دراسة فقهية واقتصادية للربح المضمون (علي الحساب) في نظام المصرفية بدون ربا (الجزء الأول)

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: بررسی فقهی و اقتصادی سود تضمین شده (علی الحساب) در سیستم بانکداری بدون ربا (بخش اول) ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: في البحث الحالي، تم التشكيك في صحة أداء النظام المصرفي، وأُثبت أن نظام المصرفية بدون ربا في إيران — الذي كان تحقيقه الكامل من الاهتمامات الأساسية لمفكرين مثل الشهيد صدر — لا سيما في موضوع الربح المضمون (علي الحساب)، رغم الإلغاء الظاهري والشكلاني للربا من العمليات المصرفية، في الواقع لم يتحرر من آثار سيطرة الربا الضارة. مضى أكثر من اثني عشر عامًا على إقرار قانون العمليات المصرفية بدون ربا بهدف طرد الربا من شبكة البنوك في البلاد؛ فهل تحقق هذا الهدف المقدس؟ رغم أن إجابة المنفذين على هذا السؤال إيجابية، إلا أن الدراسات الفقهية والاقتصادية في هذا البحث تثبت العكس.

المؤلف: محمدحسین حسین‌زاده بحرینی

المصدر: پژوهش‌های اجتماعی اسلامی، ربيع 1375، العدد 4، ص 189 إلى 210.

المقدمة

في القرآن الكريم وغيره من المصادر الفقهية الإسلامية، تم التأكيد على تحريم الربا. الأسلوب الخاص للقرآن في بيان حكم تحريم الربا تدريجيًا، والبيان النهائي له (بقره، آیات 275 تا 280)

لم يترك أي شك في حكم الربا لدى أصحاب الرأي الإسلامي. من جهة أخرى، مشاهدة النجاحات الاقتصادية للدول الصناعية التي يشكل الربا الركيزة الأساسية لاقتصادها، دفعت بعض المفكرين إلى التأمل والتدقيق في «موضوع» الربا. [1] وقد وصل بعضهم إلى الاعتقاد بأن «الربا المحرم في قانون الإسلام» لا ينطبق على بعض أشكال المعاملات الربوية الشائعة في العالم اليوم. طرح مسائل من هذا القبيل مثل:

– هل أدلة تحريم الربا تخص الربا الاستهلاكي فقط، أم تشمل الربا الاستغلالي (الإنتاجي) أيضًا؟

– هل يمكن، بنوع من التعميم وتنقيح المآخذ، أن يُباح التعامل الربوي الذي يكون أحد طرفيه الدولة، كما في العلاقة الربوية بين الأب والابن؟

– هل آية الفائدة هي نفسها الربا، أم أن هذين مختلفان في الجوهر؟

وأسئلة أخرى من هذا النوع، هي محاولات تمت تحت عنوان «موضوعية الربا».

يبدو أن موضوع الربا، مثل حكمه، واضح وصريح في المصادر الإسلامية وخاصة في عرف المتشرعة. المعاملات الربوية الشائعة في الأنظمة الربوية — سواء كانت قروضًا استهلاكية أو إنتاجية، سواء كانت حكومية أو غير حكومية — هي أمثلة واضحة وصريحة على الربا.

فقهاء الشيعة في رسائلهم العملية في باب القرض، بيّنوا موضوع وحكم الربا معًا:

«إذا شرط من يعطي القرض أن يأخذ أكثر مما يعطي؛ مثلاً يعطي منًا من القمح ويشترط أن يأخذ منًا وخمسة أوقيات، أو يعطي عشر بيضات ويشترط أن يأخذ إحدى عشرة، فهذا ربا ومحرم.» [2]

التمسك بالحيل الشرعية للهروب من الربا، هو أفضل دليل على وضوح موضوع الربا، لأن أساس الحيلة الشرعية هو البحث عن مخرج موضوعي من الربا.

وضوح القرآن في بيان الحكم وشهادة النصوص الفقهية وسيرة المسلمين على عدم غموض موضوع الربا، يوجب أن نولي اهتمامًا أكبر لـ «معرفة الحكم» قبل الخوض في «موضوعية الربا». المقصود بمعرفة حكم الربا ليس البحث عن الحكم الفقهي للربا بين الأحكام الخمسة، لأن — كما تقدم — بيان القرآن الخاص لم يترك مجالًا للشك في تحريم الربا، بل المقصود هو التدقيق في المعايير والحكم التي جعلت صدور هذا الحكم ضروريًا؛ لأن الإمامية — مثل جميع الموحدين الصادقين — يؤمنون بأن الأحكام تتبع المعايير. لذلك، المقصود بمعرفة حكم الربا هو في الواقع «معرفة الحكمة» من الربا. الحكم المؤكد الذي يستخلص من الآيات الأخيرة من سورة البقرة يوضح بجلاء أن «الربا يتضمن مفسدة عظيمة»؛ لأن الحكمة تقتضي أن تكون شدة وضعف بيان الأحكام تابعًا لشدة وضعف المصالح والمفاسد.

في السنوات السابقة وخاصة بعد انتصار الثورة الإسلامية المجيدة، بذل المفكرون الملتزمون في الحوزة والجامعة جهدًا كبيرًا لطرد وصمة «الربا» الكبيرة من عتبة الثورة المقدسة والمجتمع الإسلامي. ونتيجة سلسلة من هذه الجهود تجسدت في سبتمبر 1362 بقانون «العمليات المصرفية بدون ربا» الذي أصبح قانونًا. وبدأ تنفيذ هذا القانون منذ بداية عام 1363. المقصود بـ «نظام المصرفية بدون ربا» في هذا البحث هو النظام الذي طبق في البلاد لأكثر من عقد من الزمن بناءً على القانون المذكور. المكونات القانونية والتربوية لهذا النظام هي كما يلي: – قانون العمليات المصرفية بدون ربا الصادر في سبتمبر 1362 عن مجلس الشورى الإسلامي؛ – اللوائح التنفيذية الصادرة عن مجلس الوزراء؛

– التعليمات التنفيذية الصادرة عن مجلس النقد والائتمان؛

– التعميمات الصادرة عن البنك المركزي في هذا المجال؛

– المواد التعليمية التي أعدتها البنوك لتعليم المصرفية بدون ربا للموظفين.

