إعادة قراءة وظيفة علم الاقتصاد الإسلامي من منظور الشهيد صدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: بازخوانی کارکرد علم اقتصاد اسلامی از منظر شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: تتناول هذه المقالة بطريقة تحليلية إعادة قراءة وظيفة علم الاقتصاد الإسلامي من منظور الشهيد صدر. في الأدبيات الموجودة، يُعتبر عادةً أن الوظيفة التفسيرية لعلم الاقتصاد الإسلامي مشروطة بتحقق خارجي لـ «المدرسة الاقتصادية الإسلامية»؛ لكن هذا البحث يُظهر أن علم الاقتصاد، من خلال تقديم وصف وتنبؤات مؤسسية، يتحمل وظيفتين مهمتين هما «تبرير المدرسة» و«استكمال الجزء المتغير» (الذي يشمل الهياكل والقوانين والسياسات). لذلك، السؤال الرئيسي هو كيف يمكن تنفيذ الجزء المتغير من المدرسة دون الاستفادة من نتائج علم الاقتصاد الإسلامي؟ تشير النتائج إلى أنه إذا اعتبرنا النظام الاقتصادي متميزًا عن المدرسة، فإن علم الاقتصاد الإسلامي يساهم بشكل كبير في تصميم الهياكل والمؤسسات بناءً على المبادئ الثابتة والمتغيرة للمدرسة.

المؤلف: محمدجواد توکلی

المصدر: اقتصاد اسلامی، صيف 1403، العدد 94، ص 7 إلى 42.

المقدمة

في أدبيات الاقتصاد الإسلامي، يعود التمييز بين علم الاقتصاد الإسلامي والمدرسة الاقتصادية الإسلامية إلى الشهيد صدر؛ فمن وجهة نظره، كما أن علم الاقتصاد الإسلامي مسؤول عن تقديم منهج لإدارة اقتصاد المجتمع الإسلامي، يجب أن يقدم أيضًا تحليلات علمية. لقد قبل الاقتصاديون المسلمون إمكانية وجود علم الاقتصاد الإسلامي؛ وعلى الرغم من الفهم الخاطئ الذي حدث لتعبيرات الشهيد صدر في كتاب اقتصادنا، فإن علم الاقتصاد الإسلامي ليس فقط قادرًا على إنتاج نظريات علم الاقتصاد الإسلامي، بل هو بحاجة إلى هذه النظريات. في هذه المقالة، وباستخدام المنهج التحليلي، نبحث في السؤال: ما هي وظيفة نظريات علم الاقتصاد الإسلامي؟ بناءً على الفهم الأولي من أدبيات الاقتصاد الإسلامي، فإن علم الاقتصاد الإسلامي له هوية تفسيرية فقط يمكنه من خلالها تفسير وظائف المدرسة الاقتصادية الإسلامية. إذا اعتبرنا وظيفة علم الاقتصاد الإسلامي مقتصرة على تفسير وظائف المدرسة الاقتصادية الإسلامية فقط، فإن هذا العلم سيكون مجرد علم استقرائي لا يؤثر على نظريات المدرسة الاقتصادية الإسلامية ولا على كيفية تحقيقها. وفقًا لفرضية المقالة، فإن نتائج علم الاقتصاد الإسلامي هي أحد المدخلات للجزء المتغير من المدرسة الاقتصادية الإسلامية ولها دور أساسي في تشكيله. إذا اعتبرنا النظام الاقتصادي متميزًا عن المدرسة، فإن علم الاقتصاد الإسلامي سيكون أداة لتفعيل مبادئ المدرسة الاقتصادية الإسلامية في إطار النظام الاقتصادي الإسلامي.

بعد مراجعة الدراسات السابقة، نشرح مفهوم علم الاقتصاد الإسلامي. ثم نعرض بعض النقاط حول المكونات المحورية التي تؤثر في تحديد هوية علم الاقتصاد الإسلامي وعلاقته بالمدرسة الاقتصادية الإسلامية والنظام الاقتصادي الإسلامي في إطار فكر الشهيد صدر. هذا النقاش يمهد لتفسير وظيفة علم الاقتصاد الإسلامي في تفاعله مع المدرسة الاقتصادية الإسلامية. وسيكون تقديم نظرة جديدة للعلاقة بين العلم والمدرسة الاقتصادية الإسلامية تمهيدًا لإعادة قراءة وظيفة علم الاقتصاد الإسلامي في نهاية المقال.

الدراسات السابقة

لا توجد العديد من الدراسات البحثية حول وظيفة علم الاقتصاد الإسلامي. في هذا المجال، تم طرح نقاشات حول إمكانية أو استحالة وجود علم الاقتصاد الإسلامي. فيما يلي نذكر بعضًا من أهم الأعمال في هذا المجال:

حائري ويوسفي (1380) يجادلان بأن الشهيد صدر يرى أن الإسلام يمتلك مدرسة ونظامًا علميًا لعلم الاقتصاد الإسلامي حائري ويوسفي (1380).

مير معزي (1385) في مقال بعنوان نقد ومراجعة وجهة نظر الشهيد صدر (رحمه الله) حول هوية الاقتصاد الإسلامي ينتقد وجهة نظر الشهيد صدر بعدم وجود علم الاقتصاد الإسلامي. كما يجادل بوجود مقولات علمية في الاقتصاد الإسلامي مير معزي 1385. كما ينتقد المدرسة الاقتصادية من وجهة نظر الشهيد صدر.

نظري (1388) في مقال بعنوان منهجية الشهيد صدر حول تشكل علم الاقتصاد الإسلامي يشرح البحث النهائي حول الطريقتين الاستنتاجية والاستقرائية للشهيد صدر في تشكيل علم الاقتصاد الإسلامي. من وجهة نظره، سبب تفضيل الطريقة الثانية عنده هو أنه يرى أن مهمة وهدف علم الاقتصاد هو تفسير الأحداث الاقتصادية الواقعية للمجتمع دون حكم قيمي (نظری، ۱۳۸۸).

توكلي (1396) في مقال بعنوان إعادة قراءة منهج الشهيد صدر حول الهوية العلمية للاقتصاد الإسلامي يجادل بأنه رغم أن الشهيد صدر في كتاب اقتصادنا ينفي علم الاقتصاد الإسلامي بمعناه الديالكتيكي، الإثباتي الخالص والقبلي، إلا أنه يرى إمكانية صياغته بطريقتين استقرائية استقرائية واستنتاجية. بناءً على نتائج هذا المقال، فإن تحقق علم الاقتصاد الإسلامي في نظر الشهيد صدر مشروط بتحقق واقعي مفترض للمذهب الاقتصادي الإسلامي كهيكل مؤسسي مرغوب فيه من الإسلام. في هذا الإطار، يمكن لعلم الاقتصاد الإسلامي أن يؤدي وظيفتين: أولًا إثبات كفاءة المذهب الاقتصادي الإسلامي والهياكل المؤسسية الموصى بها والمُنشأة؛ ثانيًا، المساعدة في استكمال المقولات التقريرية للمذهب الاقتصادي الإسلامي توكلي، 1396، ص 211).

في هذا المقال، وبالاستفادة من الأعمال السابقة، نعيد قراءة وظيفة علم الاقتصاد الإسلامي من منظور الشهيد الصدر. الابتكار الخاص في هذا المقال هو الانتباه إلى تأثير نظريات علم الاقتصاد الإسلامي في تشكيل الجزء المتغير من المدرسة أو النظام الاقتصادي الإسلامي؛ وهي وظيفة تم إهمالها.

مفهوم علم الاقتصاد الإسلامي

الكثير من الاقتصاديين المسلمين، تبعًا للشهيد الصدر، يعرفون علم الاقتصاد مقابل المدرسة الاقتصادية. من وجهة نظر الشهيد الصدر، علم الاقتصاد يختص بتفسير الحياة الاقتصادية للظواهر والأحداث، وبيان العلاقة بين هذه الظواهر والأحداث وبين الأسباب والعوامل المسببة لها (صدر، ۱۴۰۰هـ، ص۳۷۷). وهو يمنح علم الاقتصاد هوية وصفية خالية من الحكم القيمي. ففي بيانه، علم الاقتصاد يتضمن نظريات تهدف إلى تفسير واقع الحياة الاقتصادية دون أن يكون له توجه فكري مسبق أو اهتمام بقيمة العدالة» (المرجع نفسه).

في المقابل، المدرسة الاقتصادية هي الطريقة التي تختارها المجتمع للحياة الاقتصادية وحل مشكلاتها العملية (المرجع نفسه). «المدرسة الاقتصادية تتضمن قواعد أساسية في الحياة الاقتصادية مرتبطة بفكرة العدالة الاقتصادية» (همو، ۱۴۲۱هـ، ص ۱۲٤. همو ۱٤٠٠هـ، ص ۳۸۱). هدف المدرسة الاقتصادية هو إيجاد حلول لمشاكل الحياة الاقتصادية في سبيل تحقيق العدالة (همو ١٤٠٠ ق، ص ٣٨٢).

