دور الزمن في تطور السير والمفردات من منظور الشهيد صدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: نقش زمان در تحول سیره‌ها و واژگان از نگاه شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

المؤلف: احمد مبلغى

مقدمة

أولاً.

إن الوصول إلى الأحكام الدينية يشكل الهمّ الرئيسي للمؤمنين بالدين. إن منبع الفكر الديني يعود إلى الماضي، ويجب على الباحثين في الدين أن يقوموا برحلة دقيقة في التاريخ، ومن ثم يتتبعوا هذا المسار للوصول إلى السنة. كل فقيه، قبل أن يغوص في بحر التاريخ، يواجه أدلة نشأت من قلب التاريخ ووُضعت في متناول المعاصرين.

ونظرًا لأن هذه الأدلة المستمدة من التاريخ تحتفظ بخصائصها التاريخية، فإن تحليلها بدقة باستخدام الذهنيات المعاصرة أمر شاق، وأحيانًا، رغم الدقة، قد يؤدي إلى الخطأ.

إن السيرة العقلائية والسيرة الشرعية، وكذلك المفردات المكونة للأحاديث، تشكل فرصًا تتيح للفقهاء أن يجعلوا الوصول إلى السنة هدفًا لهم.

لقد اكتسبت العديد من مفردات الأحاديث معانٍ جديدة عبر التطورات التاريخية. أما العديد منها الآخر، فلم يفقد معناه، بل واجه تطورات ضمن إطار معناه التقليدي، الذي، بسبب التوافق بين المعنى والظروف العامة لتلك الحقبة، لم يُعطَ هذا التطور الهادئ لكنه الجوهري الاهتمام الكافي. وهناك مفردات أخرى أصبحت مهجورة، مما يجعل الوصول إليها معقدًا ويواجه تحديات مختلفة.

أما السيرة العقلائية والعرف الشرعي، نظرًا للصلة الحتمية التي تربطها بالظروف المختلفة في فترات تاريخية متنوعة، فقد شهدت أحيانًا اختلافات جوهرية في أساليب وممارسات تطبيقها في المجتمع، مما جعل الوصول إلى السيرة نفسها عملية صعبة ومكلفة.

ثانيًا.

أضاف الشهيد صدر مجموعة طويلة وقيمة إلى الأدب العميق في الحوزة العلمية. وعلى الرغم من أن جهوده تبدو واسعة النطاق وتشمل ميادين متعددة، إلا أنه يمكن القول بثقة إن جميع مناقشاته عميقة ومتميزة وذات جودة حاسمة. ومع ذلك، فإن عمر الشهيد صدر القصير حرمّه من فرصة توسيع وشرح أفكاره بشكل أعمق. هذه الفرصة أصبحت الآن متاحة للأجيال الحالية والقادمة للاستفادة من آثار هذا المفكر الكبير المليئة بالأفكار التقدمية والمتصلة بالفقه وتاريخه. يمكن لأفكاره أن تشكل بحق أرضية مناسبة لإشراق الفكر في الحوزة.

قد لا يكون من المبالغة القول إنه من بين المصلحين في ميدان الفقه في العصر الحديث، الذين ينظرون إلى المستقبل بالإضافة إلى الماضي، هناك عدد قليل منهم، ومن بينهم الشهيد صدر.

يجب اعتبار أفكار هذا الفقيه المفكر بداية لتحول في طريقة التفكير في الحوزة. ففي قلب آثار الشهيد صدر، يظهر بحر من المفاهيم النقية وغير المستهلكة، كل منها يفتح طريقًا جديدًا أمام ميادين الفقه.

في الواقع، جوهر تفكير الشهيد صدر هو الإجابات التي يقدمها لأهم سؤال في الفكر الديني. اليوم، يعلم الجميع تقريبًا أن أهم سؤال يواجه الفقه هو كيفية الوصول إلى المستقبل من قلب الماضي. المؤمنون بالدين، نظرًا لقدَم الفقه، مرتبطون بالماضي.

يطرح السؤال: أين الجسر الذي يربط الماضي بالمستقبل، وكيف يمكن الانطلاق نحو المستقبل؟ تم تقديم أفكار مختلفة للإجابة على هذا السؤال، لكن ما يميز الشهيد صدر عن الآخرين هو الجهد المنظم والمنضبط الذي يوصي به في الإجابة على هذا السؤال.

تتناول أفكار الشهيد صدر، خلافًا للأفكار المتفرقة والمقتصرة على النقاط التي يقدمها الآخرون، إنشاء آلية منطقية لربط الماضي بالمستقبل، وتسعى ضمن إطار تفكير منهجي لوضع الفكر الفقهي في مسار التحول والتغيير الذاتي والذاتي الاستجابة للزمان.

ما سيأتي لاحقًا يستعرض جزءًا من أفكار الشهيد صدر في موضوعين مهمين: تحول المفردات وتحول السير.

على الرغم من أن أفكاره في هذين الموضوعين قُدمت غالبًا ضمن مناقشات في مسائل أخرى ولم تتشكل في قالب مستقل وبمنظور بارز في موضوع دراسة الزمن، إلا أنه يمكن تتبع جذور متفرقة من الدقة في دور تطور الزمن والفقه في مناقشات هذا الشهيد المفكر.

في الواقع، دقته في عملية تحول الزمن أكثر من كونها امتدادًا للنظرات النمطية والتقليدية إلى الفقه والزمن، تعبر عن توجه جديد وحديث نحو الفقه والزمن والمجالات المشتركة بينهما.

في هذه الدراسة، نسعى لتوسيع نطاق ما قدمه الشهيد صدر في مجال المفردات والسير، وفتح فروع وأفرع أكثر أمام الباحثين. وبالتأكيد، مثل هذه المناقشات تحتاج إلى تعمق وإشباع أكبر من قبل الباحثين والمفكرين.

إن تقديم هذه المناقشات يتحدى التفكير المطلق والنمطي في استخدام الأحاديث، ويجعل استخدام السنة في الزمن أكثر عقلانية وفائدة.

سنواصل النقاش في محورين:

التحول التاريخي للمفردات

التحول التاريخي للسير

التحول التاريخي للمفردات

في ميدان الاستنباط، فإن توضيح المقصود من المفردات التي تحمل معانٍ واسعة ومتعددة الطبقات أمر بالغ الأهمية ويُعتبر من أُسس منهج البحث، خاصة إذا كان هناك فجوة زمنية كبيرة بين زمن صدور النص وزمن الاستنباط منه، ففي هذه الحالة يصبح دراسة التطور التاريخي للمفردات ضرورة لا مفر منها.

