ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: تبیین جایگاه مردم در حکومت اسلامی از منظر شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص
السؤال عن طبيعة الحكم الإسلامي مرتبط ارتباطًا مباشرًا بموضوع الشعب ومكانتهم في النظام السياسي. ولهذا السبب، نشر المفكرون والفلاسفة السياسيون المسلمون العديد من الدراسات وقدموا نظريات مختلفة في هذا الخصوص. ومن بين هؤلاء يمكن الإشارة إلى الفكر السياسي لآية الله السيد محمد باقر الصدر، الذي من خلال طرح نظرية «الخلافة السياسية للإنسان» يسعى إلى الجمع بين الشرعية الإلهية والدور المحوري للإنسان في تأسيس واستقرار الحكم الإسلامي. في هذا المقال، تساءل المؤلفون عن مكانة الشعب في الحكم الإسلامي من منظور آية الله السيد محمد باقر الصدر، وباستخدام المنهج التحليلي والمستند إلى النظام المفاهيمي والبنية الدلالية لنظرية الخلافة السياسية للإنسان، أظهروا أن آية الله الصدر، مع تأكيده على الحق التكويني للبشر في المجال السياسي العملي، فهم وحلل شرعية الحكم الإسلامي من خلال دور الشعب.
المؤلف: اصغر افتخاری، مهدی اسدی
المصدر: فصلنامه رهیافت انقلاب اسلامی، السنة الثامنة، ربيع ١٣٩٣، العدد ٢٦، ص ٤٥-٦٦
المقدمة
من وجهة نظر الشهيد الصدر، السيادة والولاية المطلقة على العالم والإنسان أصلاً وحقيقةً من الله تعالى: «لا حاكم، ولا مالك، ولا إله للعالم والحياة إلا الله سبحانه (السيادة محصورة به)» (صدر، د.ت (١): ١٢٩) والله بناءً على سيادته المطلقة وسنن الخلق الحاكمة على الوجود، جعل الإنسان العاقل والمختار حاكمًا على مصيره؛ أي أن أساس خلق الإنسان قد صُمم بحيث يمتلك القدرة والموهبة لإدارة مجتمعه. هذه القدرة والموهبة تجعل الإنسان صاحب حق يُسمى حق السيادة أو حق الولاية؛ الشهيد الصدر يطلق على هذه السيادة أو الولاية الممنوحة من الله للبشر عناوين مثل «الخلافة العامة»، «خلافة الإنسان»، «الاستخلاف»، «الاستئمام» و«الاستئمان» التي تشكل أساس إنشاء الدولة والنظام السياسي وتكوين الحكم. الشهيد الصدر يرى أن مسألة خلافة الإنسان، من وجهة نظر القرآن، هي في الحقيقة أساس حكم الإنسان على الوجود (صدر،١٤٠٣: ١٣٢).
بالنظر إلى الدور الأساسي لهذه النظرية في تشكيل الدولة وكذلك في إنشاء التشكيلات الحكومية، يتناول هذا المقال دراسة مفهوم وطبيعة خلافة الإنسان (دور الشعب) في الفكر السياسي للشهيد الصدر وأسس ونتائج قبولها. السؤال الرئيسي في هذا المقال هو: ما هي مكانة ودور الشعب في الحكم الإسلامي من منظور الفكر السياسي للشهيد الصدر؟ وللوصول إلى هذا الهدف، تم استخدام المنهج التحليلي. قام المؤلفون بدراسة آراء وكتابات الشهيد الصدر لتوضيح مكانة الشعب بناءً على نظرية الخلافة السياسية للشعب وشرحوا أسباب وحيثيات هذه المسألة.
١. الإطار المفاهيمي
الأساس الفكري لأفكار الشهيد الصدر هو مدرسة الإسلام. نظم فكره السياسي بناءً على تعاليم القرآن والسنة المعصومين (ع) ويعتقد أن: «الإسلام هو أقوى مدرسة لتحمل مسؤولية القيادة العقائدية وتوجيه الأمة الإسلامية نحو أسمى الأهداف والنماذج والارتقاء بالأمة فوق جميع شعوب الأرض…» (صدر، د.ت (٣): ١٨). وفي هذا السياق، يرى الشهيد الصدر أن الإسلام مدرسة عالمية ودائمة، لأنه يؤمن بشخصية وطبيعة الإنسان، فهو فطري، ولذلك يتوافق مع الفطرة الداخلية للإنسان وموهباته واحتياجاته ورغباته، ويحتوي على مبادئ مشتركة بين جميع البشر، وفي النهاية يهدف إلى نمو وتطور المجتمعات البشرية ويساعد في مواجهة العوامل السلبية والمعوقات التي تعيق تطور الحياة البشرية (صدر، د.ت (٣): ٨٠-٨٢). بناءً على تعاليم الدين الإسلامي، الإنسان في الوجود ليس كيانًا منفصلًا عن النظام الكوني بحيث خلقه الله منفصلًا ويعوله منفردًا، بل هو أحد أضلاع مثلث ثلاثي الأضلاع، أحد أضلاعه العالم، والآخر الإنسان، والضلع الثالث هو العلاقة بين العالم والإنسان.
الحق الإنساني هو أن يكون متوافقًا مع هذا المثلث؛ أي أن يتوافق مع هوية وبنية الإنسان الداخلية وكذلك مع شكله الخارجي والظاهر، وأيضًا مع نظام الوجود وترابط الإنسان والعالم. فإذا كان الإنسان داخل هذا المثلث ويعيش ضمن هذا النظام، فإن حقوقه في جميع أبعادها مطروحة؛ ويجب تنظيم حقوقه مع مراعاة هذا المثلث، أي يجب الانتباه أولًا إلى ما هو الحق في نظام الوجود لكي تتوافق الحقوق الطبيعية للإنسان معه. ثانيًا، ما هو الحق في بنية الإنسان. ثالثًا، ما هو الحق في العلاقة بين العالم والإنسان لكي تتوافق حقوق الإنسان معه. هذا مبدأ عام في فهم حقوق الإنسان. نقطة أخرى هي أن فهم الإنسان في إطار هذا المثلث المنظم يمكن أن يكون له طرق عديدة؛ وأفضلها هو الانتباه الكامل إلى توجيهات خالق الإنسان. إذا ثبت بالدليل العقلي والنقلي أن الإنسان ليس صدفة ولا تابعًا لذاته، بل هو مرتبط بالحدوث والبقاء بالله الغني بذاته، فلا بد له في فهم ذاته من الاستعانة بهدايته. وهذا أيضًا مبدأ آخر يجب مراعاته في فهم المخلوقات، وهو أن تعليم الخالق يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار، وإلا فإن عملية دراسة الإنسان ستنحرف وتضل، وبالتالي ستواجه معرفة حقوق الإنسان صعوبات (جوادی، ١٣٨٤: ٣٨).
المبنى والمحور الأساسي لنظريات السياسية لآية الله السيد محمد باقر الصدر (قده) هو النظرة والرؤية التوحيدية والربانية لنظام الوجود ( صدر، ١٤٠٨: ٤٧ – ٣٢). بناءً على النظرة التوحيدية، العالم هو مجموعة من العناصر والقوانين (السنن) والأجزاء المرتبطة والمنظمة والهادفة والمليئة بالمعنى، والإنسان أيضاً كائن ذو معنى، مسؤول وهادف. في هذه النظرة، يُدار العالم وفق سنن تُعرف بالسنن الإلهية. لذا، فإن المبدأ الثاني الأساسي في الفكر السياسي للشهيد الصدر هو وجود السنن الإلهية الحاكمة على الكون. كما أن الله سبحانه خلق الإنسان بناءً على حكمته، ومنحه بفضل جوهر العقل كرامة وفضيلة فطرية، وباعتبار قوة العقل في إدارة شؤون حياته، يتمتع الإنسان بحرية وإرادة فطرية لا سلطان لأحد عليها. بناءً على ذلك، في النظرة التوحيدية، تقوم السياسة على ثلاثة مبادئ: أولاً) السيادة المطلقة لله، ثانياً) وجود السنن الإلهية الحاكمة على العالم، ثالثاً) حرية الإنسان وإرادته.
