دور الزمن والمكان في الاجتهاد من منظور الشهيد صدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: نقش زمان و مکان در اجتهاد از دیدگاه شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: دور الزمن والمكان في الاجتهاد من منظور الشهيد صدر، ليس بمعنى تأثير الطبيعة الفيزيائية للزمان والمكان، بل بمعنى تأثير «الأوضاع والظروف» المتغيرة على تحديد موضوعات الأحكام الشرعية. في هذا المنهج، يؤدي التغير في مكونات مثل «العرف»، «مستوى المعيشة» و«المصالح والمفاسد» إلى تحول في الموضوع وبالتالي تغير الحكم. يؤكد الشهيد صدر في مؤلفاته (مثل الفتاوى الواضحة و اقتصادنا) أنه رغم ثبات الأحكام الشرعية في مقام التشريع، فإن طريقة الاستجابة وتطبيقها في سياقات زمانية ومكانية مختلفة تكون مرنة.

المؤلف: محمود زمانی

المصدر: نقد و نظر، شتاء 1374، العدد 5، ص 222 إلى 247.

تحليل الكلمات

قبل الدخول في النقاش، من الضروري توضيح المقصود من الكلمات التي وردت في عنوان البحث. من الواضح أنه عندما يُذكر دور الزمن والمكان في الاجتهاد، المقصود ليس الزمن والمكان بحد ذاتهما؛ لأن الزمن والمكان لا يؤثران في الحكم الشرعي، وتغيرهما لا يؤدي إلى تغير الحكم الشرعي؛ بل المقصود هو الأوضاع والظروف التي تظهر في زمان أو مكان معين، والتي تحدد الحكم وموضوع الحكم الشرعي، وتغيرها يؤدي إلى تغير الحكم وموضوعه. لذلك، إذا ذُكر الزمن والمكان، فذلك للإشارة إلى الأوضاع والظروف التي تقع في ذلك الزمن والمكان، حيث إن الزمن والمكان هما الإطار الوجودي لها.

بعد أن اتضح أن المقصود بالزمن والمكان هو الأوضاع والظروف الواقعة فيهما، من المناسب أن نبحث عن أي مكونات من هذه الأوضاع والظروف الموجودة في الزمن والمكان تؤدي إلى تغير الحكم الشرعي. هنا نشير إلى بعض هذه المكونات.

1- العرف

أحد المكونات التي يؤدي تغيرها إلى تغير الحكم الشرعي هو عرف المجتمع (ما اعتاد عليه المجتمع). موضوع بعض الأحكام الشرعية عناوين تحدد مصاديقها بناءً على العرف. لذلك، يؤدي تغير الأعراف في المجتمع إلى تغير الحكم الشرعي. قد يكون أمر ما مقبولاً في عرف مجتمع معين، لكنه غير مقبول في مجتمع آخر. أو قد يكون أمر ما في مجتمع واحد في زمن معين من الأمور المتعارف عليها، لكنه لا يكون كذلك في زمن آخر. على سبيل المثال، الشرط الضمني (الشرط الموجود ضمن العقد، رغم عدم التصريح به) من الشروط التي يجب الالتزام بها. لكن تحديد ماهية الشرط الضمني مرتبط برأي العرف. ومن الواضح أن العرف لا يبقى دائماً ثابتاً. في كتابه القيم الفتاوى الواضحة، بعد ذكر ضرورة مراجعة الرسائل العملية بعد فترة، يذكر الشهيد صدر أحد الأسباب التي تفسر ذلك وهو تغير العرف. يقول: (الشرط الضمني حسب تعبير الفقهاء لازم التنفيذ ونافذ، وهو كل شرط يدل عليه العرف العام، حتى وإن لم يُصرح به في العقد. لكن نوع هذه الشروط يختلف لأن العرف هو الذي يحددها، فغالباً ما يكون أمراً ما شرطاً ضمنياً في عصر ما، لكنه ليس كذلك في عصر آخر[1].) لذلك يمكن القول إن أعراف المجتمع هي من المكونات التي يؤدي تغيرها إلى تغير الحكم الشرعي.

2- مستوى المعيشة العامة

مكون آخر يؤدي تغيره إلى تغير الأوضاع والظروف وبالتالي إلى تغير الحكم الشرعي هو مستوى المعيشة العامة. قد يتغير مستوى المعيشة العامة لأفراد مجتمع ما في أزمنة مختلفة أو بين مجتمعين في زمن واحد. من الطبيعي أنه إذا كان موضوع حكم شرعي مرتبطاً بمستوى المعيشة العامة للمجتمع، فإن تغير مستوى المعيشة يؤدي إلى تغير ذلك الحكم الشرعي. في كتابه اقتصادنا[2]، وبعد نقل بعض الروايات في باب صرف الزكاة، يستنتج الشهيد صدر: من هذه الروايات يُستفاد أن الفقير هو من يكون مستوى معيشته أدنى من مستوى المعيشة العامة للناس، وهذا يختلف في أزمنة مختلفة. قد يُعتبر شخص فقيراً في زمن أو مجتمع معين، لكنه لا يُعتبر فقيراً في زمن أو مجتمع آخر. هذا الاختلاف يؤثر في تطبيق حكم وجوب دفع الزكاة للفقراء. الأشخاص الذين كان مستوى معيشتهم في الماضي مساويًا لمستوى معيشة بقية أفراد المجتمع، قد يكونون نتيجة لتقدم مستوى المعيشة

يُعتبر الفقراء عمومًا ممن توقف مستوى حياتهم عند حد الفقر، ويُعدّون من مصارف الزكاة. ولهذا يجب دفع الزكاة لهم، حتى ينضموا، كما في الروايات، إلى عموم الناس؛ وهذا في حين أن الحكم على هذه الفئة لم يكن يُطبق في السابق. لذلك، فإن اختلاف مستوى المعيشة يؤدي إلى تغير تطبيق الحكم الشرعي للزكاة. ومن بين هذين الأمرين، يُعدّ أحد العوامل التي يؤدي تغيرها إلى تغير الأحوال وبالتالي تغير تطبيق الحكم الشرعي هو مستوى المعيشة العامة.

3- تقدم العلم والتكنولوجيا

كان الإنسان في بداية حياته يعيش حياة بسيطة، لكنه تدريجيًا، من خلال التعرف على الطبيعة وفهم أسرارها، استطاع تلبية احتياجاته بطريقة أسهل، وبمساعدة العلم والصناعة تمكن من السيطرة على الطبيعة واستخدامها لخدمته. كما أن تقدم العلم والصناعة أثر على علاقة الإنسان بالطبيعة واستخدامها، فقد كان له أيضًا تأثير على العلاقات بين البشر. ولهذا، فإن تنظيم هذه العلاقات يحتاج إلى ضوابط جديدة، مما يؤدي إلى مراجعة بعض الأحكام الشرعية التي تنظم علاقات الإنسان مع الإنسان وعلاقته بالطبيعة. على سبيل المثال، يشير الشهيد صدر في كتاب اقتصادنا[3] إلى مضمون روايات تدل على أن من عمل في أرض وأحيها فهو أحق بها من غيره[4]، ويقول: هذا الحكم صدر في عصر كانت قدرة الإنسان على زراعة الأرض محدودة. فالمزارع مهما بذل من جهد لم يكن يستطيع أن يزرع أكثر من حد معين من الأرض، ولذلك لم يكن هناك إزعاج للآخرين؛ ولكن في العصر الحاضر، حيث يمتلك المزارع أدوات زراعية ضخمة، إذا نُفذ الحكم بنفس الصياغة، فإن النظام والعدالة الاجتماعية ستتعرضان للخطر. ومن هنا يمكن القول إن حكم الإباحة الذي تدل عليه الرواية كان خاصًا بعصر معين، وفي العصور الأخرى يعود الأمر إلى تقدير ولي أمر المسلمين.

لذلك، فإن أحد عوامل الأحوال التي يؤدي تغيرها إلى تغير الحكم الشرعي هو مستوى العلم والتكنولوجيا في المجتمع.

4- المصالح والمفاسد

الأمور التي تصب في مصلحة وصلاح المجتمع ليست دائمًا ثابتة. فقد يكون أمر ما في فترة معينة لمصلحة المجتمع، وفي فترة أخرى لا يكون كذلك، أو قد يكون لمصلحة مجتمع معين ولا يصب في مصلحة مجتمع آخر. ولهذا، فإن الذين أوكل إليهم حفظ مصالح المجتمع يحددون في زمنين أو في مجتمعين حكمًا مختلفًا للحفاظ على مصالح ومنافع المجتمع العامة.

