دراسة فقهية واقتصادية للربح المضمون (علي الحساب) في النظام المصرفي بدون ربا (الجزء الثاني)

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: بررسی فقهی و اقتصادی سود تضمین شده (علی الحساب) در سیستم بانکداری بدون ربا (بخش دوم) ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: في البحث الحالي، تم التشكيك في صحة أداء النظام المصرفي، وأُظهر أن نظام المصرفية الإسلامية في إيران — الذي كان تحقيقه الكامل من هموم المفكرين الأساسيين مثل الشهيد صدر — لا سيما في موضوع الربح المضمون (علي الحساب)، على الرغم من الإلغاء الظاهري والشكلي للربا من العمليات المصرفية، في الواقع لم يتحرر من الآثار السلبية لهيمنة الربا. لقد مر أكثر من اثني عشر عامًا على إقرار قانون العمليات المصرفية بدون ربا بهدف طرد الربا من شبكة البنوك في البلاد؛ فهل تحقق هذا الهدف المقدس؟ رغم أن إجابة المنفذين على هذا السؤال إيجابية، إلا أن الدراسات الفقهية والاقتصادية في هذا البحث تثبت العكس.

المؤلف: محمدحسین حسین‌زاده بحرینی

المصدر: پژوهش‌های اجتماعی اسلامی، صيف 1375، العدد 5، ص 179 إلى 210.

لقد رأينا أنه في كل عملية إنتاج، وجود ثلاثة أدوار أساسية هي: مزود التكلفة، والقوة العاملة، وقوة المخاطرة أمر ضروري. لا يتم أي إنتاج في ظروف من اليقين التام. لذلك، القلق، والاضطراب، وتحمل المخاطر، هي شروط لازمة للإنتاج. هذه حقيقة موضوعية، وإنكارها يعني تجاهل أحد المدخلات الضرورية للإنتاج.

المسألة التي ستُناقش وتُدرس في هذا القسم هي: هل في المدرسة الاقتصادية الإسلامية يُؤخذ بعين الاعتبار عنصر المخاطرة كأحد مدخلات الإنتاج التي يمكن أن تشارك في ملكية المنتج الناتج؟

الدافع لطرح هذا النقاش هو نظرية طرحها آية الله الشهيد السيد محمد باقر صدر في كتاب اقتصادنا، حيث أكد فيها أن في الاقتصاد الإسلامي، المخاطرة لا تلعب دورًا. ومن البديهي أن «كون عنصر ما مدخلًا في الإنتاج» و«استحقاق مزود هذا العنصر لكسب الدخل من خلال الإنتاج» وجهان لعملة واحدة؛ فمزود المدخل للعملية الإنتاجية يستحق كسب الدخل من هذه العملية. في المقابل، من لم يزود العملية الإنتاجية بأي مدخل لا يمكنه أن يتوقع الحصول على دخل. يؤكد الشهيد صدر:

«المخاطرة ليست مصدرًا للدخل معترفًا به، وليست مبررًا نظريًا لأي من أنواع الدخل الشرعي.» [1]

هذا القول، الذي ينفي «كون المخاطرة مدخلًا» للإنتاج، سيتم دراسته بالتفصيل في هذا القسم.

دور المخاطرة في الاقتصاد الإسلامي

غالبًا ما يذكر مؤلفو كتب الاقتصاد الإسلامي العمل، ورأس المال، والموارد الطبيعية كعوامل للإنتاج. وبالنظر إلى المعاني التي أوردها كل مؤلف عن هذه المدخلات الثلاثة، يمكن تفصيل عوامل الإنتاج التي يقصدونها كما يلي:

العمل بما في ذلك اليدوي والفكري؛

الإدارة؛

رأس المال على شكل المواد الخام للإنتاج؛

رأس المال على شكل أدوات الإنتاج؛

رأس المال على شكل نقد وائتمان؛

الأرض (بما في ذلك جميع الموارد الطبيعية).

بعض الاقتصاديين الغربيين أيضًا لم يولوا اهتمامًا أو دقة أكبر في تعريف عوامل الإنتاج. أظهرنا في القسم الأول أن اجتماع كل هذه المدخلات شرط لازم للإنتاج، لكنه ليس شرطًا كافيًا. لبدء واستمرار الإنتاج، هناك مدخل آخر ضروري، وهو المسؤول عن تحمل المخاطر المحتملة الناتجة عن الإنتاج. هذا المدخل هو ما أطلق عليه محمد عزيز «مدخل المخاطرة». [2]

رفض الشهيد صدر قبول عنصر «تحمل المخاطرة» كأحد مدخلات الإنتاج، وأعلن بصراحة أن المخاطرة في المدرسة الاقتصادية الإسلامية بلا دور:

«كما يتضح من نظرية التوزيع بعد الإنتاج، فإن المخاطرة ليست مصدرًا للدخل المعترف به، وليست مبررًا نظريًا لأي من أنواع الدخل الشرعي، لأن المخاطرة لا تمتلك صفة السلعة أو رأس المال التي تخول المخاطر مطالبة الغير بالأداء والثمن، ولا هي عمل يُطبَّق على مادة ما ليُطرح حق التملك أو مطالبة الأجرة، بل هي حالة يكون فيها الشخص في وضع يخاف من عواقبها. وهذا الأمر لا يخرج عن حالتين: إما أن يتراجع الشخص عن قراره بسبب الخوف، أو لا. وفي كلتا الحالتين، هو الذي اختار الطريق المحفوف بالمخاطر وبإرادة حرة يقبل الخسائر المحتملة، لذا طالما أن قرار الشخص لم يتحقق في الواقع الخارجي ولم يتجسد في شكل عمل مادي، فلا يمكنه المطالبة بمقابل مادي. صحيح أن التغلب على الخوف من الناحية الأخلاقية أمر مهم جدًا، لكن هذا لا يعني أن يُعطى قيمة اقتصادية.» [3]

الأساس الرئيسي لهذه النظرية هو حصر عوامل الإنتاج في عاملين فقط: العمل ورأس المال. وبعبارة أخرى، إنكار أهمية عنصر المخاطرة في الاقتصاد يعني ضمنيًا قبول دالة الإنتاج التقليدية (Y=AF (L,K)). كما ذُكر في القسم الأول من المقال، هذه الدالة لا يمكنها أن تشمل جميع العناصر المؤثرة في الإنتاج. إنكار أهمية المخاطرة يساوي إنكار دور صاحب العمل (قوة المخاطرة) في عملية الإنتاج، وهذا أمر غير مقبول على الإطلاق.

يبدو أن عدم التفصيل بين أنواع المخاطر المختلفة هو ما دفع الشهيد صدر إلى إعلان أن المخاطرة بلا قيمة مطلقة. الأدلة التي قدمها لإثبات عدم قيمة المخاطرة تؤكد هذا الرأي:

«هناك أدلة قانونية وتشريعية أخرى توضح موقف الإسلام السلبي والمعارض تجاه المخاطرة، وتثبت أن المخاطرة لا ينبغي أن تُعتبر مصدرًا للدخل.

.. . تحريم القمار والدخول الناتجة عنه سبب آخر يبرر موقف الإسلام المعارض للمخاطرة. من البديهي أن هذه الأنواع من الدخل لا تقوم على عمل مفيد ومنتج، بل تقوم فقط على المخاطرة. كما يمكن إضافة تحريم المشاركة في الشركات إلى تحريم القمار. فقد رأى كثير من الفقهاء، منهم المحقق الحلي في الشرايع وابن حزم في محلى، بطلان ذلك. [4]

في القسم التالي سنرى أن موضوع النقاش هو «المخاطرة الاقتصادية المفيدة». لا القمار ولا المشاركة في الشركات يتضمنان مثل هذه المخاطرة، وبالتالي هما خارج موضوع النقاش. لذلك، إنكار قيمة المخاطرة في الاقتصاد استنادًا إلى تحريم القمار والمشاركة في الشركات في الفقه الإسلامي يبدو غير وجيه.

في المناقشات السابقة قلنا إن تحمل المخاطرة ضرورة اقتصادية، وبدونها سيتوقف عجلة الإنتاج عن الدوران. قول آية الله صدر: «من الناحية الأخلاقية، التغلب على الخوف ذو أهمية كبيرة» إذا كان صحيحًا في مجالات أخرى، فهو على الأقل غير صحيح في نطاق الاقتصاد. في الاقتصاد، قبول المخاطرة والتغلب على الخوف ليس فضيلة فحسب، بل ضرورة حتمية، ولهذا السبب – كما سنرى – يمكن أن يكون مصدرًا للدخل.