٢. الإطار النظري
هذا البحث قائم على نظرية «خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء» لآية الله السيد محمد باقر الصدر. أساس ومنطلق الأفكار السياسية للشهيد الصدر هما مفهومان: خلافة الإنسان والرقابة الإلهية. الصدر يحلل التاريخ السياسي للعالم من منظور ديني بناءً على توازن خلافة الإنسان والرقابة الإلهية، ويحدد مراحله المختلفة. وهو يستخلص أساس شرعية الدولة الإسلامية من هذين المفهومين. في هذا النموذج الشرعي، لا يوجد تعارض بين الله والشعب، بل الشرعية قائمة على كلاهما. بناءً عليه، يمكن اعتبار التخطيط الإلهي للإنسان ذا قسمين رئيسيين: القسم الأول) خط الخلافة الذي يتبع عبر الأجيال من الإنسان، والقسم الثاني) خط الرقابة الذي يتابعه الله لحماية الإنسان من الانحراف وللهداية في طريق الكمال (صدر،١٣٩٩: ١٣٨-١٣٩).
الله سبحانه وتعالى أنشأ نظام الشهادة والرقابة بواسطة ممثليه لقيادة الإنسان في الطريق الإلهي (البقرة (٢)/٣٨). لأنه كان على علم تام بإمكانات الإنسان وطاقاته ومشاعره وعواطفه، وكان على دراية بنقاط ضعف الإنسان ووساوس النفس (ق (٥٠)/١٦ والعصر (١٠٣)/١-٣)، لذا لو ترك الإنسان بمفرده دون هداية ورقابة، لكان خلق الإنسان عبثاً وعدماً، ولأدى إلى نشوء أنواع متعددة من الشهوات والاستغلال والاعتداء (المؤمنون (٢٣)/١١٥). بناءً على ذلك، وضع الله خط الرقابة إلى جانب خط الخلافة لحمايته من الانحراف وضمان هداية البشر. لو لم يكن هذا التدخل الإلهي غير المباشر في مسار خلافة الإنسان، لما تحققت أهدافها السامية أبداً (صدر،١٣٩٩: ١٥١-١٥٢).
الله منح منصب الرقابة على خلافة البشر لثلاث فئات: الأنبياء، الأئمة المعصومين (ع)، والعلماء الدين الذين يُعتبرون في إطار المرجعية امتداداً لخط النبوة والإمامة (المائدة (٥)/٤٤). الشهيد الصدر يرى أن المراقبين على خلافة الإنسان يجب أن تتوفر فيهم شروط العدل بمعنى الحفاظ على الاعتدال وتجنب الغلو والتفريط في السلوك (البقرة (٢)/١٤٣)، وعلم الدين والإلمام الكامل بمحتوى ومضامين الرسالة الإلهية (مائده /٤٤)، والبصيرة والاطلاع الكامل على الحقائق الاجتماعية وصفات النفس المطلوبة في الأفعال والسلوكيات الجماعية مثل: الحكمة، العقلانية، الصبر والشجاعة (صدر،١٣٩٩: ١٥٣-١٥٤)، وأن يلتزموا بالمهام التالية:
أولاً) الإلمام الكامل بالدين كرسالة سماوية من الله وحمايته،
ثانياً) الإشراف والرقابة على أعمال الخلافة من قبل البشر وإرشادهم وتوجيههم في الجوانب المتعلقة بالدين وأحكامه ومفاهيمه،
ثالثاً) التدخل في عملية الخلافة عند الضرورة واتخاذ التدابير الممكنة لمنع انحرافها. لذلك، المرجع (الشاهد) من الناحية الأيديولوجية يتحمل المرجعية الفكرية والتشريعية للمجتمع، ومن الناحية التنفيذية يكون مراقباً لمسار الخلافة وعاملاً على توحيدها مع الرسالة الإلهية، ويمنع انحرافها (صدر،١٣٩٩: ١٥٤-١٥٥).
في هذا النظرية، استخدم الشهيد صدر حقين إلهيين؛ خلافة الإنسان والرقابة الدينية للمرجعية، ليطرح نموذج حكم الجمهورية الإسلامية. لذلك، الركنان الأساسيان في هذه النظرية هما: أولاً) خلافة الشعب، ثانياً) رقابة المرجعية (کدیور،١٣٧٦: ١٢٩-
١٣٠). ومن خلال التدقيق في أركان هذه النظرية، يتضح دور الشعب في نظام الديمقراطية الدينية بشكل جيد، لأن الشهيد صدر في هذه النظرية بيّن خلافة الإنسان السياسية في ارتباطها برقابة الشهود (المرجعية). وهذه المسألة ذات أهمية في هذا البحث، حيث يرى الباحثون أن الشهيد صدر إلى جانب الشرعية الإلهية للرقباء (الشهود) على الأمة الإسلامية، يمنح الشرعية الإلهية أيضاً لخلافة الشعب (الأمة) السياسية، ولا يكتفي بدورهم في قبول وتشكيل النظام السياسي الإسلامي. لذا، ما تم التركيز عليه في هذا المقال هو الركن الأول من هذه النظرية، وهو خلافة الإنسان السياسية (دور الشعب في الحكم الإسلامي) بناءً على التشريع الإلهي.
٣. المفاهيم
يستخدم الشهيد صدر في شرح مقصده في تفسير هذه النظرية مفاهيم ومصطلحات مثل «خلافة الإنسان (خلافة الإنسان)» أو «خلافة العام (الخلافة العامة)»، و«استخلاف»، و«استئمام»، و«استئمان» و«أمة» (موسوی و درودی، ١٣٩١: ٢٣). وللتعرف على أدبيات الموضوع وتوضيح المفاهيم المطروحة في هذا المقال، سنعرّف كل من هذه المفاهيم بشكل منفصل.
٣-١. الخلافة
للتعرف على مفهومي «خلافة الإنسان» و«خلافة العام» يجب أولاً دراسة كلمة «الخلافة». لم ترد كلمة الخلافة صراحة في القرآن، لكن بعض مشتقاتها مثل خليفة (مرتين)، خلفاء (أربع مرات)، خلفا (ثلاث مرات)، خلف وغيرها ذُكرت. في اللغة العربية، تعني الخلافة «النيابة» و«الوكالة». يكتب راغب الأصفهاني في كتابه مفردات: «الخلافة هي النيابة والوكالة عن الآخر في أحد هذه الأمور: النيابة بسبب غيبة الآخر (الوكيل)، النيابة بسبب موت الآخر (الوكيل)، النيابة والوكالة بسبب عجز الآخر (الوكيل)، النيابة بسبب الترفيع والتكريم للوكيل ورفع شأنه إلى الكمال، وعلى أساس الحالة الرابعة أعطى الله أوليائه الخلافة في الأرض» (راغب اصفهانی، 1406: 155-156).
٣-٢. خلافة الإنسان
الكلمة خلافة التي تعني النيابة، إذا أضيفت إلى اسم، تعني نيابة ذلك الاسم والوكالة عنه. لذلك، المقصود من خلافة الإنسان هنا هو خلافة الإنسان في الأرض نيابة عن الله.
