخرى، فإن آيات الله في القرآن الكريم تدخل في هذا المجال من الاستدلال بحيث إذا خطرت في ذهن الإنسان أدنى شك أو شبه في رفض فرضية «تأثير القيم الأخلاقية في الاقتصاد» أو وُجدت خلفية تاريخية أو أقوال من المفكرين والفلاسفة في رفض الفرضية، فإن القرآن يختتم النقاش ببيان أن «القيم الأخلاقية يجب أن تؤثر في الاقتصاد» أو أن الواجب والرسالة الإنسانية، بل الهدف من خلق الإنسان، هو «إحداث تأثير القيم الأخلاقية في الاقتصاد»، فيقول:

(مَن عَمِلَ صالِحاً مِن ذَكَرٍ أَو أُنثي وَ هُوَ مُؤمِنٌ فَلَنُحيِيَنَّهُ‌ حَياةً‌ طَيِّبَةً وَ لَنَجزِيَنَّهُم أَجرَهُم‌ بأَحسَنَ‌ ما كانُوا يَعمَلونَ)[43]

«من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن، فسنحيينه حياة طيبة، ولننجِّهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون.»

لقد ذُكرت معانٍ وتفسيرات مختلفة لـ«الحياة الطيبة»، لكنها جميعًا تعود إلى التأثير والتفاعل بين الماديات والمعنويات، والاقتصاد والأخلاق، وتستحضر بطريقة ما التمازج والوحدة بين الدين والاقتصاد أو الأخلاق الدينية والاقتصاد أو الأخلاق والاقتصاد، مع فرضية أن الجزء الأكبر من الدين هو الأخلاق.

(خُذ مِن أَموالِهِم صَدَقَةً تُطَهِّرُهُم وَ‌ تزَكّيهِم بها وَ صَلِّ عَلَيهِم إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُم وَ ٱللّهُ‌ سَميعٌ‌ عَليمٌ‌)[44]

«خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها، وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم، والله سميع عليم.»

تشير هذه الآية إلى مسألة تاريخية، لكن ذلك الحدث وتعميم معاني الآية يبيّن بشكل صحيح تأثير القيم الأخلاقية والاقتصاد، كما يوضح رسالة النبي في تطهير الأموال والاقتصاد بواسطة الصدقة التي هي قيمة أخلاقية.

وقد كتبوا سبب نزول هذه الآية كما يلي:

أبو لبابة الأنصاري مع اثنين أو أكثر من أصحاب النبي امتنعوا عن المشاركة في غزوة تبوك، ولكن عندما سمعوا الآيات التي تذم المتخلفين، حزنوا كثيرًا وندموا وربطوا أنفسهم بأعمدة مسجد النبي. وعندما عاد النبي (ص) من الجهاد واستفسر عن حالهم، قالوا: «لقد أقسموا ألا يفكوا أنفسهم من الأعمدة إلا إذا فعل النبي ذلك.» فقال النبي (ص): «وأنا أيضًا أقسمت ألا أفعل ذلك إلا إذا أذن لي الله.» ثم نزلت هذه الآية وقبل الله توبتهم، وفك النبي (ص) عنهم الأعمدة. ولشكر هذه المغفرة، قدموا كل أموالهم للنبي (ص) وقالوا: «هذه هي الأموال التي بسبب تعلقنا بها منعونا من المشاركة في الجهاد، فاقبلها وأنفقها في سبيل الله.» فقال النبي (ص): «لم تنزل علي بعد آية في هذا الأمر.» ولم يمض وقت طويل حتى نزلت الآية 103.[45]

هذه الآية، بحسب جميع المفسرين، مليئة بالقضايا الاقتصادية والأخلاقية. في المرحلة الأولى تشير إلى أموال أَبُو لَبّابة وعدد من أصدقائه الذين، حسب اعترافهم، حالوا دون تحقيق القيم الأخلاقية مثل الدفاع عن الإيمان وكرامة المسلمين في غزوة تبوك. بل في تفسير مجمع البيان، نقل عن الإمام محمد الباقر(ع) أن أَبُو لَبّابة وقع في رذيلة الخيانة والزلل الأخلاقي، وقال لليهود المعتدين: “اعلموا أنه إذا استسلمتم فستموتون”، وقد فسّرها المجاهد كذلك.

القيم الأخلاقية الأخرى التي أكدت عليها هذه الآية هي: الصدقة، الإنفاق، الدعاء، تطهير الأموال ونموها نتيجة الطهارة.

في القرآن الكريم، توجد آيات متعددة أخرى تعبر عن وحدة القيم الأخلاقية والاقتصاد. هذه المسألة تبين أن الاقتصاد يجب أن يصاحب القيم الأخلاقية ليكون فعالاً ومحموداً.

الآيتان 10 و11 من سورة سبأ تتحدثان عن توفير الإمكانات الاقتصادية للنبي داود(ع)، والآيتان 12 و13 منهما تتحدثان عن النبي سليمان(ع)، والآيات 95 إلى 98 من سورة الكهف تذكر ذو القرنين، وتثني عليهم لأسباب منها اعتبار المال من عند الله ومن فضله.

وكذلك في الآية 273 من سورة البقرة، يذكر الله الفقراء الذين بسبب شدة تقواهم وأخلاقهم الحسنة – وهم الذين لا يعلم الناس بفقرهم – يظنهم الأغنياء. وقد أثنى الله على هؤلاء الفقراء ودعا الناس لمساعدتهم.

في تفسير النور، من الاستنتاجات التي وردت من الآية 273 أن الفقراء العفيفين الطاهرين أصحاب الكرامة هم محل مدح الله، ومن جهة أخرى، الفقر بحد ذاته ليس محل مدح، بل الذين يستطيعون تأمين معيشتهم بالسفر والهجرة لا ينبغي أن ينتظروا الصدقة؛ أي استنتج أن التسول مذموم.