في رواية عن الإمام الصادق(ع) ورد أنه قال: (قضى رسول الله(ص) بين أهل المدينة في مشارب النخل أنه لا يمنع نفع الشيء، وقضى بين أهل البادية أنه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كله، وقال: لا ضرر ولا ضرار[5]5)، وهذا يوضح هذه النقطة. كما يذكر الشهيد[6]، لأن مجتمع المدينة كان بحاجة ماسة إلى نمو وتطوير الزراعة والرعي، أصدر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحكم. لذلك، فإن المصلحة والمفسدة في المجتمع هما عاملان آخران يؤدي تغيرهما إلى تغير الحكم الشرعي.

مراحل الاجتهاد المختلفة ودور الزمان والمكان

بعد أن اتضح أن المراد من الاجتهاد هو استنباط الحكم الشرعي وأن هذين المصطلحين مترادفان، ونظرًا لأن استنباط الحكم الشرعي له مراحل، يطرح السؤال: في أي مرحلة من هذه المراحل يلعب الزمان والمكان دورًا مهمًا في استنباط الحكم الشرعي؟ إن طرح هذه المسألة لا يزيل الغموض والإبهام عن عنوان البحث فحسب، بل يساعد أيضًا في تنقيح وتبيين موضع النزاع.

يمكن تقسيم المراحل التي يجب على الفقيه أن يمر بها للوصول إلى الحكم الشرعي إلى ثلاث مراحل، وهي على النحو التالي:

المرحلة الأولى: إعداد العناصر المشتركة

في هذه المرحلة، يسعى المجتهد إلى إعداد القواعد العامة التي تشكل في الحقيقة الكبرى للقياس في استنباط الحكم الشرعي. أو كما يعبّر الشهيد صدر، في هذه المرحلة يكون الفقيه في محاولة للوصول إلى العناصر المشتركة للاستنباط، بحيث عندما تُضاف إليها العناصر الخاصة، يحصل على الحجة على الحكم الشرعي. والعلم الذي يدرس هذه المرحلة يُسمى علم أصول الفقه. ولهذا يعرف الشهيد هذا العلم بأنه:

(العلم المتعلق بالعناصر المشتركة في استنباط الحكم الشرعي)[7].

المرحلة الثانية: تطبيق العناصر المشتركة

في هذه المرحلة، يبحث الفقيه عن الحالات والعناصر الخاصة ويطبق هذه القواعد العامة على مصاديقها. وبعبارة أخرى، الصغرى في القياس تشكل الحجة على الحكم الشرعي.

المرحلة الثالثة: تطبيق الحكم الشرعي

في هذه المرحلة، يأخذ الفقيه في الاعتبار الأحوال والظروف والمصالح العامة للمجتمع ليطبق نتيجة القياس على الحالات الخاصة ومصاديقها. وبعبارة أخرى، في هذه المرحلة يقوم الفقيه بتطبيق وتنفيذ الحجة الشرعية التي حصل عليها على الحالات الخاصة. والعلم الذي يختص بالمرحلتين الأخيرتين يُسمى علم الفقه.

والآن مع مراعاة المراحل الثلاثة المذكورة، انظر إلى هذا المثال: في القاعدة من القواعد العامة والعناصر المشتركة التي تُطرح في علم الأصول، هناك حجية الخبر الواحد وحجية الظهور، وهما لا يختصان بخبر واحد خاص أو ظهور خاص. يسعى الفقيه في المرحلة الأولى إلى إثبات حجية هذين الأمرين. وبعد إثبات حجية الخبر الواحد وحجية الظهور، يدخل في المرحلة الثانية ويصل إلى رواية صحيحة لمحمد بن مسلم عن الإمام الصادق(ع) حيث يقول الإمام: (أيما قوم أحيا شيئاً من الأرض وعمروها فهم أحق بها وهي لهم). بعد دراسة السند ووجهه، وبما أن الخبر واحد، فإنه يصبح صغرى القاعدة العامة لحجية الخبر، وبما أنه يحمل ظهوراً، فإنه يصبح صغرى القاعدة العامة لحجية الظهور. ونتيجة لذلك يُقبل كحجة من حجج الشرع عند الفقيه. بعد هذه المرحلة يدخل في المرحلة الثالثة ويتناول تطبيق ذلك على الحالة الخاصة في زمانه. في هذه المرحلة يقارن الفقيه أوضاع وظروف زمن صدور النص مع أوضاع وظروف زمانه، فيلاحظ أنه في زمن صدور النص، حيث كان الفلاح يمتلك أدوات زراعية محدودة، مهما بذل جهداً لم يكن يستطيع أن يزرع أكثر من مساحة محدودة من الأرض، وبالتالي لم يكن هناك أي إزعاج للآخرين؛ أما اليوم، فيمكن للفلاح بمساعدة أدوات وآلات زراعية ضخمة أن يزرع مئات الهكتارات من الأرض، بالإضافة إلى الكمية التي يحتاجها، وهذا يشكل خطراً يهدد النظام والعدالة الاجتماعية. لذلك لا يستطيع الفقيه الاكتفاء بظاهر النص وتجاهل أوضاع وظروف الزمان والمصالح الاجتماعية، ولا يصدر فتوى بجواز إحياء الأرض بأي مقدار، بل يشترط ذلك على رأي ولي الأمر والدولة الإسلامية.

وبالنظر إلى المثال المذكور، يتضح أن الذين يدعون أن الزمان والمكان يؤثران في استنباط الحكم الشرعي، فإن مرادهم من تأثير الزمان والمكان هو التأثير في المرحلة الثالثة من المراحل الثلاثة المذكورة لاستنباط الحكم الشرعي. أما في المرحلة الأولى، فلا يلعب الزمان والمكان أي دور، لأن القواعد العامة التي يسعى الفقيه إلى الوصول إليها لا تختص بزمن أو مكان معين؛ وكذلك المرحلة الثانية التي هي تطبيق القواعد العامة على مصاديقها، لا تتأثر بالظروف والأحداث الخارجية، بل في المرحلة الثالثة يجب على الفقيه أن يأخذ في الاعتبار مقتضيات الزمان والمكان ويستنبط الحكم الشرعي. يشير الشهيد الصدر عند مناقشته لضرورة تغيير الرسائل العملية إلى هذه النقطة:

(على الرغم من أن الأحكام الشرعية أحكام ثابتة، إلا أن تطبيقها يتغير أحياناً نتيجة لتغير الأوضاع والظروف من عصر إلى آخر. لذلك من الضروري أن تراعي الرسائل العملية هذه التغيرات الكثيرة التي تحدث في كثير من الأوضاع والظروف عند تشخيص الحكم الشرعي)[8].

وبالطبع يجب أن نضيف أن دور الزمان والمكان في الاجتهاد عند المؤمنين به لا يقتصر على تطبيق الحكم الشرعي على مصداقه فقط، بل بالإضافة إلى ذلك، فإن الزمان والمكان يؤثران أيضاً في وضع وتحديد الحكم الشرعي.

نقطة الخلاف في الأقوال

قبل الدخول في دراسة الأقوال والأدلة المتعلقة بالمسألة، من الأفضل توضيح موضع النزاع والخلاف في النظريات. رغم أن النقاش السابق قد أوضح إلى حد ما موضع النزاع، إلا أنه من المناسب أن نتحدث قليلاً أكثر حول ذلك لتتضح آراء الذين يؤمنون بهذا الرأي.

في استنباط الأحكام الشرعية، هناك أمور تشترك فيها: الكتاب والسنة هما مصدران ثمينان لاستنباط الحكم الشرعي. القواعد العامة لأصول الفقه، كما أوضحنا سابقاً، تساعد الفقيه في العثور على الدليل والحجة للأحكام الشرعية، وطريقة استنباط الحكم الشرعي هي تطبيق القواعد العامة الأصولية على الحالات والمصاديق، وتتأثر بالظروف والأحداث الخارجية. الزمان والمكان ليسا مصدرين لاستنباط الحكم الشرعي ولا يؤثران في مصادر الحكم الشرعي؛ لأن حتى الذين يرون أن الخطابات القرآنية موجهة للحاضرين في المجلس، لا يختلفون في أن الأحكام الشرعية في الكتاب والسنة مشتركة بين الحاضرين والمعدومين. لذلك، الكتاب والسنة هما مصدران ثابتان لاستنباط الأحكام الشرعية.

