ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: مکتب اصولی شهید آیتالله صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
المؤلف: رضا اسلامی
مقدمة
لم يكن علم الأصول في مسيرته التاريخية والتطورية حركةً موحدةً ومتجانسةً. فقد ارتفع أحيانًا بسرعةٍ إلى ذروة الكمال النسبي، وأحيانًا أخرى تقدم تدريجيًا وببطء، ونادرًا ما توقف. وبنظرة عامة يمكن القول إن كبار فقهاء الشيعة قد طوروا أفكارهم الأصولية عبر العصور المختلفة، وعملوا في الوقت نفسه على تنقية وتنقيح موضوعات هذا العلم من الزوائد. والسؤال هو كيف ومتى ظهرت نقاط الذروة في هذه الحركة، وما العوامل التي جعلت شخصية مثل الشيخ الأنصاري (رحمه الله) تُعرف بأنها صاحب مدرسة فقهية وأصولية، بينما مثلاً الفاضل التوني (رحمه الله) الذي عاش قبل الشيخ، وأفكاره الأصولية السامية في كتاب الوافية، مع مراعاة فترة تأليفه، تثير الإعجاب، أو ميرزا أبو القاسم القمي (رحمه الله) صاحب قوانين الأصول، لم يؤسس أيٌ منهما مدرسة في الأصول باسمهم. لذا من الضروري أن نعرف كيف تتشكل المدارس الأصولية وما هي مميزاتها، ومن هم القادرون على تأسيس مدرسة أصولية، وهل ظهور المدارس الأصولية والفقهية يتزامن مع ظهور عصر جديد في الأصول أو الفقه، أم أن لكل منهما مسار منفصل يتقاطع أحيانًا، ويؤدي ظهور مدرسة إلى بروز عصر جديد؟
يمكن نسب المدارس الفقهية والأصولية إلى الزمان أو المكان أو الشخصيات العلمية، وفي كل الحالات الثلاث يكون العامل الزمني والمكاني والبشري مؤثرًا عميقًا في هذا النسب. فإذا قلنا إن المدرسة الفقهية في النجف أو أصفهان أو سامراء كانت على نحو معين، فإننا نعني تأثير البيئة العلمية في النجف أو أصفهان أو سامراء في نشوء فكر خاص، وإذا تحدثنا عن المدرسة الأصولية في القرن الثاني عشر، فلا بد من مراعاة تأثير الفترة الزمنية التي كانت مليئة بتحولات خاصة في انتشار فكرة معينة. لكن من وجهة نظرنا، لا يمكن دراسة تأثير المكان والزمان في ظهور المدارس العلمية بمعزل عن وجود الشخصيات العلمية والمبتكرة، بل إن تأثيرات الزمان والمكان كانت عبر ظهور الشخصيات البارزة، وفعليًا وجودهم هو الذي جعل الزمان والمكان مؤثرين. ولكن هل ظهور الشخصيات المؤسِّسة للمدارس يعني دائمًا دخول عصر جديد من فترات الفقه أو الأصول؟ الجواب هو أنه لم يكن هناك تطابق دائم. فقد كان هناك فقهاء وأصوليون مؤسسون لمدارس لم يتمكنوا من إحداث عصر جديد في تاريخ العلم أو خلق فضاء جديد، لكن في مؤلفاتهم كانت هناك مقدمات لتحول، وتمكنوا من تقديم إنتاج راقٍ ومجدد. ومن هنا تأتي أهمية دور التلاميذ كمروّجين لأفكار أستاذهم الأصولية والفقهية في تاريخ تطورات كل علم وتشكيل عصور مختلفة له. وعندما نتحدث عن عصور الفقه، نأخذ بعين الاعتبار الفضاء العام للحوزة الفقهية، وبالطبع يكون ظهور الشخصيات العلمية نقطة انطلاق هذه العصور، وعندما نتحدث عن ظهور المدارس الفقهية والأصولية، لا يكون التأثر بالفضاء العام والازدهار الفكري معيارًا كافيًا.
يُقدم أحيانًا تعريفات مختلفة للمدارس الأصولية والفقهية. لذا، ونحن بصدد رسم ملامح المدرسة الأصولية للشهيد الصدر، من الضروري أن نوضح تعريفنا للمدرسة الأصولية، ولا ننكر إمكانية تقديم تعريفات أخرى للمدرسة الأصولية وحمل هذا المصطلح على معانٍ أخرى، لأن استخدام كلمة «مدرسة» أو «مذهب» للدلالة على منهج خاص في الفقه والأصول هو ظاهرة حديثة، ويبدو أن أول ظهور لها كان مع ترجمة أعمال فلاسفة الغرب، وبدأ الحديث عن المدارس الفقهية والأصولية كما هو الحال في المدارس الفلسفية.
على أي حال، قصدنا بالمدرسة الأصولية نوعًا من الفكر الأصولي المبني على وجهات نظر خاصة حول المصادر والأسس والموضوعات والتقسيمات في علم الأصول. ويمكن تقييم هذا الفكر على أنه متكامل أو غير متكامل؛ كما أن الأصوليين مقابل الإخباريين كل منهم يمتلك مدرسة أصولية، أي طريقة خاصة في فهم الأحكام الشرعية، والعلماء الشيعة مقابل أهل السنة كل منهم معروف بامتلاكه مدرسة خاصة؛ لكننا في التقييم والاتجاه نعتبر مدرسة إيجابية وأخرى سلبية.
بالطبع، لكل شخصية أصولية طريقة تفكير خاصة بها، واجتهادها في علم الأصول يستلزم أن تتبنى أسسًا علمية خاصة بها؛ لكن هذا لا يعني أن المدارس الأصولية تفترض وجود عدد مدارس يساوي عدد المجتهدين في علم الأصول، بل إن اختلاف المدارس يتعلق بالاختلافات الكبرى والكلية التي تغير وجه علم الأصول وتنشأ من مسائل أساسية. ولهذا نرى بين كبار المجتهدين الذين نشأوا جميعًا في مدرسة أصولية وحيد بهبهاني، قلة منهم ـ مثل الشيخ الأنصاري ـ اعتُبروا أصحاب مدرسة جديدة، ومن بين تلاميذ الشيخ الأنصاري بعضهم ـ مثل آخوند محمد كاظم الخراساني ـ أسس مدرسة أخرى. وفي مؤلفات هؤلاء التلاميذ القلة نلاحظ تحولًا جوهريًا في علم الأصول، لكن في مؤلفات كثير من التلاميذ الآخرين لم تكن الفروقات عميقة وواسعة، بحيث يمكن القول إنهم ظهروا في امتداد مدرسة أصولية وحيد بهبهاني أو الشيخ الأنصاري. لذلك، أي تغيير شكلي أو مضموني ما لم يكن جذريًا وشاملًا لا يكون بداية لتشكيل مدرسة جديدة، وإذا لم يُعرف بعض العلماء الذين لديهم مؤلفات مبهرة بامتلاك مدرسة خاصة، فذلك إما لأن التغييرات في مؤلفاتهم كانت سطحية وجزئية وفي حدود تنقيح وتهذيب الأقوال السائدة، أو لأنهم لم يحظوا بتلاميذ أقوياء ومروّجين حريصين، فبقي واقعهم مجهولًا وأحيانًا ذاع صيتهم باسم آخر.
أما التحول في علم الأصول عند الشيعة، فيمكن أن يكون حول أحد المحاور التالية:
التحول في مبادئ الاستنباط، تنقيح مبادئ الاستدلال وطرح أساليب جديدة للاستدلال، إحياء النقاشات القديمة والمعهودة والمألوفة وفي النهاية تطويرها وتعميقها، طرح نقاشات جديدة ومبتكرة وغير مسبوقة، تغيير هيكل علم الأصول أو هيكل بعض مباحثه. كلما تحول علم الأصول في المحاور الرئيسية هذه وظهر فيه شيء أكثر من تغيير تدريجي وجزئي، يمكن القول إن مدرسة أصولية قد ظهرت.
يمكن تفسير ظهور المدارس الفقهية بنفس الطريقة التي تفسر بها ظهور المدارس الأصولية، ومن منظور أوسع يمكن تفسير الفرق بين المدرسة الفقهية الشيعية والمدرسة السنية في تحديد مصادر الفقه ومدى فعاليتها، اختلاف المبادئ الكلامية، اختلاف الطرق التي تنشأ عن اختلاف المصادر والمبادئ، اختلاف في كمية ونوعية المباحث التي هي أيضاً تابع لاختلاف المصادر والمبادئ. هذه الاختلافات الأساسية والثانوية قد شكّلت عبر التاريخ مسارين مختلفين ومستقلين لتطور الفقه الشيعي والسني؛ بحيث يجب دراسة الفترات التاريخية لكل منهما بشكل مستقل.
في علم الأصول أيضاً يمكن، بنفس النظرة الأوسع، تعداد مدرستين أصوليتين للشيعة ولأهل السنة، منفصلتين عن بعضهما. المدرسة الأصولية الشيعية بكل توجهاتها ومدارسها الداخلية، مقابل المدرسة الأصولية السنية بكل مذاهبها ومدارسها الفقهية والأصولية، تتميز بعدة أمور:
أولاً. في مصادر علم الأصول التي هي ذاتها مصادر الفقه.[1] فيما يتعلق بالقرآن نرى أن الشيعة لا ينظرون إليه نظرة مباشرة ومستقلة عن روايات أهل البيت، بينما أهل السنة ينكرون مكانة أهل البيت كمعلمين ومفسرين رسميين للقرآن. وفيما يخص السنة نرى أن الشيعة يمتدون بها إلى قول وفعل وتقريظ الأئمة المعصومين كخلفاء للنبي، بينما أهل السنة يتحدثون عن سنة الصحابة بعد النبي. أما العقل، فالشيعة يقتصرون على الإدراكات العقلية القطعية، بينما أهل السنة يعترفون بالدليل العقلي الظني تحت مسمى القياس أو الاستحسان ويعتبرونه أحياناً أفضل وأكفأ أدوات الاجتهاد. أما الإجماع، فمهما فسّرنا حجية الإجماع عند الشيعة بأي أساس،[2] نرى أنه يعود إلى سنة المعصومين، بينما عند أهل السنة حجية الإجماع تعتمد على عصمة الأمة كلها أو جماعة خاصة منها، مثل أهل الحل والعقد أو أهل المدينة. وبالطبع فإن هذه الاختلافات الجوهرية في تفسير حجية المصادر الأربعة تؤثر مباشرة في فعالية هذه المصادر ومدى الاستشهاد بها وتقديم بعضها على بعض، وهو ما يمكن دراسته وفحصه في الفقه والأصول على حد سواء.
إذا ذُكر بعد المصادر الأربعة الرئيسية مصادر أخرى، فهذا أيضاً مرتبط بتفسير حجية المصادر الرئيسية. فالشيعة لا يتجاوزون المصادر الأربعة ولا حتى الإجماع إلا من باب المماشاة مع أهل السنة، بينما أهل السنة وسّعوا المصادر وتحدثوا عن القياس، الاستحسان، الاستصلاح، العرف، شريعة السلف، مذهب الصحابة، سد الذرائع وما شابه ذلك.
ثانياً. وجه التمييز بين المدرسة الأصولية الشيعية والمدرسة الأصولية السنية يعود إلى التمايز بين الفريقين في المبادئ الكلامية. الرأي المعروف بين أهل السنة هو جواز السهو والنسيان للنبي الكريم (ص)، والرأي المعروف بين الشيعة هو عصمة النبي في جميع شؤون الفرد والمجتمع، الدنيوية والأخروية، بيان الأحكام وتحديد الموضوعات. عند الشيعة بعد النبي الكريم يُعتبر الاثنا عشر إماماً معصومين مصادر للتشريع، بينما يتجه أهل السنة إلى الصحابة، وبدون أن يتحدثوا عن عصمتهم، يقدسون بعضهم إلى درجة تصل إلى العصمة. عند الشيعة قاعدة اشتراك الأحكام مسلم بها وقطعية، وعلى أساسها يكون التشريع البشري باطلاً، بينما أهل السنة ليسوا على قول واحد في إثبات أو نفي التشريع البشري. قاعدة الاشتراك مرتبطة بمناقشة كمال وشمول الشريعة، لكن أهل السنة لا يمانعون قبول دور المجتهد في إكمال دفتر الشريعة بناءً على التشريع البشري. وبالطبع يمكن أن تكون هذه الاختلافات في المبادئ الكلامية هي أصل الاختلاف في كمية ونوعية مصادر النقاش الفقهي والأصولي التي أشرنا إليها سابقاً. ثم عندما نلقي نظرة على نصوص المباحث الأصولية عند الفريقين، نرى عدة اختلافات: بعض المباحث عندنا تطورت أكثر، مثل مباحث الأصول العملية ودليل الانسداد، لكنها مهجورة عندهم؛ لأن الفقه السني لم يفرق بين الدليل الكاشف والدليل المحدد للواجب العملي، بينما بالمقابل طرحوا باب القياس وأقسامه وأركانه بشكل واسع جداً. من جهة أخرى محور تقسيم المباحث الأصولية عندهم هو “الحكم” ومحور التقسيم عندنا هو “الدليل”، وهذا الأمر جعل هيكل ومنهج النقاش في علم الأصول مختلفين تماماً. نضيف أيضاً أنه في أصول الفقه السني تم التركيز كثيراً على تطبيق القواعد وكيفية تطبيقها، وفي نصوص الكتب الأصولية توجد أمثلة واقعية كثيرة لتأثير المبدأ الأصولي في استنباط الحكم، بينما في أصول الفقه الشيعي تُطرح القواعد والنظريات الأصولية بعيداً عن الواقع الفقهي وبشكل نقاش مستقل، ولتوضيح الموضوع تُطرح الأمثلة عادةً افتراضية، وهذا ما غذى شبهات التضخم في أصول الفقه وعدم تطبيق كثير من مباحثه، وربما هذا العيب وارد إلى حد ما في أصول الفقه عندنا، لكنه أيضاً ناتج إلى حد ما عن عدم الانتباه لطبيعة النقاشات الأصولية. لأن في مقام تطبيق القواعد الأصولية يمكن أن تدخل نقاط وخصائص كثيرة، ولا ينبغي أن يُمنع ذهن الطلاب من التدخل في الخصائص أو أن يُبسط تطبيق القواعد على أنه أمر سهل. لذلك يضطر علماؤنا إلى ابتكار أمثلة تظهر التأثير المباشر للمبدأ الأصولي في نتيجة الاستنباط، كما يفعل المحققون في علم الطب لإثبات تأثير مادة معينة في علاج مرض معين، حيث يختارون بشرًا أو حيوانات كنماذج تجريبية لا تتوفر فيها عوامل مؤثرة أخرى.
إذا تجاوزنا اختلاف المذهبين الأصوليين الشيعي والسني ودخلنا في المجال الفكري لكل مجموعة، نرى مجددًا مذاهب مختلفة. لكل مذهب فقهي من مذاهب أهل السنة أصول خاصة به للاستنباط يمكن أن ترسم حدود مذهب أصولي؛ ولكن فيما بعد تجلت تأليفات الأصوليين من علماء أهل السنة من مذاهب مختلفة في إطار ثلاثة تيارات رئيسية وعُرضت بثلاث طرق مختلفة، وهذا بحد ذاته، مع الأخذ في الاعتبار اختلاف المذاهب واختلاف أصول الاستنباط، يثير التساؤل؛ ولكن على أي حال، ذُكرت هذه الطرق الثلاث على النحو التالي:
- طريقة المتكلمين: على أساس هذه الطريقة كُتبت مؤلفات مثل المعتمد لأبي حسين البصري (ت 463)، والبرهان للإمام الحرمين الجويني (ت 487)، والمستصفى لأبي حامد الغزالي (ت 505).
- طريقة الفقهاء: أصول الفقه لجصاص (ت 307) وكتاب آخر بنفس الاسم للسرخسي (ت 483) هما مثالان من المؤلفات المعروضة في هذه الطريقة.
- طريقة شاملة: بديع النظام لابن الساعاتي وجمع الجوامع لسبكي (ت 771) هما مثالان واضحان للتعرف على الطريقة الثالثة. يمكن اعتبار كل واحدة من هذه الطرق الثلاث مذهبًا أصوليًا، وقد كُتبت كتب متعددة لتبيين منهجها العلمي.[3]
عندما ندخل في مجال التشيع وندرس تاريخ تطورات علم الأصول، نرى ظهور مذاهب مختلفة في مسار تطوري وتدريجي؛ ولكن يمكن الإشارة إلى نقاط مشتركة بين بعض المذاهب، ومن منظور أوسع يمكن طرح مواجهة بين مذهب العقلانية ومذهب النقل، وبعبارة أخرى بين مذهب الأصوليين ومذهب الإخباريين. كان الإخباريون القدامى، الذين يُعتبر الشيخ الصدوق ممثلهم، والإخباريون الجدد الذين يمثلهم محمد أمين الأسترآبادي، تيارًا ضعيفًا وقصير الأمد؛ بينما كان الأصوليون تيارًا قويًا وغالبًا لم يتوقف عن الحركة أبدًا. بدأت هذه الحركة رسميًا مع ابن أبي عقيل وابن جنيد واستمرت حتى الشيخ الأنصاري والآخوند الخراساني وتلامذتهم المتميزين. داخل هذا التيار، جُدد علم الأصول مرات عديدة وأحيانًا تغيرت صورته تمامًا.
لذلك يمكننا القول إن السيد المرتضى، الذي قدم الذريعة إلى أصول الشريعة كأول كتاب أصولي مفصل، له مدرسة أصولية؛ وكذلك يمكن بعده رسم مذهب أصولي لشخصيات مثل العلامة الحلي صاحب مبادي الأصول، والشيخ حسن بن زين الدين العاملي صاحب معالم الأصول، ووحيد بهبهاني صاحب الفوائد الحائرية، والشيخ الأنصاري صاحب فوائد الأصول، والآخوند الخراساني صاحب كفاية الأصول، والشيخ ضياء الدين العراقي صاحب مقالات الأصول، وميرزا محمد حسين النائيني صاحب فوائد الأصول. بالطبع هناك أمثلة مشكوك فيها تحتاج إلى مزيد من البحث والدراسة لإثبات ظهور مذهب جديد.
ولا يُغفل أن بعض الشخصيات مشهورة بامتلاك مذهب فقهي، ولا تُطرح مبادئهم الأصولية كثيرًا، وأحيانًا يجب البحث عن مبادئهم الأصولية من خلال آثارهم الفقهية. وعلى الرغم من أن هذه المبادئ قد تبدو مثيرة ومبتكرة، إلا أنها اصطيافية ولم تُدوّن تفصيليًا ولم تُرتب أو تُفسر، لذلك لا يمكن أن تحتل مكانة في المذاهب الأصولية.
من الذين يُطرح فقط مذهبهم الفقهي، مجموعة من الإخباريين المعتدلين مثل الشيخ يوسف البحراني صاحب الحدائق الناظرة، وملامحسن فيض الكاشاني صاحب مفاتيح الشرائع، ومجموعة من الأصوليين مثل ابن إدريس صاحب السرائر، والمحقق الكركي صاحب جامع المقاصد، والشهيد الأول والثاني صاحب متن وشرح اللمعة، والشيخ محمد حسن النجفي صاحب جواهر الكلام. وهنا أيضًا توجد أمثلة مشكوك فيها يمكن دراستها والبحث فيها من حيث ظهور مذهب جديد في الفقه.
على أي حال، عندما نصل إلى الشهيد السيد محمد باقر الصدر، تلميذ المحقق الخوئي البارز، نشعر بوضوح بظهور مذهب أصولي من خلال ملاحظة مؤلفاته الأصولية. يمكن تسمية ثمانية مؤشرات رئيسية لهذا المذهب الأصولي، وربما يمكن عدّ أكثر من ذلك:
- بناء الهيكل؛ 2. العنوانية؛ 3. البحث عن الجذور؛ 4. النظريات؛ 5. الإعادة الابتكارية؛ 6. التماسك؛ 7. التاريخية؛ 8. التربوية.
1ـ بناء الهيكل
نعلم أنه كلما كانت تقسيماتنا لمباحث علم ما أدق وأظهرت مكانة كل بحث بشكل صحيح ومنطقي، كان فهم مباحث ذلك العلم أفضل، وتُعرف النقاط الخالية لتكامل المباحث بسهولة أكبر.
يذكر الشهيد الصدر أولًا التقسيم المعروف والمألوف لمباحث علم الأصول الذي أشار إليه أستاذه الجليل آية الله الخوئي[4]، فيقول: عادةً في تقسيم مباحث علم الأصول يُقال إن القواعد الأصولية أربعة أقسام:
- قواعد تُعلمنا الحكم الشرعي وجدانيًا، وهي مباحث الاستلزام العقلي؛ مثل القاعدة العقلية “مقدمة الواجب واجبة”.
- قواعد تُعلمنا الحكم الشرعي تعبديًا، وهذه نوعان:
2-1. قواعد تُستنبط من صغرى القياس، والبحث فيها مثل البحث في الصغرى. كل مباحث الألفاظ من هذا النوع، ومن بينها البحث في ظهور صيغة الأمر بمعنى الوجوب وظهور العام والمخصص في جميع الباقي.