في آيات القرآن، جاءت كلمتا «الصلاة» و«الزكاة» – باستثناء ثلاث آيات – متلازمتين، منها: الآيات 43، 83، 110، 177 و277 من سورة البقرة، الآية 162 من سورة النساء، الآية 12 من سورة المائدة، الآية 156 من سورة الأعراف، الآيات 5، 11، 18 و17 من سورة التوبة، الآيتان 31 و55 من سورة مريم، الآية 73 من سورة الأنبياء، الآيتان 41 و78 من سورة الحج، الآية 4 من سورة المؤمنون، الآيتان 37 و56 من سورة النور، الآية 3 من سورة النحل، الآية 4 من سورة لقمان، الآية 33 من سورة الأحزاب، الآية 13 من سورة المجادلة، الآية 20 من سورة المزمل، الآية 5 من سورة البينة، والآية 7 من سورة الماعون. تُذكر كلمة «الزكاة» كظاهرة اقتصادية، وكلمة «الصلاة» كفريضة دينية تمثل استمرار القيم الأخلاقية في فكر الإنسان. كلمة «الزكاة» تحمل عبئاً عظيماً من القيم الأخلاقية والظواهر الاقتصادية، فهي في الحقيقة مال وثروة وظاهرة اقتصادية تطهرت ونُقّيت بأبرز القيم الأخلاقية كالعدل والمساعدة على الآخرين.

كل هذه الآيات تدل على تأثير الأخلاق والاقتصاد، وأن الاقتصاد يجب أن يُزيّن بالقيم الأخلاقية (الدينية).

(رِجالٌ لاتُلهيهِم تِجارَةٌ‌ وَ‌ لابَيعٌ‌ عَن ذِكرِ ٱللّهِ وَ إِقامِ ٱلصَّلوةِ وَ‌ إيتاءِ‌ ٱلزَّكوةِ‌ يَخافونَ‌ يَوماً‌ تَتَقَلَّبُ‌ فيهِ ٱلقُلوبِ وَ ٱلأَبصارُ)[46]

«رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار.»

تتحدث هذه الآية عن أشخاص لم تمنعهم المسائل الاقتصادية من تجلّي القيم الأخلاقية والروحية في وجودهم.

ويستنتج تفسير النور من هذه الآية أن السعي وراء الاقتصاد بدون ذكر الله (خالق القيم الأخلاقية) لا قيمة له، وأن بقاء واستمرار وقبول الأعمال الاقتصادية مرتبط بإعطاء القيم الأخلاقية أهميتها.

يقول الله في الآية 27 من سورة المائدة:

(إِنما يَتَقَبَّلُ ٱللّهُ مِنَ ٱلمُتَّقينَ(

«إنما يتقبل الله من المتقين.»

بناءً على هذه الآية وبتعبير الإمام علي(ع)، يمكن للاقتصاد أن ينمو ويتطور ويستمر فقط إذا رافقه القيم الأخلاقية (التقوى).

هذه المسألة لا تثبت فقط في معرفية الأخلاق والاقتصاد في إطار الدين، بل حتى المفكرون غير الدينيين وغير المسلمين، ومنهم كانط، أعطوا أهمية كبيرة لدور الدافع في إطار مذهبهم الأخلاقي.

2- الأسباب العقلانية

الاستدلال والتحليل العقلي يشير إلى مجموعة من الأسباب والتبريرات وحتى القيم والمعارف التي يمكن أن تكون أساساً للحكم والتفكير العقلاني لدى المفكرين.

يشمل هذا الاستدلال والتحليل نطاقاً واسعاً من الأسباب التجريبية التي تُختبر بالتجربة والاختبار، وصولاً إلى الأسباب الإيمانية (العقل الإيماني) التي تقدّم الإيمان على العقلانية.

أ) الإنسان

«الإنسان» ليس فقط مفهوماً أساسياً مشتركاً بين مجالي الأخلاق والاقتصاد، بل هو موضوع مشترك لهما.

معرفية الإنسان من البعد الروحي المرتبط بالقضايا الأخلاقية، ومن البعد الجسدي المرتبط بالقضايا الاقتصادية، تعزز هذا الاستدلال بأن هناك أسباباً عقلانية لتأثير القيم الأخلاقية في الاقتصاد.

جميع المذاهب الدينية التي تسعى إلى تفسير الإنسان الكامل، أظهرت الإنسان من الناحيتين الاقتصادية والأخلاقية. إنسان مثل الإمام علي(ع) في مجال الاقتصاد والعمل والجهد بذل جهداً عظيماً حتى إن الآبار التي حفرها لري النخيل قبل أربعة عشر قرناً ما زالت قائمة، وكرامته الأخلاقية في قصة مبارزته مع عمرو بن عبدود ما زالت خالدة.

الإنسان كائن اجتماعي، وكما يقول ميردال: «الأمر الاجتماعي، سواء في المجال النظري أو في مجال التنفيذ والعمل، مليء بأنواع التشابك مع الأمور القيمية والأخلاقية.»[47] غوردون ألبورت، عالم النفس الأمريكي الشهير، يقول في دور النظام القيمي في الشخصية وحياة الإنسان:

«نعلم أن الإنسان البالغ والسليم ينمو تحت سيطرة وتأثير نظامه القيمي، وحتى إذا لم يتحقق الوصول إلى الأماني بشكل كامل، فإنه يتمنى تحقيقها ويختار إدراكاته وفقًا لمثل هذا النظام.»[48]

ب) العقلانية

العقلانية من المفاهيم الأساسية المشتركة بين الأخلاق والاقتصاد. في النظرة الأولى قد يبدو الأمر غير ذلك، ولكن بسبب طبيعتها تحتاج إلى تأمل عميق.

في فلسفة الأخلاق، تُنسى العقلانية بسبب استقرار الخلق والطبع. في الحقيقة، العقلانية هي التي تختار في النظرة الأولى الخلق والطبع والقيم السامية وتجعلها ملكة نفسية للإنسان.