السؤال الذي قد يطرح هنا هو: هل يقصد الشهيد صدر وغيره من أصحاب الرأي الذين لا يرون المخاطرة (تحمل المخاطر والخسائر المحتملة الناتجة عن المشروع) مصدرًا للدخل، أنهم يقصدون أن المخاطرة ليست مصدر دخل مضمون – مثل الأجر والإيجار – أم يقصدون أن المخاطرة ليست مصدرًا لأي نوع من الدخل، حتى الدخل غير المضمون والمحتمل؟

إذا كان قصد هؤلاء أصحاب الرأي هو الجزء الأول؛ أي أنهم يعتقدون أن المخاطرة وقبولها لا يمكن أن يكونا مبررًا للحصول على دخل ثابت ومضمون، فهذا صحيح، إلا أن ذلك شرح لشيء بديهي. قبول دور المخاطرة في مشروع ما والدخل المضمون لا يتوافقان؛ لأن قبول المخاطرة يعني قبول الخسائر المحتملة. كيف يمكن لشخص كهذا أن يتوقع دخلًا ثابتًا ومحددًا مسبقًا؟ (يرجى الانتباه). عمومًا، إذا كان من المقرر أن تكون المخاطرة مصدرًا للدخل، فلا يمكن أن تكون إلا مصدرًا ومبررًا لدخل «محتمل، غير محدد وغير مضمون».

مع أن كلمات الشهيد صدر في «اقتصادنا» في هذا المجال مترددة، إلا أن التدقيق في عبارات الكتاب المذكور يظهر أن قصد الشهيد صدر هو أن المخاطرة ليست حتى مصدرًا ومبررًا للحصول على دخل غير محدد؛ على سبيل المثال:

«كثير من العلماء، تحت تأثير الفكر الرأسمالي، أخطأوا واستندوا في تفسير وتحليل الربا إلى عنصر المخاطرة، وصرحوا بأن منفعة وربح صاحب المال في عقد المضاربة من الناحية النظرية تقوم على عنصر المخاطرة، لأنه رغم أنه لا يقوم بأي عمل، إلا أنه يتحمل صعوبات ومشقات المخاطرة، وبإعطاء رأس المال للعامل، يعرض نفسه للخسارة. لذلك، العامل ملزم بدفع نسبة معينة من الأرباح المتفق عليها مقابل تضحيات ومخاطرة صاحب المال. لكن الحقيقة غير ذلك، كما رأينا، فإن ربح وحصة المالك من التجارة ليست ناتجة عن المخاطرة…» [5]

وفيما بعد، يؤكد الشهيد صدر:

«حق صاحب المال في الأرباح من الناحية النظرية ليس نتيجة أو حصيلة المخاطرة، أو بعبارة أخرى، ليس مكافأة للتضحية والشجاعة.» [6]

هذا الرأي للشهيد صدر متجذر في نظريته حول القيمة الزائدة. لذلك، لتقييم صحة أو خطأ ادعائه في هذا النقاش، من الضروري أن نأخذ نظرية الشهيد صدر في موضوع القيمة الزائدة بعين الاعتبار.

نظرية القيمة الزائدة لشهيد صدر

من المواضيع الأساسية في الاقتصاد، موضوع القيمة الزائدة. السؤال هو: لمن يعود المنتج ونتيجة الإنتاج بعد خصم التكاليف (إيجار الأرض، أجر العامل، ثمن المواد الأولية، … )؟

لنفترض في عملية إنتاج، أن عدة قطع خشب منفصلة توضع في يد نجار ليصنع منها كرسيًا. صنع الكرسي يحتاج إلى أدوات. هذه الأدوات أيضًا توضع في يد النجار من قبل طرف ثالث. إذا كانت المواد الأولية لصنع الكرسي (الخشب المنفصل) قيمتها 100 ريال، وأجر العمل الذي قام به النجار عليها 50 ريال، وإيجار أدوات الإنتاج 20 ريال، فالتكلفة الإجمالية لإنتاج الكرسي هي 170 ريال. الآن إذا كان الكرسي المنتج قيمته 200 ريال، فإن الفرق بين سعر الكرسي وتكاليف إنتاجه هو القيمة المضافة أو القيمة الزائدة التي هي موضوع نقاش خبراء الاقتصاد.

إلى من تعود الـ 30 ريالًا القيمة التي تحققت بفضل اجتماع المادة الأولية، وأدوات الإنتاج، والقوة العاملة؟ هل تعود للعامل؟ لصاحب أدوات الإنتاج؟ لمالك المادة الأولية أم لغيرهم؟

إجابة الشهيد صدر على هذا السؤال، كما وردت في كتاب اقتصادنا، هي:

«يمكن تلخيص النظرية الإسلامية على النحو التالي:

إذا كانت المادة الأولية التي يعمل عليها الإنسان لم تكن مملوكة لأحد سابقًا، فإن المنتج كله يعود له، والعناصر الأخرى المشاركة في الإنتاج بسبب الخدمات التي قدموها لصالح نشاط المنتج، لا يحصلون إلا على أجر خدماتهم فقط ولا يملكون حصة من المنتج. بمعنى أن الخدمات المقدمة لا تعني مشاركة مقدمي عناصر الإنتاج المادية في المنتج، ولا يُعتبرون في مرتبة واحدة مع العامل. وإذا كانت المادة الأولية مملوكة سابقًا لغيره، فبموجب «قاعدة الثبات»، مهما تغير شكل المادة الأولية بالعمل اللاحق، فإنها تبقى ملكًا للمالك الأصلي.» [7]

أصلًا إن فصل مبحثي التوزيع قبل الإنتاج والتوزيع بعد الإنتاج عند الشهيد الصدر ينبع من هنا، حيث فرق بين ملكية المنتج في الحالة التي يعمل فيها العامل على طبيعة غير مملوكة، وملكيته في الحالة التي يعمل فيها العامل على مادة مملوكة لغيره. فهو في الحالة الأولى يعتبر القيمة الزائدة المنتجة من حق العامل، وفي الحالة الثانية يعتبر القيمة الزائدة المحدثة من حق صاحب المادة الأولية.

وكما سنرى، فإن فصل مبحثي التوزيع قبل الإنتاج والتوزيع بعد الإنتاج تقسيم بلا فائدة، وينشأ عن عدم الانتباه إلى دور المخاطرة في الاقتصاد.

لقد استند الشهيد الصدر للوصول إلى النظرية العامة التي نقلناها عنه إلى ثلاثة مقدمات هي:

  1. العمل هو المصدر الوحيد للدخل في الاقتصاد الإسلامي.
  2. العمل المتصل الذي يقدمه العامل له ميزة وتفوق على العمل المنفصل الذي يقدمه صاحب أدوات الإنتاج وما شابه ذلك.
  3. ظاهرة ثبات الملكية.

والآن نشرح هذه المقدمات الثلاث التي تشكل في الواقع أسس استدلال الشهيد الصدر.

شرح نظرية الشهيد الصدر

لقد حصر الشهيد الصدر مصدر الدخل في العمل. ومن الجدير بالذكر أن المقصود بالعمل عنده ليس فقط العمل المقدم من قوة العمل – أي العمل المتصل – بل يشمل أيضًا العمل المخزون في أدوات الإنتاج، والأرض المحيّاة، والمواد الأولية وما شابه ذلك – أي العمل المنفصل.

وقد صرح الشهيد الصدر قائلاً:

«الدخل الذي لا يستند إلى العمل المباشر مثل عمل العامل أو العمل المنفصل مثل العمل المخزون في أدوات الإنتاج وما شابه، فهو محظور وغير قانوني.» [8]

وكذلك في موضع آخر يكتب:

«الدخل ليس له مصدر سوى تساقط العمل خلال التنظيم الإنتاجي.» [9]

وبالتالي، من وجهة نظر الشهيد الصدر، يمكن لكل من قوة العمل وأدوات الإنتاج والأرض المحيّاة والمواد الأولية المملوكة أن تتوقع دخلاً من عملية الإنتاج؛ فمثلاً إذا أعطى شخص ما شبكة لصياد ليصطاد بها السمك، فيمكن لكل منهما أن يحقق دخلاً من هذا العمل الإنتاجي، لكن هناك فرق يتعلق بنوع دخل كل منهما:

فصاحب الشبكة له الحق فقط في استئجار شبكته ولا يملك نصيبًا في السمك المصطاد. وبعبارة أخرى، فإن القيمة الزائدة المحدثة تعود بالكامل إلى العامل.

ولتبرير هذا الأمر لجأ الشهيد الصدر إلى المقدمة الثانية:

«العمل المتصل الذي يقدمه العامل له أفضلية على العمل المنفصل الذي يقدمه صاحب أدوات الإنتاج.»