لقد اعتدنا أن نعتبر أن المفردات المستنبطة في الفترات الماضية تعبر عن نفس المعاني التي تتبادر إلى الذهن عند سماعها اليوم. ومن المؤكد أن هذا المنهج قد يفوت أحيانًا فرصة الفهم العميق والصحيح للمفاهيم المقصودة في الماضي.

في ميدان الاستنباط، حيث الالتزام بالمعاني المستمدة من مفردات الحديث يشكل أساس الاجتهاد، فإن عدم الدقة في التطور التاريخي لمفردات الرواية يؤدي إلى فهم خاطئ وغير موثوق للرواية.

السؤال الأساسي هو: ما هو التطور التاريخي للمفردات وكيف يمكن تصنيفه وتقييمه وفي النهاية التعرف عليه؟ بشكل عام، يمكن اعتبار تطور المفردات تأثير الزمن وانعكاسه على معنى كلمة ما أو تصورنا لها. نتابع الإجابة على هذا السؤال المهم من خلال تصنيف تأثير الزمن على الكلمات:

تأثير الزمن على الكلمات:

يمكن اعتبار نوعين من التأثير:

النوع الأول:

هو أن تتغير الذهنية والتصور تجاه معنى الكلمة دون أن يتغير تعريفها المفهومي. هذا التطور، خلافًا للنوع الثاني الذي يثير علامات استفهام في ذهن الباحثين في التاريخ بين الحين والآخر، له طبيعة خفية، وفي الواقع بدلاً من أن يخلق تحديًا في ذهن المتلقي ويدفعه إلى البحث، يتوافق مع ذهنه وتصوراته وأدبياته وحتى المنهج العلمي في عصره.

هذا النوع من التطور يُعتبر مصيرًا تاريخيًا للأدب، وهو دائمًا مرتبط بالمفردات، مصير ينبع من طبيعة الحياة الاجتماعية المتحولة والمتطورة وعلاقتها بالكلمات والأدب. أي أنه في كل عصر تنشط عوامل مختلفة في تشكيل العقول التي تحول بيئة البشر من خلال الكلمات. بمعنى آخر، في هذا النوع من التطور، يتغير انعكاس معنى الكلمات في أذهان المتلقين عبر العصور التاريخية المختلفة، وتتطور مستويات تحليل تلك الكلمة.

بناءً على ذلك، فإن كلمة واحدة في فترتين زمنيتين، الماضي والحاضر، تحمل دلالة عرفية مختلفة. الدلالة العرفية للكلمة في الماضي تنبع من إدراك يعكس طبيعة بسيطة لذلك المفهوم في ذلك العصر، بينما الدلالة العرفية نفسها اليوم، ضمن بنية أدبية متجانسة ومتزامنة مع كلمات أخرى ربما كانت موجودة إلى جانبها أو بعضها في الماضي، تكتسب خصائص اجتماعية أكثر تعقيدًا. بالإضافة إلى ذلك، فإن فهمنا لتلك الكلمة مختلط بمصيرها التاريخي، في حين أن السابقين لم يروا هذا المصير أبدًا. هذه الاختلافات تحدث في حين أن التعريف الكلاسيكي والمدرسي أو اللغوي لمفهوم الكلمة في سياق التاريخ لا يتغير.

في مجال استنباط الأحكام الفقهية، حيث فهم المراد من الكلمات له مكانة حساسة، يُعتبر هذا النوع من التطور المفهومي زلقًا جدًا. أحد الأمثلة العملية لتوضيح هذا الدور هو المصير الذي مرت به كلمتا (عبيد) و(اماء).

في الماضي، لم يكن هناك تصور اجتماعي سلبي تجاه كونه عبيدًا أو أمة، بينما اليوم تغيرت نظرتنا إلى العبودية والدور الفقهي لكلمتي عبيد واماء. من الواضح أن هذا التطور ليس تحوّلًا مفهوميًا يؤدي إلى تغيير في التعريف الاصطلاحي أو اللغوي كما هو الحال في كلمة (اجتهاد)، لأننا إذا رجعنا إلى القواميس الحديثة أو الدلالة العرفية الحالية، نجد نفس التعريف المفهومي لعبيد واماء الذي قدمه السابقون في كتبهم اللغوية، لكن في التطور التاريخي لكلمة مثل اجتهاد، تغير التعريف.

دراسة تأثير هذا التطور على الاستنباط تتطلب دراسة جادة تقع على عاتق الفقهاء وأصوليي الحوزة العلمية. نحن هنا لا نفتح ملف هذا النقاش، وإنما نكتفي بإثبات وجود مثل هذا التطور.

النوع الثاني:

هو أن تختلف كلمة واحدة في فترتين زمنيتين بحيث يتشكل تعريفان منفصلان لها. هذا المقال يدرس فقط المسائل المتعلقة بالنوع الثاني. يحدث هذا التغيير في الإطلاق العرفي لكلمة بالنسبة لمعناها، ويمكن تتبع أثره والتعرف عليه من خلال نظرة تاريخية ودقة في مقتضيات استخدام الكلمة. مثلاً، كلمة (عامّة) في عصر الأئمة كانت تدل على تيار سياسي حيث كان العلماء يروّجون للفقه الذي يريده الحكام، بينما اليوم هذه الكلمة عند معظم علماء الاستنباط تعبر عن المجتمع السني والمذهب السني.

رغم أن هذا التطور اليوم ليس خافيًا علينا، إلا أن هناك بالتأكيد العديد من الكلمات التي لا تزال تغلفها ستائر غموض مجهولة، ومفهومها في الماضي والحاضر يختلف. كلمة (اجتهاد) أيضًا مرت بتطور تاريخي. في عرف عصر الأئمة، كان الاجتهاد يُعتبر جهد الفقيه بناءً على الظن وفي الحالات الخالية من النصوص والتصريحات الروائية، بينما اليوم أصبح له معنى أعمّ يشمل الجهود التي تُعد مصدرًا للاستنباط ولا تعتمد على النص، بالإضافة إلى الجهد الفقهي في استخراج الأحكام من النصوص. في العرف الخاص بالشيعة، الاجتهاد الشيعي يعبر فقط عن الحالة الثانية.