وفقًا لبيان الشهيد الصدر، كما هو معكوس في الجدول ١، فإن المدرسة الاقتصادية الإسلامية لها عدة مكونات محورية: أ) طريقة لتنظيم الحياة الاقتصادية وحل المشكلات الاقتصادية؛ ب) أسلوب لتغيير الواقع الاقتصادي الفاسد؛ ج) إجراء عملي وتنفيذي؛ د) توجه قيمي يقدم الطريقة بناءً على قيمة العدالة؛ هـ) هذه الطريقة مقبولة من الإسلام؛ والطريقة مقبولة من المجتمع الإسلامي.

في بيان الشهيد الصدر، علم الاقتصاد هو علم تفسير الظواهر الاقتصادية؛ في المقابل، المدرسة الاقتصادية هي علم بيان طريقة تنظيم اقتصاد المجتمع بناءً على مقتضيات التوجه القيمي المقبول في مجال العدالة. المدرسة الاقتصادية للرأسمالية تقدم الطريقة المثلى لتنظيم اقتصاد المجتمع بناءً على مبدأ الحرية الاقتصادية (صدر، ١٤٢١ ق، ص ١١٤)؛ لكن علم الاقتصاد الرأسمالي لا يقدم طريقة مثلى لإدارة اقتصاد المجتمع؛ بل يفسر السلوكيات والسياسات الاقتصادية في إطار الطريقة المقترحة من المدرسة الاقتصادية الرأسمالية، أي طريقة الإدارة بناءً على مبدأ الحرية الاقتصادية. عندما يتضح أن اقتراح المدرسة الاقتصادية الرأسمالية هو تنظيم اقتصاد المجتمع بناءً على مبدأ الحرية الاقتصادية، فإن علم الاقتصاد الرأسمالي لا يسعى لبيان طريقة أخرى لتنظيم الشؤون الاقتصادية؛ بل يتولى دراسة حالة السوق في إطار طريقة الرأسمالية لتنظيم الشؤون الاقتصادية؛ على سبيل المثال، يدرس علم الاقتصاد كيفية تحديد الأسعار وتغيراتها في سوق الحرية الذي تشكل بناءً على الطريقة الرأسمالية.

في هذا الإطار، تكون مقولات علم الاقتصاد ذات هوية وصفية وتسعى فقط لتفسير الواقع دون إصدار حكم قيمي. حسب رأي الشهيد الصدر، مسائل مثل قانون العرض والطلب أو قانون الأجور الحديدية هي قوانين علمية لا تهدف إلى تقييم الظواهر الاقتصادية ولا تنتمي إلا إلى علم الاقتصاد. في المقابل، المسائل المتعلقة بالحرية الاقتصادية، إلغاء الربا وتأميم وسائل الإنتاج تنتمي إلى المدرسة الاقتصادية؛ لأن هذه المسائل مرتبطة بفكرة العدالة (همو، ۱۴۰۰هـ، ص ۳۸۲).

من وجهة نظر الشهيد الصدر، المدرسة الاقتصادية الإسلامية لتنظيم الحياة الاقتصادية العادلة تتكون من قسمين: ثابت ومتغير. القسم الثابت ينبع من الأحكام التشريعية الثابتة، والقسم المتغير مستمد من الأحكام التشريعية المتغيرة؛ وهو القسم الذي يمكن أن يتخذ شكل الأحكام السياسية أيضًا (همو، ۱۴۰۰هـ، ص ۴۰۰ – ۴۰۱).

هوية علم الاقتصاد الإسلامي من منظور الشهيد الصدر

بالنظر إلى التعريف المقدم، فإن الوصفية، الخلو من الحكم القيمي، والارتباط بالمدرسة الاقتصادية تشكل ثلاثة مكونات محورية لعلم الاقتصاد الإسلامي من منظور الشهيد الصدر. كما أن المكونين المحوريين للمدرسة الاقتصادية هما الأمرية (التوصية) وطريقة تنظيم الشؤون الاقتصادية، والحكم القيمي بناءً على العدالة.

(أ) التوجه الوصفي لعلم الاقتصاد الإسلامي

تعريف الشهيد الصدر لعلم الاقتصاد يتوافق مع مفهوم الاقتصاد الوصفي (Positive economics)؛ لأنه يرى علم الاقتصاد مجرد تعبير عن الحقائق دون حكم قيمي. من وجهة نظره، العلم يشمل كل نظرية تفسر واقع الحياة الاقتصادية دون النظر إلى وجهة نظر مسبقة أو قيمة عليا للعدالة (صدر، ۱۴۰۰هـ).

 

في المقابل، المدرسة الاقتصادية الإسلامية، مع وجود الحكم القيمي على أساس معيار العدالة، تقدم طريقة تنظيم الشؤون الاقتصادية للمجتمع بناءً على الفهم القائم للعدالة؛ كما يقوم علم الاقتصاد بدراسة نتائج تطبيق هذه الطريقة في المجتمع الذي تم تنفيذها فيه (المرجع نفسه، ص ۱۱۵)

ب) الخلو من الحكم القيمي

يعتبر الشهيد صدر نظريات علم الاقتصاد الإسلامي خالية من التوجه القيمي. وعلى النقيض من ذلك، يمنح الشهيد صدر للمدرسة الاقتصادية الإسلامية هوية تقويمية وتوصيفية مبنية على قيمة العدالة. ومن هذه الناحية، تشبه المدرسة الاقتصادية الاقتصاد المعياري. كما يرى الشهيد صدر للمدرسة الاقتصادية الإسلامية وظيفة سياسية، إذ يعتبرها مسؤولة عن تقديم حلول للمشكلات الاقتصادية، ومن هذه الناحية تقترب من الاقتصاد التطبيقي أو السياسي لجون مينارد كينز. يوضح الشهيد صدر غياب التوجه القيمي في علم الاقتصاد الإسلامي، ووجود التوجه القيمي في المدرسة الاقتصادية الإسلامية، من خلال ثلاثة أمثلة: المثال الأول حول تغيرات أسعار السلع، والمثال الثاني حول أجور القوى العاملة، والمثال الثالث حول الإنتاج.

(١) تغيرات الأسعار وعلاقتها بالطلب:

تشير ملاحظاتنا إلى أنه كلما ازداد الطلب، تزداد رغبة عامة الناس في شراء سلعة ما، وبالتالي يرتفع سعر تلك السلعة. تُدرس علاقة السعر والطلب في كل من علم الاقتصاد والمدرسة الاقتصادية، ولكن من زاويتين مختلفتين. يبحث علم الاقتصاد في علاقة السعر والطلب كظاهرة في السوق الحرة – حيث لا تحدد الأسعار من قبل الدولة – ويشرح كيفية حدوث هذه الظاهرة نتيجة لحرية السوق، ويكتشف مدى ارتباط السعر بالطلب. يفحص علم الاقتصاد علاقة زيادة السعر بزيادة الطلب، ويجيب على سؤال: هل إذا تضاعف الطلب مثلاً، هل يتضاعف السعر أيضاً أم يرتفع بنسبة أقل؟ هنا، يسعى علم الاقتصاد إلى اكتشاف الحقائق الاقتصادية الكامنة وراء ظاهرة اقتصادية، وهي علاقة السعر والطلب، وشرح ما يحدث في السوق الحرة. العلم لا يضيف شيئاً إلى الواقع، بل يكتشفه ويشرحه؛ أما المدرسة الاقتصادية فلا تدرس السوق الحرة لاكتشاف آثار هذه الحرية الاقتصادية وعلاقة السعر بمستوى الطلب في السوق الحرة. المدرسة الاقتصادية لا تطرح سؤال لماذا يرتفع سعر السلعة في السوق الحرة عند زيادة الطلب. المدرسة الاقتصادية لا تسعى لاكتشاف النتائج والأسباب أو تقديم قوانين عامة، بل تدرس حرية السوق. هدف المدرسة الاقتصادية هو تقييم الحرية الاقتصادية ونتائجها، أي دراسة الحرية الاقتصادية ونتائجها من زاوية نظر المدرسة الاقتصادية إلى العدالة. لكل مدرسة اقتصادية رؤية عامة حول العدالة، وتدرس مدى قدرة الطرق المختلفة لتنظيم الحياة الاقتصادية على تحقيق العدالة بناءً على تفسيرها لها. تُنظر الحرية الاقتصادية في المدرسة الاقتصادية ليس كظاهرة موجودة في الواقع لها آثار وقوانين عامة، بل كطريقة اقتصادية تُقيّم مدى نجاحها في تحقيق العدالة. لذلك، يجيب علم الاقتصاد على سؤال ما هي نتائج السوق الحرة وكيف هي علاقة السعر والطلب في السوق الحرة. أما المدرسة الاقتصادية فتجيب على سؤال كيف يجب أن يكون السوق (توصية سياسية) وهل تؤدي حرية السوق إلى توزيع عادل للسلع وتلبية حاجات الناس بشكل عادل (تحليل قيمي) (همو، ۱۴۲۱هـ، ص ١٢٤ – ١٢٦).