هذه المقدمة – التي سيتم بحث صحتها أو عدمها في الصفحات القادمة – مكنت الشهيد الصدر من نسب القيمة الزائدة المحدثة في الإنتاج الابتدائي – العمل على الطبيعة غير المملوكة – إلى العامل، وعدم الاعتراف بحق في الشيء المحيّز لمن قدم العمل.

لو اقتصر الإنتاج على الإنتاج الابتدائي، وبعبارة أخرى على تحيّز المباحات، لكانت هاتان المقدمتان كافيتين لإثبات رأي الشهيد الصدر، ولكن بما أن عمليات الإنتاج في الغالب تتم على مواد كانت مملوكة لغير قبل ذلك، فهناك حاجة إلى مقدمة أخرى.

بعبارة أخرى، في تحيّز المباحات والإنتاج الابتدائي، وفقًا لرأي الشهيد الصدر الذي يعتبر الإيجار في تحيّز المباحات باطلًا ومحظورًا، يوجد عنصران فقط: 1- العامل 2- صاحب أدوات العمل. ويعتبر الشهيد الصدر، استنادًا إلى المقدمة الثانية، العامل مالكًا للمنتج المحيّز، وصاحب أدوات العمل مستحقًا للأجرة.

أما في عملية العمل على مواد سبق تحيّزها أو كانت في عملية إنتاج أخرى، يدخل عنصر جديد هو المادة الأولية. ومرة أخرى، بناءً على المقدمة الأولى، يمكن للعامل وصاحب أدوات الإنتاج وصاحب المواد الأولية أن يحققوا دخلاً من هذه العملية، لأن العامل يقدم العمل المتصل، وأصحاب أدوات الإنتاج والمواد الأولية يقدمون العمل المنفصل، والشهيد الصدر يقبل السببية بين العمل والدخل – بناءً على المقدمة الأولى. في هذه المرحلة، السؤال هو: لمن ننسب القيمة الزائدة المنتجة هذه المرة؟ بمعنى آخر، يجب أن نرى أي من العناصر الثلاثة – العمل المتصل، أدوات الإنتاج، المادة الأولية – يعتبره الشهيد الصدر صاحب الأهلية والحق الكافي لامتلاك القيمة الزائدة المحدثة؟

في الحقيقة، المقدمة الثالثة في نظرية الشهيد الصدر أُعدت للإجابة على هذا السؤال. فبناءً على هذه المقدمة، لا يمكن لا العامل ولا صاحب أدوات العمل أن يمتلك القيمة الزائدة المحدثة، بل تعود القيمة الزائدة إلى صاحب المادة الأولية. وقد برر الشهيد الصدر هذا الأمر استنادًا إلى «ظاهرة ثبات الملكية» التي مضمونها أن ملكية المادة الأولية كاملة السبب لامتلاك القيمة الزائدة.

ولتوضيح نظرية الشهيد الصدر حول القيمة الزائدة بشكل أفضل، يمكن تلخيص ما قيل في جدول:

وبذلك، يعتبر الشهيد الصدر في مبحث التوزيع قبل الإنتاج العامل مالكًا للقيمة الزائدة المحدثة، وفي مبحث التوزيع بعد الإنتاج يعتبر صاحب المادة الأولية مالكًا لها. ومن حيث استحقاق الدخل، في مبحث التوزيع قبل الإنتاج، بالإضافة إلى العامل، يعتبر صاحب أدوات العمل مستحقًا للدخل، وفي مبحث التوزيع بعد الإنتاج، بالإضافة إلى صاحب المادة الأولية، يعتبر العامل وصاحب أدوات العمل مستحقين لكسب الدخل من خلال عملية الإنتاج.

لذلك، لم يفتح الشهيد الصدر حسابًا للنهاية المعرضة للمخاطرة لا في مبحث التوزيع قبل الإنتاج ولا في مبحث التوزيع بعد الإنتاج، وضمنيًا أنكر دور عنصر المخاطرة في عملية الإنتاج. كما ذكرنا سابقًا، فقد أعلن بصراحة أيضًا عدم وجود دور للمخاطرة في الاقتصاد الإسلامي. [10]

يمكن تلخيص نظرية التوزيع من وجهة نظر الشهيد الصدر على النحو التالي:

المواد الأولية، العمل المتصل، أدوات الإنتاج والأرض، هي العناصر الأربعة اللازمة لتحقيق الإنتاج والتي يجب أن تُدخَل في عملية الإنتاج. يتم تقسيم القيمة الزائدة وفقًا للمعايير الأربعة التالية:

1. ملكية المادة الأولية هي السبب التام لمشاركة مالكها في القيمة الزائدة. [11]

2. العمل المتصل يستلزم مشاركة صاحبه في القيمة الزائدة، لكنه ليس سببًا تامًا. فإذا تنازل عن حقه، فإن مشاركة العامل في القيمة الزائدة ستكون بلا عائق. [12]

3. أدوات العمل والأرض لا تملك إذنًا نظريًا للمشاركة في المنتج النهائي. بمعنى آخر، لا يوجد سبب لمشاركة هذين العاملين في القيمة الزائدة. ولهذا السبب، حتى إذا تنازل مالك المواد الأولية عن حقه، لا يمكن لأصحاب الأرض وأدوات العمل أن يشتركوا في المنتج النهائي. [13]

4. لا يمكن لأي شخص آخر غير مالك المواد الأولية، العامل، وأصحاب أدوات الإنتاج والأرض أن يحقق دخلًا من خلال عملية الإنتاج. [14]

ملاحظات على النظرية العامة للشهيد الصدر

يبدو أن وجهة النظر العامة للتوزيع عند الشهيد الصدر التي لخصناها ليست قابلة للدفاع الكامل، ويمكن القول على الأقل إنها ليست “أفضل” نظرية ممكنة. قبل طرح نظرية بديلة، من الضروري استعراض الملاحظات الموجهة إلى نظرية الشهيد الصدر. ولهذا الغرض نبدأ من المعيار الأخير:

أ. من دراسة مستندات المقدمة الأولى من المقدمات الثلاث (العمل هو المصدر الوحيد للدخل) [15] يتضح أن الدليل الوحيد للشهيد الصدر الذي يمكن أن يثبت، إذا كان صحيحًا، حصرية مصدر الدخل في العمل (المتصل والمنفصل)، هو عدم جواز التوكيل والاستئجار في حيازة المباحات. فقد استند في هذا البناء إلى استدلال مفاده أن السبب والنظرية في عدم صحة الكالت والإيجار في حيازة المباحات هو أن المستأجر والموكل لم يدخلوا العمل المتصل وأدوات الإنتاج في هذه العملية، ومن ثم لا يحق لهم شيء من الشيء المحياَز، وكل المنتج يعود للحائز.

في الحقيقة، إثبات المقدمة الأولى من المقدمات الثلاث للشهيد الصدر في باب القيمة الزائدة (حصرية مصدر الدخل في العمل) متوقف على إثبات هذين الفرعين الفقهيين.

في مسألة جواز أو عدم جواز التوكيل في حيازة المباحات، هناك اختلاف بين الفقهاء. فبعضهم مثل الشيخ الطوسي، ابن إدريس، والمحقق الحلي يرون أن أخذ وكيل لحيازة المباحات باطل ولاغٍ، ويعتقدون أن الشيء المحياَز يعود إلى الحائز نفسه وليس إلى الموكل. في المقابل، يرى آخرون مثل العلامة الحلي، الشهيد الثاني، وصاحب الجواهر أن التوكيل في حيازة المباحات صحيح، وأن الشيء المحياَز يعود إلى الوكيل وليس إلى الحائز شخصيًا. ومن المثير للاهتمام أن الشهيد الصدر نفسه من الذين يرون صحة وجواز التوكيل في حيازة المباحات. [16]

كما تظهر مراجعة آراء الفقهاء أن النظرية الفقهية “عدم جواز الاستئجار في حيازة المباحات” لم تُقبل من قبلهم.

تشير الأبحاث التي أجراها باحثو مجموعة الاقتصاد في “مكتب التعاون بين الحوزة والجامعة” في هذا الشأن إلى أن الفقهاء يرون جواز وصحة الإيجار في حيازة المباحات. ونتائج هذه الأبحاث التي عكست في كتاب “مدخل إلى الاقتصاد الإسلامي” هي كما يلي:

“حتى حيث تتبعنا، لم نجد عبارة صريحة من الفقهاء تنفي صحة إيجار الأفراد في حيازة المباحات. مع أن بعضهم أبدى شكوكًا في هذا الموضوع، لكن مع تتبعنا، يجب القول إن رأي جمهور الفقهاء هو جواز الإيجار في حيازة المباحات.” [17]

كما تناول المرحوم السيد هذه المسألة في عروة، وأيدها فقهاء محشي عروة دون تعليق عليها.

