بحث في مراتب الحكم التكليفي

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: پژوهشی در مراتب حکم ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

المؤلف: حسین بهادر

مقدمة

من المواضيع التي تحظى بأهمية خاصة في علم الأصول والتي تحمل نتائج مهمة إلى حد ما، مسألة «مراتب الحكم التكليفي» التي في بعض الحالات يكون الحل الوحيد لمشكلاتها هو الالتزام بوجود مراحل ومراتب للحكم. ومن الواضح أن النقاش حول مراحل الحكم التكليفي يختلف عن النقاش في «حقيقة الحكم التكليفي»، وقد يؤدي الخلاف في بحث حقيقة الحكم التكليفي في بعض الحالات إلى اختلاف في المراتب أو تفسير خاص لكل من هذه المراتب.

الغرض الرئيسي من هذا المقال هو دراسة مسألة مراتب الحكم التكليفي وحالات استخدامها في المناقشات الأصولية، مع الإشارة إلى تفسير «حقيقة الحكم» في الحالات التي يؤدي فيها الحكم إلى تفسيرات مختلفة لمراتبه.

يمكن القول إن أول من أولى هذه المسألة اهتمامًا كافيًا أكثر من غيره وناقشها وحقق فيها بشكل نسبي أوسع، وكذلك حاول الاستفادة منها في حل بعض مشكلات علم الأصول، هو المرحوم «آخوند خراساني». وهذا لا يعني أن هذه المسألة لم تكن مطروحة في كلام الأصوليين قبله، بل كما سيأتي، فقد أشار إليها الشيخ الأنصاري في بعض المواضع، لكن التحقيق فيها محصور في المرحوم آخوند. على سبيل المثال، في نقاش إمكانية التعبد بالظن في مبحث «الجمع بين الحكم الحقيقي والظاهري» في الرد على اعتراض مثلين (في الحالات التي يكون فيها الحكم الظاهري مخالفًا للحكم الحقيقي) أقر بتعدد المراتب للحكم وقال: في الحالات التي يُقام فيها الحكم الظاهري على خلاف الحكم الحقيقي، فإن ما هو واجب الامتثال للمكلف الفعلي هو الحكم الظاهري، والحكم الحقيقي لا يكون فعليًا.[1]

ومن الواضح أن الشيخ الأنصاري يستطيع أن يرد على هذا الاعتراض بقبوله مرتبة فعلية وأخرى غير فعلية للحكم. ولكن كما قيل، فقد ناقش صاحب كفاية الأصول هذا الموضوع تفصيلاً، ولذلك نبدأ نحن أيضًا النقاش بنقل وتحقيق كلامه. وعلى الرغم من أن صاحب كفاية الأصول استخدم مسألة مراتب الحكم التكليفي في عدة مباحث[2] وأشار إلى بعض مراتبها، إلا أن النقاش الشامل والموسع في تعريف وتقسيم كل مرتبة منها طرحه في هامش على رسائل الشيخ تحت عنوان درر الفوائد في الحاشية على الفرائد.

وكذلك في فوائد الأصول طرح عدة مسائل أصولية وفقهية تحت عنوان «فائدة» وأشار أحيانًا إلى نقاش مراتب الحكم التكليفي في بعض هذه الفوائد.

كلام المرحوم آخوند في درر الفوائد[3]

يذكر آخوند في نقاش الجمع بين الحكم الحقيقي والظاهري للحكم التكليفي أربع مراحل، ثم يرد على اعتراض هذا النقاش مع مراعاة هذه المراتب. كلامه كما يلي: «بعد أن يخرج الحكم من طور العدم ويدخل طور الوجود، يكون له في هذا الطور مراتب. المرحلة الأولى هي مرتبة يكون فيها الحكم مجرد شأنية واقتضاء للوجود، دون أن يكون هذا الاقتضاء موجودًا بالفعل. المرحلة الثانية هي أن المشرع يصدر هذا الحكم، لكنه لأسباب معينة لا ينفذه؛ أي لا توجد إرادة ولا كراهية تجاهه بأي وجه.

المرحلة الثالثة هي أن المشرع بعد وجود الاقتضاء وإصدار الخطاب، يكون له بعث وزجر فعلي تجاهه، دون أن يصل الحكم إلى مرحلة تجعل مخالفتها تستحق العقاب. بمعنى آخر، دون أن يكون الحكم منجزًا عليه. المرحلة الرابعة هي أن الحكم بالإضافة إلى امتلاكه المراتب السابقة يصل إلى مرحلة التنجز واستحقاق العقاب ـ في حال المخالفة ـ.

ثم يقول المرحوم آخوند: ليس من المستبعد أن نقول إن الأحكام قبل بعثة النبي الكريم (ص) كانت في المرحلة الأولى (الاقتضاء)، لكن وجود مانع أو فقدان شرط حال دون إصدارها. وكذلك في المرحلة الثانية التي صدر فيها الحكم، لم يكن هناك إرادة وكراهية للبعث والزجر تجاهه. وهذا مشابه لغالب الأحكام في صدر الإسلام التي بقيت في مرحلة الإصدار بسبب عدم استعداد الناس لقبولها، ثم تدريجيًا مع استعداد الناس تعلق بها البعث والزجر والإرادة والكراهية ووصلت إلى المرحلة الثالثة. وبعد ذلك، إذا علم المكلفون بالحكم عن طريق العلم أو العلم (الأدلة المعتبرة)، يصل الحكم إلى مرحلته الرابعة التي هي التنجز واستحقاق العقاب.

لتوضيح النقاش بشكل كامل، من الضروري أن نبحث هذه المراتب تفصيلاً هنا ونذكر الاعتراضات المتعلقة بكل مرتبة منها.

ومن الضروري التنويه إلى أنه لا خلاف في الأصل على وجود هذه المراتب الأربع، بل الخلاف في تعداد هذه المراتب كمراتب للحكم، حيث ذكر بعضهم ثلاث مراحل، وبعضهم مرحلتين، وبعضهم مرحلة واحدة فقط.

أ) مرحلة الاقتضاء

يستفاد من كلام المرحوم آخوند أنه في هذه المرحلة وكذلك في مرحلة الإصدار، لا يكون الحكم قائمًا على الملاك، ولذلك فإن ذكر مرحلة الاقتضاء كواحدة من مراتب الحكم لا يعني بيان حقيقة وواقع الحكم في هذه المرحلة، بل المقصود وجود شأن أو شأنية لوجود الحكم يُطلق عليها مرحلة الاقتضاء.

بالطبع، المرحوم آخوند في فوائد الأصول[4]‌ له تعبير في المرحلة الأولى، وكما أشار المرحوم الأصفهاني[5]‌، فإن هذا التعبير تعبير مسامح. يقول في الفائدة الثامنة: “المرتبة الأولى للحكم هي «ثبوته بمجرد ثبوت مقتضيه من دون إنشائه وتشريعه»”. كما يُلاحظ، ظاهر هذا التعبير أن الحكم في المرحلة الأولى هو نوع من الثبوت، وإن كان ثبوتاً بالعرض. ولكن هذا تعبير مسامح، وبالتعبير الأدق، كما قال المرحوم الأصفهاني، هو ما ورد في درر الفرائد عن هذه المرحلة: «أولها: أن يكون له شأنه من دون أن يكون بالفعل بموجود أصلاً»[6]. ففي هذا التعبير ينفي وجود أي وجود للحكم في هذه المرحلة.

الإشكال في وجود مرتبة الاقتضاء للحكم

مع ذلك، بعض العلماء الكبار مثل المرحوم بروجردي[7] والسيد الإمام[8] اعترضوا على وجود مثل هذه المرحلة للحكم، وملخص قولهم أن المصلحة والمفسدة هما سبب تحقق الحكم؛ أي أنه متى وُجدت مصلحة أو مفسدة في فعل ما، فإن تلك المصلحة والمفسدة هي التي تُحقق الحكم بالنسبة لذلك الفعل، فلا ينبغي اعتبارها من مراحل الحكم.

تفسير إثبات مرحلة الاقتضاء للحكم

بعضهم فسّر وجود مرحلة الاقتضاء للحكم على النحو التالي:

1ـ كما ورد في المعقول، كل مقتضٍ في مرتبة مقتضيه موجود بطريقة مناسبة، وإن لم يكن بوجود مناسب لذاته، بل بوجود مناسب للمقتضى، لذا صحيح أن الوجود أصلاً من نصيب المقتضى، لكن وجود المقتضى يُنسب إلى المقتضي أيضاً بطريقة اندماجية. لذلك، حيثما وُجدت مصلحة ومفسدة للمقتضى، يكون مقتضى الحكم موجوداً أيضاً.

2ـ كما ورد في المعقول والفلسفة، المقبول له وجود في قابل، لكن وجوداً مناسباً لمرتبة القابل لا للمقبول نفسه، وفي موضوعنا يمكن القول إن المصلحة والمفسدة هما القابل، والوجوب والتحريم هما المقبول، وهذان الحكمان موجودان بوجود مناسب في القابل.

رد المحقق الأصفهاني على التفسيرين المذكورين

بعد نقل التفسيرين لإثبات مرحلة الاقتضاء في كلام المرحوم آخوند، ينتقد المحقق الأصفهاني هذين التفسيرين.

فيما يتعلق بالتفسير الأول يقول: «أن كل مقتضٍ في مرتبة ذاته مقتضيه موجود بطريقة مناسبة مع وجود المقتضى، وإن كان قولاً صحيحاً، إلا أن تطبيقه في موضوعنا محل إشكال؛ لأن هذا الكلام صحيح في المقتضى بمعنى السبب الفاعلي والمانح للوجود، وليس في المقتضى بمعنى السبب الغائي، ومن الواضح أن المصلحة والمفسدة في موضوعنا ليستا سبباً فاعلياً لوجود الحكم، بل هما مجرد دافع للموّلَى للحكم. بمعنى آخر، وجود المصلحة والمفسدة في فعل ما يجعل المولى يأمر أو ينهى، فالمصلحة والمفسدة ليستا موجودتين الآن في الخارج، بل هما غاية حكم المولى، وتصورهما الذي يدفع المولى إلى الأمر والنهي هو السبب الغائي للحكم، لذلك لا ينطبق ما نقل من الفلسفة على موضوعنا.

أما التفسير الثاني فهو غير مكتمل؛ لأن القابل الذي يوجد فيه المقبول بوجود مناسب هو القابل الذي له استعداد مادي لقبول المقبول. بمعنى آخر، هذا التفسير صحيح في المادة والصورة، حيث الصورة هي المقبول، وليس في الاستعداد الماهوي، ولا يمكن في موضوعنا القول إن المصلحة «في سبيل المادية والترقي إلى الصورة الحكمية» مثل الوجوب.