(٢) الأجور الحديدية:

يتحدث ريكاردو عند دراسة علاقات العمل عن قانون الأجور الحديدية. وفقاً لهذا القانون، تميل الأجور في سوق العمل إلى الحد الأدنى للمعيشة. بتقديم هذا القانون، يتحدث ريكاردو فعلياً عما يحدث في ظروف السوق الحرة. في هذه الحالة، يدخل في مجال علم الاقتصاد. أما عندما تدرس المدرسة الاقتصادية أجور العمال، فلا تسعى لاكتشاف ما يحدث في السوق الحرة، بل تسعى لإيجاد طريقة عادلة لتنظيم الأجور. تتحدث المدرسة الاقتصادية عن كيفية تحديد الأجور؟ هل يمكن أن يكون العمل وفق مبدأ الحرية الاقتصادية طريقة لتنظيم الأجور بشكل عادل؟ كيف يجب تنظيم السوق وفق مقتضيات العدالة؟ هل يجب تنظيم السوق وفق مبدأ الحرية الاقتصادية أم بطريقة أخرى؟ يفحص علم الاقتصاد السوق المنظم وفق مبدأ الحرية الاقتصادية كمثال، «العلم يكتشف والمذهب يقوم ويقدر»؛ لذلك العلم يكتشف، أما المدرسة الاقتصادية فتقوم بالتقويم القيمي (همو، ۱۴۲۱هـ، ص ۱۲۷ – ۱۲۸).

(٣) الإنتاج:

ينظر علم الاقتصاد والمدرسة الاقتصادية إلى الإنتاج من زوايا مختلفة. يدرس علم الاقتصاد كيف تؤدي عوامل مثل تقسيم العمل إلى زيادة الإنتاج، وفي هذا السياق يكتشف قوانين مثل قانون العائدات المتناقصة في المنتجات الزراعية؛ أما المدرسة الاقتصادية فتسعى للإجابة على أسئلة من هذا القبيل: هل يجب أن يكون الإنتاج حراً أم يُدار وفق تخطيط مركزي من قبل الدولة؟ هل يجب اعتبار زيادة الإنتاج هدفاً أصيلاً أم وسيلة لهدف أسمى؟ هل يجب أن تكون السياسات الإنتاجية أداة لخدمة توزيع الدخل أم العكس؟ بمعنى آخر، هل يجب توزيع الثروة بطريقة تؤدي إلى زيادة الإنتاج وتحقيق التنمية الاقتصادية، أم يجب تنظيم الإنتاج وفق مقتضيات التوزيع، مثلاً بعدم الاعتراف بحق الملكية في الحصول على الفائدة؟ في الواقع، تهتم المدرسة الاقتصادية بكيفية تنظيم الإنتاج ووضع السياسات له (المرجع نفسه، ص ۱۲۸ – ۱۳۰).

بعد أن استعرض الشهيد صدر هذه الأمثلة الثلاثة، يستنتج أن علم الاقتصاد يسعى إلى اكتشاف الحقائق الاقتصادية وفهم أسرار الحياة الاقتصادية؛ أما المدرسة الاقتصادية فتسعى إلى إيجاد منهج لإدارة الحياة الاقتصادية يحقق مقتضيات العدالة. بناءً على ذلك، فإن نظرية علم الاقتصاد تهدف إلى كشف الواقع الاقتصادي كما هو قائم، وتسعى إلى اكتشاف العوامل المؤثرة على هذا الواقع الاقتصادي ونتائجه والعلاقات بين متغيراته؛ أما المدرسة الاقتصادية فتنظر إلى الواقع الاقتصادي من منظور العدالة وتسعى إلى بيان كيف ينبغي أن يكون الواقع الاقتصادي (المرجع نفسه، ص ۱۳۰ – ۱۳۱).

وبالنظر إلى الأمثلة الثلاثة أعلاه، يتطابق علم الاقتصاد في تعريف الشهيد صدر تمامًا مع الاقتصاد الوصفي؛ لكن المدرسة الاقتصادية تتجاوز الاقتصاد المعياري.

من وجهة نظره، للمدرسة الاقتصادية هوية معيارية وهوية وصفية؛ فمن جهة تبحث في مقتضيات العدالة الاقتصادية التي هي ذات طبيعة تقييمية، ومن جهة أخرى تحدد طريقة تنظيم الحياة الاقتصادية التي لها هوية تدبيرية أو وصفية. بالإضافة إلى ذلك، للمدرسة الاقتصادية في تحليل الشهيد صدر هوية هيكلية أيضًا، وتتعلق بالهياكل المؤسسية المرغوبة في الاقتصاد الإسلامي؛ لأنه يرى المدرسة الاقتصادية كطريقة تقبلها المجتمع لتنظيم الاقتصاد وحل المشكلات الاقتصادية بناءً عليها. وبما أن المدرسة الاقتصادية في بيان الشهيد صدر تفسر في الغالب ضمن إطار القوانين التشريعية، فهذا يعني أن هذه القوانين التشريعية هي قواعد رسمية (يجب أن يُقبل السلوك في المجتمع (همو، ۱۴۰۰هـ، ص۲۹).

ج) الاعتماد على المدرسة الاقتصادية

يجب البحث عن جزء مهم من هوية علم الاقتصاد الإسلامي في علاقته بالمدرسة الاقتصادية الإسلامية. يرى الشهيد صدر أن تشكيل علم الاقتصاد الإسلامي مشروط بتحقق المدرسة الاقتصادية الإسلامية في المجتمع. ومن وجهة نظره، يفسر علم الاقتصاد الإسلامي السلوكيات الاقتصادية في مجتمع تطبق فيه مبادئ المدرسة الاقتصادية الإسلامية بشكل كامل: «مهمة علم الاقتصاد الإسلامي هي كشف سير الحياة الواقعية وقوانينها في المجتمع الإسلامي الذي طبقت عليه المدرسة الإسلامية بشكل كامل» (المرجع نفسه، ص ٣٣١-٣٣٢).

من وجهة نظر الشهيد صدر، لا يمكن تصور مجتمع بلا مدرسة اقتصادية؛ لأن كل مجتمع ينتج ويوزع الثروة بطريقة متفق عليها، وهذه الطريقة تعكس توجه المدرسة لهذا المجتمع تجاه الحياة الاقتصادية. ويرى أن اختيار طريقة معينة لتنظيم الحياة الاقتصادية ليس مجرد اعتبار شكلي، بل يتم اختيار هذه الطريقة بناءً على أفكار ومفاهيم محددة ذات طبيعة أخلاقية وعلمية… ويعتبر هذه الأفكار والمفاهيم أساسًا وبناءً للبعد الفكري للمدرسة الاقتصادية. ولهذا السبب، عند دراسة المدرسة الاقتصادية، يجب من جهة دراسة طريقة تنظيم الحياة الاقتصادية، ومن جهة أخرى دراسة الأفكار والمفاهيم المرتبطة بالمدرسة الاقتصادية. على سبيل المثال، عند دراسة المدرسة الرأسمالية التي تؤمن بالحرية الاقتصادية، يجب دراسة الأفكار والمفاهيم الأساسية التي استندت إليها هذه الحرية الاقتصادية.

يرى الشهيد صدر أن الاقتصاديين منذ بداية تشكل علم الاقتصاد السياسي قدموا طريقة تنظيم الحياة الاقتصادية (المدرسة) بناءً على النظريات العلمية الاقتصادية (العلم)؛ أي أن النظريات العلمية الاقتصادية أدت إلى تشكيل النظريات المذهبية. على سبيل المثال، كان تجار الميركانتيلية يعتقدون علميًا أن ثروة المجتمع تساوي كمية النقود (الذهب) فيه. استندوا إلى هذا الفكر لتقديم مدرستهم الاقتصادية وادعوا أن التجارة الخارجية يجب أن تُوسّع كطريقة وحيدة لجذب النقود (الثروة من الخارج). أسسوا سياستهم الاقتصادية (القاعدة) على أساس أن قيمة السلع المصدرة تفوق قيمة السلع المستوردة، وبذلك يدخل المزيد من النقود إلى البلاد من فائض الصادرات. كما أن المدرسة الاقتصادية للطبيعيين (الفيزوقراطيين) كانت تعتمد على الفكرة العلمية أن الزراعة، لا الصناعة أو الخدمات، هي النشاط الاقتصادي الوحيد الذي يزيد الثروة ويخلق قيمة مضافة. بناءً على هذا الادعاء العلمي، طرحوا سياسة مدرسية جديدة تهدف إلى ازدهار الزراعة. وكانت نظرية السكان لمالتوس أيضًا قائمة على هذا النقاش العلمي الإحصائي بأن معدل نمو السكان أعلى نسبيًا من معدل نمو المنتجات الزراعية. ولهذا السبب قدم استراتيجيات سياسية واقتصادية وأخلاقية للسيطرة على السكان (المرجع نفسه، ص ۳۰-۳۳).

هذا الرأي العلمي للاشتراكيين (الاشتراكيون) بأن أسعار السلع تعتمد على مقدار العمل المبذول في إنتاجها دفعهم إلى رفض الربح الرأسمالي. بنوا المدرسة الاشتراكية على نظام توزيع يكون فيه المنتج حق العامل فقط؛ لأنه العامل الوحيد الذي يخلق القيمة في المنتج. كما يرى ماركس، بادعائه اكتشاف القوانين الطبيعية الحاكمة للتاريخ، أن الدين هو نتاج حتمي لهذه القوانين. ولهذا السبب يعتبر ماركس المدرسة الاشتراكية والشيوعية نتيجة حتمية لقوانين التاريخ (المرجع نفسه، ص ٣٩-٤٠).

