المهديّة والإمام المهدي في نظر الشهيد الصدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: مهدویت و امام مهدی در نگاه شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

إشارة: النظرة العلمية والعابرة للمذاهب إلى مسألة المهديّة بقلم فقيه بارع ومثقف متبصر مثل الشهيد الجليل آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر، تصور صورة مشرقة ومضيئة لمستقبل مشرق للبشرية. القيادة والإمامة للإمام الرابع عشر المعصوم في المدرسة الإسلامية العظيمة تضع العالم في انتظار العدالة الشاملة السماوية الموعودة، وقد أجاب الشهيد بأساليب مبتكرة على أهم الأسئلة المطروحة حول هذا الموضوع المصيري والإنساني الشامل. هذا المقال الذي يحمل عنوانًا متواضعًا جدًا لعمل بحثي عميق بعنوان بحث حول المهدي، يحاول أن يكشف الستار عن هذا الدفتر المضيء والمجهول تحت عنوان «المهديّة والإمام المهدي في نظر الشهيد الصدر».

المؤلف: سید منذر حکیم

المصدر: مکاتبه و اندیشه، خريف وشتاء ١٣٨٦، العدد ٢٩، ص ١٤٧-١٦٨

نظرة تاريخية على الكتاب النفيس «بحث حول المهدي»

أحد تلاميذ الأستاذ الفذ آية الله العظمى الشهيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره هو السيد آية الله محمد صدر، الذي بعد مرور عقدين على رحيل واستشهاد أستاذه العظيم، ينال هو أيضًا شرف الشهادة.

لقد قضى سنوات طويلة في جمع مجموعة نفيسة حول الإمام المهدي عليه السلام، حيث خصص مجلدًا لتاريخ الغيبة الصغرى، ومجلدًا خاصًا بالغيبة الكبرى، ومجلدين خاصين بعصر الظهور وما بعد الظهور. ولقد طلب من الأستاذ الفذ آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر أن يكتب مقدمة لهذه المجموعة النفيسة التي هي مفصلة جدًا وبأسلوب بحثي وتحليلي.

فزاده الأستاذ بمقدمة محققة وبنظرة علمية وعابرة للمذاهب زين بها هذه الموسوعة.

وقد نُشرت هذه المقدمة بعنوان «بحث حول المهدي» بشكل مستقل، وبصدورها دخل كتاب غني ومكثف جدًا حول المهديّة إلى حيز الوجود. والآن أتطرق إلى دراسة هذا العمل النفيس، وآمل أن أتمكن من اتخاذ خطوة، وإن كانت صغيرة، في هذا المجال المقدس، وأداء أحد واجباتي تجاه الساحة المقدسة لسيد بقية الله الأعظم الإمام المهدي (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء) وتجاه تلميذ مدرسته الجليل الأستاذ الشهيد الفذ آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر قدس سره.

هذا المقال المكثف جدًا للشهيد الصدر يحتوي على نقاط ابتكارية وخصائص فريدة تستحق الدراسة والطرح. آمل أن أتمكن من توضيح جانب من هذه الخصائص والنقاط المهمة، وأن أساهم في مجال البحث والتأليف والتعمق لدى أستاذي الفذ، حتى أقدم صورة مشرقة لأحد أكثر الأعمال العلمية اختصارًا حول الإمام المهدي عليه السلام، والتي كانت مقدمة جميلة لأكثر الأعمال العلمية المعاصرة تفصيلاً، بقدر استطاعتي أمام أنظار عشاق ومحبي السلام العالمي والعدالة الشاملة.

آمل أن يجعل الله تعالى هذا القليل من نصيب مجموعة الساعين إلى العدالة والمحبين لها، وأن ينير عينيه الخافتتين برؤية شمس المهدي آل محمد عليهم السلام المضيئة والجميلة. آمين يا رب العالمين[1].

نظرة سريعة على محتوى العمل النفيس «بحث حول المهدي»

يتألف هذا العمل النفيس من مقدمة وسبعة مباحث وخاتمة.

في مقدمة مهمة جدًا، تناول المؤلف جذور الميل والاعتقاد بفكرة المهديّة، وشرح دور الدين بشكل عام والدين الإسلامي بشكل خاص في طرح هذه الفكرة والترويج لها وبركاتها. كما ناقش الخصائص الفريدة للاعتقاد الشيعي حول الإمام المهدي عليه السلام، ثم طرح سبعة أسئلة أساسية حول الإمام المهدي عليه السلام، وبيّن الدوافع والأسباب التي دفعت إلى طرح هذه الأسئلة.

الأسئلة السبعة التي تمثل أهم الأسئلة الحية والتي تلعب دورًا رئيسيًا في الفهم الصحيح للمهديّة في الإسلام، تُلخص في عدة محاور:

المحور الأول: (الإمكان والسبب والسر) طول عمر الإمام المهدي عليه السلام؛

المحور الثاني: (السبب والدافع) الإمامة المبكرة لذلك الإمام العظيم؛

المحور الثالث: أسباب الولادة والغيبة وفلسفة الغيبة للإمام الزمان عليه السلام؛

المحور الرابع: (الإمكان والطريقة) إحداث تغيير شامل عالمي في اليوم الموعود بواسطة فرد واحد.

في الخاتمة: تم تدوين خصائص الموسوعة التاريخية للإمام المهدي عليه السلام بواسطة آية الله السيد محمد صدر، وتم الإشارة إلى أهميتها[2]. كما تم تسجيل التاريخ الدقيق لبدء وانتهاء كتابة هذه المقدمة القيمة.