نعم، يمكن القول إن الصلاة مثلاً لها استعداد ماهوي، وبأدائها يتحقق المرجع المؤمن، لذا الصلاة لها استعداد ماهوي للوجوب، ولكن في هذه المرحلة يوجد فقط استعداد وشأنية الحكم، وليس وجود الحكم نفسه، ولذلك من الأفضل التعبير عن ذلك بأنه ثبوت مقتضٍ وليس ثبوت حكم».[9]

بعض الأساتذة قبلوا نقد المرحوم الأصفهاني للتفسير الثاني، لكنهم رفضوه بالنسبة للتفسير الأول، بقولهم: أولاً، إن طرح مسألة المصلحة والمفسدة في المرحلة الأولى من مراتب الحكم (الاقتضاء) ونسبتها إلى المرحوم آخوند هو قول خاطئ؛ لأن آخوند لم يذكر المصلحة والمفسدة في هذه المرحلة إطلاقاً، وهذا واضح من عبارته في هامشه على الرسائل في بيان المرحلة الأولى، وكذلك من كلامه في فوائد الأصول. ثانياً، كلام المحقق الأصفهاني، رغم أنه يرد التفسير الأول، إلا أنه لا ينفي تماماً أن المقتضى في مرتبة وجود مقتضيه بمعنى السبب التام مع وجود مناسب لتلك المرحلة موجود، ومع اعتبار أننا قلنا إن كلام المرحوم آخوند لا يتضمن المصلحة والمفسدة كأسباب غائية لتحقيق الحكم، يمكن القول إن الحكم في هذه المرحلة موجود بوجود السبب الفاعلي نفسه، وهو الله تعالى.

ب) مرحلة الإنشاء

المرتبة الثانية التي ذكرها المرحوم آخوند للحكم هي مرتبة إنشاء الحكم ووجود إنشائي لحقيقة الحكم. ولتوضيح هذه المرحلة ووجود الإنشاء للحكم، نورد رأي المرحوم آخوند في هذا الشأن:

فاعلم أن الإنشاء هو القول الذي به إيجاد المعنى في نفس الأمر لا الحكاية عن ثبوته وتحققّه في موطنه من ذهن أو خارج… والمراد من وجوده في نفس الأمريّة هو ما لا يكون بمجرد فرض الفارض لا ما يكون بحذائه شيء في الخارج بل بأن يكون منشأ انتزاعه فيه مثلاً ملكية المشتري للمبيع قبل إنشاء التملك.. والبيع بصيغته لم يكن له ثبوت أصلاً إلا بالفرض كفرض الإنسان جماداً والجماد إنساناً وبعد ما حصل لها خرجت عن مجرد الفرض وحصلت لها واقعية ما كانت بدونه. وبالجملة لا نفي من وجودها بالصيغة إلا مجرد التحقيق الإنشائي لها الموجب مع الشرائط لنحو ووجدها الحاصل بدونها من الأسباب الاختيارية كحيازة المباحث أو الاضطرارية الإرث وغيره.[10]

توضيح الموضوع: في باب حقيقة الإنشاء، طرحت أربع نظريات عامة، منها رأي مشهور لدى الأصوليين، ورأي المرحوم آخوند.

الإنشاء في النظرية المشهورة هو إحداث المعنى بواسطة اللفظ في وعاء مناسب لذلك المعنى، بمعنى أنه: عندما يُنشئ المنشئ معنىً ما، فإن ذلك المعنى مهما كان من أنواع المعاني ـ سواء كان من المعاني الواقعية أو المعاني الاعتبارية ـ يُحدث في ذلك الوعاء بواسطة اللفظ؛ فمثلاً إذا أنشأ المنشئ الملكية، وبما أن الملكية أمر اعتباري عقلي، فإن معنى الملكية يُحدث في ذلك الوعاء، ولذلك وفقًا لهذا التفسير، يرون أن المعاني الإنشائية مثل الاستفهام والتمني والترجي لا معنى لها في حق الله تعالى؛ لأن الله إذا أراد أن ينشئ مثل هذه المعاني، يجب أن يخلقها في عالم مناسب وهو عالم الواقع، وإحداثها في عالم الواقع يحتاج إلى أسباب تكوينية، وهذا مستحيل في حق الله تعالى؛ لأنه لا يكون فاقدًا لشيء ليتمناه أو يرجوه، لذا يجب اعتبار الاستفهامات والتمنيات الصادرة من جهة الله مجازًا.

وقد فسّر المرحوم الآخوند هذه الإشكالية، أي عدم تصور بعض الإنشائيات في حق الله، بحقيقة الإنشاء بطريقة أخرى، فقال: «الإنشاء هو إحداث المعنى بواسطة اللفظ في نفس الأمر لا في وعاء مناسب لذلك المعنى»، وعرّف عالم «نفس الأمر» كما يلي:

المقصود به ليس العالم الخارجي، لأنّه قد يكون في بعض الحالات نسخ ذلك المعنى الذي نريد إحداثه بواسطة اللفظ ليس من قبيل الأمور الخارجية. بالإضافة إلى أن العقل لا يقبل أن يكون اللفظ سبب وجود أمر في الخارج، ومن هنا يتضح أن المقصود بنفس الأمر لا يمكن أن يكون العالم الذهني أيضًا؛ لأن العقل لا يقبل أن يكون اللفظ بحد ذاته سبب وجود معنى في الذهن. وهذا الانتقال الذي يحدث عند سماع الألفاظ بالنسبة لمعانيها لا علاقة له بعلة اللفظ لوجود المعنى في الذهن، بل هذا الانتقال بسبب ملازمة وضعية بين تصور اللفظ وتصوّر المعنى. وعلاوة على ذلك، إذا كان هذا الانتقال ناشئًا عن علة اللفظ لوجود المعنى في الذهن، فمن الواضح أن هذا الأمر لا يختص بالألفاظ الإنشائية، بل هو جاري في جميع الألفاظ الموضوعة. إذن المقصود بنفس الأمر هو حد ذات الشيء، وأن نقول الكلام الإنشائي «قول قصد لثبوت المعنى» يعني ثبوت معنى ذلك في وعاء لا علاقة له بالمفترض. كما أن ثبوت الزوجية للعدد أربعة ذاتي مقابل ثبوت الزوجية للعدد خمسة الذي هو متصور بمجرد الفرض، ودور اللفظ هنا هو منشأ انتزاع ومورد اختراع مثل هذا المعنى، وهذا المنشأية للانتزاع للفظ هي بسبب الوضع. غاية الأمر أن المنشأية الشيئية لانتزاع أمر منه تكون أحيانًا حقيقية وأحيانًا وهمية، وفي حالتنا هذه من النوع الثاني.[11]

ثم يقول المرحوم الآخوند في الاستمرار: إنّ خصائص هذا الوجود الإنشائي هي خصائص المنشئ وتمييز اللفظ له، وإن كان ذلك المعنى قد لا يتميّز لوجود آخر مثل وجوده الخارجي.

وبالتالي، قد ينشئ المنشئ صيغة طلب طلبًا، مع أنه ليس طالبًا حقيقيًا (خارجيًا) وإنما ينشئه لوجود دافع آخر. وكذلك الحال بالنسبة للصفات الأخرى القائمة بذاتها مثل الاستفهام والتمني والترجي التي يمكن إحداثها بهذا الوجود الذي ذكرناه (الوجود الإنشائي)، حتى وإن لم يكن لها مصداق في الخارج. ومن هنا تُرفع الإشكالية التي كانت مطروحة في إنشاء هذه المعاني في حق الله تعالى.[12]

وهنا من الضروري التنبيه إلى نقطة مهمة، وهي أن المرحوم الآخوند في إنشاء بعض الأمور الاعتبارية مثل العقود والإيقاعات قال: بعد أن تُحدث هذه الأمور في نفس عالم النفس الأمر وتكتسب وجودًا إنشائيًا كما تقدم، تصبح مؤهلة لأن تكون منشأ انتزاع الاعتبارات التي تترتب شرعًا أو عرفًا عليها[13]، وهذا يختلف عن النظرية المشهورة التي تقول إنه بمجرد أن ينشئ المنشئ مثلاً الملكية، يُحدث ملكية اعتبارية في ظرف الاعتبار العقلي. وهذا الكلام يختلف عن كلام المرحوم الآخوند، وكما قال بعض الأصوليين، فإن لكل من النظريتين نتائج مهمة تختلف، وذكرها هنا خارج موضوع بحثنا.

ومن الأمور المهمة الأخرى التي يجب ذكرها حول مراد المرحوم الآخوند من المرتبة الثانية للحكم، وهي مرحلة الإنشاء، أن المرحلتين السابقتين، وهما مرحلة الاقتضاء ومرحلة الإنشاء، تفتقران إلى المعيار وروح الحكم، وكلا المرحلتين أو على الأقل الأولى (الاقتضاء) تدخل في «ما سكت الله عنه رحمة منه على العباد». كما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام:

إِنَّ اللَهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَدَّ حُدُوداً فَلَا تَعْتَدُوهَا وَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تَنْقُصُوهَا وَ سَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ وَ لَمْ يَسْكُتْ عَنْهَا نِسْيَاناً فَلَا تَتَكَلَّفُوهَا رَحْمَةً مِنَ اللَهِ لَكُمْ.[14]

والنتيجة من هذا أن هاتين المرحلتين تفتقران إلى روح ومعيار الحكم، فإذا حصل للمكلفين علم تفصيلي أو إجمالي بالحكم في هاتين المرحلتين، فلا يلزم موافقته حتى لا يكون مخالفته موجبًا للعقاب.[15]

النتائج المترتبة على حكم الإنشاء في نظر الآخوند

بعد شرح مراد المرحوم الآخوند في مرتبة الإنشاء، يجب الانتباه إلى أن المرحوم الآخوند استخدم وجود هذه المرحلة للحكم في بعض المواضع، وبعبارة أخرى، اعتبر أن السبيل الوحيد للخلاص من بعض الإشكالات هو الالتزام بوجود مرحلة الإنشاء للحكم. ومن هذه المواضع:

1ـ في مشكلة التصويب واشتراك الأحكام بين العالم والجاهل في بحث الأجزاء والاجتهاد والتقليد[16]، صرح بأن اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل يكون فقط في مرحلة الإنشاء وليس في مرحلة الفعل.

2ـ في بحث الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي وحلّ المشكلات مثل نقض الغرض وتفويت المصلحة وإلصاق المفسدة واجتماع الضدين، يقول: كل هذه المشكلات تكون حين نعتقد أن الحكم الواقعي في حكم الظاهري الحالي، ولكن إذا قلنا إن الحكم الواقعي في موارد الحكم الظاهري إنشائي، تُحلّ كل هذه الاعتراضات.[17]

وبالطبع لم يقبل المرحوم آخوند في بحث الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري في كفاية الأصول هذا التعبير القائل بأن الحكم الواقعي في موارد الحكم الظاهري إنشائي، بل اعتبر الفعليّة معلقة، ويبدو أنه يرى اشتراك ومرحلة الحكم الواقعي في موارد الحكم الظاهري في هذه المرتبة من الفعليّة المعلّقة.[18] سنشير مستقبلاً في شرح مرتبة الفعليّة إلى هذا التعبير للمرحوم آخوند الذي يفرق بين نوعين من الفعليّة (الفعليّة المعلّقة والفعليّة القطعية).