وظيفة علم الاقتصاد الإسلامي

يمنح الشهيد صدر لعلم الاقتصاد الإسلامي وظيفة تفسيرية. بناءً على ذلك، يفسر علم الاقتصاد الإسلامي العلاقات بين المتغيرات الاقتصادية في المجتمع الإسلامي، وهو مجتمع يُدار وفقًا لمبادئ المدرسة الاقتصادية الإسلامية. على سبيل المثال، إذا تم تنفيذ نظام مالي خالٍ من الربا وفق مقتضيات المدرسة الاقتصادية الإسلامية في المجتمع الإسلامي، يقوم منظّر علم الاقتصاد الإسلامي بدراسة العلاقة بين إلغاء الربا والنمو الاقتصادي، أو كيف يكون أداء النظام المصرفي في تعبئة وتخصيص الموارد. في هذه الحالة، يكون لعلم الاقتصاد الإسلامي وظيفة تفسيرية فقط، ويشرح نتائج تطبيق المدرسة الاقتصادية الإسلامية والعلاقات بين المتغيرات الاقتصادية في هذا الإطار.

في بيان الشهيد الصدر، تم توضيح هذه الوظيفة التفسيرية لعلم الاقتصاد الإسلامي بأن المهمة العلمية للاقتصاد الإسلامي هي اكتشاف مسار الحياة الواقعية وقوانينها في المجتمع الإسلامي التي يتطابق معها المذهب الاقتصادي الإسلامي تمامًا. في هذا الإطار، يعتبر خبير الاقتصاد الإسلامي مقولات المذهب الاقتصادي الإسلامي كقواعد ثابتة للمجتمع، ثم يسعى إلى تفسير المجتمع وخلق ارتباط بين الظواهر الاقتصادية (المرجع نفسه ص ۳۳۱ – ۳۳۲).

في هذا الإطار، يسعى علم الاقتصاد إلى اكتشاف الحقائق الاقتصادية وفهم أسرار الحياة الاقتصادية؛ لكن المذهب الاقتصادي يسعى إلى إيجاد منهج لتنظيم الحياة الاقتصادية يحقق مقتضيات العدالة. نظرية علم الاقتصاد تهدف إلى اكتشاف الواقع الاقتصادي كما هو جارٍ، وتسعى إلى الكشف عن العوامل المؤثرة في هذا الواقع الاقتصادي ونتائجه والعلاقات بين متغيراته (همو، ۱۴۲۱هـ، ص ۱۳۰ – ۱۳۱).

على صعيد المقارنة، يعتبر الشهيد الصدر أن للمذهب الاقتصادي الإسلامي وظيفة معيارية تقويمية ووظيفة وصفية توصية. ينظر المذهب الاقتصادي إلى الواقع الاقتصادي من منظور العدالة، ويسعى إلى القول كيف ينبغي أن يكون الواقع الاقتصادي (المرجع نفسه، ص ۱۳ – ۱۳۱). تحليل الواقع من منظور العدالة يؤدي إلى حكم قيمي وأداء وظيفة معيارية للحكم القيمي. الوظيفة التقويمية للمذهب الاقتصادي الإسلامي هي تحديد القيم المقبولة في الاقتصاد الإسلامي والحكم القيمي بناءً عليها؛ أما الوظيفة التوصية فهي تقديم التوصيات والإرشادات الاقتصادية. وتقع هذه التوصيات في فئتين: توصيات هيكلية وتوصيات سياسية.

التوصية الهيكلية مثل تحديد القواعد والآليات التي يُبنى عليها النظام المالي – كالنظام المالي الخالي من الربا – والتوصية السياسية مثل السياسات النقدية التي تُنفذ لتحسين أداء النظام المالي – كسياسة خفض معدل الاحتياطي القانوني. بناءً على ذلك، يمكن تلخيص وظيفة المذهب الاقتصادي الإسلامي في محاور مثل الحكم القيمي بشأن أهداف وقيم النظام الاقتصادي الإسلامي، وتحديد الخطوط العامة للنظام الاقتصادي الإسلامي، وتحديد البرامج والسياسات الاقتصادية الإسلامية.

نظرة جديدة إلى مكانة علم الاقتصاد الإسلامي

على الرغم من أن الشهيد الصدر يعتبر للمذهب الاقتصادي الإسلامي قسمين ثابت ومتغير، إلا أنه لا يقدم تفسيرًا واضحًا لكل منهما وعلاقتهما بعلم الاقتصاد الإسلامي. في بيانه، يستند هذان القسمان على التوالي إلى قوانين تشريعية ثابتة ومتغيرة، ويشملان المبادئ والقواعد والسياسات الاقتصادية لتنظيم الحياة الاقتصادية وحل المشكلات الاقتصادية. بناءً على مناقشات الشهيد الصدر، يمكن أن يشمل القسم الثابت للمذهب الاقتصادي الإسلامي القوانين والأُطُر السياسية الثابتة لتنظيم الحياة الاقتصادية وحل مشكلات المجتمع الاقتصادية – مثل الملكية المختلطة، والحرية ضمن إطار محدود، والضمان الاجتماعي. في المقابل، يشمل القسم المتغير للمذهب الاقتصادي الإسلامي القوانين والسياسات المتغيرة لتنظيم الحياة الاقتصادية وحل مشكلاتها – مثل فرض نوع من الضرائب المؤقتة. يمكن أن يشير القسم المتغير إلى السياسات الاقتصادية لتحقيق العدالة الاقتصادية وكذلك إصلاح سلوك الفاعلين الاقتصاديين في هذا الاتجاه. كما يتناول علم الاقتصاد الإسلامي تحليل سلوك الفاعلين الاقتصاديين في إطار مؤسسي مرغوب وموجود، وكذلك التحليل الوصفي لأداء النظام الاقتصادي.

بعبارة أخرى، المذهب الاقتصادي الإسلامي مسؤول عن الحكم القيمي (تحديد وتعريف القيم الاقتصادية والحكم القيمي بناءً عليها) وتقديم التوصيات والإرشادات (اقتراح الهياكل المؤسسية المرغوبة للاقتصاد الإسلامي وتقديم التوصيات السياسية). في هذا السياق، يمكن لعلم الاقتصاد الإسلامي أن يساعد المذهب الاقتصادي الإسلامي في تقديم التوصيات الهيكلية والسياسية من خلال تقديم تحليلات سلوكية ووظيفية.

أ) علاقة علم الاقتصاد الإسلامي بالقسم الثابت والمتغير من المذهب الاقتصادي

إن تفريق الشهيد الصدر بين القسم الثابت والمتغير من المذهب الاقتصادي الإسلامي أدى إلى إدخال منطقة فراغ في القسم المتغير من المذهب الاقتصادي. هذا التفريق يمهد الطريق لتقسيم المذهب الاقتصادي الإسلامي إلى جزأين: اكتشافي وتأسيسي. يشمل القسم الثابت للمذهب الاقتصادي الإسلامي، الذي يُستخرج باستخدام المنهج الاكتشافي من المصادر الدينية، قوانين ثابتة وغير قابلة للتغيير؛ أما القسم المتغير فهو المنطقة الخالية (منطقة الفراغ في التشريع الاقتصادي) في المذهب الاقتصادي الإسلامي، ويتولى الدولة أو الولي الأمر ملء هذه المنطقة بناءً على مقتضيات الأهداف العامة للاقتصاد الإسلامي والظروف الزمنية (همو، ۱۴۰۰هـ، ص ۴۰۰).

يبدو أن ملء المنطقة الخالية من قبل الدولة أو الولي الأمر يعني قيام الدولة بوضع قوانين اقتصادية وتشريع اقتصادي. هذا الفهم يتوافق مع عبارة “منطقة الفراغ في التشريع الاقتصادي”. هذه المنطقة هي المجال الذي لم يتم فيه التشريع الاقتصادي، وتم تفويض اتخاذ القرار بشأنه إلى الدولة أو الولي الأمر. لكن هذا التفسير يواجه إشكالية بأن الشهيد الصدر يميز المذهب الاقتصادي عن القوانين الاقتصادية، وبما أن منطقة الفراغ تُعرّف في سياق المذهب الاقتصادي، فإن اختزال أحكام هذه المنطقة إلى أحكام تشريعية لا يتوافق مع منهج الشهيد الصدر. وفقًا لاحتمال آخر، فإن المقصود من التشريع الاقتصادي عنده هو صياغة المبادئ التي تحكم التشريع الاقتصادي وخلق هياكل جديدة؛ على سبيل المثال، يمكن أن يكون صياغة المبادئ الحاكمة للنظام المصرفي أو هيكلته جزءًا من التشريع الاقتصادي في منطقة الفراغ.

من منظور الشهيد الصدر، إن تحقيق العدالة كهدف للاقتصاد الإسلامي مرهون بوجود بُعدين ثابت ومتغير في المذهب الاقتصادي الإسلامي. في نظره، التشريعات التي أصدرها النبي الأعظم كولي أمر في منطقة الفراغ للمذهب ليست أحكامًا دائمة؛ لأن هذه الأحكام لم تصدر عن النبي كمبلغ للأحكام العامة الثابتة للإسلام، بل باعتباره الحاكم وولي المسلمين. إن ملاحظة إجراءات النبي في هذا المجال يمكن أن تساعدنا في كيفية ملء منطقة الفراغ، ومن خلال دراسة سيرة النبي (همو، ۱۴۰۰هـ، ص ۳۸۲) في هذا المجال يمكننا أن ندرك الأهداف الأساسية التي كان يتبعها في سياساته الاقتصادية (المرجع نفسه، ص ۴۰۱).