في النقاش السابق تبين أن القواعد العامة للأصول أيضاً لا تختص بزمن معين كي تتغير مع مرور الزمن. طريقة استنباط الحكم الشرعي المتبعة في العصر الحاضر وفي العصور الماضية هي نفسها التي كان الأئمة المعصومون يعلمونها لأصحابهم، وإن كانت هذه الطريقة قد تعقدت مع مرور الزمن. لذلك، لا يؤثر الزمان والمكان في أي من الأمور المذكورة، ولا يوجد خلاف بين أصحاب الرأي في ذلك. ما يبقى هو الحكم الشرعي نفسه. في فئة من الأحكام لا خلاف فيها بأنها لا تختص بزمن أو عصر معين ولا تتغير؛ لكن النقاش هو هل تتأثر موضوعات هذه الأحكام بالتغيرات التي تحدث في الزمان والمكان بحيث يتغير تطبيق هذه الأحكام عليها؟ ومن جهة أخرى، هل توجد أحكام في الشريعة يُترك تحديدها لولي الأمر، فيحددها مع مراعاة الأوضاع والظروف والمصالح العامة للمجتمع؟ لذلك، موضع النزاع في نقطتين: الأولى في تطبيق الأحكام الثابتة، والثانية في الأحكام التي يُترك تحديدها لولي الأمر.

الأحكام الثابتة والأحكام المتغيرة

المباحث التي استعرضناها حتى الآن كانت تساعد في توضيح وتصوير موضوع النقاش، وكانت في باب مبادئ تصورية للمسألة. والآن حان الوقت للدخول في جوهر المسألة. لذلك، نبدأ بطرح رأي الشهيد الصدر ثم ننتقل إلى الأدلة التي أقامها.

يستفاد من كلمات الشهيد الصدر أنه يعتقد إجمالاً أن الزمان والمكان لهما دور فعّال في الأحكام الشرعية والنظام الاقتصادي الإسلامي. وليس فقط في تطبيق الأحكام الشرعية يُؤخذ الزمان والمكان بعين الاعتبار، بل في تحديد وتشخيص الأحكام التي جُعل وضعها بيد ولي الأمر يلعب الزمان والمكان دوراً مهماً. يمكن طرح موضوع النقاش بشكل آخر وتحديد رأي الشهيد الصدر، وهو كالتالي: هل الأحكام الشرعية مُخصصة لزمان ومكان معينين بحيث تتغير الأحكام بتغيرهما؟ أم أن بعض الأحكام ثابتة وبعضها متغير؟ الشهيد الصدر يقبل الاحتمال الثالث، ولإثباته يتخذ مرحلتين: المرحلة الأولى إقامة دليل عقلي، بغض النظر عن الأدلة الشرعية والنقلية، والمرحلة الثانية إقامة دليل من النصوص الشرعية والأدلة النقلية. وبعبارة علمية، المرحلة الأولى في مقام الثبوت، والمرحلة الثانية في مقام الإثبات والوقوع.

المرحلة الأولى

الدليل الذي يبنيه في المقام الأول، أي مقام الثبوت، يتألف من ثلاثة مقدمات هي كما يلي:

1- المقدمة الأولى ذكرها الشهيد في كتاب دروس في علم الأصول ضمن تعريف الحكم الشرعي. فهو يعرف الحكم الشرعي بأنه: (حكم شرعي هو قانون صادر من الله لتنظيم وتنسيق حياة الإنسان)[9]. وبالتالي فإن الأحكام الشرعية صُدرت لتنظيم حياة الإنسان.

هذه المقدمة واضحة ولا تحتاج إلى برهان؛ لأنه بالرجوع إلى الأحكام الشرعية، خصوصاً الأحكام الاجتماعية، يتضح هذا الواقع.

2- الحياة الاجتماعية مولودة من الاحتياجات الإنسانية. هذه المقدمة يبرهن عليها الشهيد الصدر كما يلي: (الإنسان خُلق بحيث أن حب الذات (والسعي لتلبية احتياجاته) متأصل في طبيعته. ومن الطبيعي أن يجد نفسه بحاجة ماسة إلى الاستعانة بالآخرين، لأنه لا يستطيع تلبية احتياجاته إلا بالتعاون مع الآخرين. ومن هنا نشأت العلاقات الاجتماعية على أساس هذه الاحتياجات، ومع نمو وتطور هذه الاحتياجات، تطورت العلاقات الاجتماعية. إذن الحياة الاجتماعية للإنسان هي مولود الاحتياجات الإنسانية)[10].

3- عند دراسة الاحتياجات الإنسانية يتبين أن هناك جانباً ثابتاً وأساسياً من هذه الاحتياجات، وجوانب أخرى غير أساسية ومتغيرة تتغير وتتجدد مع تغير الزمان وتبدل الظروف والأحوال. الاحتياجات الثابتة هي تلك المتعلقة بتركيب الأعضاء والأطراف، وأجهزة الهضم، والتكاثر، وقوة الإدراك والإحساس لدى الإنسان، وكذلك علاقات الإنسان مع الآخرين ومع الله تعالى. أما الاحتياجات المتغيرة فهي التي يواجهها الإنسان تدريجياً في ميدان الحياة، وكلما اكتسب الإنسان تجارب ومعلومات أكثر في الحياة، تنمو هذه الاحتياجات وتتطور. إذن الاحتياجات الأساسية ثابتة، والاحتياجات غير الأساسية متجددة ومتغيرة.

النتيجة التي يستخلصها الشهيد الصدر من هذه المقدمات في بعد النظام الاجتماعي هي كما يلي:

مع أن النتيجة التي يستخلصها الشهيد الصدر من هذه المقدمات تخص الأحكام المتعلقة بالنظام الاجتماعي في الإسلام، إلا أن الاستدلال ينطبق على جميع الأحكام الشرعية؛ كما أنه في كتاب الفتاوى الواضحة[11] يستخدم هذا الاستدلال لإثبات أن نظام العبادات يلبي الاحتياجات الإنسانية الثابتة.

(النظام الاجتماعي، الذي يليق بالإنسانية، لا ينبغي أن يكون متغيرًا ومتقلبًا كليًا لمجرد أنه يصاحب نمو وتطور الحياة الاجتماعية، كما أنه ليس معقولًا أن تُصاغ مبادئ وتفاصيل النظام الاجتماعي في قوالب ثابتة؛ بل من الضروري أن يكون للنظام الاجتماعي جانب أساسي ثابت وجوانب أخرى تسمح بالتحول والتغيير. لأن أساس النظام الاجتماعي، أي الاحتياجات الإنسانية، يحتوي على أجزاء ثابتة وأخرى متغيرة. وكل من هذه الأجزاء ينعكس في النظام الاجتماعي اللائق أيضًا[12]). لذلك، يجب أن تكون الأحكام الشرعية والنظام الاجتماعي الذي وُضع لتلبية الاحتياجات الإنسانية، مثل الاحتياجات الإنسانية، يحتوي على جزء ثابت وأجزاء متغيرة ومتبدلة.

المرحلة الثانية

في المرحلة الأولى ثبت أن الأحكام والنظام الاجتماعي يجب أن يكون لهما جزء ثابت وجزء متغير مثل احتياجات الإنسان. والآن يجب أن نتحقق مما إذا كانت الحقيقة كذلك؛ أي هل الأحكام الشرعية التي أبلغها النبي الأكرم(ص) والأئمة المعصومون(ع) تحتوي على جزأين، ثابت ومتغير؟ إثبات هذا الأمر ضروري؛ لأنه ما لم يؤكد هذا الرأي من خلال النصوص الشرعية، فإن الدليل الذي قدم في المرحلة الأولى لن يؤدي إلى نتيجة. لذلك، بعد تجاوز المرحلة الأولى، يدخل الشهيد الصدر في مرحلة الإثبات والواقع. إن دراسة الأحكام والنظام الاجتماعي في الإسلام تظهر أن ما طلبه الدليل العقلي قد تحقق بالفعل. ولهذا يقول الشهيد الصدر: (تمام آنچه به تأیید دلیل عقلی رساندیم، واقع شده است[13]). أي أن الأحكام الشرعية ليست ثابتة تمامًا، كما أنها ليست متغيرة تمامًا، بل الجزء الذي يشكل الأساس منها هو أحكام ثابتة، والجزء الآخر متغير ومتحرك ومرن تجاه تغير الأوضاع والظروف. الأحكام الثابتة هي في الواقع استجابة للاحتياجات الثابتة للإنسان. مثل ضمان المعيشة، حق الاستفادة من الثروة التي تحققت مقابل العمل والجهد، توفير الشروط اللازمة لبقاء النسل، ضمان الأمن الجسدي والمالي، والاتصال والانتماء إلى الموجود المطلق، وهذه من الاحتياجات الإنسانية الثابتة التي وُضعت الأحكام بناءً عليها مثل أحكام توزيع الثروة، الزواج، الطلاق، حدود القصاص، والنظام العباداتي. مقابل هذه الفئة من الأحكام، هناك فئة أخرى ليست ثابتة ودائمة، بل مجال التغيير مفتوح فيها، وهي الأحكام التي أذن الإسلام للولي الأمر بأن يحددها وفق المصلحة وبمقتضى الأحكام الثابتة. وما يحدد هذه الأحكام للولي الأمر هو الظروف ومتطلبات الزمان والمكان ومصالح المجتمع.