3ـ ثمرة أخرى لوجود مرحلة الإنشاء هي التفريق بين الثواب والعقاب، بمعنى أن الفاعل للحكم الإنشائي يستحق الثواب، لكن استحقاق العقاب يختص فقط بالمخالفة للحكم الفعلي الحالي، والمخالفة للحكم الإنشائي لا تستوجب العقاب.[19] عبارة آخوند في الأمر الأول من مباحث القطع هي:

«.. وإن كان ربما يوجب موافقته استحقاق المثوبة..».

رغم أن تعبير «ربما» في هذه العبارة تسبب في وجود خلافات بين الشارحين[20] والمنتقدين لكلام آخوند، إلا أن الأصل في أن المرحوم آخوند كان يقصد بيان الفرق بين الثواب والعقاب في الحكم الإنشائي، وهذا لا مجال للشك فيه.

4ـ من كلمات آخوند يُستفاد أيضاً أنه في الحالات التي يكون فيها تحقق الفعليّة للحكم معلقاً على تحقق شروط، إذا كان الحكم قد أنشئ سابقاً، فعند تحقق الشروط يصل الحكم إلى المرحلة الثالثة ولا حاجة لإعادة الإنشاء ثم الوصول إلى الفعليّة.[21] وهذه الثمرة واضحة جداً في الموالى العرفي، لأنه قد يغفل المولى عند تحقق شروط الفعليّة، ولكن بما أنه أنشأ الحكم سابقاً، يصبح الحكم تلقائياً فعلياً.

ج) مرحلة الفعليّة

المرحلة الثالثة التي بيّنها المرحوم آخوند للحكم هي مرتبة الفعليّة. وبما أن آخوند يعتبر المرحلتين السابقتين خاليتين من المقياس وحقيقة الحكم، فإن هذه المرحلة تحظى بأهمية خاصة، لأنها تحتوي على المقياس الحقيقي وروح الحكم.

عبارة آخوند في تفسير هذه المرحلة هي:

«الثالثة ثبوته به (إنشاء) مع فعليّة البعث أو الزجر من دون قيام الحجة عليه فلا يكون على مخالفته استحقاق ذمّ من العقلاء ولا عقوبة من المولى».[22]

توضيح ذلك: يقول آخوند إنه بعد أن أنشأ المولى الحكم وأعطاه وجوداً إنشائياً، يأتي دور أن يكون له بعث وزجر فعلي عند تحقق شروط مثل استعداد الناس، والمراد من البعث والزجر هو الإرادة والكراهة، كما يتضح من تعريفه للأمر والنهي. هنا من الضروري ذكر كلام آخوند في كيفية نشوء الإرادة والكراهة عند المولى. يقول في بحث إمكانية التعبد بالظن: «في المبدأ الأعلى الذي هو الله تعالى، لا يُتصور وجود إرادة أو كراهة، بل في المبدأ الأعلى يكون العلم بالمفسدة والمصلحة دائماً موجوداً. لذلك إذا كان في الفعل مصلحة أو مفسدة ملزمة، فإن الله تعالى يبلغ الحكم الناشئ عن تلك المصلحة أو المفسدة بواسطة الوحي أو الإلهام إلى النبي 9 أو الولي 8، وبعد ذلك تُفتح الإرادة والكراهة في نفس النبي والولي، مما يؤدي إلى تحقق الفعليّة لذلك الإنشاء الإلهي.»[23]

خلاصة كلام آخوند أن ذلك البعث والزجر (الإرادة والكراهة) الذي يؤدي إلى وصول الحكم إلى المرتبة الثالثة، يحدث دائماً في نفس النبي 9 والولي 8، وليس في المبدأ الأعلى الذي هو الله تعالى.

ثم يشير المرحوم آخوند إلى أمر مهم ويقول: «إن القول بوجود تعارض بين أحكام التكليف يكون حين تصل الأحكام إلى هذه المرحلة، أي مرحلة الفعليّة، أما ما دام الحكم في المرحلتين السابقتين فلا يتعارض أبداً مع حكم آخر.»[24]

وبما أن المرحوم آخوند يرى حقيقة الحكم في المرتبة الثالثة، ويفسرها بالبعث والزجر، وبعبارة أخرى بالإرادة والكراهة، يمكن بسهولة نسبته إليه بأنه يرى حقيقة الحكم في الإرادة والكراهة لا غير. وهذه نقطة مهمة يجب الانتباه إليها عند الرد على بعض الاعتراضات التي وُجهت إلى المرحوم آخوند.

الأمر الذي أشرنا إليه سابقاً ووعدنا بمناقشته في هذه المرحلة هو أن المرحوم آخوند في بحث الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري ذكر جواباً ثالثاً[25] لمشكلة التعارض ونقض الغرض، وهو التزامه بأن الحكم الواقعي في موارد الحكم الظاهري ليس إنشائياً صرفاً، بل له فعليّة معلقة.[26] في الواقع، بهذا القول غيّر المرحوم آخوند مراتب الحكم من أربع إلى خمس مراحل؛ أي بعد مرتبة الاقتضاء والإنشاء، أقر بمرحلة الفعليّة المعلّقة ثم مرحلة الفعليّة القطعية، ثم مرحلة التنجّز، أو كما يقول المرحوم بروجردي، يمكن تسمية المرحلة الثالثة «فعليّة قبل التنجّز» والمرحلة الرابعة «فعليّة مع التنجّز».[27]

رغم أن ما دفع المرحوم آخوند إلى تقسيم الفعليّة إلى قسمين هو حلّ الاعتراضات التي يراها على قول من يرى أن الحكم الواقعي في موارد الحكم الظاهري إنشائي محض، إلا أن مقتضى التحقيق أن هذا التقسيم تقسيم شكلي ولا يحمل تبريراً صحيحاً، كما قال المرحوم محقق أصفهاني:

إذا كانت حقيقة الحكم هي الإرادة والكراهة ـ كما نسبناها سابقاً إلى المرحوم آخوند واستفدناها بسهولة من كلامه ـ فلا يمكن تصور وجود فردين من الإرادة أو الإرادة والكراهة في موضوع واحد بشكل معقول. وإذا قيل إن للحكم الفعلي مراتب ودرجات، مع أن كل تلك المراتب تحمل مقياس الفعليّة ومناط حقيقة الحكم، فمن الواضح أن هذا القول يعيد نفس مشكلة اجتماع مثلين وضدين التي حاول آخوند تفاديها بهذا التقسيم.[28]

بعد ذكر الإشكال السابق، شرع تحقيق أصفهاني بنفسه في تقديم تبرير لهذا التقسيم قائلاً: قد يُقارب كلام آخوند على النحو التالي، وهو أن الحكم الحقيقي (وهو الإنشاء بداعي الجعل لا بدواعٍ أخرى) وإن لم يكن قبل الوصول مصداقاً للبعث والزجر الفعلي بأي وجه، إلا أنه يمكن إطلاقه إطلاقاً فعلياً بمعنى آخر، وهو أن نقول إن الحكم قبل الوصول فعلي؛ بمعنى أن كل ما كان بيد المولى وتحت تصرفه قد تحقق، وإذا انقطع الحكم عن مثل هذا الأمر أو ثبت عليه حجة، فإنه كما يتحول إلى بعث فعلي يصل أيضاً إلى مرحلة التنجز.[29]

وفي الحقيقة، توصية هذا المحقق هي أن نقبل ثنائية مراحل مرتبة الفعليّة، ولكن في مرحلة واحدة منها التي يسميها آخوند الفعليّة المعلّقة، نعتبر الفعليّة بمعنى الفعليّة من قبل المولى، وفي المرحلة الأخرى وهي الفعليّة القطعيّة، نعتبر الفعليّة بمعنى الفعليّة من جميع الجهات التي تقوم على الوصول.

وبهذا التبرير لا يبقى مجال لمرحلة «التنجز» التي هي آخر مرحلة في كلام آخوند؛ لأن الفعليّة من جميع الجهات ستكون مساوية لتلك المرحلة التنجزية، وما ورد في كلام بعض الأساتذة ـ دام ظلهم ـ من أن المرحلتين، أي مرحلة الفعليّة من جميع الجهات ومرحلة التنجز، رغم تزامنهما زمنياً، إلا أن من حيث المرتبة تكون مرحلة الفعليّة من جميع الجهات أسبق من مرحلة التنجز، لا معنى له.

كلام تحقيق أصفهاني حول التناقض بين الأحكام

كما لاحظنا، أشار المرحوم آخوند في شرح مراده من مرتبة الفعليّة إلى أن في هذه المرحلة يحدث تناقض بين الأحكام التكليفيّة؛ لأن في هذه المرحلة تتعلق الإرادة والكراهة بالحكم ـ الفعل ـ، وبالتالي لا يمكن أن يكون هناك إرادة لفعل ما وكراهة من فعله في وقت واحد؛ لأن الإرادة والكراهة تتجمعان في زمان واحد.

وقد أبدى بعض العلماء الكبار مثل تحقيق خوئي اعتراضات على هذه المسألة المتعلقة بالتناقض بين الأحكام التكليفيّة في المرحلة الثالثة التي ذكرها آخوند، ولكن كما سنرى لاحقاً، فإن كل هذه الاعتراضات أساسية، بمعنى أن المختار عند أمثال المرحوم خوئي في باب حقيقة الحكم هو أن حقيقة الحكم أمر اعتباري ـ اعتبار الشيء من الفعل أو الترك في ذمة المكلف ـ وليس أمراً حقيقياً مثل الإرادة والكراهة كما يقول المرحوم آخوند، لذا فإن الأحكام في حد ذاتها لا تتناقض مع بعضها البعض، بل إن التناقض بينها يكون إما من جهة المبدأ الذي هو المصلحة والمفسدة (أو بمعنى آخر المحبوبة والمكروهة) أو من جهة المنتهى وهو مقام الامتثال، وبسبب عدم قدرة المكلف على الجمع بين المتنافيين، تتناقض الأحكام مع بعضها البعض.[30]

لكن في هذا السياق، حتى بناءً على مذهب آخوند في حقيقة الحكم الذي يراه إرادة وكراهة المولى، أبدى المرحوم تحقيق أصفهاني إشكالاً على مسألة التناقض بين الأحكام التكليفيّة قائلاً: «التحقيق في هذا المقام هو أن: حديث تناقض الأحكام التكليفيّة، رغم كونه أمراً مشهوراً، إلا أن هذا القول لا يحمل معنى محصلاً بأي وجه، سواء قلنا إن حقيقة الحكم بعث وزجر اعتباري عقلي، أو قلنا إن حقيقة الحكم إرادة وكراهة نفسية؛ لأن التناقض والتطابق من صفات الحالات الخارجيّة للأمور العينيّة، والحكم بالنسبة إلى متعلقاته، مهما كانت حقيقة الحكم، ليس كذلك… .