على أي حال، الآن وبعد مرور ما يقرب من اثني عشر عامًا على بدء عمل النظام المصرفي الجديد في إيران، يصر مصممو ومنفذو هذا النظام على ادعاء إزالة الربا من هيكل النظام المصرفي في البلاد. مراجعة تصريحات بعض من مصممي ومنفذي المصرفية بدون ربا في إيران كافية لإثبات هذا الادعاء:

* «لقد حاولنا حذف مسألة الربا من المصرفية، وقد نجحنا في ذلك.» [3]

* «لم نعد بحاجة إلى مناقشة المصرفية الإسلامية وضروراتها، لأن عامة الناس والعلماء وأهل الرأي قد قبلوا هذا النظام كحركة صحيحة.» [4]

* «المصرفية التقليدية المبنية على الربا قد أصبحت منقرضة تمامًا، والمصرفية الإسلامية أو المصرفية بدون ربا أصبحت الصفة المميزة الأبرز للنظام الاقتصادي الإسلامي.» [5]

* «تم تصميم وتطوير العمليات المصرفية في إيران على أساس المبادئ الإسلامية بحيث لا تكون هذه العمليات ربوية لا من الناحية الشكلية ولا من الناحية الجوهرية.»

بعيداً عن التصريحات المتفائلة لمصممي ومنفذي النظام المصرفي الجديد، ينظر المفكرون المحايدون، والعاملون في النظام المصرفي، والمتعاملون مع البنوك إلى القضية بنظرة مختلفة تماماً.

وفيما يلي عرض لآراء بعض الخبراء في هذا المجال:

* «بنوككم لا تأخذ حرمة الربا وقرارات مجلس الشورى الإسلامي المتعلقة بالنظام المصرفي الإسلامي على محمل الجد، وتستخدم طريقة المضاربة فقط من حيث الاسم لتضفي الشرعية على أعمالها؛ فمثلاً في النماذج التي تُقدَّم للعملاء يُذكر المضاربة والمزارعة والمساقات… ولكن للأسف الشديد نلاحظ أنه لا يُعير أي اهتمام لمضمون هذه النماذج، وإنما تُستخدم هذه الأوراق فقط لإضفاء الشرعية على أعمالهم، وحتى في وسائل الإعلام الجماهيرية يتحدث بعض المسؤولين المصرفيين كما لو أنهم غير مكترثين للأحكام الإسلامية، ويصرحون رسمياً عن نسبة فائدة معينة، كأنهم لا يعلمون بقوانين المصرفية الإسلامية المعتمدة ولا يعيشون في إطار هذا النظام المقدس.» [6]

* «غالباً ما يظن الناس أن نشاط البنوك اليوم هو ربوي في الأساس. فقط الاسم والعنوان وشكل الأعمال تغير، لكن واقع الأعمال هو نفس أسلوب عمل البنك الربوي. سواء كان هذا التصور صحيحاً أم خاطئاً، فإنه يحمل أضراراً كثيرة. ومن آثار ذلك الضارة أن حرمة الربا في ذهن وعقل العامة تتلاشى أو تضعف كثيراً، فيقولون إذا كان الربا حقاً محرماً، فلماذا معظم معاملات البنوك في نظام الجمهورية الإسلامية قائمة على الربا؟

وأثر آخر لذلك هو عدم تعاون المؤمنين مع البنوك. فهم يتجنبون فتح حسابات ودائع استثمارية أو الحصول على تسهيلات بنكية لحل مشاكلهم خوفاً من الوقوع في الربا، أو على الأكثر يقومون بذلك على مضض وفي حالات الضرورة والاضطرار.» [7]

* «في الوضع الحالي الذي طرحه السادة لحل مشكلة البنوك ويتم العمل به، وهو أن يشارك الناس مع البنك في الأعمال العمرانية والإنتاجية، إذا كان هناك مشاركة حقيقية فلا مشكلة، أما إذا كانت المشاركة شكلية والربا واقع، فهذا ليس عملاً صحيحاً ويسبب استياء الناس. أو أن يكون الأمر على شكل شراء نقدي للبضاعة من قبل البنك ثم تقسيطها تدريجياً وفي نهاية المدة يتم النقل النهائي للبضاعة إلى العميل. أنا شخصياً اشتريت سيارة بيكان من إيران خودرو. لم يكن لدي المال. أعطاني أحد البنوك المال على هذا النحو: اشترى السيارة نقداً ثم باعها لي بالتقسيط وأخذ مني في النهاية ستة آلاف تومان. في رأيي هذا غطاء شرعي، ويشعر الإنسان أنه استُغل بفائدة من خلال هذا الغطاء الشرعي من البنك… هذا العمل هو نفس الحيل الشرعية التي كانت موضوع نقاش أو إنكار من قبل الباحثين منذ القدم، وقد نُكر بشدة في تفسير المناز عن قول عبده، وذُكر في بعض آثار حضرة الإمام مدظله أيضاً. هذا نوع من الاحتيال أو التزوير الشرعي. نعم، إذا كانت المشاركة حقيقية وتُنشأ مؤسسات تحت عناوين المساقات والمزارعة والمضاربة تكون أعمالها حقاً مشاركة مع الناس وفي نفس الوقت تحل مشاكلهم، فهذا عمل صحيح.» [8]

* «أسلوب عمل بنوك بلدنا يوحي بأن الفرق بين المصرفية الحالية والمصرفية الربوية هو فقط في تغيير الاسم والعنوان. رغم أنه بسبب حرمة الربا يجب حذف الربا من البنوك وفق قانون العمليات المصرفية بدون ربا، إلا أنه لا يزال يُؤخذ من الأفراد مبالغ الفائدة تحت أسماء الربح أو العائد، أو يُدفع لهم مقابل ودائعهم، أو تُمنح التسهيلات في أطر مثل المضاربة أو المشاركة، ولكن عند حساب الأرباح يُستخدم نفس الأسلوب الربوي، وبناءً على استفتاءات أجريت مع مراجعي البنوك، أكد معظمهم ما ذُكر أعلاه واعتبروا التغييرات في المصرفية الحالية تغييرات لفظية وغطاء شرعي، ولم يروا فرقاً بين أداء المصرفية الحالية والربوية.» [9]

والحقيقة أن الربا هو «عمل اقتصادي» له آثار «واقعية» متعددة مترتبة عليه. وكل التدابير المتخذة لمكافحة الربا يجب أن تكون قادرة على إزالة الآثار «الواقعية» -وليس الشكلية- للربا.