٣-٣. خلافة العام
المقصود من خلافة العام هو الخلافة العامة للإنسان على الأرض. يمكن اعتبار هذه الكلمة معادلة لخلافة نوع البشر، لأن «العام» إما صفة للخلافة تعني الخلافة العامة، أو مضاف إليه تعني عموم البشر وبالفعل نوع البشر. الشهيد صدر يعتبر الخلافة العامة مرادفة لـ «خلافة الإنسان». ولهذا يمكن تحويل هذين المصطلحين إلى عبارة «الخلافة العامة للإنسان». إذن، «خلافة الإنسان» أو «الخلافة العامة» تعني خلافة البشر على الأرض نيابة عن الله، وهذه الخلافة ليست بسبب الغيبة أو الموت أو العجز والضعف للوكيل، بل بسبب التكريم والكرامة ورفع الإنسان إلى الكمالات الاجتماعية والفردية المستحقة. الإنسان بسبب امتلاكه العقل والحرية والإرادة والسعي إلى الكمال… اكتسب هذه الأهلية.
يقول الله تعالى في هذا الصدد: «ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً» (الإسراء (١٧)/٧٠).
٣-٤. استخلاف
هذه الكلمة مصدر باب الاستفعال ومن جذور «خلافة»، وتعني تعيين الوكيل، ودعوة للخلافة، ومنح النيابة. مثلاً «استخلف فلاناً» يعني جعله وكيلاً عنه (معلوف ،١٣٥٢: ١٩٢). الشهيد صدر في تحليل عناصر المجتمع يعتبر «الاستخلاف» أحد هذه العناصر بمعنى تعيين الإنسان خليفة لله على الأرض.
٣-٥. استئمام
تعبير آخر الذي يستخدمه الشهيد الصدر للتعبير عن الخلافة العامة للإنسان على الأرض هو «الاستئمان» الذي يعني «إمامة»، «تعيين إمام»، «تثبيت الإمامة والقيادة». بناءً على ذلك، يرى الشهيد الصدر أن الله سبحانه وتعالى قد كرّم الإنسان بمقام «الإمامة» على الأرض، وهو تعبير آخر عن الخلافة والنيابة العامة للإنسان. وبعبارة أخرى، عندما ننظر إلى حكم الإنسان على الأرض من جهة الله، فهو خلافة ونيابة، أما إذا نظرنا إلى موضوع الخلافة العامة بالاعتماد على دور الإنسان، فتتضح إمامة الإنسان على الأرض. الإمامة والقيادة هنا تحملان معنى فطريًا وتكوينيًا، أي أن جعلها جعل تكويني ومبني على طبيعة خلق الإنسان وخصائصه الفطرية، وهي العقل والحرية، ولذلك فهي ذات معنى عام لا خاص.
٣-٦. الاستئمان
مصطلح ومفهوم آخر استخدمه الشهيد الصدر في دراسة نظرية الخلافة العامة للإنسان هو «الاستئمان» الذي يعني الأمانة، عرض الأمانة، وتعيين الأمين. الأمانة هنا سنة إلهية تحققت تكوينيًا. ووفقًا للصدر: «وفقًا للآية ٧٢ من سورة الأحزاب، هذه أمانة عندما عُرضت على الإنسان، قبلها وتحملها، وحدث القبول التكويني…»(صدر، د.ت.: ١٨٩-١٩٠).
٣-٧. الأمة
يصف الشهيد الصدر الأمة مستندًا إلى الآية: «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله…» (آل عمران (٣) / ١١٠). من وجهة نظر الشهيد الصدر، الأمة الإسلامية ليست مجرد تجمع عددي للمسلمين، بل الأمة الإسلامية هم الذين قبلوا مهام ومسؤوليات الخلافة الإلهية ويسعون لتطبيقها(صدر،١٤٠٣: ١٨١).
٤. نظرية «الخلافة السياسية للإنسان» عند الشهيد الصدر
لفهم كيفية شكل ونوع الحكم في فكر الشهيد الصدر، يجب الانتباه إلى الخلافة الإنسانية باعتبارها النقطة الأهم في تحديد كيفية نوع وشكل الحكم الإسلامي.
لدى الشهيد الصدر تعبير عن خلافة الإنسان يقول فيه: «لقد جعل الله سبحانه الإنسان خليفة له على الأرض. فالإنسان من هذه الناحية، أي كخليفة لله في الأرض، متميز عن سائر مخلوقات العالم… ومن أثر هذه الخلافة أن الإنسان استحق أن تسجد له الملائكة وأن تطيع كل القوى الظاهرة والخفية في العالم»(صدر،١٣٩٩: ٨). وأهم دليل يقدمه على خلافة الإنسان هو الدليل العقلي المستمد من آيات القرآن. هذا الدليل يشير إلى أن الإنسان قادر على إدارة مجتمعه من جميع الجوانب، سواء من الناحية النظرية أو العملية والأخلاقية؛ لأنه لو لم يكن كذلك لما جعله الله خليفة له، وهذه الخلافة تدل على قدرته النظرية والعملية والأخلاقية، إذ إلى جانب امتلاكه للعقل والفطرة الإنسانية الطاهرة، لديه أيضاً مرشدون آخرون هم الأنبياء الذين يضمنون له السعادة والنجاح. وقد طرح الشهيد الصدر هذا الدليل حين ربط بين الخلافة والمسؤولية، معرفاً الإنسان الخليفة بأنه الإنسان المسؤول والأمين، مستدلاً على ذلك بأن الخلافة تعني القيام بجميع أعمال المستخدم والخالق. ومفهوم هذا أن الإنسان أولاً صاحب عقل وقادر على أداء أعمال الخلافة، وثانياً أمين الله، وإلا لكان من غير الحكمة أن يوكّل الله مسؤولية الخلافة إلى من يخونه(صدر،١٤٠٣: ١٢٧). واستناداً إلى قوله تعالى: «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً…» (البقرة (٢)/ الآية ٣٠) يكتب: عندما ندرس هذه الآية، نلاحظ أن الله تعالى يطلع الملائكة على تأسيس مجتمع على الأرض، ونريد أن نعرف ما هي عناصر هذا المجتمع وفقاً لهذا التعبير القرآني، ومن تعبير القرآن يمكن استخراج ثلاثة عناصر رئيسية. هذه العناصر هي: الإنسان (الإنسان)، الأرض أو الطبيعة بشكل عام (الأرض أو الطبيعة على وجه العموم)، والرابطة الروحية التي تربط الإنسان بالأرض والطبيعة من جهة، وبالناس الآخرين كإخوة من جهة أخرى. وهذه الرابطة الروحية يسميها القرآن «الاستخلاف»(صدر، ١٣٥٩: ٥٨-٥٩). بناءً على ذلك، ووفقاً لفهم الشهيد الصدر، يتكون المجتمع الأرضي من ثلاثة عناصر: «الأرض»، «الإنسان» و«الاستخلاف». وعلاقة الاستخلاف تتجلى بثلاث صور؛ علاقة الإنسان مع نفسه، الإنسان مع الآخرين (المجتمع)، والإنسان مع الطبيعة. وهذه العلاقة تعبر عن أن الإنسان مسؤول وأمين تجاه مصيره، ومصير المجتمع، ومصير الطبيعة. بالإضافة إلى ذلك، رغم أن الاستخلاف رابطة اجتماعية، إلا أنه عامل يتجاوز المجتمع الإنساني، إذ إن الله هو أساس هذه الرابطة الاجتماعية ومؤسسها. ووفقاً للشهيد الصدر، فإن عناصر أو أركان الاستخلاف هي: المستخدم (الخليفة المدبر أو الله)، المستخدم له (الخليفة أو البشر على الأرض)، والمستخدم عليه (ما جرت عليه الخلافة، ويشمل الإنسان، المجتمع، والأرض (الطبيعة)). وبعد بيان عناصر «الاستخلاف» يكتب الشهيد الصدر: «دور الإنسان في تعامله مع حياته هو دور الاستخلاف والإمامة. أي إن الله جعل الإنسان خليفة له في الأرض ومنحه مقام الإمامة. في هذا المجتمع الأرضي، علاقة الإنسان بالطبيعة ليست علاقة مالك ومملوك، بل علاقة أمين بما أوكل إليه. وعلاقة الإنسان بأخيه (الإنسان الآخر) في كل موقع اجتماعي هي علاقة زميلين يعملان معاً في أداء مهمة الخلافة الإلهية، وليست علاقة حاكم ومحكوم، أو مالك ومملوك، أو إله وعبد»(صدر،١٣٥٩: ٦٠). ومن وجهة نظر الشهيد الصدر، إذا أُزيل الركن الأساسي والأساسي للاستخلاف وهو الله، فإن هذا التيار يتغير ويتحول، ويتشكل البناء الحياتي الاجتماعي بشكل مختلف. فتظهر السيادة والملكية بألوان متعددة، وتتحول سيادة الإنسان على الإنسان الآخر إلى صور مختلفة، والتي عانت منها التاريخ بأشكال وأنواع متعددة…»(صدر، د.ت.: ١٨٧). لذلك، ما يغير مضمون العلاقات الاجتماعية هو وجود أو عدم وجود المستخدم في أركان تكوينها.
