ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: بررسی تطبیقی تبیین نسبت لفظ و معنا از دیدگاه سوسور و محمدباقر صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص
علم اللسانيات وأصول الفقه علمان مختلفان في التعريف والغاية. ومع ذلك، يمكن تعداد موضوعات متعددة تناولها كلا العلمين. نسبة اللفظ إلى المعنى هي واحدة من هذه الموضوعات التي تُعد من مبادئ علم اللسانيات وأصول الفقه على حد سواء. قدم الشهيد الصدر في هذا المجال نظرية جديدة تحت عنوان القرن الأكِد، كما بحث سوسور، بصفته والد علم اللسانيات الحديثة، بشكل موسع في العلاقة بين اللفظ والمعنى وأوضح آرائه. وبما أن موضوع البحث هو اللغة، يمكن دراسة وجهة نظرهما بشكل مقارن في ثلاثة مسائل: نسبة القوة الناطقة التي يذكرها سوسور إلى القوانين الثلاثة التكوينية التي تناولها الشهيد الصدر، ومكانة الدلالة وتمييز الدال والمدلول في الألفاظ، وأخيرًا هل العلاقة بين اللفظ والمعنى اختيارية أم إجبارية. إن دراسة ومقارنة نظريات هذين المفكرين اللذين تناولا هذا الموضوع من منظورات مختلفة يمكن أن تمهد لفهم أفضل لهذه القضية في كلا التخصصين.
المؤلف: سید حسین خاتمی سبزواری، سید محمدحسین محمدی دمنه
المصدر: فصلنامه فقه و اصول، سنة ٥٤، العدد ١، الرقم التسلسلي ١٢٨، ربيع ١٤٠١، ص٨٥-١٠٤
المقدمة
تناول الشهيد محمد باقر الصدر، من علماء الشيعة المتأخرين، علم الأصول بطريقة مبتكرة. فقد أدت نظرته المختلفة لهذا العلم إلى تغييرات في هيكله وتقسيمه وكذلك في موضوعاته ومحتواه. ومن بين القضايا الأصولية التي طرح فيها الشهيد الصدر نظرية جديدة، موضوع نسبة اللفظ إلى المعنى. إذ قدم الشهيد الصدر، خلافًا لأستاذه آية الله الخوئي وغيرهم من كبار الأصوليين، نظرية تحت عنوان القرن الأكِد وشرحها.
من جهة أخرى، يختص علم اللسانيات بدراسة اللغة، وقد ظهرت موضوعاته بين العلماء المسلمين تحت عناوين مختلفة. ومن هذه العناوين، موضوعات ألفاظ علم الأصول. لكن يبدو أن العلم الذي يعنى باللغة بشكل مستقل لم يُؤسس بين المسلمين، حتى أُعير اهتمام له في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي من قبل الأوروبيين، وتفرعت منه فروع متعددة تدريجيًا، وأصبح اليوم من أكثر العلوم شمولية وتأثيرًا في مجال العلوم الإنسانية.
يُطلق على فردينان دو سوسور لقب والد اللسانيات الحديثة. وقد خضعت نظرياته لاحقًا لتغييرات جذرية من قبل العديد من اللغويين، إلا أن تأثيرها على اللسانيات الحديثة لا يزال قائمًا. فمعظم القضايا اللغوية التي تُطرح اليوم تستند إلى نظريات هذا اللغوي السويسري. وأثره الرئيسي هو كتاب “دورة اللسانيات العامة” الذي جمعه وحرره تلاميذه بعد وفاته من محاضراته الجامعية.
تتناول هذه المقالة بعد عرض مفصل لنظريات الشهيد الصدر حول اللفظ والمعنى ونسبتهما، والتي تُعد من القضايا الأساسية في موضوعات ألفاظ علم الأصول، نظرية سوسور في هذا الخصوص، وفي النهاية دراسة مقارنة بين نظريات الشهيد الصدر وفردينان دو سوسور.
في هذا البحث، وُضعت موضوعات ونظريات هذين المفكرين في مسألة نسبة اللفظ إلى المعنى بشكل أكثر تفصيلًا في ثلاثة مجالات: القوة الناطقة والقانون التكويني، الدال والمدلول، والإجبارية أو الاختيارية في اللغة، وتم بيان أوجه الشبه والاختلاف بينهما.