لقد تُرجم هذا العمل النفيس إلى عدة لغات حية في العالم، ولكن يُعتقد أنه بسبب اختصار المحتوى يحتاج إلى شرح ليُكشف عن النقاط القيمة والمضمرة فيه[3][4]

الأسئلة المحورية

كما أن الإيمان بالمهدي الموعود عليه السلام له آثار إيجابية ولا يزال، فقد صاحبه ردود فعل سلبية ومواقف خاطئة أيضًا؛ لأن بعض الناس لم يتمكنوا من إدراك جميع النقاط الدقيقة لهذا الإيمان، وبحكم النظرة السطحية والتفكير البسيط طرحوا شبهات وأسئلة، نعرض فيما يلي بعضًا من هذه الأسئلة:

  1. إذا كان المهدي الموعود حيًا وعاش مع أجيال كثيرة وسيعيش مع أجيال كثيرة بعد ذلك، فهذا يعني أنه يتمتع بعمر طويل، فكيف يمكن أن يعيش حياة طويلة على خلاف قوانين الطبيعة؟
  2. لماذا يجب على الله أن يُعطل جميع قوانين الطبيعة من أجل شخص كهذا لينقذه من أهوال الموت والهلاك؟ ألم يكن البشر قادرين على إيجاد قيادة صالحة في المستقبل؟ لماذا يجب أن يكون عمر شخص ما طويلًا إلى هذا الحد ويقضي ذلك في ظل الغيبة؟
  3. كيف وصل الإمام المهدي عليه السلام إلى الإمامة وهو في سن الخامسة، وحصل على الاستعداد اللازم للإمامة من الناحية الفكرية والعلمية والروحية والدينية، وبأي وسيلة اكتسب هذا الاستعداد العظيم للقيادة العظيمة؟
  4. إذا كان قائد الحركة والإصلاح العالمي يتمتع بالاستعداد الكافي، فلماذا يجب أن ينتظر مئات السنين؟ أليس كل هذا الظلم والظلم الكافي لقيام ظهوره؟ ولماذا يجب أن يقضي القائد المستعد فترة طويلة في الغيبة؟ ما هي فلسفة هذه الغيبة الطويلة والممتدة؟
  5. كم عدد الروايات التي يمكننا الاكتفاء بها للإيمان بوجود إنسان كهذا بصفات غير طبيعية وغير مألوفة في الوقت الحاضر؟ ما الدليل الذي يجعلنا نؤمن بوجوده الحالي؟
  6. هل يمكننا أن نؤمن بدور كبير كهذا لشخص واحد؟ هل يمكن لشخص مهما كان عظيمًا أن يغير عالمًا بأسره ويحدث مرحلة جديدة من التاريخ؟ بينما التاريخ هو الذي يصنع الفرد ويجعله بطلاً، وأقصى ما يمكن أن يكون عليه الفرد هو تجسيد لمرحلة من تاريخ البشرية وفترة من فترات تطور البشرية. في حين أن العكس هو ما يُطرح بشأن الإمام المهدي عليه السلام؟!
  7. والسؤال الأساسي الأخير في مجال الإصلاح العالمي هو: بأي طريقة سيتم هذا الإصلاح والتغيير العالمي والشامل؟ كيف سيتحول عالم الظلم إلى عالم العدل والإنصاف؟ وكيف ستُقضى قوى عظمى تمتلك كل الإمكانيات العلمية والسياسية والعسكرية لإحداث كل أنواع الفساد والتدمير المدمر على يد شخص واحد بلا سلاح؟

لماذا يسأل الناس؟

يبدأ الشهيد صدر أولًا بدراسة دوافع طرح هذه الأسئلة والشبهات ويذكر سببين لذلك:

السبب الأول: المشاكل الفكرية والعجز عن فهم بعض المسائل المتعلقة بالمهدي المنتظر، وظروف وكيفية التغيير والتحول الشامل الذي يقوم به المصلح المنتظر، يمكن أن يكون مصدرًا لبعض هذه الأسئلة والشبهات.

السبب الثاني: خوف هؤلاء الناس من القوة المتزايدة للظالمين، والشعور بالعجز والضعف أمام القوى العظمى التي تحكم عالم البشرية، مما يجعلهم يشككون في إمكانية حدوث أي تغيير أو إصلاح، وفي إمكانية تحقيق إصلاح شامل وأصيل وعالمي.

يستخدم الشهيد صدر طريقة طرح أسئلة محددة ودقيقة ليخلق دافعًا قويًا لفهم أفضل وأعمق لموضوعات المهديّة والمهدي آل محمد صلى الله عليه وآله، وبالإجابة على هذه الأسئلة يوجه انتباه القارئ أكثر نحو النقاشات الأساسية للمهديّة.

طريقة الإجابة على السؤال الأول

السؤال الأول هو: هل من الممكن أن يعيش إنسان لقرون عديدة، ليكون المهدي الموعود مثالًا على مثل هذا العمر؟

لقد مضى عليه الآن أكثر من 1140 سنة، وهو يعيش حوالي أربعة عشر ضعف عمر الإنسان العادي الذي شهد مراحل الحياة من الطفولة إلى الشيخوخة.

تمت الإجابة على هذا السؤال من قبل الشهيد صدر على عدة مراحل.

المرحلة الأولى: مع الأخذ في الاعتبار أننا نمتلك ثلاثة أنواع من «الإمكان»؛ أي الإمكان المقصود؟ الإمكان العملي؟ الإمكان العلمي؟ الإمكان المنطقي أو الفلسفي؟

مع توضيح هذه النقطة أن طول عمر الإنسان، رغم أنه لا يمتلك الإمكان العملي الفعلي، إلا أنه يمتلك الإمكان العلمي والمنطقي، ولا يمكننا اعتباره مستحيلًا أو محالًا. وإذا لم يتمكن علم الإنسان اليوم من كشف هذا السر، فلا يوجد سبب لإنكاره؛ لأن الإمكان العلمي والإمكان المنطقي لطول العمر قائمان.

