منطقة الفراغ في التشريع الإسلامي في زمن غيبة الإمام المعصوم

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: منطقة الفراغ ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

المؤلف: محمد رحمانی

المقدمة

يمتاز المذهب الإسلامي على غيره من المذاهب العالمية بخصائص وتفوق، من بينها نظام التشريع (الفقه) في الإسلام.

فالإسلام يمتلك قوانين لجميع الاحتياجات الفردية والاجتماعية في أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المختلفة، ولم يترك الإنسان ولو للحظة واحدة بدون برنامج وتعليمات.
ما يُناقش ويُراجع في هذا الكتاب هو هذا الأمر المهم: هل توجد في الإسلام مسائل وموضوعات في زمن غيبة الإمام المعصوم يترك الله حكمها بيد الحاكم الإسلامي؟ بمعنى آخر، هل لدينا فراغ قانوني في نظام التشريع الإسلامي أم لا؟ وإذا كان هناك فراغ قانوني، فما المقصود به وكيف يجب ملؤه، وما دور ولي الفقيه (ولي الأمر) في ملئه؟

المباحث التي يُتناولها هذا المقال بإيجاز هي: أصل كلمة قانون، معنى القانون، تعريف القانون اصطلاحًا، المقصود من الفراغ القانوني، دراسة ونقد نظرية منكرين ولاية الفقيه، دراسة وتحقيق نظرية حصر القانون لله، دراسة نظرية جواز وضع القانون للحاكم.

مفهوم القانون

يكتب دهخدا في المعجم: القانون معرّب من الكلمة اليونانية “كانون” وليس عربيًا، لكنه مستعمل في العربية.[١]
وقد رجح آخرون أن كلمة قانون مأخوذة من السريانية[٢] أو الرومانية[٣] أو الفارسية[٤]. على أي حال، هناك اتفاق على أن كلمة قانون ليست عربية الأصل.
وقد وردت معانٍ كثيرة لكلمة قانون في كتب المعاجم؛ منها القاعدة، الرسم، الأمر، السؤال، الطريقة، المقياس.[٥] ويبدو أن هذه المعاني تشترك في مفهوم التحديد والتعيين. وما يُناقش في هذا المقال هو المعنى الثالث.
وفي التعريف الاصطلاحي للقانون قيل: (أمر كلي ينطبق على جميع جزئياته التي تُتصرف أحكامها منه).[٦]
هذا التعريف يشمل الأمور الاعتبارية والحقيقية، وفي هذا المقال يُبحث فقط في القانون الوضعي والاعتباري الذي يقرره الحقوقيون والقضاة والسياسيون والفقهاء، أما القوانين التي تحكم غير الاعتباريات فموضوعها في مكان آخر.
وفي هذا البحث نسعى إلى توضيح ودراسة مسألة مجال الفراغ القانوني.

معنى الفراغ القانوني

لا شك أن الفراغ القانوني بمعنى وقوع موضوع أو حادث لم يُنص عليه صراحة في الشرع أو بعموم أو إطلاق الكلمة غير موجود. لأن هناك آيات وأحاديث كثيرة بيّنت حكم جميع الموضوعات والحوادث، حتى الدية والأرش في الضرر الواقع على اليد. لكن الفراغ القانوني بمعنى أن الله سبحانه وتعالى قد ترك بيان حكم بعض الموضوعات للحاكم الشرعي واعتبر حكمه حكمه هو، هو محل بحث ودراسة. ومن المناسب أن يُطرح عنوان الفراغ القانوني باعتباره اختيار وضع القانون للولي الأمر في إدارة الحكم.

١ـ رأي منكرين ولاية الفقيه

يرى بعض الفقهاء أن الحاكم الإسلامي في زمن الغيبة يقتصر نطاق ولايته وصلاحياته على الأمور الحسبية فقط. لذلك لا يوجد عنوان يسمى الفراغ القانوني الذي يترك فيه الشرع الحكم للولي الأمر. وقد قيل في تعريف الأمور الحسبية إنها الأمور التي لا تحتاج إلى شكوى أو خصومة أو تظلم عند تصرف السلطات الرسمية (الفقهاء في غياب عدول المؤمنين)، بل يجب على السلطات المختصة أن تتدخل وتتولى هذه الأمور ارتجالاً.
والفقهاء الذين لم يقبلوا ولاية الفقيه يجب أن يكونوا من أصحاب هذا الرأي. ومن المناسب هنا أن نورد كلامًا لأحد مؤيدي هذه النظرية كمثال.[٧]
يقول صاحب تنقيح: “إن الولاية لم تثبت للفقيه في عصر الغيبة بدليل، وإنما هي مختصة بالنبي والأئمة عليهم السلام، بل الثابت حسبما يُستفاد في الروايات أمران: نفوذ قضاءه وحجية فتوته، وليس له التصرف في مال القصر أو غيره مما هو من شؤون الولاية إلا في الأمر الحسبي.”[٨]
أي أنه في زمن الغيبة لم يثبت دليل على ولاية الفقيه، بل الولاية مختصة بالنبي(ص) والأئمة(ع). وما يُستفاد من الروايات في حق الفقيه أمران: نفوذ قضاءه (الحكم في المرافعات)، وحجية فتوته. وليس له حق التصرف في أموال القصّر وما شابهها من شؤون الولاية إلا في الأمور الحسبية.
وبناءً على هذه النظرية، لا يحق للولي الأمر وضع أي قانون أو حكم. ونتيجة هذا الموقف هي عدم سيادة الدين والفقه في جميع جوانب الحياة، خلافًا لمن قبلوا ولاية الفقيه.
وبناءً على هذا الموقف، لا يسبق أي فقيه آخر في التصرف في الأمور الحسبية على فقيه آخر، لكن وفقًا لرأي المؤمنين بولايه الفقيه، فإن الولي الأمر ـ الذي يُعتبر مسؤول إدارة المجتمع ـ له حق التقدم في التصرف في الأمور الحسبية على الفقهاء الآخرين. كما أن معيار تصرف الفقيه في هذا الرأي هو تحقق العنوان الثانوي، خلافًا لرأي المؤمنين بولايه الفقيه، لأن معيار تصرف الفقيه هو تشخيص مصلحة النظام والعامة.

نقد ودراسة

ثبوت الولاية للفقيه إجمالًا من المسائل التي قبلها كثير من الفقهاء. والدليل على ذلك، بالإضافة إلى دلالة الآيات والأحاديث وكيفية وضع القوانين، هو أن العمل بالعديد من القوانين يعتمد على ولاية الفقيه وممارسة سلطته. والعقل أيضًا يحكم بذلك. وما يستحق البحث والنقد هو نطاق الصلاحيات وشروط وصفات الولي الفقيه، وهل تعيينه انتخابي أم تنصيبي.

٢ـ نظرية حصر القانون لله

نظرية أخرى في الموضوع تقول إنه رغم أن الفقهاء لهم ولاية في زمن الغيبة، إلا أنهم لا يملكون حق التشريع؛ لأن وضع القانون من خصائص الله تعالى. وبما أن جميع الموضوعات والحوادث الحالية والمستقبلية قد بيّن حكمها، فلا يوجد عنوان يسمى الفراغ القانوني ليملأه الولي الفقيه.
وفقًا لهذا الرأي، يحق للفقهاء في زمن الغيبة فقط تشخيص الحكم الإلهي، ويجب في الوقائع الاجتماعية تشخيص حكم الله. بمعنى آخر، حكم الله في جميع الموضوعات، حتى الحوادث الواقعة، قد بيّن، والولي الأمر يبيّن شكله وقالبَه، لا حكمه.
في كتاب معالم الحكمة جاء: “التشريع خاص بالله فقط، ولا يوجد مشرع أو مقنن غيره. لا يحق لأي فرد، مهما بلغ من العلم والثقافة والقوة الفكرية والاجتماعية، أن يقرر حكمًا أو يحل حرامًا أو يحرم حلالًا.”[٩]
وبناءً على هذه النظرية، لكل حكم ثلاث مراحل: ١- مرحلة التشريع ووضع القانون، وهذه من خصائص الله تعالى. ٢- مرحلة التشخيص، وهذه من خصائص الفقهاء. ٣- مرحلة تحديد الخطوط العريضة، وهذه من مهام مجلس الشورى الإسلامي وما شابه.

في أنوار الفقهاء جاء: “يعتقد فقهاء الشيعة أنه لا يحدث واقعة إلا وقد ورد نص من الشرع بشأنها، ولا يوجد أمر إلا وله حكم، لأن أصول وفروع الدين كاملة ولا مجال للتشريع لأحد… لذلك لا وجود للفراغ القانوني في الشيعة، لأن كل ما يحتاجه الأمة الإسلامية في حياتها الشخصية والاجتماعية من الأمور الدنيوية والمعنوية قد بيّن حكمه. فلا فراغ قانوني ولا يحق للفقيه التشريع. ومهمة الفقيه فقط أمران: الإفتاء وهو الجهد في كشف الأحكام من المصادر الأربعة، والولاية والحكم وهو تطبيق الأحكام على مواردها.”[١٠]
ويستدل العلماء الذين ينكرون الفراغ القانوني بالآيات والأحاديث التي تفيد أن التشريع حكر على الله تعالى، ولا يملك أحد، حتى رسول الله والأئمة عليهم السلام، حق التشريع، لأن المشرع له شروط لا تتوفر إلا في الله، مثل العلم المطلق، عدم النفع والضرر، حق المولوية، وغيرها.