الشهيد الصدر يلفت الانتباه إلى هذا التطور والتحول السابق في كلمة الاجتهاد، ويعتبر جذر إنكار بعض العلماء للاجتهاد هو الغفلة عن هذا التطور المفهومي. هذا النوع من التطور، رغم إمكانية تتبعه، إلا أن طرق الوصول إليه معقدة وغير مكشوفة وتتطلب دراسات علمية. ومع ذلك، فإن تعقيد هذا النوع من التطور أقل بكثير مقارنة بالنوع الأول من التطور الذي سنتحدث عنه.

الشهيد الصدر يقبل هذا النوع من التحول في الكلمات:

“لا شك أن ظواهر اللغة والكلام مع مرور الزمن ونتيجة العوامل المؤثرة اللغوية والفكرية والاجتماعية، تتطور وتتغير. أحيانًا يكون معنى الظاهر في عصر صدور الحديث مختلفًا عن معنى الظاهر في عصر سماع الحديث، أي العصر الذي يُراد العمل فيه بذلك الحديث.”

يجب أن نرى هل قبولنا العام لهذه الحقيقة بأن المفاهيم اللغوية قد تغيرت، يؤثر على تعاملنا مع كلمات النصوص في الاستنباط أم لا؟ هل يمكن اعتبار الكلمات مبهمة لهذا السبب، أم يجب التمييز بينها بناءً على قواعد محددة؟

ردًا على السؤال المذكور، يصوّر الشهيد صدر حالات وصورًا متعددة ويضع لكل منها حكمًا منفصلًا. ومن الجدير بالذكر أن التقسيم الذي نعرضه أدناه لم يذكره الشهيد صدر بنفس هذه الصورة، بل أشار فقط إلى بعض صورها، ولكن بتحليل نظرته وكلماته يمكن القول إن ذهنه كان موجهًا إلى الكلّية التقسيمية أدناه وإلى معظم أقسامها. على أي حال، التقسيم هو:

الكلمات لا تخرج عن فرضين عامين:

أ) الكلمات التي خرجت من مدار المحاورات العرفية الحاضرة، وبالتالي، لا يوجد حاليًا تبادر عرفي تجاهها.

ب) الكلمات التي تكون متداولة في العرف الحاضر ويوجد تبادر عرفي تجاهها.

هذان الفرضان هما الفروع الرئيسية، وينقسم كل منهما إلى فروع متعددة. إن دراسة هذه الفروع مع مراعاة تاريخها وتطوراتها تجعل الدراسة تخصصية وفي الوقت نفسه سهلة. الذين يرون دراسة التطور التاريخي معقدة ومربكة ويعتبرون الدراسة في هذا المجال صعبة وعديمة الجدوى، يمكنهم من خلال فهم والاستفادة من التقسيم أدناه أن يختبروا تحولًا في دراساتهم التاريخية.

الفرض الأول:

الكلمة بسبب عدم تداولها في العرف الحاضر، لا يوجد تبادر عرفي تجاهها. هذا الفرض ينقسم بدوره إلى فئتين:

1. الحالات التي يختلف فيها أهل اللغة في معنى الكلمة. حكم هذه الفئة هو أنه لا يمكن الاعتماد على تفسير أو اصطلاح الفقهاء بالنسبة للكلمة، ولا يمكن اعتبار وجهة نظرهم صحيحة، حتى وإن كان هناك اتفاق بينهم على هذا الاصطلاح، بل يجب السعي لاكتشاف وتثبيت المعنى الذي قصده الأئمة (ع).

يعتبر الشهيد صدر كلمة (سؤر) من هذه الفئة ويؤكد على ضرورة تثبيت المعنى الذي كان لدى الأئمة (ع)، ويكتب:

سؤر كلمة غامضة، لأنها ليست متداولة في العرف الحاضر بحيث يمكن كشف حدود مدلولها الأصلي. إن اعتماد اصطلاح الفقهاء على أن كل ما يصطدم به جسم الحيوان فهو سؤر، ما لم يثبت وجود هذا الاصطلاح في لغة الأئمة (ع)، لا يجعل من الممكن حمل اللفظ على هذا المعنى، وتعريفات أهل اللغة في هذا المجال تختلف من حيث اتساع أو ضيق الدائرة، بحيث لا يمكن الوصول إلى معنى من هذا الجانب.

لم يشِر الشهيد صدر إلى عدم اعتبار اصطلاح الفقهاء في هذا المجال، لكن يمكن القول: إن ظهور الاصطلاحات الفقهية والعلمية غالبًا ما يكون في أجواء المدارس وتحت ظروف الدقة والعوامل المختلفة الأخرى، وتاريخ إنتاجها يعود عادة إلى ما بعد عصر الأئمة (ع). لذلك لا يمكن في مرآتها رؤية قصد المعصوم (ع) من الكلمة.

مما سبق نفهم أنه إذا كان الفقهاء في المسألة ليس لديهم اتفاق، بل كما أهل اللغة لديهم اختلاف، فإن تثبيت المعنى الذي قصده الأئمة (ع) يصبح ضرورة أولى.

ومن الواضح أنه عندما نتحدث عن ضرورة تثبيت المعنى الذي قصده الأئمة (ع)، نصل إلى نتيجة أن الكلمة بدون هذا التثبيت تبقى في حالة إجمال ولا يمكن الاستشهاد بها.

  1. الحالات التي يتفق فيها أهل اللغة على معنى الكلمة. قد يبدو أن اتفاق أهل اللغة على معنى الكلمة هو طريق موثوق ومضمون، ومع وجوده لا حاجة للسعي لاكتشاف وتثبيت الاصطلاح المتعلق بالأئمة (ع). والجواب هو أن اتفاق أهل اللغة، رغم مكانته الحاسمة بين القرائن والدلائل، لا ينبغي أن يُظن أنه الكلمة الأولى والأخيرة التي يجب الاستماع إليها، وأن المعنى المقصود من الأئمة (ع) يجب أن يُستمد فقط من هذا الطريق.

يمكن اعتبار حكم اللغويين في تحديد معاني الكلمات الواردة في الروايات معتبرًا من منظورين: إما اعتبار وجهة النظر اللغوية من حيث اكتشاف معنى الكلمة، أو اعتبار وجهة النظر اللغوية بناءً على مبدأ عقلي معتمد شرعًا.