التشريع في الجزء المتغير من المذهب الاقتصادي يشبه إلى حد كبير صياغة اللوائح والسياسات والبرامج الاقتصادية – مثل برامج التنمية الخمسية وصياغة الميزانية السنوية؛ لأن هذه القوانين ليست دائمة وتُسن وفقًا لمقتضيات الحكم. في هذه الحالة، تشكل صياغة السياسات والبرامج الاقتصادية الجزء المتغير من المذهب الاقتصادي؛ وهو الجزء الذي يعبر عن الإجراءات اللازمة لتحقيق أهداف النظام الاقتصادي الإسلامي. السياسة الاقتصادية من حيث أنها تُسن وفقًا لأوضاع المجتمع تكون مؤقتة وتختلف عن بناء الهيكل المرتبط بالجزء الثابت من المذهب الاقتصادي.

ب- من مفارقة أسبقية المذهب على علم الاقتصاد الإسلامي

إن طرح اعتماد علم الاقتصاد الإسلامي على تحقيق المذهب الاقتصادي من قبل الشهيد الصدر يثير بعض الالتباسات، فإذا كان مراده أن صياغة علم الاقتصاد الإسلامي مشروطة بالتنفيذ الكامل للتوجيهات الاقتصادية الإسلامية في المجتمع وتحقيق الإنسان الاقتصادي المثالي، فهنا يطرح سؤال: في حال تحقق هذا الشرط، فما الحاجة إلى علم الاقتصاد الإسلامي سوى تفسير الوضع القائم؟ وعلاوة على ذلك، فإن تحقيق التوجيهات الاقتصادية الإسلامية في المجتمع يحتاج إلى الاستفادة من المعارف العلمية، خصوصًا النظريات المتعلقة بكيفية إحداث التغيير في السلوك الاقتصادي وتحسين الأداء الاقتصادي. في هذه الحالة، سيكون تقدم المذهب الاقتصادي الإسلامي على العلم مفهوماً يحمل طابع المفارقة.

لكن بالتأمل الأعمق في رؤية الشهيد الصدر، يمكننا أن ندرك أنه لا يشترط تحقيق الإسلام الكامل في المجتمع لصياغة علم الاقتصاد الإسلامي. فهو يرى أن نشوء علم الاقتصاد الإسلامي مرتبط بتحقق مبادئ المذهب الاقتصادي الإسلامي التي تشمل الأُطُر المؤسسية المؤثرة على السلوك الاقتصادي (المرجع نفسه، ص ۳۸۲). ما يجب تنفيذه قبل تحقيق علم الاقتصاد الإسلامي هو الأُطُر والهياكل المرغوبة، مثل الملكية المختلطة والحرية ضمن إطار محدود. هذه التشكيلات هي جزء من الهيكل المؤسسي المقترح من الإسلام لحل المشكلات الاقتصادية. إذا تم تطبيق هذه الهياكل في المجتمع، فإنها تؤثر على السلوكيات، وبالتالي يمكن إجراء التحليل العلمي ضمن هذا الإطار. هذا التحليل العلمي يمكن أن يساعد في صياغة سياسات لتحسين الهيكل والسلوكيات الاقتصادية. على سبيل المثال، الإطار المقترح من الإسلام لحل المشكلات النقدية هو نظام مالي بدون رئاسة. إذا تم تأسيس هذا النظام، فإن السلوكيات تتشكل ضمنه، ومن خلال تحليل هذه السلوكيات يمكن تحسين نماذج تنفيذ المصرفية بدون ربا، بالإضافة إلى توفير فرصة لتغيير سلوكيات الفاعلين الاقتصاديين.

الشهيد الصدر لا يشترط حتى تحقيق الخطوط الملموسة للمذهب الاقتصادي الإسلامي – أو الهياكل المؤسسية للاقتصاد الإسلامي في المجتمع – كشرط مسبق لعلم الاقتصاد الإسلامي. فبحسب رأيه، يمكن افتراض وجود هذه الهياكل كأساس، وبناءً عليه تقديم التحليل العلمي في الاقتصاد الإسلامي بطريقة افتراضية استنتاجية؛ مثلاً نفترض أن النظام المصرفي في المجتمع الإسلامي يعمل على أساس المضاربة وليس الربا.

بعد ذلك نحلل تأثير هذا النظام المصرفي على اقتصاد المجتمع، ونطرح هذا الادعاء العلمي بأن في مثل هذا الهيكل يوجد تناغم بين مصالح البنك والمستفيدين من القروض (المرجع نفسه، ص۳۳۳).

إعادة قراءة وظيفة علم الاقتصاد الإسلامي

حصر وظيفة علم الاقتصاد الإسلامي في تفسير آثار ونتائج تنفيذ المذهب الاقتصادي الإسلامي وتحديد العلاقة بين المتغيرات الاقتصادية هو نظرة حد أدنى. إذا أخذنا في الاعتبار أي علاقة تفاعلية بين المذهب وعلم الاقتصاد الإسلامي، فإن نتائج علم الاقتصاد الإسلامي تساعد في تطور المذهب الاقتصادي الإسلامي؛ كما أن المذهب الاقتصادي الإسلامي من خلال رسم الإطار المؤسسي المرغوب يوجه دراسات علم الاقتصاد الإسلامي.

يمكن اعتبار وظيفة مهمة لعلم الاقتصاد الإسلامي في إكمال الجزء المتغير من المذهب الاقتصادي الإسلامي؛ وظيفة تتمثل في تقديم نظريات وصفية، وتقديم مؤشرات، ودراسة موضوعات النظريات التفسيرية (التفسير السلوكي والمؤسسي، والنظريات التنبؤية التي تتوقع كيفية تأثر السلوك بالسياسات الاقتصادية). في هذا السياق، يمكن لنتائج علم الاقتصاد الإسلامي أن تساعد في تشكيل الجزء المتغير من المذهب الاقتصادي الإسلامي وملء منطقة الفراغ في الاقتصاد الإسلامي بالقواعد والسياسات الاقتصادية. إذا اعتبرنا النظام الاقتصادي الإسلامي أو بناء النظام الاقتصادي الإسلامي متميزًا عن المذهب الاقتصادي الإسلامي، فإن نظريات علم الاقتصاد الإسلامي توفر الأساس لتصميم الهياكل والسياسات الاقتصادية بناءً على المبادئ الثابتة والمتغيرة للمذهب الاقتصادي الإسلامي.

المهام الثلاثة

يمكن اعتبار ثلاث مهام لعلم الاقتصاد الإسلامي: الوصف، التفسير، والتنبؤ؛ وهي مهام تمهد لوظائف سيتم طرحها لاحقًا.

(أ) الوصف الموضوعي والمؤشري

إحدى وظائف علم الاقتصاد الإسلامي هي وصف الوضع القائم أو المثالي لاقتصاد المجتمع الإسلامي. يجب التمييز بين الوصف والتفسير. الوصف يتناول شرح الوضع الاقتصادي، بينما التفسير يعبر عن أسباب الظواهر الاقتصادية. يشمل الوصف المذكور موضوع التعرف الموضوعي وتحديد المؤشرات. خذ على سبيل المثال موضوع خلق النقود المصرفية؛ يمكن للباحث في المصرفية الإسلامية أن يستنتج من خلال التعرف على طبيعة خلق النقود في نظام المصرفية بالاحتياطي الجزئي أو في النظام البديل للمصرفية الإسلامية أن هذا الإجراء يعد من قبيل أكل المال بالباطل وغير جائز. يمكن لهذا التعرف الموضوعي أن يؤدي إلى تقديم اقتراحات مثل تقييد البنوك التجارية وزيادة نسبة الاحتياطي القانوني لتقليل خلق النقود. كما يقع وضع المؤشرات اللازمة لوصف الوضع القائم والمطلوب ضمن هذا الإطار؛ فمثلاً مؤشر الإنتاج الطيب يقدم أداة لقياس الإنتاج الوطني في إطار المحاسبة الوطنية الإسلامية (توكلي و شفيعي نژاد، ۱۳۹۸).

ب) التفسير السلوكي والمؤسسي

إحدى وظائف علم الاقتصاد الإسلامي الأخرى هي تفسير السلوكيات والوظائف الاقتصادية ضمن إطار الهيكل المؤسسي المقبول والسياسات الاقتصادية القابلة للتنفيذ. من جهة، يُلزم علم الاقتصاد الإسلامي بتفسير القوانين الحاكمة لسلوك الفاعلين الاقتصاديين، ومن جهة أخرى يتحمل مسؤولية تفسير وظائف النظام الاقتصادي الإسلامي.