2ـ2. القواعد التي تُستنبط منها القاعدة الكبرى للقياس، والنقاش حولها من قبيل النقاش الكُبري. جميع المناقشات المتعلقة بالحجية من هذا النوع، ومن بينها النقاش حول حجية ظهور القرآن، وحجية الخبر الواحد، وحجية الشهرة.
- القواعد التي تحدد الواجب الشرعي العملي عند عدم وضوح الحكم الشرعي وجدانيًا أو تعبدياً؛ مثل أصل البراءة الشرعية وأصل الاحتياط الشرعي.
- القواعد التي يرجع إليها الفقيه في المرحلة الأخيرة، وهي الأصول العملية العقلية مثل القاعدة العقلية لقبح العقاب بلا بيان، والقاعدة العقلية لوجوب الاحتياط.[5]
في هذا التقسيم، تقع جميع المناقشات الأصولية في قسمين: الأمارات والأصول العملية. فالأمارات هي تلك الأدلة الاستدلالية التي لها صفة الكشف عن الواقع، والأصول هي تلك الأدلة التي تحدد الواجب العملي فقط. ثم تُقسم مناقشات كل فرع إلى فرعين أصغر. ففي الأمارات، سواء القطعية أو الظنية، يُناقش مرة أصل الظهور ومرة أخرى حجية الظهور، وفي الأصول العملية يُناقش مرة الأصول الشرعية التي أُسست بواسطة الشارع، ومرة أخرى الأصول العقلية التي أسسها العقل.
إذا تقدمنا قليلاً وألقينا نظرة على عناوين كتاب كفاية الأصول لمحقق خراساني، نجد مناقشات علم الأصول مقسمة إلى أربعة أقسام:
- مباحث الألفاظ ومقدماتها. حيث يُناقش هنا أصل ظهور الدليل اللفظي، وقد أُدرجت العديد من المناقشات العقلية دون أي تبرير كافٍ ضمنها.
- مباحث الأمارات الشرعية المعتبرة، حيث يُناقش أولاً حجية القطع ثم حجية أو عدم حجية بعض الأمارات الظنية.
- مباحث الأصول العملية سواء العقلية أو النقلية.
- مباحث تعارض الأدلة والأمارات.
كتاب فوائد الأصول للشيخ الأنصاري جامع لمباحث الثلاثة الأقسام الأخيرة، ويمكن البحث عن مباحث القسم الأول في تقارير درسه المعروفة بـ مطالع الأنظار.
بعد محقق خراساني، اتبع تلاميذه نفس المنهج، مما يدل على قلة الاهتمام بتقديم تقسيم مناسب. مثلاً في تقارير درس ميرزا النائيني المعروفة بـ فوائد الأصول وكذلك في كتاب مقالات الأصول لمحقق عراقي، نرى أن الأبواب والفصول ومباحث علم الأصول لم تُنظر إليها بنظرة خاصة ودقيقة، بل توجد إشارات فقط ضمن بيان تعريف وموضوع علم الأصول، كما كان الحال في آثار السابقين. حتى نعلم أن الشيخ محمد حسين الأصفهاني هو أول شخصية أصولية أجرت إصلاحًا جوهريًا في هذا التقسيم المعتاد، واقترح فصل المناقشات العقلية عن مناقشات الألفاظ.
وفقًا لاقتراحه، كانت الأبواب الأربعة للأصول هي: 1. مباحث الألفاظ التي يُناقش فيها أصل ظهور الأدلة اللفظية؛ 2. المباحث العقلية مثل بحث المقدمة الواجبة وبحث استحالة اجتماع الأمر والنهي؛ 3. مباحث الحجية التي تُناقش فيها حجية ظواهر الكتاب والسنة وكذلك حجية الإجماع والدليل العقلي؛ 4. مباحث الأصول العملية. ثم تأتي مباحث تعارض الأدلة، المعروفة بباب التوازن والترجيح، تحت عنوان الخاتمة، والتي هي في الواقع الباب الخامس من أبواب علم الأصول.
هنا يُلاحظ أن الأصول العملية، سواء الشرعية أو العقلية، وكذلك الأمارات الشرعية، سواء الظنية أو القطعية، جُمعت معًا، لكن بالمقابل فُصلت المباحث العقلية عن المباحث اللفظية، وهذا الفصل ذو أهمية.
الشيخ محمد رضا مظفر في كتابه أصول الفقه الذي كتبه منذ البداية كنص دراسي، أحب هذا التقسيم من أستاذه، لكن لاحقًا أضاف المرحوم الأصفهاني مباحث التوازن والترجيح إلى مباحث الحجية وجمع مباحث علم الأصول في ثلاثة أبواب. وكان تبريره في ذلك أن عند تعارض الأدلة، في النهاية نتحدث عن حجية أحد الدليلين. لذا فإن النقاش حول الحجية، سواء الحجية الشأنية أو الحجية الفعلية، يكون دائمًا بعد وقوع التعارض.
نتيجة هذه الدراسات في تقسيم مباحث علم الأصول من زمن الشيخ الأنصاري حتى محقق خوئي هي أن هناك ثمانية أنواع من النقاشات في علم الأصول:
- الأمارات اللفظية القطعية والمباحث التمهيدية المتعلقة بباب الألفاظ؛ 2. الأمارات اللفظية الظنية؛ 3. الأدلة العقلية أو الأمارات العقلية التي يكون النوع القطعي منها مطروحًا لدينا دائمًا؛ 4. حجية الدليل العقلي القطعي؛ 5. حجية بعض الأمارات الظنية؛ 6. الأصول العملية الشرعية؛ 7. الأصول العملية العقلية؛ 8. تعارض الأدلة.
بالطبع، يختلف الأصوليون في دمج بعض الأنواع ضمن أخرى وفي تقديم أنواع كلية وعامة للمباحث، ولم يقدم أحد معيارًا واضحًا في التفريق أو الدمج بين هذه الأنواع.
الشهيد الصدر، بنظرة إلى آخر شكل من تقسيم المباحث الذي أعلنه أستاذه محقق خوئي، يعرض اقتراحه وعيوب التقسيم المذكور على النحو التالي:
يمكن اعتبار نوعين في تقسيم المباحث:
النوع الأول هو أن نأخذ في الاعتبار القواعد التي تُستخدم في عملية الاستنباط، ونقول إن هناك أربع فئات من القواعد، يذهب الفقيه أولًا إلى الفئة الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، وأخيرًا الرابعة. فهذه القواعد الأربعة مرتبة ترتيبًا زمنيًا في عملية الاستنباط، ويُستشهد بكل منها عند عدم وجود الفئة السابقة. ويبدو أن ظاهر كلام محقق خوئي في شرح مباحث علم الأصول وتقسيمها يأخذ هذا الأمر في الاعتبار، لكن هناك عدة مآخذ عليه:
أولًا: الفئة الثانية ليست امتدادًا للفئة الأولى، لأن الرأي المشهور هو أن الأمارة حجية، سواء كان تحصيل العلم الوجداني بحكم شرعي ممكنًا أو غير ممكن. لذلك، فإن حجية الأمارات ليست مشروطة بسد باب العلم.
ثانيًا. إذا كان الترتيب الطولي وحده هو المعيار، فيجب أن يُحدث ترتيب بين قواعد الفئة الثانية نفسها، وأن يُقدم بعضها على بعض. مثلاً، إذا كان في مسألة ما آية ذات دلالة ظنية ونقل خبر ظني السند، فيجب تقديم العلم التعبدي في جانب الدلالة على العلم التعبدي في جانب السند، والنتيجة هي أن الخبر الواحد لا يمكنه أن يتعارض مع ظهور آية القرآن، ويجب على الفقيه في عمليات الاستنباط أن يتوجه أولاً إلى ظهور الآيات، وإذا لم يجد شيئًا، حينئذٍ يتوجه إلى ظهور الروايات ظني السند. ولكن لم يُذكر مثل هذا الطولية والترتيب في التقسيم المذكور؛ بالإضافة إلى أن مكانة الأصل الاستصحاب في هذا التقسيم غير واضحة، ولا يُعرف تقدمه على بقية الأصول العملية، مع أن مراعاة الترتيب الطولي بين القواعد الأصولية يقتضي وضع الاستصحاب في مرتبة مستقلة بعد الأمارات وقبل بقية الأصول العملية مثل البراءة والاحتياط.
ثالثًا. الافتراض بوجود ترتيب طولي بين قواعد الفئة الثالثة، أي الأصول العملية الشرعية، وقواعد الفئة الرابعة، أي الأصول العملية العقلية، ليس دائمًا صحيحًا؛ لأن أحيانًا تُستند الأصول العقلية قبل الأصول الشرعية؛ على الأقل بناءً على هذا الأساس الذي يقول بأن أصالة الاشتغال في حدود العلم الإجمالي تنجزيّة، أي أن العقل يحكم بوجوب الاحتياط في حدود العلم الإجمالي، ومع وجود الحكم العقلي، يصبح جعل البراءة من قبل الشارع مستحيلاً. بناءً على هذا الأساس (الذي يتفق مع الرأي المشهور ويخالف رأي القائلين بمسلك حق الطاعة) فإن البراءة الشرعية في طول الاحتياط العقلي، وليس أن الأصل العقلي في طول الأصل الشرعي.
النظر الثاني في تقسيم مباحث علم الأصول هو الانتباه إلى ذات الأدلة وضروراتها مع تجاهل مراحل الاستنباط. بحيث نُفرّق كل مجموعة من المباحث الأصولية التي لها مبادئ تصورية وتصديقية خاصة بها عن مجموعة أخرى لها مبادئ مختلفة. بناءً عليه، المباحث الأصولية نوعان: النوع الأول متعلق بالبحث في ذات الدليل والحجة، وتحت هذا يندرج ثلاثة أنواع من المباحث: النوع الأول هو مباحث الألفاظ التي يجب فيها كمدخل تصوري وتصديقي مناقشة الوضع والدلالة وتمييز الظهور وعلامات الحقيقة والمجاز. النوع الثاني هو مباحث الدليل العقلي، حيث يجب هنا قبل معنى الحكم، مناقشة مبادئ الحكم، حقيقة الحكم، التنافي أو عدم التنافي بين الأحكام وأنواع أخرى من العلاقات بين الأحكام كمبادئ تصورية وتصديقية. مثلاً، هذا البحث الأصولي هل وجوب شيء يستلزم تحريم ضده أم لا، معلق على بحث حقيقة الوجوب واللوازم العقلية لثبوته. النوع الثالث هو المباحث المتعلقة بالسيرة والإجماع والشهرة والتواتر، حيث في جميعها تُقام دلالة الدليل عن طريق تراكم الاحتمالات ومنطق حساب الاحتمالات. دلالة هذا النوع من الأدلة على الحكم الشرعي ليست من قبيل الدلالة اللفظية ولا الدلالة الشرعية، بل دلالة من باب تراكم الاحتمالات، ومبادئ تصورية وتصديقية خاصة بهذا النوع من الأدلة هي أن نعرف كيف ومتى تتراكم الاحتمالات وما مقتضاه.
أما النوع الثاني من المباحث الأصولية فهو متعلق بالبحث في الحجية التي لها مبادئ خاصة بها ومختلفة عن مبادئ الأنواع الثلاثة من القسم الأول. في هذا القسم يجب قبل معنى الحجية، مناقشة معنى المنجّزية والمعذّزية وطرق التنجيز والتعذير المختلفة كمبادئ للبحث، ثم بعد ذلك يدخل موضوع إمكانية جعل الحكم الظاهري والرد على شبهات ابن قبة وكيفية الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي ضمن بحث طرق التنجيز والتعذير.[6]
في تقرير آخر من درس الشهيد الصدر، ورد:
يمكن اعتبار نوعين من التقسيم لمباحث علم الأصول:
أ. التقسيم من حيث نوع الدليل، وعلى هذا الأساس تُقسم مباحث علم الأصول إلى قسمين: الأدلة المحرزة والأصول العملية، وكل منهما يشمل مجموعة من المباحث الفرعية التالية:
- الأدلة المحرزة
1ـ1. الأدلة الشرعية
1ـ1ـ1. تحديد الدلالة
أ. الدليل اللفظي
ب. الدليل غير اللفظي
1ـ1ـ2. إثبات الصدور
1ـ1ـ3. حجية الدلالة والظهور
1ـ2. الأدلة العقلية
1ـ2ـ1. بحث صغروي في صحة القضية العقلية
أ. المستقلات العقلية
ب. غير المستقلات العقلية
2ـ1ـ2. بحث كبرى في حجية الإدراك العقلي
- الأصول العملية
2ـ1. المباحث العامة والمقدمة
2ـ2. المباحث المتعلقة بالأصول نفسها
2ـ2ـ1. الأصل العملي في حالات فقدان العلم الإجمالي (الاستصحاب والبراءة)
2ـ2ـ2. الأصل العملي في حالات وجود العلم الإجمالي (الاشتغال والأقل والأكثر)
- الخاتمة في بيان تعارض الأدلة
وفق أي من التقسيمين يجب في بداية علم الأصول تقديم مبحثين تمهيديين: أحدهما حجية القطع كأصل موضوعي في جميع المباحث، والآخر بيان حقيقة الحكم الشرعي وتقسيماته.
ب: التقسيم من حيث نوع الدليليّة، هل هي لفظية أو عقلية أو تعبدية. وعلى هذا الأساس تقبل مباحث علم الأصول الأنواع التالية:
- مباحث الألفاظ
- مباحث الدليل العقلي البرهاني سواء المستقلات العقلية أو غير المستقلات العقلية
- مباحث الدليل الاستقرائي التي تبحث مثل الإجماع والسيرة والتواتر.
- مباحث الحجج الشرعية، أي تلك الأدلة التي ثبت دليليتها بسبب الجعل الشرعي، سواء كانت أمارات ظنية أو أصول عملية شرعية، وهنا يجب قبل ذلك التحدث عن الفرق الجوهري بين حجية الأصل وحجية الأمارة وآثار كل منهما وحجية لوازمهما، وكذلك عن تأسيس الأصل عند الشك في الدليليّة.
- مباحث الأصول العملية العقلية مثل بحث البراءة أو الاحتياط العقلي في حالات الشك البدوي، وكذلك بحث الاحتياط العقلي في حالات العلم الإجمالي، وبحث الأصل العقلي في الاختيار.
وخاتمة هذه المباحث تتعلق بتعارض الأدلة المذكورة والأحكام المتعلقة بها.
أما في مقام المقارنة بين هذين التقسيمين، فيجب القول إن التقسيم الأول أقرب إلى المنهج القديم في الحوزة العلمية، ويُظهر كفاءة قواعد الأصول في مقام الاستدلال الفقهي بشكل جيد. في حين أن التقسيم الثاني أقرب إلى المنهج الجديد في الحوزة، وهو أكثر ملاءمة للنقاش حول القواعد نفسها والدقة فيها. فإذا نظرنا إلى علم الأصول من زاوية كونه أداة لعلم الفقه والتعرف على مجالات تطبيق القواعد الأصولية في الاستدلالات الفقهية، فإن التقسيم الأول بالطبع أفضل، وإذا نظرنا إليه بشكل مستقل ومجرد عن علم الفقه، فإن التقسيم الثاني هو الأنسب.[7]
وعلى الرغم من وجود نوع من الاختلاف في هذين العرضين المذكورين من درس الشهيد الصدر بالنسبة لمكانة مبحث حجية القطع ومكانة مبحث حكم شناسي وانقساماتهما، إلا أن توضيح هذين المنهجين في تقسيم المباحث وتقديم المعيار والقاعدة اللازمة لكل منهما له أهمية كبيرة؛ خصوصًا أن رجال هذا العلم أقل اهتمامًا بأسلوب تقسيم مباحث علم الأصول وشمولية كل تقسيم بالنسبة لعناوين النقاشات. ومن بين هذين المنهجين، اختار الشهيد الصدر للدرس الخارج المنهج الثاني، ولتنظيم نص حلقات الأصول المنهج الأول؛ لأن طلاب هذا العلم في مرحلة السطح يحتاجون أكثر إلى الوعي بكيفية تطبيق القواعد الأصولية في الفقه، وفي مرحلة الخارج يحتاجون أكثر إلى معرفة كيفية انطباق النقاشات على المنهج المعتاد في الكتب الأصولية الحديثة؛ وهي الكتب التي تُنظَّم مباحثها بالطريقة المعتادة في مدرسة الشيخ الأنصاري.[8]
2. عنونة المباحث
من لوازم تقسيم مناسب هو وضع عناوين واضحة لكل مبحث، وفي هذا المجال تظهر ابتكارات بعض أعمال الشهيد الصدر بوضوح. فإذا كانت عناوين المباحث غير متناسبة مع المحتوى المعنون، فإن ذلك يؤدي إلى الارتباك؛ بالإضافة إلى أن النقاط الفارغة للنقاش والحوار لا تُكتشف بسهولة. في الواقع، إن تطور علم الأصول في هذا المحور هو من نتائج تطور علم الأصول في المحور السابق. ولكن بالطبع لا ينبغي الابتعاد كثيرًا عن العناوين المعهودة والتقليدية؛ لأن القراء لن يجدوا بسهولة العلاقة بين الشكل الجديد وما كان يُقال سابقًا، ونعلم أن عناوين كل علم بمثابة عناوين للبحث عن المحتوى. لذا يجب السير تدريجيًا في تغيير العناوين حتى لا تضيع المحتويات؛ كما يجب عدم الإفراط في ابتكار المصطلحات وعدم تغيير لغة الحوار دفعة واحدة حتى لا يكثر الخلط والأخطاء والمناقشات اللفظية، ولا يجوز إدخال مصطلحات جديدة إلا عند الحاجة وللتفريق المعنوي بين أمرين. ولهذا السبب، تُعرف المدرسة الأصولية للشهيد، سواء بابتكار عناوين جديدة أو بابتكار بعض المصطلحات، وبشكل عام يمكن القول إنه قد صنع لغة وأدبًا جديدين لإيصال المباحث العلمية، مصحوبًا بتحول في المحتوى والشكل.
ولكن يمكن رؤية ابتكار الشهيد الصدر في استخدام العناوين الجديدة أكثر في نص حلقات الأصول. فمثلاً في الحلقة الثانية نرى أنه مع فتح أبواب جديدة من المباحث، تم اختيار عناوين جديدة أيضًا. مع طرح مبحث حكم شناسي كمبحث تمهيدي، جاءت العناوين التالية:
الحكم الشرعي وتقسيمه، مبادئ الحكم التكليفي، التضاد بين الأحكام التكليفية، شمول الحكم لجميع وقائع الحياة، الحكم الواقعي والحكم الظاهري، الأمارات والأصول، اجتماع الحكم الواقعي والظاهري والقضية الحقيقية والقضية الخارجية.
وفي الحلقة الثالثة عُرضت عناوين المبحث الأخير على النحو التالي:
الأحكام التكليفية والوضعية، شمول الحكم للعالم والجاهل، الحكم الواقعي والظاهري، شبه التضاد ونقض الغرض، شبه تنجز الواقع المشكوك، الأمارات والأصول، التنافي بين الأحكام الظاهرية، وظيفة الأحكام الظاهرية، التصويب بالنسبة إلى بعض الأحكام الظاهرية والقضية الحقيقية والخارجية للأحكام.
ويجب القول إن كل هذه العناوين هي نتيجة التركيز على مباحث كانت تُطرح سابقًا عند الأصوليين بشكل متفرق وضمني، ولم يكن القارئ يستطيع أبدًا أن يجد شيئًا عنها من خلال دراسة فهارس الكتب والبحث في العناوين.
ومع الدخول في مبحث الأدلة المحرزة، سواء الدليل الشرعي أو الدليل العقلي، تظهر عناوين جديدة أخرى، وفي الواقع فإن هذا الجزء من علم الأصول مقارنة بالجزء العملي من الأصول كان أكثر مجالًا للابتكار في طريقة طرح النقاش عند الشهيد الصدر. فمثلاً في فهرس الحلقة الثانية نرى العناوين الجديدة لهذا المبحث على النحو التالي: وفاء الدليل بدور القطع الموضوعي (بحث قيام الإمارة مقام القطع)، إثبات الدليل لجواز الإسناد (من توابع بحث حجية الإمارة)، تنوع المدلول التصديقي (من توابع بحث صيغة الأمر ومعناها)، إثبات الملاك بالدليل (من فروعات بحث حجية مثبتات الأمارات)، وسائل الإثبات الوجداني (بحث ماهية التواتر، الإجماع والسيرة المتشرعة)، وسائل الإثبات التعبدي (بحث حجية خبر الواحد)، قاعدة استحالة التكليف بغير المقدور (شكل أعم من بحث القدرة الشرعية والقدرة العقلية)، قاعدة إمكانية التكليف المشروط (بحث تمهيدي للتمييز بين الجعل والمجعول)، قاعدة تنوع القيود وأحكامها (بحث قيد الوجوب وقيد الواجب)، القيود المتأخرة زمانًا عن المقيد (بحث الشرط المتأخر)، زمان الوجوب والواجب (بحث مقدمات المفوت والواجب المعلق)، اشتراط التكليف بالقدرة بمعنى آخر (بحث الترتب)، مستقطات الحكم (شكل أعم من بحث أجزاء الأمر الاضطراري).