لذا يتضح أن الأحكام والنظام الاجتماعي في الإسلام يحتويان على جزأين، ثابت ومتغير.

دور الزمان والمكان في الأحكام المتغيرة: نطاق الترخيص

قلنا إن الأحكام والنظام الاجتماعي في الإسلام يحتويان على جزأين، ثابت ومتغير. واتضح أن جزء الأحكام المتغيرة هو الجزء الذي أُوكل إلى الولي الأمر ليحدد حكمًا بناءً على مصلحة المجتمع مستلهمًا من الجزء الثابت من الشريعة؛ والآن نتابع المسألة بتفصيل أكبر.

أطلق الشهيد الصدر على هذا الجزء من النظام الاجتماعي، الذي يشكل الأحكام المتغيرة، اسم (نطاق الترخيص). أي نطاق خالٍ من الحكم، وأُعطي الولي الأمر الرخصة فيه ليملأ هذا النطاق مع مراعاة مقتضيات الزمان والمكان وبالنظر إلى مصالح ومنافع المجتمع مستندًا إلى النطاق الثابت. وما يحدد الحكم الذي يملأ به هذا النطاق هو ظروف وأحوال المجتمع التي تفرض حكمًا معينًا في كل زمان. وقد يحدث أن يقتضي زمانان في مجتمع واحد أو مجتمعان في زمان واحد حكمين مختلفين تمامًا. ولهذا يلعب الزمان والمكان دورًا مهمًا في هذا النطاق.

نطاق الترخيص ليس نقصًا

كما قلنا، أطلق الشهيد الصدر على الجزء المتغير من النظام الاجتماعي الإسلامي اسم (نطاق الترخيص) أو النطاق الخالي من الحكم. هذا التعبير عن الخلو من الحكم يثير سؤالًا: كيف يتوافق هذا مع الأخبار التي وردت عن الأئمة الأطهار(ع) التي تقول (لا توجد واقعة خالية من حكم)؟ هل هذا يتعارض مع النص القطعي؟ وبعد هذا السؤال يطرح سؤال آخر: هل خلو نطاق من الحكم يعد نقصًا في الشريعة الإسلامية؟

في الجواب، يجب القول إن المقصود من الخلو ليس الخلو من أي حكم، بل الخلو من الحكم الإلزامي. أي أنه في هذا النطاق لم يصدر من الشارع المقدس حكم إلزامي يُلزم في كل الأزمان، وما صدر هو حكم الإباحة فقط، وإذا ورد حكم إلزامي (حرمة أو وجوب) فهو ليس ثابتًا ودائمًا، بل كان مصلحة الظروف القائمة في ذلك الوقت تقتضي ذلك الحكم. وبعبارة أخرى، كل وقائع حياة الإنسان، كما تدل عليها النصوص المذكورة، لها حكم من الأحكام الخمسة: الوجوب، الحرمة، الاستحباب، الكراهة، والإباحة، ولكن الأمور التي حكمها الإباحة يمكن أن يكون لها حكم ثانوي أيضًا، وهو عندما تقتضي مقتضيات الزمان والمكان حكمًا إلزاميًا آخر. ولهذا يمكن القول إن الأحكام الإلزامية التي تملأ نطاق الترخيص هي أحكام ثانوية. ومن هذا الشرح يتضح جواب السؤال الثاني أيضًا؛ لأنه كما قيل، كل حادثة وواقعة لها حكم أصلي، وبهذا لا توجد واقعة خالية من حكم حتى تُعد نقصًا في الشريعة. الشهيد الصدر في جواب هذا الاعتراض لا يعتبر نطاق الترخيص عيبًا، بل يعتبره كمالًا وميزة تميز الشريعة. ويقول:

(إن نطاق الإعفاء لا يدل على وجود عيب أو نقص في شكل ومضمون الشريعة، ولا على أن بعض الوقائع والأحداث قد تُركت مهملة من قبل الشريعة، بل يدل على شمولية وقدرة الشريعة على مواكبة العصور المختلفة. لأن الشريعة لم تترك نطاق الإعفاء بشكل عشوائي يُعتبر عيبًا أو نقصًا أو إهمالًا، بل حددت الشريعة أحكام نطاق الإعفاء من خلال إعطاء وصف وحكم شرعي أصلي لكل حادثة. وبالطبع مع منح هذه الصلاحية لولي الأمر ليتمكن من إعطاء وصف وحكم شرعي ثانوي وفقًا للظروف المختلفة. على سبيل المثال، فإن زراعة الأرض من الناحية الشرعية أولاً وبالذات عمل مباح، ولكن لولي الأمر الحق في منعه وفقًا للظروف)[14].

لذا فإن وجود نطاق الإعفاء لا يعني خلو الأحداث من أي حكم، ولا يمكن اعتباره عيبًا أو نقصًا في الشريعة، بل هو وجه من وجوه كمال وتميز الشريعة.

تعبئة نطاق الإعفاء على يد النبي (ص)

عندما يُذكر نطاق الإعفاء، يكون ذلك بالنسبة للنصوص الشرعية، وليس بالنسبة للنظام الاجتماعي الذي طبقه النبي الأكرم (ص) في زمانه. بمعنى آخر، إذا ذُكر نطاق الإعفاء في النظام الاجتماعي الإسلامي، فإن المقصود بالنظام الاجتماعي هو النظام الذي ورد في النصوص، وليس ما طبقه النبي الأكرم (ص) في زمانه. لأن النظام الذي طبقه النبي الأكرم (ص) في عصره، قد تم تعبئة نطاق الإعفاء فيه وفقًا لظروف الزمان والمكان في ذلك العصر. ومن ثم فإن الأحكام التي طبقها النبي الأكرم (ص) في عصره، بعضها يتعلق بالأحكام الثانوية ونطاق الإعفاء، وبعضها أحكام شرعية ثابتة تقع خارج نطاق الإعفاء.

والتوضيح أن خاتم الأنبياء (ص)، مثل غيره من الأنبياء، كان له منصبان أو كما عبّر الشهيد صدر، كان له وصفان: أحدهما وصف النبوة والآخر وصف الولاية الأمرية. فبصفته نبيًا، كان يتلقى أحكام الشريعة عن طريق الوحي ويبلغها لأمته. وبصفته ولي أمر، وقد أُسندت إليه الزعامة والولاية الشاملة، أصدر أحكامًا وفقًا للمصالح والمنافع العامة للحفاظ على النظام والعدالة الاجتماعية. ومن هنا، فإن الأحكام التي صدرت عنه في المنصب الأول هي أحكام ثابتة لا تخص زمانًا أو مكانًا معينًا، ويشترك في العمل بها جميع الناس في كل العصور؛ أما الأحكام التي صدرت عنه في المنصب الثاني فهي أحكام اقتضتها ظروف الزمان والمكان في عصره، وتخص ذلك العصر فقط. وقد خلص الشهيد صدر إلى النتيجة التالية ضمن بيانه للنقطة التي ذكرناها أعلاه:

(نوع الأحكام والقوانين التي ملأ بها النبي نطاق الإعفاء في المذهب الاقتصادي ليست من طبيعة الأحكام الدائمة. لأن هذه الأحكام لم تصدر عن النبي بوصفه مبلغًا للأحكام العامة والثابتة، بل صدرت بوصفه الحاكم وولي أمر المسلمين. ومن ثم فإن هذه الأحكام لا تُعتبر جزءًا ثابتًا من المذهب الاقتصادي؛ لكنها تُعتبر إلى حد كبير بمثابة ضوء إرشادي لعملية تعبئة نطاق الإعفاء، ويجب تنفيذها في كل عصر وفقًا للظروف)[15].

وبالتالي يتضح أنه عندما يُذكر نطاق الإعفاء في النظام الاجتماعي، فإن المقصود هو النظام الاجتماعي الذي ورد في النصوص الشرعية، وليس ما طبقه النبي في عصره. كما يتضح أن الأحكام التي ملأ بها النبي نطاق الإعفاء ليست أحكامًا دائمة وثابتة.