التفسير السلوكي يتطلب اكتشاف القوانين الحاكمة لسلوك الفاعلين الاقتصاديين في اقتصاد المجتمع الإسلامي. يحلل ويشرح علم الاقتصاد الإسلامي كيفية تصرف الأفراد ضمن الهيكل الاقتصادي المصاغ وفق الخطوط العامة للنظام الاقتصادي الإسلامي. قد يعكس هذا التفسير السلوكي نقاط ضعف سلوكية أيضاً، مما يهيئ الأرضية لإصلاح الهيكل الاقتصادي أو لوضع سياسات مناسبة. يساعد اكتشاف هذه القوانين أيضاً في التنبؤ بالسلوك الاقتصادي.

التفسير الوظيفي في علم الاقتصاد الإسلامي يعني تفسير وظائف النظام الاقتصادي الإسلامي مع مراعاة الهياكل المثلى والقواعد السلوكية الممكن تحقيقها؛ مثلاً، يناقش علم الاقتصاد الإسلامي ما ستكون عليه مخرجات نظام مصرفي خالٍ من الربا بناءً على سلوك الفاعلين المصرفيين، ويُبين أيضاً أن هذا النظام، مقارنةً بالنظام المصرفي الربوي، يحقق الكفاءة والعدالة بشكل أفضل.

وفقاً لفهم آية الله سيد كاظم حائري، تلميذ الشهيد صدر، فإن المدرسة الاقتصادية تعادل النظام الاقتصادي، ومباحث علم الاقتصاد تعتمد على تطبيق النظام الاقتصادي المرغوب. علم الاقتصاد الإسلامي يتدفق بعد نظام الاقتصاد الإسلامي […] بعد تطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي يمكننا اكتشاف علاقات بين الظواهر الاقتصادية ربما لم تكن موجودة قبل تطبيق النظام الاقتصادي (یوسفی ۱۳۷۹، ص۶۳). بالطبع قد تكون بعض العلاقات السببية متقدمة على النظام الاقتصادي الإسلامي.

قد يكون الإسلام قد وضع ذلك النظام الاقتصادي الخاص لكي تنشأ علاقات سببية معينة وتتحقق نتائج علمية خاصة خارجة عن إرادتنا؛ مثلاً، وضع الإسلام نظامه الاقتصادي بحيث تكون قوانين العرض والطلب أو قانون العائد المتناقص على نحو معين. ليس من الضروري أن تكون كل العلاقات السببية موجودة في البداية، كما أنه ليس من الضروري أن تنشأ كلها بعد النظام الاقتصادي الإسلامي؛ بمعنى أن الأحكام الشرعية قد تكون ناظرة إلى العلاقات السببية المتأخرة، ويقول الشارع: أريد أن أدير الاقتصاد بحيث تظهر نتائج معينة. لذلك، لا يوجد لدينا سبب للاعتقاد بوجود قوانين تكوينية قسرية قبل الأحكام الاقتصادية الإسلامية (المرجع نفسه، ص ٦٣ – ٦٤).

ج) التنبؤ

يجب على علم الاقتصاد الإسلامي أن يقدم تنبؤات حول وضع المتغيرات الاقتصادية وتأثير السياسات الاقتصادية؛ فمثلاً، عندما نريد فرض ضريبة على تكديس الأراضي لمواجهة المضاربة، تساعدنا تحليلات علم الاقتصاد الإسلامي على توقع ردود أفعال الفاعلين الاقتصاديين في المجتمع الإسلامي؛ وهو تنبؤ يمكن أن يسهم في تحسين صنع السياسات الاقتصادية.

الوظائف المزدوجة

يمكن لنظريات الوصف والتفسير والتنبؤ في علم الاقتصاد الإسلامي أن تؤدي وظيفتين: إثبات ادعاءات النظام الاقتصادي الإسلامي والمساعدة في استكمال الجزء المتغير من المدرسة الاقتصادية الإسلامية وبناء النظام الاقتصادي الإسلامي.

أ) إثبات ادعاءات النظام الاقتصادي الإسلامي

إحدى وظائف علم الاقتصاد التقليدي في إطار الاقتصاد الجزئي والكلي هي إثبات ادعاءات النظام الاقتصادي لسوق الحرية. ناتج تحليلات السلوك والهيكل في الاقتصاد الجزئي هو الادعاء بأن أفضل حالة من حيث حجم الإنتاج ومستوى الأسعار تتحقق بفعل سوق المنافسة الكاملة، وأن الرفاهية الكلية ستكون في أقصاها؛ وهو ادعاء يُناقش لاحقاً في مباحث الاقتصاد الجزئي ضمن إطار اقتصاد الرفاه (هاسمن و مک فرسون ۱۳۹۸، ص ۷۴ – ۷۹ توکلی، ۱۳۹۷، ص ۲۸). كما توفر الدراسات الجزئية والكُلية أرضية لإصلاح ومراجعة بعض ادعاءات النظام الاقتصادي لسوق الحرية؛ إصلاحات أدت إلى ظهور مدارس الاقتصاد المختلط التي تعترف بدور الدولة كمصحح ومكمل لدور السوق (توكلي، ۱۴۰۲، ص۲۲۳).

يمكن اعتبار علم الاقتصاد الإسلامي كعلم وصفي-تفسيري-تنبؤي أداة لإثبات ادعاءات النظام الاقتصادي في المدرسة الاقتصادية الإسلامية، بمعنى أن المدرسة الاقتصادية الإسلامية تقول إن النظام الاقتصادي المبني على الحرية ضمن إطار محدود، والملكية المختلطة، والضمان الاجتماعي هو أفضل طريقة لتحقيق العدالة الاقتصادية؛ ولإثبات هذا الادعاء نحتاج إلى علم الاقتصاد الإسلامي الذي يجب أن يقدم مؤشرات وصفية لقياس الوضع، وبعبارة أخرى، أدلة نظرية على التماسك النظري والعملي والأدلة التاريخية.

يُطرح هذا الدور الزمني عندما يقوم منظّر الاقتصاد الإسلامي بإثبات صحة وجهات النظر المذهبية للاقتصاد الإسلامي من خلال دراسة علمية؛ فعلى سبيل المثال، يقوم المنظّر بدراسة كيفية تأثير إزالة الربا من النظام المصرفي على زيادة تجميع وتخصيص الموارد المصرفية. وقد يبحث في كيفية كون البنوك الإسلامية أكثر قدرة على الصمود في مواجهة الأزمات المالية.

ب المساعدة في استكمال الجزء المتغير من مذهب الاقتصاد الإسلامي

الاهتمام بالقسمين الثابت والمتغير من مذهب الاقتصاد الإسلامي يوفر لعلم الاقتصاد الإسلامي مجالاً لإجراء دراسات تساعد في تشكيل الجزء المتغير منه. الجزء المتغير من مذهب الاقتصاد الإسلامي أو مجال منطقة الفراغ يحتاج إلى إنشاء هيكل تشريعي وتصميم سياسة اقتصادية بناءً على الضوابط والمبادئ المستخلصة من القسم الثابت. في إطار المنهج الاستكشافي يمكن استخراج المبادئ الأساسية لتنظيم اقتصاد المجتمع الإسلامي من دراسة القوانين الشرعية الثابتة، وعلى أساسها يتم وضع القوانين المتغيرة وكذلك إنشاء المؤسسات والأدوات الجديدة.

في مسار تصميم هيكل القانون والأدوات والسياسة الاقتصادية، نحتاج إلى نتائج علم الاقتصاد الإسلامي. يمكن تسمية هذا الدور لعلم الاقتصاد الإسلامي في مجال منطقة الفراغ من مذهب الاقتصاد الإسلامي بالدور التأكيدي. الباحث في الاقتصاد الإسلامي، مع مراعاة أهداف النظام الاقتصادي الإسلامي والخطوط العريضة لمذهب الاقتصاد الإسلامي، يقوم بتصميم هيكل أو سياسة، ثم يحتاج إلى تحليل علمي لآثارها.

خذ نموذج المصرفية الإسلامية كمثال. الباحث في الاقتصاد الإسلامي يحتاج عند تصميم نموذج المصرفية الإسلامية إلى معرفة كيفية تصميم هيكل القوانين والأدوات المصرفية وكذلك السياسات النقدية لتحقيق أهداف ومبادئ الاقتصاد الإسلامي والمصرفية الإسلامية. في هذا المجال، يحتاج إلى معرفة أي هيكل مصرفي وبأي قواعد يؤدي إلى إزالة الربا وإقامة نظام مالي عادل. أحد التصاميم المنفذة في هذا المجال هو نموذج الفصل. في هذا النموذج، المتميز عن نموذج المصرفية الشاملة، تتولى ثلاث مؤسسات تنظيم النظام المالي في المجتمع الإسلامي: بنك القرض الحسن، ومؤسسة التأجير التمويلي، وشركات الاستثمار. يتولى بنك القرض الحسن تقديم الخدمات المصرفية؛ وتمنح مؤسسات التأجير التمويلي تسهيلات تبادلية؛ وتقوم شركات الاستثمار بجذب الأموال لاستثمارها في مجالات مختلفة. (داودی و صمصامی، ۱۳۸۸)

نموذج الفصل هو نوع من التصميم في مجال منطقة الفراغ للنظام المالي الإسلامي، ويحتاج إلى دعم من علم الاقتصاد الإسلامي. يجب على المنظّر النشط في مجال إنتاج علم الاقتصاد الإسلامي دراسة كيفية عمل هذا النموذج ودوره في إزالة الربا وتحقيق العدالة في النظام المصرفي. كما أن دراسة سلوك الفاعلين في النظام المالي ضمن هذا النموذج موضوع مهم. كيفية إشراك فاعلي السوق المالي في تنفيذ النموذج ومنع مشكلات مثل الهجوم المصرفي هي من موضوعات الدراسة العلمية. وكيفية توافق صانعي السياسات وأصحاب المصلحة مع النموذج له بعدان: بعد دراسي سلوكي وبعد تصميم النموذج.

