ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: شهید صدر منادى وحدت ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الشهيد الصدر منادي الوحدة
المؤلف: محمدصادق مزینانى
المصدر: مجله حوزه / شماره 79 ـ 80
لقد خلف الهجوم الواسع للغرب على العالم الإسلامي انعكاسات متعددة. فالمصلحون والمفكرون الإسلاميون طرحوا فكرة (اتحاد الأمة الإسلامية) لمواجهة هذا الهجوم الفكري، ودعوا المسلمين إلى التضامن، وبذلوا جهودًا كبيرة لتحقيق هذا الهدف المقدس، وكتبوا عشرات المقالات والكتب في هذا المجال، وعقدوا المؤتمرات.
وقد تحدثنا سابقًا عن جهود عدد من منادي الوحدة. وفي هذا المقال نرغب في التطرق إلى رؤية أحد منادي الوحدة الآخرين.
كان الشهيد السيد محمد باقر الصدر من منادي الوحدة الإسلامية. فقد كان، مثل غيره من المصلحين والمفكرين الإسلاميين، يعاني من الأوضاع المتدهورة والمضطربة في المجتمعات الإسلامية ومن الخلافات المؤسفة بين المسلمين، وكان يفكر في إصلاح العالم الإسلامي.
لقد استثمر كل قدراته لتحقيق هذا الهدف المقدس. فقد وظف كل طاقته العلمية والعملية ليجسد هذا الهدف السامي. وكانت الخطوة الأولى في مجلة (الاضواء) بكتابة مقال بعنوان: (رسالتنا يجب أن تكون قاعدة للوحدة). في هذا المقال دعا علماء الدين والأمة الإسلامية إلى التآلف والتعاون، وأشار إلى أسس الاتحاد وأسباب ودوافع الانقسام، وحذر الأمة الإسلامية من العواقب الضارة للانقسام.
ومنذ ذلك الحين وحتى نهاية حياته المباركة، ظل الشهيد الصدر متمسكًا بهذا الهدف العظيم، ودعا الحوزويين الآخرين إليه، وجعل تدريس (تاريخ الوحدة) ضمن المواد الدراسية في الحوزة لتوسيع فكر الوحدة[1].
كان الشهيد الصدر يؤمن بأن الحوزويين يجب أن ينظروا إلى (فكرة الوحدة) كظاهرة تاريخية ويدرسوها، ليعرفوا تاريخ هذه الفكرة وتقلباتها وعواقبها، وكذلك منادي الوحدة وطرقهم، حتى يؤدوا رسالتهم الدينية كما ينبغي[2].
لم يتخلَّ الشهيد الصدر أبدًا عن هذا الهدف المقدس. ففي الأيام الأخيرة من حياته، عندما كان منزله محاصرًا من قبل قوات البعث، سجل ثلاث رسائل قيمة وأرسلها إلى شعب العراق. وفي الرسالة الأخيرة خاطب جميع أبناء العراق: الشيعة والسنة، الأكراد والعرب، ودعاهم، مع مراعاة الوضع الحرج والحساس للعراق، إلى التوحد والتآلف في مواجهة الاستبداد والاستعمار قائلاً: (وإني منذ عرفت وجودي ومسؤوليتي في هذه الأمة بذلت هذا الوجود من أجل الشيعي والسني على السواء ومن أجل العربي والكردي على السواء حيث دافعت عن الرسالة التي توحدهم جميعًا وعن العقيدة التي تضمهم جميعًا ولم أعش بفكري وكياني إلا للإسلام: طريق الخلاص وهدف الجميع.)[3]
منذ أن عرفت نفسي وأدركت مسؤوليتي في هذه الأمة، عملت على قدم المساواة من أجل الشيعة والسنة والعرب والأكراد، ودافعت عن كل رسالة توحدهم وعن كل عقيدة تجمعهم على قلب واحد. لقد عشت بفكري وكياني فقط من أجل الإسلام، ذلك الإسلام الذي هو طريق الخلاص وهدف الجميع.
نعم، لم يكن الشهيد الصدر يفكر فقط في إصلاح وبناء المجتمعات الشيعية، لأنه كان مصلحًا بمعنى الكلمة الحقيقي. فلا يمكن للمصلح المسلم، مهما كان مذهبه، أن يكون غير مبالٍ تجاه المسلمين الآخرين.
وقد ذكر الكتاب المسلمون وغير المسلمون الشهيد الصدر كأحد منادي الوحدة. ومن بينهم: جويس وايلي في كتابه: (الحركة الإسلامية لشيعة العراق) حيث يكتب:
(لم تكن حركة الشهيد الصدر في العراق مرتبطة بالشيعة فقط. كان لديه فكر دائم، ولذلك شملت حركاته الإصلاحية الجميع. وكتبه تعبر عن هذا الأمر.)[4]
أحد الكتاب الإنجليز في كتابه: (تجديد القانون الإسلامي) بعد أن يتناول الأفكار السياسية وكتابات الشهيد الصدر ويقارنها بكتابات الإمام الخميني، خصص فصلًا للوحدة الإسلامية وتاريخها، وذكر الشهيد الصدر كمصلح يؤمن بوحدة المسلمين. وقد قام بنقد ودراسة كتبه: فلسفتنا، اقتصادنا، البنك الربوي في الإسلام، والأسس المنطقية للاستقراء، وخلص في النهاية إلى أن هذه الكتب دليل واضح على دعم الشهيد الصدر للوحدة الإسلامية، لأنه في تأليفه لهذه الأعمال استند إلى مصادر شيعية وسنية معًا.[5]
مفهوم الاتحاد
ظنّ بعضهم أن (الاتحاد الإسلامي) يعني اختيار مذهب إسلامي واحد واتباعه من قبل الآخرين، أو أن تندمج المذاهب الإسلامية بحيث تؤخذ المشتركات من جميع المذاهب وتُترك المختلفات جانبًا.[6]
ومن الواضح أن ما يقصده المصلحون والمفكرون الإسلاميون من (الوحدة الإسلامية) ليس هذا ولا ذاك؛ لأن، كما قال أحد المفكرين المعاصرين، هذا النوع من الوحدة لا يعد معقولًا ولا منطقيًا، ولا مرغوبًا ولا عمليًا.[7]
المقصود من الاتحاد الإسلامي هو تقارب أتباع المذاهب الإسلامية من بعضهم البعض لمواجهة أعداء الإسلام مع الحفاظ على كيان وطبيعة كل منهم.[8] وعندما نعتمد هذا المفهوم في الاتحاد الإسلامي كمعيار للعمل، فإن الكتابة والبحث في المذاهب لا تتعارض مع فكرة (الوحدة الإسلامية).
وعلى هذا الأساس، كان كثير من منادي الوحدة: ميرحامد حسين هندي، علامه شرف الدين كاشف الغطاء، علامه أميني، علامه سيد محسن أمين عاملي، الإمام الخميني، والشهيد الصدر، خلافًا لعدد من السابقين، يرون أنه من الضروري، بل لا مانع من طرح وبحث القضايا الخلافية، وحتى كتابتها ونشرها، بشرط أن يتم ذلك بأسلوب علمي وبأدب وأخلاق إسلامية، مع احترام آراء ومقدسات بعضهم البعض. وأن يحافظوا على الأقل على الحدود التي وضعها الإسلام في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام: (وجادلهم بالتي هي أحسن).[9]
لا يمكن تحقيق الوحدة والتماسك الحقيقي إلا من خلال معرفة صحيحة وعرض صادق لمعتقدات بعضنا البعض، فبهذا فقط يمكننا الانتصار على أجواء العداوة والافتراء والبهتان.
لذلك، إذا كتب الشهيد صدر (فدك في التاريخ) وشرح في تلك القضية التاريخية فدك واستدل على حق فاطمة الزهراء(ع)، وإذا أثبت تاريخ الشيعة حق خلافت علي(ع) بعد رحيل النبي(ص)، وإذا أجاب عن الشبهات، وإذا تناول دور الأئمة الشيعة ونضالاتهم ضد الحكام الظالمين (دور الأئمة في الحياة الإسلامية)، وإذا بحث وكتب عن الإمام المهدي(ع) (بحث حول المهدي)، وإذا درس الحكم الإسلامي من منظور شيعي (الإسلام يقود الحياة) وغيرها…
فإن هذه الأبحاث لا تتعارض بأي شكل مع الدعوة إلى الوحدة، حتى لا يقول شبلي ملاط أو غيره مستندين إلى هذه الكتابات: (إن الشهيد صدر شكك بين الإسلام الشيعي والإسلام العام.)[10] أو يعتبروا هذه الكتابات غير متوافقة مع آخر رسالة له.