كما تسعى هذه المقالة إلى توضيح إجابات هذين العالمين على الأسئلة التالية: ما هي طبيعة نسبة اللفظ إلى المعنى؟ من هو الدال ومن هو المدلول في هذه النسبة؟ هل وضع الألفاظ للمعاني اختياري أم إجباري وتكويني؟. وللإجابة على هذه التساؤلات، استُخدم المنهج التحليلي والوصف المكتبي، وتم تقييم أهم آراء هذين المفكرين الكبيرين.
نأمل أن تسهم هذه المقالة أولًا في إعادة قراءة وتعزيز نظرية الشهيد الصدر المبتكرة، وثانيًا في تحقيق خطوة صغيرة نحو تقريب وتوافق علمي اللسانيات وأصول الفقه في بعض الموضوعات المشتركة، ليُلقي علماء الأصول من خلالها نظرة على موضوعات علم اللسانيات الحديثة [15، 16].
١. توضيح وجهة نظر الشهيد الصدر في نسبة اللفظ إلى المعنى
أول نقاش حول حقيقة الوضع هو العلاقة بين اللفظ والمعنى. هل نسبة اللفظ إلى المعنى ذاتية أم لا؟ يكاد جميع الأصوليين يعتقدون أن نسبة اللفظ إلى المعنى ليست ذاتية. فقط بعض القدماء مثل عباد بن سليمان الصيمري وأصحاب التكثير أقروا بافتراض دلالة ذاتية للألفاظ على المعاني (قمی١/۴٣٩). وهذا القول باطل؛ لأن مقتضى ذلك أن يفهم الناس جميع اللغات بعضهم بعضًا، وهذا بديهيًا غير صحيح.
بعض الأصوليين يرون أن الله تعالى هو واضع الألفاظ للمعاني. وبشكل خاص، أيد المرحوم النائيني هذه النظرية (١/٣١). وبعده، لم تُقبل هذه النظرية من قبل الأصوليين المتأخرين وتعرضت لنقد شديد (روحانی، ١/۵١).
بعد أن تبين أولًا أن دلالة الألفاظ على المعاني ليست ذاتية، وثانيًا أن الله تعالى ليس واضع الألفاظ للمعاني، يبقى السؤال الأساسي: فما هي العلاقة بينهما إذًا؟ في كيفية علاقة اللفظ بالمعنى أو وضع اللفظ للمعنى، هناك ثلاثة أُسس مهمة:
أ. مسلك التعهد: وضع الألفاظ للمعاني أمر تعهدي واتفاقي يؤدي إلى دلالة تصورية بين تصور اللفظ وتصور المعنى. هذا الأساس اختاره آية الله الخوئي وبعض الأصوليين الآخرين (خویی، ١/۴۵).
ب. مسلك الاعتبار: الوضع أمر اعتباري محض بمعنى الجعل والافتراض يؤدي إلى دلالة تصورية بين تصور اللفظ وتصور المعنى (هاشمی شاهرودی، درسنامه اصول فقه، ١/٩١).
ج. مسلك القرن الأكِد: الوضع أمر حقيقي وتكويني يؤدي إلى دلالة تصورية بين تصور اللفظ وتصور المعنى. هذا الأساس اختاره الشهيد الصدر وكذلك المحقق العراقي مع بعض الاختلافات.
نتجنب التطرّق إلى نقد المبدئين الأولين وننتقل إلى رأي المختار شهيد صدر.
١. ١. نظرية القرن الأكِد
نقاش حقيقة الوضع هو نقاش حول كيفية تشكّل الدلالة بين اللفظ والمعنى، وأن اللفظ سبب لتصور المعنى. بعد أن فهمنا أن هذا الارتباط ليس ارتباطًا ذاتيًا، نواجه السؤال: كيف تمّ إقامة هذا الارتباط إذًا؟
قبل عرض وبيان نظريته، يشير شهيد صدر إلى عدة مقدمات وقوانين. يعتقد أن هناك ثلاثة قوانين تكوينية عند الانتقال من إدراك الشيء إلى تصوره. عندما يدرك الإنسان شيئًا وينتقل هذا الإدراك به إلى تصور ذلك الشيء، يكون ذلك قائمًا على ثلاثة قوانين تكوينية. وقد سمّى هذه القوانين القانون التكويني، القانون التكويني الأول، والقانون التكويني الثاني.