وبالتالي، فإن تقييم مدى نجاح النظام المصرفي الجديد في إيران من حيث إزالة الربا من هيكل النظام المصرفي في البلاد يستلزم بيان نقطتين:

1. ما هي الآثار الواقعية المترتبة على الربا؟

2. إلى أي مدى نجح التحول الحاصل في النظام المصرفي في إيران في طرد الآثار الواقعية للربا من المجتمع؟ وهل يمكن قانون المصرفية بدون ربا وملحقاته، من الناحية النظرية -وبالمصطلح الفقهي في مقام الإثبات- أن يتعارض ويتنافى مع الآثار الواقعية للربا؟ هذا البحث أُجري للإجابة على هذين السؤالين.

العلاقة العكسية بين معدل الفائدة والاستثمار ومستوى الإنتاج من المبادئ الثابتة في علم الاقتصاد. والميزة في التحليل المقدم في هذا البحث هي أنه يصور منطق وسبب هذه العلاقة العكسية باستخدام عنصر «المخاطرة» ودوره في الإنتاج، ويُظهر أن فرض أي «معدل ربح على الحساب» يطمئن المودع إلى حصوله، له وظيفة مماثلة لمعدل الفائدة، ومن خلال آلية تشبه تماماً آلية تأثير معدل الفائدة على الاستثمار، يقلل القوة الفعلية لتحمل المخاطرة في المجتمع، وكفاءة قوة المخاطرة، وبالتالي الإنتاج الوطني.

طريقة العمل في هذا البحث هي أنه أولاً تم دراسة الأدوار البشرية الموجودة في عملية الإنتاج، وتم السعي لتوضيح مكانة ودور عنصر «المخاطرة» والمدخل «المخاطرة المقبولة» في عملية الإنتاج بشكل صحيح.

في القسم الثاني، الذي – إن شاء الله – سيُقدَّم للقراء الكرام في العدد القادم، تم مناقشة دور المخاطرة في الاقتصاد الإسلامي، وأُظهر أن المدخل المخاطرة المقبولة يُعتبر أحد مدخلات الإنتاج التي تحظى بالاهتمام في المدرسة الاقتصادية الإسلامية. عدم حصانة البنك والمودع أمام الخسائر الناجمة عن المشاريع الاقتصادية وضرورة تحمل جزء من المخاطر من قبلهما ينبع من هذه الحقيقة ذاتها.

الدافع الرئيسي لطرح هذا النقاش هو نقد نظرية طرحها آية الله الشهيد سيد محمد باقر صدر في كتاب «اقتصادنا» والتي أعلن فيها، من وجهة نظر المدرسة الاقتصادية الإسلامية، عن عدم وجود دور لعنصر المخاطرة.

النقطة المهمة المتعلقة بالفصل المذكور وكذلك بعنوان المقالة الحالية هي أن المقصود من «الدراسة الفقهية لنظام المصارف بدون ربا» ليس البحث في جوازه أو عدم جوازه الفقهي؛ فهذا من مهام الفقهاء العظام وهو خارج عن قدرة وصلاحية هذه المقالة ومؤلفها. بالإضافة إلى أن المبادئ العامة للنظام المذكور قد حظيت بموافقة الفقهاء المحترمين في مجلس صيانة الدستور. ما تم في هذا البحث هو تقديم وتنظيم أدلة من النصوص الفقهية (بطريقة الشهيد صدر في كتاب اقتصادنا) لإظهار دور المخاطرة من وجهة نظر الاقتصاد الإسلامي. في الحقيقة، هذا العمل عزز الأسس الدينية للفكرة المقدمة في البحث الحالي.

في القسم الثالث، مع بيان هذه الحقيقة أن الأثر الحقيقي لوجود الربا في الاقتصاد هو تقليل قوة قبول المخاطرة في المجتمع وبالتالي تقليل الإنتاج الوطني[10]، سنقوم بدراسة الأسس النظرية والعملية لنظام المصارف في بلدنا، وسنُظهر أن النظام المصرفي الحديث في الجمهورية الإسلامية الإيرانية قد صُمم وقُنن بطريقة أنه رغم الإلغاء الظاهري والشكلي للربا، إلا أنه يقلل من قوة المخاطرة في المجتمع ويترك أثراً مماثلاً للربا في اقتصاد الدولة الإسلامية.

القسم الأول: مكانة «المخاطرة» في الاقتصاد

أهمية المخاطرة في الاقتصاد

الإنتاج هو أهم موضوع في الاقتصاد. في العديد من النظريات التي قُدمت لتحقيق النمو الاقتصادي، كان زيادة الناتج المحلي الإجمالي محل اهتمام بلا استثناء.

ما هو الإنتاج؟ وفقًا لأبسط تعريف، الإنتاج هو العملية التي تتحول فيها المدخلات (Inputs) إلى مخرجات (Output).

البذور، الأسمدة، أدوات الزراعة والحصاد، القوى العاملة، الأرض والماء تتحد معًا لإنتاج مخرجات تُسمى القمح.

خام الحديد، الفحم الكوك، الأكسجين، القوى العاملة، المواد الكيميائية المساعدة، الأرض، الآلات والعديد من المدخلات الأخرى هي عمليات تؤدي في النهاية إلى إنتاج منتجات فولاذية مختلفة.

الشاحنة، السائق والمساعد (القوى العاملة)، الوقود… هي المدخلات اللازمة لإنتاج خدمة نقل الفولاذ المنتج في مصنع صهر الحديد إلى مكان الاستهلاك.

هذه الأمثلة وآلاف غيرها هي مجالات للاستثمار الاقتصادي. طبيعة الاستثمارات الاقتصادية تقتضي وجود فترة زمنية بين وقت إنفاق رأس المال اللازم ووقت استلام الدخل الناتج عن بيع المخرجات. هذه الفترة الزمنية تختلف حسب حجم وخصائص المشاريع، لكنها موجودة على أي حال.

في عملية الإنتاج، أي تحويل المدخلات إلى مخرجات (أو التكاليف إلى إيرادات)، هناك العديد من المتغيرات المؤثرة التي يسيطر المستثمر على عدد قليل منها فقط.

يمكن للمستثمر أن يحدد بصرامة ما هو تحت سيطرته منذ البداية، لكن فيما يتعلق بالمتغيرات الخارجة عن السيطرة، لا يمكنه إلا التنبؤ بها.