حكمة وجود نطاق الإعفاء

في النقاش السابق تبين أن الأحكام التي ملأ بها النبي نطاق الإعفاء ليست أحكامًا ثابتة ودائمة، بل هي أحكام تخص عصره. وقد يُطرح السؤال: لماذا لم يبين النبي كل الأحكام بشكل دائم وثابت لكل العصور، بل أصدر فقط جزءًا منها بهذا الشكل؟ وبعبارة أخرى، ما سر وحكمة ترك جزء من الأحكام وتسليم مصيرها وتقديرها لولي الأمر؟ يجيب الشهيد صدر على هذا السؤال قائلاً: بما أن الشريعة الإسلامية لا تختص بدورة أو عصر معين، بل تشمل جميع العصور، فإن مبادئ التشريع في الحياة الاقتصادية لا تُعرض على شكل أمر مؤقت أو نظام مرحلي يحتاج بعد فترة إلى نظام آخر؛ بل تُعرض في قالب يمكن تطبيقه على جميع العصور. ومن ناحية أخرى، فإن التحولات الاجتماعية وتغير الضوابط الاقتصادية لا تقبل نظامًا جامدًا وثابتًا. لذا يجب أن يكون القالب النظري، مع شمولية لجميع العصور، يعكس تحولات الأزمنة المختلفة من خلال عنصر متحرك داخله. وفي هذه الحالة، يمنح العنصر المتحرك النظام الاقتصادي القوة والصلاحية ليُطبق على جميع العصور. سر وضع نطاق الإعفاء في النظام الاقتصادي والاجتماعي هو تمكينه من مواكبة التحولات والتغيرات التي تحدث في العصور المختلفة.

أهمية نطاق الإعفاء

من المسألة التي طرحناها في النقاش السابق يتضح أهمية نطاق الإعفاء في النظام الاجتماعي الإسلامي. لأن وجود العنصر المتحرك فيه يؤدي إلى شمولية واستيعاب النظام لجميع الدورات والعصور، ويمنح هذا النظام القوة والقدرة على السير مع التحولات المتزايدة والتطور في حياة الإنسان، ويكون قادرًا على مواجهة المشاكل المتزايدة للبشر، وعدم تحويل ظهور الاحتياجات والقضايا الجديدة النظام الاجتماعي إلى نظام قديم ومنقرض. ولهذا يشير الشهيد إلى أهمية نطاق الإعفاء في بناء النظام الاقتصادي، ويقول في مقدمة نقاش نطاق الإعفاء:

(بما أن ذكر نطاق الترخيص ظهر في النظام الاقتصادي، فمن الضروري أن نولي هذا الترخيص أهمية كبيرة في اكتشاف المدرسة الاقتصادية؛ لأنه يشكل جزءًا من المدرسة الاقتصادية. المدرسة الاقتصادية الإسلامية تتألف من قسمين: أحدهما محدد من قبل الإسلام بشكل قطعي، لا يقبل التغيير أو التحول، والقسم الآخر يشكل نطاق الترخيص في المدرسة، حيث كلف الإسلام الدولة أو ولي الأمر بمهمة ملء هذا النطاق وفقًا لمتطلبات الأهداف العامة للاقتصاد الإسلامي وظروفه في كل زمان)[16].

وفي موضع آخر يقول:

(عندما نهمل نطاق الترخيص ودوره المهم، فإن ذلك يعني تفكيك وتجزئة قدرات الاقتصاد الإسلامي والتركيز على العناصر الثابتة والساكنة فيه دون النظر إلى العناصر المتحركة)[17].

لذا فإن نطاق الترخيص في النظام الاجتماعي الإسلامي وخاصة في نظامه الاقتصادي له أهمية كبيرة.

دور ولي الأمر في نطاق الترخيص

من المناقشات السابقة تبين أن نطاق الترخيص في كل فترة يُملأ وفقًا لمقتضيات الزمان والمكان بحكم يحفظ مصالح العامة. كما تبين أن النبي الأكرم (ص) قد ملأ هذا النطاق بأحكام تتناسب مع ظروف عصره، لكنها ليست أحكامًا دائمة وثابتة يجب تنفيذها في كل العصور، بل هي أحكام مؤقتة تتغير بتغير تلك الظروف.

والآن يجب أن نبحث من هم المرجع بعده في ملء هذا النطاق. ذُكر في المناقشات السابقة أن هذه المهمة مُوكلة إلى ولي الأمر، والمثال الحقيقي والبارز لذلك هو النبي نفسه ومن بعده الأئمة الأطهار عليهم السلام. وفي زمن الغيبة هناك فقهاء تتوفر فيهم الشروط التي وردت في الأحاديث. لا شك في أن الأئمة الأطهار لهم هذا الحق، أما في زمن الغيبة فإن إسناد هذه المسؤولية إلى الفقهاء محل نقاش ويتطلب إثباتًا ودليلًا. لذلك أقام الشهيد الصدر دليلين على هذا الأمر: أحدهما عقلي والآخر نقلي.

الدليل العقلي[18]: هذا الدليل يتألف من ثلاثة مقدمات، وهي كما يلي:

1 النظام الاقتصادي الإسلامي قائم على العدالة الاجتماعية.

هذه المقدمة واضحة؛ لأن الآيات والأحاديث التي تدعو الناس إلى العدالة كثيرة.

2- مقتضى العدالة الاجتماعية يختلف باختلاف الظروف الاقتصادية. قد يكون عمل ما في فترة معينة مفيدًا وصالحًا للمجتمع، لكنه قد لا يكون كذلك في فترة أخرى. لذلك لا يمكن صياغة تفاصيل النظام الاقتصادي بأحكام ثابتة. في المناقشات السابقة أشرنا إلى مثال من عصر النبي حيث كانت أدوات الزراعة محدودة الاستخدام، ولم يكن بإمكان الفلاح أن يزرع أكثر من ما يلبي حاجاته، فكان إحياء الأرض مباحًا ولم يُذكر له حد، أما في العصر الحاضر، نظرًا لتقدم الصناعات الزراعية، إذا أُبيح إحياء الأرض بنفس الشكل لكل فرد، فإن النظام والعدالة الاجتماعية ستنهاران. لذا فإن مقتضى العدالة الاجتماعية في كل زمان يختلف عن زمان آخر.

3- الطريق الوحيد هو أن تُسند حماية العدالة الاجتماعية والمصالح العامة إلى ولي الأمر. لأن الطريق الآخر الذي يُراد به تحقيق الهدف هو أن تُلقى هذه المسؤولية على عاتق جميع أفراد المجتمع، ويكون الجميع ملزمين بالسير في سبيل إقامة النظام والعدالة الاجتماعية. ولكن هذا، رغم ضرورته، غير كافٍ، لأن إسناد إقامة العدالة الاجتماعية إلى أفراد المجتمع سيؤدي إلى نتائج عكسية ويؤدي إلى اضطراب النظام. لذلك الطريق الوحيد هو أن تُسند هذه المهمة إلى ولي الأمر. والنتيجة هي أن وجود ولي الأمر لملء نطاق الترخيص في سبيل حفظ العدالة الاجتماعية وفق مقتضيات الزمان والمكان أمر ضروري.

الدليل النقلي: النص الذي استدل به الشهيد الصدر هو الآية الكريمة (یا‌ ایها الذین آمنوا‌ اطیعواالله‌ واطیعوا الرسول واولی الامر‌ منکم‌[19]). وفي تقريب استدلاله بهذه الآية المباركة يقول:

(هذا النص يدل بوضوح على وجوب الطاعة لولاة الأمور. ولا يوجد خلاف بين المسلمين في أن ولاة الأمور هم الجماعة الذين لهم سلطة شرعية في المجتمع الإسلامي، رغم وجود اختلاف في تحديد شروط وصفات هؤلاء الولاة. لذا فإن هذا الحق للسلطات الإسلامية العليا لكي يطيعهم الآخرون، وهم يتدخلون في شؤون المجتمع لحمايته وإقامة التوازن الإسلامي فيه)[20].

ولكن كما ذُكر سابقًا، الأحكام الثابتة لا تختص بزمن أو مكان معين، لذلك لا تنتهي مدة تنفيذها بزوال عصر النبوة، أما الأحكام المتغيرة من الفئة الثانية فتنتهي مدة تنفيذها بزوال عصر النبوة وتغير الظروف. لذا من الضروري مع تغير الأحوال والظروف بعد غروب شمس النبوة أن تُصدر أحكام جديدة تتناسب مع ظروف الزمان. ولهذا تبيّن الآية الكريمة مرجعًا لإصدار هذه الأحكام، وذكرت الطاعة بعد طاعة النبي طاعة ولي الأمر.