١. ١. ١. القانون التكويني الرئيسي
يرى شهيد صدر أن إدراك الإحساس بشيء ما يؤدي إلى انتقال تصوري إلى المعنى؛ فمثلاً، إحساس الأسد يؤدي إلى تصور معنى الحيوان المفترس. هذه السببية حقيقة تكوينية تستند إلى القوانين الإلهية عند خلق الإنسان. وفقًا لرأيه، منح الله الإنسان قدرة الإحساس والخيال والتصور. بين الإحساس والتصور توجد علاقة سببية؛ بمعنى أن إحساس أي شيء يؤدي إلى تصور معنى ذلك الشيء. بهذا العرض، يكون الإحساس بالشيء سببًا، والتصور بالمعنى مسببًا. يسمي شهيد صدر هذه العلاقة القانون الأول التكويني. هذا القانون هو أساس وقاعدة انتقال المعنى إلى الذهن (صدر، بحوث فی علم الاصول، ٢/۴٩).
١. ١. ٢. القانون التكويني الفرعي الأول
في البداية، كان الإنسان يستعين بالقانون التكويني الأول للتفهيم والتفاهم. لذا كان مضطرًا إلى إحضار المثال الخارجي المراد عند التفهيم لكي يستقبل الطرف الآخر الصورة عبر الإحساس بها. لكن نتيجة لكثرة حاجات الإنسان وتوسع المدركات ونتيجة للتفاهم والتفهيم، لم يعد هذا القانون أو الانعكاس الطبيعي، بسبب بساطته وسهولته، قادرًا على تغطية حاجات الإنسان. لذلك فكر الإنسان في استخدام قانون تكويني ثانوي.
وفقًا لهذه العلاقة، نفس العلاقة التي كانت قائمة في القانون الأول بين وجود الشيء وتأثيره على الذهن، بحيث أن هذا الأداء يشبه الشيء نفسه ويحل محله (المرجع نفسه، ٢/۵٠).
بعض شارحي كلام شهيد صدر أطلقوا على هذا القانون اسم الانعكاس الشرطي الأول؛ بمعنى أن ظهور صورة المعنى في الذهن لعامل جديد هو وجود مشابه ظهر مرتبطًا بالعامل الطبيعي الأول. ويسمى هذا العامل بالعامل الشرطي الأول، وتأثيره، وهو ظهور صورة المعنى في الذهن، بالانعكاس الشرطي الأول، ويُطلق على هذا القانون قانون الانعكاس الشرطي الأول (صدر، بحوث فی علم الاصول، مقرر: عبدالساتر، ٢/۴٩).
للتوضيح أكثر: أحيانًا لا يحس الإنسان بالشيء الخاص المقصود، بل يحس بشيء يشبهه. في هذه الحالة أيضًا ينتقل ذهنه إلى تصور ذلك الشيء المقصود، رغم أنه لم يحسه في البداية. هذا القانون، مثل القانون الأول، سبب في انتقال المعنى؛ فمثلاً عندما نرسم شكل الأسد على الورق، وعندما نواجه هذا الرسم، ينتقل الذهن من هذه الصورة إلى الحيوان المفترس أو الأسد الحقيقي. وهذا مع أننا لم نرَ الحيوان المفترس نفسه، بل رأينا مثيله وهو الرسم، وهذا التشابه سبب انتقال الذهن إلى المعنى أو الأسد الحقيقي.