نقد ودراسة

يبدو أن عدم وضوح موضوع النزاع أدى إلى خلط الأمور مع بعضها. فإذا كان المقصود من الذين ينكرون الفراغ القانوني هو المعنى الأول، فالأمر صحيح، فلا يوجد موضوع أو واقعة لم يُبين حكمها صراحة أو إطلاقًا أو من خلال الأصول العملية. ولا خلاف في هذا بين أحد، حتى أصحاب نظرية الفراغ القانوني يقبلون هذا المعنى، وإلا لُطِمَ شمول الإسلام.
الفراغ القانوني الذي يقبله بعض العلماء هو أن الله تعالى كما بيّن أحكام بعض الموضوعات صراحة أو بإطلاق أو عموم، فقد ترك بيان حكم بعض الموضوعات الأخرى، خصوصًا المتعلقة بإدارة المجتمع والمتغيرة، للولي الفقيه، وقال: حكمه حكمِي. إذًا حكم الله في هذه الحالات هو الحكم الذي يبيّنه الولي الأمر بناءً على مصالح عامة الناس، وحكم الولي الأمر ليس مجرد تطبيق الأحكام العامة الإلهية على المصاديق أو كشف الأحكام الجزئية من العمومات والإطلاقات، بل كما أن حكم الله مستقل، فإن حكم الولي الأمر مستقل أيضًا، لكن بإذن وتوقيع الله في حالات وشروط خاصة.
هذا التفسير للفراغ القانوني ـ أو بالأحرى اختيار التشريع للحاكم ـ لا يتعارض مع أي من الأدلة التي استُدل بها على نفيه.
أما الأحاديث التي تدل على أن جميع أحكام الإسلام، حتى الأرش في الضرر باليد، قد بيّنت من الله، فلا تتعارض مع هذا المعنى للفراغ القانوني، لأن نفوذ وحجية حكم الحاكم في بعض الحالات هو بمثابة بيان حكم تلك الحالات من الله، وحكم الحاكم بإذن ورغبة الله، ونفوذ وحجية حكم الحاكم من الأحكام الأولية الإلهية.
يقول الإمام الخميني: “الحكومة التي هي فرع من الولاية المطلقة لرسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ هي من الأحكام الأولية للإسلام، ومقدمة على جميع الأحكام الفرعية حتى الصلاة والصوم والحج.”[١١]
وأما الأحاديث التي تدل على بقاء حلال وحرام الله إلى القيامة، فلا تتعارض مع هذا المعنى للفراغ القانوني، لأن هذا الاختيار للولي الأمر في وضع الحكم الحكومي من الأحكام الموضوعة من الشرع، ويبقى إلى القيامة، ولا يتعارض مع خلود الأحكام الإلهية.
بعبارة أخرى، بعض الأحكام الإلهية ثابتة ولا يجوز تغييرها أو تبديلها، منها صلاحيات الولي الأمر في إدارة الحكم. أما أن يكون للمشرع شروط لا تتوفر إلا لله الواحد الأحد، فصحيح في الحالات التي يشرع فيها المشرع القانون بشكل مستقل، لكن في موضوع الولي الأمر، بما أن الله أذن له، فإن قانونه له قيمة واعتبار. إذًا في الواقع المشرع هو الله لا الحاكم.
وفي الختام لتوضيح هذا الموضوع، من المناسب الإشارة إلى جعل الولاية من الله للأب في بعض الحالات، مثل المباحات والمستحبات والمكروهات. كيف لا يتعارض أمر الأب وحكمه مع الأحكام الإلهية؟ فبنفس الطريقة لا يتعارض حكم الحاكم مع الأحكام الإلهية.

٣ـ نظرية وضع القانون من قبل الولي الأمر

النظرية الرابعة المتعلقة بدور الولي الأمر في ملء نقاط الفراغ القانوني (المباحات) هي أنه كما كان رسول الله والأئمة عليهم السلام مأذونين من الله في وضع القوانين في مجال إدارة الحكم وإدارة المجتمع، فقد أُعطيت نفس الصلاحيات للفقيه الجامع الشروط الذي يتولى إدارة الحكم والمجتمع الإسلامي.
لا شك أن رسول الله والأئمة عليهم السلام وضعوا في كثير من الحالات أحكامًا حكومية مؤقتة تتعلق بحاجات ومصالح المجتمع وبما يتناسب مع ظروف الزمان والمكان، وقد أُعطيت هذه الصلاحية لفقيه مدير المجتمع، لأنه بدون هذه الصلاحية والحق، ستكون إدارة المجتمع والحكم بلا معنى.
يمكن تقديم أدلة كثيرة على هذا، لكن لتجنب الإطالة نكتفي بدليلين رئيسيين، وهما الأحاديث وبيان بعض الأحكام الحكومية التي أُعطيت للفقهاء صلاحية وضعها أو توسيعها أو تضييقها.

لتوضيح موضوع النزاع، من الضروري قبل البدء في الموضوع الإشارة إلى بعض الأمور بإيجاز:
١- الأحكام الإلهية نوعان: أحكام ثابتة لا تتغير في أي زمان ومكان، مثل ضرورات الإسلام كالصلوات، الصوم، الحج وغيرها التي لا تقبل التغيير وثابتة إلى الأبد، رغم أن ظروف الزمان والمكان قد تؤثر في كيفية تنفيذها. تشريع هذه القوانين من خصائص الذات المقدسة الإلهية ولا يحق لأحد غيره وضعها.[١٢]
النوع الثاني من الأحكام هو التي تنبع من الولاية وتُوضع حسب مصلحة الوقت وتُنفذ. كما هو واضح، هذه الأحكام تخضع للبقاء والزوال حسب مقتضيات وظروف الوقت، وتتغير مع تقدم المدنية وتبدل المصالح والمفاسد. نعم، أصل الولاية كحكم سماوي من مواد الشريعة لا يقبل التغيير أو النسخ.[١٣]
٢- الأحكام الإسلامية من جهة أخرى تنقسم إلى قسمين: أحكام تكليفية وأحكام وضعية. الأحكام التكليفية خمسة أنواع تعرف بالأحكام الخمسة: الوجوب، الحرمة، الاستحباب، الكراهة، والإباحة. بعضها إلزامي مثل الوجوب والحرمة ويسمى في الاصطلاح الحقوقي بالقوانين الآمرة، وبعضها غير إلزامي مثل بقية الأحكام.
ربما يكون المقصود من كبار العلماء الذين آمنوا بمنطقة الفراغ وقالوا إن وضع القانون فيها من اختصاص الله تعالى للحاكم الإسلامي، هو في نطاق الأحكام غير الإلزامية. في هذا الصدد يقول الشهيد الصدر:[١٤] “المذهب الاقتصادي الإسلامي يتضمن جانبين: جانب محدد من قبل الشرع لا يجوز تغييره أو تبديله، وجانب آخر يسمى منطقة الفراغ، حيث ترك الإسلام تحديد قوانينه للدولة أو الولي الأمر.” من هذا التعبير يُستفاد أن مجال صلاحيات الحاكم الإسلامي في الأحكام غير الإلزامية، لأن الأحكام الإلزامية لا تقبل التغيير.
٣- معنى منطقة الفراغ هو أن الله تعالى ليس بلا نظر أو حكم في بعض الموضوعات، بل معنى منطقة الفراغ هو أن الله قد وضع حكمًا لكل الموضوعات ولم يترك موضوعًا بلا حكم، لكن حكم بعض الموضوعات هو الحكم الذي يقرره الحاكم الشرعي. على سبيل المثال، إذا أقرّ السلطة التشريعية في دولة ما وجوب الدفع، وترك صلاحية تحديد الحالات والمبالغ للسلطة التنفيذية، فهذا لا يعني أن السلطة التشريعية بلا قانون في هذه الأمور، لأن صلاحية السلطة التنفيذية مقررة من السلطة التشريعية.
لذا حكم الحاكم في منطقة الفراغ (قدر متيقن من المباحات) هو حكم الله، والحاكم يقرر الحكم لأنه مُخوّل من الله، وهذه التفويضات في صلاحيات الحاكم في هذه الأمور من قوة نظام التشريع الإسلامي الذي يملك قانونًا مناسبًا لكل ظرف.
٤- وضع الوجوب أو الحرمة في نطاق المباحات وحتى المستحبات والمكروهات في بعض الحالات أمر مسلم به ومقبول من معظم الفقهاء، مثل أن الإنسان يمكنه بالنذر أن يجعل أمرًا مباحًا واجبًا عليه، أو يحرم عليه أمرًا مباحًا. ولا يُظن أن هناك فقيهًا يعارض هذا.
يقول الشيخ الطوسي: “فمتى كان ما نذر عليه وحصل وجب عليه الوفاء بالنذر فيه ولم يُسغ له تركه.”[١٥]
أي أن موضوع النذر دائمًا إما مباح فيصبح بواسطته واجبًا أو حرامًا، أو مستحب فيصبح واجبًا، أو مكروه فيصبح حرامًا.
ومن الأمور التي تسبب جعل حكم على الإنسان القسم، وهذا أيضًا أمر مسلم به ومقبول من الفقهاء، حيث يمكن للإنسان بالقسم، بشروطه، أن يجعل ما هو مباح عليه حرامًا أو واجبًا، والاستحباب واجبًا، والكراهة حرامًا.
والعهد من الأمور الأخرى التي تسبب جعل الوجوب أو الحرمة على ذمة الإنسان، وهذا أيضًا متفق عليه، فإذا عاهد الإنسان على شيء بشروط العهد وجب عليه الوفاء.
يقول صاحب الوسيلة: “يُعتبر فيه ألا يكون مرجوحًا دينًا أو دنياً، ولا يُعتبر فيه الرجحان فضلاً عن كونه طاعة كما اعتُبر ذلك في النذر، فلو عاهد على فعل مباح لزم.”[١٦]
ومن الأمور المقبولة عند الفقهاء الشرط ضمن العقد، حيث يمكن للبائع أو المشتري أن يلزم الطرف الآخر بأي شيء ما لم يكن مخالفًا لكتاب الله وسنة رسوله ومقتضى العقد. يقول آية الله الحكيم: “كما يجب الوفاء بالعقد اللازم يجب الوفاء بالشرط المجهول فيه، كما إذا باع فرسًا بثمن معين واشترط عليه أن يخيط له ثوبًا، فإن البائع يملك على المشتري الخياطة بالشرط فيجب عليه خياطة الثوب.”[١٧]
ومن الأمور التي تسبب جعل حكم على الإنسان، وإن لم يكن الحكم الأولي واجبًا، أمر الأب، حيث يقول صاحب عروة: “الخامس من الشروط ألا يكون السفر حرامًا، وإلا لم يُقصّر… وسفر الولد مع نهي الوالدين في غير الواجب.”[١٨]
وأمر الزوج للزوجة كذلك، فالزوج مثل الأب والأم يمكنه في بعض الحالات أن يحرم على زوجته أمرًا مباحًا. ويضرب صاحب عروة في نفس الشرط الخامس مثالًا على سفر المرأة بدون إذن الزوج باعتباره حرامًا.[١٩]
المقصود من نقل هذه الأمثلة هو أنه إذا قيل إن الله ـ وهو الشرع الحقيقي والأساسي ـ قد فوّض وضع حكم بعض الموضوعات للحاكم الشرعي، ويسمى ذلك بمنطقة الفراغ، فلا ينبغي الاستغراب، لأن غير الحاكم الشرعي يمكنه أحيانًا أن يجعل شيئًا لم يوجبه أو يحرمّه الله واجبًا أو حرامًا على نفسه (كما في الأمثلة الأولى إلى الرابعة)، وأحيانًا يفرض الآخرون على الإنسان شيئًا لم يوجبه أو يحرمّه الله عليه (كما في المثالين الخامس والسادس).
٥- لتوضيح النقاش ندرسه من منظورين: ١. الأحاديث ٢. الأحكام الحكومية للفقهاء.