“توظيف الآخرين لحيازة المباحات مثل جمع الحطب وقطف العشب وجلب الماء جائز. لذلك، إذا وظف شخصًا ليجلب له الماء من النهر، بمجرد أن يحوز السقاء الماء، يصبح المستأجر مالكًا له… وكذلك في حيازة الحطب والعشب.” [18]

والآن، بناءً على النظرية القانونية السائدة، حيث الإيجار في حيازة المباحات صحيح، ويصبح المستأجر مالكًا للشيء المحياَز، يطرح السؤال:

ما هو المدخل الذي أدخله المستأجر في عملية الإنتاج ليكون مستحقًا لامتلاك القيمة الزائدة؟

من المؤكد أنه لم يقدم مدخلًا معروفًا من مدخلات الإنتاج (الأرض، العمل، الأدوات، المواد الأولية). في نظرية الشهيد الصدر التي تحصر عوامل الإنتاج في هذه العناصر الأربعة فقط وترفض السببية بـ “المخاطرة” لكسب الدخل، يبقى هذا السؤال بلا جواب: لماذا يحصل المستأجر على حصة من المنتج النهائي؟

ب. يرى الشهيد الصدر أن الأرض وأدوات العمل لا تملكان إذنًا نظريًا للمشاركة في القيمة الزائدة. لكن مراجعة الأحكام القانونية الأربعة التي يستند إليها في موضوع المضاربة والمزارعة تظهر أن ما يُستخلص بوضوح من آراء الفقهاء هو خلاف ذلك.

إباحة مشاركة صاحب الأداة وصاحب الأرض في المنتج النهائي الناتج عن المزارعة تدل على وجود “مقتضى” و”إذن نظري” لمشاركة الأرض والأداة في القيمة الزائدة.

ج. في ما يتعلق بالعوامل التي تقتضي المشاركة في القيمة الزائدة (والتي يرى أنها لا تتوفر إلا في العمل المتصل فقط) يؤمن الشهيد صدر بأن مشاركة العامل في القيمة الزائدة تتحقق فقط بتنازل مالك المواد الأولية عن حقه – وهو العائق الوحيد الموجود أمام مشاركة العامل في القيمة الزائدة -. وبعبارة أخرى، لكي يكون الفعل “مقتضياً” في هذا الشأن، لا يوجد “شرط” في الأمر.

السؤال هو: هل يكفي مجرد سماح مالك المواد الأولية لمشاركة العامل في المنتج؟ إذا افترضنا أن العامل قد استلم أجره من مالك المواد الأولية، فهل يمكنه مع ذلك أن يطالب بالمشاركة في المنتج النهائي استناداً إلى إذنه؟

بعبارة أخرى، هل يمكن الجمع بين عقود مثل المضاربة، المزارعة والمساقات، وعقد الإيجار؟ مما يستفاد من فتاوى الفقهاء أن هذين النوعين من العقود متنافيان. الدليل على ذلك أن الفقهاء اشترطوا لصحة عقد الإيجار “معرفة” الأجرة، ولصحة المضاربة والمزارعة والمساقات “اشتراك” الأجرة، بمعنى أن يُخصص للعامل نصيب من المنتج. يكتب ابن إدريس في “السرائر”:

«عقود المزارعة والمساقات من حيث الوجوب تشبه عقد الإيجار، ولذلك يجب أن يكون لها مدة محددة. وتشابه هذه العقود مع عقد المضاربة من حيث أنه يجب أن يُخصص للعامل نسبة معينة من المنتج.» [19]

والشهيد صدر نفسه يصرح بهذا الشأن:

«في الحقوق الإسلامية، هناك طريقتان معروفتان لدفع أجر خدمات العامل، يمكن للعامل أن يختار إحداهما:

1. طريقة الأجر؛ 2. طريقة المشاركة في المنافع أو المنتج.

الطريقة الأولى تنظم بأحكام الإيجار، والطريقة الثانية تنظم بأحكام المزارعة، المساقات، المضاربة والجعالة.» [20]

لذا، لا يجوز مشاركة أي مدخل في المنتج النهائي بمجرد وجود مقتضٍ وغياب مانع، بل يجب تحقق “شرط” أيضاً. وهذا الشرط هو أن يقدم صاحب المدخل مدخله في عملية الإنتاج دون تلقي أجر محدد. [21] هذا الشرط غفل عنه في النظرية العامة للشهيد صدر. فما معنى هذا الشرط وما موقعه في النظرية الإسلامية للتوزيع؟

«إذا كان المادة الأولية التي يعمل عليها الإنسان المبدع لم تكن مملوكة لأحد من قبل، فإن المنتج يصبح ملكاً له.» [22]

«إذا صنع العامل قطعة قماش من كمية من الصوف والخيوط التي تخص شخصاً آخر، فلا يحق له امتلاكها استناداً إلى عمله، ولو كان ذلك بالشراكة مع صاحب المادة الأولية، ويظل المنتج كله مملوكاً لصاحب المادة الأولية طالما أن المادة الأولية – الصوف – في ملكيته.» [23]

بالطبع، هذا لا يتعارض مع أن يتنازل صاحب المادة الأولية عن جزء من حقه ويشرك العامل (وكذلك أدوات العمل والأرض كما رأينا) في المنتج. أساساً يبرر الشهيد صدر مشاركة العامل في عقود المضاربة، المزارعة، الجعالة والمساقات على هذا الأساس.

التدقيق في النصوص الفقهية يظهر أنه خلافاً لنظرية الشهيد صدر، ملكية المادة الأولية ليست سبباً تاماً لامتلاك المنتج النهائي. مالك المادة الأولية يستحق المشاركة في المنتج النهائي فقط إذا وضع مدخله (المادة الأولية) تحت تصرف العامل دون ضمان، مثلاً في مسألة البذور، يرى بعض الفقهاء أنه في عقد المزارعة يمكن لصاحب البذور أن يشترط أن يعاد إليه بعد انتهاء فترة الزراعة ما يعادل كمية البذور التي وضعها للعامل، حتى لو لم يتحقق محصول. معنى هذا الرأي أن صاحب البذور يدخل في عملية المزارعة دون تحمل المخاطر، لأنه في حال عدم وجود هذا الشرط قد يكون نصيبه من المحصول أقل من كمية البذور التي وضعها للعامل.

يكتب المرحوم آية الله الخوئي في “مباني العروة”:

«ظن البعض أن هناك نصاً خاصاً في هذا الشأن. النصان اللذان استُدل بهما في هذا المجال، أحدهما حديث صحيح ليعقوب بن شعيب عن الإمام الصادق عليه السلام، وهو لا علاقة له بهذه المسألة. والآخر خبر إبراهيم الكرخي.. .. الاستدلال بخبر إبراهيم الكرخي على “شرط استثناء البذور من المحصول” غير جائز، ويبدو أكثر عقلانية من أن نستدل بهذا الحديث على صحة هذا الشرط.» [24]

وكذلك في المضاربة، اشترط الفقهاء أن يكون مشاركة المالك في الربح مشروطة بعدم ضمان العامل لرأس المال. وقد صرح الشهيد صدر في ملحقات كتاب البنك الربوي في الإسلام:

«لدينا في خصوص عامل المضاربة روايات خاصة تدل على أن تحميل الضمان على العامل يحرم المالك من الربح.» [25]

وكذلك في الاقتصاد يكتب:

«الشرط الأساسي لصحة المضاربة هو تقبل صاحب رأس المال للمخاطرة وعدم ضمان المضارب لرأس المال.» [26]

الغرض من ذكر هذه الأمور هو توضيح أن لا ملكية المادة الأولية ولا ملكية العمل والأدوات والأرض (حتى مع تنازل صاحب المادة الأولية عن حقه، وبعبارة أخرى رفع المانع) ليست سبباً تاماً للمشاركة في القيمة الزائدة. هناك شرط أيضاً، وهو قبول كل أو بعض المخاطر الناشئة عن الإنتاج.