أما إذا كان الحكم عبارة عن الإرادة والكراهة، فالإرادة والكراهة، رغم كونهما من الصفات الخارجيّة والمقولات الحقيقيّة، فإن اجتماع المثليْن أو المتضادين ممتنع، إما بسبب قيام هاتين الصفتين بالنفس باعتبارها موضوعاً لهما، أو بسبب قيامهما بالفعل باعتباره متعلق هذه الصفات.

وإذا كان الاجتماع من حيث النفس التي هي موضوع هاتين الصفتين، فمن الواضح أن موضوع التطابق والتناقض هو فقط الجسم والجسماني، أي الواحد بالعدد، وليس النفس التي هي أمر بسيط ومجرد؛ لأن النفس ليست مثل الجسم بحيث تكون البياض قائمًا على جزء منه والسواد قائمًا على جزء آخر، لذا لا شبه في قيام إرادتين أو إرادة وكراهة بالنسبة إلى فعليْن، فلا مانع من اجتماع النفس التي هي موضوع هاتين الصفتين. وإذا كان المانع من اجتماع الإرادة والكراهة هو متعلقهما وهو الفعل الخارجي، فإن هذا القول أيضاً فيه إشكالات من وجوه عدة؛ لأن أولاً: الفعل بما هو موجود خارجياً ـ أي بعد مصداقيته للعنوان الموجود ـ لا يتصف بالوجوب أبداً؛ لأن هذا أمر بديهي أن الفعل بعد وجوده في الخارج يسقط الطلب عنه، وبعبارة أخرى، الخارج هو ظرف سقوط التكليف لا ظرف ثبوته.

ثانياً: لا يعقل أن تتعلق الإرادة والكراهة النفسانية التي موضوعهما النفس بالخارج؛ لأن ذلك يستلزم وجود نفسانية خارجية أو خارجية نفسانية، وكلاهما محال التحقيق.

ثالثاً: البعث ومبدأه أي الإرادة التشريعية موجودان حتى وإن لم يكن الفعل فعلياً موجوداً، فكيف يعقل أن تكون الإرادة المحققة متشخصة بشيء لا يتحقق ولا يتحقق أصلاً.

وبعد هذا البيان، يتضح أن امتناع اجتماع حكمين، خلافاً لما هو مشهور عند الجمهور، ليس بسبب معيار التناقض والاجتماع المثلي، بل المانع من الاجتماع إما صدور كثير من واحد إذا كانت إرادتان وبعثان ناتجتان عن داعٍ واحد، أو المانع صدور واحد من كثير إذا كانت الإرادتان من طريقين مختلفين.

وبعبارة أخرى، بما أن الإرادة سبب للحركة إلى المراد، فإذا افترضنا داعياً واحداً للإرادة، فإن انبعاث إرادتين منه في القوة هو صدور سببين من سبب واحد، وهذا محال، وإذا كان الغرض متعددًا، فمقتضاه صدور حركة من سببين مستقلين، وهذا أيضاً محال».[31]

كما تم التوضيح، كان المرحوم الأصفهاني يسعى إلى إثارة الإشكال على كلام المرحوم الآخوند حتى بناءً على مذهب الآخوند نفسه في باب حقيقة الحكم، ومن هنا يظهر النزاع في كلام بعض العلماء[32] مثل المحقق الخوئي الذين قبلوا مسألة التضاد بين الأحكام وفق مذهب الآخوند.

هل التضاد بين الأحكام موجود فقط في مرحلة الفعل؟

هنا من الضروري دراسة المسألة من هذا الجانب: هل بافتراض قبول كلام المرحوم الآخوند الذي يرى أن التضاد بين الأحكام يكون في المرحلة الثالثة فقط (وبصرف النظر عن إشكال المحقق الأصفهاني) فلا يوجد تضاد في المراحل الأخرى على الإطلاق، كما يبدو من ظاهر كلام الآخوند بل وصريحه، أم أنه يمكن تصور التضاد بين الأحكام في المراحل الأخرى أو على الأقل في بعض المراحل الأخرى؟

يظهر جواب هذا السؤال من التدقيق في ما سبق؛ لأننا كما قلنا، يرى بعض العلماء أن التضاد بين الأحكام محقق في المرحلة الأولى والرابعة، وذلك بالتعبير التالي:

في مرتبة الإلزام، أو بمعنى أصل الحكم، فإن اجتماع حكمين مثل الوجوب والتحريم يعني اجتماع المصلحة والمفسدة في موضوع الحكم دون أي نقصان أو انكسار، وهذا من قبيل اجتماع ضدين وهو محال، وكذلك اجتماع الإباحة مع الوجوب أو التحريم؛ لأن لزوم مثل هذا الاجتماع هو وجود مصلحة ملزمة وعدمها في الشيء الواحد، أو وجود مفسدة ملزمة وعدمها في الشيء الواحد، وهذا معناه اجتماع نقيضين وهو محال. أما في مرتبة التنفذ، أو بمعنى النهاية ومقام الامتثال، فإنه بسبب عدم تمكّن المكلف من امتثال كلا الحكمين، يظهر في حكم العقل لزوم الامتثال تنافي وتضاد؛ مثلاً إذا اجتمع الوجوب والتحريم، فإن العقل من جهة يوجب الفعل لامتثال الوجوب، ومن جهة أخرى يوجب الترك لامتثال التحريم، وإذا اجتمع الوجوب والإباحة، فإن العقل من جهة يوجب الفعل، ومن جهة أخرى لا يصدر حكم بالنسبة للفعل أو الترك. وكذلك إذا اجتمع التحريم والإباحة، فإن العقل يوجب الترك ولا يصدر حكم بالنسبة للفعل أو الترك، وكل هذا محال. وبعبارة أخرى، إذا وصل كلا الحكمين إلى المكلف، وإذا كان كلاهما إلزامياً (وجوب أو تحريم) فإن لزوم ذلك هو حكم العقل باستحقاق العقاب على الفعل والترك، وعدم استحقاق العقاب على الفعل في الواجب، وعدم استحقاق العقاب على الترك في الحرام؛ استحقاق العقاب على الفعل لأنه ارتكاب حرام، واستحقاق العقاب على الترك لأنه ترك واجب، وعدم استحقاق العقاب على الفعل لأنه فعل واجب، وعدم استحقاق العقاب على الترك لأنه ترك حرام. وإذا كان أحد الحكمين إلزامياً، فإن لزوم ذلك هو حكم العقل باستحقاق العقاب على الفعل أو الترك وعدم استحقاقه على الآخر، وكل هذه الوجوه محال.[33]

أما بالنسبة لمرحلة الإنشاء، هل يمكن تصور تضاد بين الأحكام فيها أم لا؟ فقد قيل إنه في هذه المرحلة لا يوجد تضاد بين الأحكام؛ لأن الإنشاء أمر خفيف المشقة. طبعاً يرى المرحوم الآخوند أن حكم الإنشاء بلا روح ولا معيار حقيقي للحكم (الإرادة والكراهة)، ويعتقد أنه في هذه المرحلة توجد المصلحة والمفسدة للحكم، وبناءً على ما ذكر، يوجد تضاد بين المصلحة والمفسدة، لكن بعضهم في تصور التضاد في هذه المرحلة قالوا: إذا قبلنا في باب حقيقة الإنشاء رأي صاحب الكفاية أو المحقق الأصفهاني، فلن يكون هناك تضاد بين الأحكام في مرحلة الإنشاء، ولكن إذا قبلنا النظرية المشهورة التي تقول إن الإنشاء هو إيجاد المعنى بواسطة اللفظ أو استعمال اللفظ في المعنى بقصد التسبب في تحقق الاعتبار العقلي، فيمكن القول بوجود تضاد في مرحلة الإنشاء أيضاً؛ لأن الاعتبار لكل من الحكمين في آن واحد مستحيل. والاختلاف في الأمر هو في منشأ هذا الاستحالة، هل بسبب وجود تضاد أم لسبب آخر. لذلك لا يمكن استعمال اللفظ في المعنى بقصد التسبب في الاعتبار العقلي؛ لأن الاعتبار العقلي لكل من الحكمين غير محقق أصلاً ليقصد به.[34]

ثم يضيف هذا القائل: «الحق في باب الإنشاء مع النظرية المشهورة، لذا في هذه المرحلة أيضاً يوجد تضاد.»

وبالطبع كما هو واضح، فإن التحقيق في صحة هذا الأمر أولاً يعتمد على دراسة هذه النظرية في باب حقيقة الإنشاء، وثانياً في نسبة هذه النظرية إلى المشهور، وكل ذلك خارج عن هدف هذه المقالة. والنقطة الجديرة بالذكر هنا أن القائل المذكور رغم تفضيله رأي المشهور في هذا النقاش وكذلك في نقاش الخبر والإنشاء، لكنه في نقاش مستقل في باب مراتب الحكم، لتجنب إشكال مهم سنذكره لاحقاً، اعتبر مذهب صاحب الكفاية هو المرجح، وهذا تناقض في كلامه.[35]

خلاصة القول أنه رغم احتمال تصور مسألة التضاد بين الأحكام في المرحلة الثانية للحكم وفق مبانٍ أخرى في باب حقيقة الإنشاء، إلا أن الثابت، والذي أشار إليه القائل المذكور نفسه، هو أنه بناءً على رأي الآخوند في باب الإنشاء، فإن هذه المسألة غير متصورة، وكما قال المرحوم الآخوند نفسه، فإن الإنشاء خفيف المشقة.[36] نعم، يمكن القول إن التضاد بين الأحكام متصور حتى بناءً على رأي الآخوند نفسه في المرحلتين الأولى والرابعة، وكان من المناسب أن لا يخص الآخوند مسألة التضاد بالمرحلة الثالثة فقط.

وإذا قيل: بما أن المرحلة الأولى مثل المرحلة الثانية، وفق مذهب الآخوند، تخلو من روح ومعيار الحكم، فلماذا لم يذكر تضاد الأحكام في تلك المرحلة؟ فالجواب أولاً: إن هذا القول إذا كان صحيحاً فهو ينطبق فقط على المرحلة الأولى وليس على المرحلة الرابعة؛ لأن وفق مذهب الآخوند، الحكم من المرتبة الثالثة فصاعداً هو الذي له روح وحقيقة الحكم، وبالبيان السابق يمكن تصور التضاد في المرحلة الرابعة أيضاً.

ثانيًا: حتى وفقًا لمبنى الآخوند يجب عليه في المرحلة الأولى أيضًا أن يعترف بالتضاد بين الأحكام؛ لأنّه كما يُستفاد من كلمات الآخوند، بل يمكن القول إنها صريحة في كلامه، هذه المراحل الأربع كلها جزء من مراتب الحكم، وليس أن يكون أحدها مقدمة والآخر لازمة للحكم ـ مثل مرحلة التنجز ـ. لذلك، بناءً على أي تفسير جعل الآخوند مرحلة الاقتضاء جزءًا من مراحل الحكم بما هو حكم، يجب عليه وفقًا لنفس التفسير أن يلتزم بالتضاد بين الأحكام في هذه المرحلة.