إلى أي مدى يمكن لقرار صاحب العمل الذي يريد الاستثمار في إنتاج القمح أن يكون حاسمًا بشأن المتغيرات التالية؟

– إجمالي الأراضي المزروعة بالقمح في السنة الزراعية الحالية؛

– كمية الأمطار (وبالتالي إنتاجية الأراضي المزروعة بالزراعة المطرية)؛

– كمية واردات القمح في السنة الحالية والسنة القادمة؛

– احتمال هجوم الجراد على حقول القمح؛

– احتمال نشوب حريق في حقول القمح بسبب الصاعقة؛

– احتمال احتراق مضخة المياه التي تُروى بها الحقول؛

– أجور العمال في موسم الحصاد؛

وغيرها…

من الطبيعي أن المنتج لا يملك سيطرة أو تأثيرًا كبيرًا على أي من هذه الأمور المذكورة، ويجب أن يعتبرها متغيرات خارجة عن السيطرة. أكثر ما يمكنه فعله هو أن يتنبأ بها بناءً على إحصائيات السنوات الماضية، التنبؤات الجوية، الأوضاع السياسية والاقتصادية، وأخيرًا أحكامه الشخصية.

ولا يُغفل أن المنتج يمكنه تقليل درجة المخاطرة في المشروع باستخدام آليات مثل التأمين، تركيب أجهزة أمان لمنع الحرائق والسرقات، استخدام المبيدات الحشرية وغيرها، لكنه لن يكون قادرًا أبدًا على توفير بيئة آمنة تمامًا وخالية من أي مخاطر لنفسه.

وبناءً على هذه النقطة، في الأدبيات الاقتصادية، قُسم الخطر إلى نوعين: قابل للتأمين وغير قابل للتأمين. [11] في مقاله الثالث من كتابه الذي كتبه في مجال المخاطر، يكتب آرو:

«النقود هي الدلال. مع ذلك، لماذا يفضل الأفراد الاحتفاظ بالنقد أو الودائع الجارية بدلاً من شراء السندات أو أي نوع آخر من الاستثمارات التي يمكن أن تحقق لهم دخلاً؟ لدى النظرية الاقتصادية تفسيران لهذا الأمر. التفسير الأول هو أن تحويل رأس المال إلى نقد عند الحاجة يتطلب وقتًا وجهدًا. والتفسير الثاني هو أن جميع أشكال الاستثمار تنطوي على مخاطر، وغريزة تجنب المخاطر لدى الأفراد تُشبع فقط من خلال الاحتفاظ بجزء من ثروتهم في أشكال غير مربحة ولكنها آمنة.» [12]

الهدف من نقل أقوال آرو هو التأكيد على هذه النقطة: «جميع أشكال الاستثمار تنطوي على مخاطر.» بعبارة أخرى، في العالم الحقيقي لا يوجد استثمار آمن، وتحمل المخاطر هو الشرط الضروري للانتقال من Input إلى Output.

أحد المجالات المهمة جدًا التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بنمو وتطور المجتمعات هو مجال «البحث والتطوير» أو «R and D» [13]. عنصر المخاطرة في هذا المجال الحيوي للاقتصاد يظهر بوضوح شديد.

يذكر ديفيد بگ وستانلي فيشر في كتابهما إشارة عابرة إلى هذا الموضوع:

«التقدم التقني يقوم على ركيزتين: “الاختراع” [14] و”الابتكار” [15]. الاختراع هو اكتشاف معارف جديدة، والابتكار هو خلق البيئة اللازمة لتوظيف تلك المعارف في الإنتاج.

… ما هي العوامل التي تحدد عدد الاختراعات في مجتمع ما؟ الفضول الحكيم والاعتقاد بأن “يجب أن يكون هناك طريقة أفضل للقيام بهذا العمل” يؤديان إلى ظهور أفكار جديدة، لكن كمية إنتاج “الفكر” في كل مجتمع، مثل العديد من الأنشطة الأخرى، تعتمد إلى حد كبير على الموارد المخصصة له. وتخصيص الموارد بدوره يعتمد على التكلفة المرتبطة بها وآفاق المنافع المتوقعة.

عوائد البحث محفوفة بالمخاطر. الباحثون لا يعرفون أبدًا ما إذا كانوا سيتمكنون من تحقيق اكتشاف جديد أم لا. يظل البحث استثمارًا محفوفًا بالمخاطر: قبل أن تبدأ تدفقات الدخل المحتملة، يجب إنفاق الأموال اللازمة.» [16]

ما هي الأدوار البشرية المشاركة في عملية الإنتاج؟

الأرض، أدوات الإنتاج، المواد الأولية، الطاقة والاتصالات عادة ما تكون ضرورية لأي عملية إنتاج. بعيدًا عن هذه المدخلات المادية، يجب بالضرورة أن تتواجد ثلاثة أدوار أو عوامل بشرية في عملية الإنتاج. هذه العوامل البشرية الثلاثة هي: 1. العامل، 2. الممول، 3. صاحب العمل.

لا يضر تقديم شرح مختصر عن كل من هذه العوامل:

العامل:

اليوم، لا يقصد الاقتصاديون بكلمة “عامل” فقط القوة العاملة البسيطة. وفقًا للتعريفات الحديثة، يُطلق مصطلح “عامل” على جميع القوى البشرية الفعالة في عملية الإنتاج التي تساهم بجهدها – سواء كان جسديًا أو فكريًا – في الإنتاج. وهكذا، تشمل القوة العاملة نطاقًا يمتد من العامل البسيط في التعبئة إلى المهندسين والمتخصصين رفيعي المستوى وأخيرًا مديري الشركات.

من الضروري الانتباه إلى أن مدير الشركة – طالما يُعتبر مديرًا، أي شخصًا يمتلك المهارات والتخصصات اللازمة لإدارة عملية إنتاج – ليس سوى عامل متميز. لذلك، لا يوجد فرق بين مدير الشركة وباقي العمال فيها. يشترك الجميع في استخدام تخصصاتهم لدفع الإنتاج قدمًا. بالطبع، قد يكون المدير بالإضافة إلى منصبه الإداري، قد مول جزءًا من تكاليف الشركة، وبالتالي يتحمل دور “الممول”، أو قد يكون بموجب عقد قد تحمل جزءًا من الخسائر المحتملة لعملية الإنتاج، وبالتالي يلعب دور “صاحب العمل”. لكن على أي حال، هذه أدوار أخرى للمدير بخلاف دوره الإداري. وينطبق الأمر نفسه على باقي العمال في الشركة. يمكن للعامل البسيط أن يشارك أيضًا في دور “الممول” و”صاحب العمل” من خلال تمويل جزء من تكاليف الإنتاج أو تحمل نسبة من الخسائر المحتملة.