ه. الفقهاء يرون أن المال الذي يتلقاه المؤمن له في عقد التأمين مقابل الضمان الذي يقدمه للمؤمن عليه. [27] بعبارة أخرى، يتقاضى المؤمن عليه مكافأة “تحمل الخطر” على شكل قسط تأمين من المؤمن له. المؤمن الذي يؤمن مزرعة لإنتاج القمح ضد مخاطر الحريق والاحتراق مقابل قسط التأمين، أي من عوامل الإنتاج التقليدية (العمل، الأدوات، الأرض، والمواد الأولية) قد أدخل في عملية الإنتاج؟ في نظرية الشهيد الصدر، التي لا تعترف بتحمل المخاطر المحتملة الناجمة عن الإنتاج كمصدر للدخل أو كإذن لكسب الدخل من المخاطرة في العملية المذكورة، كيف يمكن تبرير شرعية عقد التأمين وتلقي قسط التأمين من قبل المؤمن له؟ [28]

نظرية التوزيع من منظور آخر

مع الأخذ في الاعتبار الاعتراضات الموجهة إلى نظرية التوزيع للشهيد الصدر، يمكن اعتماد قاعدة أخرى للتوزيع. وفقًا لهذه القاعدة، يتم النظر إلى التوزيع قبل الإنتاج وبعده، اللذين فصلتهما نظرية الشهيد الصدر، معًا وبمقياس واحد. هذا المقياس هو “تحمل المخاطرة”.

يمكن صياغة القاعدة المعنية على النحو التالي:

«القيمة الزائدة في كل عملية إنتاج تعود إلى العامل الحامل للمخاطرة.»

في الجزء الأول من المقال، شرحنا بالتفصيل المقصود بالعامل الحامل للمخاطرة (قوة المخاطرة). يمكن لكل صاحب من عوامل الإنتاج أن يتحمل جزءًا من تكاليف الإنتاج (بعدم تلقي أجر) ويتولى في الوقت نفسه دور قوة المخاطرة. في هذه الحالة، يستحق المشاركة في الربح المحتمل للمشروع.

وبناءً على هذه القاعدة، يمكن بسهولة توضيح سبب عدم حصول قوة العمل على حصة من المنتج عندما تتقاضى أجرها، وعندما تعمل بدون أجر تستحق المشاركة في المنتج والربح النهائي. تبرير هذه الظاهرة هو أن قوة العمل إذا لم تتقاضَ أجرها، فهي في الحقيقة تتحمل جزءًا من تكاليف الإنتاج. تحمل جزء من تكاليف الإنتاج يعادل تحمل جزء من المخاطر المحتملة المترتبة عليه. إذا كان في هذا الافتراض يمكن للعامل أن يشارك في الربح الناتج، فذلك لأنّه بعدم تلقي الأجر، دخل في قوة المخاطرة. أما إذا تقاضى أجره، فهذا يعني أنه لم يتحمل أي جزء من تكاليف الإنتاج، وبالتالي لم يتعرض لأي خطر، ومن ثم فهو ليس جزءًا من قوة المخاطرة. ولهذا السبب لا يمكنه المطالبة بحصة من الربح الناتج.

في هذه الحالة، يصبح موضوع صحة وجواز الإيجار لحيازة المباحات، الذي لم يكن مبررًا على أساس نظرية الشهيد الصدر، مبررًا بسهولة وفقًا لهذه القاعدة:

نفترض أن المباح المعني هو الحطب. كما رأينا، أجاز الفقهاء الإيجار لحيازة المباحات، ومنها جمع الحطب. هذا يعني أن الحطب الذي يُحاز بواسطة المستأجر يصبح ملكًا له. الآن نشرح هذا المثال. إذا افترضنا أن جمع الحطب تم باليد، فإن العامل الوحيد في هذه العملية هو قوة العمل. بالتالي، كل تكلفة تنفيذ هذه العملية هي أجر العامل الذي قام بالحيازة. القيمة الزائدة التي تُنتج في هذه العملية البسيطة هي سعر الحطب المحاز مطروحًا منه أجر العامل الحائز. السؤال هو: لمن تعود هذه القيمة الزائدة؟

يقول الشهيد الصدر: تعود للعامل، مطلقًا. ولهذا السبب يرى أن عقد الإيجار في هذه الحالة باطل، لأن المستأجر لا يمكنه تملك القيمة الزائدة (لا يملك إذنًا نظريًا لذلك)، والعمل المتصل في حيازة المباحات هو السبب الكامل لامتلاك الشيء المحاز.

لكن كما قلنا، تملك الشيء المحاز بواسطة المستأجر له إذن نظري، وهذا يتعارض مع النظرية العامة للقيمة الزائدة للشهيد الصدر.

الآن نحلل نفس المثال باستخدام قاعدة “المخاطرة”:

إذا قام قوة العمل بنفسه – وبمصطلح اليوم كعامل مستقل – بالحيازة ولم يتقاضَ أجر ساعات العمل التي استغرقها في الحيازة من أحد، فإن الحطب المحاز يعود إليه، لأنه تحمل كل تكاليف هذه العملية الإنتاجية وبالتالي كل المخاطر الناجمة عنها، ومن ثم يستحق تملك القيمة الزائدة الناتجة. أما إذا تم توظيف نفس العامل لجمع الحطب من قبل شخص آخر وتعهد هذا الشخص بدفع أجر ساعات عمله، فلا يحق للعامل أي شيء من الحطب المحاز، لأنه لم يتحمل أي جزء من تكاليف الإنتاج ولا أي جزء من مخاطر الإنتاج. في المقابل، يحق للمستأجر تملك كل الحطب المحاز، لأنه تحمل كل تكاليف الإنتاج (وهي في هذا المثال أجر العامل فقط) وبالتالي كل المخاطر الناجمة عنها.

يمكن تبرير وجهة نظر المرحوم المحقق في شرائع، التي تُنقل أدناه، فقط على هذا الأساس:

«إذا استُأجر شخص ما لجمع الحطب أو قطف العشب أو الصيد لمدة معينة، فالإيجار صحيح ويصبح المستأجر مالكًا لما استأجره في تلك المدة.

أما إذا استُأجر لشخص ما لصيد شيء معين، فالإيجار باطل، لأن غالبًا لا يوجد يقين بتحقق ذلك الشيء.» المرحوم المحقق صور حالتين:

1. استُأجر شخص ما لصيد مقابل أجر ثابت ولمدة معينة لصالح المستأجر.

2. استُأجر شخص ما لصيد شيء (حيوان) معين لصالح المستأجر.

يرى في الحالة الأولى صحة الإيجار وفي الحالة الثانية بطلانه. فما الفرق بين هذين الافتراضين بحيث يمكن للمستأجر في الافتراض الأول أن يمتلك ثمرة العمل، بينما لا يستطيع ذلك في الافتراض الثاني؟ ربما يكون التفسير أوضح ما يكون هو أن الخطر في الافتراض الأول يقع على المستأجر، أما في الافتراض الثاني فالخطر يقع على الأجير، وبناءً على قاعدة تبعية القيمة الزائدة للخطر، فإن ثمرة العمل في الحالة الأولى تعود للمستأجر، وفي الحالة الثانية تعود للأجير.

أدلة فقهية على صحة نظرية «تبعية القيمة الزائدة للمخاطرة»

1. يكتب المرحوم السيد في عروة:

«يجوز استئجار أجير لحيازة المباحات مثل جمع الحطب وقطف العشب وجلب الماء. فإذا استأجر شخصاً ليجلب له الماء من النهر، بمجرد أن يأخذ الأجير الماء من النهر يصبح المستأجر مالكاً لذلك الماء.. .. وكذلك في مسألة الحطب والعشب.»

وقد أكد الفقهاء الآخرون الذين كتبوا حواشي على عروة هذا الرأي. كما أنه وفقاً للتحقيق الذي أجراه فريق الاقتصاد في مكتب التعاون بين الحوزة والجامعة، لم يُعثر على عبارة صريحة من الفقهاء تدل على بطلان إيجار الأشخاص في حيازة المباحات.

2. يفرق المرحوم المحقق في شرائع بين حالتين: الحالة التي يُستأجر فيها الأجير لمدة معينة ليقوم بحيازة المباحات للمستأجر، والحالة التي يُستأجر فيها الأجير لحيازة شيء معين. وقد قلنا إن هذا التفصيل يمكن تفسيره بنظرية تبعية القيمة الزائدة للمخاطرة.

3. يمكن للعامل أن يدخل في عملية الإنتاج بأخذ أجر ثابت، وفي هذه الحالة لا يحق له شيء من المنتج النهائي. كما يمكنه أن يشارك في المنتج النهائي دون أجر بناءً على أحد العقود مثل المضاربة، المزارعة، الجعالة والمساقات. وفي جميع هذه العقود، يتحمل العامل جزءاً من التكاليف وبالتالي جزءاً من مخاطر الإنتاج، ولهذا له حق المشاركة في المنتج.

4. يمكن لمالك أدوات الإنتاج أن يتعاون مع عوامل الإنتاج الأخرى بأخذ مال إيجار ثابت، وفي هذه الحالة لا يحق له شيء من المنتج. كما يمكنه أن يتنازل عن إيجار أدواته ويشارك في المنتج النهائي.