يقول شهيد صدر: وضع هذا القانون ليس بيد واضع اللفظ. فالواصف لا يملك القدرة على وضع مثل هذا الاتفاق. ثم يضيف أن هذا القانون يهيمن على القانون السابق؛ لأن مضمون القانون السابق كان أن من يحس الحيوان المفترس ينتقل ذهنه إلى تصور معناه، بينما في هذا القانون حسبنا الإحساس بشيء يشبه الشيء نفسه. لذلك القانون الثاني يهيمن على القانون الأول. ويجب التنويه إلى أن هذا القانون هو قانون تكويني وليس قانونًا اعتباريًا تنزيليًا. وهذه الهيمنة هي هيمنة حقيقية؛ بمعنى أن مشابه الشيء له نفس أثر الشيء نفسه. لذلك عندما نرى صورة الأسد على الورق، ينتقل ذهننا إلى صورة معنى الحيوان المفترس، وهذا هو القانون التكويني الفرعي الأول. شهيد صدر لا يصرح بذلك، لكن من الواضح أن هذا القانون نتيجة للقانون السابق (حیدری، ١/٢٧۶).
١. ١. ٣. القانون التكويني الفرعي الثاني
هذا القانون أيضًا يهيمن على القانون الأول مثل القانون السابق. وللتوضيح: أحيانًا لا نرَ الأسد، ولا حتى صورة الأسد؛ أي أننا لا نرَ شيئًا يشبه الأسد، لكننا ندرك شيئًا مقرونًا بالحيوان المفترس، وهذا الاقتران والمعية بطريقة خاصة. في هذه الحالة ينتقل الذهن من الشيء المقرون بالحيوان المفترس إلى الحيوان المفترس نفسه. لذلك إذا افترضنا أن شيئًا مقرونًا بشيء آخر والاقتران اقتران خاص وشديد، فكلما رأينا أحدهما وأدركناه، ننتقل إلى معنى وتصوّر الشيء الآخر المقرون به (صدر، بحوث فی علم الاصول، مقرر: عبدالساتر، ٢/۵٠).
حدث هذا النوع من الارتباط عندما تجاوزت حاجات الإنسان للتفهيم والتفاهم النوعين السابقين. لذلك سعى الإنسان إلى استخدام قانون تكويني آخر غير القانون التكويني الثاني (الانعكاس الشرطي الأول) الذي سميناه الانعكاس الشرطي الثاني، ليحقق أسباب التفاهم. فاستعمل عنصر (القرن الأكِد والراسخ) بين العامل الطبيعي والشيء الآخر لنقل الانعكاس الذهني المتعلق بالعامل الطبيعي إلى العامل المقرون والمشروط به. في هذه المرحلة حاول الإنسان أن يخلق اقترانًا راسخًا ومتينا بين الشيء الذي يؤدي الإحساس به إلى التصور (الانعكاس الشرطي) مع شيء آخر، بحيث يؤدي الإحساس بالشيء الثاني إلى ظهور صورة نفس الشيء الأول في الذهن، وبهذا يُحمّل الأثر التكويني والطبيعي للشيء، وهو ظهور صورته في الذهن نتيجة الإحساس به، على شيء آخر مقرون ومشروط به (صدر، بحوث فی علم الاصول، مقرر: عبدالساتر، ٢/۵١).
هذا الاقتران والمصاحبة التي تم شرحها، أحيانًا تكون خاصيتها خاصية كمية؛ أي أن هذه الخاصية نشأت بسبب كثرة الاقتران. فمثلاً نتخيل أن شيئين وُضعا جنبًا إلى جنب ألف مرة. في هذه الحالة، عندما نرى أحدهما، ينتقل الذهن من تصور أحدهما إلى تصور الشيء الثاني.
وأحيانًا تكون هذه الخاصية خاصية نوعية؛ بمعنى أن الاقتران بينهما لا ينشأ عن الكثرة، بل قد يكون هذا الاقتران قد حدث مرة واحدة فقط، ولكن تلك المرة الواحدة كانت ذات جودة خاصة بحيث أنه بعد ذلك كلما رأينا الأول أو تخيلناه، ينتقل ذهننا تلقائيًا إلى تصور الثاني. فمثلاً إذا سافر الإنسان إلى بغداد وأُصيب بمرض شديد، بعد ذلك كلما سمع اسم بغداد ينتقل ذهنه إلى ذلك المرض. في هذا المثال، رغم أن الاقتران بين بغداد والمرض لم يحدث إلا مرة واحدة، إلا أن هذه المرة الواحدة بسبب الاقتران النوعي الخاص الذي حصلت عليه، تسبب في انتقال ذهني.