المرحلة الثانية: مع الأخذ في الاعتبار أن الإسلام سبق في كثير من الأمور علم اليوم، يمكننا أن نؤمن بسر طول عمر شخص يحتاجه الإسلام بشكل أساسي.

المرحلة الثالثة: أيهما أكثر دهشة؛ العمر الطويل أم الدور الذي رسم لهذا القائد الغائب في إعادة بناء حضارة العالم الحالية؟

في حين أنه لم يُطرح لأي شخص في العالم، لا في الماضي ولا في المستقبل، مثل هذا الدور، فلماذا لا تكون مقدمات تحول كبير أمرًا مدهشًا؟

المرحلة الرابعة: مع الأخذ في الاعتبار ارتباط هذا العمر الطويل بمسألة المعجزة وإمكانية تحقق المعجزة – بالطبع إذا كان ذلك ضروريًا – يتناول حل مشكلة طول العمر ويستخدم أمثلة من المعجزات المسجلة لتوضيح سر طول عمر المهدي الموعود.

ردُّ الشهيد الصدر هنا مبتكر تمامًا ويمتاز بالخصائص التالية:

  1. عرض جميع الاحتمالات الواردة في السؤال؛
  2. الاهتمام بالحقائق العلمية والقواعد الفلسفية؛
  3. الاستفادة من الأمثلة الحسية التجريبية والمفهومة؛
  4. الاستفادة من المبادئ العلمية المعروفة؛
  5. الاستفادة من الحقائق التاريخية الواضحة والمقبولة لإثبات النظرية المطروحة؛
  6. رغم السعي لتبرير علمي يتناسب مع فهم الجمهور والاستفادة من العلوم البشرية المتعارف عليها حاليًا، لا يُنسى النقاش حول المعجزة التي هي نقاش كلامي وعقلي، وتأتي المعجزة في النهاية كالكلمة الفصل في هذه المرحلة. فهو باستخدام المعجزات المماثلة عبر التاريخ، يقرب هذه المعجزة بشكل محسوس إلى ذهن المتلقي. معجزة طول عمر الإمام المهدي عليه السلام ليست ولا ستكون فوق المعجزات التي حصلت لأنبياء الله العظام؛ كحضرات نوح، إبراهيم، موسى، عيسى، والنبي الخاتم عليهم السلام.
  7. النقطة المشتركة في كل هذه المعجزات الإلهية هي أنه كلما تعلّق الأمر بحفظ حياة حجة إلهية على حساب تعطيل قانون طبيعي، وكان استمرار حياة تلك الحجة المعصومة والقائد السماوي ضروريًا لتحقيق الأهداف والآمال الإلهية، تدخل عناية الله وتعمل بشكل معجز لتحفظ حياة تلك الحجة الإلهية من أذى القانون الطبيعي لكي تتمكن من تحقيق الأهداف والواجبات المطلوبة.
  8. تكرار هذه المعجزات هو بحد ذاته دليل علمي على وجود قانون علمي أسمى من القوانين الطبيعية العادية، والذي عند الضرورة يعطل القوانين العادية ويدخل القانون الأسمى حيز التنفيذ.

سر طول العمر وفلسفة الغيبة الكبرى

  1. السؤال الثاني يتعلق بطول عمر وغيبة الإمام المهدي. رغم أن السؤالين هنا مجتمعان، إلا أن جوابًا مقنعًا واحدًا يكفي لكليهما، إذ هما في الواقع حقيقة وظاهرة تثير التساؤل.

طول عمر الإمام المهدي عليه السلام مصحوب بغيبة طويلة، والسعي لإثبات عمر طويل للإمام المهدي (عج) يدل على الإصرار على تعطيل القوانين العادية؛ بينما يمكننا أن نتخيل أن خالق العالم، لتحقيق أهدافه العظيمة، سيخلق في المستقبل قائدًا مناسبًا وملائمًا ليؤدي دوره الكبير.

لذا، ما الحكمة وما الدليل المقنع من إطالة عمر إنسان وإبقائه خلف ستار الغيبة حتى يوم الموعود؟

  1. الشهيد الصدر في إجابته على هذا السؤال، بعد افتراض وضوح إمكانية وجود عمر طويل وضرورة تعطيل القوانين الطبيعية بحق الإمام المهدي عليه السلام، يطرح نوعين من الإجابات.

أ) الإجابة التقليدية التي هي دليل كلامي قائم على الفرضيات العقائدية الثابتة.

ب) الإجابة غير التقليدية التي تستند إلى تفسير وتحليل نفسي واجتماعي.

هذا التفسير التحليلي هو ابتكار من الشهيد الصدر. في هذه الإجابة، يُبيّن دور طول العمر في إعداد ذلك القائد الإلهي الناشر للعدل لتحقيق ذلك الهدف العظيم.

هنا من المناسب أن ننتبه إلى ملخص هذه الإجابة الابتكارية للشهيد الصدر:

التحول الكبير جدًا يحتاج إلى روح كبيرة، همّة عالية جدًا، وشعور عميق بتفوقه وبطلان الحضارة الخادعة وصغر القوى العظمى الظالمة والمستغلة، التي تم حفظ هذا القائد من أجل القضاء عليها، ليتمكن من تحويل الحضارة الحالية إلى عالم جديد تمامًا ومختلف. كلما آمن هذا القائد الثوري ببطلان هذه الحضارة ورآها مجرد نقطة في مسار طويل وتطوري للحضارة الإنسانية، كان أكثر قدرة على إسقاط هذه الحضارة العظيمة؛ لأن درجة شعوره ببطلان هذا الوحش الكبير يجب أن تتناسب مع عظمة التحول المطلوب.