بالنسبة للحالة الأولى، هناك اعتراض بأن دور وجهة نظر اللغويين ليس دورًا كاملاً ليكون لها اعتبار ذاتي، بل من حيث الدور يجب تقليصها إلى حد كونها قرينة، أي لا يمكن تقييم رأي أهل اللغة بأكثر من قرينة تؤثر في عملية الاكتشاف، رغم أننا نقبل أن هذه القرينة في بعض الحالات لها دور خاص وتحسن بشكل فعال احتمالاتنا الذهنية في الوصول إلى المعنى الأصلي للكلمة واكتشافه.

أما في الحالة الثانية، فبالرغم من أن الحديث عن وجود مبدأ عقلي يمكن أن يعزز وجهة نظر اللغويين ويخلصنا من القلق حول مدى قدرة وجهة نظرهم على الاكتشاف، إلا أن المشكلة تبدأ من أن هذا المبدأ في الأصل غير موجود، أو إذا بدا موجودًا، فإنه لا يؤدي الوظيفة اللازمة في تعزيز وجهة نظر أهل اللغة.

المبدأ الذي يظهر في هذا المجال هو المبدأ العقلي لعدم النقل، والذي بموجبه يمتد أصل المعنى الحالي للكلمة إلى الماضي وينفي نشأته من نقل لمعنى أولي وأصلي.

ومن الواضح أن هذا المبدأ يُطرح فقط بالنسبة للكلمات التي لا تزال مستخدمة في المحاورات العرفية، والعرف يفهم منها معنى محددًا بالتبادر. ولكن عندما لا يجد العرف معنى بالتبادر، فلا يوجد معنى معتبر لنحكم عليه بناءً على هذا المبدأ.

على أي حال، لم يُذكر في كلمات الشهيد صدر هذا القسم بشكل خاص، لكن بناءً على الصورة التي قدمها للمبدأ المذكور، فإن هذا المبدأ يسري في حالات وجود تبادر عرفي. لذلك في هذا القسم أيضًا، كما في القسم الأول، يصبح تثبيت المعنى الذي قصده الأئمة (ع) ضروريًا.

في متابعة النقاش، ستتضح وجهة نظر الشهيد صدر حول المبدأ المذكور أكثر.

ومن الجدير بالذكر أن هذه الفئة، بناءً على نظر دقيق، تنقسم بدورها إلى عدة فئات:

أ) اتفاق اللغويين والفقهاء على تحديد معنى الكلمة المعنية.

في هذه الحالة، أحيانًا يتفق الفريقان على تحديد مفهوم واحد للكلمة ويقدمون قولًا موحدًا، وأحيانًا يحدد كل فريق مفهومًا مختلفًا عن المفهوم المطروح لدى الآخر. في الحالة الأولى، نواجه وضعًا نسبيًا جيدًا، إذ يمكننا الوثوق بالمعنى المتفق عليه بين الفريقين واعتماده كأساس لتطبيق مبدأ عدم النقل، ونتيجة لذلك، نثبت أن هذا المعنى كان مطروحًا في العصور السابقة وكان هو المقصود من قبل الأئمة (ع). وحتى إذا لم نقبل بذلك ولم نلتزم بتطبيق مبدأ عدم النقل، يمكن على الأقل قبول أن كل من اللغويين والفقهاء، خاصة إذا كانوا منسجمين، يشكلون قرائن يمكن الاعتماد عليها لتحديد المعنى المطروح لدى الأئمة (ع) بشكل معقول وممكن.

في الحالة الثانية، نواجه فرعين:

  1. الكلمة في زمن الأئمة (ع) خرجت من دائرة الكلمات العامة ودخلت مجال المصطلحات الفقهية المتخصصة.

يمكن أن نضرب مثالًا على هذا الفرع بكلمة (القياس) التي لها معنى لغوي ومعنى اصطلاحي مختلف، وهذه الكلمة لم تدخل المجال الفقهي في زمن الأئمة (ع).

من الواضح أنه يجب التخلي عن المعنى اللغوي. وبما أن هذه الكلمة فقدت وظيفتها العامة العرفية في مجال المحادثات العلمية، يجب أن يتفق اللغويون على ترك تحديد الكلمة. السؤال هو: هل يمكن اعتماد المعنى الاصطلاحي الحالي للفقهاء كأساس لتفسير لفظ القياس الوارد في الروايات؟ الجواب بنظرة دقيقة هو سلبي، ويجب السعي للحصول على تطبيق الكلمة في اصطلاح الأئمة (ع) والقرن الثاني، رغم أن هذا البحث قد يثبت في النهاية نفس المعنى الذي نملكه الآن، مع أن النقاش هنا ليس حول كلمة القياس. وربما يمكن الادعاء بأن البحث اللازم لتحديد معناها قد أُجري، أي أن المعنى الشائع للقياس الآن ناتج عن تتبع الفقهاء. المقصود هنا أنه إذا واجهنا كلمة من هذا النوع، يجب أن نرى ما هو معناها الاصطلاحي والعلمي في القرنين الثاني والثالث.

  1. الكلمة في زمن الأئمة (ع) لم تدخل في مجموعة الكلمات الاصطلاحية. في هذه الحالة، يواجه اللفظ غموضًا شديدًا، لأن وجهة نظر اللغويين وتفسير الفقهاء اختلفت، ولم يتفق أي فريق على معنى واحد. يجب كشف سر هذا الاختلاف والتباين الجدي. مع وجود هذا الاختلاف، كيف يمكن القول: المعنى المقصود من قبل الأئمة (ع) هو هذا المعنى أو ذاك؟

ب) اختلاف الفقهاء في معنى الكلمة واتفاق اللغويين على معنى معين.

في هذه الحالة، إما أن تكون الكلمة من الكلمات التي دخلت نقاشات القرنين الثاني والثالث، وفي هذه الحالة لا يكون رأي اللغويين ذا قيمة كبيرة عند الفقيه، ويجب اعتماد المعنى الاصطلاحي، وبما أن هناك اختلافًا بين أهل الاصطلاح، يجب إجراء دراسة جادة لفهم المعنى المقصود من قبل الأئمة (ع)، أو أن تكون الكلمة ليست من الكلمات التي دخلت نقاشات القرنين الثاني والثالث.