١ـ الأحاديث

فتح المحدثون الكرام في كتب الحديث بابًا بعنوان (التفويض) ونقلوا العديد من الأحاديث، بعضها من حيث السند لا عيب فيه ودلالته واضحة، خصوصًا مع القرائن والشواهد الموجودة في الأحاديث، منها أن في بعضها أحكامًا وضعها رسول الله(ص) نذكر بعضًا منها.
١- (عن زرارة أنه سمع أبا جعفر وأبا عبد الله عليهما السلام يقولان: إن الله تبارك وتعالى فوّض إلى نبيه صلى الله عليه وآله أمر خلقه لينظر كيف طاعتهم ثم تلا هذه الآية: (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)؛[٢٠] زرارة يقول: سمعت من الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام يقولان: إن الله عز وجل فوّض أمر خلقه إلى نبيه لينظر كيف يطيعون، ثم تلا هذه الآية: خذوا ما جاءكم به الرسول وابتعدوا عما نهاكم عنه).
وفي أحاديث أخرى ورد نفس المعنى، مع إضافة أن ما يُفوّض إلى رسول الله(ص) يُفوّض إلى الأئمة(ع)، كما في الحديث الثالث.
٢- (محمد بن حسن الميثمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: إن الله عز وجل أدّب رسوله حتى قوّمه على ما أراد ثم فوّض إليه فقال عز ذكره: (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) فما فوّض الله إلى رسوله فقد فوّضه إلينا؛[٢١] الميثمي يقول: سمعت الإمام الصادق(ع) يقول: إن الله عز وجل أدّب رسوله حتى استقام على ما أراد، ثم فوّض إليه، ثم قال: خذوا ما جاءكم به الرسول وابتعدوا عما نهاكم عنه، فما فوّض الله إلى رسوله فوّضه لنا أيضًا).
٣- (عبد الله بن سنان، عن بعض أصحابنا، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى أدّب محمدًا صلى الله عليه وآله فلما تأدب فوّض إليه فقال تبارك وتعالى: (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) فقال: من يطع الرسول فقد أطاع الله. فكان فيما فوّض فيه في القرآن فروض الصلب وفرض رسول الله فروض الجد فأجاز الله ذلك.[٢٢] أبو جعفر يقول: أدّب الله محمدًا، فلما تم تأديبه فوّض إليه، وقال: خذوا ما جاءكم به الرسول وابتعدوا عما نهاكم عنه، ثم قال الإمام: من أطاع الرسول فقد أطاع الله. ومن الأمور التي فرضها القرآن تحديد نصيب كل فرد من الإرث من الصلب، وقد حدد الرسول نصيب الجد ووافق الله ذلك).
هذه الأحاديث وما شابهها تدل على أن في بعض الحالات فوّض وضع القانون إلى رسول الله(ص)، وأنه وضع ما لم يقرره الله، كما في الحديث الأخير والحديث الرابع من الباب.

٢ ـ الأحكام الحكومية للفقهاء

الدليل الثاني على صلاحية الفقهاء في وضع بعض القوانين هو وجود الأحكام الحكومية لرسول الله والأئمة عليهم السلام والفقهاء. لا شك أن هذه الأحكام صدرت لأنهم كانوا مسؤولين عن إدارة المجتمع والحكم، لا لأنها تعبير عن الأحكام الإلهية.
في هذا المقال نمتنع عن ذكر الأحكام الحكومية لرسول الله والأئمة عليهم السلام لتقصير المقال، ونكتفي بذكر بعض الأحكام الحكومية للفقهاء:

نماذج من الأحكام الحكومية للفقهاء في العبادات

١- الحكم بثبوت الهلال: هذه المسألة رغم وجود اختلاف حولها، يرى كثير من الفقهاء أن حكم الحاكم في الرؤية والثبوت حجّة، منهم: يقول الشيخ الصدوق: (كل من كان في مكان يوجد فيه سلطان (حاكم إسلامي)، يجب أن يكون صيامه وإفطاره متوافقًا معه، لأن معارضته تعني معصية الله).[٢٣]
ويقول صاحب جواهر: (عموم أدلة نفوذ حكم الحاكم وعموم الأدلة الدالة على أن رد الحاكم رد للأئمة عليهم السلام تشمل حكم الحاكم في رؤية الهلال وثبوته).[٢٤]
ويقول السيد اليزدي: (بحكم الحاكم، ما لم يثبت خطأ الحكم وأسبابه، يُثبت رؤية الهلال).[٢٥] ولم ينتقد هذا الرأي إلا واحد من أحد عشر صاحب حاشية على عروة الوثقي، وقُبل. إذًا حكم الحاكم في ثبوت الهلال معتبر ونافذ لأنه حكم الحاكم الإسلامي.
٢- حكم أمير الحاج في يوم عرفة وعيد الأضحى: من مناصب الحاكم الإسلامي تولي إدارة حجاج بيت الله الحرام (أمير الحاج). وقد صرح كثير من الفقهاء بذلك، منهم:
يقول شيخ الطائفة: (من المستحب أن يقيم الإمام (أمير الحاج) صلاة الظهر والعصر في يوم التروية (الثامن من ذي الحجة) في منى).[٢٦]
ويقول ابن إدريس: (من المستحب أن يتحرك الإمام (أمير الحاج) في يوم عرفة بعد طلوع الشمس من منى إلى عرفات).[٢٧]
ويقول المحقق الحلّي: (في الخروج من مكة، يتقدم الإمام (أمير الحاج) على الآخرين ليقيم صلاة الظهر والعصر في منى).[٢٨]
ويقول صاحب جواهر في النقاش: (المقصود بأيام أمير الحاج هو ما صرح به كثير من الفقهاء).[٢٩]
لذا، كل التعليمات التي يصدرها أمير الحاج لتوجيه الحجاج والرد على مسائلهم الشرعية هي أحكام حكومية.
٣- حكم دفع الزكاة: هناك اختلاف بين الفقهاء هل يجب دفع الزكاة للفقيه أم لا؟ المتفق عليه هو الأفضلية والاستحباب دفعها للفقيه دون طلبه، لكن مع الطلب قال بعضهم إنه واجب، منهم:
يقول الشيخ الأعظم: (إذا طلب الفقيه الزكاة، فإن أدلة نيابة الفقيه عن الإمام المعصوم تدل على وجوب ردها للإمام، لأن عدم دفعها له حكم عدم دفعها للإمام المعصوم).[٣٠]
يتضح أنه يجب اتباع حكم الفقيه لأنه الحاكم الإسلامي ونيابة الإمام(ع).
٤- حكم الجهاد الابتدائي: هناك اختلاف بين الفقهاء هل يمكن للفقيه في زمن الغيبة أن يفتي بوجوب الجهاد الابتدائي أم لا؟ قال بعض الفقهاء إنه كما أن مسؤولية الدفاع عن حرم الإسلام ومقدماته تقع على عاتقهم، فإذا رأوا أن الجهاد الابتدائي فيه مصلحة ملزمة، يمكنهم الحكم به، منهم:
في كتاب جواهر: (إذا لم يُجمع على عدم مشروعية الجهاد الابتدائي في زمن الغيبة، فلا دليل على عدم مشروعيته، لأن أدلة نيابة الفقيه مع عموم أدلة الجهاد تثبت جواز الجهاد الابتدائي في زمن الغيبة).[٣١]
وفي منهاج الصالحين: (ظاهر الأمر أن وجوب الجهاد في زمن الغيبة لا يُرفع عن المسلمين، بل ظاهر الأمر أن الجهاد في كل الأزمان مع وجود شروطه واجب على المسلمين).[٣٢]
وفي كتاب ولاية الفقيه: (ما ورد في الأحاديث هو وجوب الجهاد الابتدائي مع الإمام العادل، والإمام العادل يشمل الإمام المعصوم والحاكم الإسلامي، وإن كان في زمن الحضور مصداق الإمام العادل هو المعصوم(ع). إذًا شرط الجهاد الابتدائي ليس وجود أو إذن الإمام المعصوم).[٣٣]
لذا، إذا كان الجهاد الابتدائي مشروعًا في زمن الغيبة، فإن الأمر به من الأحكام الحكومية ولا يصدر إلا من الحاكم الإسلامي.
٥- حكم بعض مراحل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: حدد الفقهاء مراحل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقالوا إن مشروعية المرحلة الثالثة تحتاج إلى حكم وإذن الحاكم الإسلامي. كمثال:
يقول الشيخ الطوسي: (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كلاهما واجبان بالقلب واللسان واليد…) وفي النهاية يقول: (أحيانًا يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد بمعنى إجبار الناس بالقوة أو التذكير بالقوة، أو قتل أو جرح إنسان، فمشروعية هذه المرحلة تحتاج إلى إذن وحكم السلطان (الحاكم الإسلامي) في ذلك الوقت).[٣٤]
ويقول ابن براح: (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد أحيانًا يكون بالقتل والقوة وإحداث الجراحات، لكن لا يجوز للمكلف القيام بهذه المرحلة إلا بإذن وحكم الإمام العادل (الحاكم الإسلامي)).[٣٥]
من هذه العبارات وما شابهها يتضح أن المرحلة النهائية من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مشروطة بحكم الحاكم الإسلامي، وهذا الحكم بلا شك من الأحكام الحكومية، حيثما رأى الحاكم صلاحًا أعطى الإذن، وبدون إذنه تسقط المشروعية.
٦- حكم تعطيل الحج مؤقتًا: يقول الإمام في صلاحيات الحكومة الإسلامية: (يمكن للحكومة أن تمنع الحج ـ وهو من الفرائض المهمة لله ـ مؤقتًا في الأوقات التي تراها مخالفة لمصلحة الدولة الإسلامية).[٣٦]

لا شك أن تعطيل الحج إذا رأى الحاكم الإسلامي مصلحة المجتمع والدولة الإسلامية فيه، فهو من الأحكام الحكومية والموقتة.

٧ ـ الحكم بوجوب البراءة من المشركين: لقد نبه الإمام إلى هذه المسألة في مناسبات كثيرة. على سبيل المثال، في رسالة عام ١٣٦٢ بمناسبة عيد الأضحى يقول: يجب على الجميع الاقتداء بأبي التوحيد وأبي الأنبياء العظام. وفي سورة التوبة التي أمر أن تُقرأ في الجمع العام بمكة نقرأ: (وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ) فهذه صيحة البراءة من المشركين في مراسم الحج، وهي صيحة سياسية عبادية أمر بها رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ).[{{C7}}]

نماذج من الأحكام الحكومية الاقتصادية عند الفقهاء

١ ـ الحكم ببيع أموال المحتكر: من الأحكام الحكومية إجبار المحتكر على بيع أمواله المحتكرة. وهذه المسألة مقبولة عند كثير من الفقهاء. على سبيل المثال: يقول الشيخ المفيد: (وللسلطان أن يكراه المحتكر على إخراج غلّته وبيعها في أسواق المسلمين إذا كانت بالناس حاجة ظاهرة إليها؛{{F3}} يمكن للحاكم الإسلامي إجبار المحتكر على إخراج البضائع (عرضها للبيع) وبيعها إذا كان الناس بحاجة واضحة إليها.

وفي شرائع الإسلام يقول: ويجبر المحتكر على البيع؛ (من قبل الحاكم)؛ أي يُجبر المحتكر على بيع البضائع المحتكرة.[{{E12}}]

ويقول صاحب جواهر: (في هذه المسألة ادعى جماعة الإجماع).

وقد ورد هذا المعنى في العديد من الروايات، منها في توحيد الصدوق قوله: (مرّ النبي (ص) على محتكر فأمر أن تُعرض البضائع للبيع).[{{N4}}]

الأصل في هذه المسألة، أن للحاكم الحق في إجبار المحتكر على بيع أمواله المحتكرة، وهذا محل اتفاق الفقهاء، وأحد مسائل الخلاف هو تسعير البضائع المحتكرة، ومسألة أخرى هي تحديد حالات الاحتكار، هل هي محصورة في بعض الحالات الخاصة في الروايات، أم تشمل كل ما يحتاجه المجتمع بشكل ملح ويعاني بدونه.

٢ ـ أحكام الحاكم في الأوقاف العامة: يقول المرحوم السيد اليزدي: إذا لم يعين الواقف متولياً لإدارة الوقف، فهل تقع إدارة الوقف على عاتق الواقف، أو الموقوف عليه، أو الحاكم؟ وإذا كان الوقف خاصاً تقع إدارته على الموقوف عليه، وإذا كان عاماً تقع إدارته على الحاكم؟ في هذه المسألة توجد عدة آراء.

والقول الأقوى أن الإدارة وحق التصرف للحاكم، سواء قلنا إن الوقف يبقى ملكاً للواقف، أو ينتقل إلى ملك الموقوف عليه، أو نقول إن الوقف يصبح ملك الله.[{{C7}}]

لذا، فإن جميع التصرفات وأحكام الحاكم الشرعي في الأوقاف العامة هي أحكام حكومية، ويشمل ذلك بيع الوقف، قبض الوقف، وغيرها.

٣ ـ أحكام الحاكم في الأموال المحجور عليها: يقول العلامة الحلي في القواعد: للحاكم الإسلامي والأشخاص الموثوق بهم ولاية على المحجور عليه ـ الذي يكون بسبب صغر السن، الجنون، الإفلاس المالي أو السفه.[{{F3}}]

لذا، فإن جميع أحكام الحاكم في هذه الحالات، لأنها نابعة من كونه حاكماً، فهي أحكام حكومية.

٣ ـ الحكم بدفع مصاريف اللقيط: إذا وُجد إنسان حر مثل الأطفال المتروكين، فإن تكاليف رعايتهم تقع على عاتق الحاكم الشرعي. ولا شك في هذا الأمر. على سبيل المثال، يُنقل عن بعض الفقهاء فتوى تقول: يقول ابن حمزة في الوسيلة: (إذا وُجد إنسان حر ضائع، يجب إبلاغ الحاكم الشرعي ليصرف تكاليفه).[{{E12}}]

وبلا شك فإن تصرفات وأوامر الحاكم الشرعي في هذا الشأن هي حكومية.