رسالة يوم الموعود هي إحداث تحول بارز وشامل في عالم ملئ بالظلم، ولن يكون قادرًا على تحقيق هذا التحول سوى من يرى نفسه أكبر من هذه الحضارة العظيمة ويرى ذلك بوضوح. الشخص الذي يخاف من هيبة هذه الحضارة لأنه نشأ في كنفها لا يمكنه أن يتولى قيادة هذا التحول العظيم والبارز؛ بينما الإنسان الآخر الذي كان قبل هذه الحضارة، ورافق حضارات متعددة، وشاهد ولادة وسقوط عدة حضارات، ويعرف نقاط ضعف وقوة كل منها، يكون على وعي تام بمكان ضعف هذه الحضارة ومن أين يجب توجيه الضربة إلى جسدها. ومن المؤكد أن أي كتاب تاريخي لا يمكن أن يحل محل هذه المعرفة الحسية تمامًا لهذا الفرد.

الشهيد الصدر هنا يشير إلى مثالين من الأشخاص المصلحين الذين كانوا مرعوبين من حضارات عصرهم، ويشرح لماذا لا يستطيع هؤلاء الأشخاص أن يتولوا إصلاحًا وتحولًا بارزين[5].

وفي موضع آخر، يشير إلى دور تراكم الخبرات لدى الإنسان في تطوير القدرة على التمييز الدقيق بين نقاط ضعف وقوة الظواهر الاجتماعية. ونتيجة لذلك: يتضح دور التجارب المستمرة للإنسان في خلق القدرة المطلوبة، خاصة على مستوى القيادة المطلوبة، ويُكشف سر طول عمر الإنسان في هذا المجال.

النقطة الثالثة التي توضح الحاجة إلى قيادة منبثقة من عصر صدر الإسلام هي أن هذا التحول الإسلامي الأصيل يحتاج إلى قيادة تكون أقرب الأشخاص إلى المصادر الأصيلة للإسلام وفي الوقت نفسه شخصية منيعة أمام كل عوامل الانحطاط والانحراف الثقافي، لكي تتمكن من تطبيق الإسلام كما هو وإرساء تحول شامل وبارز قائم على الإسلام النقي. أما الشخص الذي يولد اليوم ويتنفس في فضاء الحضارة الحالية المليء بالانحراف، ويفتح عينيه على التحولات والانحرافات القائمة، فلا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يدرك الإسلام النقي كما هو. لا يستطيع التحرر من رواسب وأصول هذه الحضارة، حتى لو كان ينوي إصلاحًا ثوريًا. في النهاية، لا يمكننا ضمان تحرره من الشوائب والبدع القائمة، ولذلك يجب أن يكون قد وُلد في مرحلة قبل ولادة الحضارة الحالية، وأن تكون بنيته الثقافية والإسلامية قد ترسخت منذ زمن صدر الإسلام، لكي يتمكن من أن يكون طليعة التحول النقي والأصيل للإسلام.[6]

الطفولة والإمامة

السؤال الثالث: مع أن الإمام المهدي عليه السلام لم يعش مع والده الكريم الإمام الحسن العسكري عليه السلام أكثر من خمس سنوات، وفقد والده في سن الطفولة، فكيف استعد في هذه الفترة القصيرة جدًا من الطفولة للإمامة والقيادة، وكيف نضجت شخصيته؟

الجواب المثير للشهيد الصدر في هذا المجال هو جواب مبتكر تمامًا. فقد أشار إلى «ظاهرة الإمامة المبكرة» التي تجلت في ثلاثة أئمة{P1P}، ودرسها متابعًا النقاش من الناحية التاريخية والاجتماعية في المجتمع الإسلامي، متجاوزًا النقاشات الكلامية التقليدية في إثبات الإمامة، ومتغاضيًا عن قاعدة اللطف.

ست نقاط تاريخية حول أهل البيت وأتباعهم وسلوك الخلفاء المعاصرين معهم توضح لنا حقيقة لا يمكن إنكارها: الإمامة المبكرة بين أهل بيت العصمة كانت واقعًا وليست وهمًا أو خيالًا، كما أن لها نظيرًا بين أنبياء الله أيضًا. لذلك، بالاستناد إلى نماذج حسية وتجريبية، يتضح إمكانية الإمامة الحقيقية والشاملة لطفل في الخامسة من عمره؛ لأن وقوع الشيء هو أكبر دليل على إمكانية حدوثه.

هذه الظاهرة التي كان لها مثالان بين أئمة أهل البيت قبل الإمام المهدي عليه السلام، والتي ذُكرت في القرآن الكريم عن يحيى النبي وعيسى عليهما السلام قبل عصر إمامة أهل البيت عليهم السلام، تقدم أفضل جواب عملي وواقعي قاطع، وتجيب عن كل الأسئلة المطروحة حول الإمام المهدي عليه السلام من هذه الناحية. وإذا دعت الحاجة، يجب الانتباه إلى نقاش الشهيد الصدر حول التجربة الحسية والاجتماعية للغيبة الصغرى التي استمرت حوالي سبعين عامًا، والدلالات القاطعة لذلك على كفاءات الإمام المهدي عليه السلام.