ومن مجموع أقوال هذه المجموعة يتضح أنهم لا يملكون تصورًا صحيحًا لمفهوم التماسك الإسلامي، ولهذا لم يتوقعوا فقط أن الشهيد صدر لا يوضح معتقدات الشيعة، بل توقعوا أن يقبل معتقدات الطرف الآخر، ولهذا جاء في نقد دراسة كتاب (فدك): (لم يتعرض الشهيد في كتابه لشرعية خلافة الشيخين، وذكرهما فقط باحترام.)[11]
الشهيد صدر في الكتاب المذكور يعلن بوضوح أن حرية النقاش ما دامت تتم وفق الشروط لا تتعارض مع الوحدة والتماسك.[12]
محور الوحدة
في العالم الحالي، تسعى العديد من الأمم والدول إلى التفاهم والوحدة مع بعضها البعض؛ لأن المصالح المتنوعة اليوم: السياسية والثقافية والاقتصادية للوحدة ليست خافية على أحد. بالطبع، أساس هذه التماسكات ليس موحدًا. فبعضهم جعل العرق والدم وسيلة للدعوة إلى الوحدة، وبعضهم الآخر جعل اللغة المشتركة سببًا لذلك.
بعض التماسكات لها طابع اقتصادي أو سياسي. قد تخشى دولة من تدخل دول أخرى، فتقيم تماسكًا مع دولة أو دول أخرى للدفاع عن نفسها وتبرم اتفاقيات. الاتفاقيات الدفاعية في عصرنا تُعد من هذا النوع من التماسكات.
كل الدوافع السابقة تؤدي إلى نوع من الوحدة والتماسك، لكن هذه الأنواع من الوحدة ليست من وجهة نظر الشهيد صدر ثابتة وأصيلة. فكلما ضعفت الدوافع أو زالت أو تعارضت مع مصالح أهم، فإن هذه الوحدة تزول.
أهم وأدوم دافع سبب وحدة الأفراد والأقوام المختلفة هو الدافع الديني والعقائدي.
الشهيد صدر في دراسة محور الوحدة في الإسلام ومقارنتها بالمدارس الإنسانية مثل: الرأسمالية والماركسية، اعتبر الوحدة الإسلامية في أصولها وفروعها وتجلياتها أسمى من الاثنين، وكتب: (في المجتمع الرأسمالي، المجتمع متحد ظاهريًا لأن هذه الوحدة قائمة على المصالح الشخصية والحزبية أو الطبقية، وعندما يحدث حادث يهدد المصلحة المعنية، يظهر الانقسام والفرقة في المجموعة ويتضح أن التماسك كان سرابًا خادعًا. وأوضح مثال على ذلك فرنسا التي في أحلك ساعات وجودها تحت قبضة ألمانيا تعرضت للفرقة وفي غضون ساعات قليلة واجهت الهزيمة.)[13]
ويشير في كلامه إلى المجتمعات النازية والفاشية وكذلك الماركسية التي يعتبر وحدتها غير أصيلة؛ لأنها قائمة على إنكار القيم الإنسانية. هذه الوحدة والتماسك قائمان على الجبر والقهر وليس على الإرادة والاختيار. دافع هذه الوحدة هو ديكتاتورية الدولة وليس وعي وإرادة الأمة.
هذه التماسكات، لأنها لا تمتلك جذورًا داخلية، لن تدوم، أما الوحدة الإسلامية فهي وحدة أصيلة وثابتة؛ لأنها: (دافعها حاجة روحية عميقة تربط الأفراد بحبل من المحبة والمودة والألفة، ولا يوجد عامل مثل الدين يمكن أن يكون دافعًا لمثل هذه الوحدة. الوحدة الدينية وحدة تنبع من القلب ولها تاريخ ثابت، ومهما كانت مصالح الأفراد والأحزاب والطبقات المختلفة، فإنها لا تتزعزع لأن هذه الوحدة قائمة على أصل ثابت يشترك فيه الجميع.)[14]
بنظرة سريعة إلى التاريخ نجد أن هذا التماسك أعمق وأدوم من الدوافع الأخرى للتماسك؛ لأن العلاقة الدينية والعقائدية بين الأفراد أدت إلى وحدة جعلت كل دوافع الوحدة تحت تأثيرها وتحت نفوذها بحيث ضحى الإنسان بحياته في سبيل أخيه الديني، وعلى العكس، بين فردين حتى الأب والابن بسبب اختلاف في العقيدة لم تنشأ فقط القسوة والبعد، بل وقف كل منهما في ميدان القتال ضد الآخر. وهناك العديد من الأمثلة على ذلك في حروب صدر الإسلام. وحتى الآن، فإن الاختلاف في العقيدة أدى إلى أن يتقاتل أفراد الأسرة الواحدة، وقد يؤدي هذا الصراع إلى موت أحد أفراد الأسرة.
أصالة وعمق الوحدة الدينية والعقائدية بحيث إن الصهاينة أنفسهم حين أرادوا أن يخلقوا ظاهرة إسرائيل المشؤومة في أرض فلسطين، أكدوا على الوحدة العقائدية: (مجموعة من الأشخاص الذين لا يشتركون في الوطن واللغة والثقافة والعادات والتقاليد قد انتفضوا. أفراد متفرقون جاؤوا من قارات العالم، وهدفهم هو تشكيل أمة مستقلة ومتميزة تقوم على وحدة الدين لا على غيره. لذا يسعون لأن يكسوا كل مظاهر وجودهم بصبغة دينية ويجعلوا هذا العنصر المشترك رمز وجودهم.)[15]
مقدمات الوحدة
ظن بعض العلماء الشيعة والسنة أن المذاهب التي تختلف فقط في الفروع مثل الشافعية والحنفية والحنبلية يمكن أن تتحد وتقف في صف واحد؛ أما المذاهب التي تختلف في الأصول فلا يمكن بأي حال أن تقف جنبًا إلى جنب. ووفقًا لأحد العلماء[16] فإن من وجهة نظر هذه المجموعة، الأصول المذهبية هي مجموعة مترابطة، وبمصطلح الأصوليين هي علاقة أقل وأكثر، فإصابة أحدها تعني إصابة الجميع. لذلك حيثما يتعرض أصل الإمامة الشيعية أو خلافة الخلفاء للضرر، فإن موضوع الوحدة والتضامن يُلغى.
وقد ذكر المصلحون والدعاة إلى الوحدة في ردهم على هذه المجموعة مقدمات الوحدة، منها: يشترك المسلمون في الأصول العقائدية والعديد من الأحكام العملية في الإسلام. جميعهم يعبدون الله الواحد ويؤمنون بنبوة النبي محمد(ص) وبالجنة والنار… كتاب الجميع هو القرآن والقبلة هي الكعبة. في الصلاة والصيام والحج والزكاة والعديد من الأحكام الأخرى لا توجد فروق إلا في بعض الأمور الجزئية. وعدوهم مشترك أيضًا.
هذه المقدمات والمواد يمكن أن تؤسس لأساس متين للوحدة والتضامن. لذلك لا داعي لأن نعتبر الأصول المذهبية هنا كمجموعة مترابطة، بل لدينا دليل على العكس.
سيرة ومنهج أصحاب النبي(ص) وخاصة علي(ع) والعلماء الكبار من السنة والشيعة عبر التاريخ هي أفضل دليل وأعمق درس في هذا الشأن.
يكتب الشهيد الصدر في هذا الصدد: (قادة الإسلام وعلى رأسهم أمير المؤمنين علي(ع) بذلوا قصارى جهدهم للحفاظ على الوحدة والتضامن بقدر الإمكان.)[17]
أصحاب النبي(ص) بعد رحيله، رغم اختلافهم في كثير من المسائل، ومنها مسألة القيادة وفروعها مثل المسح أو الغسل في الوضوء، العول والتعصيب في الإرث، الزواج المؤقت… بلغت خلافاتهم ذروتها، إلا أن أيًا من هذه الخلافات لم تؤد إلى زوال الوحدة والتضامن بينهم. كانوا جميعًا يصلون خلف إمام واحد ويتبعون بعضهم البعض.