في هذه الحالة نواجه مشكلة أقل، لكن يجب معرفة سبب الخلاف بين الفقهاء. هل هذا الخلاف له جذور تاريخية قديمة ويمكن الاستفادة منها؟ أم أنه نشأ في فترات زمنية لاحقة؟

على أي حال، فهم ما إذا كانت الكلمة قد دخلت نقاشات القرنين الثاني والثالث أم لا، يكون أحيانًا سهلاً وأحيانًا يتطلب دراسة تاريخية.

الافتراض الثاني:

أن تكون الكلمة متداولة في العرف الحالي ويظهر لها دلالة عرفية واضحة. هذا الافتراض يشمل أربع فئات:

1. التأكد من وقوع النقل عن المعنى الأصلي وكذلك زمنه.

في هذه الحالة، أحيانًا نحدد زمن وقوع النقل قبل زمن صدور النص، وأحيانًا نعتبر زمن وقوعه بعد زمن صدور النص. في الحالة الأولى، الحكم هو حمل الكلمة الواردة في الرواية على المعنى المتبادر الحالي، وفي الحالة الثانية الحكم هو أن المعنى قبل النقل يمكن اعتباره هو المعنى المطروح في عصر الصدور، بشرط أن يكون المعنى قبل النقل واضحًا لنا بشكل قطعي وليس احتماليًا أو ظنيًا. أما إذا علمنا بوقوع النقل ولكن لم نتمكن من الوصول إلى المعنى قبل النقل، فيجب أن نسعى لتحديد المعنى المقصود من قبل الأئمة (ع).

  1. التأكد من وقوع النقل عن المعنى الأصلي ولكن عدم التأكد من زمنه.

في هذه الحالة، إذا كان زمن النقل غير مؤكد بين فترتين، قبل صدور النص وبعده، يجب السعي لتحديد المعنى المطروح في عصر الصدور واكتشاف المفهوم المقصود من الإمام (ع).

الشهيد الصدر بالنسبة لهذه الحالة التي يكون فيها زمن النقل غير مؤكد، يحمل نفس الرأي ويعتقد أن مبدأ عدم النقل لا ينطبق. بمعنى آخر، لا يمكن تمديد المعنى المتبادر الحالي استنادًا إلى المبدأ المذكور إلى زمن المعصوم (ع):

في الحالات التي نكون فيها متأكدين من التغير في ظهور الكلمة أو وضعها، ولكننا نشك في تاريخها، لا ينطبق مبدأ عدم النقل، لأن العقلاء لا يبنون على فرض عدم النقل في فترة مشكوك فيها.

ويفسر ويوضح هذا عدم انطباق مبدأ عدم النقل على النحو التالي:

سبب هذا الانعدام في الجريان هو أن مباني العقلاء تقوم على جوانب من الكشف التي هي عامة ونوعية. فإذا ما نفى العرف احتمال النقل، فإن العقلاء في تبرير هذا النفي للاحتمال العرفي يستندون وينتبهون إلى هذه النقطة أن النقل حالة استثنائية في اللغة لا يمكن الاعتماد على وقوعها بل يجب نفيها، ولكن إذا ثبتنا وحققنا وقوع هذه الحالة الاستثنائية في مسألة ما، فلا يبقى جانب من جوانب الكشف يمكن أن يبرر البناء على نفي احتمال الحالة الاستثنائية.

  1. أن يكون النقل مشكوكًا فيه، ولكن لدينا يقين قطعي بظهور ظروف مؤثرة في التاريخ. أحيانًا، مع رؤية النقل مشكوكًا فيه، نعتبر احتمال تطور الكلمة في سياق الظروف التاريخية التي وقعت في الماضي أمرًا معقولًا، فماذا يجب أن نفعل في هذه الحالة؟

يرى الشهيد صدر أن جريان أصل عدم النقل في هذه الحالة يواجه إشكالًا. ففي الحالات التي يمكن أن تؤدي فيها ظروف خاصة إلى تغير مدلول الكلمة، فإن التمسك بأصل عدم النقل ليس خاليًا من الإشكال.

  1. أن نجد النقل مشكوكًا فيه، ونقيم الظروف التاريخية الماضية للكلمة كظروف عادية وبسيطة.

يقبل الشهيد صدر بجريان أصل عدم النقل في هذه الحالة:

من وجهة نظر العقلاء، الحالة القطعية لجريان أصل عدم النقل هي حين يكون احتمال التغير والنقل احتمالًا بسيطًا وعاديًا.

يعتقد الشهيد صدر أنه في هذه الحالة، رغم أنه لا يمكن نفي احتمال تغير مدلول الكلمة، إلا أن العرف، نتيجة التجارب التي حدثت للأشخاص بشكل متكرر ومستمر، يثبت الأصل على الثبات النسبي للفظ واللغة، بمعنى أن تحولات اللغة، لأنها تسير بحركة وإيقاع بطيء، تُعتبر عند العقلاء احتمال وقوع التغير والنقل كاحتمال حالة استثنائية، فيتم نفي هذا الاحتمال، وقد أقر الشارع هذا البناء العقلي ووافق عليه. وهذا الإقرار من الشارع لا يعني أنه وضع ختم الصواب على فكرة عدم تغير اللفظ، بل يعني أن الشارع في مقام التشريع، أقر بحجية احتمال تطابق المعنى المتبادر في الوضع الحالي مع المعنى المراد في النص الشرعي، طالما لم يوجد دليل مخالف لذلك.

نقدم جميع الفروع السابقة للاستفادة منها أكثر في شكل مخطط:

تطور السُّنن

يمكن اعتبار ثلاثة أنواع من التأثيرات للزمن فيما يتعلق بالسُّنن:

النوع الأول:

أن تختفي سنة مع مرور الزمن. أحيانًا تكون سنة قد اختفت موجودة في زمن الشارع، وهذا هو موضوع نقاشنا.

ما فائدة محاولة التعرف على مثل هذه السُّنن؟ الجواب واضح، ففي مرآة السُّنن التي كانت موجودة في زمن الشارع يمكن رؤية أحكام الشارع، لأن هذه السُّنن، إذا كانت متشرعة، تنبع من منبع الشرع، وإذا كانت عقلائية ولم يُردع عنها، فهي طريق موثوق نحو وجهة نظر الشرع.