الممول

طبيعة معظم عوامل الإنتاج هي أنها عادة ليست متاحة فعليًا لدى المنتج، ويجب عليه الحصول عليها من الأسواق ذات الصلة. هذا الحصول قد يكون عن طريق الشراء أو الإيجار حسب الحالة. على أي حال، يجب على المنتج قبل تحقيق الإنتاج، أن ينفق مبلغًا مرة واحدة أو على فترات زمنية محددة لتوفير المدخلات اللازمة. هذا الأمر من متطلبات الاقتصادات المعقدة، وإلا فإن انطلاق عملية إنتاج صغيرة في اقتصاد بسيط وبدائي بدون وسيط نقدي أمر ممكن التصور.

في التبادلات البسيطة القائمة على المقايضة، لا يكون للنقود معنى أو مكانة. وهذا ينطبق أيضًا على “الإنتاج بالمقايضة”. المقصود بالإنتاج بالمقايضة هو أسلوب إنتاج تُقدم فيه جميع مدخلات الإنتاج إلى العملية الإنتاجية دون استلام شيء محدد. العامل لا يطالب بأجر مقابل عمله؛ لا يُدفع إيجار مقابل الأرض المستخدمة في المشروع؛ أدوات العمل والمواد الأولية تُقدم للعملية الإنتاجية دون أجر أو ضمان. في مثل هذه الحالة، يشارك جميع المعنيين بالإنتاج (مالكي عوامل الإنتاج) في تحمل تكاليف الإنتاج.

نفترض أنه لزراعة هكتار واحد من الأرض، هناك حاجة إلى المدخلات التالية:

الأرض، القمح، العامل، الجرار.

إذا كان مالك الأرض، العامل وصاحب الجرار حاضرون للتنازل عن أجر ثابت، ولم يطلب مالك البذور مقابل ما يقدمه في عملية الإنتاج مبلغًا معينًا، وفي المقابل يستفيد الجميع من المنتج الذي من المحتمل أن يُنتج، فإن ذلك في الحقيقة يُنظّم نوعًا من الإنتاج بالمقايضة.

في الإنتاج بالمقايضة، لا يُطرح المال؛ لأن كل من المشاركين في الإنتاج يُقدّم «مدخلات» ويأخذ «منتجًا».

أما إذا لم يكن أحد أصحاب عوامل الإنتاج مستعدًا لتحمل مخاطرة الإنتاج، فلا بد من دفع أجره أو ضمانه. في هذا الافتراض، رغم أن الحل الوحيد الممكن ليس بالضرورة دخول المال في عملية الإنتاج، إلا أن المال يمكن أن يُطرح كأفضل وسيلة لنقل المخاطرة من مالك أحد عوامل الإنتاج إلى آخر. وبهذا يتضح دور المال في عملية الإنتاج. هذا الدور هو نقل المخاطرة من مالك عامل إنتاج حقيقي (مثل الأرض، العمل…) إلى مالك المال. فالمال النقدي في الأصل لا يلعب دورًا حقيقيًا في الإنتاج، بل يعمل فقط كميسّر لحركة عجلات الإنتاج – كعامل محفز. على أي حال، هذا العنصر لا غنى عنه لتشكيل الإنتاج، خصوصًا في الاقتصادات المعقدة اليوم، وإذا قبلنا هذا التعريف للمدخل أو عامل الإنتاج بأنه «كل ما يكون وجوده ضروريًا في عملية الإنتاج ويتوقف الإنتاج بدونه»، فإن إطلاق صفة عامل إنتاج على المال النقدي سيكون بلا إشكال. وفي الوقت نفسه، يجب الانتباه إلى أن الفرق بين المال والمدخلات الحقيقية للإنتاج هو أن هذه المدخلات، بالإضافة إلى إمكانية تحملها لصفة المخاطرة (مع التنازل عن أجر محدد مسبقًا وضمان)، تلعب دورًا حقيقيًا في الإنتاج؛ فمثلاً العامل يضخ قوته العاملة في عملية الإنتاج سواء تلقى أجرًا ثابتًا أو لم يتلقه. وفي الوقت ذاته، إذا تنازل عن استلام أجر ثابت ووضع قوته العاملة فقط على أمل المشاركة في المنتج النهائي الذي من المحتمل أن يُنتج، فإنه سيكون إلى جانب «القوة العاملة» أيضًا «قوة مخاطرة». أما المال النقدي، فبعيدًا عن المشاركة في «قوة المخاطرة» لا يمتلك أي دور حقيقي في عملية الإنتاج. ولهذا السبب، إذا لم يتحمل مالك المال الذي يُضخ في الإنتاج أي مخاطرة، فلا منطقيًا له أن يحق له كسب دخل من خلال تلك العملية، لأن عنصر المال أساسًا يكتسب موضوعيته في عملية الإنتاج لنقل المخاطرة من عامل إنتاج حقيقي إلى مالك المال، ولا يُتصور له وظيفة سوى تحمل المخاطرة.

ومن الضروري الانتباه إلى أن في المدرسة الرأسمالية يُعرف الخطر وفقًا لـ«تكلفة الفرصة»، بينما في المدرسة الاقتصادية الإسلامية لم تُعتبر تكلفة الفرصة القطعية للمال النقدي وغيره من السلع التي لا يمكن الاستفادة منها إلا مع هدر عينها. والنتيجة العملية لهذا الاختلاف هي أن المدرسة الرأسمالية ترى المال معرضًا للخطر فقط إذا كان احتمال تحقيق ربح أقل من تكلفة الفرصة – أي معدل الفائدة المعتاد – قائمًا، أما من وجهة نظر المدرسة الإسلامية، فالمال النقدي معرض للخطر فقط إذا كان احتمال عدم استرداد رأس ماله قائمًا، وبعبارة أخرى، إذا كان معرضًا لـ«النقصان».

سيُناقش هذا الموضوع بشكل مفصل ومدعّم بالأدلة في العدد القادم. في هذا القسم، ما هو مطلوب حاليًا هو توضيح مكانة ودور المال في عملية الإنتاج، وقد رأينا أن دور المال هو نقل المخاطرة من مالك عامل إنتاج حقيقي إلى مالك المال.