ويقول ابن براج في كتاب مهذب: (إذا وُجد إنسان حر، يجب على من وجده أن يُبلغه إلى حاكم الإسلام ليُصرف من بيت المال تكاليف رعايته).[{{N4}}]

٥ ـ الحكم بالعفو أو تحديد مقدار الجزية: يعتقد كثير من الفقهاء أن العفو أو تحديد مقدار أو نوع الجزية من اختصاص الإمام (الحاكم الإسلامي).[{{C7}}]

يقول المحقق الحلي: (لا يوجد مقدار محدد للجزية، بل تحديد مقدارها من اختصاص الإمام (الحاكم الإسلامي) الذي يقررها وفق مصلحة).[{{F3}}]

لذا، فإن كل حكم يصدر عن الحاكم الإسلامي في موضوع العفو أو تحديد مقدار الجزية يدخل ضمن الأحكام الحكومية.

٦ ـ الحكم بالحسب للمدين: إذا امتنع المدين عن دفع دينه، يمكن للحاكم الإسلامي أن يأمر بحبسه. يقول الشيخ الطوسي: (إذا طال المدين في دفع الدين، يجب على الحاكم الإسلامي حبسه حتى يوافق على دفع دينه).[{{E12}}]

٧ ـ الحكم بتسعير البضائع المحتكرة: رغم وجود خلاف بين الفقهاء في هذه المسألة، فقد أفتى بعضهم بجوازها، منهم:

يقول الشيخ المفيد في المقنعة: يمكن للسلطان (الحاكم الإسلامي) تسعير البضائع المحتكرة بناءً على المصلحة التي يراها، ولكن يجب ألا يكون التسعير على نحو يضر بأصحاب الأموال.[{{N4}}]

وفي جواهر يقول: التسعير من الحاكم جائز في حال ظلم المالك.[{{C7}}]

وفي ولاية الفقيه جاء: (التسعير من الحاكم جائز إذا لم يتحقق السعر المعتدل بعرض السلعة).[{{F3}}]

٨ ـ الحكم بتحرير الأرض: من طرق تملك الأراضي البور إحياؤها، والتحجير في الفقه سبب للأولوية. فإذا حجز شخص أرضاً ولم يحييها، يجبره الحاكم الإسلامي على إحيائها أو تركها.

يقول العلامة الحلي في شرائع: (إذا لم يحيي شخص الأرض بعد تحجيرها، يجبره الحاكم الإسلامي على إحيائها أو تركها، وإذا امتنع عن ذلك، يترك الحاكم الأرض بنفسه).[{{E12}}]

ويقول صاحب جواهر في هذا الشأن: (الفقهاء الذين تناولوا هذه المسألة مثل الشيخ وابن حمزة والفاضلين والشهيدين وغيرهم لم يختلفوا في هذا الحكم).[{{N4}}]

٩ ـ الحكم بدفع الضرائب: يقول آية الله المطهري: (إذا اقتضت الحاجة العامة فرض ضرائب تصاعدية، وحتى إذا اقتضت ضرورة تعديل الثروة الاجتماعية أن تفرض الضرائب بحيث يصل إلى المالك الأصلي مثلاً ٥٪ من مجموع الدخل ويؤخذ ٩٥٪، يجب أن يُفعل ذلك… هذه الكليات الكبرى، لا تظنوا أن أحداً يشك فيها، لا يشك فيها أي فقيه، لأنه من أجل المصلحة الكبرى للإسلام يجب التنازل عن المصلحة الصغرى).[{{C7}}]

١٠ ـ تحديد الملكية: في هذا الشأن يقول آية الله المطهري: (إذا اقتضت مصلحة المجتمع الإسلامي سلب ملكية شخص ما كلياً، وقرر الحاكم الشرعي أن هذه الملكية التي أصبحت بهذا الشكل هي ورم سرطاني، فإنه من أجل المصلحة الكبرى يمكنه أن يفعل ذلك).[{{F3}}]

ويقول الإمام الخميني في لقاء مع مجموعة من طلاب أصفهان: (الملكية مع أنها محترمة من قبل الشارع المقدس، إلا أن ولي الأمر يمكنه أن يحد من هذه الملكية المشروعة إذا رأى أنها ضد صلاح المسلمين والإسلام، فيمكن أن يصادرها منه إلى حد معين وبحكم الفقيه).[{{E12}}]

نماذج من الأحكام الحكومية الجزائية عند الفقهاء

كما ذُكر سابقاً، جميع التعزيرات التي تصدر في زمن الغيبة هي من الأحكام الحكومية، لأنها موضوعها مصلحة يقررها الحاكم الإسلامي، وهذه المسائل كثيرة جداً، لذا يُكتفى بذكر بعضها، وفي الفقه توجد أحكام حكومية في غير هذه المسائل أيضاً، منها:

١ ـ حكم الحاكم في شأن الأسرى الحربيين: قال الفقهاء إن اختيار الأسرى الحربيين في زمن الغيبة بيد الحاكم الإسلامي، منهم: يقول الشيخ الطوسي: (الأسير الذي يُؤخذ بعد القتال، الإمام (الحاكم الإسلامي) مخير في العفو عنه أو إطلاق سراحه أو أخذه عبداً).[{{N4}}]

ويقول القاضي ابن براج: (الإمام والحاكم الإسلامي مختار في الأسرى الذين يُؤخذون بعد انتهاء الحرب بين القتل أو الإطلاق أو الأخذ عبيداً، ويفعل كل ما فيه مصلحة ونفع المسلمين).[{{C7}}]

ويقول العلامة الحلي: (إذا أُسر أسير بعد انتهاء الحرب، الإمام (الحاكم الإسلامي) مخير بين العفو عنه أو إطلاق سراحه أو أخذه عبداً).[{{F3}}]

ومن هذه الأقوال يتضح جلياً أن اختيار الأسرى الحربيين بيد الحاكم الإسلامي، وأن أوامره نافذة لأنها حكم حكومي، لأنه يعمل وفق المصلحة التي يقررها.

٢ ـ تنفيذ الحدود: في هذا الشأن يرى بعض الفقهاء أن تنفيذ الحدود في زمن الغيبة غير مشروع، بينما يرى الغالبية العظمى من الفقهاء أن تنفيذ الحدود ليس فقط مشروعاً في زمن الغيبة، بل واجباً، منهم:

يقول الشيخ المفيد: تنفيذ الحدود إذا أمكن يُترك للفقهاء.[{{E12}}]

ويقول ابن براج: (تنفيذ الحدود من اختصاص الإمام المعصوم (ع) أو من ينوب عنه أو من يُكلف منهم).[{{N4}}]

ويقول ابن صلاح الحلبي: (إذا أراد ولي أمر المسلمين إقامة حد الزنا، يجب أن يكون ذلك بحضور جماعة من المسلمين).[{{C7}}]

ومن هذه الأقوال وغيرها يتضح أن تنفيذ الحدود في زمن الغيبة كان مقبولاً عند كثير من الفقهاء المتقدمين، ولا شك أن تنفيذها حكم حكومي، لأنه لا يمكن تنفيذه إلا بوجود حكومة وسلطة الفقيه، ومع قيام الحكومة يكون تشخيص التنفيذ وكيفيته من اختصاص الحاكم الإسلامي.

نماذج من الأحكام الحكومية الأسرية في الفقه

١ ـ الحكم بصحة زواج غير الراشد: من الذين لهم ولاية على نكاح الأفراد الحاكم الإسلامي. ولا شك في هذا الأمر، لكن الخلاف في مدى هذه الولاية، فبعضهم وسع نطاقها، وبعضهم حصرها في حالات خاصة، منهم:

يقول العلامة الحلي: (ولاية الحاكم الإسلامي في أمر الزواج على البالغ غير الراشد ثابتة).[{{F3}}]

ويقول صاحب جواهر في هذا الصدد: (ولاية الحاكم الإسلامي على البالغ غير الراشد ثابتة، ولم أجد خلافاً في ذلك، بل هي مسألة إجماعية، لأن الحاكم الإسلامي هو ولي اليتامى).[{{E12}}]

ويقول المحقق الكركي: (ولاية الحاكم في الزواج فقط على البالغ الفاسد عقلاً).[{{N4}}]

٢ ـ الحكم بالتحكم في الولادات: أجاب الإمام على سؤال عن رأيه في تنظيم الولادات قائلاً: (في موضوع الولادات يتبع ما يقرره الحكم).[{{C7}}]

لذا، إذا رأى الحاكم الإسلامي مصلحة المجتمع الإسلامي في تنظيم وضبط السكان، يصدر حكماً حكومياً في هذا الشأن، ويجب على الجميع اتباعه.

٣ ـ الحكم بالطلاق: من الأحكام الحكومية التي تنبع من تشخيص مصلحة الحاكم الإسلامي هي الطلاق للنساء الذين يمتنع أزواجهن عن دفع النفقة ولا يرغبون في الطلاق.

يقول الشيخ الطوسي: (إذا امتنع الزوج القادر على دفع نفقة الزوجة، فإن الإمام (الحاكم الإسلامي) في المرحلة الأولى يجبره على دفع النفقة، وفي المرحلة الثانية…).