وعلي(ع) كان يتصرف بالمثل. رغم أنه لم يدخر جهدًا في استحقاق حقه وبذل كل طاقته لإحياء أصل الإمامة، إلا أنه لم يتبع شعار (إما الكل أو لا شيء). بل على العكس، تعاون معهم. في إحدى رسائله إلى مالك الأشتر، وبعد أن تحدث عن اختلاف الناس في مسألة القيادة وتسليمها للآخرين، يقول: (في البداية سحبت يدي حتى رأيت أن مجموعة من الناس ارتدوا عن الإسلام ويدعون الناس إلى هلاك دين محمد(ص). خشيت أنه إذا لم أقم بنصرة الإسلام والمسلمين، فسأرى شقاقًا وانهيارًا في الإسلام أعظم مصيبة من خلافة الدنيا لبضعة أيام. في ذلك الوقت بايعت أبا بكر وقمت معه في تلك الأحداث حتى زال الباطل.)[18]
المولى يرفض هذا التقييم وينحاز إلى نصرة خلفاء زمانه. يحضر صلوات الجماعة معهم، يرشدهم في الصعوبات، ويتصرف في بعض الأحيان كمستشار عسكري. كما أن أتباع علي(ع) يقبلون مناصب من الخلفاء بإشارة منه.[19]
يكتب الشهيد الصدر في رسالته الأخيرة مشيرًا إلى الحرب المفروضة على إيران من قبل العراق: (رسالتي إليكم يا أبناء علي وحسين وأبناء أبي بكر وعمر هي أن الصراع ليس بين الحكم الشيعي والسني. الحكم السني الذي كان خلفاء الراشدين قادته هو الذي دفع الإمام علي(ع) لأن يرفع سيفه ويحارب المرتدين بقيادة أبي بكر.)[20]
هدف الشهيد الصدر من نقل العلاقات المتبادلة بين علي(ع) والخلفاء وسيرته ومنهجه هو تقديم نموذج ومرشد عملي للمسلمين وخاصة الحوزويين، ورد فكرة من اعتبروا اتحاد الشيعة والسنة مستحيلًا وخاطئًا؛ لأن تعامل علي(ع) وأصحابه لم يكن فرديًا ومحدودًا.[21]
هل يمكن لأحد أن يقول إن مرافقة علي(ع) وأصحابه للخلفاء وصلاتهم معهم كانت من باب الخوف أو التقية؟[22] لذلك، بعد الإشارة إلى سيرة علي(ع) في تعامله مع الخلفاء، يكتب الشهيد الصدر: (هذا خط عام سار عليه جميع الأئمة(ع)…[23]) هذا أسلوب عام، والأئمة(ع) كانوا يتبعون نفس المنهج.
الأئمة(ع) دائمًا دعوا الناس للمشاركة في المجامع العامة للمسلمين (الحج، الجمعة، الصلوات الجماعية) وطلبوا منهم الحفاظ على آداب وأخلاق الإسلام في التعامل مع أتباع المذاهب الإسلامية الأخرى[24]، ومن جهة أخرى عارضوا الأفكار المتطرفة والمنحرفة لبعض الشيعة[25].
فوق كل ذلك، عندما كانت الأمة الإسلامية تواجه مشاكل تهدد هيبة الإسلام وكانت الحكومات عاجزة عن حلها، كان الأئمة(ع) ببصيرتهم الواسعة يتصدون لتلك الانحرافات أو المشاكل ويحيّدون الخطر. على سبيل المثال: حين كتب ملك الروم رسالة إلى عبد الملك بن مروان وتأخر في الرد، كتب الإمام السجاد(ع) الرد على الرسالة[26].
وفي زمن هشام بن عبد الملك، حين كانت حكومة الروم تنوي القضاء على سيادة واستقلال الحكومة الإسلامية الظاهرية وفرض عملة الروم على المسلمين، قدم الإمام الباقر(ع) خطة العملة الإسلامية لهشام وواجه هذا التهديد[27].
يستند الشهيد الصدر في هذا الشأن إلى سيرة ومنهج علماء الشيعة والسنة وعلاقاتهم الطيبة في الماضي، وبالنظر إلى هذه السيرة يؤمن بأن قيادة الحركة الإسلامية، أياً كان المذهب الإسلامي الذي يتولاها، يجب أن تحظى بمساندة ودعم ودفاع بقية المذاهب، كما أن كبار علماء السنة في الماضي أفتوا بالجهاد نصرةً للحركات الشيعية والعلوية.
(هناك علماء من أكابر علماء السنة أفتوا بوجوب الجهاد وبوجوب القتال بين يدي ثوار آل محمد(ص).)[28]
لقد أفتى كبار علماء أهل السنة بوجوب الجهاد والقتال مع ثوار آل محمد. ومن باب المثال، فقد أفتى أبو حنيفة في البداية بوجوب الجهاد ومساندة الحركات العلوية، وشارك بنفسه في إحدى الحركات العلوية[29]. وقد استمر هذا المنهج من قبل علماء الشيعة والسنة عبر التاريخ.
وفي الأعوام 1914 ـ 1918م، مع دخول القوات الإنجليزية إلى أرض العراق واحتلال البصرة من قبلهم، أفتى علماء الشيعة بجهاد نصرة للحكم السني.[30] وشارك كثير منهم في ميدان القتال مع العدو.
يكتب الشهيد الصدر في هذا الصدد: (إن الحكم السني الذي كان يحمل راية الإسلام قد أفتى علماء الشيعة ـ قبل نصف قرن ـ بوجوب الجهاد من أجله، وخرج مئات الآلاف من الشيعة وبذلوا دماءهم رخيصة من أجل الحفاظ على راية الإسلام ومن أجل حماية الحكم السني الذي كان يقوم على أساس الإسلام.)[31]
لقد أفتى علماء الشيعة قبل نصف قرن بجهاد نصرة للحكم السني الذي كان يحمل راية الإسلام، وخرج مئات الآلاف من الشيعة إلى ساحة الحرب، وبذلوا دماءهم بسخاء من أجل الحفاظ على راية الإسلام ودعم الحكم السني الذي كان قائماً على أساس الإسلام.
وقد شارك في ميدان القتال شخصيات كريمة مثل: آقا سيد مصطفى كاشاني وابنه سيد أبو القاسم كاشاني، وسيد محمد تقى خوانساري، وشيخ الشريعة الأصفهاني، وسيد علي داماد، وسيد محسن حكيم، وشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، والنايني، وغيرهم.
كان هؤلاء يؤمنون بأن الحكم المسلم تحت أي ظرف هو أفضل من الحكم غير المسلم، وعلى هذا الأساس، طالما استمر الصراع بين العثمانيين والإنجليز على حكم العراق، كان الشيعة والسنة يدافعون معاً عن الحكم العثماني.
قبل أن يطرح المستعمرون أو نظام البعث العراقي مسألة الشيعة والسنة ويعزلوا الحركة الإسلامية، يقول الشهيد الصدر: (أما الحكم اليوم فليس حكماً سنياً. رغم أن الجماعة المسيطرة على الأمور ليست تاريخياً منتمية إلى التسنن؛ لأن الحكم السني لا يعني حكم شخص ولد من أب وأم سنية، بل يعني حكم أبي بكر وعمر، الذين اليوم قد داس الحكام الظالمون في العراق على كل أفعالهم.)[32]
يرى الشهيد الصدر أن حكام العراق يتصرفون خلافاً لمنهج علي وعمر، وقد تخلوا عن الشعائر الدينية التي كان علي وعمر يدافعان عنها معاً، وبدلاً من ذلك انغمسوا في الفساد والدمار، وارتكبوا أنواع الظلم ضد الناس. لقد حصروا الحكم في قبيلتهم، ويسيطرون على دخل العراق، ويعتقلون الأفراد بعنف ويعذبونهم ويعدمونهم.
في الختام، يدعو الشهيد الصدر الشيعة والسنة إلى التضامن والتآلف من أجل القضاء على حكام البعث.[33]
سبل الوصول إلى الوحدة
بعد توضيح مفهوم الوحدة الإسلامية وأسسها، يطرح الآن السؤال: لماذا تحولت الوحدة الأولى بين الفرق الإسلامية إلى تفرق رغم كل تلك القواسم المشتركة؟ ما هي الدوافع والمعوقات للوحدة؟ وما هي سبل تحقيقها؟
بعد الإشارة إلى عزّة وقوة المسلمين السابقين في ظل الوحدة والتآلف، يتناول الشهيد الصدر أسباب تفكك وحدة المسلمين، ويرى أن بدايتها كانت ابتعاد المسلمين عن الإسلام الأصيل والعودة إلى الجاهلية قبل الإسلام.
ويعتقد أن الاستعمار والصليبية ساعدا أيضاً على هذا التراجع الرجعي حتى تمكنوا من السيطرة على العالم الإسلامي. ورغم أن مناقشة الدوافع والمسببات للفرقة أمر ضروري، ورغم أن دراسة وتحليل مسار التحولات الداخلية في المجتمع الإسلامي والعالم الإسلامي من الوحدة إلى الفرقة، خصوصاً في البعد السياسي، أمر عبرة ويظهر بوضوح أن المسلمين كانوا في وقت الوحدة والتماسك أقوياء وعزيزين، وفي وقت الفرقة والتشتت ضعفاء ومتخلفين وذليلين، إلا أن محور نقاشنا هنا هو سبل الوصول إلى الوحدة. ومع ذلك، سنشير ضمن النقاش إلى الدوافع وأسباب الفرقة.
رابطة علماء الإسلام
من سبل التفاهم والوحدة بين المسلمين هو ربط العلماء والمفكرين الإسلاميين ببعضهم البعض.
كان الشهيد الصدر، كما كان يطلع على أحوال علماء الشيعة في العراق وخارجه ويتواصل معهم، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، يعرض أفكاره الإصلاحية، كذلك كان مع علماء أهل السنة. وتُظهر كتاباته ورسائله، خصوصاً رسالته الأخيرة، الروابط الطيبة التي تربطه بعلماء وإخوان أهل السنة.