العقلانية في الاقتصاد أيضًا شرط مسبق للحرية والاختيار لدى الإنسان، وجميع التحليلات الاقتصادية مبنية على الإنسان العقلاني.

في تاريخ الفكر الاقتصادي، كان هناك غموض حول العقلانية في مجال الاقتصاد والأخلاق، وقد قُدمت إجابات مقنعة لهذا الأمر. على سبيل المثال، طرح غوتييه سؤالًا: «هل يمكن للفرد أن يكون لديه سبب ليكون أخلاقيًا أم لا؟» في مناظرة، أجاب أمارتياسن، الأستاذ والحائز على جائزة نوبل عام 1999، وكورت ساير، على هذا السؤال بحجة «اختيار التفضيلات ذات المراحل العليا».[49]

في النقاشات الاقتصادية، على سبيل المثال، ذُكر «الركوب المجاني» وقيل إن قبوله، رغم أنه يبدو عقلانيًا ظاهريًا، إلا أنه لا يبدو أخلاقيًا. والسبب في عدم أخلاقيته له جذور عقلانية حقيقية، ولكن مع التأمل العميق، تصبح الأخلاق مرادفة للعقل.

موضوع العقلانية له جذور تاريخية في النقاشات الأخلاقية. النقاش حول حسن وقبح العقلاني والشرعي بين المعتزلة والأشاعرة بدأ في القرن الثالث الهجري وما زال مستمرًا وسيستمر.

يقول جون هارزلي[50]: «علم الأخلاق بشكل عام هو نظرية للسلوك العقلاني في خدمة المصالح المشتركة للمجتمع.»

ج) العدالة

العدالة كموضوع عام كانت من هموم الإنسان الأساسية منذ بداية الحياة وتشكّل الحضارات. هذا الموضوع شغل ذهن جميع المفكرين في العالم في جميع المجالات المعرفية وحتى الفقراء والمستضعفين. العدالة من المبادئ الفطرية المتأصلة في فطرة الإنسان. يقول الإمام الخميني(ره) في هذا الصدد: «من الفطريات الإلهية التي هي كامنة في جوهر الإنسان حب العدل.»

في فلسفة الأخلاق، العدالة هي فضيلة الفضائل. بمعنى أنه إذا اعتبرنا الفضائل الثلاث الرئيسية هي الحكمة، والشجاعة، والعفة، فإن توازن هذه الفضائل الثلاث هو العدالة.

في الاقتصاد أيضًا، موضوع «العدالة» حظي بأكبر تركيز فكري من قبل المفكرين. في رواية منسوبة إلى الرسول(ص):

«الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم.»[51]

«الملك يدوم مع الكفر، لكنه لا يدوم مع الظلم.»

في هذا الصدد، يقول الأستاذ مطهري:

«في القرآن، من التوحيد إلى المعاد، ومن النبوة إلى الإمامة والزعامة، ومن الأهداف الفردية إلى الأهداف الاجتماعية، كلها قائمة على محور العدل. عدل القرآن، جنبًا إلى جنب مع التوحيد، هو ركن المعاد، وهدف التشريع في النبوة، وفلسفة الزعامة والإمامة، ومعيار كمال الفرد ومقياس صحة المجتمع.»[52]

من هذه الناحية، حيث أن العدل من وجهة نظر أخلاقية هو فضيلة الفضائل، ومن الناحية الاقتصادية هو من أهم المبادئ والقيم والأهداف، هناك تشابه.

العدالة هي تجلٍ للفضائل الثلاث الرئيسية الحكمة، والشجاعة، والعفة في فلسفة الأخلاق، وفي الاقتصاد جميع المدارس تعتبرها هدفًا رئيسيًا، رغم وجود اختلافات في تطبيقات العدالة.

جان رولز، هيوم، الشهيد صدر، أمارتياسن، ابن خلدون، طالقاني والعديد من مفكري العالم الإسلامي والغربي قد عرفوا المتغير المركزي في العدالة بطرق مختلفة.

الاستدلال العلمي والتجريبي

المقصود بالاستدلالات العلمية والتجريبية هي تلك التي تم الحصول عليها من خلال الاختبارات العلمية، مثل التحليل الرياضي، الانحدار، الاقتصاد القياسي أو تجارب البشر أو الأحداث والوقائع التي حدثت، والتي يمكنها أن تثبت بتأكيد عالٍ جدًا تأثير القيم الأخلاقية في الاقتصاد.

أ) تجارب البشر

القرآن الكريم يذكر تاريخ العديد من الأقوام والشعوب التي كان مصيرها متأثرًا بقيمها الأخلاقية-الاقتصادية. العديد من هذه الأقوام والشعوب بعد التخلي عن الفضيلة الأخلاقية في أنظمتها الاقتصادية أو سيطرة الرذائل الأخلاقية، دُمرت وانقرضت، أو على العكس، من تأثير الفضائل الأخلاقية في الاقتصاد، وصلت إلى الرفعة والتنمية والرفاهية.

على الرغم من أن هذه التجارب التاريخية واختبار تأثير القيم الأخلاقية في الاقتصاد التي حدثت عمليًا وأُعلنت عبر الوحي، قد لا تكون مقبولة على الأرجح لغير المؤمنين، إلا أنها حظيت بتأييد المؤرخين والمتخصصين في العلوم البيولوجية، ويمكن أن تُعتبر الآثار التاريخية والثقافية المتبقية منهم دليلًا في مرتبة الأدلة العقلية-الفلسفية.

ب) الاختبارات العلمية

المقصود بالاختبارات العلمية هو الاستدلال الذي يثبت فرضية «تأثير القيم الأخلاقية في الاقتصاد» من خلال العلاقات الرياضية والانحدار. على سبيل المثال، أُجريت دراسات وأبحاث حول تأثير سعر الفائدة في الاقتصاد (وجود الربا في المجتمع) أظهرت أن عنصر الرذيلة أو اللا أخلاقية «الربا» كان مؤثرًا في زيادة البطالة أو تقليل النمو الاقتصادي، أو كان له تأثير سلبي على الموارد غير المتجددة.