يقول آية الله الشيخ حسين الحلّي: (الشخص الذي يمتنع عن دفع النفقة لزوجته، يحكم عليه الحاكم الإسلامي إما بالإجبار على تطليق الزوجة أو أن يقوم الحاكم بنفسه بتطليقها).[٦٦]

وفي هذا الصدد يقول آية الله الشهيد مرتضى مطهري: (صحيح أن الإسلام لم يمنح المرأة حق الطلاق ـ وهو أمر له أساس منطقي غريب جداً ـ ولكن هناك حالات تُسمى الطلاق القضائي؛ أي إذا تحولت العلاقة الزوجية إلى وضع لا يصب في مصلحة الأسرة، والرجل يُصر على عدم تطليق زوجته، فيجوز للحاكم الشرعي أن يطلق الزوجة).[٦٧]

ويقول السيد اليزدي في هذا الموضوع: (الرجل الذي فقد ولم يُعرف عنه شيء سواء كان حياً أو ميتاً… وكذلك الرجل المفقود المعروف أنه حي ولكن زوجته لا تستطيع الصبر، وأيضاً غير المفقود الذي هو سجين في مكان لا يمكن له الخروج منه، وكذلك الرجل الذي لا يملك القدرة على النفقة وزوجته لا تستطيع الصبر بدون نفقة، في كل هذه الحالات يجوز للحاكم الشرعي أن يطلق زوجته).[٦٨]

ومن هذا التعبير وغيره يتضح جيداً أن حكم الحاكم في بعض الحالات هو حكم حكومي.

نماذج من أحكام الحكم السياسي عند الفقهاء

لم تكن السلطة الحاكمة في تاريخ الفقه الشيعي تحت سيطرة الفقهاء بشكل كامل، لكنهم كانوا يرون من واجبهم التدخل في السياسة عند الضرورة وإصدار الأحكام السياسية التي تنبع من كونهم حكاماً شرعيين، والابتعاد عن الشعار الجديد القائل (الدين منفصل عن السياسة). وهذه الأحكام كثيرة عبر تاريخ الفقهاء، ونشير إلى بعض الأمثلة:

١ ـ حكم وجوب دعم الدستورية: أرسل آخوند خراساني وخليلي ومازندراني برقية إلى محمد علي شاه قبل يومين من قصف البرلمان، يأمرون فيها بما يلي:
(… من البديهي أن حفظ الدين المبين واستقلال الدولة الإثنا عشرية ـ حفظهما الله تعالى ـ مرتبط بعدم مخالفة قوانين الدستورية، والالتزام بها من قبل جميع المسلمين خصوصاً شخص جلالة الملك المقدس من أهم الواجبات).[٦٩]

٢ ـ تحريم الأقمشة والملابس الأجنبية: يقول آية الله السيد محمد كاظم اليزدي: من المناسب جداً وفي الوقت المناسب أن يحرص جميع المؤمنين والمتدينين من كل صنف ونوع، كل حسب استطاعته، على بذل الجهد والاهتمام في منع وتشجيع هذا الأمر، وأن يمتنعوا قدر الإمكان عن استعمال الملابس والأقمشة الأجنبية، بل من الواجب أن يبتعدوا في سائر الأمور من حركات وسكنات وأشكال اللباس والطعام والشراب والكلام والزينة والسلوك عن أوضاع وأسلوب الكفار).[٧٠]

٣ ـ حكم الجهاد ضد إيطاليا وروسيا وإنجلترا: يقول آية الله السيد محمد كاظم اليزدي في مواجهة العدوان الذي شنته هذه الدول على إيران وليبيا: (في هذه الأيام التي هاجمت فيها الدول الأوروبية مثل إيطاليا طرابلس الغرب، واحتل الروس شمال إيران بقواتهم، ونزل الإنجليز قواتهم في جنوب إيران، وهددوا الإسلام بالخطر، يجب على جميع المسلمين من عرب وإيرانيين أن يستعدوا لرد الكفار عن الأراضي الإسلامية… لأن هذا من أهم الفرائض الإسلامية).[٧١]

٤ ـ حكم الجهاد والتعبئة العامة ضد الإنجليز: يقول آية الله السيد عبد الحسين لاري في الحرب العالمية الأولى عندما نزل الإنجليز قواتهم واحتلوا بوشهر عسكرياً: (الواجب العيني الفوري هو… الجهاد والدفاع، ومن يخالف أو يتقاعس عن هذه الجيوش المجاهدة وهذا الجهاد الأكبر والنهي عن المنكر، كأنه خالف جيش أسامة والإمام المهدي).[٧٢]

٥ ـ حكم مقاومة كشف الحجاب: أعلن آية الله حاج آقا حسين قمي عندما صدر أمر كشف الحجاب من رضاخان: (إذا قُتل عشرة آلاف شخص لمنع كشف الحجاب الإجباري، وكان أحدهم أنا، فذلك جائز).[٧٣]

٦ ـ فتوى تأميم صناعة النفط: يقول آية الله السيد محمد تقي خوانساري في هذا الصدد: (… إذا لم يقبلوا هذا الحكم يكونون قد ردوا قول نبي الله، فما يبقى لنا من عذر، خصوصاً أن مثل آية الله كاشاني ـ دام بركاته ـ من المجتهدين العادلين والشجعان والمخلصين لمصالح الدين ودنيا الناس، يحث الناس بكل جدية ويوقظهم، فلا يبقى مجال لعذر لأحد).[٧٤]

٧ ـ حكم تكفير الحزب الشيوعي: يقول آية الله الحكيم في هذا الشأن: (لا يجوز الانضمام إلى الحزب الشيوعي لأن ذلك كفر وارتداد أو نشر للكفر؛ فالانضمام إليه كفر ودين زائف).[٧٥]

٨ ـ تحريم انتخابات فيصل في العراق: بعد هزيمته قررت بريطانيا ترشيح فيصل لتوقيع عقد يضمن استمرار سيطرتها على العراق. وقد حرم العديد من الآيات والفقهاء في ذلك الوقت هذه الانتخابات ونُفيوا من العراق إلى إيران، مثل آية الله خالصي وأصفهاني. ويكتب آية الله النائيني في هذا الصدد: (لقد حرمنا الانتخابات ومشاركة الشعب العراقي فيها، ومن يشارك فيها أو يساعدها بأي شكل يكون قد خالف أمر الله ورسوله والأولياء).[٧٦]

٩ ـ تحريم استيراد السلع وخاصة الملابس الأجنبية: عندما اشتكى التجار المسلمون من استيراد الملابس الأجنبية إلى المراجع آنذاك، عارض كبار الفقهاء مثل آية الله السيد إسماعيل صدر وحاج ميرزا حسيني، حاج ميرزا خليل، السيد محمد كاظم طباطبائي، حاج ميرزا محمد غروي شربياني، حاج شيخ محمد حسن مقامي، حاج ميرزا حسين نوري، وميرزا فتح الله الشيرازي المعروف بالشريعة الأصفهاني هذا الأمر. ومنهم آية الله آخوند خراساني الذي كتب: على جميع الرعية وجميع المسلمين أن… يتبعوا ويقتدوا، وينزعوا لباس الذل ويرتدوا لباس عزّة الإسلام الذي يرضي صاحب الشريعة).[٧٧]

١٠ ـ حكم تحريم استعمال التبغ: هذا الحكم معروف وشهير. يقول ميرزا الشيرازي: (اليوم استعمال التبغ ـ بأي نوع كان ـ كأنه محاربة للإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه).[٧٨]

الأحكام الحكومية التي صدرت عن الإمام الخميني، سواء قبل النصر العظيم للثورة الإسلامية أو بعده، كثيرة، وهذه المقالة لا تستطيع مراجعتها كلها، ولكن نذكر بعض الأحكام الحكومية المهمة كمثال:

١ ـ حكم تشكيل مجلس الثورة: يقول الإمام في ٢٢/١٠/٥٧ مخاطباً الشعب الإيراني: (بموجب الحق الشرعي وبناءً على ثقة الأغلبية الساحقة من الشعب الإيراني التي أبدوها تجاهي، تم تعيين مجلس مؤقت باسم مجلس الثورة الإسلامية مكوّن من أفراد ذوي صلاحية ومسلمين وملتزمين وموثوق بهم لتحقيق الأهداف الإسلامية).[٧٩]

٣ ـ حكم تعيين المدعي العام للثورة: يقول الإمام في ٩/١٢/٥٧ مخاطباً السيد مهدي هادوي: (حضرتكم بموجب هذا الحكم تعينون في منصب المدعي العام للثورة الإسلامية).[٨٠]