على سبيل المثال، يكتب الدكتور سيد محمد التيجاني: (دخلنا على السيد محمد باقر الصدر، كان منزله مليئاً بالطلاب، قام السيد وسلم علينا، وبعد أن قدموني له رحب بي كثيراً وجلسني بجانبه، ثم سألني عن وضع تونس والجزائر وبعض العلماء المعروفين مثل: حضر حسين طاهر بن عاشور وآخرين…)
وكان تعامله مع أهل السنة بحيث لجأ إليه كثير منهم في أوقات الشدائد والمصاعب المختلفة وطلبوا رأيه.[34]
جويْس وايلي[35] عند نقده ودراساته لأفكار الشهيد الصدر، بعد أن أشار إلى عمومية حركة العراق وأفكار الاتحاد لدى قائد الحركة (الشهيد الصدر)، نقل ملخصًا منها هنا: (تاريخ الحركة الإسلامية في العراق يُظهر أن العلماء الشيعة كانوا يتعاونون مع حزب الإسلام لأهل السنة، وكان لديهم روابط جيدة جدًا مع قادة الحركة الإسلامية السنية مثل: الشيخ أمجد الزهاوي والشيخ عبد العزيز البدري في بغداد والنجف. وأكثر من ذلك، في عام 1960، أسس حزب (الإخوان المسلمون) و(حزب الدعوة) تشكيلًا جديدًا باسم: (الحزب الإسلامي)، وكان الدكتور نعمان عبد الرزاق السامرائي رئيسًا لهذا الحزب، وكان الشهيد السيد مهدي حكيم يتولى الدعم المالي له.)[36]
ويكتب عبد الرحيم حسن، المؤلف العربي، عن الموضوع أعلاه: (سألت الأستاذ خليج السامرائي، أحد مؤسسي (الحزب الإسلامي)، عن الكلام أعلاه، فأجاب: لم تكن هناك مسؤولية دعم مالي، بل كان هناك تعاون بين الطرفين، وكان آية الله حكيم وكذلك الشهيد الصدر يؤكدان هذه العلاقة والتعاون.)[37]
بلا شك، مثل هذه المواقف تلعب دورًا كبيرًا في تماسك وترابط المسلمين، ولذلك فإن مراجع كرام مثل حكيم والصدر لم يؤكدوا ذلك فحسب، بل كانوا مسرورين جدًا به. ومن المتوقع أن تستمر وتتوسع مثل هذه الأعمال والحركات من قبل العلماء والمفكرين السنة والشيعة لتوفير أرضية لأعمال أكثر أهمية.
إحياء الشخصية الإسلامية للمسلمين
الابتعاد عن الإسلام الأصيل وولوج الخرافة والبدعة في حصون معتقداتهم يُعد من الدوافع الأساسية لفرقة المسلمين. كان المسلمون متوحدين ما داموا لم يفقدوا هويتهم وشخصيتهم الإسلامية، وكان الإسلام يسيطر على حياتهم كلها، وكانوا يسيرون في طريق القوة والعظمة. أما الابتعاد عن الإسلام وتعاليمه الحياتية وسيطرة الأهواء النفسية عليهم فقد أدى إلى فرقتهم وضعفهم وتخلفهم؛ لذلك، إذا أراد المسلمون المجد والعظمة، فعليهم أن يعودوا إلى الإسلام ويحيوا هويتهم الإسلامية.
في أول افتتاحية كتبها في مجلة (الاضواء)، خلص الشهيد الصدر في تحليله للحركات التحررية إلى أن كل حركة إذا أرادت أن تؤتي ثمارها يجب أن تتوفر فيها ثلاثة شروط أساسية:
أ. أن يكون لديها مبدأ صالح وصحيح يكون دافعًا ومرشدًا لعملهم في الحركة.
ب. أن يعرف الناس المبدأ معرفة صحيحة.
ج. أن يؤمنوا بالمبدأ ويبنوا حياتهم عليه.[38]
وبعد شرح هذه المسائل، يقيس الحركات الإسلامية وفق الشروط الثلاثة ويصل إلى نتيجة أن الإسلام هو مبدأ ودافع قوي جدًا للحركات الإسلامية. لذلك، إذا لم يتحرك المسلمون ضد المستعمرين والحكومات الاستبدادية، فهم لم يتعرفوا على الإسلام حق المعرفة ولم يعملوا به. يجب على العلماء الدينيين في البلدان الإسلامية أن يعرفوا الإسلام بدقة ومن جميع جوانبه ويعرفوه للناس. يجب توضيح القيم السامية للإسلام ودعوة الناس إليها لكي يستعيد المسلمون هويتهم الإسلامية ويتحركوا على مستوى العالم الإسلامي ويدافعوا عن مقدسات الإسلام.[39]
في مقال آخر بعنوان: (رسالتنا والشخصية الإسلامية)، يرى الشهيد الصدر أن الشخصية الإسلامية للمسلمين قد تضررت بل اختفت. المسلم بدلاً من أن يعبر عن رأيه ويسير في طريقه، يقلد الآخرين. المسلم يقدّر هويته العربية أو الفارسية أو التركية… أكثر من هويته الإسلامية. والفرقة وسيطرة الحكومات الاستبدادية من النتائج الواضحة لهذه المسألة.[40]
ويعتقد أن الوحدة والتماسك بين المسلمين مرتبطان ارتباطًا وثيقًا بإحياء شخصيتهم الإسلامية. إذا عرف المسلمون الإسلام الحقيقي ونظموا حياتهم بناءً على تعاليمه الحياتية، فلا شك أن الوحدة ستعود إلى مجتمعاتهم.
وعلى هذا الأساس، يطلب الشهيد الصدر من المسلمين أن يعززوا ثلاثة عناصر أساسية: الروح والعقل والأخلاق التي تستمد من رابط اعتقادي واحد، حتى تتحول (الأمواج الفكرية المختلفة) إلى (موجة فكرية عامة) و(وجهة موحدة متجانسة وفريدة)؛ لأن: (الإسلام في العالم ليس محدودًا بمنطقة جغرافية أو نطاق عرقي خاص، بل يمتد إلى مناطق جغرافية مختلفة وأعراق متعددة، وإذا نشأت الشخصية الإسلامية، فإن أسلوبها يكون بحيث تخلق موجة فكرية عامة تثير ضجة في جميع المجتمعات الإسلامية في العالم وتعطي وجود العالم الإسلامي وجهًا واحدًا متجانسًا وفريدًا، ولكن الشخصية الإسلامية غير موجودة، وما هو موجود حاليًا هو أمواج فكرية مختلفة تنبع من كل مجتمع بشكل منفرد، وهذا الوضع يخلق بين المسلمين جدارًا من عدم التعارف الخاص، ونتيجته ظهور عوالم إسلامية مختلفة مفصولة بقيود وهمية صنعوها بأنفسهم ولم يوقع عليها الإسلام.)[41]
على الرغم من أن العديد من الحكومات التي تبدو إسلامية تتوافق تمامًا مع الاستعماريين في تأجيج الفتنة بين المسلمين، وأن الاستسلام للغرب قد تسلل إلى زوايا الفكر والعمل والقرار والنظرة لديهم، إلا أن هناك أملًا في أن عدداً من أبناء الإسلام في العراق وإيران ودول إسلامية أخرى قد أدركوا حيل الأعداء وتفوق الثقافة الإسلامية وصغر الثقافة الغربية، وقد تعرفوا جيدًا على الوجه القبيح للغرب خلافًا لما يظهره من خلال لباس حقوق الإنسان والديمقراطية والحرية، وأحيوا هويتهم الإسلامية وهم عازمون على أن يضعوا الآخرين على هذا الطريق: (في الدول الإسلامية تُرى شرارات من هذه الشخصية الإسلامية في نفوس بعض المسلمين الملتزمين. وأعظم رسالة لوكلاء الفكر المسلمين في الأراضي الإسلامية هي أن يعيدوا إحياء هذه الشخصية.)[42]
العدو المشترك
كان الاستعماريون دائمًا يسعون لإيجاد وسيلة للسيطرة والحكم على الدول الإسلامية والمسلمين في العالم. ومن حيلهم القديمة (فرق تسد وحكم). فقد استغلوا هذا الشعار لإلغاء الخلافة العثمانية وتفتيت العالم الإسلامي.
من وجهة نظر الشهيد الصدر، فإن الاستعمار والاستبداد من أكبر عوامل الفرقة ومن العوائق الرئيسية لوحدة وتماسك المسلمين.