يعتبر الشهيد مطهري «الربا» أشد أشكال علاقة العمل ورأس المال ظلمًا.[53] في الحقيقة، يحذر من أن لا يهيمن رأس المال على قوة العمل وكذلك على شخصية الإنسان الذي هو «أحسن الخالقين». في هذه الحالة، الأخلاق التي هي خلق الإنسان وطبعه، تقع تحت سيطرة نفوذ رأس المال.

وبناءً على رواية الإمام الرضا(ع) التي قال فيها: «الربا سبب في سقوط العمل الصالح (إعطاء القرض للمحتاجين)»،[54] فالربا رذيلة أخلاقية.

وفي رواية عن محمد بن سنان، عن قول الإمام علي بن موسى الرضا(ع) جاء أن الربا حُرّم لأنه منشأ للفساد والظلم، ونعلم أيضًا أن الظلم له قبح عقلي وهو عمل ضد الأخلاق.[55]

1. بحث الدكتور توتونجيان:[56] في بحث أجراه، حاول مقارنة الآثار الاقتصادية لعمليات المصرفية الإسلامية مع المصرفية الرأسمالية في دولتين. افترض أن هاتين الدولتين متشابهتان والفرق الوحيد هو «الربا» في كل منهما. في الدولة ذات النظام الإسلامي، الطلب على المال لأغراض تجارية، أما في النظام الرأسمالي، فالطلب على المال تابع للمضاربة والاحتفاظ بالمال. وبعد تحديد الوضع الأولي للنظامين واستخدام دالة كوب دوغلاس وبعد دورتين من الدراسة، توصل إلى أن التوظيف في النظام الإسلامي يزيد أكثر من النظام الرأسمالي.

2. نموذج جيمس توبين:[57] توصل توبين في تحليله الرياضي للاستثمار إلى علاقة تختلف قليلاً عن العلاقة التي وجدها سولو. وبعد الدراسة والتحليل الرياضي، استنتج أنه لتحقيق التوظيف الكامل يجب أن يكون سعر الفائدة صفرًا، وإلا فإن التوازن سيتزعزع.

3. وجهة نظر فريدمان:[58] يرى فريدمان (1912-2007 م) أن أفضل قاعدة للسياسة النقدية هي التي لا تؤدي إلى زيادة الأسعار نتيجة للنمو النقدي الناتج عنها. الشرط الضروري والكافي لعدم تسبب النمو النقدي في زيادة الأسعار هو وجود سعر فائدة اسمي يساوي صفرًا، وقد أظهر ذلك من خلال التحليل والاختبار.

3- الأدلة التاريخية

تركيب المجتمعات تابع للظروف السائدة في موقعها الزمني، لكن بعض الأحداث التاريخية يمكن أن تثبت فرضيات باستخدام المحاكاة، وتعممها على فترات أخرى وتُقبل كدليل.

على مر التاريخ، نشأت واندثرت العديد من المجتمعات والأقوام، لكن انقراض بعضهم رغم توفر الإمكانيات الواسعة والموارد المالية ووجود أشخاص محاربين وفعّالين، كان أمرًا غير معقول. من خلال دراسة عميقة وباستخدام الأدلة التاريخية والوحيانية، نصل إلى أن السبب الوحيد لسقوط وانقراض هذه المجتمعات والأقوام هو «عدم تأثر الاقتصاد بالأخلاق». فيما يلي يتم دراسة مثالين منهما.

أ- قوم سبأ[59]

وفقًا لنقوش آخر ملك أور المسمى أراد نانار، ذُكر اسم «سابوم» الذي يُحتمل أن يكون المقصود به قوم «سبأ» الذين تأسسوا قبل 2500 سنة قبل الميلاد. كما تشير نقوش الملك سرجون الثاني إلى دول تدفع له الضرائب، ومن بين هذه الدول قوم «سبأ» الذين تأسسوا قبل 705 سنة قبل الميلاد.

في التاريخ، ذُكر قوم سبأ كأمة ذات حضارة. كان لهم نشاط تجاري كبير، ومن النقوش يتضح أنهم كانوا دائمًا يفكرون في النمو والازدهار والبناء.

من أعظم آثارهم «سد مأرب» الذي يدل على مستوى التكنولوجيا لديهم. كان هذا السد يُستخدم لري المناطق الزراعية التي تبلغ مساحتها حوالي 9600 هكتار. كان ارتفاع السد 16 مترًا وعرضه 620 مترًا وسمكه 6 أمتار. كان لديهم أكبر جيش وقوة عسكرية في المنطقة، وقد أشار القرآن إليه في سورة النمل، الآية 33. كان قوم سبأ يتمتعون بثقافة غنية.

يذكر القرآن في آيات نعمة هذا القوم:[60]

(لَقَد كانَ لِسبَإٍ في‌ مَسكَنِهِم‌ آيَةٌ جنَّتانِ عن يَمينٍ وَ شِمالٍ كُلُوا مِن رِزق رَبكُم وَ ٱشكُرُوا لَهُ بَلدَةٌ‌ طَيِّبَةٌ‌ وَ رَبٌّ غَفورٌ)[61]

«لقد كان لقوم سبأ في مساكنهم آية: جنتان من اليمين والشمال. كلوا من رزق ربكم واشكروا له، بلد طيبة ورب غفور.»

ولكن كما تشهد الأدلة التاريخية والآيات الوحيانية، فقد أهلك الله هذا القوم بسبب كفرهم وعدم شكرهم وابتعادهم وتكبرهم، بإرسال طوفان مدمر:

«فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَي أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ»[62]

«فانصرفوا عليهم سيل عرم، وجعلنا جنّتيهما جنّتين ذواتي أكلٍ مرٍّ وملحٍ وقضبٍ ضامرٍ.»