وبالنظر إلى الشرح السابق، ندرك أن الإنسان بدون عناية من جانبه وضمن نطاق هذه القوانين الكونية التي هي مخلوق الله، يستطيع أن يخلق كلمة؛ لأن الإنسان، بدون عناية، يمكنه أن ينادي أشياء متعددة ويجعلها مفهومة. لذلك تُصنع الكلمة، وهذا الدلالة أو دلالة اللفظ على المعنى، لا يدخل فيها أي عناية أو تدخل من الإنسان؛ لأنها قوانين كونية والإنسان لا دخل له في وجودها، بل هي من عند الله.
وبالنظر إلى ما قيل يتضح تعريف الشهيد صدر للوضْع: وهو وضع اللفظ من حيث الاقتران المؤكد في تصور الإنسان وذهنه بالمعنى الذي يُراد من ذلك اللفظ. مع هذا الشرح، ينشأ قانون كوني آخر في الصغرى وهو الانتقال من تصور أحد المتقاربين إلى تصور المقارن الآخر الذي يُهيئ أساس الوضع. ولهذا يقول الشهيد صدر: حقيقة الكلمة هي أن يُقرن اللفظ عدة مرات بالمعنى بحيث يستقر هذا الاقتران حتى في ذهن الطفل. الأطفال الذين لا يفهمون معنى الاعتبار ولا يدركون معنى التعهد. فمثلاً، الأم التي تمسك بزجاجة الحليب أمام طفلها وتهزها وتكرر كلمة “حليب” عدة مرات، بعد ذلك كلما سمع الطفل كلمة “حليب” من الآخرين، حتى وإن لم تكن زجاجة الحليب موجودة، ينتقل ذهنه إلى الحليب. هذه النظرية في مصطلح أصوليي المتأخرين تُعرف بنظرية القرن الأكِد.
يجب الانتباه إلى أنه بناءً على هذه النظرية، إذا كان هذا الاقتران من حيث التكرار وكان عامله عاملاً كمياً، فإنه يشكل وضعًا تعيينيًا، وإذا كان اعتباره اعتباريًا نوعيًا وليس كمياً، فإنه يشكل وضعًا تعيينيًا.
١. ٢. نتائج نظرية القرن الأكِد في العلاقة بين اللفظ والمعنى
بعد توضيح نظرية القرن الأكِد وأن دلالة الألفاظ على المعاني نشأت من التقارن النوعي والكمّي بينهما، تستند بعض نظريات الشهيد صدر الأخرى إلى ذلك، ونشير إلى أهمها:
أ. حسب رأي الشهيد صدر، الوضع ليس من الأمور الإنشائية (بحوث فی علم الاصول، ٢/۵۶). هذا عدم الإنشائية في الوضع التعييني واضح ولا يحتاج إلى شرح؛ لكن في الوضع التعييني؛ الوضع التعييني هو حيث يتم الاقتران بين اللفظ والمعنى خلال عملية واحدة وفورية، وهذا له وجهان:
الوجه الإنشائي الإيجادي: للمعنى الاعتباري مثل أن تقول “قررت أن أضع لفظ زيد لوجود ابني”، هنا اللفظ هو ذاته المعنى ولا يمكن إيجاد معيار للدلالة بين اللفظ والمعنى؛ لأن لفظ زيد هو ذلك الولد نفسه؛ أي اللفظ هو ذاته المعنى.
الوجه الإنشائي الكوني: بحيث يكون هذا الإنشاء محدثًا كونيًا يُحدث نوعًا من الاقتران بين اللفظ والمعنى في ذهن السامع، والمعيار هو ذلك الاقتران المؤكد بين اللفظ والمعنى. لذلك، الوضع التعييني من حيث الوضع ومن حيث كونه معيارًا للدلالة بين اللفظ والمعنى، ليس وضعًا إنشائيًا اعتباريًا.