أما المباحث الثلاثة المعهودة والمعروفة في علم الأصول بعنوان الحقيقة الشرعية، الصحيح والأعم والمشتق، فلم تجد مكانًا في حلقات الأصول، رغم أن دروس الخارج للشهيد الصدر تتضمن نقاشًا مفصلًا عنها. وقد قام بعض تلاميذ الشهيد الصدر، بناءً على شعور بالحاجة واعتقاد بفراغ مكان هذه المباحث في حلقات الأصول، بكتابة مستدرك على الحلقة الثالثة وقدموا تقريرًا عن درس هذه المباحث الثلاثة، متناسبًا مع وضع طلاب مرحلة السطح.[9] ولكن الحقيقة هي أنه لا يمكن القول إن هذه المباحث الثلاثة قد غابت عن تنظيم نص حلقات الأصول من قبل الشهيد الصدر، بل يجب القول إن عدم إدراجها كان بسبب اعتبار نتائج النقاش قليلة الفائدة وعدم الحاجة الأساسية لطرحها في مرحلة السطح.
بعد أن نتجاوز حلقات الأصول، يمكن رؤية فن العنوان المناسب للنقاشات في تقارير درس الشهيد صدر أيضًا؛ رغم أن طبيعة عمل كتابة التقارير تقتضي وجود اختلاف بين المقرّرين في تسجيل عناوين النقاشات.[10]
بعيدًا عن أن الشهيد صدر نفسه أجرى في الدورة الثانية تعديلات على أسلوب طرح المناقشات واعتماد العناوين المعتادة مقارنة بالدورة الأولى. ومع ذلك، فإن مقارنة فهرس أحد هذه التقارير مع فهارس الكتب الأصولية الأخرى وتقارير درس ميرزا النائيني وتحقيق الخوئي، تُظهر بوضوح قوة وسيطرة وابتكار الشهيد صدر في تفصيل الجوانب والوجوه للنقاش في كل مسألة. كمثال، يمكن النظر إلى مناقشات مثل حقيقة الوضع، المعاني الحرفية، مقدمة الواجب، الترتب، التزاحم، ووجوب الاختيار.
إلى جانب العناوين الجديدة، هناك مصطلحات جديدة أيضًا في مدرسة أصول الشهيد الصدر، بعضها دخل ضمن العناوين وبعضها لم يدخل، وسنشير إلى كلا القسمين:
- العناصر المشتركة: استُخدم هذا المصطلح في تعريف علم الأصول وبعد ذلك في مواضع أخرى، ويقصدون به تلك القواعد العامة التي تصلح للدخول في استنباط كل باب من أبواب علم الفقه، ولذلك اعتُبر علم الأصول علم العناصر المشتركة واعتُبر التعريف شاملاً وكافياً؛ ولكن في تعريفهم النهائي أضافوا بعض القيود وذكروا: «هو العلم بالعناصر المشتركة في الاستدلال الفقهي خاصة التي يستعملها كدليل علي الجعل الشرعي الكلي».[11]
- العناصر الخاصة: يقصدون بها تلك القواعد المستخدمة في عمليات الاستنباط التي تتعلق باستنباط أحكام شرعية معينة؛ مثل العلم بوثاقة زرارة التي وردت في سند روايات خاصة، والعلم بمعنى كلمة «صعيد» التي وردت في آية التيمم.
- الأدلة المحرزة: استُخدم هذا المصطلح في تقسيم وعنوان بعض المباحث، ويقصدون به تلك الأدلة الاستنباطية التي لها صفة الكشف عن وجود الحكم الحقيقي، سواء كان كشفًا قطعيًا أو ظنيًا. لذلك، الأدلة المحرزة في اصطلاح الشهيد الصدر أعم من الأمارات في الاصطلاح الشائع؛ لأن عند الشائع يُقال للأدلة الظنية الكاشفة مثل خبر الثقة وظاهر القرآن «أمارة» فقط، أما عند الشهيد الصدر فكل دليل كاشف سواء كان قطعيًا أو ظنيًا فهو دليل محرز، ومقابلها الأصول العملية التي لا تملك صفة الكشف عن الحكم الحقيقي وإنما تحدد فقط الواجب العملي عند الشك.
- تزاحم حفظي: تصوروا نوعًا من التزاحم في مقام الحفظ التشريعي من قبل الشارع يختلف تمامًا عن تزاحم ملاكي وتزاحم امتثالي. عند بيان رأي الشهيد الصدر في مسألة الجمع بين الحكم الظاهري والحقيقي سيأتي شرح ذلك.
- قرن أكيد: استُخدم هذا المصطلح في باب الوضع وكيفية تشكله، ويقصدون به التلازم المؤكد والشديد بين اللفظ والمعنى. يمكن أن يكون تأكيد هذا التلازم بسبب عامل كمي ناتج عن تكرار اللفظ ومراد المعنى، أو بسبب عامل كيفي ناتج عن وقوع التلازم في زمان أو مكان حساس وذاكرة. في كل الأحوال فسّروا دلالة اللفظ بسبب حصول القرن الأكيد بين اللفظ والمعنى بحيث يكون أحدهما تابعًا للآخر.
- تحفظ: يقصدون به نفس الاحتياط. مع أنهم استخدموا كلمة «احتياط» أيضًا، إلا أنه يمكن القول إنه في مواضع استخدام كلمة «تحفظ» إشارة إلى نقطة خاصة وهي أن فلسفة الاحتياط هي الحرص على حفظ المعيار الحقيقي للالتزام المشكوك فيه. مثلاً في الحلقة الثانية من حلقات الأصول في بحث الأصل الأولي العقلي ورد تعبير «ترك تحفظ» وذكروا: «فالصحيح اذن ان القاعدة العملية الاولي هي اصالة الاشتغال بحكم العقل ما لم يثبت الترخيص في ترك التحفظ». بينما في الحلقة الأولى ورد فقط تعبير «ترك احتياط» في هذا الموضع.
- حق الطاعة: الشهيد الصدر، مقابل الرأي الشائع الذي يعتقد بأصل البراءة العقلي، طرح أصل الاحتياط العقلي على أساس ثبوت حق الطاعة، ولا يعتبر حق الطاعة شيئًا منفصلًا عن الملوكية الذاتية لله تعالى. وهكذا فرق طريقه عن الطريق الشائع وسمى مسلكه مسلك حق الطاعة، وسيأتي شرحه.
- القطع الذاتي والقطع الموضوعي: في مبحث القطع وحجية القطع أشار القطّاع إلى أن كل قطع ناتج عن أسباب وعوامل صحيحة وقطعية عند الجمهور يسمى قطعًا موضوعيًا، وكل قطع غير مبرر وبلا سبب ومتأثر بعوامل خاصة توجد فقط عند القاطع يسمى قطعًا ذاتيًا. لذلك، القطع القطّاع هو قطع ذاتي يجب أن يُبحث في حجّيته.
- تنوين تنكير وتنوين تمكّن: في مبحث الإطلاق وكيفية وجوده في اسم الجنس، يُسمى كل تنوين يفيد معنى «الوحدة» في الاسم تنوين تنكير؛ مثل «أكرم فقيرًا» بمعنى وجوب إكرام فقير غير معين، وطبعًا يكون إطلاقه بدليًا. وكل تنوين لا يفيد معنى الوحدة بل هو علامة انصراف فقط يُسمى تنوين تمكّن؛ مثل «رجلٌ خير من امرأة». هذا التنوين لا يدخل قيد الوحدة في معنى «رجل». لذلك الاسم صالح للإطلاق الشمولي والبدلي معًا، وهذا خلاف ما عند أهل النحو حيث تنوين التنكير يدل على نكرة الاسم وتنوين التمكّن يدل على انصراف الاسم، ولا يُقال فيهما شيئًا عن إفادة أو عدم إفادة قيد الوحدة.
- وسائل إثبات وجدانية وتعبدية: في بحث الأدلة المحرزة، تلك الوسائل التي تثبت صدور الدليل الشرعي بطريقة قطعية تُسمى وسائل إثبات وجدانية؛ مثل القطع الذي هو إثبات وجداني. وتلك الوسائل التي لا تفيد القطع وإنما اعتُمدت بأمر الشارع وإثباتها تعبد، تُسمى وسائل إثبات تعبدية؛ مثل خبر الواحد.
- تعارض مستقر وغير مستقر: في مبحث الأدلة المحرزة، التعارض البدوي بين العام والخاص، والمطلق والمقيد، والحاكم والمحكوم الذي عند عرف الناس يكون أحدهما قرينة للتصرف في ظهور الآخر، يُسمى تعارضًا غير مستقر؛ لأن في هذه الحالات يوجد جمع عرفي وينتهي التعارض إلى مصالحة. ومقابله تعارض بين دليلين لا يوجد بينهما جمع عرفي، وبالتالي يبقى التعارض قائمًا ويجب العمل بقاعدة التخيير أو التساقط، إلا إذا وُجد مرجّح.[12]
- حمل أولى وحمل شائع: استُخدم هذان المصطلحان في عدة مباحث، منها في نطاق البحث عن الفرق بين القضية الحقيقية والخارجية، وبيان تعلق الأحكام بالعناوين الذهنية، ومبحث المعاني الحرفية. في الموضع الأول تعبيرهم في الحلقة الثالثة هو: «يكفي في إصدار الحكم على الخارج إحضار صورة ذهنية تكون بالنظر التصوري [أي بالحمل الأولى] عين الخارج وربط الحكم بها وإن كانت بنظرة ثانوية فاحصة وتصدقية أي بالحمل الشائع، مغايرة للخارج». وفي الموضع الثاني تعبيرهم هو:
وحتى نفس مفهوم النسبة ومفهوم الربط المدلولين بكلمتي «النسبة» و«الربط» ليسا من المعاني الحرفية بل من المعاني الاسمية لإمكان تصورهما بدون أطراف وهذا يعني أنهما ليسا نسبة وربطًا بالحمل الشائع وإن كانا كذلك بالحمل الأولى. وقد مرّ عليك في المنطق أن الشيء يُصدق على نفسه بالحمل الأولى ولكن قد لا يُصدق على نفسه بالحمل الشائع كالجزئي فإنه جزئي بالحمل الأولى ولكنه كلي بالحمل الشائع.
من هذه المواضع يتضح أنهم يقصدون من مصطلحي حمل أولى وحمل شائع ـ عندما يُوصفان لعقد الوضع ـ معنىً يعاكس تمامًا ما قصدّه أهل المنطق في باب العنوان والمعنون. لكن في باب «الحمل» لا يختلف مصطلحهم عن المصطلح الشائع.
سبب اختلاف المصطلح في باب العنوان والمعنون هو أنهم حيثما يكون النظر إلى الموضوع ذاته ويُحكم على مفهومه بأنه محكومٌ عليه، يقولون إنه ملحوظ بالحمل الشائع، وحيثما يكون النظر إلى مصداق الموضوع، يقولون إنه ملحوظ بالحمل الأول؛ مع أن أهل المنطق يقولون العكس؛ فمثلاً أهل المنطق يقولون عن الجزئي: «الجزئي بالحمل الأولي كلي وليس بجزئي» و«الجزئي بالحمل الشائع جزئي»؛ ولكن بمصطلحهم يُقال «الجزئي بالحمل الشائع أي مفهومه بما هو صورة ذهنية كلي وليس بجزئي» و«الجزئي بالحمل الأولي أي مصداق الجزئي وما يوصف في الخارج بأنه جزئي، جزئي».
وبالتالي يمكن القول إنهم حيثما يكون العنوان دالاً على الخارج ومن خلال ذلك العنوان يُؤخذ الأمر الخارجي، يقولون إن ذلك العنوان ملحوظ من حيث التصور الأولي، وكل عنوان يُؤخذ هو نفسه كأحد المفاهيم الذهنية، يقولون إنه ملحوظ من حيث التصديق الثانوي. وعلى هذا الأساس، في الموضع الأول أوردوا هذا المثال: «النار بالحمل الأولي محرقة» و«النار بالحمل الشائع كلي»؛ أي عكس تماماً ما ذكره أهل المنطق مثل الأستاذ محمدرضا مظفر في باب العنوان والمعنون من علم المنطق.[13]
3. الاستقصاء الجذري
ما نرمي إليه هنا هو تركيز شهيد صدر على بعض المسائل الأساسية التي تظهر آثارها ونتائجها في مواضع أخرى من علم الأصول؛ في حين أن الأصوليين كانوا يتناولون هذه المسائل ضمنياً وبشكل متفرق ولم يكن لديهم نظرة مستقلة وخاصة أو بحث مركز ومنسجم حولها. لذلك، حيثما دعت الحاجة إلى هذه المسائل الأساسية، كانوا يقدمون بياناً منفصلاً، وغالباً ما كانت هذه البيانات المتفرقة تتجمع وتبدو متكررة مع وجود اختلافات وتباينات. حتى في مسألة الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي ـ مع أن لها مكانة محددة في علم الأصول وعادة ما يُذكر في سياق بحث إمكانية التعبد بالظن ودفع شبهات ابن قبة ـ فإن عدم التركيز أدى إلى أن الشيخ الأنصاري مثلاً طرح نظرية المصلحة السلوكية في باب الظن، ومرة أخرى فرق الموضوع في بداية بحث الأصل في البراءة، ومرة ثالثة أنكر جعل الحكم في تنبيهات دليل الانسداد من كتاب فرائد الأصول، وبالطبع لو تم تحديد مكانة بحث «الحكم» في علم الأصول، لما كانت الحلول المقترحة للجمع بين الحكم الظاهري والواقعي بهذا القدر من التشتت والتباين.
في عمل شهيد صدر، يأتي التركيز على هذه المسائل الأساسية التي تُعد كأصول لبعض القواعد الأصولية الأخرى نتيجة تقسيم وتصنيف جيد للمباحث وظهور ثغرات للنقاش في نظام القواعد الأصولية. لذلك، بعد أن تابع شهيد صدر الشكل التقليدي للمباحث في مرحلة الخارج، وعند تأليفه حلقات الأصول، فكر في فتح باب المباحث التمهيدية حول ماهية الحكم الشرعي وأقسامه وأحكامه، وناقش في هذا الباب قاعدة الاشتراك، والفرق بين الحكم الظاهري والواقعي، والفرق بين فئتين من أدلة الأحكام، وهما الأمارات والأصول، ومبادئ الأحكام التكليفية، والفرق بين الأحكام التكليفية والوضعية، والتخطئة والتصويب، والتضاد بين الأحكام التكليفية، والتنافي بين الأحكام الظاهرية، والفرق بين القضية الخارجية والقضية الحقيقية في جعل الحكم وتعلق الحكم بالعناوين الذهنية، حتى يستفيد لاحقاً من مبناه المختار في المباحث التابعة وخاصة في مباحث الدليل العقلي غير المستقل. على سبيل المثال، حجية مدلولات الالتزامية للأمارات وعدم حجية مدلولات الالتزامية للأصول مبنية على تفسيرنا للفرق بين الأمارة والأصل؛ كما أن معرفة مبادئ الأحكام تدخل في كثير من المباحث وخاصة في مباحث الدليل العقلي ومنها بحث استحالة التكليف بالغير الممكن، والفرق بين الشرط العقلي والشرط الشرعي، وفي بحث إمكانية الوجوب المشروط والفرق بين شروط الاتصاف وشروط الترتب وما شابه ذلك، وكذلك معرفة الفرق بين القضية الحقيقية والخارجية في بحث إمكانية أو استحالة أخذ العلم بالحكم في موضوع الحكم وغيرها من المواضع التي يُطرح فيها التمييز بين الجعل والمجعول كحل. وكذلك معرفة الفرق بين الحكم الظاهري والحكم الواقعي وتعريف وتبيين ماهية الحكم الظاهري تدخل في كثير من المباحث منها بحث العلم الإجمالي وإمكانية أو استحالة المعارضة القطعية مع العلم الإجمالي وتطبيق الأصل في البراءة في جميع الجوانب.
لذا من المناسب أن يخصص أصوليون آخرون موقفًا مستقلاً لمثل هذه المناقشات، وينقحوا أسسهم الأصولية هناك حتى لا يصابوا بالتشتت والتكرار في المناقشات التابعة:
4. التنظير
يجب تصور النظريات الأصولية من حيث حل وتفسير المشكلات العلمية بما يتجاوز مجرد القواعد والأسس الأصولية. بالطبع تُعرض جميع النظريات الأصولية في قالب قاعدة أو أساس أصولي، ولكن من حيث الفاعلية والتأثير تُعد مهمة جدًا بحيث يجب أن تُعطى عنوانًا خاصًا لها ليُولى اهتمام خاص لجانب الربط بينها وبين القواعد والأسس الأصولية الأخرى. هنا نشرح بإيجاز ابتكار وابتكار مدرسة الأصول الشهيد الصدر في طرح النظريات الأصولية حول عدة محاور:
4ـ1. أ. كيفية الجمع بين الحكم الظاهري والحكم الحقيقي
أولًا يجب أن نشرح أن تقسيم الحكم إلى ظاهري وحقيقي يتم وفق معيارين: وفقًا لمصطلح، المقصود بالحكم الظاهري هو الحكم الذي يُعرف من الدليل الفقهي وبمقتضى الأصل العملي. مقابل ذلك، المقصود بالحكم الحقيقي هو الحكم الذي يُكشف عنه بواسطة الدليل الاجتهادي والأدلة المحرزة. أما وفقًا لمصطلح آخر، فإن مفاد جميع الأمارات والأصول العملية هو حكم ظاهري؛ لأن الأمارات تُعتبر دليلًا ظنيًا وحجيتها تحتاج إلى دليل قطعي، وبعبارة الشهيد الصدر، يجب اعتبار نفس جعل الحجية للأمارات حكمًا ظاهريًا. وقد عرّف في الحلقة الثانية من حلقات الأصول الحكم الظاهري والحكم الحقيقي كما يلي:
الحكم الواقعي هو كل حكم لم يفترض في موضوعه الشك في حكم شرعي مسبق و الحكم الظاهري هو كل حكم افترض في موضوعه الشك في حكم شرعي مسبق من قبيل اصالة الحل في قوله كل شيء لك حلال حتي تعلم انه حرام و سائر الاصول العملية الاخري و من قبيل امره بتصديق الثقة والعمل علي وفق خبره و امره بتصديق سائر الامارات الاخري.
لذا فإن عنصر «الشك» متداخل في تفعيل الحكم الظاهري؛ سواء فسّرنا الحكم الظاهري بنفس «الحجية» التي وُضعت للأمارات في ظرف الشك، أو فسّرناه كوجوب أو حرمة مفاد خبر الثقة، وهذا أيضًا في ظرف الشك وعدم وجود العلم، من خلال جعل الحجية، أو فسّرناه بنفس البراءة أو الاحتياط كأصل عملي.
وبالتالي فإن الصورة التي يقدمها الشهيد الصدر عن الحكم الظاهري تتوافق مع المصطلح الثاني، وهذا يختلف عن الصورة السائدة حول الحكم الظاهري التي تتوافق مع المصطلح الأول والمعهود والموروث عن وحيد بهبهاني، والتي أوردها الأستاذ محمدرضا مظفر في بداية أصول الفقه.
والآن بعد أن تبين أن الدليل الدال على الحكم الظاهري يمكن أن يكون دليلاً اجتهاديًا أو فقهيًا، يجب أن يُسأل: فما هو الدليل الدال على الحكم الحقيقي؟ الجواب هو أن القطع بالحكم الحقيقي يدل على وجود الحكم الحقيقي؛ ولكن ليس بمعنى أن القطع للمكلّف في موضوع الحكم الحقيقي مأخوذ به، بل في موضوع الحكم الحقيقي لا يُؤخذ بالشك ولا بالقطع؛ لأن الحكم الحقيقي يتعلق بطبيعة موضوعه، وبعبارة أدق يتعلق بطبيعة متعلق الحكم، وله فعليته سواء للقاطع أو لغير القاطع. وإذا ذُكر في التعريف عدم الأخذ بالشك في موضوع الحكم الحقيقي، فذلك فقط لتحديده بالمقارنة مع الحكم الظاهري.