في كتاب «الكتاب المقدس الصادق»، تأليف ورنر كلر (وهو مسيحي) جاء فيه: «النتائج العلمية الدقيقة والدراسات التاريخية تثبت وقوع الفيضان الذي أشار إليه القرآن.»

ب- قوم السبت

أصحاب السبت هم قوم من بني إسرائيل كانوا يسكنون في مدينة «أبله» بالأمس و«إيلات» اليوم، على شاطئ البحر الأحمر. هذا القوم أيضًا هلك بسبب «عدم تأثير الأخلاق في الاقتصاد».

وفقًا لبعض الروايات، دعا موسى (عليه السلام) بني إسرائيل لاحترام يوم الجمعة، وهو سنة إبراهيم، لكنهم رفضوا ذلك بحجة وفضلوا يوم السبت. جعل الله لهم يوم السبت، لكنه كان مصحوبًا بشدة في التطبيق وقيود. حتى في هذا اليوم الذي اختاروه، اختلف اليهود؛ ففريق منهم أكرمه واحترمه، وفريق آخر خرق حرمته وانشغل بالتجارة فوقعوا في العقاب الإلهي.[63]

ما يتضح من آيات القرآن والأحاديث والتفاسير المختلفة أن هذا القوم بعلم ووعي نقضوا عهدهم (وهو أمر أخلاقي) مع الله، مما أدى إلى هلاك قومهم.

4- الأدلة الروائية (النقلية)

الأدلة الروائية تضع نقطة تحولها في شخصية الراوي، وترى أنه في وضع يكون فيه قوله وكتابته كدليل عقلي مقبول، ولا تحلل المسألة قيد البحث كثيرًا.

سيرة حياة هذه الشخصيات يمكن أن تكون، مثل أقوالهم، دليلاً يُستشهد به.

الأدلة الروائية والسير الذاتية، لأنها تعتمد على مشاعر وشخصيات الأفراد، تشبه الأدلة الشهودية التي لا يمكن نقلها أو شرحها للآخرين، فهي قائمة على الفرد، لكنها تمتلك دعامة قوية للاستدلال للفرد نفسه.

الأنبياء والأئمة كانوا أشخاصًا دائمًا مقبولين من عامة الناس، وأقوالهم وسيرتهم تُعتبر أدلة علمية مقبولة.

وردت أحاديث وروايات كثيرة عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) تبيّن تأثير القيم الأخلاقية في الاقتصاد لأتباعه وللإنسانيّة الحرة.

الروايات

روى مسلم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله:

«إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ.»[64]

«إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي.»

«إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُدْخِلُ بِلقمةِ الخُبْزِ وقبضةِ التمرِ ومثلِه ممَّا يُنْفِعُ المِسْكِينَ ثلاثةَ الجنَّةَ: صاحبَ البيتِ الآمرِ بهِ، والزوجةَ المصلحةَ، والخادمَ الذي يُناوِلُ المِسْكِينَ.»[65]

«يدخل الله بثلاثة إلى الجنة بواسطة لقمة خبز وقبضة تمر وما شابه ذلك مما ينفع الفقير: صاحب البيت الذي يأمر بذلك، والزوجة التي تُعدّه، والخادم الذي يعطيه للمسكين.»

– «كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا.»[66]

«يكاد الفقر أن يكون كفرًا.»

– «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا وَأَلْبِسُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ.»[67]

«كلوا واشربوا وتصدقوا ولبسوا من غير إسراف ولا تكبر.»

– «لِيُبَشَّرْ فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْفَرَاغِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِمِقْدَارِ خَمْسِ مِئَةِ عَامٍ، هَؤُلَاءِ فِي الْجَنَّةِ يَنْعَمُونَ وَهَؤُلَاءِ يُحَاسَبُونَ.»[68]

«بشر فقراء المؤمنين بالفراغ يوم القيامة قبل الأغنياء بمقدار خمسمائة عام، هؤلاء في الجنة ينعمون وهؤلاء يُحاسبون.»

– «ثَلَاثٌ فِيهِنَّ الْبَرَكَةُ: الْبَيْعُ إِلَى أَجَلٍ، وَالْمُقَارَضَةُ، وَإِخْلَاطُ الْبَرِّ بِالشَّعِيرِ لِلْبَيْتِ لا لِلْبَيْعِ.»[69]

«ثلاثة فيهن البركة: البيع الآجل، والقرض، وخلط القمح بالشعير للاستهلاك لا للبيع.»

– «مَا مِنْ عَمَلٍ أَفْضَلَ مِنْ إِشْبَاعِ كَبِدٍ جَائِعٍ.»[70]

«لا عمل أفضل من إشباع بطن جائع.»

آراء الشهيد الصدر

الشهيد العظيم سيد محمد باقر الصدر (رحمه الله) الذي تزّين بالأخلاق الإسلامية، أظهر في كتابه «اقتصادنا» تأثير القيم الأخلاقية في الاقتصاد، حيث إن أعظم مسؤولية أخلاقية للباحث هي اكتشاف وتفسير القوانين المتعلقة بموضوع ما. التفسير والبحث والدراسة العميقة في هذا الكتاب تظهر أن القيم الأخلاقية والفضائل تتوافق مع عمل القوانين الاقتصادية في المذهب الإسلامي، ويمكن أن تساعد في زيادة الإنتاج والعدالة الاجتماعية في التوزيع.