5. يمكن لمالك الأرض أن يشارك في الإنتاج بإحدى الطريقتين: أخذ مال إيجار مع حرمانه من المنتج، أو التنازل عن الإيجار والمشاركة في المنتج.

6. إذا جعل مالك العمل في عقد المضاربة العامل ضامناً لرأس ماله، وبذلك يتنصل من تحمل مخاطر المضاربة، فلن يكون له حق في الربح، وكل الربح يعود للعامل.

7. لا يمكن للمستأجر أن يؤجر الأرض التي استأجرها للغير بسعر أعلى دون أن يكون قد قام بعمل في الأرض، ولكن إذا استأجر الأرض بسعر معين، فيمكنه حتى بدون عمل أن يؤجرها للغير كمزارعة. في رواية الحلبي عن الإمام الصادق عليه السلام نقل أن سبب عدم الجواز في الحالة الأولى والجواز في الحالة الثانية هو أن «الأولى مضمون والثانية غير مضمون.»

ما المقصود بـ «المخاطرة»؟

في القسم الأول من المقال قلنا إن عنصر المخاطرة، أو بعبارة أخرى «مدخل المخاطرة»، هو أحد المدخلات الضرورية للإنتاج، وأن اجتماع جميع عوامل الإنتاج بدون وجود مدخل مخاطرة لا يمكن أن يحرك عملية الإنتاج. وبعبارة دونالد موفت، فإن هذا المدخل «يمنح الحياة» لبقية عوامل الإنتاج. كما تبين في هذا القسم من المقال أن عنصر المخاطرة في الاقتصاد الإسلامي معترف به كعامل إنتاج يمكنه من خلال عملية الإنتاج تحقيق دخل (بشكل غير مؤكد). والآن يمكن طرح السؤال: ما المقصود بالمخاطرة في الاقتصاد الإسلامي؟ وبعبارة أخرى، كيف يُعرف «الخطر» في المذهب الاقتصادي الإسلامي؟

نُذكّر مسبقاً أن نوعاً خاصاً من الخطر هو المقصود في هذا النص، وهو «المخاطرة الاقتصادية المالية المفيدة.» [29]

فيما يخص تعريف الخطر، يجب أن نعلم أن تصور المذهبين الإسلامي والرأسمالي للخطر مختلف، ويرجع هذا الاختلاف إلى وجهات نظرهما المختلفة بشأن «تكلفة الفرصة». المذهب الرأسمالي يعترف بتكلفة فرصة مؤكدة لجميع عوامل الإنتاج، سواء كانت العمل، الأدوات، الأرض، المواد الأولية، أو المال. وقد برر ناساسينيور، بومباورك وإيرفينغ فيشر دفع الفائدة على المال بناءً على هذا الأساس. [30]

وبناءً عليه، يُعرف الخطر في المذهب الرأسمالي بطريقة تأخذ في الاعتبار تكلفة الفرصة. على سبيل المثال، إذا افترضنا أن معدل الفائدة المعتاد في سوق المال هو عشرة بالمئة، وإذا كان تشغيل المال في مشروع استثماري يواجه احتمالات كما هو موضح في الجدول في الصفحة التالية:

يقال إن الأموال معرضة للخطر، لأنه على أي حال هناك احتمال أن يكون العائد أقل من معدل الفائدة المعتاد – الذي هو في الواقع تكلفة الفرصة المؤكدة للمال.

لكن من وجهة نظر فقهاء الإسلام، هناك اختلاف بين عوامل الإنتاج المختلفة من حيث وجود أو عدم وجود تكلفة فرصة مؤكدة.

تكلفة الفرصة المؤكدة مقبولة للعمل، الأدوات، والأرض في الفقه الإسلامي.

يكتب المرحوم السيد في عروة الوثقى:

«إذا استأجر مثلاً بيتاً واستلمه، فبعد انتهاء المدة يجب على المستأجر دفع الإيجار، سواء سكن فيه أو تركه خالياً بإرادته.» [31]

وكذلك عن الأدوات يكتب:

«إذا استأجر حيوانًا للركوب أو لحمل البضائع إلى مكان ما وقضى فيه الوقت اللازم للعمل، وجب على المستأجر دفع الأجرة، ولو لم يستخدمه بعد في حمل البضائع أو الركوب.» [32]

وفي موضع آخر كتب:

«إذا سلّم المؤجر عين المستأجرة إلى المستأجر وامتنع المستأجر عن استلامها حتى ينقضي مدة الإيجار، وجب على المستأجر دفع الأجرة.» [33]

وقد أفتي في شأن قوة العمل كذلك:

«إذا استأجر شخصًا لخياطة ثوب معين في وقت محدد، لكنه تأخر في إعطائه القماش بحيث ينقضي الوقت المحدد، وجب عليه دفع أجر الخياط.» [34]

ويصرح المرحوم السيد بأن تأخير قوة العمل كاستخدامها يوجب الضمان. والمثال الذي يذكره في هذا الصدد هو أنه إذا حُبس شخص نشيط، يُقال عرفًا إن السجين قد ألحق به ضررًا بمبلغ معين.

وقد نوقش هذا الموضوع في كتب الفقه تحت عنوان «ضمان المنافع غير المستوفاة» ويُقرّ المحققون، ومنهم المرحوم الشيخ الأنصاري، بالضمان. [35]

وضمان المنافع غير المستوفاة يعادل في الحقيقة مصطلح «تكلفة الفرصة الضائعة» الاقتصادية، وهو موضوع نقاشنا الحالي.

وبالدقة في المدخلات الثلاثة: الأرض، العمل، والأداة، يمكن إدراك أن القاسم المشترك بين هذه العناصر الثلاثة هو «إمكانية الاستخدام مع بقاء العين». فالأرض، قوة العمل، والأداة تُستهلك بفعل الاستخدام، ولكن خلافًا للنقود والمواد الأولية، لا تفنى دفعة واحدة في عملية الإنتاج.

والرؤية الإسلامية بشأن النقود والسلع القابلة للانحلال من حيث وجود أو عدم وجود تكلفة فرصة قطعية معروفة ومشهورة ولا تحتاج إلى مزيد من البحث. والحكم الإسلامي القطعي في تحريم أخذ أي زيادة من المقترض سواء كان الشيء المقترض مقدرًا بالوزن أو العدد أو المعدود، يدل على أنه من الناحية الفقهية لا تُعتبر تكلفة الفرصة القطعية للنقود وغيرها من الأشياء التي يستلزم الاستفادة منها تلف عينها. وقد بيّن المرحوم السيد في عروة شروط جواز إيجار العيان على النحو التالي:

– أن تكون ذات منافع حلال عقلائية؛

– أن يكون الاستفادة منها ممكنًا مع بقاء العين. [36]

فعلى سبيل المثال، الأشياء مثل القمح، الشعير، الفواكه، النفط، النقود وما شابهها لا يجوز تأجيرها، لأن الاستفادة منها تستلزم استهلاكها.

ومن البديهي أن عدم جواز الإيجار على السلع القابلة للانحلال يعني أنه لا يمكن مثلاً أن يعطي شخص من القمح مقدار من القمح ويتفق على أن يستلم بعد شهر مقدارًا مماثلًا من القمح بالإضافة إلى مبلغ كأجرة القمح (تعويضًا عن تكلفة الفرصة). وهذا الأمر غير جائز حتى في قالب القرض:

«إذا شرط المعير أن يأخذ أكثر مما أعطى؛ مثل أن يعطي من القمح منًا ويشترط أن يأخذ منًا وخمسة أوقيات، أو يعطي عشر بيضات ويشترط أن يأخذ إحدى عشرة، فهذا ربا ومحرم.» [37]

ويمكن التعبير عن هذه المسائل بطريقة أخرى:

السلع التي لا يمكن الاستفادة منها مع بقاء العين، من الناحية الفقهية لا تملك تكلفة فرصة قطعية.

وباختصار، المدخلات: الأرض، العمل، والأداة في كل من المذهبين الاقتصاديين: الإسلام والرأسمالية، لها تكلفة فرصة قطعية، أما النقود والمواد الأولية التي تُستهلك في عملية الإنتاج، فهي من وجهة نظر الرأسمالية تملك تكلفة فرصة قطعية، ومن وجهة نظر المذهب الإسلامي تفتقر إلى تكلفة فرصة قطعية. وتحريم الربا في الفقه الإسلامي متجذر في هذا الواقع.

وباستخدام وجهة نظر المذهبين الإسلام والرأسمالية حول تكلفة الفرصة، يمكننا بيان تعريف كل منهما لمفهوم المخاطرة.