مدى ولاية ولي الأمر

في المناقشة السابقة ثبت أن مهمة ملء نطاق الترخيص مُوكلة إلى ولي الأمر. والآن يجب تحديد حد هذا النطاق، ليُتبع ذلك تحديد مدى إصدار الأحكام الإلزامية من قبل ولي الأمر.

في أحد المناقشات السابقة تبيّن أن نطاق الترخيص ليس خاليًا من أي حكم، بل له حكم أصلي بالإباحة، وقابل لقبول حكم إلزامي ثانوي. والنتيجة التي تُستخلص من ذلك هي أن نطاق الترخيص يشمل الأمور التي حكمها الأولي هو الإباحة، والأمور التي حكمها الأولي أحد الأحكام الأربعة غير الإباحة، فهي خارج نطاق الترخيص. ونتيجة لذلك، فإن حدود صلاحيات ولي الأمر هي أيضًا الأمور التي أحكامها الأولية إباحة، والأمور التي أحكامها الأولية غير الإباحة فهي خارج هذا النطاق. ومن هنا، بعد الاستدلال بالآية الكريمة التي ذُكرت في النقاش السابق، يضيف الشهيد الصدر:

(في ظل هذا النص تتحدد حدود نطاق الترخيص، الذي يتسع لصلاحيات ولاة الأمور، بحيث يشمل كل عمل يكون أولًا وبالذات مباحًا شرعًا. فكل نشاط وعمل لا يدل النص الشرعي على تحريمه أو وجوبه أو غير ذلك، يجوز لولي الأمر أن يمنحه صفة ثانوية (فيمنعه أو يأمر به). فإذا منع الإمام عملًا كان أولًا وبالذات مباحًا، يصبح ذلك العمل حرامًا، وإذا أمر به، يصبح واجبًا. كما أنه لا يمكن أن يمنع عملًا فرضه الشرع، مثل نفقة الزوجة على الزوج. لأن اتباع ولاة الأمور واجب في نطاق لا يتعارض مع طاعة الله وأحكامه العامة. إذًا، فإن أنواع النشاطات التي تكون في الحياة الاقتصادية أولًا وبالذات مباحة تشكل نطاق الترخيص)[21].

لذا، لا يمكن لولي الأمر أن يمارس صلاحياته إلا في الأمور التي حكمها الأولي الإباحة. أما الأمور التي حكمها الأولي الوجوب أو الحرمة أو حتى الكراهة أو الاستحباب، أو التي أُباحت بسبب الضرورة، فهي خارج حدود صلاحيات ولي الأمر.

نماذج من تطبيق صلاحيات ولي الأمر

كما تبيّن في المناقشات السابقة، فإن النبي الأكرم(ص) بالإضافة إلى تبليغ الأحكام الثابتة التي أوحى بها إليه، أصدر أحكامًا في نطاق الترخيص تتناسب مع زمانه للحفاظ على النظام والعدل الاجتماعي. وبعده، أئمة الأطهار(ع) أيضًا بيّنوا أحكامًا إلزامية في نطاق الترخيص تتناسب مع زمانهم، ولكن بما أن زعامة شؤون المجتمع انتُزعت منهم، لم تتوفر الظروف لتحقيق صلاحياتهم. ولهذا السبب، نادرًا ما نجد في أحاديثهم أحكامًا في هذا المجال.

بعد الاستدلال بالآية الكريمة، يذكر الشهيد الصدر عدة نماذج من النصوص التي مارس فيها ولي الأمر صلاحياته. هذه النماذج، بحسب تعبير الشهيد الصدر، توضح طبيعة ونوعية نطاق الترخيص، وكذلك دوره المهم في تنظيم الحياة الاقتصادية. ويذكر أربعة نصوص كنماذج، وسنورد هذه النصوص مع شرحاته، رغم أن بعضها ذُكر في المناقشات السابقة.

(أ) ورد في النصوص أن النبي(ص) نهى عن منع الآخرين من الماء والعلوفة الزائدة عن الحاجة. عن الإمام الصادق(ع) نقل أنه قال: (قضى رسول الله بين أهل المدينة في مشارب النخل أنه لا يمنع فضل ماء وكلاء)[22].

هذا النهي، كما يقتضي اللفظ عرفًا، هو نهي تحريمي. وعندما نجمع هذا النهي مع رأي جمهور الفقهاء الذين يرون أن منع الآخرين من الماء والعلوفة التي يملكها الإنسان والتي تزيد عن حاجته، ليس من المحرمات الكبرى مثل الامتناع عن نفقة الزوجة أو شرب الخمر، فإن ذلك يتيح لنا استنتاج أن هذا النهي صدر بوصفه ولي أمر. ومن ثم، فهو يمنع ممارسة صلاحيات النبي في توسيع نطاق الترخيص وفق مقتضيات الزمان والمكان. لأن مجتمع المدينة كان بحاجة ماسة إلى نمو ثروات المنتجات الزراعية وتربية المواشي، وألزمت الدولة أفراد المجتمع بوضع الماء والعلوفة الزائدة عن الحاجة تحت تصرف الآخرين.

نلاحظ أن وضع الماء والنبات الزائد عن الحاجة تحت تصرف الآخرين هو عمل أولًا وبالذات مباح، لكن الدولة جعلته واجبًا لتحقيق مصلحة المجتمع.

(ب) ورد عن النبي(ص) أنه نهى عن شراء وبيع الثمار قبل نضجها: (سُئل عن رجل يشتري الثمرة المسماة من الأرض، فتهلك ثمرة تلك الأرض كلها؟ فقال: (قداختصوا فی ذلک‌ البیع‌ حتی تبلغ الثمرة، ولم یحرّمه، ولکنه‌ فعل‌ ذلک من اجل‌ خصومتهم[23]‌). وفي حديث آخر: إن رسول الله أحل ذلك فاختلقوا، فقال: لا تباع الثمرة حتى يظهر صلاحها)[24].

فشراء وبيع الثمرة قبل وقت قطفها هو عمل أولًا وبالذات مباح، والشرع الإسلامي أباحه عمومًا، لكن النبي(ص) نهى عنه بوصفه ولي أمر لمنع المفاسد والنزاعات التي قد تنشأ.

(ج) نقل الترمذي عن رافع بن خديج قوله: (نهانا رسول الله(ص) عن أمر كان لنا نافعًا، إذا كانت لأحدنا أرض أن يعطيها ببعض خراجها أو بالدرهم، وقال: إذا كانت لأحدكم أرض فليمنحها أخاه أو ليزرعها)[25].

عندما نجمع بين قصة هذا النهي واتفاق الفقهاء على عدم حرمة تأجير الأرض عمومًا، ونضيف إليها النصوص العديدة التي وردت عن الصحابة والتي تدل على جواز تأجير الأرض… نحصل على تفسير محدد للنص الوارد في خبر رافع بن خديج، وهو أن النهي صدر عن النبي بوصفه ولي أمر، وليس حكمًا شرعيًا عامًا.

لذلك، بما أن تأجير الأرض هو عمل أولًا وبالذات مباح، فإن النبي(ص) بوصفه ولي أمر يمكنه تحريمه وفق مقتضيات خاصة.

خلال فترة ولاية الإمام (عليه السلام) صدرت تعليمات صارمة إلى مالك الأشتر تتوافق مع مقتضيات العدالة للحد من الأسعار. يتحدث الإمام إلى واليه عن التجار ويوصيهم به، ثم يقول: (واعلم مع ذلك أن في كثير منهم ضيقاً فاحشاً وشحّاً فبيحاً واحتكاراً للمنافع وتحكماً في البيعات وذلك باب مضرة للعامة وعيب على الولاة فامنع في الاحتكار، فإن رسول الله (ص) منع منه، ولكن البيع بيعاً سماً بموازين عدل وأسعار لا تجحف بالفريقين في البائع والمبتاع)[26].

من الناحية الفقهية، يجوز للبائع أن يبيع بضاعته بأي سعر يشاء، ولا تحرم الشريعة البيع بسعر مرتفع ولا تنهى عنه بشكل عام. لذا فإن أمر الإمام بتحديد الأسعار ومنع التجار من البيع بأسعار مرتفعة صادر عنه بصفته ولي الأمر. فالأمر الإمامي هو تنفيذ لصلاحياته في توسيع مجال الترخيص لتوفيق الأحكام مع مقتضيات العدالة الاجتماعية التي تشكل أساس الأحكام الإسلامية)[27].