إشارة موجزة إلى المبادئ المختلفة في باب حقيقة الحكم التكليفي

كما تقدم، كانت حقيقة الحكم في نظر المرحوم الآخوند هي «الإرادة والكراهة التي تنفتح في النفس النبوية والولوية».

النظرية الثانية هي نظرية المحقق الأصفهاني الذي يرى أن حقيقة الحكم التكليفي هي «الإنشاء بداعي الجعل داعي» دون أن يكون من الضروري وجود إرادة وكراهة في المبدأ الأعلى وكذلك في سائر المبادئ العليا؛ لأن الشوق النفسي للعمل يظهر عندما يستفيد جوهر ذات الفاعل أو إحدى قواه من الفعل. فإذا كان حصول الشوق الأكيد لا بد أن يكون بالنسبة لفعل غير، فهو صحيح في حالة أن يستفيد المريد من الفعل غير، وبما أن صلاح وفساد أفعال المكلفين يعود دائمًا إلى المكلف نفسه لا إلى المبدأ الأصلي ولا إلى سائر المبادئ العليا (النفس النبوية والولوية)، فلا يمكن أن تكون حقيقة الحكم إرادة وكراهة.[37] بالطبع، بعضهم لم يقبل هذا الاستدلال للمرحوم الأصفهاني، وفي بيان كيفية انقضاء الإرادة والكراهة في النفس النبوية والولوية وتصوير عودة المصلحة إليهما قالوا: في المبدأ الأعلى، رغم أن هذا القول تام ولا توجد إرادة وكراهة أو عودة مصلحتية، إلا أنه يمكن تصوير عودة المصلحة إلى النبي 9 والولي 8؛ ولو أن ذلك بسبب كمال الامتياز المنسوب إليهما؛ كما في الحالات التي تكون فيها المصلحة في الفعل موجودة فقط لـ «الابن» ولكن بسبب أن القيام به يؤدي إلى الكمال، يظهر الشوق في نفس «الأب».[38]

النظرية الثالثة في باب حقيقة الحكم هي نظرية المحقق الخوئي الذي قال إن حقيقة الحكم التكليفي هي «اعتبار الشارع الفعل على ذمة المكلف» وأن صيغ الأمر وما شابهها وُضعت للتعبير عن هذا الاعتبار النفسي. إذًا، الحكم ليس إرادة وكراهة؛ لأن الإرادة بمعنى الاختيار وممارسة سلطة المولى بصفته مولا مستحيل أن تتعلق بالفعل العبد بما هو عبد.[39]

د) مرحلة التنجز

المرحلة الرابعة والأخيرة التي ذكرها المرحوم الآخوند للحكم التكليفي هي مرحلة التنجز وحقيقة الحكم. وعبارة الآخوند في شرح هذه المرحلة هي: «الرابعة ثبوته به مع قيام الحجة عليه، فيستحق على مخالفته العقوبة» أي في هذه المرحلة تُطرح مسألة العقاب على مخالفة التكليف. بمعنى أنه إذا قامت حجة على التكليف (علم أو علمي) وبعبارة أخرى وصل الحكم، فإذا خالفه المكلف يستحق العقاب.

في هذه المرحلة أيضًا، كما في المراتب السابقة، أُثيرت بعض الاعتراضات من قبل العلماء، ومن بينها الاعتراضات التي طرحها المرحوم البروجردي وحضرة الإمام (قدس سره). ومن مجموع كلمات المرحوم البروجردي يمكن استخراج اعتراضين على هذه المرحلة:

الاعتراض الأول

مرحلة التنجز ليست في الحقيقة جزءًا من مراحل الحكم؛ أي ليس الأمر أن حقيقة الحكم في هذه المرحلة وصلت إلى مرتبة أقوى، بل بسبب اقتران الحكم بأمر خارجي خارج حقيقته، وهو العلم أو ما يقوم مقامه، يصل الحكم إلى هذه المرتبة.[40] وبعبارة حضرة الإمام (قدس سره) هذه المرحلة من لوازم الحكم وليست من حقيقته.

رد المحقق الأصفهاني

المرحوم الأصفهاني في ردّه على الاعتراض السابق يبرره هكذا: وضع هذه المرحلة من درجات الحكم مع أن الحكم بقي على الدرجة والمرتبة التي تحققت سابقًا ولم يرتقِ إلى درجة أخرى من حيث الوجود، هو بسبب مراعاة هذه النقطة أن ما تم أمره من جهة المولى وأخذ حظه الوجودي بالكامل، لم يصل إلى حد يُستخلص منه عنوان «إنه منجز» قبل هذه المرحلة، ووصول الحكم إلى حد يمكن من خلاله انتزاع هذا العنوان هو علامة على نشوء ثبوته.[41]

الاعتراض الثاني

الاعتراض الآخر للمرحوم البروجردي هو أن هذه المرحلة لا توجد في جميع الأحكام التكليفية، بل توجد فقط في بعض تلك الأحكام، أي الأحكام الإلزامية (الوجوب والحرمة).

الرد

هذا الاعتراض رغم كونه واردًا، إلا أنه يمكن القول إن الدلائل التالية تشير إلى أن مراد المرحوم الآخوند من ذكر هذه المراحل للحكم، خصوصًا مراتب الحكم الإلزامي:

أ) من دراسة كلمات علماء الأصول والفقه في أبواب مختلفة يتضح أن غرضهم الأساسي من الأحكام الإلزامية هو خصوص المنجزات.

ب) من عبارة «فيستحق على مخالفته العقوبة» التي نقلناها في بداية شرح هذه المرحلة، يتضح أن مسألة استحقاق العقاب في حالة المخالفة هي من آثار الأحكام الإلزامية.

ج) يكتب في فوائد الأصول: «إن العلم مطلقًا ولو كان إجماليًا إذا تعلق بالإلزام المولوي في المرتبة الثالثة يوجب تنجزه..».[42]

وكذلك، ذكر المرحوم الآخوند هذه المراحل لجميع الأحكام التكليفية؛ لأنه في درر الفوائد قال: «المرحلة الرابعة هي أن يكون للحكم بالإضافة إلى كل ما كان في المرحلة السابقة (مرحلة الفعليّة) من خصائص، منجزية وحيثية استحقاق العقاب أيضًا». وفي تفسير المرحلتين الثانية والثالثة قال: «ثانيها أن يكون له وجود إنشاء من دون أن يكون له بعث أو زجر أو ترخيص، ثالثها أن يكون له ذلك مع كونه كذلك فعلاً». بذكر كلمة «ترخيص» في المرحلة الثالثة وإضافة هذه النقطة أن الحكم في المرحلة الرابعة بالإضافة إلى ما في المرحلة الثالثة يتمتع بالتنجز، يُستنتج أن الحكم غير الإلزامي (الترخيص) له أيضًا مرحلة التنجز.[43]

لكن في تبرير هذه العبارة يمكن القول إنه في هذا الموضع أيضًا قد بيّن المرحوم آخوند في تفسير المرحلة الرابعة مسألة استحقاق العقاب، والتي يمكن أن تكون دليلاً على أن ذكر كلمة «أو ترخيص» هو تساهل.

كما يمكن تبرير مسألة العقاب في كلمات المرحوم آخوند بطريقة تتوافق مع مخالفة الأحكام غير الإلزامية ـ وإن كان هذا التبرير مخالفًا للظاهر ـ وهو أن العقاب في مخالفة الأحكام غير الإلزامية يعني عدم الوصول إلى الكمال المرغوب من العمل بها. وبالطبع هذا التبرير لا ينطبق على الإباحة، لأنها لا تتصور فيها كمال مرغوب، ولكن يمكن القول إن الإباحة بالتأكيد خارجة عن بحث المرحوم آخوند؛ لأن المرحوم آخوند يرى أن في مرتبة الفعليّة والتنجز هي ذاتها الأحكام في مرتبة الإنشاء التي تصل إلى الفعليّة والتنجز، فلا يمكن بالتالي القول إن الإباحة لها فعليّة وتنجز.

بعد شرح وتوضيح كلام المرحوم آخوند في بحث مراتب الحكم وكذلك الإشكالات التي أُثيرت من قبل العلماء الكبار تجاه هذا التقسيم، بات من الضروري الإشارة إلى التقسيمات التي أجراها علماء آخرون لمراتب الحكم. وهنا نبدأ ببيان رأي المحقق الأصفهاني في مراتب الحكم.

مراتب الحكم من وجهة نظر المحقق الأصفهاني

لقد أبدى المحقق الأصفهاني إشكالات على تقسيم المرحوم آخوند، وفهم دقيق لهذه الإشكالات يعتمد على فهم جميع المراحل الأربع التي ذكرها المرحوم آخوند للحكم، لذا سنعرضها في نهاية البحث حيث يتضح فيها رأي المحقق الأصفهاني في مراتب الحكم.

جوهر إشكال المحقق الأصفهاني هو أنه يرى وجود مرتبة الفعليّة كمرتبة مستقلة غير منفصلة عن مرحلتي الإنشاء والتنجز، فيقول إن مرحلة الفعليّة إما أن تلحق بمرحلة الإنشاء وتكون عينها، أو تكون عين مرحلة التنجز. وشرح ذلك: «إذا كان المقصود من مرحلة الفعليّة والحكم الفعلي هو الفعلي من جانب المولى، فإن هذه الفعليّة تعني شيئًا غير مرتبة الإنشاء، وإذا كان المقصود من الحكم الفعلي هو الفعلي بالمطلق ومن جميع الجهات، فإن هذه الفعليّة تقوم على الوصول وتوازي مرحلة التنجز. إذن المراتب في كل الأحوال ستكون ثلاثًا.»