لذا لا ينبغي الاعتقاد بأن دراسة السُّنن التي زالت من هذا النوع بلا جدوى. أحيانًا، من خلال دراسة هذه السُّنن يمكن الخروج من ظل التفسيرات الثقيلة التي أطلقها الفقهاء عبر التاريخ على بعض الروايات. على سبيل المثال، أفتى الفقهاء بنجاسة الكفار بناءً على فهمهم للروايات. في هذا السياق، ينظر الشهيد صدر إلى المسألة من زاوية جديدة، معتبراً سيرة المسلمين في صدر الإسلام في عدم الامتناع عن الكفار والمشركين.

يرى أن سبب وجود مثل هذه السيرة هو أنه من جهة كان المسلمون في ذلك الوقت على اتصال واحتكاك شديد بالمشركين، وكانت بينهم علاقات ومصاهرة، ومن جهة أخرى، لو كان في تلك الظروف ومع هذا الاتصال تجنب لهم أو منعهم النبي (ص) من هذا الاختلاط، لكان ذلك قد وصل إلينا بسبب أهميته، ولأن هذه المسألة لم تنتشر ولم تنعكس في التاريخ، نستنتج أن مثل هذه السيرة كانت موجودة.

النوع الثاني:

أن يخلق الاجتهاد العقلي مع مرور الزمن سنة تختلف عن سنة زمن الشارع. أحيانًا تظهر عوامل وظروف جديدة في مسار الزمن تؤدي إلى تحول المظهر الخارجي والجانب العملي لاجتهاد عقلي يُسمى (سنة)، بحيث كانت هناك سنة حتى ذلك الوقت ثم تحولت إلى سنة أخرى.

في الواقع، كلا السنتين ينبعان من منبع واحد، وخلفهما اجتهاد عقلي محدد.

قد يمكن اعتبار السنة الجديدة أيضًا صحيحة رغم عدم إقرار الشارع لها، لأن الشارع بإقراره للسنة السابقة قد أقر في الحقيقة صحة الاجتهاد الكامن وراء تلك السنة، وبما أن نفس الاجتهاد أدى إلى ظهور السنة الجديدة، فيمكن اعتبار هذه السنة أيضًا صحيحة.

يمكن إكمال هذا الاستدلال بالقول: في كل سنة، الأصل والروح هو الاجتهاد العقلي الذي تجلى في قالب سنة، وبما أن الشارع أقر هذه الروح، فهي صحيحة في أي قالب تظهر فيه.

في الحقيقة، الاجتهاد العقلي هو أصل عام يمكن أن يكون له تطبيقات متعددة.

النوع الثالث:

أن يظهر الزمن سنة جديدة بعد فترة الشارع.

رأي الفقهاء هو عدم صحة مثل هذه السنة، لأن السنة تستمد صحتها من إقرار وتأييد الشارع.

السؤال هو: ماذا نفعل إذا شككنا في وقوع هذا الدور؟ أي إذا وجدنا سنة الآن بين العقلاء أو المتشرعة، لكن شككنا هل هذه السنة أوجدها الزمن بعد انتهاء فترة الشارع أم كانت موجودة في زمنه؟

هناك رأيان في هذا المجال:

يرى بعض العلماء أنه بمجرد رؤية سنة في زمانهم، يحكمون بوجودها في زمن الشارع، بينما يرى كثير من العلماء، ومنهم الشهيد صدر، أنه لا يمكن بمجرد وجود سنة في فترة متأخرة من التشريع أن نحكم بوجودها في فترة التشريع.

هذا الرأي يستند من الناحية المنطقية إلى سبب قوي. السيرة ليست ظاهرة فوق زمانية لا علاقة لها بمسائل الزمان، بل لها ارتباط وثيق سواء في مرحلة النشوء أو في مرحلة الاستمرار والبقاء مع الظروف والمسائل الزمانية.

إذا قبلنا ارتباط السيرة بمسائل الزمان، فإن حجة الفريق الأول الذين يستدلون على وجود السيرة في الأزمنة اللاحقة كدليل على وجودها في زمن الشارع تنهار. فقد تكون سيرة ما قد تشكلت في ظروف معينة بعد عصر التشريع.

الشهيد الصدر يولي اهتمامًا لهذا المنطق والحجة.

ففي موقف ما، رداً على الادعاء بأن وجود السيرة في العصور المتأخرة دليل على ثبوتها في زمن الأئمة(ع)، يقول:

قد تكون السيرة قد تأثرت بعوامل نشأت بعد عصر الأئمة(ع)، مثل الانتشار التدريجي للفتوى في المسألة وما شابه ذلك، ولا تستمد السيرة وجودها من زمن الأئمة(ع).

بالطبع، الشهيد الصدر يقبل بثبوت السيرة في عصر الأئمة(ع) إذا توفرت قرائن تدل على امتداد السيرة حتى زمن الأئمة(ع). ولهذا يقول:

وجود السيرة في الأزمنة المتأخرة فقط، دون إضافة نقطة خاصة إليها، لا يدل على ثبوت السيرة في زمن الأئمة(ع).

طرق التعرف على التطورات التاريخية في السيرة

هل يمكن النظر في طرق يمكن من خلالها التعرف على سير زمن الأئمة(ع)؟

الشهيد الصدر، عند الشك في وجود السيرة في زمن الأئمة(ع) أو عدمه، قدم حلولاً متعددة. نعكس هذه الحلول في الصيغة التالية التي تختلف قليلاً عن الصيغة التي قدمها الشهيد الصدر:

الحل الأول: الدراسة والتحليل التاريخي

بما أننا نسعى لاكتشاف تحقق السيرة في مرحلة تاريخية تبعد كثيرًا عن العصر الحالي، يجب تنظيم دراسة في مجال التاريخ الطويل. الدراسة التاريخية تتكون من عملية معقدة ومرهقة، حيث يجمع الباحث قطعًا مختلفة من القرائن والدلائل في مجال واسع ويصل إلى نتيجة.

ونظرًا لأن هذه النتيجة قد تواجه شكوكًا أو اعتراضات، يجب على الباحث أن يمضي قدمًا حتى يوضح الوجه الحقيقي للتاريخ، ولا يبخل بجمع القرائن وربطها ببعضها.