في تعريفات مفاهيم الاقتصاد، يفرق الشهيد الصدر بين «مذهب الاقتصاد» و«علم الاقتصاد». فهو يعتبر مذهب الاقتصاد «طريقة حل المسائل الاقتصادية والعلمية»، وعلم الاقتصاد «علم يفسر الظواهر الاقتصادية ويحدد العلاقات بينها».[71]

وللتوضيح أكثر الفرق بين «المذهب» و«العلم» يستعين بالأخلاق. فهو يرى أن مفهوم «العدالة» هو الحد الفاصل بين المذهب والعلم، ويعتبره مؤشرًا يميز «الأفكار المذهبية» عن «النظريات العلمية».[72] ويقول: «من هنا يتضح أن مهمة المذهب الاقتصادي تقديم حلول تتوافق مع مفاهيم العدالة.»[73]

مفهوم العدالة الذي يؤكد عليه الشهيد الصدر كثيرًا في المناقشات الاقتصادية، هو من أسمى القيم الأخلاقية. فالعدالة كأعلى فضيلة أخلاقية، والظلم (ضد العدالة) كأدنى رذيلة أخلاقية، معترف بهما في جميع الأديان السماوية وغير السماوية وجميع المذاهب الإنسانية.

يقول الشهيد صدر عن النظام الاقتصادي الإسلامي: «النظام الاقتصادي الإسلامي، في ذاته، يمتلك قاعدة فكرية توجه نظامنا ذاته نحوها. هذه القاعدة تتضمن الأفكار الأخلاقية للإسلام والأفكار العلمية، الاقتصادية أو التاريخية التي ترتبط بمسائل الاقتصاد السياسي أو تحليل تاريخ المجتمعات البشرية.»[74]

يرجح الشهيد صدر مبدأ «العدالة الاجتماعية» على مبدأين آخرين. كما أكد الشهيد مطهري على هذا المبدأ كثيرًا واعتبره مقياس التدين.

في كتاب «اقتصادنا»، يشرح الشهيد صدر مسألة الحرية بطريقة تُعد من ابتكاراته في مجال الفقه والحقوق والاقتصاد. هذه النظرية، المعروفة باسم «منطقة الفراغ»، تحدد نطاقًا معينًا من الأنظمة التي يمكن لولي أمر المسلمين أو الدولة الإسلامية، بفضل تقدم المؤسسات الاجتماعية والتحول ومرور الزمن، أن يسن قوانين جديدة تتناسب مع الظروف بناءً على المبادئ والضوابط والأهداف، ويصدرها وينفذها.

من أمثلة ذلك في العالم المعاصر مسألة «الأخلاق البيئية» التي تقع ضمن «منطقة الفراغ» وتُظهر بوضوح تأثير القيم الأخلاقية في الاقتصاد.

يرى الشهيد صدر أن العدالة الاجتماعية من وجهة النظر الإسلامية تقوم على مبدأين: «التكافل العام» و«التوازن الاجتماعي». ويقول إنه بتطبيق هذه النظرية يمكن لولي أمر المسلمين والدولة الإسلامية والحاكم الشرعي تنفيذها.

لذا، فتلك النظرية التي طرحها الشهيد صدر فتحت الطريق لاستثمار القدرات الاقتصادية للبلاد في سبيل تطوير القيم الأخلاقية والقضاء على الرذائل الأخلاقية، مع جعل الأخلاقيات حاضرة في مجال الاقتصاد.

في تعريفه للمدرسة الاقتصادية الإسلامية، بالإضافة إلى تضمين مفهوم العدالة والحرية، يؤكد الشهيد صدر أن المدرسة يجب أن تكون قادرة عمليًا على إيجاد حلول لـ«المشكلات الاقتصادية».[75]

وبالنظر إلى نوع المعرفة التي كان يعتبر اليقينية منها هي المعرفة الوحيانية، وكان يؤكد أن العقل يؤيد هذه المعرفة، يتناول مسألة تحليل بنية المشكلات الاقتصادية.

من وجهة نظر الشهيد صدر، تنشأ المشكلات الاقتصادية من ظلم الإنسان في توزيع الثروة والاستغلال الخاطئ للموارد الطبيعية (كفران النعمة).[76]

من أعمال الشهيد صدر القيمة، نظرته الدقيقة إلى القضايا الاقتصادية المهمة الراهنة وحتى المستقبلية. هذه المسألة تعكس شعوره بالمسؤولية الجسيمة وضميره الأخلاقي. يظهر الشهيد صدر حساسية خاصة تجاه مسألة الربا والقرض والمصرفية. هاتان المسألتان موضوعان مهمان في الأخلاق والاقتصاد. «الربا» تجسيد لأداء الاقتصاد في الرذيلة الأخلاقية، و«القرض» هو أداء الاقتصاد في أوج الفضيلة الأخلاقية. بمعنى آخر، «القرض» مفهوم ينتمي إلى كلا المجالين الاقتصاد والأخلاق بنسب متساوية.

في تقديم هذه النظريات، حرص الشهيد صدر على أن يتم تطبيق العدالة شرعًا، وبالأخص من خلال مطابقة نظرية «منطقة الفراغ» من الناحية الأخلاقية، بحيث تُنفذ العدالة على جميع الأطراف المتورطة في القضايا الاقتصادية، بما في ذلك أصحاب الأدوات وأصحاب العمل وأصحاب رأس المال بشكل متساوٍ.

اقتراح

مسألة مهمة مثل «تأثير الأخلاق في الاقتصاد» تحتاج إلى بحوث وباحثين ذوي كرامة أخلاقية، ويمكن أن تُدرج في البيئات الجامعية كفرع جديد بين فرعي الاقتصاد النظري وفلسفة الأخلاق. يقول برتولت بريشت: «الحقيقة تنتشر بقدر ما ننشرها.» مسألة «تأثير الأخلاق في الاقتصاد» التي يمكن إثباتها بأدلة متنوعة مقبولة من المفكرين وأصحاب الرأي والبشر في المجتمع، يجب أن تُستخلص من الأفكار لتُطبق عمليًا، فتجد حياة جديدة في الميدان العملي وتصبح مفهومة لجميع فئات المجتمع الدولي. مسؤولية الباحثين وأصحاب الرأي هي تأسيس نظام فكري للاقتصاد الأخلاقي وثقافته في المؤسسات الاجتماعية. ومسؤولية الدولة، بوصفها أهم مؤسسة قانونية، هي صياغة قوانين اقتصادية متأثرة بالأخلاق، مع مراقبة مستمرة من الشعب. من هذه المسألة التي ليست صعبة جدًا لكنها مهمة ومعقدة في الوقت ذاته، يمكن أن نلمح طريقًا نحو الاقتصاد الإسلامي؛ الطريق الذي خطاه الشهيد صدر وجعل مسؤولية الباحثين المسلمين في مواصلته أثقل.