ثم في بيان وتوضيح كيف تكون الفعليّة من جانب المولى عين مرتبة الإنشاء قال: «الإنشاء إذا كان بلا أي دافع، فهذا الإنشاء عقلاً مستحيل للحكيم، لأنه إنشاء لغو، وإذا كان الإنشاء بدافع غير دافع الجعل مثل دافع التهديد أو التمني أو غير ذلك، فهذا الإنشاء لا يكون في أي حال من الأحوال مصداقًا للحكم، ولا ينبغي أن يُحسب من مراحل الحكم، بل هذا الإنشاء مصداق للتهديد أو التمني… وإذا كان الإنشاء بدافع دافع الجعل، فهذا الإنشاء عين الفعلي من جانب المولى، لأن المراد من الفعليّة من جانب المولى هو هذا بالذات.»[44]

بعضهم حاول تبرير كلام المرحوم آخوند ووجود مرحلة الفعليّة كمرحلة مستقلة عن مرحلتي الإنشاء والتنجز فقالوا: قد يكون الإنشاء بدافع دافع الجعل، لكن ليس الآن، بل بافتراض تحقق شرط خاص، وبهذا البيان أولًا، لا يكون الإنشاء بلا دافع أو بدافع غير دافع الجعل، فيُرفع بذلك إشكال اللغو وعدم وجود مثل هذا الإنشاء ـ إذا كان بدافع غير دافع الجعل ـ في مراحل الحكم، وثانيًا، هذا الإنشاء لن يكون عين الفعليّة أيضًا، لأن الحكم الإنشائي بعد تحقق شروط فعليته يُولد له إرادة جديدة، وبعد وصوله بطريقة (علم أو علمي) يصل إلى مرحلة التنجز، فيكون بذلك ثلاث مراحل: الإنشاء والفعليّة والتنجز.»[45]

لكن هذا الجواب على إشكال المرحوم الأصفهاني، كما قال بعض الأساتذة، لا يمكن أن يدفع الإشكال؛ لأن الحكم صحيح أنه أنشئ بدافع دافع الجعل، لكنه ليس الآن، لأنه معلق على تحقق شرط خاص. ولكن يمكن القول إن الحكم في هذه الحالة هو فعلي من جانب المولى، لأن تحقق الشرط والتقدير لا علاقة لهما بالمولى بما هو مولى، لذا لم يتحقق التفريق بين الإنشاء والفعليّة. ومن المثير أن المحقق الأصفهاني نفسه كان على علم تام بهذه النقطة، ففي بحث الواجب المشروط من تعليقاته على كتاب الكفاية قال:

وسيجيء إن شاء الله تعالى في محله أن تمام ما بيد المولى ـ في مقام البعث والزجر ـ هو الإنشاء بداعي جعل الداعي. وأما اتصافه بكونه باعثًا أو زاجرًا بمعنى ما يمكن أن يكون كذلك، فهو غير مقوم لحقيقة الحكم الذي بيد المولى إيجاده، فتوقف اتصافه على وصوله عقلاً أو على قيد أخذ فيه شرعًا وإن كان موجبًا لترقي الحكم من درجة الإنشاء إلى درجة الفعلية، إلا أنه أمر أخرج عما كان أمر بيد المولى والفرض دفع توهم: إلا أن هذا المعنى الإنشائي المنطبق عليه البعث التقديري، ليس من الحكم الشرعي وأنه لا ثبوت للحكم بأي معنى كان.[46]

رأي المرحوم المحقق بروجردي في باب مراتب الحكم

كما لوحظ سابقًا ضمن شرح كلمات المرحوم آخوند، فقد اعترض المرحوم بروجردي على مرحلة الاقتضاء والتنجز التي أدرجها المرحوم آخوند ضمن مراتب الحكم، لذا فقد قال بنفسه في بيان مراتب الحكم ما يلي:

«التحقيق أن الحكم لا يكون إلا في مرتبتين: مرتبة شأنيّة ومرتبة فعليّة، وذلك بالتالي: الحكم هو الإنشاء الصادر بداعي بعث وزجر (وليس الإنشاء المجرد من هذين الداعيين)، ومن البديهي أنه ما دام لم يتحقق العلم بهذا الإنشاء فلا يحصل البعث ولا الزجر. إذن، غرض المولى من هذا الإنشاء لا يمكن أن يكون حصول البعث مثلاً من نفس الإنشاء، بل غرضه أن يكتسب العبد العلم به فينبعث، ومن جهة أخرى، لا يمكن أن يكون غرض المولى من الإنشاء صدور فعل من العبد بداعي الاحتياط أو بدواعي أخرى؛ لأن لو كان الغرض من الإنشاء هذا لكان لازماً أن يكون وجود وعدم الإنشاء متساويين في حصول هذا البعث. إذن، تأثير هذا الإنشاء في نفس العبد يكون حين يكتسب العلم به، وفي هذه المرتبة أي بعد تعلق العلم، تتحقق حقيقة الحكم وهي السببيّة والزجريّة، وإن كان قبل تعلق العلم كان لدينا حكم لأن الإنشاء كان بداعي البعث. إذن، الحكم الشأني هو الإنشاء الصادر بداعي البعث مع عدم تعلق العلم بالمكلّف به، والحكم الفعلي هو نفس ذلك الإنشاء بعد أن يتبين للمكلّف ويكتسب القدرة على التأثير في نفسه».[47]

وفيما يخص هذا الكلام، يجدر القول: إنّ نفس الاعتراض الأول لهم على المرتبة الرابعة أي مرتبة التنجز عند المرحوم الآخوند، ينطبق أيضاً على المرحلة الثانية من كلامهم.

نظرية المحقق العلامة الشيخ هادي الطهراني في مراتب الحكم

هذا المحقق الكبير الذي يُعتبر من تلامذة الشيخ الأعظم الأنصاري، ويتقدم على المرحوم الآخوند من حيث إدراك محضر الشيخ، في كتابه النفيس محجة العلماء الذي ألفه في علم الأصول وطرح فيه تعليقاً على رسالة الشيخ، يقول في علاقة بمراتب الحكم التكليفي ما يلي:

«الحكم الشرعي له ثلاث مراحل: المرحلة الأولى هي ثبوت الحكم للواقعة؛ المرحلة الثانية هي تعلق الحكم بالشخص؛ والمرحلة الثالثة هي مرحلة تنجز الحكم على المكلف، بمعنى أن الحكم وصل إلى درجة أنه إذا خالفه صار معصية محققة ويستحق المكلف العقاب».

ويضيف قائلاً: «المتكفل لبيان المرحلة الأولى من الحكم هو علم الفقه؛ لأن الفقه مقام إثبات الأحكام بواسطة الأدلة التفصيلية. وكذلك المتكفل لبيان المرحلة الثانية هو علم الفقه أيضاً؛ لأن الشارع هو الذي يمكنه، بالإضافة إلى الشروط التي يعترف بها العقل في تعلق الحكم بالمكلّفين مثل العقل والقدرة، أن يقر شروطاً أخرى لتعلق الحكم بالأشخاص؛ مثل اعتبار الشارع للبلوغ في تعلق أحكامه.

وما يُفترض في الأصول من هذه المراحل هو المرحلة الثالثة نفسها وهي مرحلة تنجز الحكم، وكذلك مجال النقاش في الأصول هو موانع تنجز التكليف».[48]

ثم يذكر أيضاً مسألة تتعلق بالمانع من وصول الحكم إلى التنجز، وهي حالياً ليست موضوع نقاشنا.

كلام العلامة سيد علي بهبهاني في شرح نظرية الشيخ هادي الطهراني

العلامة المحقق سيد علي بهبهاني، وهو من المعاصرين لنا وأفضل شارح لكلمات الشيخ هادي، بعد أن اختار هو أيضاً نظرية الشيخ هادي في باب مراحل الحكم، يشرحها قائلاً:

«حقيقة الحكم التكليفي أمر سابق على الطلب والخطاب والإرادة. بمعنى آخر، الحكم التكليفي ليس إرادة المولى أو خطاباته، بل حقيقة الحكم التكليفي تقوم على تحيث الواقعة بإحدى الحيثيات الخمس: الوجوب، الحرمة، الكراهة، الاستحباب، والإباحة في نظر المولى، بحيث إذا سألنا المولى عن تلك الواقعة فإنه إما يبعث عليها أو يزجر عنها أو يبيحها، ولو لم توجد في نفس المولى إرادة عقلية. إذن، الطاعة والعصيان يدوران حول تحيث الواقعة وليس حول الإرادة والطلب، والدليل على أن حقيقة الحكم التكليفي ليست إرادة هو: إذا فهم عبد من حال مولاه أنه إذا سُئل عن إنقاذ ولده أو إكرام ضيفه أو قتل عدوه فإنه يأمر بذلك، ومع ذلك ترك هذه الأعمال، فمن البديهي في عرف الناس أن هذا العبد عاصٍ بلا عذر ولا يمكنه أن يقول إن مولاي لم يكن لديه طلب أو إرادة في هذه الأمور، لأن هذه الواقعة لم تخطر في ذهنه أصلاً».

ويجدر بالذكر أن تحيث الوقائع بإحدى الحيثيات الخمس في نظر المولى، إذا كان المولى حكيماً وأخذ حكمته في حكمه بعين الاعتبار، يكون دائماً مرتبطاً بالمصالح والمفاسد.

وبعد أن تتضح حقيقة الحكم التكليفي، نذكر الآن مراحله التي هي:

المرحلة الأولى هي مرحلة التحقيق، وفيها لا يشترط بأي حال وجود المكلف في الخارج أو توافر شروط التعلق التي سنذكرها لاحقاً.

المرحلة الثانية هي مرحلة التعلق؛ أي تعلق الحكم بالأشخاص وأصبحوا طرف الارتباط بالحكم الشرعي. في هذه المرحلة وجود المكلف في الخارج أمر ضروري وله شروط هي: البلوغ والعقل والأهلية.[49] وهذه شروط عامة لتعلق التكليف، بمعنى أنه في تعلق أي حكم بالمكلّفين يجب وجود هذه الشروط الثلاثة، ولكن قد يكون لتعلق بعض الأحكام بالمكلّفين شروط أخرى اعتبارها الشارع، مثل وجوب الحج الذي بالإضافة إلى الشروط الثلاثة المذكورة، اعتُبر فيه الاستطاعة شرطاً.

وأمر آخر هو أن مسألة «القضاء» دائماً مترتبة على هذه المرحلة؛ أي أنه عندما يصبح القضاء العملي واجباً على المكلف، يكون الحكم قد تعلق بالفعل بهذا الفعل. بمعنى آخر، وجوب القضاء يدل دائماً على تعلق الحكم بالمكلّف، وهذا لا يتعارض مع كون القضاء أمرًا جديدًا وليس أمرًا أولياً؛ لأن معنى القول بأن القضاء أمر جديد وليس أمرًا أولياً هو أنه لو لم يكن الأمر الثاني لما ثبت القضاء على الأمر الأول، وليس أن الحكم القضائي حكم جديد، وإلا لما كان فرق بين الأداء والقضاء.

المرحلة الثالثة هي مرحلة تنجز الحكم، ولها الشروط التالية: العلم والانتباه والقدرة التامة وعدم الانشغال بالأهمّ.»

في الختام يقول المرحوم بهبهاني: ترتيب المراحل المذكورة وانفصال كل قسم عن الآخر أمر واضح ويتضح بدقة عند النظر في الشروط المعتمدة في كل منها والآثار المترتبة على تلك الشروط.[50]

هنا قد يقول البعض: إن المرحوم شيخ هادي ذكر القدرة كأحد الشروط العامة لوقوع التكليف، بينما أوردها المرحوم بهبهاني كأحد شروط مرحلة التنَجُّز، وهذا اختلاف بينهما في شروط كل من المرتبتين المذكورتين. لكن هذا القول غير مكتمل، وبالدقة في كلام المحقق بهبهاني يتضح الرد عليه؛ لأن الشرط في مرحلة التنَجُّز كما أشار هو ليس القدرة المطلقة، بل إذا كان المكلف يمتلك قدرة تامة يُنَجَّز الحكم عليه، أما القدرة التي ذكرها المرحوم شيخ هادي ضمن شروط مرحلة التعلق فهي القدرة بالمعنى العام، مقابل العجز التام؛ بمعنى أنه كما لا يقع الحكم على المجنون والصبي، كذلك لا يقع الحكم على من هو عاجز تماماً عن القيام بأي عمل ولا يملك أي قدرة، وهذا ما يقر به المرحوم بهبهاني أيضاً، وإن لم يذكره في شروط مرحلة التعلق.