من وجهة نظر الشهيد الصدر، جعل الله جميع البشر خلفاء له على كل شيء يسيطر عليه، وبذلك رفع من مكانة الإنسان على سائر المخلوقات، بحيث سجد له الملائكة، وهم أفضل عباد الله. ومع ذلك، هناك اختلاف في نطاق وشمول الخلافة؛ فبعضهم يعتقد أن الخلافة تقتصر على آدم عليه السلام، وأقصى حد الأنبياء والأئمة المعصومين (ع)(مصباح یزدی، ١٣٨٠: ٣٦٦)، لكن من وجهة نظر الشهيد الصدر، كل البشر خلفاء الله للأسباب التالية:
أولاً) إذا اقتصرت الخلافة على آدم فقط، فإن اعتراض الملائكة على سفك الدماء وظلم الإنسان يصبح بلا معنى، لأن خوف الملائكة يتعلق بكل البشر.
ثانياً) في آيات متعددة قال الله مباشرة إنكم أيها البشر خليفة لي في الأرض (البقرة (٢)/٣٠)، ومع ذلك كان آدم عليه السلام أول من حمل هذه الشرف الرباني.
ثالثاً) آيات أخرى في القرآن (الأحزاب (٣٣)/٧٢) تشير إلى أن الخلافة الإلهية عُرضت كأمانة على جميع المخلوقات، ولم يقبلها سوى الإنسان»(صدر،١٤٠٣: ١٢٧).
لذا، ليس فقط آدم عليه السلام، أو الأنبياء، أو الأئمة المعصومون (ع) هم من حملوا هذه الأمانة، بل كل البشر قبلوا هذه الأمانة، وكلهم خلفاء الله.
يعتقد الشهيد صدر أن الخلافة والإمامة للإنسان على الأرض أمانة، وأن علاقة الإنسان بالمجتمع (الناس الآخرين) هي علاقة الأمين بالمأمون عليه. الخلافة والإمامة للإنسان على الأرض هي ذات الأمانة التي رفضت السماوات والأرض والجبال قبولها، فقبلها الإنسان. هذا القبول يعني الأمانة وتحمل المسؤولية. الخلافة والإمامة تُعرض من جانب الله، لكن قبولها من جانب الإنسان يتحقق في قالب الأمانة. الأمانة هي الشكل المتحقق للخلافة، والأمانة والخلافة تعنيان التوكيل والائتمان، أي اختيار الإنسان كخليفة، وأخذ الأمانة، وتحمل حملها الثقيل..(صدر، د.ت.(١): ١٣٢). وفي الوقت نفسه، فإن خلافة الإنسان ليست تفويضاً للحكم الإلهي للإنسان، لأن الحكم الإلهي مطلق، غير محدود، وحقيقي، ولذلك لا يمكن تسليمه إلى كائنات ذات خصائص محدودة. بالإضافة إلى ذلك، فإن الحكم على الكون من صفات الله وجوهره ذاته، لذا فإن تفويضه لا معنى له. ولا يمكن أن يكون الحكم الإلهي قابلاً للتجزئة بحيث يفوض جزءاً منه للبشر. لكن أصالة حكم الله لا تعني أن البشر لا يملكون أي حق في تقرير مصيرهم. الإنسان بمعناه العام له حق الولاية والحكم العام، وكل فرد من البشر يشارك في هذا الحق المشترك. الشهيد صدر وسّع هذا الحق في الولاية وطرحه بمعنى حق الحكم السياسي والاجتماعي. واستناداً إلى الآية ٧١ من سورة التوبة، يستنبط القاعدة القرآنية «حكم الأمة» ويقول إن هذه الآية تتحدث عن الولاية، وأن كل إنسان مؤمن له حق الولاية على الإنسان المؤمن الآخر. والمراد بالولاية هنا هو الرعاية والحكم على شؤونه (صدر،١٣٩٩: ٥٤). وهو هنا يتحدث عن ولاية ذات جانب رعاية، تولي الأمور، والسلطة، ويعتبرها حقاً، ويجعل الجميع متساوين في امتلاك هذا الحق. هذه الولاية هي ذاتها السلطة بمعناها السياسي والاجتماعي.
الخلافة والحكم العام للبشر، مثل بقية القوانين والسُنن الإلهية، من الأمور الفطرية والكونية التي جُعلت من قبل الله تبارك وتعالى كحاجة طبيعية للإنسان وللوصول إلى الكمال، وقد جُعلت له تكويناً وذاتيًا، وقد قُبلت منه ذاتياً. المجتمع البشري، بوصفه خليفة الله على الأرض، ينشئ الدولة ومن ثم يشكل الحكومة لإدارة شؤونه وتدبيرها. لذلك، فإن أساس الحكومة هو «الخلافة العامة للإنسان». كون الإنسان خليفة يعني امتلاكه القدرة الكامنة على إنشاء وتشكيل المنظمات الحكومية، ومن ثم يقع على عاتق الإنسان تحويل هذه القدرة والموهبة الكامنة إلى قوة فعلية وإقامة حكومة. بناءً على خلافة الإنسان على الأرض، تتشكل نظرية حكم الناس لأنفسهم (نظرية حكم الناس لأنفسهم)، ويكون إنشاء حكومة الشعب على الشعب بوصفها خلافة الله على الأرض مشروعاً وقانونياً (صدر،١٣٩٩: ١٠).
بالطبع، هذه المسؤولية ذات وجهين؛ وجه يتعلق بالمستخلف ووجه يتعلق بالخليفة نفسه. بناءً على الوجه الأول، بما أن الإنسان خليفة الله، فلا يمكنه ولا يحق له أن يحكم بناءً على الهوى والرغبة، أو بناءً على اجتهاد منفصل عن هداية الله، لأن هذا العمل يتعارض مع طبيعة الخلافة. لذلك، الصواب أن يحكم الإنسان بناءً على الهداية والاهتمام بالله، ومن خلال ذلك يهيئ مجال تحقيق الأمانة الإلهية بتطبيق الأحكام الإلهية. وبناءً على الوجه الثاني، يجب القول إن هذه الأمانة والخلافة والمسؤولية تدل على حرية الإنسان واختياره وإرادته، لأنه ما لم تكن هناك حرية واختيار للإنسان، فلا معنى للمسؤولية وقبول الأمانة. الإنسان مختار وصاحب إرادة يمكنه إصلاح الأرض أو إفسادها. آلية الرقابة والهداية في البشر تتم عبر عنصر أساسي ومهم يسمى الرقابة وشهادة الأنبياء، ويُهتدى الإنسان من خلال الكتب السماوية.