وبهذا يمكن تقسيم تكاليف الإنتاج إلى نوعين: حقيقية ونقدية. من يوفّر تكاليف الإنتاج الحقيقية، في حال تنازله عن استلام أجر أو ضمان في الوقت نفسه، يلعب دور عامل مخاطرة. ومن يوفّر التكاليف النقدية، في حال تحمّله الخطر (التنازل عن الفائدة المعتادة من وجهة نظر المدرسة الرأسمالية والتنازل عن ضمان رأس المال في المدرسة الإسلامية)، ينضم إلى قوة المخاطرة. وإلا، فإنه يحمل فقط صفة «مموّل التكاليف». [17]

صاحب العمل (قوة المخاطرة)

قد يُظن في البداية، وفقًا لتعريف الاقتصاديين المعاصرين لقوة العمل – التي تشمل أيضًا مديري الشركات – أنه لتنظيم عملية إنتاج يكفي وجود دورين فقط هما «مموّل التكاليف» و«العامل». ويظهر خطأ هذا الظن عندما يُخلط بين مكانة المدير وشخصيته الحقيقية. فالمدير – كمدير – ليس أكثر من عامل متخصص رفيع المستوى.

لتوضيح مكانة صاحب العمل في الإنتاج، هناك حاجة إلى تحليل أدق:

في اجتماع اقتصادي، اجتمع عدد من العمال البسطاء والمتخصصين في الغزل، وشخص مالك أرض، وشخص مالك أدوات ومعدات الغزل، وتاجر قطن، وثري. موضوع النقاش هو التفاهم على إنشاء مصنع لغزل الخيوط. وفقًا للتقديرات، فإن العمال البسطاء والمتخصصين الحاضرين قادرون على القيام بالأعمال المتعلقة بإنشاء وإدارة المصنع؛ والأرض التي يملكها مالك الأرض مناسبة لبناء المصنع؛ والأدوات والمواد الأولية المتوفرة تكفي لاحتياجات المصنع، وأخيرًا المال النقدي الذي بحوزة الثري كافٍ لتوفير رأس المال العامل للمصنع – دفع الأجور، الإيجار، شراء المواد الأولية وغيرها من النفقات.

العمال يطالبون بأجر معين مقابل العمل الذي سيقومون به. مالك الأرض وصاحب أدوات الإنتاج يطالبان بإيجار مقطوع ومحدد مقابل الأرض والأدوات التي يملكانها، وأخيرًا من سيوفر رأس المال النقدي اللازم للمصنع يطالب بالحصول على ربح ثابت.

يُظهر تحليل المخطط أنه «في حال سارت الأمور كلها وفق الخطة»، يمكن أن يُلبّي الربح الناتج عن المشروع رغبات جميع الأفراد. ولكن كما نقلنا عن آرو، «جميع أشكال الاستثمار تنطوي على مخاطر.» وهذا الشرط المسبق بأن «تسير الأمور كلها وفق الخطة» هو على أي حال أمر «محتمل وليس مؤكداً». هناك احتمال كبير بأن يواجه المشروع المذكور خسارة أو على الأقل لا يحقق ربحاً كافياً ليُلبّي رغبات جميع العوامل المحددة سلفاً. ورغم وجود هذا الاحتمال، لا يزال جميع الأفراد متمسكين بمواقفهم ويطالبون بأجر أو إيجار أو ربح ثابت. فهل سيخرج هذا المشروع من مرحلة الحوار؟

في هذا السياق، هناك فجوة أساسية جداً لا يرغب أي من العوامل المذكورة في سدّها. هذه العملية تفتقد إلى حلقة مفقودة وإلى عامل أساسي؛ العامل الذي تقع عليه المسؤولية الوحيدة «تحمّل الخسائر المحتملة الناجمة عن المشروع». [18] هذا الدور المهم يتولاه صاحب العمل (القوة المخاطرة).

من ناحية أخرى، كما أن هناك احتمالاً لعدم تحقيق المشروع للربح المتوقع، هناك احتمال أيضاً بأن يحقق ربحاً أعلى. فمن سيحصل على الربح الإضافي؟ يرى الاقتصاديون أن هذا الربح الإضافي هو مكافأة لتحمّل صاحب العمل للمخاطر ودافعه للقيام بالإنتاج. ويليام ب. ألبرت يوضح:

«الأرض والعمل ورأس المال لا تندمج مع بعضها البعض تلقائياً للمشاركة في عملية الإنتاج. يجب تنظيم هذه العوامل في سبيل الإنتاج. الشخص الذي يتولى هذا التنظيم هو صاحب العمل. إنه يقدم عامل الإنتاج المتبقي، وهو في الواقع صاحب العمل. إن توقع الربح يوفر الدافع الكافي لتحمّل صاحب العمل للمخاطر.» [19]

فيما يخص صاحب العمل، هناك نقاشان يمكن متابعتهما:

  1. هل يمكن اعتبار صاحب العمل أحد عوامل الإنتاج؟
  2. إذا كان الجواب نعم، فما هي الخاصية الجوهرية لصاحب العمل؟ بمعنى آخر، ما هو الدور الذي يؤديه «صاحب العمل» في عملية الإنتاج؟

الجواب على السؤال الأول واضح بالإيجاب. الصورة التي قدمناها سابقاً عن اجتماع اقتصادي – والذي هو ضروري لتشكيل أي عملية إنتاج – أظهرت أنه إذا حذفنا دور صاحب العمل من عملية الإنتاج، فلن يتم الإنتاج حتى وإن توفرت العوامل الأخرى. اجتماع جميع عوامل الإنتاج بدون حضور صاحب العمل يشبه قطاراً طويلاً مكتمل بعدد العربات لكنه بلا قاطرة.

يؤكد قاموس ماكميلان الاقتصادي:

«في التحليل الاقتصادي للمؤسسة، يُعتبر عامل صاحب العمل بحق أحد عوامل الإنتاج.» [20]

كذلك دونالد موفت يكتب في قاموسه الاقتصادي تحت عنوان Economic Resources:

«لفترة طويلة كان يُعتقد أن الموارد الاقتصادية تقتصر على ثلاثة أقسام: الأرض، العمل، ورأس المال. المؤلفون المعاصرون عادةً ما يضيفون مورداً اقتصادياً رابعاً إلى الموارد الثلاثة السابقة، وهو ما يُعرف بالموهبة الريادية لصاحب العمل.» [21]

كما يعدد في تحت عنوان Factors of Production عوامل الإنتاج على النحو التالي:

«الأرض، العمل، رأس المال، والموهبة الريادية لصاحب العمل.» [22]

بشكل عام، وبالنظر إلى تعريف العامل أو عنصر الإنتاج الذي يقول «عامل الإنتاج هو كل ما يكون حضوره ضرورياً في عملية الإنتاج وبدونه يتوقف الإنتاج» أو «الأموال والخدمات المختلفة التي تنتج الثروة بشكل جماعي أكبر»، [23] فإن دور صاحب العمل أمر مسلم به ولا يمكن إنكاره. ولهذا السبب، أدرجت القواميس الاقتصادية صاحب العمل ضمن عوامل الإنتاج إلى جانب العمل ورأس المال والأرض.