ويعتقد أن أعداء الإسلام، وخصوصًا الاستعماريين والحكومات المستبدة، يجب أن يُعطوا أهمية على الأقل مساوية للعامل (الابتعاد عن الإسلام الأصيل)؛ لأن البُعد عن الإسلام ودخول الخرافة والبدعة من الأسباب الأساسية للفرقة، ومنبع هذا الانفصال في كثير من الحالات هم الاستعماريون وعملاؤهم الخونة في الدول الإسلامية.[43]
تعاليم الإسلام الحياتية، وخصوصًا أفكاره السياسية، كانت دائمًا خطرًا على أعداء الإسلام؛ لأن الإسلام يرفض الاستعمار والاستغلال والقوة والبلطجة تحت أي عنوان، ويحث المسلمين على الثورة ضد الظلم والظالمين، وفي جميع الميادين الاجتماعية يطالب بحرية الجماهير من قيود العبودية والاستعباد. ويعتبر المسلمون أنفسهم ملزمين بمساعدة كل الحركات التحررية بقدر استطاعتهم[44]… وقد حاول الأعداء دائمًا أن يبعدوا المسلمين عن هذه التعاليم القيمة والحياتية، ويعوضوها بثقافة غربية تلعب دورًا كبيرًا في تفتيت وتمزيق وفقدان هوية الأمة الإسلامية. وللأسف، فقد نجحوا إلى حد ما في ذلك: (تمكن الاستعمار من إقامة الحياة المعاصرة في كثير من المجتمعات الإسلامية على أسس فكرية وعاطفية تعتمد على الرجعية ما قبل الإسلام. أعاد الاستعمار إحياء عبادة الأصنام الجاهلية القديمة في كثير من الشعوب الإسلامية، وبذلك أبعد هذه المجتمعات عن الفهم الصحيح للإسلام.)[45]
وقد أعاد إحياء أفكار وقيم مثل القومية والتعصبات القبلية والعرقية، والإيديولوجيات الاستعمارية القديمة، وفصل الدين عن السياسة، وغيرها.
وقد حذر الشهيد الصدر المسلمين بحساسية كبيرة من التوجه نحو الغرب وأفكاره، ودعا العلماء الدينيين لمواجهتها.
(لقد اجتاحت أمواج من الأفكار الغريبة العالم الإسلامي… وحدث صراع بين هذه الأفكار المستوردة والكيان الفكري للأمة. في هذا الوقت، يجب أن يتحدث الإسلام… يجب أن يكون هذا القول راسخًا، قويًا، صريحًا وواضحًا، ويشمل مختلف مجالات الوجود، حياة الإنسان، المجتمع، الدولة والنظام، حتى تتمكن الأمة الإسلامية من رفع (كلمة الله) في هذا الصراع.)[46]
وقد خرج ذلك العالم الجليل بكل طاقته لمواجهة الأفكار الغربية والملحدة. كتب كتاب (فلسفتنا) الذي بيّن فيه تفوق الإسلام على المدارس الأخرى. وكان يتعاون بنشاط مع (جمعية روحانيي النجف الأشرف) التي تأسست لهذا الغرض.[47]
ونظرًا لأن تعامل هذه الجمعية مع القضايا السياسية كان محدودًا، أسس مع تلاميذه تنظيمًا جديدًا باسم (حزب الدعوة الإسلامية)[48] ليتمكن من مواجهة الاستعماريين وعملائهم الخونة على نطاق أوسع.
وعلى الرغم من أنه انسحب بعد فترة من (حزب الدعوة)[49]، إلا أنه واصل نضاله السياسي.
وطلب من الحوزويين ألا يكتفوا بمكافحة المنكرات الصغيرة، بل يوجهوا اهتمامهم أيضًا إلى المنكرات الكبرى ومكافحتها.
وكان يعتقد أن سيطرة الأجانب على المسلمين هي أقبح المنكرات وأعلاها مرتبة. فالأجانب يغتصبون ثرواتنا المادية والمعنوية، وطالما استمر هذا الوضع، لا يمكن أن نأمل في ظهور مجتمع إسلامي حقيقي.[50]
وفي هذا السياق، يوصي بدراسة سير العلماء المقاومين والمعارضين للاستعمار[51]، ويعتبر مقاومة الاستعمار والطغيان في العالم الإسلامي من أهداف الحكم الإسلامي.[52]
في الحركة الإسلامية في العراق، دعا العلماء الشيعة والسنة والجماهير إلى القيام والانتفاض ضد حكم البعث، واعتبر طرح قضية الشيعة والسنة من حيل البعثيين والاستعماريين، وقال: (إن الطاغوت وأولياءه يحاولون أن يوحوا إلى أبنائنا البررة من السنة: إن المسألة مسألة شيعة وسنة ليُفصلوا السنة عن معركتهم الحقيقية ضد العدو المشترك.)[53]
فالطاغوت وأربابه يحاولون أن يلقنوا أبناءنا السنة الكرام أن القضية هي قضية شيعة وسنة، ليبعدوا أهل السنة عن المعركة الحقيقية ضد العدو المشترك.
وهو لا يكتفي بالكلام والشعارات وإعلان الألم، بل يقدم الحلول. والحل الوحيد الذي يراه مجديًا هو التماسك بين الشيعة والسنة والنضال الشامل ضد الظالمين والمتجبرين.
وفي هذا السياق، يحرم التعاون مع حزب البعث والحكم البعثي[54]، ويمنع المسلمين من المشاركة في صلاة الجماعة التي يقودها رجال الدين الظاهرون على أنهم بعثيون.[55]
عندما كان المستعمرون وعملاؤهم الخونة يبتكرون كل يوم لحنًا جديدًا لمواجهة انتشار الثورة الإسلامية في إيران، بهدف تقويض مصداقية هذه الثورة بين الناس وردع المسلمين عن الاقتداء بها، وكانوا يعلنون عبر مكبرات الصوت الدعائية وبأساليب مختلفة أن هذه الإراقة للدماء غير مشروعة، أصدر الشهيد الصدر بيانًا في هذا الصدد أعلن فيه: (الذين قاموا في إيران للدفاع عن الإسلام والمسلمين وقُتلوا هم شهداء، والله يحيطهم مع الإمام الحسين(ع))[56].
أصاب قادة حزب البعث العراقي الرعب جراء صدور هذا الفتوى واعتبروه تهديدًا ضمنيًا لحكمهم. ولم يكن حزب البعث قد تعافى بعد من هذه الضربة حتى دعا الشهيد الصدر شعب العراق إلى الثورة المسلحة[57]، وفي رسالته الأخيرة، مشيرًا إلى وحدة السنة والشيعة في الحرب العالمية الأولى، دعا الأمة الإسلامية إلى مواجهة مباشرة مع حكم البعث قائلاً: (يا أبنائي وإخواني – يا أبناء الموصل والبصرة، يا أبناء بغداد وكربلاء والنجف، يا أبناء العراق أينما كنتم، أتعاهدكم أن أكون لكم وفي خدمتكم، وأنتم هدفي ومرادي سواء في الحاضر أو المستقبل. يجب أن تكونوا موحدي الكلمة، وأن تكون كل قراراتكم تحت راية الإسلام واحدة، لكي ننقذ العراق من كابوس الحكم الاستبدادي والديكتاتوري، ونحيي الحرية في العراق، ونضيئها بالعدل الإسلامي.)[58]
وبنتيجة الوحدة والنضال والإطاحة بنظام البعث سترون: (هذا البلد الذي أصبح الآن مليئًا بالظلم والطغيان، سيشعر سكانه من جميع القوميات المختلفة بالأخوة، وسيشعر الجميع أنهم شركاء في قيادة وإدارة البلد، وسيصلون جميعًا إلى الأفكار السامية للإسلام.)[59]
وفي النهاية، وضع حزب البعث العراقي، بالتعاون مع أسياده، تحت عنوان (الوقاية من خطر الخميني في العراق) خططًا لمواجهة الحركة الإسلامية في العراق وقائدها الشهيد الصدر، وخلال مراحل مختلفة اغتالوا ذلك السيد وثورته المؤمنة وأخته الثورية.
الاحترام المتبادل
من طرق الوحدة تجنب إثارة المشاعر، فالأدب في القول والكتابة ضروري. يجب على علماء المذاهب احترام معتقدات الطرف الآخر، وأن يتحدثوا ويكتبوا بطريقة لا تجرح مشاعر الآخرين؛ لأن: (رب حربٍ جُنيت من لفظةٍ.)[60]
فكم من حرب قامت بسبب قول أو كتابة كلمة واحدة.
كان الشهيد الصدر يحترم العلماء والأهل السنة في تعاملاته العلمية وغير العلمية، ولم يكن يرى عدم الاحترام لمعتقداتهم جائزًا. وعلى هذا الأساس، كان يذكر الخلفاء باحترام في مؤلفاته، فمثلاً في الصفحة الأولى من كتاب (فدك أهل البيت) عندما يذكر الخليفة الأول يضيف له (رضي الله تعالى عنه)[61]، وله نفس الأسلوب في جميع أنحاء الكتاب[62].