٤ ـ حكم مصادرة أموال أسرة بهلوي: يقول الإمام في ٩/١٢/٥٧: مجلس الثورة الإسلامية مكلف بموجب هذا الكتاب بمصادرة جميع الأموال المنقولة وغير المنقولة لأسرة بهلوي وفروعها وعملائها ومن لهم علاقة بهذه الأسرة الذين اختلسوا أموال بيت المال للمسلمين خلال فترة حكمهم غير الشرعي، وتحويل هذه الأموال إلى فقراء العمال والموظفين الضعفاء، ووضعها في حسابات بنكية باسم مجلس الثورة أو باسمي).[٨١]

٥ ـ حكم تعيين أمير الحاج: يقول الإمام في ٢٩/٦/٥٨ مخاطباً الحاج شيخ محي الدين أنواري والحاج شيخ فضل الله محلاتي: (بما أن أيام أداء أحد الفرائض الإسلامية العظيمة قد حانت، فقد عينتكم كمشرفين على حجاج بيت الله الحرام).[٨٢]

٦ ـ حكم العفو: يقول الإمام مخاطباً المدعي العام للثورة في ١٨/٨/٥٨: (بمناسبة حلول عيد الغدير السعيد الذي هو بداية نصب الإمامة، يعفى جميع الذين حكم عليهم في المحاكم الثورية بأقل من سنتين حبس).[٨٣]

٧ ـ حكم تعيين لجنة للتعزيرات: يقول الإمام في ٢٨/٨/٦٤ رداً على رئيس لجنة الشؤون القضائية والقانونية في البرلمان: في هذا الوقت الذي لا تتوفر فيه أغلبية ساحقة من القضاة المؤهلين شرعاً، وبسبب الضرورة أُعطي لهم الإذن، فلا يحق لهم تحديد حدود التعزير بدون إذن من الفقيه الجامع للشرائط، لذا يجب تحديد لجنة… لتحديد حدود التعزير التي يُسمح بها ضمن هذا الإطار، ولا يحق لهم تجاوزها، وهذا الأمر مؤقت وطارئ حتى ـ إن شاء الله ـ يتم تعيين القضاة الجامعين للشرائط).[٨٤]

٨ ـ حكم تشكيل مجمع تشخيص مصلحة النظام: يقول الإمام في ٧/١١/٦٦ مخاطباً المسؤولين: (… للحرص الشديد، إذا لم يتم التوافق شرعاً وقانوناً بين مجلس الشورى الإسلامي ومجلس صيانة الدستور، يُشكل مجمع لتشخيص مصلحة النظام الإسلامي).[٨٥]

وفي هذا الرد، ذكر الإمام عشرين حكماً حكومياً، نقرأ قائمتها لأهميتها:

١ ـ شق الطرق في ملك الغير؛
٢ ـ الخدمة العسكرية الإلزامية؛
٣ ـ الإرسال الإجباري إلى الجبهات؛
٤ ـ منع خروج ودخول العملات؛
٥ ـ منع خروج ودخول بعض السلع؛
٦ ـ منع الاحتكار لأي سلعة؛
٧ ـ إجراءات الجمارك؛
٨ ـ تحصيل الضرائب؛
٩ ـ منع الغش في الأسعار؛
١٠ ـ تحديد أسعار السلع؛
١١ ـ منع انتشار المخدرات ومنع الإدمان؛
١٢ ـ منع حمل السلاح بأي نوع كان؛
١٣ ـ هدم مسجد في طريق شارع؛
١٤ ـ هدم المباني والمنازل في طريق شارع؛
١٥ ـ إغلاق المساجد؛
١٦ ـ هدم المساجد التي تعتبر مساجد ضرار؛
١٧ ـ إلغاء أحادي الجانب للعقود المبرمة مع الناس؛
١٨ ـ منع كل أمر عبادي وغير عبادي يخالف مصلحة الإسلام؛
١٩ ـ منع الحج مؤقتاً؛
٢٠ ـ إغلاق الزراعة بالمزارعة؛
٢١ ـ إغلاق المضاربة.

ما سبق هو نماذج من الأحكام الحكومية للنبي محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وللأئمة الطاهرين ـ عليهم السلام ـ وللفقهاء العظام في شؤون العبادات والاقتصاد والجزاء والأسرة والسياسة. وإذا بحثنا بدقة أكبر في الروايات وسيرة الأئمة (ع) وتاريخ حياتهم وكتب الفقه، سنجد بلا شك مئات المرات أكثر من هذه الأحكام الحكومية.

هذا الأمر يعكس حقيقة أن بنية الدين الإسلامي، خصوصاً المذهب الشيعي الحق الإثنا عشري، قد أسسها الله تعالى بطريقة تجعلها ناقصة بدون وجود الحكم؛ لأن كثيراً من قوانينه متشابكة مع الولاية والحكم، ولا يمكن أن تُطبق هذه الأوامر السماوية والبنّاءة للإنسان إلا بوجود الحكم الإسلامي. لذلك، فإن واجب ورسالة دعاة الإسلام وطلبة الفقه الإسلامي الذين قضوا عمرهم في استنباط واجتهاد قوانين الإسلام، هي الحفاظ على نظام الجمهورية الإسلامية والدفاع عن قيمه والمقاومة واليقظة أمام الانحرافات والاختلالات.

وفي ختام هذا البحث، من المناسب نقل آراء بعض العلماء والمفكرين حول هذا الموضوع، وهو أن الله سبحانه وتعالى قد منح ولي الأمر في زمن الغيبة حق وضع القوانين بشكل عام.

١ ـ يقول الشهيد مطهري حول مسألة هل لغير الله حق التشريع أم لا؟:
(في هذا النقاش يجب حل موضوعين: الأول مسألة وضع القانون، هل لغير الله حق وضع القانون أم لا؟ وقد قيل إذا قلتم إن حق وضع القانون مقابل القوانين الإلهية فهو غير جائز، ولكن إذا قلتم إنه بناءً على حق أعطاه الله في الأمور الجزئية يجوز وضع القانون، فهذا لا مانع منه).[٨٦]

٢ ـ يقول آية الله الشهيد الصدر: (المدرسة الاقتصادية الإسلامية تشمل جانبين: ١ ـ جانب محدد بشكل قاطع من قبل الشارع لا يجوز تغييره أو تبديله. ٢ ـ جانب آخر يسمى منطقة الفراغ، حيث يترك الشارع تحديد قوانينه للدولة أو ولي الأمر، بحيث يُحدد الحكم حسب الحاجة وأهداف الاقتصاد الإسلامي وظروف كل زمان).[٨٧]

وفي مكان آخر يقول: حل المشاكل الاقتصادية في الإسلام غير ممكن بدون النظر إلى منطقة الفراغ والحلول التي تُستمد من التشريع في هذه الحالات.[٨٨]

٣ ـ يقول العلامة الطباطبائي: هناك أنظمة تنبع من كرسي الولاية تُسن وتُطبق حسب مصلحة الوقت، وبالطبع كما هو واضح فإن بقاء هذه الأنظمة أو زوالها يعتمد على مقتضيات وظروف الوقت.[٨٩]

٤ ـ يقول آية الله السيد كاظم الحائري: قسم الإسلام ما هو صالح للبشر إلى قسمين:
١ ـ القسم الثابت: يشمل القوانين والأنظمة الثابتة التي لا يجوز لولي الأمر مخالفتها.
٢ ـ القسم المتغير: يشمل القوانين التي تتغير حسب الظروف الزمانية والمكانية والحياتية المختلفة. وقد ترك الإسلام هذا القسم لولي الأمر ليغيره حسب مصالح المجتمع وفي إطار المباحات، ويتصرف وفق الظروف والمقتضيات.[٩٠]

٥ ـ يقول آية الله السيد محمود هاشمي عن دور الفقيه في التشريع: الدور الثاني للفقيه هو ملء منطقة الفراغ، وذلك لأن الفقيه ولي أمر (وليس فقط لأنه مجتهد) بناءً على الاعتقاد السياسي الذي يوافق عليه كثير من الفقهاء، أي ثبوت الولاية الصغرى في زمن الغيبة للفقهاء العادلين والمتقين).[٩١]