فيما يتعلق بمدخلات الأرض والعمل والأداة، لدى المذهبين تعريف موحد لـ «الخطر»: فهناك إيجار، أجر، وأجرة ثابتة لهذه المدخلات. وعندما يواجه أصحاب هذه المدخلات احتمال الحصول على مبلغ أقل من الإيجار أو الأجر أو الأجرة المحددة مقابل عرض مدخلاتهم، فإنهم يكونون معرضين للخطر؛ فمثلاً، العامل الذي يمكنه الحصول على أجر يومي قدره ألف تومان مقابل عرضه لقوة عمله، ويتنازل عن الأجر في عقد مزرعة على أمل الاستفادة من أرباح الإنتاج، إذا كان في توزيع احتمالات العائد الخاص به احتمال الحصول على دخل أقل من ألف تومان، فيمكن القول إنه «خاطر».

أما فيما يخص المواد الأولية والنقود، فتعريف المذهبين الإسلام والرأسمالية لـ «الخطر» مختلف. ويعود هذا الاختلاف إلى اختلاف المذهبين في إثبات أو نفي تكلفة الفرصة القطعية للمواد الأولية والنقود. والنتيجة العملية لهذا الاختلاف هي أن المذهب الرأسمالي يرى أن النقود والمواد الأولية معرضة للخطر إذا كان هناك احتمال الحصول على ربح أقل من تكلفة الفرصة – وهي معدل الفائدة المتعارف عليه -، أما من وجهة نظر الإسلام، فإن النقود النقدية معرضة للخطر فقط إذا كان هناك احتمال عدم استرداد أصلها، وبعبارة أخرى، معرضة لـ «النقصان».

ولتوضيح الأمر أكثر، نكرر المثال السابق:

نفترض أن معدل الفائدة المتعارف عليه في سوق النقود هو 10%. إذا كان تشغيل النقود في مشروع استثماري يواجه احتمالات العائد التالية:

فمن وجهة نظر المذهب الرأسمالي، فإن الأموال المستخدمة في المشروع معرضة للخطر، لأنه على أي حال هناك احتمال أن يكون العائد أقل من معدل الفائدة المتعارف عليه – الذي هو في الواقع تكلفة الفرصة القطعية للنقود.

مع ذلك، لا يرى الاقتصاد الإسلامي في هذا الافتراض وجود الخطر، لأن احتمال النقصان (العائد السلبي) في هذه الحالة يساوي صفرًا.

في المثال المذكور، إذا كان توزيع احتمال عائد المشروع كما يلي:

فإن المال المستخدم في المشروع المعني من وجهة نظر الاقتصاد الإسلامي معرض للخطر، لأنه في هذا الافتراض، «رأس المال الأصلي» معرض لاحتمال العائد السلبي. بالإضافة إلى دور «مموّل التكاليف»، يلعب مالك المال في هذا الافتراض دور «العنصر المعرض للمخاطرة» أيضًا، ومن ثم، بناءً على قاعدة «اتباع القيمة الزائدة للمخاطرة» يمكنه أن يكون شريكًا في الأرباح الناتجة عن المشروع.

لتأكيد ما ذُكر، يمكن الاستشهاد بصحيحة محمد بن قيس. بناءً على هذه الصحيحة، إذا ضمن العامل رأس مال المالك في عقد المضاربة، فإن كل الأرباح تعود للعامل.

في الواقع، عندما يضمن العامل رأس مال المالك، وفقًا لتعريف الخطر في الاقتصاد الإسلامي، لا يوجد أي خطر يواجه المالك. الدور الوحيد الذي يلعبه المالك في نشاط المضاربة هو دور مموّل التكاليف، ومموّل التكاليف ما دام لم يتولَّ دور العنصر المعرض للمخاطرة، فلن يكون له نصيب من الأرباح المحققة، لأنه كما تقدم، القيمة الزائدة تعود بالكامل إلى العنصر المعرض للمخاطرة. في الحقيقة، هذا أكبر انتقاد يُوجَّه إلى نظرية التوزيع للشهيد صدر في موضوع التوزيع بعد الإنتاج.

فيما يخص صحيحة محمد بن قيس، يجب القول إن معظم الفقهاء الذين استشهدوا بهذا الحديث متفقون على أنه إذا جعل المالك العامل ضامنًا لرأس ماله بطريقة «شرط النتيجة»، فلن يكون له نصيب من الأرباح المحققة. والمراد بشرط النتيجة هو الاتفاق على أن تتحمل الخسائر المحتملة الناجمة عن المضاربة في البداية وأصلًا العامل.

مع ذلك، يعتقد بعض الفقهاء أنه إذا كان شرط الضمان بطريقة «شرط الفعل» فلا مانع من ذلك. والمراد بشرط الفعل هو الاتفاق على أن تتحمل الخسائر الناجمة عن المضاربة في البداية وأصلًا المالك، لكن العامل ملزم بدفع ما يعادل الخسارة التي لحقت بالمالك. فتوى المرحوم الإمام التي وردت في تحرير الوسيلة وكذلك في حاشية عروة هي على هذا النحو.

في المقابل، يرى فقهاء آخرون مثل المرحوم آية الله گلپايگاني والشهيد صدر أن هذا الفهم نوع من «الاجتهاد مقابل النص» ويرفضونه.

ملخص الكلام

في القسم الأول قلنا إن عنصر «المخاطرة» في الاقتصاد له أهمية لا يمكن إنكارها، وبدونه لا يبدأ أي إنتاج ولا يستمر. في هذا المقال، كان الهدف هو أن ندرس الأحكام الشرعية الاقتصادية في الإسلام لنرى هل تم الاعتراف بهذا العنصر في المدرسة الاقتصادية الإسلامية أم لا.

قلنا إن الشهيد صدر في كتاب اقتصادنا صرح صراحةً، وفي إطار نظريته العامة للتوزيع، أشار ضمنيًا إلى أن عنصر المخاطرة في الاقتصاد الإسلامي بلا دور. التحليل المفصل لمستندات نظرية الشهيد صدر العامة يظهر أن المخاطرة في المدرسة الاقتصادية الإسلامية – على عكس تصريحاته – ليست بلا دور، ويمكن أن تكون مصدرًا للدخل. بعبارة أخرى، «تحمل المخاطر الناجمة عن الإنتاج» باعتبارها أحد عناصر الإنتاج، يحظى بالاعتراف في النظام الاقتصادي الإسلامي. وبناءً عليه:

1. الأرض، والآلات، والعمل المتصل، والمواد الأولية، والمخاطرة يمكن أن تكون مصادر للدخل.

2. الأرض، والآلات، والعمل المتصل يمكن أن يطالبوا بدخل ثابت أو يتخلوا عن الدخل الثابت ويتولوا دور «العنصر المعرض للمخاطرة».

3. مزود المواد الأولية (والمال) لا يمكن أن يكون شريكًا في المنتج النهائي إلا إذا قام بدور «العنصر المعرض للمخاطرة» في عملية الإنتاج.

4. القيمة الزائدة التي تُنتج في عملية الإنتاج تعود إلى «العنصر المعرض للمخاطرة».

إلى جانب الأدلة الفقهية، ربما يمكن الاستشهاد بأحاديث النبي «الضمان بالخراج»[38] و«الغرم بالغنم»[39] لتأكيد صحة هذه النظرية.

شاهد آخر هو قول المرحوم الشيخ الأنصاري في كتاب المكاسب:

«إن الغنيمة والفائدة مقابل الغرامة وهذا المعنى مستنبط من أخبار كثيرة متفرقة.»[40]

يبدو أن المرحوم الشيخ بقوله هذه الجملة أراد بيان قاعدة عامة، رغم أن العبارة وردت في باب «المقبوض بعقد فاسد».

يتبع…

[1] سيد محمدباقر صدر، اقتصادنا، ترجمة إسبهبدي، (انتشارات جهاد سازندگی خراسان، 1360)، المجلد 2، ص 234.

[2] محمدعزيز، «الأبعاد النظرية والعملية للمصرفية بدون فائدة»، [دراسات في الاقتصاد الإسلامي]، ترجمة جواد مهداوي، (ط.١‌:بنیاد‌ پژوهشهای‌ اسلامی‌، 1374‌).

[3] سيد محمدباقر صدر، اقتصادنا، ترجمة إسبهبدي، المجلد 2، ص 234.

[4] سيد محمدباقر صدر، اقتصادنا، ترجمة إسبهبدي، المجلد 2، ص 236.

[5] سيد محمدباقر صدر، اقتصادنا، ترجمة إسبهبدي، ص 235.

[6] المرجع نفسه.

[7] سيد محمدباقر صدر، اقتصادنا، ترجمة إسبهبدي، المجلد 2، ص 198.

[8] سيد محمدباقر صدر، اقتصادنا، ترجمة إسبهبدي، المجلد 2، ص 224.