يكتب السيد حسين الصدر في هذا الصدد: (لم تكن مناقشاته من الناحية المذهبية تحمل أي نوع من التفرقة أو السخرية من إخوانه أهل السنة، بل كانت دائمًا تعكس الوجه الأصيل للمذهب والأفكار الإسلامية، ولهذا السبب قُبل من قبل إخوانه علماء أهل السنة حتى أنهم كانوا يرجعون إليه في مختلف المشاكل ويطلبون رأيه.)[63]
وفي آخر رسالة، ذكر الخلفاء تحت عنوان (الخلفاء الراشدين)[64]، واعتبر أهل السنة عامة إخوانه وأبنائه مثل الشيعة: (يا أخي وابني السني، أنا معك بقدر ما أنا معك – يا أخي وابني الشيعي، أنا معك… الطواغيت وأسيادهم يحاولون أن يلقنوا أبناءنا السنة الكرام أن القضية قضية شيعة وسنة.)[65]
لا شك أن هذا النوع من التعامل من قبل من كان المرجع للشيعة في العراق… كان له أثر كبير في التأليف والتلاحم.
وبالنظر إلى التاريخ، نجد أن المناقشات والحوارات التي كانت مفيدة ومثمرة هي التي حافظت على الأدب ولم تتجاوز حدود الاعتدال. يمكن رؤية أمثلة على ذلك في (المراجعات) لسيد شرف الدين، وفي تعامل الشهيد الصدر مع الدكتور التيجاني: (استمتعت كثيرًا بكلامه وتصرفاته… ومن خلال هذا اللقاء تأكدت أن الشيعة مسلمون ويعبدون الله وحده ويؤمنون برسالة محمد(ص).)[66]
التيجاني الذي أعجبه معتقد الوهابية، بدأ يشكك في معتقداته السابقة من خلال تعامل محسوب ومحبّب، وأيقن بإسلامية الشيعة، ويقول عن لقائه بالشهيد الصدر: (تأكدت أنه إذا بقيت معه شهرًا سأصبح شيعيًا. قررت أن أبقى معه عدة أيام. خلال هذه الفترة، لم أنظر إليه إلا وكان يبتسم لي ويقول: هل لديك أمر أو تريد شيئًا؟[67]…)
بقي التيجاني أربعة أيام في خدمة الشهيد الصدر، وسأل عن كل الشبهات التي لديه، منها: شهادة الولاية لعلي في الأذان، وإقامة العزاء، وتزيين قبور الأئمة والأولياء بالذهب والفضة، والتوسل والتبرك، وموقف الشيعة من الصحابة، وغيرها…
كان الشهيد الصدر يجيب على أسئلته بطريقة مختصرة ومدعمة بالأدلة، دون أن يسيء إلى معتقدات الآخرين[68].
للأسف، يبدو أن بعض العلماء المتعصبين يرون من واجبهم، بالإضافة إلى بيان وإثبات مذهبهم، أن يدحضوا ويُبطلوا آراء المذاهب الأخرى، ويجسدوا عواطفهم ومشاعرهم في تأييد أو رفض مذهب آخر. كأنهم في ساحة حرب يطلبون خصمًا. هذا النوع من التعامل لا يؤدي إلا إلى تفاقم الخلافات وإثارة المشاعر والكراهية والعداوات، مما يؤدي إلى الصراع. والأحداث المؤلمة الماضية تشهد على صحة هذا القول.
منهج عليّ(ع) مع الخلفاء وكذلك مع الأئمة المعصومين(ع) والعلماء الكرام مثل: شرف الدين كاشف الغطاء وغيرهم من المصلحين الشيعة مع علماء وأهل السنة يجب أن يكون نموذجًا لعلماء المذاهب الإسلامية. كمثال: كان مالك، إمام المالكية، يتمتع بعلاقات جيدة جدًا مع الإمام الصادق(ع) وكان مسرورًا لأن الإمام(ع) يكن له الاحترام.[69]
الإمام(ع) لم يكن يحترم علماء أهل السنة فقط، بل كان يمنع الغلو من بعض الشيعة في التعامل مع أهل السنة[70] وكان يرد على إثارة مشاعر أهل السنة، خاصة السبّ في الخلفاء، وفي موقف ما أشار إلى الآية الكريمة: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ)[71] ليمنع الشيعة من السبّ، وكان يلعن من يخالف هذا الأمر.[72]
الشيخ الصدوق بعد نقل الرواية المذكورة يكتب: (التقية والامتناع عن السبّ لمعتقدات أهل السنة حتى خروج الإمام المهدي(ع) واجب. ومن يفعل خلاف ذلك قبل خروج ذلك الإمام يكون قد خرج من دين الله ومذهب الإمامية وعارض الله ورسوله والأئمة المعصومين(ع).)[73]
وقد تم متابعة هذا المنهج من قبل نواب خاصين وعامّين للأئمة(ع)، كمثال: كان حسين بن روح نائب ولي العصر(عج) يمنع الإساءة إلى مقدسات أهل السنة، وحتى في حالة إهانة أحد موظفيه لمعاوية، أقاله من منصبه ولم يقبل شفاعة الآخرين عنه.[74]
تشكيل المؤتمر الدولي الإسلامي
فكرة تجمع المسلمين في مؤتمر عالمي، خاصة في أيام أداء مناسك الحج، طرحت من قبل كثير من المصلحين ودعاة الوحدة. يجتمع العديد من المسلمين والعلماء الدينيين سنويًا لأداء مناسك الحج التي تجمع بين العبادة والسياسة. الاستفادة من هذه الفرصة، خاصة في عالم اليوم، أمر ضروري وحيوي.
وعلى هذا الأساس، يرى الشهيد الصدر أن المسلمين يجب أن يتعرفوا على بعضهم البعض بشكل أفضل في هذا الجمع الكبير لتعزيز التقارب الفكري والروحي والأخوة بينهم. يجب أن يجلس المسلمون في هذا المؤتمر العظيم كأمة واحدة للتشاور في شؤونهم ومشاكلهم وإيجاد الحلول لها[70].
الشهيد الصدر يحلل الحج الحالي ويطرح السؤال: لماذا لا يحقق المسلمون الأهداف المذكورة من إقامة الحج؟ ويجيب بنفسه: (إذا لم يستطع المسلمون تحقيق هذه الأهداف من هذا المؤتمر الكبير، فهذا لا يقلل من قيمة الحج الحقيقي؛ لأن هذا النقص يعود إلى الظروف السياسية والفكرية والاجتماعية وليس إلى الحج نفسه.)[75]
للأسف، لا يُقام الحج كما أمر الإسلام. المسلمون لا يولون فلسفة وأهداف هذه الفريضة المهمة الاهتمام الكافي. الحكومات العميلة ترى بقائها في جهل الناس. وتخلق ظروفًا من خلال طرح قضايا منحرفة تمنع المسلمين من إدراك سر الحج ليظلوا غير متحدين، فلا يقوموا ضد الظلم والظالمين والاستكبار العالمي.
كان الشهيد الصدر يؤمن أنه إذا انتبه المسلمون إلى شروط وأركان هذه الفريضة العظيمة وابتعدوا عن الأعمال التي تسبب التفرقة والعداوة بينهم، فسوف يحققون الأهداف المذكورة.
وللوصول إلى هذه الأهداف وما يُنتظر من مؤتمر الحج، يقترح الشهيد الصدر تشكيل مجلس: (لو كان لدى المسلمين في الحج مجلس كبير سنوي يُعقد بعيدًا عن الأغراض والدعوات الخاصة، لكان بإمكانهم مناقشة شؤون دينهم ودنياهم، والبحث في مشاكل الحياة وأفكارهم وآمالهم وآلامهم وبؤسهم.)
العبارة: (بعيدًا عن الأغراض والدعوات الخاصة) تشير إلى المؤتمرات التي يعقدها الحكام المستبدون ويشارك فيها فقط عدد محدود من العلماء التابعين لهم. هذه التجمعات لا تستطيع تحقيق الأهداف المذكورة.
مكافحة التعصبات القومية
الاعتماد على العرق واللغة والدم سبب في تفرقة المسلمين عن بعضهم البعض. التعصبات العرقية والقومية أدت إلى ظهور مدارس مثل: (البان عربيسم) (البان تركيسم) (البان إيرانيزم) وغيرها، وجمع حولها الناس الجاهلون بحقائق الإسلام.
كان التعصب القومي شائعًا في الجاهلية، لكن الإسلام ألغاه وجعل الإسلام والقيم الإسلامية محورًا. كما قال النبي(ص): (أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، كلكم من آدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى.)[76]
أيها الناس! ربكم واحد وأبكم واحد. جميعكم من نسل آدم ومن تراب خلقتم. لا فضل للعربي على غير العربي إلا بالتقوى.
كان الشهيد الصدر يرى أن تعزيز روح القومية والعنصرية من أساليب الاستعمار، وكان يؤمن بأن الأمة الإسلامية: (لا تعتمد على وحدة العرق والدم، لأن الوحدة الإسلامية تشمل جميع الأعراق والأمم، ولا تعتمد على الموقع الجغرافي، لأن أفراد الأمة دائمًا ما ينحدرون من أراضٍ مختلفة، ولا تعتمد على لغة خاصة، لأن الأمة تضم مجموعات ذات لغات متعددة.)[77]
عزز بنو أمية عنصر العروبة بدل الإسلام. وفي القرون الأخيرة، بالغت بعض الدول الإسلامية في هذا الأمر إلى حد جعل الإسلام والقيم الإسلامية تحت تأثير التعصبات القومية والعرقية. وهذا في الحقيقة نوع من العودة إلى عصر الجاهلية قبل الإسلام، وكان يجب تصحيحه بتحذير الوجوه اليقظة والمفكرين الإسلاميين.