بعد تقديم هذا التعريف للحكم الحقيقي، يصنف الشهيد الصدر محاذير التعبد بالظن، وبالإضافة إلى ما عدّه الأصوليون، يذكر شبهات تحقق التكليف الحقيقي المشكوك فيه وضرورة التخصيص في القاعدة العقلية قبح العقاب بلا بيان؛ بل يتقدم أكثر ويمتد نطاق الشبهات إلى مسائل القطع أيضًا؛ لأنه إذا كان التعبد بالظن يستلزم اجتماع حكمين متماثلين أو متضادين، ونقض الغرض، وتفويت المصلحة، أو الإيقاع في المفسدة، في باب القطع أيضًا حيث يوجد احتمال الخطأ، يمكن القول إن التكليف بالحكم الحقيقي وبقاء الحكم الحقيقي وثبوت قاعدة الاشتراك في حالات القطع بعدم وجود الحكم الحقيقي، هو لغو وعديم المعنى؛ لأن أولًا الحكم الحقيقي لا يمكن أن يكون محفزًا، وثانيًا التكليف بالحكم الحقيقي سيكون تكليفًا بما لا يطاق. ومن هذا المنطلق، مع إضافة محظور باسم التخصيص في القاعدة العقلية، وكذلك محظور عدم التحفيز والدعوة للحكم الحقيقي في فرض تحقق الحكم المضاد، يُهيأ مجال النقاش والبحث الأوسع حول الحكم الظاهري، وبالتالي مفاد قاعدة الاشتراك، ويرتب لمقدمات لتبيين نظريته النهائية في هذه المسألة كما يلي:
المقدمة الأولى: إذا كان غرض المولى، سواء كان تكوينيًا أو تشريعيًا، مشتبهًا فيه عند المكلف ومتحيرًا بين أمرين، وفي حال عدم رضا المولى بأي حال عن فوت غرضه، يوسع دائرة التحفيز ويجعلها أوسع من متعلق الغرض الحقيقي. بناءً على ذلك، فإن مبادئ الخطاب الظاهري في متعلق الخطاب لن تكون موسعة؛ كما أنها ليست في نفس جعل الخطاب الظاهري؛ بل مبادئ الخطاب الحقيقي هي مبادئ هذا الخطاب الظاهري الموسع.
المقدمة الثانية: بعيدًا عن تزاحم الملاك وتزاحم الامتثال الذي ذُكر، يمكن تصور نوع آخر من التزاحم يُسمى التزاحم الحفظي. هذا النوع من التزاحم يشبه الحالة التي يكون فيها إكرام العالم واجبًا وإكرام الجاهل حرامًا، ويوجد جماعة لا نعلم بينهم من هو العالم ومن هو الجاهل. في هذه الحالات، لا يوجد تزاحم ملاكي؛ لأن الموضوع متعدد، ولا يوجد تزاحم امتثالي؛ لأن الجمع بين التكليفين ممكن فعلاً؛ أي إذا زال الخطأ والاختلاط وعرفنا كلًا من العالم والجاهل، فسيُمتثل كلا التكليفين. هنا يكون التزاحم في عالم التحفيز؛ أي أن الشارع عند اشتباه أغراض الوجوب مع التحريم، أو اشتباه أغراض الإلزام مع الترخيص عند المكلف، إذا اعتبر أحدها أهم، يوسع دائرة التحفيز نظرًا لذلك الغرض، وتقديم الغرض الأهم لا يعني سقوط تفعيل الغرض غير المهم؛ بل فقط لا يكون التحفيز بسبب الغرض غير المهم، ولكن مبادئه وملاكاته تبقى قائمة.
المقدمة الثالثة: الإباحة والإفراج يكونان أحيانًا من نوع الاقتضائي وأحيانًا من نوع اللااقتضائي. وقوع تزاحم مَلَكي وتزاحم حفظي بين الإباحة الاقتضائية والواجب الإلزامي، مثل الوجوب أو الحرمة، أمر ممكن التصور؛ ولكن تزاحم حفظي بين حكمين أحدهما إباحة لااقتضائية، غير ممكن التصور؛ لأن اللااقتضاء يجتمع مع ذو الاقتضاء؛ كما أن تزاحم امتثالي بين الإباحة والواجب غير ممكن التصور؛ لأن الإباحة لا تطلب امتثالًا سواء كانت اقتضائية أو لااقتضائية.
من هذه المقدمات الثلاث يمكن استنتاج أن الغرض الحقيقي للموَلِّي يمكن أن يكون له نوعان من التفعيل: تفعيل واحد بغض النظر عن التزاحم الحفظي، حيث في هذه المرحلة يكون الغرض الحقيقي للموَلِّي في موضوعه الحقيقي مع جميع مبادئه، أي الحب والإرادة، موجودًا بالفعل. والتفعيل الآخر يكون من حيث التزاحم الحفظي؛ أي في حالات الخطأ وخلط الأغراض الحقيقية يُتصور. في هذه الحالة يكون تفعيل الحافزية وفق الغرض الأهم.
دليل القائلين ببطلان التصويب وصحة اشتراك الأحكام الحقيقية بين العالم والجاهل لا يمكن أن يثبت إلا التفعيل بالمعنى الأول؛ أي أن الجعل والاعتبار ونفَسُهما، بل ومبادئهما، أي المصالح الحقيقية والحب والإرادة المشتركة بين العالم والجاهل، موجودة؛ لكن لا يمكنه إثبات التفعيل بالمعنى الثاني. وبذلك يمكن تفسير كلام المحقق الخراساني في كفاية الأصول القائل بوجود مراحل رباعية للحكم (شأن إنشائي فعلي غير منجز وفعلي منجز)؛ مع أن تعبيراته تقصّر عن إرادة هذا المعنى.
وبالاعتبار لهذه التوضيحات التي تكشف طبيعة الحكم الظاهري وفلسفة التشريع، يمكن تعريف الأحكام الظاهرية بأنها: «إن الأحكام الظاهرية خطابات تعين الأهم من المَلَكات والمبادئ الواقعية حين يتطلب كل نوع منها الحفاظ عليه بنحو ينافي ما يضمن به الحفاظ على النوع الآخر».[14] ومن هنا أيضًا في بيان وظيفة الحكم الظاهري أضاف: «إن الخطاب الظاهري وظيفته التنجير والتعذير بالنسبة للأحكام الواقعية المشكوك فيها، فهو ينجز أحيانًا ويعذر أحيانًا أخرى، وليس موضوعًا مستقلاً لحكم العقل بوجوب الطاعة مقابل الأحكام الواقعية لأنه ليس له مبادئ خاصة به وراء مبادئ الأحكام الواقعية».[15] أما الفرق بين الأمارات والأصول من حيث الحكم الظاهري، فهو يحتاج إلى تفسير مستقل، وفي بيان هذه المسألة يقول الشهيد الصدر بناءً على نفسه: في باب الأمارات، الحكم الظاهري يدل على رجحان المَلَك في أحد طرفي التزاحم الحفظي، نظرًا لقوة احتمال ذلك الطرف، وفي باب الأصول العملية، الحكم الظاهري يدل على رجحان المَلَك نظرًا لقوة ذلك المَلَك نفسه، والتوضيح المفصل لذلك مذكور في موضعه.
ولا يُغفل أن في الحلقة الثانية والثالثة من حلقات الأصول، لم يُطرح التزاحم الحفظي كمصطلح جديد؛ لكن توجد توضيحات كافية في بيان هذه النظرية.
4ـ2. نظرية حق الطاعة
يعتقد الأصوليون أن الأصل الأولي العقلي في الشبهات البدائية بعد الفحص واليأس من الدليل المحرز هو البراءة؛ كما أن الأصل الثانوي الشرعي هو أيضًا البراءة. ولهذا في مباحث الأصول العملية يعتبرون بعض الآيات والأحاديث دليلًا أول على صحة أصل البراءة، والدليل الآخر هو حكم العقل. لكن الشهيد الصدر يخالف مشهور الأصوليين في أن الأصل الأولي العقلي هو البراءة، ويعتقد أن العقل مع نظره إلى مولوية الله تعالى التي ليست مجعولة ومحدودة، في جميع الشبهات البدائية، حتى لو كان الشك في التكليف ناشئًا عن احتمال ضعيف، يحكم بالاحتياط، وفي الوقت نفسه بالنسبة للأصل الثانوي الشرعي يتفق مع مشهورهم ويقر بالبراءة.
في الواقع، نظرية حق الطاعة هي أساس كلامي يبرر أصل الاحتياط العقلي في علم الأصول. ولهذا من المناسب الانتباه إلى فاعلية هذه النظرية في بحث فلسفة الأخلاق، ووضع كلام بعض فلاسفة الأخلاق[16] كدليل مؤيد لصحتها.
كانت طريقة الشهيد الصدر في طرح النقاش أن يبدأ لكسر الجو السائد حول المسألة وإبطال بداهة وإجماع البراءة العقلية، بالبحث في كلام المتقدمين، فيخلص إلى أن أصل البراءة العقلية على أساس قاعدة القبح العقابي بلا بيان بعد وحيد بهبهاني قد اشتهر وقُبل عند المتأخرين، وإذا نظرنا إلى كلام المتقدمين في مسألة «أصالة الحظر أو الإباحة» نرى أنهم ارتكازًا كانوا يقبلون أصل الاحتياط العقلي، وإن لم يتحدثوا عنه بوضوح كما نفعل نحن. إذًا، أصل الاحتياط العقلي ذو جذور وأصل البراءة العقلية مستحدث.
وإذا بحثنا لتأييد نظرية الشهيد الصدر، سنرى أنه حتى بين المتأخرين لم يتجاوز حد الشهرة، وفي المقابل هناك من قبل وبعد الشهيد الصدر كان يؤمن بالبراءة العقلية. ومن أشهرهم آية الله سيد محمد محقق داماد[17]، الذي تبناه اثنان من تلامذته، وهما آية الله سيد موسى الزنجاني وآية الله ناصر مكارم شيرازي، بعده، ودافعوا عن أصل الاحتياط العقلي بتقريرات خاصة.
في المجمل، يضع الشهيد الصدر ست تقريبيات لصحة أصل البراءة العقلية، ويرى أن جميعها تعاني من مغالطة التدوير والمصادرة على المطلوب أو أخذ المطلب في الدليل؛ لكنه لا يدعي أبدًا وجود برهان واستدلال على المسألة، لأنه يعتبرها من الأساس وجدانية وغير برهانية. وللكشف عن مصدر الخطأ الذي وقع فيه المشهور في مسألة بداهية وجدانية، يطرح نقاشًا حول المولوية، وهو أمر غير مسبوق في علم الأصول، ووفق تقريره جديد ومبتكر تمامًا. أولًا يقول إن الأصوليين افترضوا المولوية كشيء محدود لا درجات له، بينما المولوية أمر قابل للتشكيك، ولا يصح تشبيه المولوية الحقيقية بالمولويات العرفية. ويضيف في التوضيح: المولوية تعني حق الطاعة، وهو أحيانًا ذاتي ولا يحتاج إلى جعل من الجاعل، وهذا النوع من المولوية محصور في الله تعالى الذي هو خالقنا ومالكنا، وأحيانًا أخرى تكون المولوية مجعولة بجعل الجاعل، وتنقسم إلى أربعة أنواع:
الأول: المولوية التي جعلها المولى الحقيقي؛ مثل مولوية الأنبياء والأولياء.
ثانيًا: المولويّة المُزيفة من قِبَل أشخاص يُعتبرون «مولى عليهم»؛ مثل المولويّة لرؤساء الجمهور الذين انتُخبوا بأصوات الشعب.
ثالثًا: المولويّة التي تُزيف من قِبَل المولى نفسه؛ مثل المولويّة للحكام والسلاطين الذين سيطروا على الناس بالقوة.
رابعًا: المولويّة المُزيفة من قِبَل مولى كانت مولويته قد زُيفت سابقًا بأحد الأشكال الثلاثة السابقة؛ مثل المولويّة للفقيه الجامع للشروط التي هي من قِبَل الإمام المعصوم، والمولويّة له أيضًا من قِبَل الله تعالى.
يبدو أن الشهيد الصدر يرى في جميع هذه الأقسام الأربعة أن المولويّة المُزيفة من حيث اتساع أو ضيق دائرة المولويّة، تتبع تزوير المزور. المولويّات العرفية في الأحكام القطعية؛ لكن مولويّة الله تعالى لا يمكن أن تُحصر في هذا الحد. أصحاب مذهب حق الطاعة يرون أن الأصل الأوّلي للاحتياط هو حكم العقل السليم والفطري، بحيث إذا لم يكن الإنسان مسبوقًا بشبهةٍ ما وكان قد تصور جوانب المسألة جيدًا، فإنه لا يُدخل أدنى شك في قبولها.
ومن آثار ونتائج قبول هذا المذهب، حلّ مشكلات تزوير الحكم الظاهري والشكوك المطروحة حول إمكانية التبعية للظن. فإذا أنكرنا قبح العقاب على البليان كقاعدة عقلية، وقبلناه فقط لأسباب شرعية ومن باب تخفيف المولويّة، فإننا نخرج من مأزق تخصيص الأحكام العقلية ومخالفة تزوير حجية الظن لحكم العقل بعدم حجية الظن.
وفي بحث التجرّئ أيضًا يُستفاد من هذا الأساس الأصولي، حيث قال الشهيد الصدر إن مجرد انكشاف التكليف هو موضوع حكم العقل بالطاعة وقبح المعصية؛ سواء كان التكليف ثابتًا في الواقع أم لا. ليس فقط بحث التجرّئ، بل إن مجموع البحوث المتعلقة بالقطع مع مراعاة مذهب حق الطاعة يأخذ شكلاً جديدًا سنذكره في موضعه.
في السنوات الأخيرة، حظيت نظرية حق الطاعة باهتمام خاص وفتح باب النقاش والحوار حولها. ويبدو أن الفصل المميز للشهيد الصدر في مباحث الأصول عن الآخرين هو هذه النظرية التي يمكن الرد عليها بسهولة. مع أن الشهيد الصدر دخل في هذا البحث بدقة وعلمية عالية وأغلق باب الاعتراض على تقريره.
من أهم الاعتراضات على هذه النظرية أنها على أساس تزاحم الحفظي الذي أسسه الشهيد الصدر بنفسه، إذا كان المكلف ملتزمًا بالاحتياط في جميع الشبهات ومراعيًا جانب التكليف ومُحددًا له، فإنه يفقد المصلحة والمنفعة الحقيقية للإباحة في بعض الحالات؛ في حين أن العقل يقول إن الشارع كما يعتني بمحددات التكليف، يعتني أيضًا بمحددات الإباحة. إذًا من وجهة نظر العقل يمكن أن يتعارض محدد الإباحة مع محدد التكليف، وهذا يجعل العقل في نهاية المطاف مترددًا ومتحيرًا ويهتز في حكمه بالاحتياط.[18]
وقد أجاب على هذا الاعتراض بأفضل صورة بعض تلاميذ الشهيد الصدر، وملخص الإجابة أن أولًا محدد الإباحة لا يحقق المنجزية، وثانيًا محدد الإباحة جهتي؛ أي من جهة كونه مباحًا، يقتضي إطلاق العنان وحرية المكلف، وهذا لا يتعارض مع ثبوت إلزام المكلف من جهة مراعاة محدد التكليف. ثالثًا إذا تصورنا محدد الإباحة مطلقًا، يمكن القول إنه أساسًا لا يمكن وجود التنجيز والتعذير لشيء واحد في آنٍ معًا بحيث يحدث تزاحم بينهما؛ لأن التعذير ليس إلا عدم التنجيز. والنقطة الفنية في هذه الإجابة أن موضوع حكم العقل بالتنجيز والتعذير يحدده العقل نفسه، فإذا كان موضوع حكم العقل بالتنجيز هو انكشاف التكليف، فإن موضوع حكم العقل بالتعذير هو عدم انكشاف التكليف، وبما أن في الأحكام العقلية الموضوع بمثابة السبب التام للحكم، فإذا فسّرنا التنجيز بثبوت حق الطاعة، وجب تفسير التعذير بعدم ثبوت هذا الحق.[19]
من مجموع النقد والمراجعات التي أُجريت حول هذه النظرية، يمكن الاستنتاج أن سبب انحراف الجمهور عن حكم عقلي بديهي يعود إلى عدة أمور منها:
- عدم التفريق بين المولويّة الذاتية غير المزيفة وغير المحدودة لله تعالى والمولويّات العرفية المزيفة التي تتبع في اتساعها وضيقها تزوير المزور.
- الخلط بين البراءة العقلية والبراءة الشرعية المكتشفة بسبب العقل.
- استبعاد احتمال بقاء حكم بديهي مخفيًا عن جمهور الأصوليين والفقهاء.
- عدم التمييز بين الأحكام العقلية والأحكام العقلائية.
- الوهم بأن أدلة البراءة الشرعية إرشادية.
- الوهم بعدم إمكانية مخالفة الأصل الثانوي الشرعي للأصل الأوّلي العقلي.
- عدم التمييز بين حكم العقل بوجوب الاحتياط وحكم العقل بحسن الاحتياط.
4ـ3. الدليل والدلالة على السيرة
عادةً ما يُذكر السيرة كأحد أدلة حجية الخبر الواحد وظواهر الألفاظ في كتب الأصول؛ لكن الشهيد الصدر كان أول من أخرج بحث السيرة من شكله التقليدي ومكانته المعهودة، ومنحه هوية مستقلة.
المشهورون عندما كانوا ينظرون إلى الأدلة الأربعة في دلالتها على حجية بعض الظنون، كانوا عند وصولهم إلى السيرة يأخذونها أحيانًا في قالب روايات خاصة وأحيانًا في قالب سيرة تكشف عن السنة، ولم يكن في كلامهم تمييز مناسب بين السيرة المتشرعة والسيرة العقلاء من حيث طريقة الدلالة؛ في حين أن السيرة المتشرعة يمكن أن تكون في مرتبة الإجماع والتواتر من أدلة الإثبات الوجداني، أما السيرة العقلاء التي تحتاج إلى إمضاء الشارع فهي ضمن مباحث السنة وتقع في مرتبة مباحث «بدلالة تقرير المعصوم».
باختصار، يجب الإجابة على عدة تساؤلات حول السيرة في علم الأصول: ما نوع الدليل الذي تمثله السيرة؟ هل هي خارج الأدلة الأربعة أم تعود إلى أحدها؟ وكيف يكون دلالتها في كل حال؟ كيف تتشكل وما العناصر التي تدخل في تكوينها؟ وما تأثير تدخل هذه العناصر في تكوينها على دلالتها من الناحية الأصولية؟ ما حدود دلالة السيرة؟ أي نوع من السيرة يحتاج إلى إقرار الشارع؟ وكيف يُكتشف إقرار الشارع؟ هل السيرة المستحدثة التي تشكلت بعد عصر المعصومين وحتى زماننا معتبرة؟ وإذا كانت خصوصية السيرة المعاصرة مع المعصومين حجّة، فكيف يجب اكتشاف المعاصرة؟ هل إقرار السيرة مرتبط دائماً بالسيرة نفسها أم بنقطة ارتكازية كانت منشأ تكوّن السيرة؟…
هذه هي الأسئلة التي طرحتها مدرسة أصول الشهيد الصدر وأجابت عليها.
ورد في تقارير درس الخارج لذلك الشهيد:
عادةً ما يُذكر الظواهر كنموذج أولي من الأمارات والظنون الشرعية المعتبرة؛ ولكن بما أن السيرة العقلائية تُعتبر أهم دليل على حجية الظواهر والخبر الثقة، فهناك حاجة إلى بحث مستقل حول السيرة ودليلها والنقاط والشروط المؤثرة في دلالتها، لكي يكون لدينا صورة واضحة عنها في المناقشات الأصولية عند الاستشهاد بالسيرة.
والحقيقة أن الاستدلال بالسيرة ليس مقتصراً على مسائل الأصول ولا محصوراً في باب الأمارات؛ لأن الاستدلال بها شائع في الفقه أيضاً، خصوصاً في باب المعاملات التي تحكمها القوانين العقلائية. بل يمكن توسيع دائرة الاستدلال بالسيرة إلى الحد الذي تقل فيه دائرة الاستدلال بالإجماع المنقول والشهرة والإعراض المشهور عن الخبر أو العمل المشهور بالخبر الضعيف وما شابه ذلك، وحيثما يجد الفقيه ضيقاً للخروج من فتاوى القدماء من الصحابة أو الآراء الفقهية المشهورة، يلجأ إلى السيرة بدلاً من الإجماع أو الشهرة. ولهذا رأينا أن عقد بحث مستقل حول السيرة العقلائية كدليل بحد ذاتها أمر صحيح.[20]
بعد هذا التمهيد، بدأ في بحث السيرة العقلائية واعتبرها من جهتين عامتين: الأولى لأنها تشمل المرتكزات العقلائية أيضاً وليست مختصة بالسلوك الخارجي فقط، والثانية لأنها تشمل السيرة المتشرعة أيضاً؛ بمعنى أنه يمكن اعتبار السيرة المتشرعة نوعاً خاصاً من السيرة العقلائية. ونتيجة لذلك يجب القول إن السيرة العقلائية تُتصور مرة بمعناها العام الذي يشمل السيرة المتشرعة أيضاً، لأن المتشرعين هم من ضمن العقلاء. ومرة أخرى تُتصور بمعناها الخاص وتُقابل بالسيرة المتشرعة ونظيرها. ثم تناول أقسام السيرة وتحدث عن ثلاثة أنواع من السيرة العقلائية:
- السير التي تنقيح موضوع الحكم الشرعي ولا تثبت الحكم الشرعي؛ مثل السيرة المتفق عليها على اشتراط عدم الغبن في المعاملة. وجود هذا النوع من السيرة يدل فقط على أن موضوع الاستدلال بـ «المؤمنون عند شروطهم» وهو الاشتراط موجود، لكن وجوب الوفاء بالشرط الذي هو حكم شرعي يُستفاد من الدليل اللفظي. هذا النوع من السيرة حجّة؛ دون حاجة الفقيه إلى إقامة دليل خاص عليها؛ وحتى معاصرة السيرة مع المعصومين ليست معتبرة.