مثال آخر على مشاركة علم الاقتصاد الإسلامي في ملء منطقة الفراغ من مذهب الاقتصاد الإسلامي هو وضع السياسات لمواجهة المضاربة في اقتصاد المجتمع الإسلامي. وقد يواجه منظّر علم الاقتصاد الإسلامي السؤال التالي: كيف يمكن منع دخول التسهيلات المصرفية إلى الأنشطة المضاربية؟ وهل يمكن أن يكون فرض ضرائب مثل ضريبة الأرباح الرأسمالية في المجتمع الإسلامي عوناً للنظام المصرفي الإسلامي؟ تساعد هذه التحليلات العلمية الباحث في علم الاقتصاد الإسلامي على اتخاذ قرار بشأن فرض الضرائب الحكومية على الأنشطة المضاربية وتصميم تنظيماتها.

نموذج التفاعل الوظيفي بين العلم ومذهب الاقتصاد الإسلامي

التفاعل الوظيفي بين العلم ومذهب الاقتصاد الإسلامي هو تفاعل ثنائي الاتجاه؛ إذ تساعد نتائج علم الاقتصاد من جهتين مذهب الاقتصاد الإسلامي. أولاً، تقدم هذه النتائج أدلة على صحة مبادئ مذهب الاقتصاد الإسلامي؛ وثانياً، تساهم نتائج علم الاقتصاد في استكمال منطقة الفراغ في التشريع الاقتصادي. بالمقابل، توفر نتائج مذهب الاقتصاد إطار تحليل علم الاقتصاد الإسلامي. بناءً على ذلك، تؤثر الهياكل المبنية على مذهب الاقتصاد الإسلامي في السلوكيات الاقتصادية والوظائف الاقتصادية.

يمكن عرض العلاقة التفاعلية الثنائية بين المذهب وعلم الاقتصاد الإسلامي في إطار نظرية القاعدة والبنية للشهيد الصدر. في نظرية الشهيد الصدر، تُعد مفاهيم القوانين المدنية والنظام المالي الإسلامي كقاعدة توفر أساس استخراج مذهب الاقتصاد الإسلامي؛ لكن ما يُستخرج بهذه الطريقة هو مبادئ تتعلق بالقسم الثابت من مذهب الاقتصاد الإسلامي؛ وهي مبادئ يمكن أن تكون أساساً للتصميم في القسم المتغير من مذهب الاقتصاد الإسلامي.

مع الأخذ في الاعتبار كيفية تشكّل الجزء المتغير من المدرسة الاقتصادية الإسلامية، يُضاف موقع علم الاقتصاد الإسلامي في نظرية البنية التحتية للشهيد الصدر. في هذه الحالة، تُستخدم نتائج علم الاقتصاد الإسلامي في خدمة توسيع الجزء المتغير من المدرسة الاقتصادية الإسلامية وملء منطقة الفراغ بالقواعد المتغيرة. هذه القواعد المتغيرة، إلى جانب القواعد الأساسية الثابتة، تهيئ الأرضية لاستكمال القانون المدني وكذلك استكمال النظام المالي في جزء البنى التحتية. يمكن القول إن التصاميم المؤسسية التي تشمل إنشاء أو تحسين المنظمات والقوانين الاقتصادية وتصميم الاستراتيجيات والسياسات والبرامج الاقتصادية تتم أيضاً في هذا الإطار بمساعدة القواعد الثابتة والمتغيرة للمدرسة الاقتصادية، وكذلك نتائج علم الاقتصاد الإسلامي. يقوم مصمم القوانين والنظام المالي الإسلامي بالتصميم بناءً على قواعد المدرسة الاقتصادية ونتائج علم الاقتصاد الإسلامي. يمكن القول إن العلوم البنائية مثل الفقه الاقتصادي تتولى استكمال القوانين الاقتصادية، بينما يقوم علم الاقتصاد الإسلامي بدراسة تأثير التصاميم المختلفة على سلوك الفاعلين الاقتصاديين وأداء النظام الاقتصادي. تساعد هذه النتائج عالم النظرية على تحسين تصميمه وزيادة تأثيره في تحقيق أهداف الاقتصاد الإسلامي، ومنها العدالة.

إذا اعتبرنا المدرسة الاقتصادية الإسلامية متميزة عن النظام الاقتصادي الإسلامي وأوكلنا مهمة اقتراح المؤسسات والسياسات إلى الأخير، فإن علم الاقتصاد الإسلامي سيكون وسيطاً بين المدرسة والنظام الاقتصادي أو بناء النظام الاقتصادي؛ بحيث تقدم المدرسة الاقتصادية المبادئ الثابتة والمتغيرة في بناء النظام الاقتصادي، ويساعد علم الاقتصاد الإسلامي في صياغة التوصيات الهيكلية والسياسية في علم النظام الاقتصادي الإسلامي استناداً إلى مبادئ المدرسة الاقتصادية الإسلامية. في هذه الحالة، يجب اعتبار امتداد المدرسة الاقتصادية الإسلامية في النظام الاقتصادي أو بناء النظام الاقتصادي الإسلامي؛ أي أن المدرسة الاقتصادية تقدم مبادئ وقواعد ثابتة ومتغيرة تُبنى عليها الهياكل والمؤسسات والسياسات الاقتصادية. في هذه الحالة أيضاً، يكون علم الاقتصاد الإسلامي الحلقة الوسيطة بين المدرسة الاقتصادية وبناء النظام الاقتصادي.

يبدو أن وظيفة الحكم القيمي للمدرسة الاقتصادية الإسلامية تسبق وظيفة التوصية من حيث الترتيب؛ أي أنه يجب قبل التوصية والإصدار أن يُصدر حكم قيمي حول الأهداف والأدوات. وبالطبع، التوصية والإصدار مبنيان أيضاً على التفسير. لتقديم التدابير الاقتصادية، نحتاج إلى حكم قيمي بأن خلق النقود غير عادل، وإلى موضوعية إثباتية حول توريد التضخم الناتج عن خلق النقود. وقبل ذلك، يجب أن يكون لدينا صورة عن الأسس القيمية وتعريف وتصنيف العدالة الاقتصادية؛ أي في الأسس القيمية نحدد الأهداف والقيم، وفي علم الاقتصاد نفسر ونتنبأ بالسلوكيات الاقتصادية والعلاقات بين المتغيرات والأداء الاقتصادي، وفي المدرسة الاقتصادية نقدم توصيات لتحقيق الأهداف الاقتصادية. من الواضح أن التوصية الصحيحة تعتمد أيضاً على فهمنا للواقع الاقتصادي.

إذا أخذنا في الاعتبار اعتماد التفسير الاقتصادي على التدابير الاقتصادية، فلا يمكننا تحليل السلوكيات والأداء الاقتصادي دون النظر إلى الهياكل المنشأة والسياسات المنفذة. وبالنظر إلى تأثير الهياكل والسياسات على السلوكيات الاقتصادية، فإن التحليل الإثباتي المقدم للسلوكيات الاقتصادية يعتمد على الهيكل الذي يتم فيه السلوك؛ فعلى سبيل المثال، يختلف سلوك الأفراد في هيكل السوق التنافسي عن سلوكهم في هيكل الاقتصاد الحكومي. في مناقشات الاقتصاد الإثباتي، يُفترض عادةً الهياكل كافتراضات مسبقة ويُحلل تأثير السياسات على السلوك؛ مثلاً في الاقتصاد الجزئي، عند تحليل سلوك المنشأة، يُفترض هيكل المنافسة الكاملة مع المعلومات الكاملة، ثم يُحلل كم تنتج المنشآت في هذا الهيكل وبأي سعر تبيع. في المناقشات التكميلية للاقتصاد الجزئي، يُدرس تأثير السياسات الاقتصادية مثل فرض الضرائب على سلوك الموردين وكذلك آثارها الرفاهية. من الواضح أن هذه النتائج لا تنطبق في هيكل الاحتكار الكامل، وسيكون تحليل آثار السياسات الاقتصادية مختلفاً. الآن، إذا افترضنا أن الأساس الهيكلي للاقتصاد هو الاشتراكية، وأن الأفراد ينتجون وفق برنامج محدد من قبل مجلس التخطيط المركزي، سيكون تحليل السلوك مختلفاً تماماً، وستتخذ المناقشات السياسية شكلاً آخر.