تصبح هذه المسؤولية أثقل حينما يُعلن عن صدور كتاب بعنوان «حرب أخلاقية»، من تأليف سيدني إغزين، عن منشورات جامعة تمبل. هذا الكتاب يقدم رؤية فلسفية ونظرة أخلاقية للعقود وقوانين الحرب، ويناقش ما إذا كان الجندي يمكنه أن يخالف بعض قواعد الحرب لصالح القواعد الأخلاقية، ويجيب المؤلف بنعم على هذا السؤال.

عندما يفكر المفكرون في أخلاقية الحروب، لماذا لا نفكر نحن في أخلاقية الاقتصاد؟

بشكل عام، أهم الاقتراحات التي يمكن أن تُعرض على أصحاب الرأي والباحثين والمسؤولين لمواصلة البحث وتنفيذ موضوع تأثير الأخلاق في الاقتصاد هي كما يلي:

1- نشر وتوضيح مسألة تأثير القيم الأخلاقية في الاقتصاد؛

2- تأسيس تخصصات جامعية جديدة في هذا المجال، مثل تخصص «الاقتصاد النظري والأخلاق»؛

3- تطبيق «تأثير القيم الأخلاقية في الاقتصاد» في أجزاء من المجتمع ودراسة انعكاس ذلك؛

4- تحديد هدف تنفيذ المدرسة الاقتصادية الإسلامية من خلال مسار الاقتصاد الأخلاقي.

المصادر والمراجع

۱. الکافی، منشورات دارالکتب الاسلامیه، ج ۴.

۲. شمس‌الدین، سید مهدی، داستان‌های تفسیر کشف‌الاسرار، تهران، نشر امیرکبیر، ۱۳۷۶ ش.

۳. شیروانی، علی، نهج‌الفصاحه، به نقل از: السنن الکبری، ج ۱، قم، منشورات دارالفکر، ۱۳۸۵ ش.

۴. زاگال، هکتور و گالیندو، خوزه، فلسفه اخلاق چیست (داوری اخلاقی)، ترجمة: حیدری، احمدعلی، الطبعة الأولى، منشورات حکمت، ۱۳۸۶ ش.

۵. اندلسی، ابن‌منظور، ج ۱۰، منشورات دارالفکر.

۶. اسماعیلیان، دون تاريخ، جامع‌السعادات، ج ۱.

۷. مینویی، مجتبی و حیدری، علیرضا، (تصحيح) اخلاق ناصری، منشورات خوارزمی.

۸. نراقی، محمد مهدی، جامع‌السعادات، تحقيق: کلانتر، سید محمد، بیروت، نشر اعلمی.

۹. ديلمی، احمد و آذربايجانی، مسعود، اخلاق ناصری.

۱۰. شیخ کلینی، اصول کافی، ترجمة: مصطفوی، سید جواد، ج ۱، منشورات علمیه اسلامی.

۱۱. ریچل، جیمز، غیبت اخلاقی، ترجمة: حیدری نافذ، ایرج، العدد ۴ آبان ۱۳۸۳.

۱۲. مطهری، مرتضی، فلسفه اخلاق، تهران، منشورات صدرا، ۱۳۷۸ ش.

۱۳. گسلر، هنری، درآمدی جدید به فلسفه اخلاق، ترجمة: بحرینی، حمیده، منشورات آسمان خیال، ۱۳۸۵ ش.

۱۴. بلاگ، مارک، اقتصاددانان بزرگ جهان، ترجمة: گلریز، حسن، نشر نی، ۱۳۷۵ ش.

۱۵. صدر، محمدباقر، اقتصاد ما، ترجمة: موسوی بجنوردی، محمد کاظم، ج ۱، مؤسسه منشورات اسلامی.

۱۶. فخرالدین، محمدعلی، مجمع‌البحرین، ج ۳.

۱۷. دفتر همکاری حوزه و دانشگاه، مبانی اقتصاد اسلامی.

۱۸. امامی، سید حسین، مقاله (دیدگاه آمارتیا سن نسبت به جدایی اخلاق و اقتصاد)، در: www. Magirain.ir.

۱۹. صدر، محمدباقر، اقتصاد ما، ترجمة: اسپهبدی، عبدالعلی، منشورات اسلامی، ۱۳۷۵ ش.

۲۰. حیدر نقوی، پروفسور سید نواب، اقتصاد توسعه یک الگوی جدید، ترجمة: تواناییان فرد، منشورات پژوهشگاه فرهنگ و اندیشه اسلامی، ۱۳۷۸ ش.

۲۱. غنی‌نژاد، موسی، «جایگاه اخلاق در علم اقتصاد»، در: روزنامه دنیای اقتصاد، ضمیمه العدد ۳۳.

۲۲. شیروانی، علی، کلمات قصار پیامبر اعظم ﷺ، قم، منشورات دارالکفر.

[1] عنكبوت/2.

[2] انفال/28.

[3] نمل/40.

[4] أصول الكافي، المجلد 4، ص 33.

[5] أبسط وأعم وأوضح مفهوم يمكن استنباطه من الثمرة المحرمة هو تلك الثمرة أو القمح كأمر معيشي.

[6] شمس الدين، السيد مهدي، قصص تفسير كشف الأسرار.

[7] المائدة / 27.