الدور الذي تلعبه الخلافة الإنسانية في تأسيس الحكم يبدأ من مستوى كلي (السيطرة على كل شيء في العالم) وينتهي إلى مستوى صغير وهو الحكم. أي يمكن وصف الأمر بأن خلافة الإنسان ليست مجرد خلافة على الأرض، بل هي خلافة على كل ما «مستخلف» أي ما يسيطر الله تعالى عليه. ومن هنا فإن الإنسان كخليفة لله تعالى يسيطر على كل شيء في هذا العالم، ومن هنا تُعتبر الخلافة أساساً وجذراً للحكم، وعلى هذا الأساس جعل الله المجتمع الإنساني صاحب إرادة في الحكم، واعتبر جهوده لتشكيل الحكم جائزاً ومشروعاً (صدر،١٤٠٣: ١٢٧). خلافة الإنسان من جانب الله تعالى وفي إطار سيادته المطلقة. كما يقول الله تعالى في القرآن الكريم مخاطباً الملائكة: «إني جاعل في الأرض خليفة» (بقره /٣٠). لذا فإن الخلافة العامة للإنسان بمعنى الوكالة على الأرض، تقوم على التوحيد، وهي أمانة من الله تعالى للإنسان، وتحمل مسؤوليات عليه. فمعنى خلافة الإنسان هو أمانته، ولهذا يصفها القرآن الكريم بالأمانة، والأمانة تعني المسؤولية (صدر١٣٩٩: ١١-١٢). هذه الوكالة للإنسان على الأرض التي هي أولاً ناشئة عن حق السيادة الإلهية وثانياً اعتبارية ومحدودة، في نظر الشهيد الصدر هي الحق الذي بموجبه يمكن للأفراد إدارة مصيرهم الجماعي بشكل مشترك.
٥. خصائص نظرية الخلافة السياسية للإنسان
حدد الشهيد الصدر خصائص لخلافة الإنسان التي تشكل أساس نظرية الخلافة السياسية للإنسان، والتي تبيّن أبعاد وطبيعة هذه الخلافة السياسية. وهذه الخصائص هي:
٥-١. خلافة الإنسان أمانة إلهية تتجلى على أساس النظرة التوحيدية
المحور والركيزة الأساسية لخلافة الإنسان هو «التوحيد»، وأساسها ومبناها هو الإيمان بالمبادئ التوحيدية، ولذلك فإن تحقيقها بدون قبول التوحيد يبدو بعيداً. في هذا المسار، جميع البشر يتبعون محوراً واحداً وهو المستخدم والخالق، وهذا هو التوحيد الخالص، وهو أساس الإسلام (صدر، 1403: 128). جعل الله الإنسان خليفة له على الأرض، وهذه الخلافة تهدف إلى نمو الإنسان وعلوه وحركته نحو السعادة والكمال الأبدي. لذلك، من هذا المنظور، لا يمكن للإنسان أن يدعي أن له حاكماً وخلافة بطبيعته، لأن الإنسان هو موضع الخلافة وموضع الأمانة والمسؤولية الإلهية. ولهذا السبب، وردت خلافة الإنسان في الأرض في القرآن بفعل «جعل»، ووفقاً للشهيد الصدر، في الإسلام الناس هم مركز ومحور خلافة الله وموضع المسؤولية تجاهه (صدر،١٣٩٩: ١٨). الخلافة أمانة إلهية كما ورد في الآية ٧٢ من سورة الأحزاب، حيث وُصفت بالأمانة، ومعنى الأمانة وجود المسؤولية وتحملها؛ لأنه لو لم يكن الأمر كذلك لما جعل الله الإنسان أميناً وخليفة له (صدر،١٤٠٣: ١٢٨). الأمانة هي ما يجب على الأمين أن يتصرف فيه بناءً على رضا وتوافق صاحب الأمانة. خلافة الإنسان على الأرض هي من نوع الأمانة؛ أي أن المجتمع والطبيعة هما أمانة، والإنسان هو الأمين عليهما. ولهذا فإن الأمانة تجلب المسؤولية والالتزام. يرى الشهيد الصدر أن هذا التحليل لدور الإنسان هو أحد الفروق الجوهرية بين النظام السياسي الإسلامي والديمقراطية الغربية، ويقول: في النظام الديمقراطي، الأمة (الشعب) هي مصدر وأساس السيادة، بينما في النظام السياسي الإسلامي، الناس هم مركز خلافة الله تعالى وموضع المسؤولية تجاهه (صدر،١٤٠٣: ١٣).
٥-٢. الإنسان كخليفة لله على الأرض يتمتع بحرية فطرية
ولاية وخلافة الإنسان على الأرض أمر طبيعي وفطري؛ أي متوافق مع طبيعته وخلقه، وليس تشريعياً؛ أي لم يُفرض عليه كواجب أو تكليف، بل عُرض عليه بسبب التناسب والتناغم مع طبيعته، وقد قبله. من وجهة نظر الشهيد الصدر، الإنسان بطبيعته وأصالةً، كونه كائناً عاقلاً وذو إرادة، فهو حر، وهذه الحرية والاختيار لتحقيق إرادته أمر طبيعي وفطري (صدر، ١٣٩٩(١): ٢٢). لذلك، الإنسان بسبب امتلاكه للعقل والإرادة والمسؤولية هو حر، والسيادة الإلهية تعادل حفظ حرية الإنسان وتحقيق مبدأ «لا ولاية لأحد على أحد». لأن الإنسان بقبوله للسيادة المطلقة لله، وفقاً للآية: «…ويرفع عنهم أوزارهم وأغلال التي كانت عليهم» (سورة الأعراف (٧) آية ١٢٧) يتحرر من السيادات والقيود الأخرى. تفسير الشهيد الصدر هو أن سيادة الله تعني حرية الإنسان، وحرية الإنسان مرتبطة بتحقيق السيادة الإلهية. ويعتقد أن الله جعل كائناً حراً مختاراً خليفة له على الأرض ليكون بمحض إرادته مصلحاً أو مفسداً في الأرض ويختار طريقه بحرية (صدر،١٣٩٩: ١٢). من هذا المنظور، ليس قبول السيادة الإلهية استثناءً على حرية الإنسان أو مبدأ أولي، بل قبول السيادة الإلهية هو تحقيق لحرية الإنسان. أي العلاقة بين حرية الإنسان وسيادة الله ليست علاقة تعارض بل علاقة مساواة، وهذان المفهومان ليسا متناقضين بل هما مفهوم واحد، لأنه بالنظر إلى خصائص الإنسان، لا يمكن اعتبار الإنسان حراً بمعزل عن السيادة الإلهية.
٥-٣. خلافة الإنسان ليست مطلقة بل محدودة ونسبية
نظراً لأن الخلافة على الأرض تتحقق بيد البشر، وقدراتهم وإمكاناتهم وجهودهم محدودة ونسبية، فإن خلافة الإنسان ستكون كذلك. هذه الخاصية المهمة في هذه النظرية تعني أن الخلافة لا تعني سيادة مطلقة أو صلاحيات غير محدودة. خاصة وأن الإنسان كائن معرض للخطأ والزلل والمعصية وحتى الانزلاق إلى الظلم والفساد؛ «إنه كان ظلوماً جهولاً» (الأنعام (٦)/ الآية ١) وهذا الوضع في السياسة والسلطة أشد وأكبر.
٥-٤. خلافة الإنسان من السنن الإلهية
خلافة الإنسان على الأرض، لأنها أمر فطري وواقعي وجذورها في طبيعة الإنسان والعالم، تُعتبر «سنة» أو «قانون» إلهي. لذلك، لها كل خصائص السنن الإلهية. لكنها سنة من نوع الميل الطبيعي والفطري، بمعنى أن الإنسان ككائن اجتماعي وسياسي لا يمكن أن يكون بلا خلافة وسيادة، وهذه الخاصية لا يمكن فصله عنه، رغم أنه يمكن مؤقتاً أن يقاوم الفطرة والطبيعة ويقف في وجه السنن الفطرية.