في الاقتصاد الكلي أيضاً، تُؤخذ الهياكل كافتراضات مسبقة؛ مثلاً عندما طرحت نظرية فيليبس (1958) العلاقة العكسية بين التضخم والبطالة، كانت تعبر عن نتائج ملاحظات سلوك هذين المتغيرين الكليين في هيكل اقتصاد بريطانيا في الفترة 1913-1948. مع تغير الوضع الاقتصادي للدول في سبعينيات القرن العشرين، شهد الاقتصاديون علاقة إيجابية بين التضخم والبطالة ووقوع تضخم الركود، ومن ثم قال اقتصاديون مثل ميلتون فريدمان إن علاقة منحنى فيليبس صحيحة فقط على المدى القصير. الآن يُتصور منحنى فيليبس طويل الأمد كخط عمودي عند معدل البطالة الطبيعي، حيث لا يؤثر معدل التضخم على البطالة.

أحد إنجازات علم الاقتصاد الإسلامي هو فهم كيفية عمل الهياكل والمؤسسات الاقتصادية للمساعدة في تحسين أدائها. تساعد هذه المعرفة على معرفة كيف يكون هيكل النظام المصرفي، أي إطار تنظيم تجميع وتخصيص الموارد المالية، الذي يشمل المنظمات والقواعد الحاكمة وأدائه؛ هذا التحليل يمهد الطريق لاتخاذ قرار بالحفاظ عليه أو إصلاحه.

الخلاصة

في فكر الشهيد الصدر، يُنظر إلى علم الاقتصاد الإسلامي بشكل رئيسي على أنه ذو وظيفة تفسيرية. تدرس نظريات علم الاقتصاد الإسلامي العلاقة بين المتغيرات الاقتصادية في مجتمع تُطبق فيه مبادئ المدرسة الاقتصادية الإسلامية. يمكن أن تكون نتيجة هذا البحث اكتشاف القوانين الحاكمة للسلوكيات في اقتصاد المجتمع الإسلامي أو توضيح وظيفة النظام الاقتصادي الإسلامي.

الوظيفة التفسيرية لعلم الاقتصاد الإسلامي ليست وظيفة مجردة بأثر رجعي. بل يحلل ويشرح علم الاقتصاد الإسلامي كيفية سلوك الأفراد في هيكل اقتصادي مُؤطَّر وفق الخطوط العامة للنظام الاقتصادي الإسلامي. قد يعكس هذا التحليل السلوكي أيضًا نقاط ضعف سلوكية تهيئ الأرضية لإصلاح الهيكل الاقتصادي أو لوضع سياسات مناسبة. يساعد اكتشاف هذه القوانين في وصف وتفسير وتنبؤ السلوك الاقتصادي.

يمكن لعلم الاقتصاد الإسلامي أن يؤدي وظيفتين من خلال تقديم نظريات وصفية وتفسيرية وتنبؤية: الأولى إثبات ادعاءات النظام الاقتصادي الإسلامي، والثانية المساعدة في استكمال الجزء المتغير من المدرسة الاقتصادية الإسلامية. الوظيفة الأولى تخدم بشكل رئيسي إثبات كفاءة النظام الاقتصادي الإسلامي في تحقيق العدالة الاقتصادية؛ مثلاً، في علم الاقتصاد الإسلامي يُناقش ما ستكون عليه مخرجات نظام مصرفي خالٍ من الربا بالنظر إلى سلوك الفاعلين المصرفيين، ويُبيَّن أيضًا أن العدالة في هذا النظام تُحقق بشكل أفضل مقارنة بالنظام المصرفي الربوي.

أما الوظيفة الثانية لعلم الاقتصاد الإسلامي في إطار أفكار الشهيد الصدر الاقتصادية، فهي المساعدة في استكمال الجزء المتغير من المدرسة الاقتصادية الإسلامية، أي ملء الفراغ في المدرسة الاقتصادية الإسلامية من خلال تقديم قواعد متغيرة. يحتاج الباحث في الاقتصاد الإسلامي لإصلاح النظام المصرفي إلى معرفة كيفية تصميم هيكل القوانين والأدوات المصرفية وكذلك السياسات النقدية لتحقيق أهداف ومبادئ الاقتصاد الإسلامي. في هذا المجال، يحتاج إلى معرفة أي هيكل مصرفي وبأي قواعد يؤدي إلى حذف الربا وإقامة نظام مالي عادل. في هذا السياق، قد يقوم الباحث في المصرفية الإسلامية بتصميم نموذج للتفريق يقوم على إنشاء ثلاث مؤسسات: البنك القرض الحسن، ومؤسسة التأجير التمويلي، وشركات الاستثمار. يجب على علم الاقتصاد الإسلامي دراسة كيفية عمل هذا النموذج ودوره في حذف الربا وتحقيق العدالة في النظام المصرفي. كما أن دراسة سلوك فاعلي النظام المالي في هذا النموذج وكيفية تهيئتهم لتنفيذه ومنع التدفق المصرفي العشوائي هي جانب آخر يجب معالجته في علم الاقتصاد الإسلامي. قد يواجه المنظر في علم الاقتصاد الإسلامي سؤالاً حول كيفية منع دخول التسهيلات المصرفية إلى الأنشطة المضاربية؟ وهل يمكن لفرض ضرائب مثل ضريبة الأرباح الرأسمالية في المجتمع الإسلامي أن يساعد النظام المصرفي الإسلامي؟ تساعد هذه التحليلات العلمية الباحث في علم الاقتصاد الإسلامي على اتخاذ قرار بشأن فرض الضرائب الحكومية على الأنشطة المضاربية وتصميم تنظيماتها.

إذا اعتبرنا النظام الاقتصادي الإسلامي متميزًا عن المدرسة الاقتصادية الإسلامية، فإن علم الاقتصاد الإسلامي في وظيفته الثانية سيكون وسيطًا بين المدرسة والنظام أو بناء النظام الاقتصادي. في هذه الحالة، تُجرى النظريات المتعلقة ببناء الهياكل، ووضع القواعد، والسياسات الاقتصادية في إطار دراسات النظام الاقتصادي الإسلامي، بينما تقدم نظريات المدرسة الاقتصادية الإسلامية المبادئ والقواعد الثابتة والمتغيرة التي يُبنى عليها النظام. بناءً على ذلك، تقدم المدرسة الاقتصادية الإسلامية مبادئ ثابتة ومتغيرة تشكل أساس بناء النظام الاقتصادي وتمهد الطريق لتصميم الهياكل والمؤسسات الاقتصادية وكذلك السياسات الاقتصادية الإسلامية.

المصادر والمراجع

توکلی، م. (۱۳۹۶) بازخوانی رویکرد شهید صدر در مورد هویت علمی اقتصاد اسلامی. روش شناسی علوم انسانی (۹۰)، ۲۱۱ – ۲۳۶.

توکلی، م. (۱۳۹۷ بررسی امکانپذیری تمایز اقتصاد اسالمی اثباتی و هنجاری اقتصاد اسلامی (۷۲)، ۵-۳۳.

توکلی، م. (۱۴۰۲) درآمدی بر فلسفه اقتصاد اسلامی بررسی هویت دانش اقتصاد اسلامی قم مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمینی.

توکلی، م.، و شفیعی نژاد ع (۱۳۹۸) شاخص تولید طیب. قم: مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمینی (ره).

حائری، س.، و یوسفی ۱ (۱۳۸۰) اقتصاد اسلامی و روش کشف آن از دیدگاه شهید صدر (ره) اقتصاد اسلامی (۱)، ۲۱ – ۴۲.

داودی، پ. و صمصامی، ح. (۱۳۸۸) اقتصاد پول و بانکداری تهران: دانشگاه شهید بهشتی زرقا، م. (۱۴۱۰ ق) تحقيق اسلامیه علم الاقتصاد المفهوم والمنهج، مجله جامعه ملک عبد العزیز: الاقتصاد الاسلامی (۲).

صدر، س. (1421 ق). مدرسه اسلامی در صدر اسلام، زندگی را هدایت می‌کند. مدرسه اسلامی پیام ماست، قم: مرکز تحقیقات و مطالعات تخصصی شهید صدر (رحمه الله).

صدر، م. (1400 ق). اقتصادنا، بیروت: دارالتعارف للمطبوعات.

صدر، م. (1421 ق). اسلام، زندگی را هدایت می‌کند، مکتب اسلام پیام ماست. قم: مرکز تحقیقات و مطالعات تخصصی شهید صدر.

میر معزی، ح. (۱۳۸۵). نقد و بررسی دیدگاه شهید صدر (ره) درباره هویت اقتصاد اسلامی اقتصاد اسلامی (۲۲)، ۱۲۳ – ۱۴۶.

میر معزی، س. (۱۳۹۱) نظام اقتصادی اسلام مبانی اهداف اصول راهبردی و اخلاق. قم: پژوهشگاه فرهنگ و اندیشه اسلامی.

نظری، ح. (۱۳۸۸) روش شناسی شهید صدر درباره شکل گیری علم اقتصاد اسلامی و تحقيق نهایی درباره آن روش شناسی علوم انسانی (۶۱)، ۵۱-۶۱.

هاسمن د. و مک فرسون م. (۱۳۹۸) تحلیل اقتصادی فلسفه اخلاق و سیاست عمومی ترجمة س عربی قم پژوهشگاه حوزه و دانشگاه.

یوسفی، ۱. (۱۳۷۹) دیدگاه‌های شاگردان شهید صدر درباره نظر استاد. در: ۱. یوسفی، ماهیت و ساختار اقتصاد اسلامی قم پژوهشگاه فرهنگ و اندیشه اسلامی.