- السير التي تنقيح ظهور الدليل. في هذه الحالات تدخل السيرة في تكوين الظهور بناءً على المرتكزات العرفية والعقلائية، ووجود السيرة يعني وجود قرينة لفظية متصلة يُبنى عليها الظهور. حجية هذا النوع من السيرة تعود إلى حجية الظهور، ويتناول في باب مناسبات الحكم والموضوع.
- السيرة العقلائية المتعلقة بالمتشرعين وتسمى السيرة المتشرعة. هنا إما أن المتشرعين من جانبهم المتشرع يجدون سيراً أو من جانبهم العقلائي. لذا ينفصل البحث إلى فرعين حول نوعين من السيرة، والفرق المهم بين هذين الفرعين هو أن السيرة العقلائية تحتاج إلى إقرار الشارع؛ لأن العقلاء من جانبهم العقلائي غير ملزمين بأوامر الشرع، وتتشكل سيرتهم بغض النظر عن أمر الشرع؛ أما في السيرة المتشرعة فلا يمكن تصور وجود سير مع وصف متشرع يخالف أمر الشرع. لذلك مجرد تحقق السيرة المتشرعة يدل على وجود دليل شرعي معتبر كان منشأ تكوّن السيرة، والمتشرعون تلقوه. نحن نستطيع فقط من تحقق السيرة المتشرعة أن نكشف وجود ذلك الدليل؛ كما يُكشف وجود المعلول من وجود السبب.
ثم تُرى مناقشات مفصلة حول كيفية الإقرار في السيرة العقلائية وطريقة اكتشافه وإثبات المعاصرة للسيرة العقلائية والمتشرعة ومقدار دلالة السيرة العقلائية والمتشرعة وغيرها من المناقشات التابعة في تقارير درس الشهيد الصدر.
وعندما نصل إلى حلقات الأصول، نرى شكلاً أدنى من النقاشات في قالب أكثر تطوراً وأكثر انتظاماً. في بحث الدليل الشرعي غير اللفظي، أي فعل أو تقرير المعصوم، عند طرح دلالة التقرير يُفتح باب البحث عن السيرة العقلائية، لأن تقرير المعصوم يتعلق فقط بهذا النوع من السيرة.
الشكل الأعم للنقاش هو أن صمت المعصوم مع مراعاة شروط خاصة دليل على الإقرار والتقريرات، وهذا الصمت يكون أحياناً أمام سلوك شخص معين وأحياناً أمام سلوكيات عامة للناس في المجتمع، وهو ما يُسمى بالسيرة العقلائية. إذن مكانة بحث السيرة العقلائية مرتبطة بدليل حجيتها وهو تقرير المعصوم. لكن المحقق الأصفهاني في هامش كفاية الأصول ضمن بحث حجية الظهور جعل السيرة العقلائية حجة على اعتبار أن المعصوم سيد العقلاء، وما يصح للناس يصح له أيضاً، ثم انفتح عليه باب الاعتراض بأن السيرة العقلائية ليست دائماً ناشئة عن إدراك عقلي سليم وفطري، وهناك احتمال تميز الشارع عن الناس في بعض السلوكيات ووجود نقد لها من قبله.
أما مكانة البحث في السيرة المتشرعة فهي ذات مكانة البحث في التواتر والإجماع؛ لأن الثلاثة تثبت وجود الدليل الشرعي بنفس الطريقة، ولا تُعتبر دليلاً شرعياً خاصاً بحد ذاتها. التواتر يعني اجتماع جماعة على نقل خبر معين بحيث يكون الاتفاق بينهم على الكذب مستحيلاً، والإجماع يشبه التواتر؛ من حيث أن اجتماع جماعة من الفقهاء على فتوى معينة يصل أحياناً إلى حد استحالة احتمال خطأ الجميع، والسيرة المتشرعة مثل التواتر والإجماع. وذلك لأن تصرف متشرع واحد أو عدة أشخاص قد يكون مخالفاً لأمر الشرع، لكن اجتماع المتشرعين واتفاقهم جميعاً على تصرف معين لا يمكن أن يكون بدون وجود مستند شرعي وبدون اعتبار من الشارع. إذن في الثلاثة حالات يمكن الكشف عن وجود دليل شرعي معتبر بطريقة البرهان «أنّ». في الحلقة الثانية من حلقات الأصول يضيف أنه قد تكون السيرة المتشرعة حلقة وسيطة بين الإجماع والدليل الشرعي. لأن تطابق أهل الفتوى على حكم معين بدون وجود نص محدد يدل على ذلك الحكم، يكون في غالب الحالات مطمئناً لنا بوجود نوع من الارتكاز المتشرع والتطابق السلوكي الذي كان أهل الفتوى يثقون به، وهذه السيرة نفسها كاشفة عن رواية غير مكتوبة كانت منشأ تشكيل السيرة والارتكاز المتشرع. إذن الإجماع بشكل غير مباشر كاشف عن وجود دليل شرعي.
أما المحاور الرئيسية للنقاش حول السيرة التي تناولها الشهيد الصدر، فهي قابلة للمتابعة في قسمين: أما عن السيرة العقلائية فيجب القول:
- كشف الإقرار من صمت المعصوم يستند إلى دليل عقلي ودليل استظهاري، ويجب معرفة الفرق بين هذين النوعين من الأدلة من حيث الدلالة.
- دائمًا ما يكون إقرار الشارع محدودًا بحدود السلوك الخارجي؛ أي أولاً يمكن افتراض أن الإقرار ينتمي إلى المفهوم العقلائي المركّز الذي كان مصدر تحقق السيرة وليس فقط إلى الفعل الصامت. ثانيًا في هذه الحالة يجب افتراض أن الإقرار ينتمي إلى استمرار السيرة في العصور اللاحقة التي تستند إلى نفس النقطة العقلائية؛ كما أن سببية الحيازة للملكية وصلت إلى إقرار الشارع، وهذا الإقرار يأخذ أشكالًا معقدة للحيازة في زماننا أيضًا وليس محصورًا في الشكل البدائي للحيازة في زمن المعصومين.
- السيرة المستحدثة حتى وإن كانت متشرعة، فهي غير قابلة للاستشهاد؛ لأنها تفتقر إلى شرط المعاصرة، وفي زمن غيبة الإمام المعصوم ليست هناك مهمة لإصلاح السلوكيات الاجتماعية الخاطئة من باب تعليم الجاهل أو النهي عن المنكر. أما في السيرة المعاصرة فالمسألة المهمة هي كشف المعاصرة، ويمكن اتباع خمسة طرق لإثبات المعاصرة: النقل التاريخي، الاستشهاد بالسيرة الحالية على السيرة الماضية بسبب صعوبة تحول السيرة، ظهور تتابع فاسد بافتراض عدم وجود مثل هذه السير في الماضي، استحالة افتراض بديل للسيرة، والطريقة الخامسة هي الملاحظة التحليلية الوجدانية كما شرحها الشهيد الصدر في موضعها.
- كشف صمت المعصوم من مجرد عدم وصول الردع ممكن؛ رغم ما قيل «عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود». لأن في هذه الحالة قوة وثبوت السيرة تجعل الشارع لا يكتفي بإنذار أو نهي واحد أو أكثر، بل لا بد أن يكون حجم الردع متناسبًا مع درجة انتشار وثبوت السيرة ليكون مؤثرًا. فإذا تحقق مثل هذا الحجم من الردع، فلا يمكن أن يبقى صامتًا عبر التاريخ؛ بل سيكون حوله ضجيج وتساؤلات وأجوبة ونقاشات كثيرة تصل على الأقل إلى آذان الأجيال القادمة. لذا يمكن القول هنا «الشارع لو ردع لوصل ولم يصل فلم يردع».
- السيرة العقلائية أحيانًا من حيث المرحلة الواقعية مثل السيرة على التملك بسبب الحيازة، وأحيانًا من حيث المرحلة الظاهرة والاكتفاء بالظن مثل السيرة على الاعتماد على خبر الثقة. النوع الأول قابل للاستشهاد ولا إشكال فيه؛ لأنه إذا لم يكن الشارع يعتبر الحيازة سببًا للملكية فعلاً، فيجب أن يردع؛ أما في النوع الثاني فتنشأ إشكالية مفادها أن هذا النوع من السيرة أساسًا لا علاقة له بجهاز التشريع، بل نشأ بين الموالي والعبيد عرفيًا، والشارع لا يهتم بصحته أو خطئه؛ حتى وإن كان خطأً، فلا يضر بأهداف ومقاصد الشارع. والرد على هذه الإشكالية يتضح بالنظر إلى هذه النقطة أن العقلاء بدورهم يدرسون جهاز التشريع بنفس هذه الذهنية ويظنون أن ما هو حجّة بينهم هو حجّة أيضًا بين الله والناس. فهناك خوف من التسرّي الكافي في موقف الشارع في حال خطأ السيرة.
هذه هي المحاور الرئيسية للنقاش في السيرة العقلائية؛ أما بالنسبة للسيرة المتشرعة التي تستند إلى طرق الإثبات الوجدانية، فهناك مناقشات شيقة وجذابة حول بطء أو سرعة حصول اليقين عبر اتفاق المخبرين في التواتر واتفاق أهل الفتوى في الإجماع، ويمكن تطبيق نظائرها في السيرة المتشرعة مع مراعاة الخصوصية؛ رغم أن الشهيد الصدر لم يورد شيئًا هنا؛ لأن نفس المنطق الحاكم على الكشف في التواتر والإجماع هو الحاكم هنا أيضًا؛ لكنه أضاف أن السيرة المتشرعة التي في تكوينها تدخل فقط الطبيعة المتشرعة ـ مثل وضع القدم اليمنى داخل المسجد، وقراءة صلاة الظهر يوم الجمعة بصوت مرتفع، والالتزام باليقظة بين الطلوعين ـ لها كشف أوضح وأقوى عن وجود دليل شرعي.
4ـ4. حجية القطع
إذا قسمنا مباحث علم الأصول بناءً على نوع الدليل، يجب أولًا التحدث عن الأدلة المحرزة لكشف الحكم الحقيقي، ثم عن الأصول العملية التي تُستخدم في غياب الأدلة المحرزة. ثم يجب قبل كلا القسمين التحدث عن حجية القطع؛ لأن حجية القطع هي أعمّ العناصر المشتركة. في توضيح هذه النقطة التي تبيّن مكانة النقاش حول حجية القطع، ورد في الحلقة الأولى:
كل عملية استنباط، سواء بالاعتماد على الأدلة المحرزة أو على الأصول العملية، لا تخلو من حجية القطع بمعنى المنجزية والمعذّرة. لأن الجهد الفقهي في الاستنباط دائمًا ينتهي إلى نتيجة هي القطع بالحكم الشرعي بناءً على دليل محرز أو أصل عملي، وهذه النتيجة تكون مؤثرة فقط إذا كان هناك اعتراف مسبق بحجية القطع. لأنه إذا لم تكن القطع حجّة ولم تكن مؤهلة للاحتجاج ـ سواء كان الاحتجاج من المولى على العبد (الذي يظهر جانب المنجزية في القطع) أو من العبد على مولاه (الذي يظهر جانب المعذّرة في القطع) ـ فإن إتمام مراحل الاستنباط والوصول إلى النتيجة النهائية يصبح أمرًا لغوًا. لذا في كل عملية استنباط يجب إدخال عنصر حجية القطع لكي تظهر ثمرات عملية الاستنباط. ولهذا فإن حجية القطع أعمّ العناصر المشتركة في الأصول وأشملها وأكثرها استخدامًا. ويجب أن نذهب أبعد من ذلك ونضيف أن حجية القطع ليست فقط عنصرًا مشتركًا في عملية استنباط الحكم الشرعي، بل هي شرط أساسي في دراسة العناصر المشتركة الأخرى أيضًا. مثلاً عندما نبحث مسألة حجية خبر الثقة أو حجية الظهور العرفي في علم الأصول، في النهاية نريد أن نقطع بحجية أو عدم حجية هذين الأمرين؛ فإذا لم تكن القطع حجّة، فإن النقاش الأصولي حولهما سيكون بلا نتيجة. [لذا فإن الحجر الأساس في بناء القواعد الأصولية هو حجية القطع].[21]
المشهور بين الأصوليين أن الحجية تتعلق بـ «القطع بما هو قطع». ثم الجانب الآخر من المسألة هو عدم حجية غير القطع من الظن والشك والوهم. لكن الشهيد الصدر يرى أن الحجية بمعنى المنجزية تتعلق بالمطلق من انكشاف التكليف، سواء كان الانكشاف قطعيًا أو ظنيًا أو احتماليًا، والنتيجة الطبيعية لذلك هي حصر المعذّرة في حالات القطع بعدم التكليف. ولهذا ينكر الشهيد الصدر القاعدة العقلائية «قبح العقاب بلا بيان» بمعنى «قبح العقاب بلا علم»، ومن هنا يرتبط نقاش حجية القطع بالأساس المختار في نقاش حق الطاعة، ويتغير الأساس المشهور في الأصل العقلي الأول مع تغير شكل مباحث القطع، ونرى انعكاس هذه التغييرات بوضوح في حلقات الأصول. طريقة دخوله إلى النقاش هي أنه يقول أولاً إن للقطع ثلاث خصائص: الكشفية عن الخارج، التحريكية، والحجية بمعنى المنجزية للتكليف الذي تعلق به القطع. الخاصية الأولى هي عين القطع، والخاصية الثانية من آثار القطع التكوينية؛ لكن في علم الأصول لا يُناقش هذان الخاصيتان ويعتبران أمرين بديهيين. أما الخاصية الثالثة فلا تأتي بالضرورة بعد الخاصيتين، ويمكن أن يُنظر إلى شخص يقبل الخاصيتين الأولى والثانية لكنه لا يقبل الخاصية الثالثة. لذا يُعقد نقاش مستقل في علم الأصول حول الخاصية الثالثة.
يُقال عادةً إن الحجية لازمة ذاتية للقطع؛ كما أن الحرارة لازمة ذاتية للنار، ولا يستطيع المولى أن ينزع هذه الخاصية من القطع. ما يمكن أن يكون محل تشكيك هو نفس القاطع وإخراجه من حالة القطع؛ لكن التفريق بين القطع والحجية مستحيل. إذًا هناك قضيتان هنا: الأولى هي الحجية الذاتية للقطع، والثانية هي استحالة نزع المنجزية عن القطع، وكلتاهما تحتاجان إلى مزيد من التأمل. ولكن عندما يُقال إن الحجية لازمة ذاتية للقطع، يجب أن يُسأل: أي قطع المقصود؟ من الواضح أن المقصود هو القطع بالتكليف من المولى، وليس كل قطع. ثم يُسأل: من هو المولى؟ فيُجيبون بأن المولى هو من له حق الطاعة. وبهذا نكون قد أدرجنا حق الطاعة في ذات المولوية قبل أن نربطه بالقطع، وتصبح القضية «القطع بتكليف المولى يجب امتثاله» قضية ضرورية بشرط المحمول، وبمعنى «القطع بتكليف من يجب امتثاله يجب امتثاله». إذًا تعود حجية القطع إلى المولوية. ثم يضيف الشهيد صدر: إن المولوية لله تعالى ليست محصورة في حدود التكليفات القطعية، ونتيجة القول على أساس مذهب حق الطاعة تكون أن الحجية اللازمة الذاتية لـ«القطع بما هو قطع» ليست موجودة، والقطع من جهة المنجزية لا يخلو من الظن والشك؛ مع أن درجته في المنجزية أشد وأقوى من الظن والشك.
المسألة الثانية التي يمكن متابعتها بعد المسألة الأولى هي عدم التفريق بين المنجزية والقطع، بمعنى أن المولى لا يستطيع، مع وجود القطع بالتكليف، أن يعذر المكلف أو يبرئه؛ لأن البراءة إما أن تكون براءة حقيقية أو براءة ظاهرة، أما البراءة الظاهرة فمبنية على فرض الشك، وهنا لا شك موجود، والبراءة الحقيقية تستلزم اجتماع ضدين. إذًا لا شيء منهما ممكن.
هنا أيضًا لدى الشهيد صدر تأمل؛ وهو كالآتي: الشكل الصحيح للنقاش هو أن نقول إن المولى لا يستطيع أن يصدر براءة ظاهرة، لأن حق الطاعة مطلق وصدور البراءة مستحيل؛ وليس لأن البراءة مذمومة، إذًا صدور البراءة مستحيل. بمعنى أنه يجب عكس السبب والمسبب في القول المشهور، ونقول: لأن البراءة المولوية في حالات حصول القطع التفصيلي غير ممكنة، فالبراءة مذمومة، وليس لأن صدور البراءة مذموم فصدورها مستحيل.
نتيجة هذا الشكل من النقاش تظهر في باب العلم الإجمالي. هناك نرى أن عنصر الشك موجود في كل جوانب العلم الإجمالي، ونتيجته أن دخول البراءة الظاهرة أمر ممكن، ولهذا يمكن القول إن تطبيق مبدأ البراءة في كل جوانب العلم الإجمالي، الذي يعبّر عنه الأصوليون بـ«المخالفة القطعية»، لا يحمل أي محذور ثبوتي، وهذه النتيجة تبدو غريبة جدًا من وجهة نظر المشهور؛ لأن المشهور يعتبر المخالفة القطعية بمعنى الإذن في المعصية وأمر مذموم لا يرضى به الشارع الحكيم أبدًا.
مصدر خطأ المشهور في هذا الاستنتاج هو عدم الانتباه إلى طبيعة الحكم الظاهري. إذا قلنا إن المولى، لاهتمامه بمقاييس المباحات الحقيقية، يصدر البراءة الظاهرة في كل جوانب العلم الإجمالي، فإن إهدار مقياس التكليف والرضا بوقوع الحرام سيكون مبررًا ومعقولًا. بالطبع في مقام الإثبات، يتفق رأي الشهيد صدر مع المشهور، وقد قُبل أن دليل أصالة البراءة ليس من نوع ما يشمل كل جوانب العلم الإجمالي، وهذا في الواقع يعني قصور دلالة الدليل، وليس محذورًا عقليًا في أصل تطبيق المبدأ.
وبناءً على نفس المذهب المختار كمذهب حق الطاعة، في نقاش التجرؤ يُعتقد أن المتجري عاصٍ ومستحق للعقاب؛ لأن موضوع حق الطاعة مجرد انكشاف التكليف وليس التكليف المنكشف. لذلك إذا تجاهل المكلف قطعه، فهو مستحق للعقاب، حتى وإن لم يكن قطعه مصيبًا. لأن العقل لا يفرق في وجوب احترام المولى ومراعاة احترامه بين العاصي والمتجري في التحدي.
كل ما قلناه حتى الآن عن منجزية القطع؛ أما في جانب المعذرة، فبما أن احتمال عدم التكليف دائمًا ملازم لاحتمال وجود التكليف، فطبيعي أن التعذير في الخارج سيكون خارج دائرة التنجيز، ويقتصر على حالات حصول القطع بعدم التكليف.
4ـ5. تفسير الوضع
رغم أن تأثيرات هذا النقاش ليست واسعة جدًا، إلا أنه إلى جانب نظريات أصولية أخرى وابتكارات علمية أخرى للشهيد صدر، يستحق الذكر، ومن حيث دراسة آثاره في باب الدلالات اللفظية ـ خصوصًا الفرق بين الوضع التعييني والتعيني وتفسير الاشتراك والترادف ـ فهو قابل للفحص.
من الجدير بالذكر أن دلالة الألفاظ على المعاني لا تكون بلا سبب، ومن ثم في الإجابة على هذا السؤال: كيف يؤدي تصور اللفظ إلى تصور المعنى؟ يمكن طرح تبريرين: الأول أن الدلالة اللفظية والارتباط بين اللفظ والمعنى كالعلاقة بين النار والحرارة، علاقة ذاتية وطبيعية غير مفروضة. وهذا التبرير مرفوض بالإجماع من قِبل الأصوليين؛ لأن أولاً، لا يُفهم معنى الألفاظ بدون تعليم وتعلم، وثانياً، تستخدم الأمم ألفاظاً مختلفة للتعبير عن معنى واحد. التبرير الثاني هو أن ارتباط اللفظ بالمعنى ارتباط غير ذاتي ولا ينبع من طبيعة اللفظ والمعنى، بل يتدخل فيه عامل خارجي يُسمى الوضع. في تفسير هذا العامل، هناك عدة مدارس معروفة:
- مدرسة التعهد: وفقاً لمدرسة التعهد، يلتزم الواضع بأنه متى أراد تفهيم معنى معين، يستخدم لفظاً معيناً، وبالاستناد إلى أصالة الوفاء (وفاء العقلاء بتعهداتهم) تتشكل دلالة الألفاظ على المعاني واللزوم بين اللفظ والمعنى.