٥-٥. الخلافة الإلهية عامة لجميع البشر
«خلافة الإنسان» موضوع عام وشامل وعالمي، ولا تخص فرداً أو مجموعة أو طبقة معينة، ولا يمكن لأي فرد أو مجموعة أو طبقة أن تدعي أن الآخرين محرومون منها. كما أن جميع البشر متساوون أمام الحق، فهم متساوون أيضاً في حق الولاية والخلافة على الأرض. السيادة والفضل لله وحده، ولا فضل لأحد على الآخر (صدر،١٤٠٣: ١٢٨). خلافة الإنسان على الأرض ذات طابع عام وشامل، والجميع متساوون في امتلاكها وحقوقها. من هذين المقدمين يمكن الاستنتاج بأنه لا يمكن سلب حق الخلافة على الأرض في أي من أبعادها من أحد. كمثال، أحد أبعادها في الشؤون السياسية هو حق الرقابة والمشاركة في الحكم، وهذا الحق لا يمكن سلبه من أحد. الخلافة التي وهبها الله للإنسان كأمانة هي إعلان للسيادة والخلافة لنوع الإنسان. في الآية ٣٠ من سورة البقرة، اعترض الملائكة على هذه الوكالة وقالوا: هل تجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء…؟ من اعتراض الملائكة يتضح أن الخلافة لم تكن حصرية لآدم (ع) لأن الذي يفسد ويسفك الدماء على الأرض، وفق ما أقلق الملائكة، لم يكن آدم (ع) (صدر،١٤٠٣: ١٣٣؛ صدر، 1399: 8). كما أنه لا معنى لأن يعترض الملائكة على أمر مؤقت وقصير الأمد، بل كانوا يعترضون على أمر مستمر ودائم، وهو أمر يصبح سنة في تاريخ البشرية ويستمر ما دام الإنسان يعيش على الأرض. في آيات أخرى من القرآن الكريم، نُسبت الخلافة والوكالة لجميع البشر. في سورة النمل: «الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض» (النمل (٢٧)/ الآية ٦٢)، وفي سورة الأنعام: «وهو الذي جعلكم خلائف الأرض» (الأنعام (٦)/ الآية ١٦٥). لذلك، موضوع الخلافة أمر تكويني وعام وشامل، ولا يختص بآدم (ع). يرى الشهيد الصدر أن هذه الخلافة التي يذكرها الله في آيات القرآن ليست إعلان خلافة لشخص آدم (ع) بل الجنس البشري ككل، لأن الذي يفسد ويسفك الدماء على الأرض، وفق ما كان الملائكة يخشونه، لم يكن آدم (ع) بل الإنسانية عبر التاريخ. لذلك، الخلافة للإنسانية على الأرض (صدر،١٣٩٩: ١٠). وهذا ما قاله رسول الإسلام (ص): «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» (الحسینی، ١٤١٠: ٨٤٣).
٥-٦. خلافة الإنسان تشمل جميع أبعاد حياته
مجال دائرة خلافة الإنسان على الأرض واسع جداً ويشمل جميع أبعاد حياته. في السياسة والاقتصاد والمجتمع والثقافة والأخلاق والمعرفة… الإنسان هو خليفة الله. مثلاً في الاقتصاد، الإنسان كخليفة لله مسؤول عن إدارة الثروة التي وضعها الله تحت تصرفه وفق الأوامر والتعليمات من المالك الأصلي (صدر، 1399(2): 15). في القرآن أيضاً أُشير إلى هذا النوع من الوكالة الاقتصادية: «وأنفقوا من ما جعلكم مستخلفين فيه» (الحديد (٥٧)/ الآية ٧). لذلك، خلافة الإنسان ليست مجرد خلافة سياسية محضة، بل لها أبعاد متعددة، وهي طريق للبشرية للوصول إلى مقام العبادة الخالصة لله والتشبه به. بعض أبعاد الخلافة هي: إنشاء المجتمع السياسي والدولة وفي النهاية تشكيل الحكم (الخلافة السياسية)، الخلافة الأخلاقية والتربوية والتنشئة (بناء الإنسان)، إقامة العدالة الاقتصادية والتنمية والرفاه والتقدم (الخلافة الاقتصادية)، الخلافة العلمية والثقافية، الخلافة الاجتماعية، خلافة الإنسان على الطبيعة، خلافة الإنسان على نفسه، وبتعبير الشهيد الصدر: «…الله رب الأرض وكل خيراتها، ورب الإنسان والحيوان وكل دابة، وهكذا فإن خليفة الله على الأرض يعني نائب الله في كل هذه الأمور والأشياء…» (صدر،١٣٩٩: ١٠).
٥-٧. جميع البشر متساوون في التمتع بالخلافة الإلهية
يرى الشهيد الصدر أن جميع البشر متساوون في الحقوق المتعلقة بالخلافة، ولا حق خلافة لأحد أكثر من الآخر بطبيعته، ومن هنا تُلغى النزعات التفضيلية والسيطرة بين الأفراد. كما ذُكر، الناس هم أصحاب الحق وحملة هذه الأمانة، وهم جميعاً متساوون أمام القانون، ولكل منهم الحق في التعبير عن آرائه وأفكاره وممارسة النشاطات السياسية بطرق مختلفة، كما هم أحرار في أداء شعائرهم الدينية والمذهبية (صدر، ١٣٩٩(١): ٢٩).
٥-٨. خلافة الإنسان هي أساس وبنية الحكم الديني
بامتلاك الناس حق الخلافة على الأرض، يمكنهم تشكيل الحكم وتولي إدارة شؤون المجتمع، لأنه ما دام الناس لا يملكون حق التدخل في مصير مجتمعهم، لا يمكنهم تشكيل الحكم. لذلك، مسألة خلافة الإنسان من وجهة نظر القرآن هي في الحقيقة أساس حكم الإنسان على الوجود. وبذلك، حكم الإنسان على نفسه أيضاً يُبنى على هذا الأساس. كما أن حكم الناس على الناس، أي حق السيادة الوطنية، يمكن أن يكون مشروعاً وقانونياً باعتبارهم خلفاء الله (صدر،١٤٠٣: ١٣٤).
٦. نظرية خلافة الإنسان وبناء النظام السياسي
أحد المجالات التي توصل فيها الشهيد الصدر إلى خلاصة واضحة لأفكاره وتمكن من تقديمها في قالب نموذج هو النظام السياسي الإسلامي. قدم الشهيد الصدر ثلاثة أنواع وأشكال للحكم خلال حياته، وكان الثالث منها هو الأكمل والمركب من الأنواع الأخرى. الأنواع الثلاثة المذكورة زمنياً هي:
أ. نظرية الشورى التي طرحها في كتاب «الأسس الإسلامية» ومن الناحية الزمنية في عام 1985 ميلادي.
ب. نظرية ولاية المرجع الصالح والرشيد التي وردت في مباحث الفقه في «الفتاوى الواضحة».
ج. نظرية الحكم المركب (حكم الشورى + رقابة وشهادة المرجع) التي طرحها في مجموعة «الإسلام يقود الحياة» وفي أواخر حياته (کدیور، ١٣٨٠: ١٢٨-١٢٩).
بشكل عام، يجمع بين خطي الخلافة العامة للإنسان ورقابة المرجع في الفكر السياسي للشهيد الصدر ما يُسمى بـ«حكم القانون». وهو يتمتع بأساس تكويني وأساس تشريعي. له أساس تكويني لأن الإنسان بطبيعته عندما يكون في جماعة يميل إلى تشكيل حكم؛ أي أنه فقط في ظل ذلك يمكنه أداء واجبات ومسؤوليات خلافته وتنظيم حياته الاجتماعية. وله أساس تشريعي لأن رقابة ومراقبة المرجع كنائب عن الإمام العصر (عج) تضفي على الحكم الشعبي صفة شرعية وإسلامية. الشهيد الصدر يسمّي هذا النوع من الحكم بالجمهورية الإسلامية (صدر، 1399(1): 30) وهو تعبير آخر عن حكم القانون.