ب. دلالة الألفاظ على المعاني هي دلالة تصورية وليست تصديقية. وللتوضيح أكثر يجب القول: الدلالة نوعان:
الدلالة التصورية: بمعنى أنه كلما سمعنا لفظ “حليب” يتبادر إلى ذهننا صورة الحيوان المفترس، بغض النظر عما يقصده المتكلم.
الدلالة التصديقية: بمعنى أن لفظ “أسد” يدل على أن المتكلم يقصد من كلامه إفهام الحيوان المفترس؛ أي نحكم بأن ما نفهمه من اللفظ هو المقصود من المتكلم.
وبناءً على ما سبق يتضح أن الشهيد صدر يعتبر دلالة الألفاظ دلالة تصورية وليست تصديقية؛ لأن الوضع من وجهة نظره ليس سوى إحداث صغرى للقانون الثانوي الكوني، وشرحه هو ذلك الاقتران الأكِد بين شيئين بحيث كلما تصورنا أحدهما تصور الآخر أيضًا. لذلك لا فرق في ذلك بين أن نسمع هذه الألفاظ من إنسان عاقل أو نائم أو مجنون؛ لأن الذهن في كل الأحوال يتجه نحو ذلك الشيء الأخير. بينما في الدلالة التصديقية، لا يكون لإرادة المتكلم دور في تلك الدلالة.
ج. العلم بالوضع لا يدخل في الانتقال إلى المعنى. يقول الشهيد صدر في هذا الخصوص: الوضع لا يسبب الاقتران بين اللفظ والمعنى بسبب وجود نفس الأمر؛ لأن هذا اللفظ والمعنى موجودان في كتب المعاجم وليس في ذهني. لذلك، ما دام الاقتران بين ذلك اللفظ والمعنى لم يحدث في ذهني، فلا يكون لي وضع. لكن بالنسبة لشخص آخر حدث له هذا الاقتران بين اللفظ والمعنى، فقد تم الوضع. هذا الاقتران الأكِد غالبًا ما يحدث للإنسان العاقل بسبب الوضع، وأحيانًا للأطفال والكبار بدون طريق العلم بالوضع، بل عن طريق التلقين. لأن الطفل لا يملك القدرة على فهم أن لفظ “حليب” موضوع على معنى الحيوان المفترس، ولكن بالتلقين وتكرار اللفظ والمعنى، يرتبطان في ذهنه. ومع ذلك ينتقل ذهنه من اللفظ إلى المعنى لأن هذا الاقتران قد تحقق، وهو بدل عن الوضع (صدر، بحوث فی علم الاصول، ٢/٩٢).
به هذه التوضيحات، اعتبرنا رأي الشهيد في موضوع القرينة القطعية أو ما يُعرف بعلاقة اللفظ والمعنى. والآن ننتقل إلى المسألتين التاليتين:
١.٣. هل الدلالة تابعة لإرادة المتكلم أم لا؟
كما ذكرنا، وفقًا لرأيه، حقيقة الوضع هي ذات القرينة، أي الاقتران أو التلازم، والقرينة سبب تكويني لنقل الذهن من أحد المتقارنين إلى الآخر، وهذه العلية ليست علة صناعية أو اعتباريّة. لذلك، وفقًا لرأيه، هناك شيئان: الأول هو السبب، وهو هنا نفس القرينة في النقل الذهني، والثاني هو المعلول، وهو نفس التلازم التكويني بين تصور اللفظ وتصوّر المعنى. أما اللفظ نفسه فهو فعل خارجي سببي لهذه القرينة؛ لذا فإن الواضع إما يحقق هذه القرينة بالتكرار الخارجي لها أو يسببها باعتبارها وضعًا. لذلك، لا معنى لأن تكون هذه القرينة قيدًا أو إطلاقًا. المعلول لهذه القرينة أيضًا هو تلازم تكويني قائم بين اللفظ والمعنى، ولا يمكن افتراض أن هذا التلازم يكون أحيانًا موجودًا وأحيانًا غير موجود؛ لأن ذلك يؤدي إلى تفريق بين السبب والمعلول، وهذا مخالف للفرض والأساس عند الشهيد صدر؛ إذ سبق وذكرنا مرارًا أن القرينة تلازم تكويني بين اللفظ والمعنى. إذًا من الواضح أنه وفقًا لرأيه الدلالة ليست تابعة للإرادة.