أول وأهم اعتراض على هذا التفسير هو أن الدلالة اللفظية ستكون من نوع الدلالة التصديقية؛ لأن التعهد أمر يتعلق بإرادة المتعهد والمتكلم. والاعتراض الثاني هو أنه يجب اعتبار كل متكلم واضعاً، ونتيجة لذلك تظهر مشكلة في باب الاشتراك والترادف، وتفصيل ذلك مذكور في موضعه. والاعتراض الثالث هو أن الدلالة اللفظية تتضمن نوعاً من الاستدلال وإدراك اللزوم المنطقي، في حين أن الإنسان يفهم معاني الألفاظ منذ الطفولة بشكل بسيط ودون أي تعقيد. والاعتراض الرابع هو أن باب المجاز يُغلق. لذلك، فإن مدرسة التعهد التي عرضها آية الله الخوئي غير مقبولة.
- مدرسة الاعتبار: في تفسير هذه المدرسة هناك عدة قراءات: القراءة الأولى أن اعتبار الألفاظ للمعاني يشبه اعتبار علامات الإرشاد لإعلان حالة الطرق. القراءة الثانية أن اللفظ يُعتبر وجودياً عين المعنى؛ أي أن الواضع يعتبر وجود اللفظ هو نفس وجود المعنى، ومن ثم تُقام الدلالة. إذن، الوضع هنا رجوع إلى نوع من التنزيل، تماماً كما جعل الشارع الطواف بمثابة الصلاة. القراءة الثالثة أن الواضع يعتبر اللفظ أداة خاصة لتفهيم المعنى، كما أن الماء والصابون وسيلتان للنظافة. بالطبع اللفظ ليس الوسيلة الحقيقية لتفهيم المعنى، لكن الواضع يعتبره كذلك.
من وجهة نظر الشهيد الصدر، لا يمكن لمدرسة الاعتبار بجميع قراءاتها الثلاث أن تبرر الدلالة اللفظية؛ لأن دلالة اللفظ على المعنى أمر تكويني وواقعي، والاعتبار والتنزيل المجرد لا يمكن أن يجعلا شيئاً واقعياً. فإذا اعتبرنا ألف مرة أن الماء محرِق والنار أرفع عطشاً، فلن يكون ذلك واقعياً في العالم الخارجي؛ لكن دلالة اللفظ على المعاني حقيقة خارجية.
- مدرسة القرن الأكيد: وفقاً لهذه المدرسة التي اختارها الشهيد الصدر، يجب القول إن الوضع ناتج عن قانون تكويني يحكم ذهن الإنسان، وهذا القانون ينص على أنه متى ما ارتبط شيئان ارتباطاً شديداً وأكيداً في ذهن الإنسان، فإن تصور أحدهما يؤدي إلى تصور الآخر. هذا النوع من الارتباط بين شيئين يحدث أحياناً تلقائياً وبعبارة الشهيد الصدر بشكل عَرَضي، أي بدون قصد قاصد، وينتج عنه تقارن طبيعي ومتكرر بين الشيئين، مثل تقارن تصور صوت الأسد مع تصور الأسد نفسه. وأحياناً يهدف الواضع إلى هذا التقارن ويُرِيدُ إحداثه، ويصل إليه عبر عمليات تُسمى وضعاً. إذا كان أصحاب مدرسة الاعتبار يرون أن الاعتبار وسيلة لإحداث هذه العلاقة التكوينية والواقعية، فيمكن قبول كلامهم؛ أما إذا قالوا إن مجرد هذا الاعتبار يُحدث الوضع ويُنشئ العلاقة الواقعية، فليس قولهم صحيحاً.
يبقى الآن السؤال: كيف ينشأ القرن الأكيد من خلال الوضع؟ الجواب هو أن القرن الأكيد أحياناً ينشأ بسبب وقوعه في ظرف مؤثر، أي وقوعه في ظروف مكانية وزمانية تثير الذكرى، مثل شخص سافر مرة واحدة إلى بغداد وأصيب بمرض شديد، ومنذ ذلك الحين كلما سمع اسم بغداد يتذكر ذلك المرض. وأحياناً ينشأ القرن الأكيد بسبب الكثرة. على كل حال، يجب القول إن الوضع ليس من الأمور الإنشائية التي تُنشأ بمجرد الإنشاء، كما هو الحال في البيع الذي يتحقق بمجرد الإنشاء.
وفقاً لهذه المدرسة، في التمييز بين الوضع التعييني والوضع التعييني يُقال: إذا كان القرن الأكيد مبنياً على عامل كمي (كثرة الاستعمال)، يكون الوضع تعيينياً، وإذا كان مبنياً على عامل كيفي، يكون الوضع تعيينياً. يجب البحث عن التفاصيل أكثر في هذا الشأن وعن تفسير الاشتراك والترادف في موضعه.
4ـ6. تعريف وموضوع علم الأصول
تقديم تعريف دقيق لكل علم مهم لأنه يشمل مسائل ذلك العلم ويمنع دخول مسائل مخالفة. إذا لم نستطع الحصول على تعريف دقيق من مناقشات علم ما، فهذا يعني أننا لم نتعرف بعد على طبيعة مسائل ذلك العلم. وبما أن علم الأصول يشمل مسائل تبدو مختلفة ومتنوعة، فإن إيجاد فصل يشمل ويمنع في الوقت نفسه أمر عسير جداً. أسهل طريقة هي القول بأن جميع مسائل علم الأصول من مناقشات لغوية وقواعد تمييز الظهور إلى مناقشات عقلية وفهم اللزوم والعلاقات المنطقية للأحكام، ومن حجية القطع وبعض الظنون إلى الأصول العملية كلها قواعد تُستخدم في استنباط الأحكام الشرعية. ومن ثم، عند المشهور، علم الأصول هو العلم بالقواعد المعدة لاستنباط الأحكام الشرعية. ولكن نرى أن علوماً كثيرة مثل الحساب، الهيئة، الرجال، اللغة والمنطق تُستخدم أحياناً في استنباط الأحكام الشرعية. إذن، هناك سؤال: هل لأن العلوم الأخرى لا تتكفل بمناقشات علم الأصول، فقد جمعت هذه المسائل في مكان واحد؟ أم أن هناك جامعاً مشتركاً بينها فعلاً؟ وهل هناك فرق بين القواعد الأصولية المشاركة في الاستنباط والقواعد الأخرى المشاركة في الاستنباط التي تأتي من علم الرجال أو اللغة؟
ميرزاي نائيني انحرف عن التعريف الشهير وحاول توفير شمولية ومنع التعريف بإضافة قيد «الكبروية». فقد قال في تعريف علم الأصول:
علم الأصول هو العلم بالقواعد التي تُعتبر كبرى القياس الاستنباطي؛ بحيث إذا أُضيفت صغرى القياس إليها، يصبح استنباط الحكم ممكنًا.
تحقيق الخوئي انحرف عن التعريف الشهير ومن تعريف أستاذه ميرزاي نائيني، وضمن شمولية ومنع التعريف بطريقة أخرى:
العلم بالقواعد التي تكون كافية بمفردها، أي دون الحاجة إلى إضافة قاعدة أصولية أخرى، لاستنباط الأحكام الشرعية.
الشهيد الصدر، متجنبًا كل التعريفات الثلاثة ومبينًا عيوب كل منها ـ تفصيلًا لا يتسع له المقام هنا ـ جعل قيد «الاشتراك» هو فصل التعريف المقوّم، وذكر في تعريف علم الأصول:
هو العلم بالعناصر المشتركة لاستنباط جعل شرعي.
وبناءً على هذا التعريف، فإن الانتباه إلى صفة الاشتراك في ورود القواعد الأصولية يمكن أن يميز هذه القواعد عن غيرها من القواعد المشاركة في الاستنباط، ومن جهة أخرى فإن الاستنباط ليس فقط بمعنى كشف الحكم الواقعي، بل بمعنى كشف الحجة الشرعية وكل وسيلة للتنجيز والتعذير، سواء كانت تلك الوسيلة علامة أو أصلًا عمليًا. لذا فإن شمولية التعريف لا تتعرض لأي نقص.
وبناءً على هذا التعريف، فإن معرفة معنى بعض الكلمات مثل كلمة «صعيد» رغم أنها تدخل في كشف الحكم الشرعي من الآية الكريمة فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا، وفي علم اللغة تُقال كقاعدة عامة «كلما وردت كلمة صعيد فهي تعني سطح الأرض»، إلا أن هذه القاعدة اللغوية ليست من العناصر المشتركة؛ أي أنها لا تدخل في استنباط الحكم الشرعي في كل باب من أبواب الفقه، وإنما تُستخدم فقط في أحكام التيمم، ولذلك تُعتبر من العناصر الخاصة. في الواقع، الشهيد الصدر غير التعريف فقط لتمييز بين فئتين من العناصر المشاركة في الاستنباط، ولم يقبل التعريفات السابقة.
أما تحديد موضوع علم الأصول فهو مشكلة أخرى. فقد وضع الأصوليون المشهورون بناءً على مبدأهم القائل «موضوع كل علم هو ما يُبحث عن عوارضه الذاتية» موضوع علم الأصول في الأدلة الأربعة (الكتاب، السنة، الإجماع، والعقل). وذلك لأن محور مباحث علم الأصول هو الجامع بين موضوعات المسائل، ويجب أن تكون محمولات المسائل من عوارض ذات ذلك الجامع، لا من عوارض غريبة.
ولكن بعد تحديد الأدلة الأربعة كجامع لموضوعات المسائل، لاحظ بعض الأصوليين أن موضوع المسألة في بعض الحالات ليس أيًا من الأدلة الأربعة أو مصاديقها، مثل مباحث الأصول العملية التي موضوعها «الشك»، ومباحث الحجة التي يكون موضوعها أحيانًا خبر الواحد أو الشهرة، وهما يثبّتان السنة وليسا من مصاديقها. لذلك اعتقد بعضهم أن موضوعات المسائل أساسًا لا تملك جامعًا مشتركًا، وقال آخرون إن كل ما يمكن أن يكون دليلاً على الحكم الشرعي هو موضوع علم الأصول، سواء كان من الأدلة الأربعة أو غيرها. ومن ثم يمكن أن يُعتبر النقاش حول الشهرة، الإجماع، القياس، والخبر الثقة نقاشًا أصوليًا، رغم أن نتيجته النهائية قد تكون عدم حجية القياس أو الشهرة.
الشهيد الصدر، في استمرارية هذا النقاش، قدم قولًا جديدًا واعتبر بناءً على مبدئه في تعريف علم الأصول أن الموضوع يجب أن يكون الأدلة المشتركة، والمقصود بالأدلة المشتركة هو كل ما له صلاحية الدخول في استنباط أي حكم شرعي وليس مختصًا بباب من أبواب الفقه. حينها يكون النقاش حول دليلية ذلك الدليل من اختصاص علم الأصول.
وقد يبدو أن الأدلة المشتركة هي نفسها العناصر المشتركة، فموضوع علم الأصول هو الأمر المعلوم في تعريف علم الأصول. لكن عند التدقيق يتبين أن المقصود بالعناصر المشتركة هي القواعد العامة التي تُعرض في قالب قضائي يتألف من موضوع ومحمول، بينما المقصود بالأدلة المشتركة هي فقط موضوعات المسائل.
5. إعادة الإحياء
الصفة الخامسة لمذهب الشهيد الأصولي هي التكامل، الإصلاح، الإحياء، والارتقاء بالمباحث التقليدية لعلم الأصول. وأوضح مثال على تجلّي هذا الجانب من مذهب الشهيد الصدر هو مباحث الدليل العقلي التي انعكست بقوة في حلقات الأصول؛ بحيث يمكن القول إنه بعد المرحوم الأستاذ محمد رضا مظفر في كتابه الدراسي أصول الفقه، يجب أن يُذكر الشهيد الصدر في النص الدراسي حلقات الأصول كمكمل لمباحث الدليل العقلي في الكتب الدراسية، مع أن الأثر الثاني أعمق وأدق من الأول.
في الحلقة الأولى من حلقات الأصول، قُسمت مباحث الدليل العقلي إلى ستة أقسام من العلاقات في عالم التشريع:
- العلاقات المنطقية السائدة بين حكم شرعي وحكم شرعي آخر؛
- العلاقات المنطقية السائدة بين الحكم والموضوع؛
- العلاقة بين الحكم والمتعلق؛
- العلاقة بين الحكم والمقدمات؛
- العلاقات الموجودة داخل حكم واحد؛
- العلاقات بين الحكم والأشياء الأخرى خارج دائرة التشريع.
ينتمي نقاش استحالة أو جواز اجتماع الأمر والنهي ونقاش اقتضاء النهي للفساد إلى القسم الأول. وينتمي نقاش استحالة أخذ العلم بالحكم في موضوع ذلك الحكم والفرق بين الجعل والمجعول إلى القسم الثاني. ويكتسب النقاش الثالث في التمييز بين الموضوع والمتعلق أهمية بالغة؛ لأن الأصوليين لم يكن لديهم نظر خاص ومستقل في ذلك. وينتمي نقاش وجوب الغيري والفرق بينه وبين الوجوب النفسي، وكذلك الفرق بين مقدمة الوجوب ومقدمة الواجب إلى القسم الرابع. وينتمي نقاش المقدمة الداخلية والوجوب الضمني «الأجزاء» الذي يقابل الوجوب الاستقلالي «الكل» والذي يمكن طرحه في الواجبات المركبة مثل الصلاة إلى القسم الخامس. أما القسم السادس، فقد ذُكر تحت عنوان ملازمة الحكم الشرعي والحكم العقلي في الكتب الأعلى مستوى.
أما الابتكار في الحلقة الثالثة فيرى بصورة أخرى. هنا قُدِّمَتْ عدة تقسيمات: أولاً تقسيم الدليل العقلي إلى مستقل وغير مستقل. ثانياً تقسيم القضية العقلية إلى قضية تحليلية، مثل النقاش حول حقيقة الوجوب التخييري، وقضية تركيبية، مثل النقاش حول استحالة الأمر بالضدين في وقت واحد، وثالثاً تقسيم المستقلات العقلية إلى مباحث نتيجتها إثبات الحكم ومباحث نتيجتها نفي الحكم. النوع الأول، مثل النقاش حول «كل ما حكم العقل بقبحه حكم الشارع بحرمته» والنوع الثاني مثل النقاش حول استحالة التكليف بالغير ممكن. لذلك فإن المستقلات العقلية تخرج من حصرها في مسألة الحسن والقبح العقلي.
ثم درسوا التأثيرات المتبادلة بين القضايا التحليلية والتركيبية على بعضها البعض؛ مثل أنه من خلال معرفة كيفية ارتباط الحكم بموضوعه، وهو نقاش تحليلي، يمكن تقديم تفسير صحيح للواجب التعبدي، وهو أيضاً تحليلي. كما يمكن فهم استحالة أخذ العلم بالحكم في موضوع الحكم واستحالة أخذ القصد في امتثال الأمر في متعلق الأمر، وكلاهما من المباحث التركيبية؛ بحيث يمكن من استحالة أخذ القصد في امتثال الأمر في متعلق الأمر إيجاد تفسير صحيح للواجب التعبدي. إذا دخلنا في تفاصيل كل من مباحث الدليل العقلي، نرى أن أسلوباً أكثر تكاملاً قد استُخدم في طرح المباحث. على سبيل المثال:
- نقاش الأحكام المتعلقة بالتزاحم وإمكانية الترتب تحت عنوان «شرطية القدرة بالمعنى الأعم» جاء. وبما أن الأصوليين يعتبرون التكليف بالضدين مستحيلاً، يمكن على هذا الأساس القول إن القدرة بالمعنى الأعم شرط في التكليف؛ أي القدرة التكوينية التي كانت محل نظر الأصوليين سابقاً، وكذلك القدرة بمعنى عدم الاشتغال بتكليف مضاد يكون أهم من التكليف الأول أو مساويه له.
- في نقاش الواجب التخييري، قُدِّم أولاً تفسير للتخيير العقلي والشرعي، ثم خصائص التخيير الشرعي، وتفسيرات الوجوب التخييري ومآخذها، وكيفية التخيير بين الأقل والأكثر، وتفسير الوجوب الكفائي بحيث يعود إلى الواجب التخييري.
- نقاش وجوب الغيري طرح بشكل مفيد؛ مثلاً إذا كان واجب ما سبباً تاماً لوقوع حرام ـ كما أن تطهير المسجد يؤدي إلى التصرف في ملك الغير ـ بناءً على قبول ملازمة بين وجوب ذي المقدمة ووجوب المقدمة، يُفتح باب التعارض بين دليل الواجب ودليل الحرمة، وبناءً على عدم قبول الملازمة، ينشأ تزاحم بين ترك الحرام وفعل الواجب.
في تفسير الواجب الغيري أيضاً يُطرح كلام جديد يقوم على معرفة مبادئ الأحكام وثبوت الحق المولوي في تحديد مركز حق الطاعة.
النتيجة النهائية لهذا النقاش في الحلقة الثالثة صيغت هكذا: إرادة ذي المقدمة تستلزم إرادة المقدمة؛ ولكن هذه الملازمة هي بحكم الضمير لا بالبرهان.
أما وجوب ذي المقدمة فلا يستلزم وجوب المقدمة؛ لأن الجعل والإيجاب أمر اختاره المولى، ولا يمكن إثباته قهراً بحكم الملازمة.
- في نقاش حجية الدليل العقلي، تم دراسة شبهات الإخباريين حول اعتبار الدليل العقلي في ثلاثة مقامات: المقام الأول حول قصور الدليل العقلي من حيث عالم الجعل. هنا تم الرد على شبهات الإخباريين التي تقول إن علماً خاصاً في موضوع الأحكام المجعولة مأخوذ من الشارع، وهذا العلم ناتج عن الأدلة النقلية. المقام الثاني حول قصور الدليل العقلي من حيث الاستكشاف مع افتراض عدم القصور في عالم الجعل. في هذا المقام تم الرد على شبهات الإخباريين التي تقول إن كثرة وقوع الخطأ في الأحكام العقلية تمنع كاشفية الدليل العقلي وحصول اليقين منه. المقام الثالث حول قصور الدليل العقلي في عالم الحجية مع افتراض عدم القصور في عالم الجعل وعالم الاستكشاف. في هذا المقام جاء الرد على هذه الشبهة بأن حكم العقل في جانب التنجيز للتكليف الحقيقي معتبر، لكنه في جانب التعذير عن التكليف الحقيقي غير معتبر؛ لأن الشارع منع اتباع الدليل العقلي المعذّر.[22]
إدخال شبهات الإخباريين وكلماتهم المتفرقة والناشزة في هذه الأطر، ودراسة مقصدهم من كلامهم في هذه المقامات الثلاثة بهذه الصورة، أمر جديد ومبتكر.
بعد أن نمر على مباحث الدليل العقلي، باب تعارض الأدلة هو تجلٍ آخر من بروز مذهب الأصولي الشهيد الصدر في مجال إتمام وإحياء المباحث الأصولية.
يقول أحد تلامذته في مقدمة تقاريره:
طرح أستاذنا هذه المباحث وفق الطريقة المعتادة لتتوافق مع البرنامج العام لدروس الأصول في الحوزة، لكنه أجرى بعض التغييرات المعتادة وأضاف فصولاً للنقاش. ونتيجة لذلك أصبح باب التوازن والتراجح مشتملًا على قسمين أساسيين: قسم التعارض غير المستقر وقسم التعارض المستقر، وقد تحدث سابقاً كمقدمة عن معنى التعارض وسبب ظهوره في الروايات.[23]
لكن بالنظر إلى هذه المباحث نرى أنه رغم سعي الشهيد الأستاذ لأن تسير المباحث وفق الطريقة المعتادة، فإن التغييرات كثيرة جداً بحيث تبدو النتيجة جديدة وتبتعد كثيراً عن الشكل المألوف في القالب والمضمون، وهذا علامة على تطور وإحياء المباحث.
أولاً كمقدمة يتحدث عن تعريف التعارض والفرق بين التعارض والتزاحم، ثم عن منشأ وقوع التعارض في الأدلة الشرعية. عدّ ثمانية عوامل كمنشأ لوقوع التعارض، وهو عمل غير مسبوق في علم الأصول على ما يبدو. وقد أوردوا هذه العوامل كما يلي: 1. الفهم الخاطئ للفقه؛ 2. وقوع النسخ؛ 3. فقدان بعض القرائن؛ 4. تصرف الرواة في ألفاظ الأحاديث المعصومين (ع) والنقل بالمعنى؛ 5. البيان التدريجي للأحكام من قبل الأئمة المعصومين (ع)؛ 6. مراعاة التقية؛ 7. ملاحظة موقع وظروف الراوي الخاصة عند صدور الأحاديث؛ 8. ظاهرة التدليس والتزوير.