النقاش الثاني الذي يجب دراسته حول صاحب العمل هو «ما هي الوظيفة والخاصية الأساسية لصاحب العمل؟» هذا النقاش ذو أهمية مضاعفة.

في النصوص الاقتصادية، نُسبت إلى صاحب العمل العديد من المهام، منها: تنظيم عملية الإنتاج، تحمّل مخاطر الإنتاج، اتخاذ القرار بشأن نوع وكمية وطريقة الإنتاج، الابتكار، التسويق، وغيرها…

على سبيل المثال، يكتب قاموس العلوم الاقتصادية للدكتور منوچهر فرهنگ تحت عنوان Entrepreneur:

«الشخص الذي يتحمل مسؤولية التنظيم والإدارة ومواجهة مخاطر الربح والخسارة في نشاط اقتصادي. صاحب العمل الاقتصادي يدرس الفرص لإدخال منتج جديد أو طريقة جديدة أو تنظيم أفضل. منظم العمل والمال بهدف تحقيق الربح، يتحمل المسؤوليات التالية:

أ. مواجهة المخاطر المحتملة والخسارة؛

ب. اتخاذ القرار بشأن كمية وطريقة الإنتاج وكيفية استخدام عوامل الإنتاج؛

ج. التسويق ودراسة السوق لهذه السلع والخدمات.» [24]

كذلك ينسب دونالد موفت إلى صاحب العمل المهام الأربع التالية:

«الإدارة، الابتكار، تحمّل المخاطر، وتحليل الطلبات.» [25]

كما هو واضح في هذه التعريفات، لم يتم التفريق بين مهام صاحب العمل والمدير، ويبدو أن هذه التعريفات تنطبق فقط على الشخص أو الأشخاص الذين يجمعون بين صفتَي «الإدارة» و«صاحب العمل» في آن واحد. الدكتور فرهنگ، في مكان آخر من كتابه، عرّف صاحب العمل بدقة ولباقة أكبر:

«شخص واحد أو مجموعة من الأشخاص يتحملون المخاطر المحتملة لوحدة اقتصادية أو عمل تجاري.» [26]

ويضيف موضحاً:

«المديرون في الأعمال التجارية، عندما لا يتحملون مخاطر الملكية المحتملة، يُصنفون في مرتبة العمال.» [27]

بعبارة أخرى، المدير – مادام لم يتحمل جزءًا من مخاطر المشروع أو المنشأة – ليس سوى عامل ممتاز. وبالتالي يمكن الاستنتاج أن المهمة الأولى فقط من المهام الثلاث التي ذُكرت سابقًا لصاحب العمل – وهي مواجهة المخاطر المحتملة للربح غير المؤكد – هي فعلاً وبالذات من مهامه، أما المهمتان الأخريان فمتعلقتان بالمدير.

سبب هذا الخلط بين مهام المدير وصاحب العمل يجب أن يُعزى إلى طبيعة المنشآت القديمة. فالمنشآت القديمة، بسبب صغر حجمها، كانت تُدار عمليًا بواسطة صاحب العمل نفسه. في الحقيقة، كان شخص واحد يؤدي في آن واحد دور صاحب العمل والمدير. بل في كثير من الحالات، كان هو نفسه الممول. كان الاقتصاديون يعرفون دور صاحب العمل – الريادي – في مثل هذه السياقات، وعندما يستخدمون هذا المصطلح، كان يتبادر إلى أذهانهم تلقائيًا مزيج من الإدارة والتنظيم وتحمل المخاطر. ولهذا، عندما تناولوا تعريف صاحب العمل، لم يتمكنوا من فصل دوره الحقيقي والأصيل عن الأدوار غير الحقيقية والثانوية له. ومع ذلك، فإن ظهور المنشآت الكبيرة والمعقدة اليوم أتاح إمكانية فصل دورَي الإدارة وتحمل المخاطر بشكل واضح ومدروس.

يكتب ماكميلان في الثقافة الاقتصادية تحت كلمة Entrepreneur:

«… على سبيل المثال، في الشركات الخاصة تمامًا، يتحمل صاحب العمل مخاطر المنشأة المالية ويتولى إدارتها. من ناحية أخرى، في شركات الأسهم العامة، يتم تقسيم هذين الدورين الرئيسيين بين المساهمين ومجلس الإدارة. فالمساهمون هم مالكو المنشأة ويتحملون مخاطر العمليات، بينما يتولى مجلس الإدارة السيطرة الفعلية على المنشأة، واتخاذ القرارات، ووضع السياسات، وبعبارة أخرى؛ إدارة الشركة.» [28]

ومن الجدير بالتأكيد أن صاحب العمل هو من يتحمل المخاطر، ولهذا السبب يلعب دورًا حيويًا في كل عملية إنتاجية. وبعبارة دونالد موفت، صاحب العمل هو الذي «يمنح الحياة» لمجموعة من عوامل الإنتاج.

يعتبر نايت (Knight) أن فلسفة نشأة «المنشأة» تقوم أساسًا على وجود «مخاطرة» في النظام الاقتصادي. ويعيد كواس (Coas) صياغة رأيه قائلاً:

«في هذا الوضع، يجب أن يظهر أشخاص جريئون يضمنون دخلاً ثابتًا للأشخاص الذين يتهربون من المخاطر، وبذلك يجبرونهم على الإنتاج. مجموعة من الأشخاص، بأخذ ضمان من صاحب العمل للحصول على دخل ثابت، تطيع صاحب العمل وتخضع لأوامره.» [29]

اعتمادًا على التعريف الذي يمكن أن يقدمه كل شخص لصاحب العمل أو المبتكر… يمكن أيضًا نسب مهام فرعية أخرى إلى صاحب العمل. ومع ذلك، لا ينبغي إغفال أهم صفاته، وهي تحمل المخاطر المحتملة الناجمة عن الإنتاج. ولهذا، من المنطقي تمامًا أن نعتبر عرض «مدخلات صاحب العمل» مساويًا لعرض «مدخلات تحمل المخاطر» في الاقتصاد. على سبيل المثال، عندما يقول دونالد موفت: «في الظروف المتساوية، الاقتصاد الذي يمتلك قدرة أكبر على تحمل المخاطر لديه قدرة إنتاجية أكبر بشكل محتمل.» [30] هذا يعني أن كل اقتصاد بقدرة تحمل مخاطر أعلى يمتلك قدرة إنتاجية أعلى، لأن صاحب العمل، كما قلنا، يتجلى أولاً وقبل كل شيء في تحمل المخاطر.