رأي المرحوم محقق نائيني ومحقق خوئي

ملخص رأي هذين المحققين في موضوع مراتب الحكم هو أن الحكم لا يزيد على مرتبتين: الأولى هي مرحلة الجعل والإنشاء بداعي البعث والتحريك على نحو القضية الحقيقية، بمعنى أنه في هذه المرحلة يُنشأ الحكم للموضوع المقدّر الوجود. كما في قول الله تعالى: (وَلِلّٰهِ عَلَى اَلنّٰاسِ حِجُّ اَلْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)[51]، حيث يُنشأ حكم وجوب الحج للمكلف البالغ العاقل المستطيع، وهذا الجعل والإنشاء لا يعتمد بأي حال على وجود مثل هذا المكلف في الخارج؛ أي إذا لم يوجد في الخارج أي مكلف بهذه الصفات، يبقى الحكم كذلك منشأً للموضوع المقدّر الوجود. وما نعنيه بقوله إن الحكم في هذه المرحلة جعل على نحو القضية الحقيقية هو أن موضوعه غير موجود بالفعل في الخارج.

هنا يجب أن ننتبه إلى أن المقصود من القضية الحقيقية عند هذين المحققين، كما عرفها محقق نائيني، هي ثبوت وصف أو حكم على عنوان معين باعتباره مرآة ومنظاراً لأفراد ذلك العنوان. لذا فهي تنطبق على أفراد مختلفة، على عكس القضية الخارجية التي فيها يثبت الوصف أو الحكم على موضوع وعنوان خاص بحيث لا يتعدى ذلك الوصف أو الحكم إلى غير ذلك الشخص، حتى لو كان مماثلاً له في الصفات. يقول محقق نائيني في هذا الصدد:

القضية الخارجية عبارة عن ثبوت وصف أو حكم على شخص خاص بحيث لا يتعدى ذلك الوصف والحكم عن ذلك الشخص إلى غيره وإن كان مماثلاً له في الأوصاف، ولو فرض أنه ثبت ذلك المحمول على شخص آخر كان ذلك لمجرد الاتفاق من دون أن يرجع إلى وحدة الملاك والمناط، بل مجرد المقارنة الاتفاقية.. وأما القضية الحقيقية فهي عبارة عن ثبوت وصف أو حكم على عنوان أخذ على وجه المرآتية لأفراده المقدرة الوجود، حيث إن العناوين يمكن أن تكون منظرة لمصاديقها ومرآة لأفرادها سواء كان لها أفراد فعلية أو لم يكن، بل يصح أخذ العنوان منظرة للأفراد وإن لم يتحقق له فرد في الخارج لا بالفعل ولا فيما سيأتي.. .

بعد مرحلة الجعل التي تُعد المرحلة الأولى، تأتي المرحلة الثانية وهي مرحلة الفعليّة، والمقصود بالفعليّة عند هذين المحققين غير التفسير الذي كان للمرحوم آخوند، الذي اعتبرها إرادة وكراهة. المقصود من مرتبة فعليّة الحكم هو تحقق الموضوع في الخارج وكمال القيود التي أُخذت فيه؛ أي في مثال وجوب الحج، إذا وُجد في الخارج مكلف مستطيع، يتحقق الحكم فعلياً.

النقطة التي يؤكد عليها أصحاب هذا الرأي، والتي في بعض الحالات تحل عدة مشكلات، هي أنه في المرحلة الثانية أي مرحلة الفعليّة لا يحدث أي تغيير في ذات الحكم باعتباره حكماً، بل يبقى الحكم كما كان في المرحلة السابقة أي مرحلة الجعل، والتغيير الوحيد هو في موضوع الحكم وقيوده التي تتحول من مرتبة الافتراض والتقدير إلى مرتبة الفعليّة والوجود الخارجي.

في ختام شرح هذا الرأي، من الضروري الإشارة إلى أن البعض قد يسأل: ما هي المرتبة الأولى وفق هذا الرأي؟ وبعبارة أخرى، ما الفائدة من جعل الحكم على موضوع مقدّر الوجود قبل تحقق الموضوع وقيوده في الخارج؟

يجيب محقق خوئي على هذا السؤال قائلاً:

ولا نلتزم بعدم ترتب أثر على الحكم الإنشائي بهذا المعنى بل له أثر مهم وهو جواز الإفتاء به. فإن المجتهد إذا علم بصدور الحكم من المولى وإنشائه في مقام التشريع له الإفتاء به، وإن لم يبلغ مرتبة الفعلية، فيفتي بوجوب الحج على المستطيع وإن لم يكن المستطيع موجوداً.. .[52]

وباختصار، فإن فائدة وجود هذه المرحلة (مرحلة الجعل) هي جواز الإفتاء للمجتهد.[53]

تحقيق اصفهاني بناءً على المبدأ الذي اعتمده في مراتب الحكم، يوجه هذا الاعتراض على كلام المحقق النائيني: «فعالية الموضوع، رغم أنها تدخل في فعالية الحكم، إلا أن هذه المشاركة ليست بمستوى السبب التام؛ أي ليس الأمر أن مجرد تحقق الموضوع في الخارج يؤدي وحده إلى فعالية الحكم، بل بالإضافة إلى تحقق الموضوع، فإن وصول الحكم، وبعبارة أدق، إمكانية الوصول إليه، تدخل في تحقق وفعالية الحكم. وبالطبع، ربط فعالية الحكم بالوصل أمر عقلي لا شرعي».[54]

اعتراض الشهيد صدر على كلام المحقق النائيني

الشهيد الصدر يناقش كلام المحقق النائيني في موضوع مراتب الحكم وتقسيمه إلى مرحلتين: الجعل والمجعول ـ الإنشاء والفعالية ـ ونتيجة مناقشته هي: «المقارنة بين القضايا المشروعة المجعولة والقضايا الحقيقية الخارجية غير صحيحة؛ لأن في القضايا الحقيقية الخارجية صحيح أن لدينا مرحلتين: الأولى مرحلة إنشاء الحكم، والثانية مرحلة تحقق وفعالية ذلك الحكم في الخارج بتحقق موضوعه. أما في القضايا المشروعة المجعولة، فمثل هذا القول غير صحيح؛ بل في هذه القضايا، الحكم الذي يوجد في طول جعل واعتبار الشارع لا وجود له خارج نفس جعل الشارع ـ لا يوجد حكم فعلي ـ وليس الأمر أن بعد تحقق الموضوع في الخارج، يتحقق حكم في الخارج خارج عن الجعل؛ لأن المراد من هذا الوجود الثاني ـ غير الجعل ـ إذا كان وجودًا خارجيًا فهو باطل واضح، وإذا كان وجودًا اعتباريًا في نفس المولى، فمن الواضح أنه عند تحقق الموضوع في الخارج لا يظهر شيء في نفس المولى، بل أحيانًا يكون المولى غافلًا ولا يعلم بتحقق موضوع جعله في الخارج، فكيف يظهر شيء في نفسه».[55]

ثم يوضح كلامه قائلاً: «ما المقصود من قولكم إنه عند تحقق الموضوع في الخارج، يصل الحكم إلى الفعالية؟ هل المقصود أن عندما يوجد الموضوع في الخارج يتحقق المجعول الحقيقي لذلك القضية الكلية (جعل الإنشاء)؟ أم أن المقصود أن العلاقة بين هذا المجعول وتلك القضية الكلية هي علاقة سبب ومسبب، وعلاقة مقتضٍ ومقتضى، وأن تحقق الموضوع الخارجي شرط لفعالية ذلك؟

إذا كان المقصود هو الخيار الأول، فهذا يتضمن كلامًا باطلاً؛ لأننا نعلم أن جعل الشارع أمر اعتباري نفسي ذات إضافة، مثل سائر الأمور ذات الإضافة النفسية كالحب والعلم.

في هذه الأمور، الإضافة داخل في حاق ذاتها، وليست أمرًا عارضًا، لذا لا يمكن تصورها بدون الإضافة. لذلك، المجعول بالذات (المجعول الحقيقي) هو عين الجعل، كما أن المعلوم والمحبوب بالذات هما عين العلم والحب. وبالطبع، يمكن تصور أمر خارجي هنا ونسميه مجعولًا، لكن يجب أن نعلم أن هذا الأمر ليس مجعولًا حقيقيًا بل مجعولًا بالعرض ومجازًا. وإذا كان المقصود هو الخيار الثاني ـ أن علاقة الجعل والمجعول هي علاقة مقتضٍ ومقتضى، وأن تحقق الموضوع في الخارج شرط لفعاليته ـ فهذا أيضًا غير صحيح؛ لأن إذا كان المقصود أمرًا خارجيًا يكون مسببًا من جعل الشارع، فمن الواضح أن الأحكام الشرعية ليست من نوع الأمور الخارجية التكوينية، وإذا كان المقصود أمرًا نفسيًا يظهر في نفس الجاعل عند تحقق الموضوع في الخارج، فهذا أيضًا باطل بالضرورة.

لذا، في الأحكام والقضايا المشروعة المجعولة، لا يوجد شيء حقيقي خارجي أو أمر في نفس المولى خارج نفس الجعل يُسمى اصطلاحًا مجعولًا.

نعم، عندما يتحقق الموضوع في الخارج، يصبح قضيتنا المجعولة بالنسبة للعبد فاعلة ومحركة للقيام بالفعل. وهكذا يمكننا في هذا الوقت، مع بعض التساهل، أن نصف الحكم المجعول بالفعلي».

ثم يضيف: «بهذا البيان، ونحن ننكر حقيقة الحكم الفعلي، يحل اعتراض مسألة الشرط المتأخر، وكما لو قبلناه نظريًا وتساهليًا، تصبح مسألة الاستصحاب ببقاء المجعول في نقاش التعارض بين الجعل والمجعول في شبهات الحكيمة صحيحة».[56]

كما يظهر، الشهيد صدر ينكر الحكم الفعلي تمامًا ويعتبره أمرًا وهميًا صرفًا. هنا قد يُطرح سؤال: وفقًا لهذا المبدأ (إنكار الحكم الفعلي خارج حكم الإنشاء)، كيف تُصبح الأحكام ملزمة للمكلفين؟ بمعنى آخر، هل من المعقول أن يُنجز الحكم دون أن يصل إلى مرتبة الفعالية أم لا؟

الشهيد صدر يجيب عن هذا الاعتراض قائلاً:

لقد عرفت أن الأثر الشرعي الفعلي بهذا المعنى أمر وهمي غير واقعي، وليس المنجز هو اليقين بالحكم الفعلي المتولد من اليقين بصغرى الجعل وكبراه، بل الحكم يتنجز بمجرد وصول كبراه وهي الجعل وصغراه وهي الموضوع.[57]

خلاصة قوله هي أنه عندما يكون لدينا قضية كلية مجعولة مثل «كل خمر نجس وشربه حرام» وبعدها نثبت بيقين وجداني أو تعبدي أن «هذا المانع الخارجي خمر»، ليس الأمر أن من ضم الصغرى إلى الكبرى يولد حكم فعلي مجعول كنتيجة، ثم يكون اليقين بذلك الحكم هو ما ينجز الحكم، بل كما رأينا، الحكم الفعلي بهذا المعنى أمر وهمي، والإنجاز الحقيقي هو مجرد إثبات الكبرى والصغرى للجعل.