ثمّ تمّ التحدّث عن أحكام التعارض المستقر وغير المستقر في قسمين: في التعارض غير المستقر الذي يؤدي إلى الجمع العرفي ويصبح فيه دليل قرينة للتصرّف في ظهور دليل آخر، تمّ التركيز على أقسام القرينة. فكلّما كانت القرينة شخصية، يُقام علاقة السيادة ويكون دليل على دليل آخر، وكلّما كانت القرينة نوعية، تُقام علاقة التقيد أو التخصيص أو الإظهار. أمّا حالات الدخول والتزاحم فقد وُضعت خارج أقسام التعارض غير المستقر، وتمّت مناقشة مسائل مثل: أقسام الدخول وأحكام كلّ منها، علاقة التزاحم بالدخول وإمكانية دخول الدخول في التزاحم، الفرق بين الدخول والتخصيص وشمول الدخول بالمعنى الأعمّ بالنسبة للتخصيص، الدخول من جانب واحد ومن جانبين، أقسام التزاحم والأرجحيات في باب التزاحم. وكذلك في التعارض المستقر تمّ التطرّق إلى علاج التعارض من حيث الدليل العام للحجية ومن حيث الأخبار الخاصة العلاجية (أخبار التخيير، التفضيل، والتوقّف) وموضوع معالجة الأخبار العلاجية ورفع التعارض بينها.
النموذج الثالث من إعادة إحياء المناقشات الأصولية هو في بحث الأصول العملية. رغم أنّ مباحث هذا القسم في تقارير درس الخارج للشهيد الصدر تُرى بالشكل المعتاد والطريقة المألوفة، إلّا أنّ تفريق جهات البحث، وطريقة الدخول والخروج، وعمق النظر ودرجة الدقّة في الاستنتاج لها أهميّة. من النقاط البارزة في هذه المباحث، دراسة تاريخ تشكّل الأصول العملية في فكر فقهاء الإمامية، تاريخ البراءة العقلية، دراسة قاعدة التسامح في أدلة السنن، منجزية العلم الإجمالي والتنبيهات الاثني عشر له، طريقة العلاقة بين الأصول والإمارات وطريقة العلاقة بين الأصول العملية نفسها والبحث في مفاد قاعدة لا ضرر.
في حلقات الأصول، يظهر شكل خفيف من مباحث الأصول العملية مع تقسيم أفضل للتعليم.
في الحلقة الثانية ذُكر ترتيب الأصول كما يلي: القاعدة العملية الأولى (أصل البراءة العقلية أو الاحتياط العقلي)، القاعدة العملية الثانوية (أصل البراءة الشرعية)، القاعدة العملية الثالثة (أصل الاحتياط بناءً على منجزية العلم الإجمالي) وأخيراً الاستصحاب.
في الحلقة الثالثة تمّ اتخاذ الترتيب مع عناية أكبر بنوع الشك. أولاً يتحدّث عن الواجب العملي في حالة الشك البدوي. كما تمّ طرح القاعدة الأولى والقاعدة الثانوية، ثمّ تمّ التركيز على الشك المقرون بالعلم الإجمالي، وتمّت دراسة منجزية العلم الإجمالي بغض النظر عن الأصول المؤمنة ومع مراعاة الأصول المؤمنة. نوقش تفصيل مطوّل حول أركان منجزية العلم الإجمالي والعشرة حالات التي تؤدّي إلى انهيار أحد هذه الأركان. ثمّ في المرحلة الثالثة تمّ التطرّق إلى الواجب العملي عند الشك بين الوجوب والتحريم (دوران بين المحذورين)، وفي المرحلة الرابعة إلى الواجب العملي في حالة الشك بين الأقل والأكثر، وفي المرحلة النهائية إلى الاستصحاب الذي يُبحث فيه ما إذا كان علامة أو أصلاً.
بعيداً عن هذه النماذج، يمكن الإشارة في مباحث الألفاظ إلى سير اطلاق المعاني الحرفية، وإلى قاعدة وجود المفهوم في بعض الجمل وخاصة مفهوم الشرط.
6. التماسك والتنظيم
يجب أن يكون التفكير الأصولي، شأنه في ذلك شأن التفكير الفلسفي، منظماً ومتماسكاً. ظهور أي تعارض بين المبادئ المختارة يدلّ على ضعف التفكير الأصولي. لذلك يمكن القول إنّ مجموعة الأفكار الأصولية لكلّ من الفقهاء الكبار هي جهاز فكري معقّد ومنظّم في تقديم نظام التشريع الإلهي، حيث تُعرّف أجزاؤه المختلفة بعلاقات طولية وعرضية مع بعضها البعض؛ مثل آلة صناعية لا تعمل أجزاؤها المختلفة منفصلة عن بعضها، ولا يمكن أن تكون مفيدة إلا بالحفاظ على طريقة ارتباطها المثلى. قوة التفكير الأصولي تُعرف بقدرته على فتح الطريق في المشاكل الفقهية والتفسير الصحيح للنصوص وحلّ الحالات المتناقضة ظاهرياً، والفقيه الذي لا يلتزم بمبادئه الأصولية في الفقه يجب أن يعيد النظر في تفكيره الفقهي أو الأصولي أو في كلاهما.
بالطبع نعلم أنّ الفقيه في مقام تطبيق القواعد الأصولية على النصوص الشرعية يواجه أحياناً خصوصيات وقيوداً تغيّر النتيجة؛ مثلاً إذا لم نعترف بالمفهوم المضاد للقضية الشرطية، فهذا لا يعني أنّنا في كل آية أو رواية ورد فيها الحكم الشرعي في قالب قضية شرطية مضطرون إلى إنكار المفهوم المضاد؛ بل القاعدة الأصولية وُضعت بغض النظر عن القرائن والخصوصيات المحتملة في كل حالة وبطبيعة الجملة الشرطية، ولا يتعارض إثبات المفهوم بسبب مراعاة القرائن الخاصة. لهذا السبب لا ينبغي بسرعة توجيه اتهام عدم الالتزام بالقواعد الأصولية إلى الفقهاء.
لهذا السبب يقول الشهيد الصدر إنّ الفقيه يجب أن يكون إلى جانب مهارته في علم الأصول، قادراً على التطبيق أيضاً. فإذا اعتبرنا النصوص كأدوات عمل، فإن علم الأصول هو التقنية لتوظيف هذه الأدوات، والنتيجة النهائية تعتمد على وجود قدرة التطبيق؛ وإلا فإنّ العالم الأصولي قد يكون كطبيب تعلّم الطب، لكنه يعجز في التشخيص وتطبيق ما تعلّمه على أعراض المرض الظاهرة. الطعن في النظريات الفقهية يكون إمّا بسبب الإغفال عن النصوص والأدلة، أو بسبب الإغفال عن الخصوصيات والقرائن في مقام التطبيق، أو بسبب الطعن في الأساس الأصولي.
إذا تحققت القدرة على التكيف بالممارسة والمثابرة والموهبة الشخصية، تُعرف النصوص بالبحث والتحقيق في المواضع المعهودة والإحاطة بالمصادر والمراجع الروائية. أما تنقيح المبادئ الأصولية، فهو أصعب الأعمال؛ لأنه يتطلب عمقًا واتساع نظر في آن واحد، وكلما كانت المبادئ الأصولية أقوى تأسيسًا وأكثر تماسكًا، كانت الآراء الفقهية أكثر إقناعًا. ولهذا، تعتمد القوة العلمية للفقهاء في الفقه أكثر على قوة البُعد الأصولي لديهم؛ لأن علم الأصول هو منطق الفقه، وكلما كان هذا المنطق أقوى، كانت النظريات الفقهية أكثر قبولًا. أحيانًا ينتقد الفقهاء مبادئ أصول بعضهم البعض ويستدلون على فساد تسلسل تلك المبادئ، وهذا دليل آخر على أن تبعات ونتائج كل مبدأ في مواضع أخرى من علم الأصول يجب دراستها للحفاظ على تماسك المبادئ. على سبيل المثال، الشيخ الأنصاري الذي طرح في حل بعض مشكلات التعبد بالظن نظرية «المصلحة السلوكية»، اعترض عليه أصوليون آخرون بأن هذا المبدأ يتعارض مع رأي الشيعة في قبول قاعدة الاشتراك وبطلان التصويب؛ لأن قبول نظرية المصلحة السلوكية يعني قبول نوع من التصويب. وكذلك المحقق الخوئي الذي اعتقد في جعل الحكم الظاهري أن مصلحة الحكم في ذات الجعل، اعترض عليه الآخرون بأنه بناءً على هذا المبدأ يجب قبول أن اجتماع حكمين ظاهريين مختلفين على موضوع واحد ليس محظورًا، ويجب قبول أن الحكم الظاهري لا يطلب الامتثال، لأن تلك المصلحة قد تحققت بمجرد الجعل! مع أن لا أحد يلتزم بهذه النتائج. وكذلك ميرزا النائيني الذي طرح نظرية «متمم الجعل» كحل لإمكانية الحصول على العلم بالحكم في موضوع الحكم، اعترض عليه بعضهم مثل الشهيد الصدر بأن هذا المبدأ فيه خلل داخلي ويتعارض مع فرض بطلان الجعل الأول.
علم الأصول كله مليء بهذه الأنواع من الاعتراضات والأجوبة، وهذا هو سر تطور ونضج علم الأصول. ومن دراسة تاريخ ألف سنة لعلم أصول الفقه الشيعي (من تدوين الذريعة لسيد مرتضى كأول عمل مفصل ومكتوب في أصول الفقه حتى الآن) ندرك كيف أن كل أصولي حاول بالنظر إلى آراء السابقين أن يجيب على النقض والاعتراض على المبادئ الأصولية وينقح آرائه أكثر.
في مدرسة أصول الشهيد الصدر، بعيدًا عن طرح نظريات أصولية للشيخ الأنصاري والمحقق الخراساني، كان التركيز الأكبر على المبادئ الأصولية لميرزا النائيني، المحقق العراقي والمحقق الخوئي. وفي النهاية سُعي إلى جمع المزايا العلمية لكل من هؤلاء العلماء، وجعل مبادئهم الأصولية تكتسب ترابطًا منطقيًا متينًا.
في حلقات الأصول، كان من الأهداف التي تابعها الشهيد الصدر ونجح فيها، تعليم هذا الترابط والتماسك، وقد ذكرنا سابقًا نماذج منه، وسنورد نماذج نقلاً عن الشهيد الصدر في مقدمة حلقات الأصول.
ومن بين المواضيع التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا وتُطرح في باب غير المستقلات العقلية، موضوع إمكانية الشرط المتأخر، والواجب المعلق، والواجب التعبدي والتوصلي، ومقدمة الواجب، والمقدمات المفقودة، واستحالة التكليف بغير الممكن، وإمكانية التكليف المشروط، حيث يُلاحظ في حلقات الأصول تأكيد واهتمام كافٍ بوجه ارتباطها.
7. التأريخ
لا شك أن النظرة التاريخية ودراسة سير التطور ستكون مفيدة في كثير من المسائل الأصولية المعقدة؛ لأن المحقق سيدرك موقعه جيدًا ويعرف سبب دخول بعض المسائل إلى علم الأصول وطريقة طرحها الغريبة والمثيرة للشك. استطاع الشهيد الصدر بنظرته التاريخية هذه أن يقف في وجه الرأي الشائع القائل بعقلية الأصل في البراءة عند الشك في التكليف. فقد بحث في كلام المتقدمين وأظهر أن شهرة هذه المسألة لا تتجاوز زمن وحيد بهبهاني، وأن المتقدمين كانوا متفقين في المعنى مع الأصل في الاحتياط العقلي، كما أشار في باب الأصول العملية إلى انفصال تدريجي لمباحث هذا الباب عن باب الدليل العقلي في مقدمة قصيرة تساعد على فهم أفضل لطبيعة مباحث هذا الباب. لكن أعظم عمل للشهيد الصدر في تتبع جذور التحولات التاريخية لعلم الأصول ودراسة مراحل تطور هذا العلم تجلى لأول مرة في المعالم الجديدة؛ إلى حد يمكننا معه اعتباره أول شخصية أصولية تابعت دراسة تاريخ هذا العلم بشكل رسمي وجدي ونبهت الطلاب إلى أهميته.
خصص جزء كبير من هذا الكتاب، نحو خمسين صفحة، لهذا العمل والبحث في مراحل علم الأصول وأسباب وعوامل تحولات هذا العلم. وبعد سنوات من استشهاده، بدأ الحديث عن تاريخ الفقه والأصول ينتشر، وبرزت ضرورة تناول العلوم بنظرة أخرى تُسمى النظرة من الدرجة الثانية.
في هذه الخمسين صفحة المعنونة بتاريخ علم الأصول، طُرحت المواضيع التالية:
ولادة علم الأصول، الحاجة التاريخية لعلم الأصول، التصنيف في علم الأصول، تطور العلم النظري (الأصول) والعلم التطبيقي (الفقه) على يد الشيخ الطوسي، التوقف النسبي لعلم الأصول بعد الشيخ الطوسي، تجديد الحياة والحركة العلمية على يد ابن إدريس صاحب السرائر حتى صاحب المعالم، الأذى الذي ألحقه الإخباريون بجسد علم الأصول، جذور حركة الإخبارية، توجه التأليفات والمباحث الأصولية في فترة الإخباريين، انتصار علم الأصول وظهور مدرسة جديدة، والتلخيص والاختصار لثلاث مراحل رئيسية لعلم الأصول، وهي:
المرحلة الأولى، عصر التمهيد لعلم الأصول حيث انتشرت بذور هذا العلم الأساسية وكان بدايته ظهور ابن أبي عقيل وابن جنيد، وبلغ ذروته مع ظهور الشيخ الطوسي.
المرحلة الثانية، عصر الإثمار ونضوج البذور الأولية حيث تحددت أصول وقواعد التفكير الأصولي وانعكست على نطاق واسع في علم الفقه. وكان الشيخ الطوسي قائد هذه المرحلة، ومن كبار رجاله جمع مثل ابن إدريس، المحقق الحلي، العلامة، والشهيد الأول.
الدورة الثالثة، عصر الكمال العلمي الذي افتُتح على يد وحيد بهبهاني، صاحب المدرسة الأصولية الجديدة في أواخر القرن الثاني عشر. لا شك أن جهوده العلمية في مجال الفقه والأصول كانت السبب في ظهور هذه الدورة، وبعده واصل تلاميذه العظام هذا المسار حتى بلغت هذه المدرسة ذروة كمالها بعد نحو نصف قرن، وبرزت ثلاثة أجيال من عباقرة هذه المدرسة على التوالي. الجيل الأول هم تلاميذ وحيد بهبهاني المباشرون، مثل سيد مهدي بحر العلوم (م 1212هـ)، الشيخ جعفر كاشف الغطاء (م 1227هـ)، ميرزا أبو القاسم قمي (م 1227هـ)، سيد علي طباطبائي (م 1221هـ) والشيخ أسد الله تستري (م 1234هـ). أما الجيل الثاني فهم الذين استفادوا من بعض تلاميذ وحيد المباشرين، مثل الشيخ محمد تقي بن عبد الرحيم (م 1248هـ)، محمد شريف بن حسن علي المعروف بشريف العلماء (م 1245هـ)، سيد محسن أعرجي (م 1227هـ)، المولى أحمد نراقي (م 1245هـ) والشيخ محمد حسن النجفي (م 1266هـ).
وفي مقدمة الجيل الثالث، يقف الشيخ مرتضى الأنصاري تلميذ شريف العلماء، الذي وُلد في عام 1214 هـ، بفاصل زمني كبير عن ظهور هذه المدرسة، لكنه استطاع أن يبلغ بمدرسة أصول وحيد بهبهاني ذروة الكمال، ونحن اليوم لا نزال نعيش في هذا العصر العلمي، والتفكير العلمي السائد في حوزاتنا العلمية هو ذات التفكير العلمي الذي بدأه وحيد بهبهاني. وبالطبع لا يتعارض هذا التقسيم لعلم الأصول بهذه الصورة وفي إطار ثلاث دورات رئيسية مع إمكانية تقسيم كل دورة إلى مراحل أصغر. لذا يمكننا اعتبار الشيخ الأنصاري (م 1281هـ) قائد المرحلة الثالثة من العصر الثالث، الذي استمر تفكيره العلمي بيننا لأكثر من مئة عام.[24]
في هذا الاستعراض التاريخي، تظهر نقاط مهمة ومبتكرة وتحليلات قوية وجذابة تدل على موهبة وقدرة خاصة للمؤلف في تتبع جذور الأحداث التاريخية. من ذلك، في دراسة وتحليل الركود النسبي لعلم الفقه بعد الشيخ الطوسي، الذي انتقلت فيه الحوزة الشيعية من بغداد إلى النجف الأشرف، اعتُبرت ثلاثة عوامل مؤثرة: العامل الأول هو انفصال الشيخ الطوسي عن تلاميذه البارزين في حوزة بغداد وإقامة حوزة جديدة وناشئة في النجف، التي أصبح بعد وفاة الشيخ، ابنه أبو علي رئيسها في بداية شبابه. العامل الثاني هو تدخل عواطف التلاميذ في تقديس مقام الشيخ، وهو أمر مرتبط بطبيعة الحوزة الشابة التي خلفت بعد الشيخ. العامل الثالث هو قصة التنافس بين الشيعة والسنة. كان هذا التنافس دافعًا للحركة في الحوزة الشيعية، وعندما دخل الفكر الفقهي والأصولي في عالم أهل السنة في حالة ركود، فقد الفقه الشيعي أحد عوامل نموه وازدهاره؛ لكنه لحسن الحظ استطاع أن يجدد حياته بعد فترة، لأن الفقه الشيعي كان في مرحلة الشباب وكان لديه دافع داخلي للنمو والتكامل، بينما كان الفقه السني قد بلغ مرحلة الشيخوخة وفقد تلك القوة الداخلية. ثانيًا، كان الفقه الشيعي مكروهًا من قبل الدول ومعتمدًا على الناس، وكان يتكامل بقدر ما تزداد المراجعات وطرح الأسئلة، وهذا يعني وجود عامل خارجي للحركة. أما الفقه السني فكان ينمو بدعم من الدول، وكانت الاضطرابات السياسية في البلدان الإسلامية في تلك الفترة بيئة غير ملائمة لنموه.
مقطع آخر من أقوال الشهيد الصدر في تحليل انتصار الإخباريين في مرحلة تاريخية وانتصار الأصوليين في مرحلة لاحقة. في تحليل الحدث الأول يقول: من بين العوامل التي جعلت الإخباريين يعارضون علم الأصول ويجعلون بعضهم يرافقهم ويظلمون الأصوليين، تقدم أهل السنة في نشر مباحث الأصول واستخدامها. ثانيًا، موافقة بعض الأصوليين مثل ابن جنيد مع أهل السنة في قبول القياس. ثالثًا، دخول بعض المصطلحات الأصولية لأهل السنة في كتب فقهاء الشيعة. رابعًا، الدور المهم للدليل العقلي في علم الأصول، بينما الإخباريون كانوا ينكرون الدليل العقلي من الأساس. خامسًا، الادعاء بأن علم الأصول حديث الظهور وظهر بعد زمن وجود الأئمة المعصومين (ع). سادسًا، بث هذا التصور بأن الاقتراب من علم الأصول يعني الابتعاد عن روايات أهل البيت (ع). أما الحدث الثاني فيحلله على النحو التالي:
كان نجاح وحيد بهبهاني وتغلب المجتهدين على الإخباريين مرهونًا بعدة أمور:
- تهيئة الفاضل التوني وبعده آقا حسين خوانساري وابنه آقا جمال وتلميذ آقا جمال، أي سيد صدر الدين القمي. هذه السلسلة من الأصوليين في فترة سيطرة الإخباريين، دفعوا بمباحث علم الأصول إلى الأمام وعززوا الفكر الفلسفي والعقلي. بالطبع كان لآقا حسين خوانساري فكر فلسفي خاص به وكان من النقاد للفلسفة السائدة؛ لكنه على أي حال استطاع أن يضفي على المباحث الأصولية لونًا فلسفيًا خاصًا، وحصلت آراؤه على مكانة خاصة في تاريخ علم الأصول. وظهر وحيد بهبهاني، تلميذ سيد صدر الدين القمي، في استمرار هذه السلسلة.
- لم يكن تحرك الإخباريين ليبقى بلا رد فعل؛ خصوصًا أن حوزة كربلاء أصبحت مركزهم، وحضور وحيد بهبهاني في هذه الحوزة كان يزيد من حدة الصراع والاحتكاك.
- من جهة أخرى، كانت مدرسة أصول وحيد بهبهاني قرب النجف، المركز الرئيسي للحوزة الشيعية، وهذا جعل آراء وأفكار وحيد تنعكس جيدًا في حوزة النجف ويستمر طريقه بعد وفاته.
- كان هناك حاجة إلى تدوين جوامع حديثية من خلال عرض كتب مثل الوافي، وسائل الشيعة وبحار الأنوار، وبالطبع كانت الأنشطة العلمية تتجه نحو الاستفادة من هذه الموسوعات في الاستنباط.
- نمو وتطور الفكر الفلسفي منذ زمن المحقق خوانساري فصاعدًا، طلب مجالًا جديدًا للعرض، وكانت مدرسة أصول وحيد بهبهاني تمثل هذا الفكر.