يمكن القول: رغم أن الدراسة التاريخية تحتاج إلى المرور بعملية معقدة، إلا أن السيرة ظاهرة اجتماعية واضحة وبارزة في الحياة، لذا فإن دراستها التاريخية لا تتطلب المرور بطريق شاق ومجهد، بل يكفي أن نتمكن من جمع بعض القرائن معًا لنكتشف ما إذا كانت السيرة موجودة أم لا؟ فإذا كانت السيرة موجودة حقًا، يظهر وجهها البارز بسرعة، وإذا لم تكن موجودة، تظهر علامات عدم وجودها بسرعة.

على أي حال، الشهيد الصدر يرى أن هذه الدراسة التاريخية ممكنة من خلال دراسة الأمور التالية:

1. فتاوى السنة:

هذه الدراسة مفيدة للوصول إلى السير العقلائية أو المتشرعية في مجال المعاملات. يذكر الشهيد الصدر السبب في ذلك:

لأن فتاوى السنة ربما تكون مستمدة من ارتكازات عقلائية عامة في ذلك العصر.

وبناءً على هذا يمكن أحيانًا من خلال مراجعة فتاوى السنة الوصول إلى ارتكازات عقلائية لذلك العصر.

بالطبع هذه قرينة تُضاف إلى الاستفادة من نقاط أخرى في التاريخ لتكون مثمرة وناجحة، وقد أولى الشهيد الصدر اهتمامًا لهذه المسألة.

2. الروايات:

الروايات مرآة يمكن من خلالها مشاهدة أحوال مختلفة لعصر الأئمة(ع). وبما أننا نبحث في الروايات أساسًا عن الحكم، فقد غفلنا عن قدرتها على عكس الحقائق التاريخية. ومن الحقائق التي يمكن اكتشافها في الروايات هي السير الموجودة في ذلك العصر.

أحيانًا يمكن من خلال دراسة الروايات مباشرة التوصل إلى وجود سيرة في زمن الأئمة(ع)، وأحيانًا أخرى تكشف الدراسة حالات من الناس أو الرواة، وتحليل وجمع هذه الحالات يبين وجود سيرة في ذلك العصر.

الشهيد الصدر أولى هذا الموضوع اهتمامًا وقال:

الروايات تعكس ضمنيًا جوانب من حياة الرواة أو الناس.

الحل الثاني: الاعتماد المستنبط على عنصر

(عدم وصول أو انعكاس مسألة في التاريخ)

أحيانًا لا يحتاج المستنبط إلى السير في طريق طويل عبر التاريخ، ولا إلى عبور طريق وعرة عبر الزمن حتى يصل إلى صدر الإسلام، بل يمكنه بالاعتماد على نقطة تاريخية يمكن اكتشافها بسهولة وسرعة، أن ينظم تحليلًا عقليًا تكون نتيجته اكتشاف وجود سيرة في زمن الأئمة(ع). وهذه النقطة التاريخية هي عدم انعكاس مسألة في التاريخ، وبعبارة أخرى، عدم وصول المسألة إلينا.

ما لا يصلنا أحيانًا هو سيرة، وأحيانًا أخرى مقتضيات عدم وجود سيرة. وفي كلتا الحالتين يظهر وجود السيرة المقابلة بوضوح ويُكتشف. وللتوضيح، ندرس كل واحدة على حدة:

أ) عدم وصول سيرة إلينا:

أحيانًا تكون المسألة ذات الخصائص التالية:

* هي من نوع لا يمكن أن تتشكل فيه سيرة، بمعنى أنها ظاهرة اجتماعية لا يمكن تجنب تشكل سيرة فيها، مثل مسألة التفهيم والتفهم التي لا بد أن تتشكل فيها سيرة وطريقة من قبل المعصوم(ع) ومعاصريه.

* هي من نوع يمكن تقسيم السيرة المفترضة فيه إلى شكلين وتنظيم تقسيم ثنائي، مثلاً في مسألة التفهيم والتفهم السيرة المتشكلة فيها إما أن تكون معتمدة على الظواهر أو طريقة أخرى. والسبب في قدرتنا على إجراء هذا التقسيم الثنائي للسيرة هو وجود سيرة (سيرة الاعتماد على الظواهر) بيننا الآن في مجال التفهيم والتفهم، وطبيعيًا مع ملاحظة هذه السيرة يطرح السؤال: هل كانت سيرة زمن المعصوم(ع) هي هذه السيرة أم شيء آخر؟ وهكذا يتشكل تقسيم ثنائي.

المسألة على النحو الذي إذا كانت السيرة الافتراضية التي تقابل السيرة الحالية موجودة فعلاً في ذلك العصر، لكان يجب أن تنعكس في التاريخ وتصل إلينا، ولكن كيف يمكن رؤية علاقة لازمة بين وجود السيرة في ذلك العصر وانعكاسها في التاريخ؟ الجواب هو أن المسألة حينما تكون ذات بعد اجتماعي وشامل، فإن انعكاس تشكل سيرة ما فيها لا يمكن أن يغيب عن التاريخ ولا يصل إلينا.

مسألة التبليغ والفهم من هذا القبيل. هكذا، بالاعتماد على عنصر عدم الانعكاس في التاريخ الذي هو أمر بسيط الفهم والاعتراف به، يمكن اعتبار السيرة الحالية هي سيرة زمن الأئمة(ع). بالطبع كما ذُكر، لا يمكن الاستفادة من هذا العنصر إلا في ظروف خاصة.

الشهيد الصدر يعكس هذا الموضوع على النحو التالي:

للسلوك الذي نريد إثباته كسلوك عام للناس المعاصرين مع الأئمة(ع)، يُفترض سلوك بديل يُحدد في حالة عدم افتراض السلوك الأول، ويكون السلوك البديل ظاهرة اجتماعية غريبة، فإذا تحقق فعلاً لكان قد سُجل في “التاريخ” ووصل إلينا، لأنه خلاف السلوك المألوف، ولأنّه لم يُسجل، يُعلم أن ما وقع في الخارج هو السلوك الأول، لا السلوك البديل.

ب) عدم وصول مقتضيات سيرة إلينا:

إذا كانت المسألة تتمتع بالخصائص التالية، يمكن اكتشاف سيرة زمن المعصوم(ع) بالنسبة إليها:

* أن تكون بحيث يجعل افتراض عدم تشكل السيرة فيها غير معقول (نفس الخاصية الأولى في القسم السابق).