٦ ـ يقول آية الله المؤمن: (بما أن رعاية وإدارة شؤون الدولة الإسلامية والحفاظ على مصالح المسلمين من مسؤوليات ولي الأمر، فإن مراعاة مصالح الأمة وحفظ حقوق الأفراد قد يتطلب أحياناً إدارة شؤون الدولة بوضع قوانين قد تضيق أحياناً بحقوق الأفراد وتمنعهم من التصرف بحرية).[٩٢]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
١. علي أكبر دهخدا، معجم لغوي، ج٤١، ص١٢١، مادة قانون، طبعة الجامعة.
٢. شرح مطالع وهامش ملاعبدالله في موضوع تعريف المنطق.
٣. تاج العروس، كلمة قانون.
٤. المعجم الوسيط، كلمة قانون.
٥. برهان قاطع؛ فرهنگ نفيسي؛ معجم دهخدا والمعجم الوسيط تحت كلمة قانون.
٦. المعجم الوسيط، ص٧٦٣؛ فرهنگ معين، ج٢، ص٢٦٢٧.
٧. محمد جعفر جعفري، مصطلحات القانون، ص٨٣، طبعة مكتبة كنز و دانش.
٨. آية الله سيد أبو القاسم الخوئي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، ج١، ص٤٢٤، مؤسسة آل البيت (ع).
٩. آية الله جعفر سبحاني، معالم الحكومة، ص٣٠١، مكتبة الإمام أمير المؤمنين (ع)، أصفهان.
١٠. آية الله ناصر مكارم شيرازي، أنوار الفقهاء، ج١، ص٥٥٣، منشورات مدرسة الإمام أمير المؤمنين.
١١. صحيفة النور، ج٢٠، ص١٧٠.
١٢. انظر: محمد حسين طباطبائي، بحث حول المرجعية والروحانية، مقالة الولاية والزعامة، شركة سهامي النشر، ص٨٤.
١٣. انظر: مرتضى مطهري، الإسلام ومتطلبات العصر، ج٢، ص٧٧.
١٤. الشهيد آية الله محمد باقر صدر، اقتصادنا، ج٢، ص٣٦٢، دار الفكر.
١٥. الشيخ الطوسي، النهاية في مجرد الفقه والفتاوى، ج٢، ص٥٧٧، طبعة جامعة طهران.
١٦. آية الله أبو الحسن الأصفهاني، وسيلة النجاة، ج٢، ص٢٥١، دار التعارف للمطبوعات.
١٧. آية الله الحكيم، منهاج الصالحين، ج٢، ص٥٨، مسألة ٦٣، دار التعارف للمطبوعات.
١٨. آية الله سيد محمد كاظم اليزدي، عروة الوثقى، ج٢، ص١٢٢، المكتبة العلمية الإسلامية.
١٩. المرجع نفسه، ص١٢٢.
٢٠. كليني، أصول الكافي، ج١، ص٢٦٧، باب التفويض، ج٥، دار الكتب الإسلامية.
٢١. المرجع نفسه، ج٩، ص٢٦٨.
٢٢. بصائر الدرجات، باب ٤، ج٨، باب التفويض إلى رسول الله، ح١٦، ص٣٨٢.
٢٣. الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج٢، ص٧٩، دار الكتب الإسلامية.
٢٤. جواهر الكلام، ج١٦، ص٣٥٩.
٢٥. آية الله سيد محمد كاظم اليزدي، عروة الوثقى مع تعليقات، ج٢، ص٢٢٤.
٢٦. الشيخ الطوسي، الجمل والعقود، سلسلة الينابيع الفقهية، ج٧، ص٢٣١، طبعة الدار الإسلامية.
٢٧. ابن إدريس، كتاب السرائر، ج١، ص٥٨٥.
٢٨. علامه حلي، مختصر النافع، سلسلة الينابيع الفقهية، ج٨، ص٦٧١.
٢٩. جواهر الكلام، ج١٩، ص٧٠٠.
٣٠. الشيخ الأنصاري، كتاب الزكاة، ص٥١٢.
٣١. محمد حسن النجفي، جواهر الكلام، ج٢١، ص١٤.
٣٢. منهاج الصالحين، ج١، ص٣٦٦، نشر مدينة العلم.
٣٣. دراسات في ولاية الفقيه، ج١، ص١١٨، المركز العالمي للدراسات الإسلامية.
٣٤. الشيخ الطوسي، النهاية في مجرد الفتوى، ج١، ص٣٠٢، طبعة منشورات الجامعة.
٣٥. ابن براج، المهذب، ج١، ص٣٤١، مؤسسة النشر الإسلامي.
٣٦. صحيفة النور، ج٢، ص١٧١.
٣٧. الحج، مجموعة كلمات ورسائل الإمام الخميني، ص١٧٧، مركز بحوث ونشر الحج.
٣٨. انظر: الشيخ المفيد، المقنعة.
٣٩. محقق حلي، شرايع الإسلام، ج٢، ص٢١، منشورات الأعلمي طهران.
٤٠. الشيخ الصدوق، التوحيد، ص٣٨٨، دار المعرفة.
٤١. سيد محمد كاظم اليزدي، ملحقات عروة الوثقى، ج١، ص٢٢٧، مسألة ٢، مكتبة الداوري.
٤٢. مفتاح الكرامة، ج٤، ص٢١٣ وكذلك.
٤٣. ابن حمزة، الوسيلة، ص٢٧٧، منشورات مكتبة آية الله المرعشي النجفي.
٤٤. ابن براج، المهذب، ج٢، ص٥٦٩، مؤسسة النشر الإسلامي.
٤٥. الشيخ الطوسي، المبسوط، ج٢، ص٣٨، المكتبة المرتضوية.
٤٦. شرايع الإسلام، ج١، ص٣٢٨، منشورات الأعلمي.
٤٧. النهاية في مجرد الفقه والفتوى، ج١، ص٣٠٨، طبعة منشورات الجامعة.
٤٨. الشيخ المفيد، المقنعة، ص٦١٦.
٤٩. جواهر الكلام، ج٢٢، ص٤٨٤.
٥٠. دراسات في ولاية الفقيه، ج٢، ص٦٦٤.
٥١. شرايع الإسلام، ج٣، ص٢٧٥.
٥٢. جواهر الكلام، ج٣٨، ص٥٩.
٥٣. الإسلام ومتطلبات العصر، ج٢، ص٨٦.
٥٤. المرجع نفسه.
٥٥. صحيفة النور، ج١٠، ص١٣٨.
٥٦. النهاية في مجرد الفقه والفتوى، ج١، ص٢٩٨.
٥٧. المهذب، ج١، ص٢١٦.
٥٨. علامه حلي، قواعد الأحكام، ج١، ص١٠٤، كتاب الجهاد، منشورات رضي.
٥٩. الشيخ المفيد، المقنعة، ص٨١، مؤسسة نشر الإسلامي.
٦٠. المهذب، ص٥١٨، مؤسسة نشر إسلامي.
٦١. أبي الصلاح، الحلبي، الكافي في الفقه، ص٤٠٦، منشورات مكتبة أمير المؤمنين.
٦٢. شرايع الإسلام، ج٢، ص٢٧٦.
٦٣. جواهر الكلام، ج٢٩، ص١٨٩.
٦٤. محقق كركي، جامع المقاصد، ج١٢، ص٩٦، مؤسسة آل البيت.
٦٥. صحيفة النور، ج٤، ص٣٩.
٦٦. الشيخ حسين حلي، بحوث فقهية، ص٢١٠، مؤسسة النار.
٦٧. الإسلام ومتطلبات العصر، ج٢، ص٥٩.
٦٨. ملحقات عروة الوثقى، ج١، ص٧٥، مسألة ٣٣.
٦٩. أحمد كسروي، تاريخ المشروطية في إيران، ج٢، ص٦١٧، منشورات أمير كبير.
٧٠. رضا أستادي، عشر فتاوى دينية وسياسية، مجلة نور العلم، العدد ٥، المجلد الثاني، ص١٨.
٧١. علي دواني، نهضة رجال الدين في إيران، ج١، ص٢٠٩.
٧٢. مجلة نور العلم، العدد ٦، المجلد الثالث.
٧٣. المرجع نفسه، العدد ١، ص٨٤.
٧٤. الروحانية وتأميم صناعة النفط، ص٥٦.
٧٥. الإمام الحكيم، ص٨٩.
٧٦. التشيع والمشروطية في إيران، ص١٧٤.
٧٧. مجلة نور العلم، العدد ٥، المجلد الثاني، ص٢١.
٧٨. إبراهيم تيموري، تحريم التبغ أول مقاومة سلبية في إيران.
٧٩. صحيفة النور، ج٤، ص٢٠٧، مركز الوثائق الثقافية للثورة الإسلامية.
٨٠. صحيفة النور، ج٥، ص٢٧.
٨١. المرجع نفسه، ص١٢٣.
٨٢. المرجع نفسه، ص١٢٤.
٨٣. المرجع نفسه، ج٨، ص٢٥٣.
٨٤. المرجع نفسه، ج٩، ص١٧٦.
٨٥. المرجع نفسه، ج١٠، ص١٧٢ وكذلك انظر صحيفة النور، ج٢٠، ص١٧٠.
٨٦. الإسلام ومتطلبات العصر، ج١، ص١٧٩.
٨٧. اقتصادنا، ج٢، ص٣٦٢، دار الفكر.
٨٨. المرجع نفسه، ص٣٦٣.
٨٩. بحث حول المرجعية والروحانية، مقالة الولاية والزعامة، ص٨٥.
٩٠. الحكومة والإسلام، مقالة التشريع في الأنظمة البشرية والنظام السماوي، آية الله سيد كاظم حائري، ص١١٦، منظمة الدعوة الإسلامية.
٩١. آية الله سيد محمود هاشمي، مصدر التشريع ونظام الحكم في الإسلام، ص٧٠.
٩٢. الحكومة في الإسلام، مقالة كيفية التشريع في الحكومة الإسلامية، آية الله مؤمن، ص٣٤٣.