8. إعداد الكتب الدراسية
قلة من الفقهاء الكبار نعرفهم ممن فكروا في إعداد علم الأصول دراسيًا وعمليًا أعدوا كتابًا مع مراعاة النقاط التعليمية لطلاب المرحلة المتوسطة. بالطبع كان المرحوم الأستاذ محمد رضا مظفر رائدًا في هذا المجال؛ لكن هناك فرقًا كبيرًا بين عمله وعمل الشهيد الصدر؛ لأن أولًا في بداية أصول الفقه لا توجد مقدمة في تعريف العمل ودوافع التناول وطريقة التأليف. ثانيًا كتاب المرحوم مظفر يعكس مبادئ أصولية لبعض رجال هذا العلم، وبالطبع لم يُكتب على نسق واحد، وإذا كان القارئ يبحث عن معلومات أكثر من محتوى الكتاب، فلا يجد مصدرًا يعرف من خلاله الرؤية النهائية للمؤلف أو على الأقل وجهة نظره في مستوى هذا الكتاب. ثالثًا يبدو الكتاب المذكور قطعة غير متجانسة بين معالم الأصول وفوائد الأصول أو كفاية الأصول، وليس قابلًا للهضم كأول كتاب دراسي للطلاب المبتدئين؛ لكن في حلقات الأصول توجد مقدمة قيمة جدًا ترشد الأساتذة والطلاب، كما أن مجموع محتويات كل من الحلقات الثلاث ومجموع الحلقات مكتوب على نسق واحد ويعكس فكرًا متماسكًا؛ وفي الوقت نفسه يعكس آراء أصولية لشخصيات أخرى مع نقدها ومراجعتها. مجموع الحلقات الثلاث يلبي حاجة الطالب في المرحلة المتوسطة ولا تظهر مشكلة عدم التجانس مع الكتب الدراسية السابقة أو اللاحقة. بالإضافة إلى ذلك، هناك دعم جيد لـ حلقات الأصول الحالية. إذا اعتبرنا الحلقة الثانية دعمًا للحلقة الأولى والحلقة الثالثة دعمًا للحلقة الثانية، فإن دورة تقارير درس الخارج للشهيد الصدر ستكون دعمًا للحلقة الثالثة بل دعمًا لكل الحلقات الثلاث، وتخرج الأساتذة من ضيق التدريس إلى حد ما؛ خصوصًا أن إعداد نصوص حلقات الأصول تم بعد تدوين التقارير وبمراعاة تلك التقارير. وإذا أضفنا الأنشطة العلمية لتلاميذ الشهيد الصدر في شكل حواشي وشروح وتعليقات على التقارير أو على نص حلقات الأصول وكذلك في شكل مقالات ومقابلات، يظهر دعم أقوى. بالطبع لا ينتشر أي كتاب دراسي جيدًا إلا بعد أن يقدم المؤلف في مكان آخر تفصيلًا في تبرير مبادئه ليكون مصدرًا للأساتذة، وأن يربي تلاميذ يروّجون مسلكه ومنهجه وفي الوقت نفسه ينتقدون أفكاره، وأن يصدروا مؤلفات في شرح وتفسير أقوال الأستاذ. وتتميز حلقات الأصول مقارنة بكل الكتب الدراسية الأخرى التي عرضت كبدائل للأربعة كتب الرئيسية (معالم الأصول، قوانين الأصول، فوائد الأصول وكفاية الأصول)، وإذا لم تكن الأجهزة الإدارية عائقًا أمام تحويلها إلى كتاب دراسي، لكنا اليوم نشهد انتشارًا طبيعيًا أكبر لها.
هذا الأمر لا مجال للنقاش فيه؛ لأنه إذا قبلنا ضرورة التحول في الكتب الدراسية، فإن الإصبع يشير فورًا إلى حلقات الأصول. وما يحتاج إلى جهد أكبر للإقناع هو أن تجاوز الكتب الأربعة المعروفة لا يعني ترك التراث الأصولي الشيعي وقطع الصلة بجذور هذا العلم التاريخية، ويحاول الشهيد الصدر في مقدمته على حلقات الأصول إزالة هذا الوهم. فقد تحدث عن وضع الكتب الدراسية وبيّن أن الانتقال من آثار المتقدمين إلى آثار المتأخرين هو أولًا تقليد معتاد وواقع تاريخي، وثانيًا ضرورة لا يمكن إنكارها في العصر الحاضر. وفي موضع ما عرض التبريرات الأربعة للتغيير والتحول في الكتب الدراسية، وقال في التبرير الأول:
يوجد الآن فجوة كبيرة بين محتوى الكتب الأربعة الدراسية والمناقشات المتعلقة بمرحلة الخارج، وهذه الكتب خالية من الأفكار الجديدة والمصطلحات الحديثة التي ظهرت خلال المئة عام الماضية. كمثال على هذه الأفكار الجديدة، نشير إلى مناقشات باب التزاحم وما أسسه ميرزا النائيني؛ أي منهج الطريقة بكل فروعه ونقاطه الدقيقة، الذي يُستخدم في مسألة «قيام الإمارات مقام القطع الموضوعي» و«حكومة الإمارات على الأصول» و«رفع قاعدة قبح العقاب بلا بيان بجعل الحجة». كما يمكن الإشارة إلى نظريته في باب جعل الحكم على شكل قضية حقيقية بكل الآثار التي تنشأ لهذه النظرية في المناقشات الأصولية؛ مثل بحث الواجب المشروط وبحث الشرط المتأخر وبحث الواجب المعلق وبحث «أخذ العلم بالحكم في موضوع الحكم». وكذلك يمكن الإشارة إلى الجانب الجديد الذي قدمه ميرزا النائيني في بحث معاني الحرف، والذي يختلف اختلافًا جوهريًا عن الصورة الغريبة التي تخلقها آراء صاحب الكفاية في ذهن الطالب.
وفي سياق التبرير الثاني يُضاف:
الكتب الأربعة المذكورة لم تُؤلف من قبل مؤلفيها كنص دراسي، ولهذا السبب لا توجد محاولة لشرح جميع مراحل الاستدلال وسير الفكر في مسألة ما من البداية إلى النهاية. أحيانًا تُحذف بعض مراحل الاستدلال في الوسط أو من البداية بحجة أنها معروفة لدى أهل الاختصاص، بينما تبقى هذه الأمور مجهولة لدى الطالب. لتوضيح الأمر يمكن الاستشهاد ببحث الواجب التعبدي والواجب التوصلي، حيث يُناقش استحالة أخذ قصد الامتثال في متعلق الأمر، والمترتب على ذلك أن الواجب التعبدي يتميز في مرحلة الغرض عن الواجب التوصلي، لا في مرحلة الأمر؛ لأن الواجب التعبدي لا يفي بالغرض إلا بقصد الامتثال. ثم يُستنتج أن التمسك بإطلاق الأمر لأن الواجب هو واجب توصلي أمر غير ممكن. هذا التعبير لا يمكن اعتباره تعبيرًا تعليميًا ودراسيًا؛ لأن الفهم الكامل للمسألة في ذهن الطالب يحتاج إلى إضافة عنصرين آخرين لم يُوضّحا لسبب الوضوح: الأول هو أنه إذا أمكن أخذ «قصد الامتثال» في متعلق الأمر، فإن حاله مثل حال القيود الأخرى التي يمكن نفيها بالتمسك بإطلاق الأمر؛ والثاني هو أن مدلول (مطابق) الخطاب والدليل هو الحكم وليس المعيار أو الغرض، وكشف إطلاق الغرض لا يتم إلا عبر كشف إطلاق متعلق الأمر؛ وذلك فقط إذا وُجد افتراض تطابق بين متعلق الأمر ومتعلق الغرض. فإذا لم يُفترض مثل هذا التطابق في أي مكان، فلا يمكن كشف إطلاق الغرض أيضًا.
مثال آخر من باب التزاحم: جميع الأحكام في هذا الباب مبنية على فرض أن القدرة شرط في أصل التكليف، وليس فقط شرطًا في مرحلة التوبيخ والمنجزية. بينما هذه المسألة نفسها لم تُناقش بشكل مباشر ومستقل، وبقي هذا الارتباط الخاص (بين أحكام باب التزاحم والأساس المذكور) مخفيًا. ومرة أخرى يمكن القول كشاهد أنه في الكتب المتداولة في الحوزة، تم بيان كيفية دلالة «المطلق» على الإطلاق بشكل مستقل؛ بينما لم تُشرح كيفية دلالة «المقيد» على أن «القيد» مأخوذ في الموضوع بشكل مستقل، وإنما ذُكرت ضمنيًا فقط خلال مناقشة حمل المطلق على المقيد وطريقة علاج التعارض بينهما.
لذلك نقول إن الأمور التي يجب مراعاتها في هذه الكتب لم تُراعَ، مثل طرح الأفكار الأصولية تدريجيًا من البسيط إلى المعقد، ومن المناقشات التي في المرتبة الأولى إلى المناقشات التي في المرتبة التالية؛ بحيث تُطرح المسألة التي يعتمد تصورها الأساسي على معرفة زوايا في مسائل أخرى بعد طرح تلك الزوايا ومناقشتها.
كمثال انظر إلى بحث توقف العموم على تنفيذ الإطلاق ومقدمات الحكمة في مدخول أدوات العموم. تصور هذه النظرية فرع على أن يكون لدينا تصور سابق لمقدمات الحكمة ودورها وقد تجاوزنا هذه الأمور؛ بينما بحث توقف العموم على التنفيذ في المدخول يأتي في باب العام والخاص، وفي المناقشات التالية، أي بحث المطلق والمقيد، تُطرح مقدمات الحكمة. وكذلك انظر إلى بحث «الشرط المتأخر عن الحكم» الذي يعتمد تصور الإشكال الموجود في هذا البحث وحلولها على مجموعة من المناقشات المتعلقة بـ«الواجب المشروط»، ويتطلب المنهج التعليمي الانتقال من المواضيع السهلة إلى المواضيع المعقدة أن تُطرح جميع المناقشات المتعلقة بالواجب المشروط قبل بيان الإشكال المطروح في باب الشرط المتأخر ومناقشته؛ بينما في كتاب الكفاية وغيره الأمر عكس ذلك.
مثال آخر: تصور التخيير بين الأقل والأكثر والاعتقاد باستحالة هذا التخيير يدخل في الفهم الكامل لقاعدة «أجزاء الأوامر الاضطرارية من الأوامر الواقعية»، وإذا وُضعت هذه القاعدة بعد طرح بحث التخيير بين الأقل والأكثر، سيكون فهم القاعدة وتصوّرها أسهل على الطالب.
في الكتب الدراسية، من المناسب توفير نوع من التعارف الذهني للطالب تجاه المسائل والقواعد التي بمساعدتها يُثبَت ادعاء مسألة أخرى ويُقام عليها البرهان، أو تُستخلص ثمارها الأصولية. كما يُدرج الإطلاق ومقدمات الحكمة كدليل شرعي في سلسلة من المناقشات؛ مثل إثبات دلالة صيغة الأمر على الوجوب، ودلالة صيغة الأمر على العينية والتعيين والنفسية للواجب، ودلالة الجملة الشرطية والجمل الأخرى على وجود المفهوم،… مع أن الطالب في الكتب المتداولة لا يعرف شيئًا عن مناقشة الإطلاق ومقدمات الحكمة، إلا بعد الانتهاء من جميع مناقشات الأوامر والنواهي والمفاهيم. وكذلك أحكام التعارض – التي تشمل قواعد الجمع العرفي أيضًا – تُستخدم أحيانًا في علاج كثير من أنواع التعارض بين الأدلة اللفظية التي تُحتاج إليها في الاستدلال على حجية الإمارة أو الأصل العملي. مثلاً يُقال: «دليل وجوب الاحتياط على دليل البراءة إما أن يكون حاكمًا أو أن يكون دليل البراءة مخصصًا». تُطرح هذه المناقشات قبل تقديم صورة واضحة عن أحكام التعارض وقواعد الجمع العرفي بين الأدلة، وأحكام التعارض وقواعد الجمع العرفي تُعد من المناقشات النهائية في الأصول. تُطرح مسألة اقتضاء النهي للبطلان عند الاستنتاج (أخذ الثمرة) من مناقشة الضد. يُقال إن ثمرة المناقشة «الأمر بشيء مقتضٍ للنهي عن ضده» هي أن العبادة باطلة. لذلك عند الاستنتاج (أخذ الثمرة) من مناقشة اجتماع الأمر والنهي، يُقال بناءً على نظرية استحالة اجتماع الأمر والنهي، يُقدم جانب النهي وتكون العبادة باطلة؛ مع أن الطالب لم يدرس مسألة اقتضاء النهي ولا يعرفها إلا بعد الانتهاء من مسألتين: إحداهما مسألة الضد والأخرى مسألة استحالة اجتماع الأمر والنهي. يمكن ذكر العديد من الأمثلة المماثلة من هذا القبيل.
إذا بُذل اهتمام خاص لإظهار ثمرة بعض المواضيع، فذلك لأن ارتباط بعض المواضيع ببعضها الآخر لا يتضح أثناء مناقشتها. في كثير من الأحيان يُهمل وجود ارتباط بين الأفكار الأصولية ولا يُناقش إلا بالقدر الذي يُحتاج إليه في مقام الاستدلال على مسألة أو دحضها. مثلاً يُناقش معنى الحرفية والجزئية أو العمومية، لكن هذه المناقشة لا تُربط بمناقشة التمسك بالإطلاق في المعاني الحرفية، ولذلك يقول الطلاب دائمًا إن مناقشة المعاني الحرفية لا فائدة منها. وكذلك يُناقش الوجوب الاختياري والوجوب الكفائي بشكل تحليلي، لكن ثمرة هذه المناقشة – وهي التمسك بالإطلاق أو الأصل العملي عند الشك في نوعية الواجب – لا تُربط بالأصل في المناقشة، ويبدو أن هذه المناقشة مجرد تحليلية ونظرية.
أخيرًا، يعدد الشهيد الصدر خصائص عمله على النحو التالي:
- طرح أحدث وأخر إنجازات علم الأصول.
- تطبيق منهج موحد في الحلقات الثلاث مع مراعاة التدرج في المواضيع داخل الكتاب وفي مجموع الحلقات بالنسبة لبعضها.
- الالتزام بالنقاط الفنية في بيان أدلة كل مسألة.
- كسر الأطر والتقسيمات المعتادة واستخدام تقسيمات وعناوين جديدة.
- الالتزام بالعلاقة الطولية بين المناقشات المختلفة في علم الأصول داخل كل حلقة من الحلقات الثلاث.
- إقامة علاقة طولية بين الحلقات الثلاث بالنسبة لبعضها؛ بحيث تقدم الحلقة الأولى تصورات عامة، وتدخل الحلقة الثانية في الاستدلال، وتُظهر الحلقة الثالثة شكلًا أرقى من الاستدلال.
- احتكار بعض المواضيع في مستوى حلقة واحدة وعدم الحاجة إلى تكرارها في الحلقة الأعلى.
- استخدام لغة تحافظ على ارتباط الطالب بكتب المتقدمين وفي الوقت نفسه تتمتع بالسلامة والوضوح الكافيين. بالطبع تظهر التعبيرات الجديدة أكثر في الحلقة الأولى، لكن على أي حال نص الحلقات الثلاث خالٍ من التعقيدات اللفظية التي لا تحمل أي نقطة علمية.
- الحاجة إلى الأستاذ فقط في إزالة التعقيدات المعنوية وليس في حل التعقيدات اللفظية.
- عكس الآراء الأصولية كميًا ونوعيًا بالقدر الذي يحتاجه المبتدئون، وعدم الالتزام بعكس الآراء النهائية للمؤلف.
[1]. من حيث أن علم الأصول يتحدث عن أدلة الاستدلال الفقهي ويجب أن تكون دلالة الدليل مقبولة شرعًا؛ حتى وإن كان ذلك الدليل هو العقل.
[2]. مثل قاعدة اللطف أو ضرورة دخول المعصوم في المجمعين أو الظن بموافقة المعصوم أو أساس حساب الاحتمالات.
[3]. انظر: محمد خضري بك، علم أصول الفقه ومصطفى سعيد الخنّ، دراسة تاريخية للفقه وأصوله.
[4]. انظر: محمد إسحاق فياض، محاضرات في أصول الفقه، الجزء 1، ص 8.
[5]. حسن عبد الستار، بحوث في علم الأصول، الجزء 1، ص 115؛ محمود هاشمي، بحوث في علم الأصول، الجزء 1، ص 57.
[6]. حسن عبد الستار، بحوث في علم الأصول، الجزء 1، ص 117 ـ 123 باختصار.
[7]. سيد محمود هاشمي، بحوث في علم الأصول، الجزء 1، ص 57 ـ 61 باختصار.
[8]. المرجع نفسه، ص 62. ولا يُخفى أن هناك نوعًا من التناقض في الكلمات المنقولة عن الشهيد الصدر في نسبة أحد المنهجين إلى المنهج الجديد للحوزة. المنهج الجديد للحوزة الذي ظهر، كما يقول الشهيد الصدر، بعد الشيخ الأنصاري، والذي يظهر في كلام المحقق الخوئي في شكله المتطور، يُسمى في موضع منه منهجًا تطبيقيًا وفي موضع آخر منهجًا تجريديًا.
[9]. انظر: دروس في علم الأصول، الحلقة الثالثة، طبعة جمعية المدرسين، حيث وردت المناقشات الثلاثة المذكورة بقلم آية الله سيد محمود هاشمي.
[10]. حتى الآن قُدمت عدة تقارير عن درس الشهيد الصدر في الدورة الأولى والثانية: أولًا حوالي عام 1405 هـ ق بقلم آية الله سيد محمود هاشمي تقرير بعنوان بحوث في علم الأصول يحتوي على الدورة الكاملة لدرس الشهيد في سبعة مجلدات؛ لكنه يحتوي على اختصارات مع غموض وإبهام. ثم في عام 1407 هـ ق صدر مباحث الأصول بقلم آية الله سيد كاظم حائري وتكامل تدريجيًا، ويشمل الآن النصف الثاني من علم الأصول، أي مناقشات الحجج والأصول العملية وتعارض الأدلة. في المجلدات الخمسة لهذا التقرير، يظهر وضوح وبلاغة وسيطرة أكبر من المقرر. في عام 1423 هـ ق، بقلم الشيخ حسن عبد الستار، صدر التقرير الثالث بعنوان مكرر بحوث في علم الأصول يشمل النصف الأول من علم الأصول، أي مناقشات الألفاظ والأدلة المحرزة وكذلك مناقشات الحجج في ثمانية أجزاء وفي ستة مجلدات. في هذا التقرير، خلافًا للتقارير الأخرى، نادرًا ما توجد هوامش أو آراء من المقرر، ويبدو أن النص هو تفريغ من شريط كاسيت، ولا يبدو أن هناك تعديلًا في تعبيرات الأستاذ الشهيد، ولهذا يمكن أن يزيل الغموض الموجود في أحد التقريرين. ولا يُخفى أن التقرير الأول هو مزيج من دروس الشهيد الصدر في الدورتين الأولى والثانية، لكن التقرير الثاني، حتى ما تم تقديمه منه، كله من الدورة الأولى، والتقرير الثالث كله من الدورة الثانية.
[11]. سيد محمود هاشمي، بحوث في علم الأصول، الجزء 1، ص 31.
[12]. دخول هذا العدد من المصطلحات إلى علم الأصول من قبل الشهيد الصدر ذُكر في مقدمة الأستاذ سيد علي أكبر حائري على الحلقة الأولى، طبعة مجمع الفكر الإسلامي، ص 91 إلى 94.
[13]. للاطلاع على تفاصيل هذا النقاش انظر: دروس في علم الأصول، الحلقة الثالثة، تحقيق وتعليق مجمع الفكر الإسلامي، ص 403 إلى ص 416، الملحق الثاني بعنوان «الحمل الأول والحمل الشائع» بقلم الأستاذ سيد علي أكبر حائري.
[14]. دروس في علم الأصول، الحلقة الثالثة، بداية الكتاب بعنوان «الحكم الواقعي والحكم الظاهري».
[15]. المرجع نفسه، بعنوان «وظيفة الأحكام الظاهرية».
[16]. مثل آية الله محمد تقي مصباح يزدي في فلسفة الأخلاق، ص 178.
[17]. انظر: المحاضرات، مباحث في أصول الفقه (تقارير درس آية الله سيد محمد محقق داماد)، بقلم سيد جلال الدين طاهري أصفهاني، الجزء 2، ص 237.
[18]. انظر: الفصلية بحوث أصولية، خريف 81، ص 11، مقال «نظرية حق الطاعة»، من محمد صادق لاريجاني.
[19]. انظر: المرجع نفسه، ص 27، مقال «حديث الساعة حول نظرية حق الطاعة»، من سيد علي أكبر حائري.
[20]. سيد محمود هاشمي، بحوث في علم الأصول، الجزء 4، ص 233.
[21]. دروس في علم الأصول، الحلقة الأولى، تحت «العنصر المشترك بين النوعين».
[22]. انظر: سيد كاظم حائري، مباحث الأصول، الجزء 1، ص 476 ـ 570؛ الشيخ حسن عبد الستار، بحوث في علم الأصول، الجزء 8، ص 308 ـ 363.
[23]. انظر: سيد محمود هاشمي، بحوث في علم الأصول، الجزء 7، ص 9.
[24]. انظر: المعالم الجديدة، ص 46 ـ 98.