كما أشرنا، كان الشهيد الصدر يعتمد على الإسلام بدل القومية. كان يعتبر نفسه مسؤولًا أمام جميع المسلمين في العالم. لم يكن يفرق بين عربي وعجمي، شيعي وسني. كمثال، عندما سُئل: أنت عربي فلماذا تدعم الفرس والثورة الإيرانية؟ أجاب: (أنا مسؤول أمام جميع المسلمين في العالم ويجب أن أفي بمسؤوليتي تجاههم جميعًا.)[78]
في أيام حصار منزل الشهيد صدر من قبل حكومة البعث، جاء زيد حيدر من أعضاء مجلس القيادة الوطني لحزب البعث وعبدالرزاق حبوبي محافظ النجف إلى بيت الشهيد صدر، وفي هذا اللقاء تحدث الشهيد صدر عن دور الحوزات العلمية والعلماء الشيعة في إحداث وقيادة الحركات الإسلامية، وأدان حكومة البعث العراقية بسبب قتلها للشعب والعلماء الدينيين.
كان الاثنان ينظران إلى الشهيد صدر مذهولين ولا يعرفان ماذا يقولان. فجأة قال حبوبي مع نفسه: (انظروا كيف يتحدث هذا الرجل الكريم ببلاغة ومنطق… يجب أن نحاول أن نجعله عالماً ورجلاً دينياً للبعثيين.)[79]
ضحك الطلاب الحاضرون في الجلسة، وابتسم الشهيد صدر أيضاً.
سأل حبوبي: لماذا تضحكون؟
فأجاب الشهيد صدر: (أنا عالم للمسلمين، لا عالم للبعثيين.)[80]
في يوم آخر، جاء الشيخ عيسى الخاقاني كممثل شخصي لصدام لزيارة الشهيد صدر، وقدم له مطلبين:
- العرب في خوزستان تحت ضغط وظلم حكومة الجمهورية الإسلامية الإيرانية. يجب أن نفكر في تحريرهم.
- لماذا يجب أن تكون الحوزة العلمية في النجف دائماً تحت إشراف وإدارة الإيرانيين؟ يجب أن نؤسس نحن حوزة علمية عربية، وأن تكون أنت زعيم الحوزة ومرجعها الكبير.[81]
فأجاب الشهيد صدر: (الميزة التي تملكها النجف والتي تجعل هذه الحوزة عزيزة ومشرفة هي أن الحوزة العلمية في النجف الأشرف جامعة عامة مفتوحة لجميع الأعراق الإسلامية: عرب، فارس، ترك، إيراني، عراقي، أفغاني… يدرسون فيها، فماذا يعني أن تكون حوزة عربية؟)
ثم نظر ذلك العظيم بغضب إلى وجه مبعوث صدام وقال: (أما قضية عرب خوزستان والظلم الواقع عليهم فهي كلها كلام فارغ لا معنى له، صنعتموه بسبب عدائيتكم مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. عرب خوزستان مثل بقية الأعراق الإيرانية يعيشون في سلام وهدوء ورفاهية وأمن، وحالتهم أفضل من عرب العراق. فكروا في حرية شعب العراق من قيود الأسر والإذلال على يد حكومة البعث الأمريكية، ولا تفكروا في عرب خوزستان الإيرانيين. ارحموا حال هؤلاء العرب البؤساء العراقيين الذين تهدرون مواردهم وثرواتهم لتثبيت حكمكم الجائر، وهم غارقون في الفقر والبؤس.)[82]
أظهر الشهيد صدر من خلال هذه المواقف الشجاعة أن وحدة الإيمان والعقيدة، خلافاً للأنظمة الغربية والمجتمعات السياسية المعاصرة، هي الركيزة التي تعتمد عليها الأمة الإسلامية، وهذه الوحدة تقرب الناس من بعضهم البعض كأنهم إخوة، لأن وحدة الآمال والطموحات والتوافق في الطريق الذي يسيرون فيه هي عوامل تربط القلوب والأرواح معاً.
علاوة على ما سبق، فإن استخدام مصادر المذاهب الأخرى، وترويج الكتب التي تخلق الوحدة، وتعريف الشيعة للمذاهب الأخرى، وتقديم نماذج للوحدة، والرد على الشبهات التي تزعزع التفاهم، وغيرها من الأعمال التي أولى الشهيد صدر اهتماماً بها في سبيل التضامن والوحدة بين الجماعات الإسلامية، هي أمور يجب التطرق إليها في فرصة مناسبة.
تأثير الشهيد صدر من شرف الدين
لا شك أن كل مصلح يستفيد من أفكار ومعتقدات المصلحين والمثقفين في عصره وما قبله. الشهيد صدر ليس استثناءً من هذه القاعدة، لكن لدينا دلائل وشواهد على أنه تأثر في فكر الوحدة الإسلامية أكثر من علامه شرف الدين.
طريقة دعوة الشهيد صدر إلى الوحدة هي ذاتها طريقة شرف الدين. كلاهما يحترمان معتقدات أهل السنة وكذلك العلماء والجماهير من أهل السنة. ومع ذلك، يؤمنان بضرورة عرض عقائد الشيعة بطريقة علمية ومنطقية. كلاهما متفقان في طرق الوصول إلى التضامن.
كان الشهيد صدر يولي اهتماماً خاصاً لكتابات وأعمال شرف الدين، خاصة تلك التي كتبت في سبيل الوحدة، حتى إنه كان يأمر أحياناً بطباعة وإعادة نشر بعضها، وأحياناً يكتب مقدمة لبعضها، ويشرح جهود ونضالاته ضد الاستعمار. كان الشهيد صدر يعتبره نموذجاً في أسلوب الدعوة.
اقترح الشهيد صدر على أحد تلاميذه البارزين، وهو الشيخ حسين آل ياسين، أن يطبع كتاب (المراجعات) بتحقيق وشرح أفضل وأوسع. وبعد الانتهاء من العمل، شكر الشهيد صدر تلميذه، فأجابه: لو لم تكن عنايتكم وجهودكم، لما كنت قادراً على القيام بهذا العمل.[83]
كتاب (النص والاجتهاد) هو من الأعمال المهمة والقيمة لشرف الدين. في هذا الكتاب، طرح ودرس بدقة وتحقيق المسائل المختلف عليها، ورد على الشبهات بعلمية. استفاد الشهيد صدر من طريقته، خاصة في تعريف الشيعة والرد على الشبهات.[84] بالإضافة إلى ذلك، أورد في مقدمة هذا العمل بإيجاز جهود وحركات شرف الدين ضد الاستعمار.[85]
في أحد الأيام التي كان فيها منزل الشهيد صدر محاصراً من قبل نظام البعث، جاء زيد حيدر من أعضاء مجلس القيادة الوطني لحزب البعث العراقي وعبدالرزاق حبوبي محافظ النجف إلى منزله. في هذا اللقاء، وبعد أن تحدث الشهيد صدر عن دور الحوزات العلمية والعلماء الشيعة في إحداث وقيادة الحركات الثورية للأمة الإسلامية في التاريخ المعاصر، ذكر علامه شرف الدين وأشاد بحركته ضد الاستعمار الفرنسي.[86]
علاوة على ذلك، كان الشهيد صدر يستشهد أحياناً بأفعال وأقوال شرف الدين، ومن ذلك في رده على التوسل والتبرك بالصالحين ولمس قبورهم، أشار إلى موقف علامه شرف الدين من عبدالعزيز آل سعود: (في عيد الأضحى، أهدى شرف الدين ملك عبدالعزيز مصحفاً محفوظاً في غلاف من الجلد. أخذ الملك الهدية وقبلها ووضعها على جبينه احتراماً وتكريماً.
قال سيد شرف الدين: لماذا تقبّل هذا المجلد مع أنه ليس إلا جلد ماعز؟ قال الملك: بسبب القرآن الذي في داخل هذا المجلد. قال شرف الدين: نحن أيضاً حين نقبل نافذة أو باب غرفة النبي(ص) نعلم أنها من حديد ولا ينفع الحديد بشيء، ولكن الهدف هو ما بداخل هذه المعادن والأخشاب. نحن بهذا نريد أن نحترم ونجل رسول الله(ص) (ص).[87]
فقال الحاضرون تكبيراً وأيدوه. ثم اضطر الملك بعد ذلك أن يسمح للحجاج أن يتبركوا بآثار رسول الله(ص) (ص)، ولكن الذي جاء بعده منع المسلمين مرة أخرى من هذا العمل.
[1] (سيرة الشهيد آية الله صدر) سيد محمد موسوي 42/ بشير قم.