[9] المرجع نفسه، ص 221.

[10] دراسة نقدية موثقة لنظرية التوزيع العامة للشهيد صدر في الصفحات 59-30 من رسالة الماجستير للمؤلف (دراسة فقهية واقتصادية للربح المضمون (علي الحساب) في نظام المصرفية بدون ربا، المشرف: حجة الإسلام والمسلمين مصباحي، المستشارون: الدكتور شريف آزاده والسيد مؤمني، كلية الاقتصاد بجامعة علامه طباطبائي طهران).

[11] سيد محمدباقر صدر، اقتصادنا، ترجمة إسبهبدي، المجلد 2، ص 197.

[12] المرجع نفسه، ص 232.

[13] المرجع نفسه، ص 231.

[14] المرجع نفسه، ص 224.

[15] سيد محمدباقر صدر، اقتصادنا، ترجمة إسبهبدي، المجلد 2، ص 191.

[16] قد يُطرح سؤال لماذا استند الشهيد صدر لاكتشاف المدرسة الاقتصادية الإسلامية إلى نظريات تتعارض مع آرائه الفقهية الخاصة. لتوضيح الإجابة، يُنصح بدراسة المناقشات التي قدمها في بداية المجلد الثاني من اقتصادنا (طريقة اكتشاف النظام الاقتصادي). أشار الشهيد صدر في مقدمة المجلد الثاني: «فضل المؤلف في المرحلة الأولى جمع جميع الأحكام والقواعد اللازمة لصحة هذا التفسير والتي تساعد على نجاحه، وعدم الاقتصار على الأحكام المقبولة شخصياً فقط… لذلك لا ينبغي تصور أنه جمع فقط الأحكام المتوافقة مع منهجه الفقهي، بل تم ذكر الأحكام غير المتوافقة والمتعارضة في كثير من الحالات.» اقتصادنا، المجلد 2، ص 12. وفي الوقت نفسه، أكد: «إذا كان الباحث سيخطو خطوة أبعد من الفقه في الأحكام ويتأمل نظرياً في النظام الاقتصادي، فيجب أن يبدأ بأحكام متناسقة وقوية.» اقتصادنا، المجلد 2، ص 52. معظم الانتقادات التي وُجهت لنظرية الشهيد صدر في هذا الفصل (وكذلك في كتاب مدخل إلى الاقتصاد الإسلامي، تأليف مكتب التعاون بين الحوزة والجامعة) تعود إلى هذه النقطة. بعض الأحكام القانونية التي استخدمها في كتاب اقتصادنا ليست قوية بما يكفي لتكون أساساً للمدرسة الاقتصادية الإسلامية. على سبيل المثال، في النقاش الحالي (حصريّة مصدر الدخل في العمل)، أحد المصادر الرئيسية للشهيد صدر هو عدم جواز الاستئجار في حيازة المباحات. هذه النظرية مرفوضة تماماً ولا يوجد نص صريح من الفقهاء بشأنها. وأيضاً لإثبات أن المدخل «الأرض» لا يعطي إذناً نظرياً للمشاركة في محصول الزراعة، استدل بأن الشيخ الطوسي في كتاب الخلاف اعتبر بذل البذر من واجبات مالك الأرض، وإذا أعطى المالك الأرض فقط للعامل، فلن يكون له نصيب من المحصول. في حين أن هذه النسبة إلى الشيخ الطوسي غير صحيحة أولاً، وثانياً هذه الرؤية لا تبدو مقبولة بين الفقهاء، وثالثاً فتوى الشهيد صدر نفسها تخالف هذا الرأي.

[17] مكتب التعاون بين الحوزة والجامعة، مدخل إلى الاقتصاد الإسلامي، (منظمة دراسة وتأليف كتب العلوم الإنسانية للجامعات)، ص 209.

[18] سيد محمدكاظم طباطبائي يزدي، العروة الوثقى، (دارالکتب الاسلامیه، 1384)، ص 542.

[19] «وعقد المزارعة والمساقاة يشبه عقد الإجارة من حيث أنه كان لازماً فافتقر إلى تحديد المدة، ويشبه القرض من حيث أن حصة العامل مشتركة معروفة في المستفاد.» ابن إدريس، سرائر، كتاب المزارعة، سلسلة الينابيع الفقهية، المجلد 17، ص 217.

[20] سيد محمدباقر صدر، اقتصادنا، ترجمة إسبهبدي، المجلد 2، ص 218.

[21] النقطة التي يجب مراعاتها في هذا النقاش هي أنه في مثل هذه الحالات، لا يمكن للعامل (أو صاحب الأرض والأدوات) المشاركة في المنتج النهائي استناداً إلى أحد عقود المضاربة أو المزارعة أو المساقات إذا تلقى أجراً معيناً. من البديهي أنه إذا اعتُبر إذن المالك نوعاً من «التبرع» الذي لا علاقة له بالعقد المعني، فإن مسار النقاش يتغير كلياً. على سبيل المثال، يكتب الشهيد صدر في تبرير جواز الوكالة في حيازة المباحات: «هنا يتنازل المنتج شخصياً عن حقه، وفي الواقع عندما أراد أن ينتج شيئاً لغيره، فقد تبرع به له.» اقتصادنا، المجلد 2، ص 191.

[22] سيد محمدباقر صدر، اقتصادنا، ترجمة إسبهبدي، المجلد 2، ص 198.

[23] المرجع نفسه، ص 197.

[24] سيد أبو القاسم الخوئي، مباني العروة الوثقى، المجلد 3، ص 318.

[25] سيد محمدباقر صدر، البنك الربوي في الإسلام، (ط. هفتم:بیروت، دارالتعارف، 1401)، الملحق الثاني.

[26] سيد محمدباقر صدر، اقتصادنا، ترجمة إسبهبدي، المجلد 2، ص 207.

[27] الشهيد مرتضى مطهري، الربا، البنك، التأمين، (الطبعة الأولى: منشورات صدرا) ص 281.

[28] طبيعة التأمين هي تحويل الخطر المحتمل إلى تكلفة مؤكدة (قسط التأمين). يجب الانتباه إلى أنه رغم أن المؤمن عليه يتحمل جزءاً من مخاطر الإنتاج ضمن عقد التأمين الذي موضوعه عملية إنتاجية، إلا أننا لا نعتبره جزءاً من «قوة المخاطرة» حسب التعريف. قوة المخاطرة تشمل فقط أصحاب المدخلات الذين يقدمون مدخلاتهم إلى عملية الإنتاج دون أجر معين. المؤمن عليه، رغم أنه يلعب دور المتحمل للمخاطر، إلا أنه يتقاضى أجراً أو قسط تأمين معين مقابل هذا الدور، ومن ثم – حسب التعريف – لا يُعتبر «مدخل مخاطرة» أو «قوة مخاطرة».

[29] راجع نقاش «أنواع المخاطر» في القسم الثالث من المقال.

[30] انظر: رسالة الماجستير للسيد أبو الفضل سامي، جامعة تربية مدرس، 1374 هـ ش.

[31] «لو استأجر داراً مثلاً وتسلمها ومضت مدة الإجارة استقرت الأجرة عليها، سواء سكنها أو لم يسكنها باختياره.» سيد محمد كاظم طباطبائي يزدي، العروة الوثقى، المجلد 2، ص 530.

[32] «إذا استأجر دابة للركوب أو لحمل المتاع إلى مكان كذا ومضى زمن يمكن له ذلك وجب عليه الأجرة واستقرت، وإن لم يركب أو لم يحمل…» المرجع نفسه.

[33] «إذا بذل المؤجر العين المستأجرة ولم يتسلم حتى انقضت المدة استقرت عليه الأجرة.» سيد محمد كاظم طباطبائي يزدي، العروة الوثقى، المجلد 2، ص 530.

[34] «إذا استأجره ليخيط له ثوباً معيناً مثلاً في وقت معين وامتنع من دفع الثوب إليه حتى مضى ذلك الوقت فإنه يجب عليه دفع الأجرة.» المرجع نفسه، ص 531.

[35] الشيخ مرتضى الأنصاري، كتاب المكاسب، ص 105.

[36] «كل ما يمكن الانتفاع به منفعة محللة مقصودة للعقلاء مع بقاء عينه يجوز إيجاره.» سيد محمد كاظم طباطبائي يزدي، العروة الوثقى، المجلد 2، ص 545.

[37] الإمام الخميني، رسالة عملية، المسألة 2283.

[38] أبو الحسن محمدي، قواعد فقه، (ط.١‌:نشر یلدا، 1373).

[39] المرجع نفسه.

[40] الشيخ مرتضى الأنصاري، كتاب المكاسب، ص 104.