[8] المائدة/30.

[9] القلم/4.

[10] شيرواني، علي، نهج الفصاحة، نقلًا عن: السنن الكبرى، المجلد 1، ص 192.

[11] هذا الحديث نقله عن حضرة محمد (أبو نعيم في «حيلة» والبيهقي في «الزهد»).

[12] زاغال، هيكتور وجاليندو، خوسيه، ما هي فلسفة الأخلاق (التحكيم الأخلاقي)، ترجمة: حيدري، أحمد علي.

[13] من أقوال المرحوم الشيخ محمد بهاري.

[14] الأندلسي، ابن منظور، لسان العرب، المجلد 10، ص 86.

[15] جامع السعادات، المجلد 1، ص 42.

[16] مينوي، مجتبى وحيدري، عليرضا، أخلاق ناصري، ص 48.

[17] نراقي، محمد مهدي، جامع السعادات، تحقيق: كلانتر، السيد محمد.

[18] ديلمي، أحمد وآذربايجاني، مسعود، أخلاق ناصري، ص 23.

[19] الشيخ كليني، أصول الكافي، ترجمة: مصطفوي، السيد جواد، المجلد 1، ص 37.

[20] ريتشلر، جيمس، الغيبة الأخلاقية، ترجمة: حيدري نافذ، إيرج، العدد 4، ص 128.

[21] مطهري، مرتضى، فلسفة الأخلاق.

[22] المائدة/ جزء من الآية 2.

[23] مطهري، مرتضى، فلسفة الأخلاق.

[24] المائدة / جزء من الآية 27.

[25] غنسلر، هاري، مدخل جديد إلى فلسفة الأخلاق، ترجمة: بحريني، حميدة، ص 208.

[26] الأحزاب / جزء من الآية 21.

[27] بلوق، مارك، كبار الاقتصاديين في العالم، ترجمة: گلريز، حسن، ص 14.

[28] المرجع نفسه، ص 14.

[29] معين، محمد، قاموس فارسي، المجلد الأول.

[30] صدر، محمد باقر، اقتصادنا، ترجمة: موسوي بجنوردي، محمد كاظم، المجلد 1، ص 7.

[31] فخر الدين، محمد علي، مجمع البحرين، المجلد 3، ص 138.

[32] مكتب التعاون بين الحوزة والجامعة، مبادئ الاقتصاد الإسلامي، ص 36.

[33] إمامي، السيد حسين، مقال «وجهة نظر أمارتيا سين حول انفصال الأخلاق والاقتصاد»، في www.Magirain.ir:

[34] المرجع نفسه.

[35] صدر، محمد باقر، اقتصادنا، ترجمة: إسبهبدي، عبد العلي.

[36] حيدر نقوي، الأستاذ الدكتور سيد نواب، اقتصاد التنمية نموذج جديد، ترجمة: توانيان فرد، ص 202.

[37] المرجع نفسه.

[38] Positive.

[39] Normative.

[40] غني نژاد، موسى، «مكانة الأخلاق في علم الاقتصاد»، في: صحيفة دنياي اقتصاد، الملحق العدد 32.

[41] حيدر نقوي، الأستاذ الدكتور سيد نواب، اقتصاد التنمية نموذج جديد، ترجمة: توانيان فرد، ص 202.

[42] إمامي، السيد حسين، مقال «وجهة نظر أمارتيا سين حول انفصال الأخلاق والاقتصاد»، في www.Mafirain.ir:

[43] النحل/97.

[44] التوبة/103.

[45] تفسير النور.

[46] النور/37.

[47] مؤمني، فرشاد، «أخلاق التنمية كعلم جديد»، في: الفصلية التخصصية الدين والاقتصاد، العدد 2.

[48] خليليان، محمد جمال، «دور القيم في عملية التنمية الاقتصادية»، في: مجلة معرفت، العدد 28.

[49] هاملين، ألبرت، الأخلاق والاقتصاد، ترجمة: خاكباز، أفشين وهاشمي، محمد حسين، ص 17.

[50] هارزلي، جون، التحليل الاقتصادي وفلسفة الأخلاق، ص 164.

[51] هذا الحديث ورد في كتب الحديث فقط في بحار الأنوار ونُسب إلى النبي (صلى الله عليه وآله).

[52] مطهري، مرتضى، مجموعة الأعمال.

[53] الحياة، المجلد 5، ص 610.

[54] عليرحيمي، رحمت الله، «دراسة تاريخية-اقتصادية-دينية للربا»، في: موقع نادي الفكر.

[55] انظر: مطهري، مرتضى، الربا، التأمين والبنك.

[56] اثني عشري، أبو القاسم، وصادق زاده، تكتم، «معدل الفائدة وسوق المال العامل الرئيسي للبطالة في النظام الرأسمالي»، »الربا في النظرية والتطبيق، التحديات والحلول».

[57] المرجع نفسه.

[58] المرجع نفسه.

[59] انظر: «قوم سبأ»، في: موقع مركز الجمعيات التخصصية، خزينة المعرفة.

[60] سبأ/15.

[61] سبأ/15.

[62] سبأ/16.

[63] تفسير النموذج، المجلد 11، ص 451.

[64] شيرواني، علي، كلمات قصار النبي الأعظم (ص)، الحديث 757.

[65] المرجع نفسه، الحديث 760.

[66] المرجع نفسه، الحديث 2114.

[67] المرجع نفسه، الحديث 2181.

[68] المرجع نفسه، الحديث 2369.

[69] المرجع نفسه، الحديث 1260.

[70] المرجع نفسه، الحديث 2583.

[71] صدر، محمد باقر، اقتصادنا، ترجمة: إسبهبدي، عبد العلي، ص 12.

[72] المرجع نفسه، ص 16.

[73] المرجع نفسه، ص 19.

[74] المرجع نفسه.

[75] المرجع نفسه، ص 35.

[76] المرجع نفسه، ص 295.