[2] في عصرنا هذا، قامت العديد من المؤسسات البحثية بدراسة هذا الموضوع من زوايا مختلفة، ومن بينها في عام 1986 بحث جديد من (مدرسة التاريخ) بجامعة تل أبيب (فلسطين المحتلة) بعنوان المؤتمرات الإسلامية. يكتب مؤلف العمل مارتن جرامر في مقدمة الكتاب: (دراسة المحاولات الأولى للمسلمين في بداية القرن الحالي (القرن العشرين) لمكافحة هيمنة الغرب وإحياء عظمة الإسلام من خلال وحدة المسلمين.) مجلة (حوزة) العدد 4/20
[3] (مباحث الأصول) سيد كاظم حائري ج151/1 مكتبة الإعلام الإسلامي قم.
[4] مجلة (الفكر الجديد) العدد 306/6 ـ 307 دار الإسلام للدراسات والنشر بيروت لبنان.
[5] (نفس المرجع) 307/.
[6] مجلة (حوزة) العدد 130/61.
[7] كتاب (الوحدة) مقال (الغدير والوحدة الإسلامية) الشهيد مطهري 384/ إرشاد إسلامي.
[8] انظر: (رسالَتنا) الشهيد صدر 55/ ـ 61 مكتبة النجاح طهران؛ (مباحث الأصول) ج151/1؛ (أهل البيت تنوع أدوار وحدة هدف) الشهيد صدر منشور في (المجموعة الكاملة لمؤلفات السيد الصدر) ج70/11 دار التعارف للمطبوعات بيروت لبنان.
[9] سورة (النحل) آية 125.
[10] (الفكر الجديد) العدد 308/6.
[11] نفس المرجع.
[12] (فدك أهل البيت) منشور في (المجموعة الكاملة لمؤلفات السيد الصدر) ج34/11 ـ 37.
[13] (نفس المرجع) نص فارسي 46 ـ 47 نص عربي 56/.
[14] (نفس المرجع) نص عربي 56 ـ 57 نص فارسي 47/ ـ 48.
[15] (نفس المرجع) نص عربي 60/ نص فارسي 53.
[16] كتاب (الوحدة) مقال (الغدير والوحدة الإسلامية) 385/ إرشاد إسلامي.
[17] (رسالَتنا) 58/ (رسالتنا) 49/.
[18] (نهج البلاغة) فيض الإسلام نامه 62.
[19] (نفس المرجع) خطبة 134 146؛ (أهل البيت تنوع أدوار ووحدة هدف) 67/ ـ 68.
[20] (مباحث الأصول) ج151/1.
[21] (أهل البيت تنوع أدوار ووحدة هدف) 70/.
[22] شرف الدين في (أجوبة مسائل جار الله) في تفسير اقتداء ذلك الإمام بالخلفاء يكتب: (وأما الصلاة على (ع) وراء أبي بكر وعمر فليست تقية من حاث الإمام أن يجعل عبادته تقية ويجوز للشيعي أن يقتدي بالسني.) عشرون جواباً لموسى جار الله العلامة شرف الدين ترجمة سيد محمد مختارشاهي 176/ جهان آرا.
[23] (أهل البيت تنوع أدوار ووحدة هدف) 65/.
[24] (وسائل الشيعة) شيخ حر عاملي ج381/5 ـ 382 دار إحياء التراث العربي بيروت.
[25] (أصول الكافي) ثقة الإسلام كليني ج401/2 دار صعب ودار التعارف بيروت.
[26] (دور القادة الشيعة في إعادة بناء المجتمع الإسلامي) الشهيد صدر ترجمة علي إسلامي 11/ روز به طهران.
[27] نفس المرجع.
[28] (أهل البيت تنوع أدوار ووحدة هدف) 70/.
[29] نفس المرجع.
[30] كثير من العلماء والمراجع الشيعة من بينهم: آقا سيد محمد كاظم يزدي، ميرزا محمد تقى شيرازي، شيخ الشريعة أصفهاني، سيد مصطفى كاشاني وغيرهم أصدروا فتوى بالجهاد وطلبوا من الشيعة في العراق أن يدافعوا مع إخوانهم السنة عن الدولة الإسلامية.
[31] (مباحث الأصول) ج152/1.
[32] نفس المرجع.
[33] نفس المرجع.
[34] (حين هداني) دكتور سيد محمد تيجاني ترجمة سيد محمد جواد مهري 82/ مؤسسة معارف إسلامية قم.
[35] هو قد ناقش الحركة الإسلامية في العراق بالتفصيل.
[36] (الفكر الجديد) العدد 306/6 ـ 307.
[37] نفس المرجع 328/ هامش.
[38] (رسالَتنا) 21/ ـ 22.
[39] نفس المرجع.
[40] نفس المرجع نص عربي 137 ـ 142 نص فارسي 121.
[41] نفس المرجع نص عربي 141 نص فارسي 121/ ـ 122.
[42] نفس المرجع نص عربي 142/ نص فارسي 122/.
[43] (رسالَتنا) 59/.
[44] (أصول الكافي) ج164/2.
[45] (رسالَتنا) 59/ ـ 60 (رسالتنا) 50/.
[46] (فلسفتنا) مقدمة.
[47] الشهيد صدر لم يكن عضواً في جامعة العلماء لكنه كتب معظم كتابات جماعة العلماء. انظر: (سيرة الشهيد صدر) سيد محمد موسوي 49/.
[48] نفس المرجع؛ (مباحث الأصول) 87/.
[49] (مباحث الأصول) ج88/1 ـ 89.
[50] (الأسبوعية بعثة) العدد المتسلسل 579 السنة الثانية عشرة.
[51] نفس المرجع رسالة الشهيد صدر إلى سيد هادي خسروشاهي.
[52] (الإسلام يقود الحياة) الشهيد صدر 23/ دار التعارف بيروت.
[53] (مباحث الأصول) ج151/ ـ 152.
[54] نص فتوى الشهيد صدر: (يُعلم جميع المسلمين أن الانضمام إلى حزب البعث تحت أي عنوان شرعاً حرام، وأي تعاون معه يعد نصرة للظالم والكافر وعدو الإسلام والمسلمين.)
[55] نص فتوى الشهيد صدر: (يُعلم جميع المسلمين أن المشاركة في صلاة الجماعة مع من لم يُعينهم مراجع المسلمين من الناحية الشرعية حرام في الإسلام المقدس.)
[56] (الشهيد صدر على علو الفكر والجهاد) مصطفى قلي زاده 90/ منظمة التبليغات الإسلامية.
[57] نفس المرجع 95/ ـ 96.
[58] (مباحث الأصول) ج153/1.
[59] نفس المرجع.
[60] (غرر الحكم ودرر الكلم) آمِدي ج66/4 جامعة طهران.
[61] (فدك أهل البيت) الشهيد صدر 11/ دار التعارف.
[62] نفس المرجع 26/ 44.
[63] (صباح الخميس) 10/ ملحق صحيفة الجمهورية الإسلامية 1361/1/19.
[64] (مباحث الأصول) 151/.
[65] نفس المرجع 151/ ـ 153.
[66] (حين هداني) 82/ ـ 83.
[67] نفس المرجع.
[68] نفس المرجع 88/ ـ 94.
[69] من فخر مالك بن أنس أنه يقول: (عندما كنت أزور جعفر بن محمد كان يحترمني، فشكرته أن يحبني.) مجلة حوزة العدد 88/18.
[70] (أصول الكافي) ج401/2.
[71] سورة (الأنعام) آية 108.
[72] (الاعتقادات) شيخ الصدوق 107/.
[73] نفس المرجع 108/.
[74] (الغيبة) شيخ الطوسي 386/.
[75] نفس المرجع 131/.
[76] (تحف العقول) ابن شعبه الحراني تحقيق علي أكبر غفاري ترجمة 33/ إسلاميه طهران.
[77] (رسالتنا) 52/ ـ 53.
[78] مجلة (سروش) العدد 45/139.
[79] (مباحث الأصول) ج55/1؛ مجلة (سروش) العدد 45/139؛ (الشهيد صدر على علو الفكر والجهاد) 130/.
[80] نفس المرجع.
[81] (مباحث الأصول) 161/.
[82] نفس المرجع؛ (الشهيد صدر على علو الفكر والجهاد) 131/ ـ 133.
[83] (المراجعات) العلامة شرف الدين تحقيق وتعليق: شيخ حسين راضي بيروت؛ (الشهيد صدر على علو الفكر والجهاد) 105/ ـ 106.
[84] (التشيع أو الإسلام الحقيقي) الشهيد صدر ترجمة علي أكبر مهدي بور 60/ ـ 84 روز به طهران.
[85] (استراتيجية الوحدة في الفكر السياسي الإسلامي) سيد أحمد موثقي ج282/2 منشورات مكتب التبليغات الإسلامية.
[86] (مباحث الأصول) ج54/1.
[87] (حين هداني) 93/ ـ 94.