الاحتياجات الثابتة

من المناقشات السابقة يتضح أن الزمان والمكان كعاملين محددين يلعبان دوراً مهماً في الأحكام التي تشكل مجال الترخيص. في الواقع، تحديد وتمييز الأحكام المتغيرة والمتحركة في النظام الاجتماعي الإسلامي يعتمد على عنصرين مهمين هما الزمان والمكان. والآن يجب أن نتناول دور هذين العنصرين في جانب مهم آخر من الشريعة، وهو الأحكام الثابتة. قبل الدخول في هذا النقاش، من الضروري الرد على اعتراض مهم. فقد تبين في إحدى المناقشات السابقة أن تقسيم الأحكام الشرعية إلى أحكام ثابتة وأحكام متغيرة يقوم على تقسيم الاحتياجات الإنسانية إلى ثابتة ومتغيرة. واتضح أن نظام العبادات من أهم الأحكام الثابتة. والاعتراض هنا هو: هل توجد أصلاً حاجة ثابتة في حياة الإنسان يمكن أن تُفسر الأحكام الشرعية بناءً عليها؟ يجب أن ننتبه إلى أن هذه الحاجة يجب أن تستمر على الأقل منذ ظهور شريعة خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله) وحتى اليوم، ومن اليوم حتى يوم إقامة شريعة خاتم النبيين. قد يخطر في البداية أن الحاجة الثابتة غير مقبولة؛ لأن مقارنة بين عصر ظهور شريعة خاتم النبيين والعصر الحاضر تظهر تحولات عظيمة في الاحتياجات الإنسانية التي تغيرت طرق تلبيتها. ومع ذلك، كيف يمكن الحديث عن حاجة ثابتة وجعلها أساساً للحكم الثابت؟ الشهيد الصدر في كتاب الفتاوى الواضحة يطرح هذا السؤال معتبراً أن العبادات تستجيب للجزء الثابت من الاحتياجات، قائلاً:

(إذا كانت الأحكام العبادية، مثل الصلاة والوضوء والغسل والصيام، مفيدة في مرحلة من حياة الإنسان الأول، فذلك لأن العبادات كانت مؤثرة في تهذيب الأخلاق والالتزام العملي بالنظافة الجسدية وعدم الإسراف في الطعام والشراب. ولكن طبيعة الحياة الحضرية وطريقة الحياة الاجتماعية توفر هذه الأهداف للإنسان الجديد اليوم، لذا لا تُعتبر هذه العبادات حاجة ضرورية).

يجيب الشهيد على هذا السؤال ضمن مقدمتين هما:

1- الإنسان في حياته له نوعان من العلاقات مع المخلوقات الأخرى: أحدهما العلاقة مع الطبيعة، والآخر العلاقة مع ربه ومع بني الإنسان. علاقة الإنسان مع الطبيعة تكون في أساليب الإنتاج مثل استخراج المعادن وزراعة الأرض وصيد الحيوانات وغيرها. وعلاقة الإنسان مع الله ومع الآخرين تكون في الحقوق والامتيازات والواجبات. تعلق الإنسان بالطبيعة يتغير مع مرور الزمن نتيجة اكتساب الخبرة والمهارة وزيادة القدرة على التحكم في الطبيعة. أي أن مقدار علاقة الإنسان بالطبيعة يعتمد على خبرته وقدرته على السيطرة عليها. كلما زادت الخبرة والقدرة على التحكم، تظهر مشاهد جديدة من العلاقات. أما علاقة الإنسان بالله أو بالآخرين فلا تتغير مع مرور الزمن. لذلك، كل مجتمع يسيطر على ثروة ما يواجه مشكلة توزيعها وتحديد حقوق الأفراد والمجتمع، ويشعر كل فرد في علاقته بالله بأنه يحمل واجبات لا تختلف سواء كان إنتاج الثروة باستخدام الآلات الحديثة كما هو شائع في العصر الحالي، أو باستخدام الأدوات اليدوية كما كان في الماضي[28].

2- نظام العبادات والأحكام الثابتة في الشريعة ليست من نوع علاقة الإنسان بالطبيعة التي تتغير بسبب التحولات والتطورات التي تحصل نتيجة نمو الخبرة في الطبيعة، بل هي من نوع علاقة الإنسان بالله وبالناس الآخرين. لذلك نرى احتياجات يواجهها الإنسان دوماً. الشهيد الصدر يضيف نقاطاً أخرى معبراً عن ذلك:

(العبادات ليست من نوع علاقة الإنسان بالطبيعة لتتأثر بعوامل وأسباب التغير في الطبيعة، بل هي فقط علاقة الإنسان بربه. وهذه العلاقة لها دور روحي ونفسي في توضيح وتفسير علاقة الإنسان بأخيه الإنسان. وعلى الرغم من التطور التاريخي، نجد أن الإنسان في كلا الاتجاهين، أي علاقته بربه وعلاقته بالآخرين، يواجه احتياجات يواجهها الإنسان في عصر المصابيح الزيتية والإنسان في عصر الكهرباء على حد سواء. نظام العبادات في الإسلام هو علاج ثابت لهذه الاحتياجات الثابتة، وحل للمشكلات التي ليست مؤقتة، بل يواجهها الإنسان باستمرار في بنيته الفردية والاجتماعية والحضارية. هذا العلاج، الذي نسميه العبادات، لا يزال حياً في أهدافه حتى اليوم، وهو شرط أساسي للتغلب على المشكلات الإنسانية وللنجاح في جهوده الحضارية)[29].

يُعدُّ ثلاث حاجات كحاجات ثابتة يستجيب نظام العبادات لها، وهذه الحاجات هي كما يلي[30].

1- الحاجة إلى الاتصال بالوجود المطلق، 2- الحاجة إلى القصد في أداء العمل للآخرين وتجاوز الذات، 3- الحاجة إلى الشعور بالمسؤولية الداخلية

دور الزمان والمكان في الأحكام الثابتة

في النقاش السابق توصلنا إلى أن في حياة الإنسان، بالإضافة إلى الحاجات المتغيرة، هناك حاجات ثابتة، ورغم ازدياد معرفة الإنسان بالطبيعة وأسرارها وظهور تحولات بارزة في القدرة على التحكم والاستفادة منها، إلا أن هذه الحاجات لا تتغير. هذه الحاجات تشكل أساس الأحكام الثابتة في الشريعة الإسلامية، وهذه الأحكام وُضعت لتلبية تلك الحاجات المذكورة. والسؤال الآن: هل هذه الأحكام لا تتأثر بالأوضاع والظروف الزمانية والمكانية؟ في الجواب يجب القول إنه رغم ثبات هذه الأحكام، إلا أنها ليست غير متأثرة بالزمان والمكان. ومع ذلك، لا ينبغي توقع أن يكون تأثير الأحكام الثابتة مثل تأثير الأحكام المتغيرة. لأنه تبين أن في نطاق الإعفاء، أي نطاق الأحكام المتغيرة، لا يوجد حكم إلزامي أصلي؛ الحكم الأصلي والأساسي فيه هو حكم الإباحة، وهذا الحكم قابل للتبديل. أي أن الولي الأمر يمكنه، بناءً على موقع زمني ومكاني خاص، أن يحدد حكماً الزامياً خاصاً يحقق مصلحة المجتمع. وهذا يعني أنه إذا قرر الولي الأمر في فترة معينة أن مصلحة المجتمع تقتضي تحديد حكم الوجوب كحكم ثانوي لعمل أصله الإباحة، وفي فترة أخرى قرر أن مصلحة المجتمع تقتضي اعتبار نفس العمل حراماً، فإن يده في ذلك مفتوحة ويمكنه التصرف. وهذه هي النقطة التي تجعل هذه الأحكام تتصف بأنها (متغيرة). أما في الأحكام الثابتة، فالزمان والمكان لا يلعبان هذا الدور. أي أن الولي الأمر لا يحق له أن يحكم بحرمة ما حكمه الأصلي في الشريعة هو الوجوب، أو بوجوب ما حكمه الأصلي في الشريعة هو الحرمة. الشهيد صدر يوضح هذه النقطة في عبارته التي نقلناها سابقاً:

(الأعمال التي حُرمت بشكل عام، مثل نفقة الزوجة على الزوج، لا يمكن للولي الأمر أن يمنعها، لأن الطاعة للولاة واجبة في نطاق لا تتعارض فيه مع طاعة الله والأحكام العامة).