وبالنظر إلى التعريفات التي قُدمت للدورين «صاحب العمل» و«الممول»، فإن الخلط واعتبار هذين الدورين متطابقين هو أيضًا مخالف للبحث. فهذان الدوران يعملان في مجالين مختلفين، وبعبارة أخرى «يمسكان طرفي العمل المختلفين». إن استخدامنا في المبحث السابق لمصطلح «الممول» بدلًا من المصطلح الشائع «المستثمر» كان لتجنب الخلط بين دور صاحب العمل ودور الممول. والهدف من هذا المبحث هو التفريق الدقيق بين الأدوار.

يؤكد شومبيتر:

«المبتكر[31] يختلف عن صاحب المال، لأن الأخير هو مالك المال، أما الأول فيجب أن يقنعه بأنه إذا اقترض ماله لتمويل الابتكار، فلن يُسترد فقط رأس المال، بل سيحصل أيضًا على عائد خاص على شكل فائدة.» [32]

حتى الآن، خلاصة النقاش هي أنه في كل عملية إنتاجية، وجود ثلاثة أدوار بشرية «العامل»، «الممول» و«صاحب العمل» أمر ضروري. الاقتصاديون عادةً ما يتساهلون في تقديم التعريفات وشرح المهام لكل من هذه الأدوار الثلاثة؛ فمثلاً في تعريف وتحديد مهام صاحب العمل، نسبوا إليه بعض مهام الدورين الآخرين. ولكن بالتعمق في طبيعة كل دور، وخاصة بدراسة العلاقات والأدوار الموجودة في التكتلات والشركات المعقدة اليوم، التي لا يلعب مساهموها عمليًا أي دور في إدارة الشركة، يمكن تنقية وتصفية دور صاحب العمل ورؤيته في إطار مهمته الحقيقية والأصلية – وهي تحمل المخاطر.

يتبع…

[1] للاطلاع على بعض هذه التأملات يمكن الرجوع إلى المصادر التالية: محمدهادي معرفت، مقابلة مع صحيفة قدس؛ محمد واعظ‌زاده خراساني، «مجموعة مقالات فارسية لأول مؤتمر لدراسات الاقتصاد الإسلامي» (بنیاد پژوهش‌های اسلامی، ۱۳۷۵)، الصفحات ١١٧؛ علي‌أكبر مدني، «نقلًا عن: دراسة وتقييم المصرفية بدون ربا في إيران»، مشروع نفذه السيد سيدحسين ميرجليلي وزملاؤه (وزارت امور اقتصادی و دارایی، ۱۳۷۴)، الصفحات ١٥٩؛ أكبر طاهري، «مسألة الربا والمصرف» (انتشارات قلم، ۱۳۵۴)؛ مهدي بازرگان، نقلًا عن: الشهيد مطهري، «الربا، المصرف، التأمين» (ط.١: انتشارات صدرا، ۱۳۶۴).

[2] الإمام الخميني، الرسالة العملية، المسألة ٢٢٨٣.

[3] غلامرضا رضواني، مقابلة بتاريخ 15/6/72 نشرتها إدارة الشؤون الثقافية والعلاقات العامة للبنك المركزي لجمهورية إيران الإسلامية.

[4] علي أكبر هاشمي رفسنجاني، مجلة تازه‌هاي اقتصاد، شهر مهر 1374، ص 6.

[5] علي فرهندي، رئيس معهد المصرفية الإسلامية في مجموعة القوانين واللوائح المصرفية.

[6] أحمد آذري قمي، «رسالة مفتوحة إلى محسن عادلي، رئيس البنك المركزي الإيراني آنذاك»، نور العلم.

[7] غلامرضا مصباحي، بعض مشاكل المصرفية بدون ربا، (مكتب التعاون بين الحوزة والجامعة).

[8] محمد واعظ زاده خراساني، مجموعة مقالات فارسية لأول مؤتمر لدراسات الاقتصاد الإسلامي، ج 3، ص 120.

[9] سيد حسين مير جليلي وزملاؤه، دراسة وتقييم المصرفية بدون ربا في إيران، (پروژه اجرا شده در وزارت امور اقتصادی و دارائی، 1372).

[10] هذا الجزء من المقالة، نظرًا لاحتوائه على طرق واستدلالات رياضية، سيُقدم بشكل مختصر تمامًا.

[11] منوچهر فرهنگ، قاموس العلوم الاقتصادية، (ط. ششم:نشر نو، 1369)، ص 1100.

[12] k. J. Arrow,Essays in the Theory of Risk Bearing,first edition,1974,p. 91.

[13] Research and Development.

[14] Invention

[15] Innovation

[16] David Begg and Stanly Fischer, Economics,الطبعة الثالثة edition,1990,London,p. 549.

[17] تجنب استعمال كلمة «المستثمر» واستبدالها بـ«مموّل التكاليف» هو لكي نتمكن من التمييز بوضوح بين الأدوار المختلفة الموجودة في عملية الإنتاج.

[18] تم تعداد مهام متعددة لصاحب العمل-Entrepreneur-، ولكن كما سنوضح، فإن مهمته الأساسية الوحيدة هي تحمل المخاطرة.

[19] William p. Albrcht Jr. ,Economics,3th edition,p. 635.

[20] . David W. Pearce,Macmillan Dictionary of Modern Economics,the Macmillan Press,1985,p. 130.

[21] Donald W. Moffat,Economics Dictionary,second edition,Oxford,1984,p. 101.

[22] نفس المصدر، ص 116.

[23] منوچهر فرهنگ، قاموس العلوم الاقتصادية، ص 420.

[24] نفس المصدر، ص 383.

[25] دونالد موفت، قاموس الاقتصاد، ص 101.

[26] منوچهر فرهنگ، قاموس العلوم الاقتصادية، ص 383.

[27] نفس المصدر.

[28] Macmilan Dictionary of Modern Economics,p. 130.

[29] Coase. The Nature of the Firm,1973.

[30] دونالد موفت، قاموس الاقتصاد، ص 101.

[31] المقصود هو صاحب العمل (Entrepreneur).

[32] فريدون تفضلي، تاريخ الأفكار الاقتصادية من أفلاطون حتى العصر المعاصر (نشر‌ نی‌، 1372‌)، ص 397.