والآن ننتقل إلى مقتطف من جواب الشهيد الصدر المبتكر في هذا المجال، حيث يعرض جوابه في ست نقاط مهمة على النحو التالي:

أ) قيادة أئمة أهل البيت لم تكن مثل قيادة خلفاء العباسيين والفاطميين… الذين كانوا يمتلكون قاعدة سلطانية تنتقل من الأب إلى الابن، وكان الجهاز الحاكم يدعمهم. بل كان قبول أسس الإمامة الواسعة يتم فقط في صفحات قلوب الناس عبر النفوذ الروحي، مع إثبات أن أئمة أهل البيت وحدهم هم أهل الإمامة.

ب) هذه الأسس الشعبية كانت متجذرة في قلوب الجماهير منذ بداية الإسلام، ووصلت إلى ذروتها واتساعها في عصر الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام، حيث أسسا مدرسة تعليمية وأشرفا عليها، فانتشرت موجة فكرية واسعة في العالم الإسلامي، كانت سببًا في ارتباط مئات من الفقهاء والمفكرين والمفسرين، وكذلك علماء كثيرين في مختلف العلوم الإنسانية والإسلامية بها. حتى أن حسن بن علي وشّا يقول: «دخلت مسجد الكوفة ورأيت فيه تسعمائة أستاذ يروون الحديث عن جعفر بن محمد».

ج) الشروط التي كانت تعتبرها هذه المدرسة وأسسها الشعبية في المجتمع الإسلامي لاختيار الإمام والتعرف على أهليته للقيادة كانت شروطًا صعبة؛ لأن الإمام لن يكون قائدًا ومقتدى إلا إذا كان أعلم وأفقه من كل أهل زمانه.

د) في سبيل هذه المدرسة وأسسها، فقد كثير من الناس أرواحهم بسبب اعتقادهم في الإمامة؛ لأن جهاز الخلافة المعاصر كان ينظر إليها كمذهب معارض له على الأقل من الناحية النظرية، وفي النهاية كان ذلك يؤدي إلى الاضطهاد والتعذيب الذي كان الحكام في ذلك العصر يمارسونه باستمرار لتثبيت سلطتهم وحكمهم.

كم من أشخاص قُتلوا على يد جهاز الخلافة أو قضوا نحبهم في السجون المظلمة. كان الإيمان بقيادة أئمة أهل البيت مكلفًا جدًا للناس، ولم يكن له أي منفعة دنيوية سوى ذلك الشعور بالطمأنينة الناتج عن اكتشاف الحقيقة والإيمان بها والاقتراب من الله.

ه) الأئمة، الذين كانت قيادتهم قائمة على أسس كهذه، لم يكونوا منفصلين عن المجتمع ولا مثل الحكام في قصور شاهقة، بل لم يخفوا أنفسهم عن أعين الناس. لم يكن بينهم وبين الناس أي حجاب، إلا في الأوقات التي كان فيها الحكام يستخدمون الأغلال والأصفاد والنفي والتشريد ليخلقوا حواجز بين الأئمة والناس. نستنتج هذا من كثرة ناقلي الحديث، وعدد الرسائل التي كانت تُتبادل معهم والتي هي محفوظة الآن في الكتب. كما أن اللقاءات التي تمت في السفر والوفود العديدة للأئمة في المدن، تُظهر ارتباط الأئمة بطبقات مختلفة من الناس والعلماء.

و) الخلفاء الذين كانوا معاصرين للأئمة الشيعة، كانوا يرون في وجود الأئمة وقيادتهم الروحية خطراً عظيماً على مصيرهم ومصير نظامهم. ومن ثم، كانوا يبذلون كل جهدهم لإزالة هذه القيادة، ولم يترددوا في استخدام كل أنواع الضغوط والاعتقالات. حتى أنهم لم يتوانوا عن القيام بعروض قاسية ومستمرة من الأسر والنفي والسجن والقتل للحفاظ على وجودهم، مما جعل قلوب المسلمين ومحبي الأئمة تتألم.

وبالنظر الدقيق إلى النقاط التاريخية السابقة، نصل إلى نتيجة أن «الإمامة» في سن الطفولة كانت ظاهرة حقيقية، وليست مجرد وهم؛ لأن الإمام الذي بلغ قيادة روحية وفكرية للمسلمين في طفولته، والذي التزم المسلمون باتباعه في خضم موجات مدمرة متزايدة، لا بد أن يكون قد امتلك علماً كافياً ووعياً راسخاً، وأن يكون قد استفاد استفادة واضحة وبارزة من الفقه والتفسير والعقائد بما يفوق عصره. لأنه خلاف ذلك، لا يمكنه أن يجبر الناس على اتباعه. نرى أن الأئمة كانوا في مواقف يمكن لأتباعهم من الصغار والكبار أن يتواصلوا معهم ويستفيدوا بسهولة من انعكاسات وجودهم. فهل من الممكن أن يدعو طفل الناس إلى إمامته، ويجعلها كراية مرفوعة تتجلى، ويستمر في هذه الدعوة أمام أعين وآذان الجميع، ويؤمن الناس به علناً وسراً، بل ولا يخشوا بذل النفس والمال في سبيل اعتقادهم، ومع ذلك لا يكون لديهم علم بحقيقة ذلك الإمام، ولا تدفع «إمامة ذلك الطفل» الناس إلى البحث عن حقيقة الأمر؟!

هل يمكن أن تمر سنوات على هذا النوع من العلاقة بين الإمام والناس، ولا تزال الحقيقة الحقيقية له مكشوفة، ولا تتضح كيفية معارف الإمام وعلومه سواء كان طفلاً أو بالغاً؟

ولو افترضنا محالاً أن الناس لم يستطيعوا إدراك الحقيقة والواقع، فلماذا لم يقم الخلافة والنظام الحاكم، الذي كان يكن كل هذا العداء العلني للإمام، بكشف وجه الإمام الحقيقي؟!