الشهيد صدر بهذا البيان استطاع أن يجيب عن العديد من الاعتراضات الموجهة إلى مذهب من يقول بوجود حكم فعلي مجعول خارج الجعل، وذكر هذه الحالات خارج هدف هذا المقال.[58]

نظرية الشهيد صدر في مراتب الحكم التكليفي

الشهيد صدر في كتاب دروس في علم الأصول عرض بإيجاز موضوع مراتب الحكم التكليفي وخلص إلى أن الحكم التكليفي له مرحلتان: مرحلة الواقع التي تسمى مرحلة الثبوت، ومرحلة الإظهار والبيان التي تسمى مرحلة الإثبات.

من وجهة نظره، في مرحلة الثبوت توجد ثلاثة عناصر: 1ـ عنصر الملاك وهو وجود المصلحة والمفسدة في الحكم؛ 2ـ عنصر الإرادة الذي يظهر في نفس المولى بحسب مقدار درجة وجود الملاك في الفعل؛ 3ـ عنصر الاعتبار وهو اعتبار الفعل على عاتق وذمة المكلف.

يقول الشهيد صدر في بيان حقيقة العنصر الثالث ما يلي:

والاعتبار ليس عنصراً ضرورياً في مرحلة الثبوت بل يُستخدم غالباً كعمل تنظيمي وصياغي اعتاده المشرعون والعقلاء وقد سار الشارع على طريقتهم في ذلك.

والخلاصة من هذا القول أن الحكم الذي يجب أن يكون موجوداً بالقطع في مقام الثبوت هو العنصران الأول والثاني، بمعنى أنه بدون المصلحة والإرادة، لا يكون للحكم حقيقة وروح؛ أما العنصر الثالث، فهو عنصر دوره في مقام الثبوت دور عامل منظم وصياغي، ومن نتائج هذا الفرق أنه إذا علم المكلف بإرادة المولى تجاه شيء يتضمن مصلحة، فذلك القدر من العلم يكفي لوجوب الامتثال، ولا حاجة بعد ذلك إلى عنصر الثالث لإثبات الاعتبار».[59]

أما حقيقة ودور العنصر الثالث أي الاعتبار، فيقول الشهيد صدر: «عنصر الاعتبار في الحقيقة هو محدد مركز حق الطاعة الذي للمولى على المكلفين؛ أي كما أن للمولى حق الطاعة في الأمور التي يردها، فمن حقوقه أن يحدد ويعين مركز ذلك الحق.

بشكل عام، ليس الأمر كما لو أن المعيار قد اكتمل في شيء ما وانطبقت عليه إرادة المولى، فيلزم الشارع والمولى اعتبار نفس ذلك الشيء على المكلف، بل يمكنه في بعض الحالات أن يوجب على المكلف مقدمات من ذلك الشيء التي يعلم أنها تؤدي إليه. فحق الطاعة في هذه الحالات يكون أولاً منصباً على تلك المقدمات، وإن لم يكن ميل المولى إليها إلا تبعاً».[60]

وقد استعان الشهيد صدر بهذا البيان للرد على الشبهة التالية: المشهور في تعريف الواجب الغيري أنه واجب وجب بسبب واجب آخر.

وقد وُجه اعتراض على هذا التعريف المشهور بأن مقتضاه أن جميع الواجبات تصبح واجبات غيرية؛ لأن الصلاة أيضاً وجبت للتخلص من الفحشاء والمنكر، وهذه الفائدة أيضاً واجبة التحصيل، وكذلك الأمر بالنسبة للواجبات الأخرى بالنسبة للأغراض المترتبة عليها.

وكان رد الشهيد صدر على هذا الاعتراض كما يلي: «التخلص من الفحشاء مع أنه محبوب ومراد الشارع المقدس، إلا أن الوجوب لم يتعلق به، بل الوجوب تعلق باعتبار، وهو الصلاة، وطالما أن الوجوب والاعتبار لم يتعلقا بالفائدة والغرض (التخلص من الفحشاء) فلا يمكن القول إن الصلاة وجبت لأجله».[61]

أما بيان المرحلة الثانية من الحكم، أي مرحلة الإثبات، وفق رأيه فهو كما يلي: «بعد اكتمال مرحلة الثبوت ـ سواءً بكل العناصر الثلاثة أو على الأقل اثنين منها ـ تبدأ مرحلة الإثبات، وهي المرحلة التي يعلن فيها المولى بواسطة جملة خبرية أو إنشائية ما تحقق في مقام الثبوت. وهذا الإعلان أحياناً يكون متعلقاً مباشرة بالإرادة بحيث يقول “أريد منكم كذا”، وأحياناً يكون متعلقاً باعتبار هو كاشف عن الإرادة، مثل قوله (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا). وعندما يتم هذا الإعلان، يكتسب المولى على عبده حق القيام بالفعل، ويستخلص العقل من هذا الإعلان الذي قام به المولى من إرادته بقصد التوصل إلى مراده، عناوين مثل البعث والتحريك.

وبالطبع في كثير من الحالات يُطلق على المعيار والإرادة مصطلح المبادئ للحكم، وهذا يعني أنهم افترضوا أن الحكم هو العنصر الثالث أي الاعتبار».[62]

[1].  فرائد الاصول، ج 1، ص 47.

[2] . لقد استخدم في مباحث أجزاء الحكم الأمر الظاهري من الحقيقي، والواجب المشروط، والتحجري والانقياد، وأخذ القطع بالحكم في موضوع نفس الحكم، والجمع بين الحكم الحقيقي والظاهري… من مناقشة مراتب الحكم التكليفي.

[3] . درر الفوائد، ص 70 ـ 71.

[4] . فرائد الاصول، ص 81.

[5] . نهاية الدراية، ج 3، ص 25.

[6] . درر الفوائد، ص 70.

[7] . نهاية الأصول، ص 395.

[8] . أنوار الهداية، ج 1، ص 39.

[9] . نهاية الدراية، ج 3، ص 24 ـ 25.

[10] . فوائد الأصول، الفائدة الأولى.

[11] . انظر: تحقيق اصفهاني، بحوث في الأصول، قسم الطلب والإرادة، ص 14 ـ 15.

[12] . فوائد الأصول، ص 18.

[13] . كفاية الأصول، ص 87 ـ 88.

[14] . عوالي اللئالي، ج 3، ص 548.

[15] . فوائد الأصول، ص 81 ـ 82.

[16] . كفاية الأصول، ص 81ـ82.

[17] . درر الفوائد، ص 72.

[18] . كفاية الأصول، ص 320ـ321.

[19] . المرجع نفسه، ص 297.

[20] . نهاية النهاية في شرح الكفاية للمحقق الإيرواني، ج 2، ص 15ـ16.

[21] . نهاية الدراية، ج 3، ص 3، ص 27.

[22] . فوائد الأصول، ص 81.

[23] . كفاية الأصول، ص 319ـ320.

[24] . درر الفوائد، ص 71.

[25] . كفاية الأصول، ص 320؛ مع ذلك، حسب تعبير بعضهم، هذا القول الأخير لا يُحتسب جوابًا ثالثًا ومستقلاً عن الأجوبة السابقة، بل هو استدراك على الجواب الثاني.

[26] . آخوند جعل المعلق عليه «العلم».

[27] . نهاية الأصول، ص 396.

[28] . نهاية الدراية، ج 3، ص 73ـ74؛ مع ذلك، المرحوم اصفهاني شكك في صحة هذا التقسيم للحكم الفعلي حتى لو كان حقيقة الحكم بعثًا وتحريكًا اعتباريًا، وقد امتنعنا عن ذكر ذلك.

[29] . المرجع نفسه، ص 75ـ76.

[30] . مصباح الأصول، ج 2، ص 72 و 108.

[31] . نهاية الدراية، ج 2، ص 22ـ25 و 308ـ313.

[32] . محاضرات في أصول الفقه، ج 4، ص 249.

[33] . مصباح الأصول، ج 2، ص 108ـ109.

[34] . منتقي الأصول، ج 3، ص 83ـ84.

[35] . المرجع نفسه، ج 4، ص 98.

[36] . كفاية الأصول، ص 267.

[37] . نهاية الدراية، ج 3، ص 121ـ122.

[38] . منتقي الأصول، ج 4، ص 158.

[39] . للمزيد من الاطلاع على هذا الأساس انظر: محاضرات، ج 2، ص 130ـ131.

[40] . نهاية الأصول، ص 395، أنوار الهداية، ج 1، ص 39.

[41] . نهاية الدراية، ج 3، ص 26.

[42] . فوائد الأصول، ص 83.

[43] . درر الفوائد، ص 70.

[44] . نهاية الدراية، ج 3، ص 27.

[45] . منتقي الأصول، ج 4، ص 95ـ96.

[46] . نهاية الدراية، ج 2، ص 59.

[47] . نهاية الأصول، ص 395ـ396.

[48] . محجة العلماء، ج 1، ص 5.

[49] . المراد من الأهلية هو أن يكون الشخص ذا صفة تمكنه من أن يكون موضوعًا للحكم، لذا فإن الحائض لعدم أهليته لم يُكلف بالصلاة أصلًا.

[50] . مقالات حول مباحث الألفاظ، ص 69ـ71.

[51] . آل عمران: 97.

[52] . مصباح الأصول، ج 2، ص 12.

[53] . لقد اعترض بعضهم على هذه النتيجة بأن ما ينتج عنها هو جواز الفتوى، وأن أثر «العلم» هو على هذا الإنشاء لا على الإنشاء نفسه، ولكن يمكن القول إنه رغم أن جواز الفتوى أثر العلم بالإنشاء، فمن الواضح أنه ما لم يكن هناك إنشاء، فلا معنى لوجود العلم به، فلكفاية عدم لغوية الإنشاء أن يكون جعله كافيًا لأن يؤدي إلى جواز الفتوى عند تعلق العلم به.

[54] . نهاية الدراية، ج 3، ص 133.

[55] . بحوث في علم الأصول، ج 6، ص 133ـ134.

[56] . المرجع نفسه، ج 2، ص 194ـ195.

[57] . المرجع نفسه، ج 6، ص 186.

[58] . للمزيد من الاطلاع انظر: المرجع نفسه، ص 291 و 297ـ298.

[59] . دروس في علم الأصول (مجمع الفكر الإسلامي)، الحلقة الثانية، ص 24ـ25.

[60] . المرجع نفسه (جامعة المدرسين)، الحلقة الثالثة، ج 2، ص 16.

[61] . المرجع نفسه، ص 253.

[62] . المرجع نفسه، الحلقة الثانية، ج 1.