لذا، من وجهة نظر الشهيد صدر، يؤثر الزمان والمكان في هذه الأحكام بطريقة أخرى. أي أنه رغم أن الزمان والمكان لا يتدخلان في تحديد نوعها، إلا أنهما يؤثران في تطبيقها على موضوعاتها. الواجبات والمحرمات لا تتحول وجوبها إلى حكم آخر، أو حرمتها إلى وجوب أو حكم آخر، لكن الظروف تؤثر في كون هذا الموضوع واجباً أو ذاك الموضوع حراماً. بعبارة أخرى، الأحكام الثابتة ثابتة نظرياً، لكنها قد تتغير عند التطبيق. الشهيد صدر في بداية كتاب الفتاوى الواضحة، وبعد ذكره ضرورة مراجعة الرسائل العملية في كل عصر، يوضح سبب ذلك بقوله:

(على الرغم من ثبات الأحكام الشرعية، إلا أن تطبيقها قد يختلف من عصر إلى آخر تبعاً لظروف الزمان والمكان. لذا يجب على الرسالة العملية المعاصرة التي تراعي التغيرات الكثيرة في هذه الظروف أن تأخذ هذه التغيرات في الاعتبار عند استنباط الحكم الشرعي)[31].

قد يخطر في الذهن سؤال، كما ذُكر سابقاً، أن الأحكام الثابتة تستجيب لحاجات ثابتة، وإذا كانت الحاجة ثابتة والاستجابة لها ثابتة، فكيف يبقى مجال للتغيير؟ والجواب هو أنه رغم ثبات الأحكام والحاجات التي تستجيب لها، إلا أن طريقة الاستجابة متغيرة. قد تتغير طريقة وسبل الاستجابة من عصر إلى آخر. الشهيد يشير إلى هذه النقطة في كتاب اقتصادنا قائلاً:

(النظام الاقتصادي الثابت مزود بقواعد شرعية ثابتة قانونياً، إلا أن هذه القواعد تتشكل في تطبيقها وفقاً للأوضاع والظروف، وبهذه الطريقة يتحدد الأسلوب الصحيح لإشباع الحاجات التي رغم ثباتها، فإن أساليب إشباعها متنوعة؛ مثل قاعدة نفي الضرر في الإسلام وقاعدة نفي الحرج في الدين)[32].

قاعدة نفي الضرر ونفي الحرج ثابتة نظرياً وقانونياً، لكنها تأخذ أشكالاً متنوعة عند تطبيقها على الحالات الخاصة. فكما أن التنوع في التطبيق لا يضر بثبات القاعدة، فإن تنوع الأشكال التي تتخذها الأحكام والقواعد الشرعية الثابتة عند التطبيق والتنفيذ لا يضر بثباتها.

تغيير الأحكام الثابتة هو في تغيير موضوعها

تأثير الزمان والمكان في الأحكام الثابتة هو في الحقيقة تأثير في موضوعها. أي إذا تغير الحكم، فذلك بسبب تغير موضوع ذلك الحكم. على عكس الأحكام المتغيرة التي ثبت أن التغيير فيها يكون في ذات الحكم. ومن هنا، فإن حكم وجوب إخراج الزكاة للفقراء حكم ثابت ودائم، لكن اختلاف مستوى المعيشة في المجتمعات المختلفة عبر العصور يؤدي إلى تغير مفهوم موضوع الحكم، أي الفقير. لذلك يقول الشهيد صدر:

(إذا أعطينا مفهومًا مرنًا لموضوع الحكم الشرعي، مثل كلمة الفقر التي تتعلق بها الزكاة، فإننا لم نفعل شيئًا غريبًا أو غير مألوف. وهذا لا يعني تغيير الحكم الشرعي، بل يعني أن الحكم ثابت لمفهوم معين، والتغير والتحول يحدثان نتيجة تغير الظروف في مصداق هذا المفهوم)[33].

وي يشرح أكثر مفهوم كلمة (الطب) وحكم وجوب الكفاية في تعليمه، حيث إنه كلما ابتعدنا عن عصر التشريع، اتسع نطاق المعلومات التي يجب أن يعرفها الطبيب الماهر؛ بحيث إنه اليوم لكي يستطيع الطبيب الماهر أن يمارس الطب، من الضروري أن يتعلم معلومات لا حاجة لطبيب عصر النبي (ص) حتى لعُشرها أو حتى لجزء من مئتها. ولهذا، كما أن طبيب اليوم يختلف عن طبيب عصر النبوة، فإن الفقير اليوم يختلف عن فقير عصر النبوة؛ ولكن الحكم في كل حال واحد.

نتيجة المناقشات السابقة

من المناقشات التي سبق ذكرها، تُستخلص النتائج التالية:

1- الاحتياجات التي يواجهها الإنسان في حياته بعضها ثابت ودائم. ولا تتغير مع التحولات والتغيرات التي تحدث، وبعضها متغير ومؤقت.

2- الأحكام الشرعية والنظام الاجتماعي والاقتصادي في الإسلام التي تلبي الاحتياجات الإنسانية، بعضها ثابت وبعضها متغير. الجزء المتغير من النظام الاجتماعي والاقتصادي يُسمى (مجال الإباحة).

3- نظام العبادات يجيب فقط على الاحتياجات الثابتة.

4- مجال الإباحة خالٍ من الحكم الإلزامي الأصلي، والحكم الابتدائي فيه هو الإباحة.

5- مهمة ملء مجال الإباحة موكولة إلى ولي الأمر والدولة الإسلامية.

6- للزمان والمكان دور مهم في ملء مجال الإباحة.

7- يقوم ولي الأمر، مع مراعاة مقتضيات الزمان والمكان ومع الأخذ في الاعتبار المصالح والمنافع العامة، بملء مجال الإباحة.

8- نطاق مجال الإباحة هو المباحات الشرعية. ونتيجة لذلك، نطاق تنفيذ صلاحيات ولي الأمر هو الأمور المباحة.

9- رغم أن الزمان والمكان لا يؤثران في الأحكام الشرعية الثابتة ذاتها، إلا أنهما يؤثران في تطبيقها على مصاديقها.

10- خلافاً للأحكام المتغيرة التي يؤدي تغير الزمان والمكان إلى تغير الحكم نفسه، فإن الأحكام الثابتة يتغير فيها في الواقع موضوعها.

[1]. محمد باقر الصدر، الفتاوى الواضحة، الطبعة السابعة، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، 1401، ص97.

[2]. محمد باقر الصدر، اقتصادنا، ص714-716.

[3]. المرجع نفسه، ص724.

[4]. الشيخ الطوسي، تهذيب الأحكام، الطبعة الثانية، دار الأضواء، بيروت، 1413، ج7، كتاب التجادة، باب أحكام الأراضي، ص133.

[5]. الشيخ حر العاملي، وسائل الشيعة، ج25، 420.

[6]. محمد باقر الصدر، اقتصادنا، ج2، 726.

[7]. علم الأصول، الحلقة الأولى، ص38؛ معالم الجديدة، ص8.

[8]. الفتاوى الواضحة، ج1، ص97.

[9]. الحلقة الأولى، ص65 والحلقة الثانية، ص13.

[10]. اقتصادنا، ص238.

[11]. اقتصادنا، ص339.

[12]. الفتاوى الواضحة، ص706-703.

[13]. اقتصادنا، ص339.

[14]. اقتصادنا، ص725.

[15]. اقتصادنا، ص401.

[16]. اقتصادنا، ص400.

[17]. اقتصادنا، ص401.

[18]. اقتصادنا، ص301.

[19]. سورة النساء (4)، 59.

[20]. اقتصادنا، ص301 و725.

[21]. اقتصادنا، ص726.

[22]. يبدو أن الشهيد الصدر قد نقل الرواية بمعناها، كما في ص642 من اقتصادنا، حيث ينقل أصل الرواية. على أي حال، الأصل في الرواية هو كما يلي: (عن أبي عبد الله (ع) قال: قضى رسول الله (ص) بين أهل المدينة في مشارب النخل أنه لا يمنع نفع الشيء. وقضى بين أهل البادية أنه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاء. وقال: لا ضرر ولا ضرار). فروع كافي، ج5، كتاب المعيشة، باب الضرر، حديث 6.

[23]. فروع كافي، ج5، كتاب المعيشة، باب بيع الثمار وشرائها، ص175، حديث 2.

[24]. المرجع نفسه، ج5، ص175، حديث 4.

[25]. محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، سنن الترمذي، الطبعة الثانية، دار الفكر، بيروت، 1403، ج2، ص421.

[26]. السيد رضي، نهج البلاغة، مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الرابعة، قم، 1415، ص140، الرسالة 53.

[27]. اقتصادنا، ص726-728.

[28]. اقتصادنا، ص723؛ الفتاوى الواضحة، ص706.

[29]. الفتاوى الواضحة، ص706.

[30]. اقتصادنا، ص723.

[31]. الفتاوى الواضحة، ص706-718.

[32]. اقتصادنا، ص726.

[33]. المرجع نفسه.