ولكن من وجهة نظر آخرين، وبالنظر إلى نظريات الشهيد الصدر حول «الخلافة العامة للإنسان» و«شهادة الشهود» يتضح أنه في زمن الغيبة كان يولي اهتمامًا لـ«الحكم الشعبي مع رقابة المرجع المختار من قبل الناس»، خاصة أنه في عدة مواضع يشير إلى اختيار المرجع من قبل الناس. لذلك، في فكر الشهيد الصدر إذا استُخدم مصطلح الولاية في شأن المرجع العام، فهو أولًا بمعنى الشهادة والرقابة وليس بمعنى الحكم، إذ إنه صرح بذلك صراحة. ثانيًا، من وجهة نظره إقامة الحكم من واجبات ومسؤوليات الناس (الأمة). ثالثًا، المرجع الناظر يُنتخب أيضًا من قبل الأمة، إلا إذا لم يكن هناك سوى مرجع صالح رشيد واحد. رابعًا، الحكم مبني على الخلافة العامة لمال الناس ولا يُتنازل عنه بعقد أو اتفاق لأي شخص، ولا يمكن التنازل عنه أصلًا. خامسًا، إذا استُخدم مصطلح الولاية في بعض مباحثه بشأن المرجع، فهو يشير إلى الولاية في أمور مثل القضاء، الدعوة، وتبيين الأحكام (جمشیدی ،١٣٧٧: ٢٨٥-٢٨٧).
من وجهة نظر الكتّاب، طبيعة الحكم الذي يقصده الشهيد الصدر انتخابية، وشكله هو حكم شعبي مع رقابة المرجع الجامع للشروط. الشهيد الصدر يرى مزيجًا من الحكم الشورائي المبني على رأي الناس مع رقابة وشهادة المرجعية الصالحة كشكل مرغوب للحكم في زمن غيبة الإمام المعصوم (ع)، وهو عبارة عن خلافة عامة للشعب (الأمة) على أساس الشورى التي تعطيهم الحق في تولي شؤونهم.
إلى جانب وجود إشراف ورقابة قانونية لنائب الإمام (المرجع العام) (صدر،١٤٠٣: ١٦). نموذج النظام السياسي الذي يريده الشهيد الصدر يتكون من ركنين رئيسيين: الأمة والمرجعية.
الركن الأول) الأمة
أهم تجلٍّ للشعب في الفكر السياسي للشهيد الصدر يتجسد في قالب «الأمة». من وجهة نظر الشهيد الصدر، الأمة الإسلامية (الشعب) تشكل أهم جزء من الحكم، وشرعية الحكم تعتمد على رأيهم ونظرهم. وهو يعتقد أنه في عصر غيبة الإمام المعصوم (ع)، الأمة بسبب الخلافة التي تتولاها يمكنها تحقيق السيادة والقيادة السياسية والاجتماعية (صدر،١٤٠٣: ١٧١). الأمة صاحبة الحق في السياسة وحاملة الأمانة الإلهية، وجميع الناس متساوون أمام القانون في امتلاك هذا الحق، وكل فرد منهم يمكنه تحقيق هذا الحق من خلال النشاط السياسي وتقديم وتوظيف آرائه وأفكاره بأشكال مختلفة (صدر، 1399(1): 16). هذه النقطة هي السمة الأساسية والفريدة في نظريته. كثير من الفقهاء يعطون للشعب دور التمثيل والمقبولية، لكنه من بين الفقهاء الذين يؤمنون بشرعية إرادة الشعب في النظام السياسي.
واجبات ومسؤوليات الأمة في المجال الداخلي هي «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». فالأمة الإسلامية إلى جانب مسؤولياتها الداخلية، وبالنظر إلى الآية: «كما جعلنا قبلكم قبلة وسطًا جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا» (البقرة (٢)/١٤٣)، تتحمل مسؤوليات خارجية أيضًا. لأن الأمة الإسلامية، وفقًا للآية المذكورة، هي «أمة وسط» وشاهدة على بقية الناس، وتتولى هدايتهم. وفي النهاية، فإن الأمة الإسلامية هم أولاً من يقبلون واجبات ومسؤوليات الخلافة الإلهية، وثانيًا يطبقون هذه المسؤوليات من خلال المشاركة في المجالات السياسية والاجتماعية وغيرها(صدر،١٤٠٣: ١٨١). وبالطبع، الأمة الإسلامية ليست صاحبة السلطة الحقيقية، بل هي فقط أمانة مسؤوليات الخلافة الإلهية، وتمتلك السلطة في امتداد وقوة الله(صدر،١٤٠٣: ١٩). لذلك، فإن شرعية الحكم الإسلامي مأخوذة من قوة الناس، وهي قوة في امتداد القوة الإلهية، ومن ثم لا يوجد تعارض بين القوة الإلهية والقوة الشعبية.
الركن الثاني) المرجعية
الركن الثاني في هذا النظرية هو شهادة الشهود التي تقع على عاتقهم في عصر وجود الأنبياء والأئمة المعصومين (ع)، ولكن في عصر الغيبة تتولى المرجعية هذه الرسالة. الشهيد الصدر، في سبيل إكمال وتطبيق نظريته في عصر الغيبة، يعتبر شهادة المرجعية المؤهلة والكفوءة معيارًا. هذه المرجعية هي أحد الركائز الأساسية للحكم الإسلامي، التي تقوم بمهمة المراقبة والإشراف على حركة الأمة نحو تحقيق الخلافة العامة على الأرض. هذا التزاوج بين خطي الشهادة والرقابة للمرجع العام وحكم الأمة هو ما يكتسب موضوعيته في زمن غيبة الإمام المعصوم (ع). الإسلام في زمن الغيبة قسم المسؤوليات بين خطي المرجعية والأمة، أي الاجتهاد الشرعي والمجلس. فهو لا يريد أن تمارس الأمة خلافتها بدون شاهد وناقد يردعها عن الانحراف ويراقب صحة وسلامة طريقها(صدر،١٤٠٣: ١٧١-١٧٢). في نظر الشهيد الصدر، خصائص المرجع الناظر إلى الحكم، الذي يتولى دور القيادة والإرشاد الفكري والعقائدي للأمة، محددة من قبل الله، لكن اختياره من قبل الأمة. ويعتبر أعلى مراحل الفقه والمرجعية هي المرجعية الصالحة والرشيدة التي يمكنها أن تواصل مسيرة الشهادة على الأمة، ويسميها المرجعية العامة. يرسم الشهيد الصدر دورين رئيسيين للمرجعية العامة في الأمة الإسلامية. من جهة، دور المرجع في الأمة هو دور إلهي لا يمكن الاستغناء عنه، ومن جهة أخرى، دوره في ارتباطه بالخلافة العامة للإنسان هو دور سياسي-اجتماعي، حيث إن مدى رقابته وشهادته محدود بمدى علمه ووعيه وحضوره السياسي بين الأمة والثقة التي تمنحه إياها الأمة(صدر،١٣٩٩: ٣٧). بناءً على ذلك، فإن دور المرجعية وعلاقتها بالأمة هو من نوع الرقابة. الرقابة على تشكيل الحكومة واستمراريتها، والحفاظ على الحدود الإلهية، ونشر وتوسيع الرسالة الإلهية للإسلام على الأرض هي من مسؤوليات الشهود على الأمة. ولهذا السبب، يصبح المرجع الصالح صاحب بعض الصلاحيات والمسؤوليات الحكومية، ومن خلال هذه الصلاحيات يمارس رقابته وشهادته. ووفقًا للشهيد الصدر، يجب أن يكون المرجع ناظرًا ومراقبًا للأمة. هذه الرقابة تفرض عليه، في حال انحراف مجرى الأمور عن مسارها الإسلامي الصحيح، أن يتدخل ويعيدها إلى مسارها الصحيح(صدر،١٤٠٣: ١٧٠).