هل لم يكن ذلك ممكناً له؟ وإذا كان الإمام الطفل مثل كل الأطفال ولم يكن يتمتع بمستوى تفكير وعقل راقٍ وعالي، فهل لم يكن أفضل ذريعة للخلفاء لعرض عجز الإمام على أتباعه، وضرب تلك النجوم اللامعة، وتوضيح أن هؤلاء لا يمكن أن يكونوا قادة روحيين وفكريين للناس؟ لأن إثبات عدم كفاءة إنسان في الأربعين أو الخمسين من عمره، وهو يمتلك ثروة كبيرة من العلم والمعرفة في عصره، صعب على الناس العاديين، فكيف بإثبات عدم كفاءة طفل في قيادة الناس؟

لإسقاط الإمام وتحقير شخصيته وقيادته، كان إثبات عدم كفاءته أكثر فاعلية وإقناعاً من أن يلجأ الخلفاء إلى تلك الأساليب اللاإنسانية. خاصة مع الأخذ في الاعتبار أن الشيعة قد خصصوا للأئمة صفات عظيمة.

لو لم يكن الإمام الطفل يتمتع بعلم ومستوى تفكير عالٍ، لكان الخلفاء المعاصرون قادرين على إثارة ضجة كبيرة، لكن صمتهم وصمت التاريخ يشهدان على أن الإمامة في سن الطفولة كانت ظاهرة حقيقية وليست مصطنعة. كما أن الخلفاء كانوا يدركون حقيقة إمامة هؤلاء الأئمة عملياً وفكرياً، وكانوا يرون أنه حتى لو أثاروا قضية صغر سن الإمام وحاولوا من خلالها تحطيم قيادته الدينية والفكرية، فلن ينجحوا.

ويذكر التاريخ أحياناً قرار الخلفاء باستخدام ظاهرة صغر سن قادة الشيعة ونتيجة فشلهم، لكنه لا يظهر أي حالة تشير إلى أن هذا الأمر قد أحدث تزعزعاً في روح أتباعهم، أو قدم دليلاً على أن الأئمة في سن الطفولة قد عجزوا عن الإجابة على سؤال ما أو واجهوا مشكلة وأصبحوا في مأزق، أو أن ثقة الناس في موقعهم وإمامتهم قد اهتزت.

وبالتالي، فإن الإمامة في سن الطفولة كانت ظاهرة حقيقية في حياة أهل البيت، وليست فرضية بعيدة عن الواقع مع أمثلة واضحة.

يمكن إيجاد حالات مشابهة لظاهرة القيادة في سن مبكرة في تراث الرسل الإلهيين.

على سبيل المثال: يحيى عليه السلام، الذي يقول الله تعالى عنه:

«يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتينا الحكمة وهو من المقربين في الصغر».[7]

والآن وقد اتضح كيف تكون الإمامة في سن الطفولة، فمن الواضح أنه لا مجال للاعتراض على إمامة الإمام المهدي عليه السلام في سن الخامسة[8].

هل الإمام المهدي عليه السلام موجود حقاً؟

السؤال الرابع هو: مع وضوح إمكانية طول العمر والغيبة الطويلة، كيف نصل إلى وجود الإمام المهدي عليه السلام وولادته؟

مع افتراض نقل عدة أحاديث عن النبي محمد صلى الله عليه وآله، حتى لإقناعنا بأمر غير مألوف، هل يمكننا الإيمان بوجود الإمام الثاني عشر؟

كيف نثبت أن الإمام المهدي عليه السلام كائن حقيقي وتاريخي وليس أسطورة اختلقها بعض الناس بسبب الظروف الاجتماعية والنفسية الحادة؟

كان جواب الشهيد صدر على هذا السؤال، نظراً لأبعاده المتعددة، في مرحلتين وبشكلين مختلفين.

النقطة الأولى في رد من يرون أن الروايات المنقولة عن الإمام المهدي محدودة جداً ويدعون أن هناك فقط بعض الروايات القليلة عنه، وأنه لا يمكن بناء اعتقاد راسخ على عدد محدود من الروايات.

يرد على هذا الشبهة بالإشارة إلى المصادر الكثيرة والعدد الكبير جداً من الروايات التي وردت فقط عن النبي -ومن طريق أهل السنة التي حُصيت بأربعمائة رواية-.

وإذا أضفنا الروايات الواردة من طريق الشيعة وأهل البيت عليهم السلام، يصل العدد إلى ستة آلاف رواية. مع هذا الكم الكبير من الروايات التي لم تصل في موضوع من موضوعات الإسلام البديهية إلى هذا العدد، يبدو الادعاء بالبديهية ليس مبالغاً فيه، ويُظهر يقينية هذه المسألة بوضوح.

النقطة الثانية: بعد إثبات الأصل القطعي لوجود الإمام المهدي عليه السلام باستخدام الروايات الكثيرة، يحق لنا أن نسأل: من هو هذا الإمام المهدي عليه السلام؟

تم التحقق من انطباق هذا اللقب على الإمام المعصوم الثاني عشر من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله بطريقتين في كتاب الشهيد صدر.

في الطريق الأول تم التركيز على عدة أمور:

الأمر الأول: الروايات التي تعرف المهدي عليه السلام بأنه من أهل البيت، وتعتبره من نسل فاطمة ونسل الحسين بل الابن التاسع للحسين بن علي عليه السلام.