* أن تكون بحيث يمكن تقسيم السيرة المفترضة تقسيمًا ثنائيًا كما في الفئة السابقة، مع الفرق أن في القسم السابق نأخذ السيرة الموجودة حاليًا في هذا العصر، وبدون عناء نعتبر غيرها النوع الثاني ونشكل التقسيم الثنائي بهذا الشكل، بينما في هذه الفئة ليس من الضروري وجود سيرة حالية، بل يمكن اعتبار كلا النوعين من السير افتراضيين، وعلى عكس الفئة الأولى التي يتم فيها التقسيم الثنائي بإضافة عنوان “غير” إلى السيرة الموجودة، في هذه الفئة يُنظر إلى كلتا السيرتين بشكل محدد ومعرّف، لأننا بالاعتماد على هذه الخاصية نريد التعرف على السيرة الحقيقية في عصر المعصوم(ع)، مثل المثال الذي يذكره الشهيد الصدر، وهو مثال السيرة التي تكتفي بكمية من كف اليد للمسح في الوضوء والسيرة التي تمسح بكل الكف.

كما يُلاحظ، هاتان السيرتان محددتان ومعرّفتان، وكما ستأتي الخاصية الثالثة، نستدل من خاصية السيرة على الهدف ونفهم السيرة الموجودة في عصر الأئمة(ع).

* الخاصية الثالثة هي إمكانية إقامة علاقة لازمة بين عدم وجود سيرة أخرى وانعكاسها في التاريخ بالاعتماد على خاصية السيرة.

في المثال السابق، إذا افترضنا وجود سيرة المسح بكل الكف في زمن المعصوم(ع)، يتضح أن إقامة هذه السيرة، لأنها لا تملك قدرة الدلالة على الجوب، يجب أن تكون في ذلك العصر أسئلة حول وجوب المسح بكل الكف متوجهة إلى الأئمة(ع). وبالاعتماد على هذه الخاصية يمكن طرح لازمة هذه السيرة المفترضة وهي كثرة الأسئلة من الإمام(ع) حول وجوب المسح بكل الكف.

هذه اللزمة لم تصل إلينا، بينما عادةً لو كانت موجودة لكانت وصلت. من هنا نستنتج أن الملزوم، أي السيرة القائمة على المسح بكل الكف، لم تكن موجودة أصلًا.

الشهيد الصدر في جواب هذا السؤال: كيف لو كانت اللزمة المذكورة موجودة لكانت حتمًا وصلت إلينا؟ يشير إلى عدة نقاط: أولها أن في فرض المسألة، يُعتبر الناس مبتلين بهذه المسألة، وطبعًا المسألة المبتلاة لها بعد اجتماعي وشامل، وثانيًا أنه في المسألة لم يكن هناك دافع لإخفاء الحكم الذي يريده الأئمة(ع)، ولا توجد أدلة تبرر هذا الإخفاء، بل إن الدوافع لنقلها وروايتها كثيرة جدًا. هذا الوصف يعني أن الأسئلة المذكورة لم تصل إلينا.

هكذا، من خلال عدم انعكاس هذه الأسئلة في التاريخ، التي تُعتبر لازمة للسيرة، ننفي طرحها وتشكّلها في عصر المعصوم(ع)، وبنفي هذه اللزمة يُنفي الملزوم، أي سيرة المسح بكل الكف، وبنفي هذه السيرة يُثبت السيرة الأخرى، وهي الاكتفاء بكمية من كف اليد.

الحل الثالث: الرجوع إلى الضمير

يمكن تقسيم إدراكات الإنسان إلى قسمين أساسيين:

أولاً: الإدراكات الشخصية والمتغيرة:

لدى البشر، بالإضافة إلى الخصوصية في حياتهم الخاصة، خصوصيات نفسية خاصة. هذه الخصوصيات، رغم أنها في النهاية تربط البشر ببعضهم من خلال الروابط المشتركة، إلا أنه لا يمكن تتبع خطوط محددة من التماثل والتشابه فيها.

ثانيًا: الضمائر العامة والثابتة:

لدى الإنسان في حرم نفسه النفسي إدراكات مشتركة، إدراكات لا يمكن لأحد إنكارها، وتُسمى (الضمائر العامة).

بالاعتماد على هذه المشتركات يمكن إيجاد طريق إلى الأجداد الذين بلا شك كان لديهم مثلنا إدراكات من هذا النوع بالضبط. الاستفادة من هذه المشتركات تأخذ طابعًا علميًا وتاريخيًا أيضًا. في مجال الفقه يمكن الاستفادة من هذه الميزة البشرية. وذلك لأن معرفة وضع شامل في عصر الأئمة(ع)، سواء من نوع الاعتقادات العقلائية أو السير العقلائية المبنية على الاعتقادات، أكثر تأثيرًا في عملية الاجتهاد من أن تكون مجرد مسألة تاريخية أو ترفيهية. في الواقع، إذا شهد الضمير الإنساني أن ما يُدرك اليوم كمعرفة داخلية هو جزء من الضمير والتراث المشترك للنفس البشرية، ومع الأخذ في الاعتبار أن عصر الأئمة(ع) بعيد عن الزمن الحاضر، وأن ذلك العصر كان جزءًا من البيئة التاريخية للبشر، سنكتشف أن الاعتقاد الضميري نفسه كان موجودًا في زمن الأئمة(ع).

في هذا الحل، وعلى خلاف الحلول السابقة، نقوم باكتشاف جزء من الحقائق التاريخية في عصر الأئمة من خلال النظر إلى الداخل.

يستفيد هذا الحل من جانبين مهمين: أولاً أننا نصل إلى حدس داخلي، وثانياً أننا ندرك عمومية وشمولية هذه النتيجة، وبعبارة أخرى، ندرك صفتها المتعالية على الزمان والمكان.

قدم الشهيد صدر هذا الحل على النحو التالي:

عندما يعرض الإنسان مسألة على ضميره وحدسه الداخلي، ويُدرك أن ضميره يتجه إلى اتخاذ موقف معين، كما يُدرك أن هذا الموقف في ضميره يتمتع بدرجة عالية من الثبات، ويتمكن أيضاً من إثبات، بناءً على التحليل الضميري، أن هذا الموقف لا يرتبط بخصائص تتغير من حالة إلى أخرى، أو من عاقل إلى عاقل آخر، يمكنه أن يصل إلى اليقين بأن إدراكه الضميري هو حالة شاملة لجميع العقلاء.