الخلاصة
أهم النتائج التي توصل إليها البحث الحالي هي أن النظام السياسي في فكر الشهيد الصدر، مبني على شرعية إلهية للأمة والمرجعية، وهو نظام شعبي، حيث إن الناس بناءً على مسار الاستخلاف، مختارون من الله تعالى تكوينيًا ليكونوا خلفاء في جميع الشؤون الإلهية، ومن ثم فهم محور وأساس تشكيل واستمرار الحكم الإسلامي. هذا النظام السياسي قائم في ظل السيادة المطلقة الإلهية ومبني على الإرادة الإلهية، ومن ثم يستمد شرعيته من الله، ومشاركة أفراد المجتمع في مصيرهم السياسي والاجتماعي هي حق وواجب لهم.
وبناءً على آية الخلافة (اسراء/٧٠)، فإن كل الأمة الإسلامية هم خلفاء الله على الأرض، والخلافة تعني أن كل أعمال المستخلَف عنه على الأرض قد أُسندت إليهم. وهذه الأعمال تشمل الربوبية وتدبير شؤون الأرض والمجتمع البشري، ومن ثم فإن الحكم الذي هو الإدارة السياسية للمجتمع قد أُسند إلى جماعة الأمة بناءً على الاستخلاف. والهدف من الاستخلاف هو أن يتصف الإنسان بالصفات الإلهية ومنها العدل والعلم، لذا فإن خلافة الإنسان هي مسؤولية وأمانة إلهية، وهذه المسؤولية والأمانة تتطلب حرية واختيارًا حرًا من الإنسان، ولأن الخلافة أمانة إلهية، فلا يجوز للخليفة أن يعمل إلا في سبيل أداء المسؤولية والحفاظ على الأمانة.
لكي يستطيع الإنسان أداء هذه المسؤولية، يحتاج إلى الهداية والتربية لكي تتحول الخلافة إلى خلافة ربانية. وتقوم حركة الشهادة بهذه المهمة، ويتحمل الأنبياء والأئمة المعصومون (ع) والمرجعية العامة هذا الدور وتحقيق هذه الحركة. حركة الشهادة (مراقبة الأنبياء، الأئمة المعصومين (ع) والمراجع) تقوم بثلاث مهام: أولًا) تعليم الهداية الإلهية للإنسان ليمضي في مسار الخلافة الربانية الصحيح، ثانيًا) مساعدة الإنسان على تنفيذ الخلافة الربانية من خلال التعليمات العملية؛ وهو العمل الذي كان يقوم به النبي الأكرم (ص) من خلال مشاوراته وأساليبه الحكومية الإلهية في المدينة، وثالثًا) الرقابة على عدم انحراف خلافة البشر عن مسار الهداية الربانية ومواجهة الانحرافات.
بعد النبي الأكرم (ص) كانت الأمة الإسلامية لا تزال بحاجة إلى التعليم والتربية، وكان وجود الأئمة المعصومين (ع) ضروريًا لاستمرار عمله. ولكن مع عدم استمرار وجود الأئمة المعصومين (ع) في رأس التيار الخلافة الربانية، تولت المرجعية الشيعية التي تتمتع بميزتين هما العلم والعدل بأعلى درجاتهما، بصفتها ممثلة تيار الشهادة (الشهود)، القيام بالأمور المذكورة. وفقًا لهذا الرأي، فإن الولاية السياسية للمجتمع تكون مع أفراد الناس الذين تمكنوا من إسقاط الطواغيت وإقامة حكومة بأهداف وبنية تتوافق مع الدين، وتشكيل الخلافة الربانية في المجتمع الإسلامي. ولكن هذه الخلافة الربانية، بناءً على المبدأ المذكور سابقًا بشأن ضرورة وجود تيار الشهادة، يجب أن تكون تحت هداية وإشراف تيار الشهادة أو ما يُعرف بشهادة الشهود.
الهدف والأساس من خلافة الإنسان وتشكيل دولته وحكمه على الأرض هو أن يتمكن من تطبيق القيم الإلهية في نفسه، وبما أن القيم وصفات الحق تعالى غير محدودة، فإن حركة الإنسان ونشاطه دائمة. الشهيد الصدر يرى أن النمو الحقيقي في منطق الإسلام يتحقق عندما يستطيع الإنسان خليفة الله أن يجسد في وجوده، بوصفه خليفته، القيم التي تتجلى في وجود الله تعالى، وبما أن هذه المكارم الأخلاقية في مستوى إلهي هي مطلقة ولا حدود لها، والإنسان كائن محدود، فمن البديهي أن تطبيق هذه الأخلاق في كائن بشري يتطلب أن يكون حركة دائمة نحو اللانهاية(صدر،١٣٩٩: ١٧-١٨).
المصادر والمراجع:
– القرآن الكريم.
– جمشيدي، محمدحسين (١٣٧٧) الفكر السياسي للشهيد الرابع الإمام سيدمحمدباقر الصدر. طهران: مؤسسة الطباعة والنشر وزارة الخارجية.
– جوادي آملي، عبدالله (١٣٨٤) الحياة الحقيقية للإنسان في القرآن. قم: إسراء.
– الحسيني، محمد (١٤١٠) الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر. بيروت: دار الفرات.
– راغب أصفهاني، حسين بن محمد (١٤٠٦) المفردات في غريب القرآن. طهران: نشر الكتاب.
– صدر، سيدمحمدباقر (١٣٥٩) الإنسان المسؤول وصانع التاريخ؛ من وجهة نظر القرآن، ترجمة محمدمهدي فولادوند. طهران: مؤسسة القرآن.
– صدر، سيدمحمدباقر (١٣٩٩) خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء. طهران: جهاد البناء.
– صدر، سيدمحمدباقر (١٣٩٩ (١)) لمحة فقهية تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية في إيران. طهران: جهاد البناء.
– صدر، سيدمحمدباقر (١٣٩٩ (٢)) صورة عن اقتصاد المجتمع الإسلامي. طهران: جهاد البناء.
– صدر، سيدمحمدباقر (١٤٠٨) فلسفتنا. قم: المجمع العلمي للشهيد الصدر.
– صدر، سيدمحمدباقر (١٤٠٣) الإسلام يقود الحياة. طهران: وزارة الإرشاد الإسلامي.
– صدر، سيدمحمدباقر (د.ت.) تقاليد التاريخ في القرآن، ترجمة جمال موسوي. طهران: روزبه.
– صدر، سيدمحمدباقر (د.ت. (١)) المدرسة القرآنية. بيروت: دار التعارف للمطبوعات.
– صدر، سيدمحمدباقر (د.ت. (٢)) مصادر القدرة في الدولة الإسلامية. طهران: جهاد البناء.
– صدر، سيدمحمدباقر (د.ت. (٣)) رسالتنا، ترجمة محمدتقي رهبر. طهران: منشورات روزبه.
– كديور، محسن (١٣٨٠) نظريات الدولة في الفقه الشيعي. طهران: نشر ني.
– مصباح يزدي، محمد تقي (١٣٨٠) علم الله، علم الكون، علم الإنسان. قم: مؤسسة الإمام الخميني التعليمية والبحثية.
– معلوف، لويس (١٣٥٢) المنجد؛ منجد في اللغة والأعلام. بيروت: دار المشرق.
– موسوي، سيدصدرالدين، درودي، مسعود، «دور ومكانة الشعب في الحكم الإسلامي في الفكر السياسي للإمام الخميني والشهيد الصدر»، فصلية رهيافت الثورة الإسلامية، العدد ٢٠، ١٣٩١.