الأمر الثاني: الروايات التي تعتبر جميع الأئمة اثني عشر إماماً.

لذا، فإن الإمام المهدي عليه السلام لا يكون خارج دائرة الأئمة الاثني عشر، ويُحدد كالإمام الثاني عشر منهم.

هذه الروايات، رغم جهود الأئمة لإخفائها عن العامة حفاظاً على حياة الإمام المهدي عليه السلام من أذى الأعداء القدامى وحكام بني العباس، قد انتشرت في النهاية، وانتقلت من جيل إلى جيل من خلال النقل الشفهي والكتابي، وانتشرت على نطاق مقبول وموثوق.

الأمر الثالث: بالإضافة إلى العدد الكبير من الروايات المذكورة، هناك العديد من القرائن والدلائل التي تثبت صحة هذه الروايات.

على سبيل المثال، عدد الروايات التي تقول (الأئمة أو الخلفاء أو الأمراء من بعدي اثنا عشر) يصل إلى (270) رواية، وردت في أشهر كتب الحديث عند الشيعة وأهل السنة مثل البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود ومسند أحمد ومستدرك الحاكم.

الأمر الرابع: السيد البخاري، الذي كان معاصراً للإمام الجواد عليه السلام، نقل هذه الروايات؛ أي أن نص هذه الأحاديث قد سُجل في العالم الخارجي قبل اكتمال عدد الأئمة الاثني عشر، وهذا ينفي تماماً احتمال التزوير أو صناعة الحديث التي عادةً ما تحدث بعد وقوع حادثة ما لتأليف حديث عنها، ولا يمكن أن تعكس هذه الروايات عقيدة الإمامية وأتباع أهل البيت. لذلك؛ تشير هذه النقطة إلى حقيقة تتجاوز أحداث التاريخ، وهي في الحقيقة خبر غيبي من نبي الإسلام صلى الله عليه وآله يتوافق تماماً مع اعتقاد الإمامية.

عقيدة الإمامية هي أن الإمام المهدي عليه السلام هو المثال الوحيد القابل للتحقق لهذه الأحاديث الكثيرة.

النقطة الثالثة: إذا أراد أحد أن يتعرف على مصداق الإمام الثاني عشر من أهل بيت النبي، يوضح الشهيد صدر باستخدام الحقائق التاريخية لسبعين سنة من الأحداث المتتالية في فترة الغيبة الصغرى، والنواب الخاصين للإمام المهدي عليه السلام في هذه الفترة، والاتصال بعدة أجيال بهم وبالإمام المهدي عليه السلام عن طريقهم، والمراسلات الحسية والملموسة التي كان الناس والعلماء يجريها مع الإمام الزمان عليه السلام، أن احتمال أي خداع أو تمثيل أو خيال مستبعد.

مع رسالة الإمام المهدي عليه السلام إلى آخر سفيره (أبو الحسن علي بن محمد السُمري)، يُطرح نهاية الغيبة الصغرى وبداية الغيبة الكبرى. وفي الواقع، تحقق مسار منطقي ومقبول تماماً لتحقيق الغيبة الكبرى التي وردت في روايات النبي صلى الله عليه وآله وأهل البيت الأطهار، وتحرك الشيعة من خطر التشتت والاندثار نحو قبول الغيبة الكبرى والإيمان بالإمام الغائب مع الحفاظ على الشروط الأساسية لمواصلة الجهد في خط أهل البيت عليهم السلام، ويواصلون طريقهم الرئيسي والمنطقي والإسلامي نحو تحقيق الأهداف والظروف اللازمة لظهور الإمام الغائب.

لم يُلاحظ أي خداع أو تضليل أو تناقض أو مكر في سلوك نواب الإمام المهدي عليه السلام الخاصين خلال فترة السبعين سنة التي شملت عدة أجيال، واحتمال ذلك غير منطقي وغير عقلاني. كما أن احتمال كون ولادة أو حياة أو وجود الإمام المهدي أسطورة بين الناس مرفوض تماماً.

وبذلك، كانت ظاهرة الغيبة الصغرى تجربة عملية مهمة جداً تثبت حقيقة ولادة ووجود وإمامة وغيبة الإمام الزمان جيداً لأهل المنطق والبحث في تلك الفترة وفي القرون اللاحقة، وتزيل كل المخاوف والوساوس.

وهذا الجواب من الشهيد صدر هو أيضاً جواب مبتكر.

لماذا لا يظهر الإمام المهدي عليه السلام؟

السؤال الخامس: مع الأخذ في الاعتبار أن ظروف ظهور الإمام الزمان تزداد تعقيداً مع مرور الوقت، لماذا لم يظهر الإمام المهدي عليه السلام للإصلاح العالمي في فترة الغيبة الصغرى أو بعدها بقليل، مع أن ظروف الإصلاح تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم؟

في الإجابة على السؤال الخامس يجب الانتباه إلى النقاط التالية:

  1. في الإجابة على هذا السؤال، وخصوصًا من منظور اجتماعي، يجب مناقشة الشروط اللازمة لإصلاح اجتماعي واسع وعالمي.
  2. يجب التمييز بين البُعد الغيبي والبُعد الطبيعي والاجتماعي.
  3. يجب الانتباه إلى توافر مجموعة الشروط الأساسية التي تعتمد على إرادة واختيار البشر.
  4. المعجزة الإلهية في الحالات التي تتعلق بإرادة الإنسان والتي يجب أن تمر عبر المسار الطبيعي، لا تحل محل ذلك المسار الطبيعي، وتتحقق السنة الإلهية الثابتة كما صُممت.
  5. الدعائم الغيبية التي تصل إلى الإنسان لا تحل محل الامتحان والابتلاء والاختبار الإلهي، وهو مبدأ أساسي ومهم في التحولات الاجتماعية.
  6. توفير الشروط العامة للإصلاح العالمي أمر ضروري لا بديل له، ومع وجود قيادة جاهزة للإصلاح ووجود رسالة كاملة، لا تتوفر كل الشروط اللازمة للنجاح، بل يجب أن تهيئ الظروف الاجتماعية والسياسية العالمية أيضًا الأرضية للنجاح وانتصار الحق على الباطل.

أحد هذه العوامل المهمة هو شعور الإنسان المتحضر والمعاصر بالعجز والعجز التام لجميع المدارس والقوى العظمى وجميع المذاهب والأديان تجاه حل مشكلة العدالة الاجتماعية والراحة والأمن للبشر، بحيث يتخلى عن جميع الحلول ويتجه إلى جهة واحدة ويحدق بعين المحب والمخلص نحو

المصلح الإلهي الذي خُزن لإحداث الإصلاح العالمي، ويرى في نفسه الاستعداد اللازم من اتباع إلى مرافقة كاملة وتضحية وبذل النفس، ويكون في حالة تأهب تام عند لحظة الظهور.

  1. بالنظر إلى تقدم الوسائل المادية، يمكن لهذا التقدم أن يخدم هذه الحركة العظيمة ويساهم في توفير الشروط العامة والضرورية.
  2. لكن التقدم العسكري للقوى العظمى من الناحية المادية، مع وجود ضعف داخلي، وتهالك هذه القوى العظمى والأقوياء من الداخل وفقدانهم لقوتهم الحقيقية، وانجرافهم نحو العدمية، هو أضعف نقطة في هذه الحضارة وهذه القوى العظمى. لذلك، لا يمكن أن يشكلوا مشكلة جدية في طريق الإصلاح الشامل والعالمي للسيد المهدي عليه السلام.

دور الفرد وكيفية التحول الكبير

كيف يمكن لفرد واحد أن يتحمل مسؤولية تحول كبير جدًا؟

في الإجابة على هذا السؤال يُقال: إن نبي الإسلام صلى الله عليه وآله الذي كان بداية حضارة جديدة، لم يكن مولودًا من الحضارة السابقة، وبالتالي، لا يكون البشر دائمًا مولودين من الظروف التاريخية والمادية.

عندما نأخذ بعين الاعتبار العلاقة المستمرة والوثيقة بين الإنسان والعالم الغيبي، يمكن لهذه العلاقة العميقة أن توجه الإنسان نحو مستقبل جديد، ولا نعتبر البشر مجرد انعكاس لواقعهم المحيط.

الإمام المنتظر أيضًا سيختبر تجربة مماثلة للتجربة الثمينة للنبي العظيم للإسلام، وسيبدأ فتحًا عالميًا عظيمًا وحضارة جديدة. وبهذا، يتضح الدور العظيم لشخصية إلهية في تغيير مسار التاريخ.

كيف ستكون طريقة هذا التغيير العالمي؟

يُؤجل جواب هذا السؤال إلى المستقبل، ولن يكون التنبؤ العلمي والدقيق به أمرًا سهلاً.

نعم، بناءً على الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام، يمكننا الإشارة إلى نقاط ترسم طريقة التغيير والتحول في عالم البشرية.

ولهذا السبب يجب القول: إن العديد من النقاط الدقيقة والحساسة في عصر الغيبة الكبرى وعصر الظهور، التي تتولى بيان كيفية الظهور، وكذلك عصر ما بعد الظهور، نجدها في الأصل في الكتاب وهو «موسوعة الإمام المهدي»، ويجب دراسة نص المقدمة «بحث حول المهدي» دراسة دقيقة للاستفادة من نقاطه الدقيقة والعالية جدًا.

 

[1]. الطبعة الأولى لموسوعة الإمام المهدي الشهيد صدر الثاني كانت في عام 1392 هـ ق؛ بينما تاريخ طباعة وكتابة صدر الكبير الذي نُشر تحت عنوان (بحث حول المهدي) هو عام 1397 هـ ق، أي أن هذا المقدمة كُتبت بعد صدور الكتاب أو ذو المقدمة. للأسف، في الطبعة الثانية لموسوعة الإمام المهدي التي كانت في عام 1400 هـ ق لم تُضاف هذه المقدمة إلى الكتاب. أفضل طبعة لـ (بحث حول المهدي) التي جاءت مع تحقيق وتوضيحات قيمة هي من الأخ الفاضل والمكرم الدكتور عبد الجبار شرارة، والتي نُشرت بواسطة مركز الغدير للدراسات الإسلامية في عام 1417 هـ ق.

[2]. مع الأسف الشديد، التقدير والثناء الذي قدمه الشهيد صدر الأول لموسوعة الإمام المهدي الشهيد صدر الثاني، والذي ورد في النسخة القيمة لدار التعارف، قد حُذف في بعض النسخ.

[3]. وهناك ترجمة فارسية بعنوان الإمام المهدي ملحمة من النور قامت بها المكتبة الإسلامية الكبرى، وترجمة إلى اللغة الفرنسية قام بها المترجم المتمكن الدكتور عباس بستاني وقد نُشرت.

[4]. الأصل المقالة تستمر في هذا الجزء، ولثقل المواضيع لم نورد عدة صفحات منها.

[5]. بحث حول المهدي، الصفحات 88-84.

[6]. بحث حول المهدي، الصفحات 89-88.

[7]. سورة مريم، الآية 12.

[8]. الإمام المهدي ملحمة من النور، الصفحات 61-56، (بتصرّف).