٢. توضيح آراء سوسور
نبدأ شرحًا منهجيًا لآراء سوسور بتمييز بين اللغة والكلام والقدرة الناطقة، كما فعل هو نفسه. من أهم المواضيع التي طرحها سوسور في فترة علم اللغة العام هو التمييز بين القدرة الناطقة واللغة والكلام. أولًا، نناقش الفرق بين القدرة الناطقة واللغة:
٢.١. التمييز بين اللغة والكلام والقدرة الناطقة
كيف ترتبط اللغة بالكلام وكيف يرتبط الاثنان بالقدرة الناطقة؟ يبدو أن الاعتقاد الأساسي هو أن الأخير يمكن تقسيمه بشكل شامل إلى مجالين فرعيين: القدرة على النطق والكلام. في هذا القسم، سنناقش الأجزاء المتباينة لكل منهما والأسباب التي قدمها سوسور لإنشائهما.
٢.١.١. الفرق بين اللغة والقدرة الناطقة
في الفصل الأول من “دورة علم اللغة”، يسعى سوسور إلى شرح وتحديد موضوع علم اللغة. ولهذا الغرض، يعرّف اللغة ويحدد ماهيتها. في البداية، يميز بين اللغة والقدرة الناطقة. لكن ما هي اللغة؟ يوضح قائلًا: «لا ينبغي أن نخلط بين اللغة والقدرة الناطقة. اللغة هي جزء محدد من القدرة الناطقة. اللغة في الوقت نفسه هي نتاج اجتماعي ومجموعة من الاتفاقيات الضرورية التي قبلها المجتمع لكي يتمكن الأفراد من تفعيل القدرة المذكورة. القدرة الناطقة في كليتها متعددة وغير متجانسة. هذه الظاهرة تنتمي في آن واحد إلى مجالات مختلفة فيزيائية وفسيولوجية ونفسية، ومن جهة أخرى إلى مجالات فردية واجتماعية. القدرة الناطقة لا تقع ضمن أي من فئات الحقائق الإنسانية الموجودة؛ لأنه ليس واضحًا كيف يمكن تحديد وحدتها. على العكس، اللغة في ذاتها مجموعة شاملة وأصل تصنيفي نوعي» (سوسور، ١۵).
في شرح عبارة سوسور، يجب القول وفقًا لرأيه، إن العلاقة المنطقية بين اللغة والقدرة الناطقة هي عموم وخصوص مطلق. في الواقع، اللغة جزء من القدرة الناطقة.
كما رأينا، أحد التمييزات التي يضعها بين القدرة الناطقة واللغة هو البُعد الاجتماعي للغة. في القسم الثالث، سنشرح كيف أن اللغة لها بُعد اجتماعي وليس فرديًا. إجمالًا، ما يهم في هذا القسم هو أن القدرة الناطقة متعددة الأبعاد: لها بُعد اجتماعي، وبُعد فردي، وبُعد فسيولوجي ونفسي. في موضع آخر، يؤكد سوسور أن «اللغة هي الجزء الاجتماعي من القدرة الناطقة ومستقلة عن الفرد، الذي لا يمكنه وحده أن يخلقها أو يغيرها. اللغة توجد فقط بسبب نوع من الاتفاق الذي يُبرم بين أعضاء المجتمع» (المرجع نفسه، ٢٢).
الفرق الثاني الذي يشير إليه سوسور بين اللغة والقدرة الناطقة هو بُعد التجانس في اللغة وعدم التجانس في القدرة الناطقة. يعتقد سوسور أن اللغة ذات طبيعة متجانسة، بينما القدرة الناطقة لها عدم تجانس خاص بها؛ والشرح هو أن اللغة نظام محدد ومنظم ومعين يمكن التحدث عن آليته وكيفية عمله، وكل هذا لأن المجتمع هو الذي بنى هذا النظام المحدد، وهذا النظام يجعل اللغة نظامًا متجانسًا ومنظمًا. أما القدرة الناطقة فليست كذلك. في الواقع، ما يعرفه سوسور بالقدرة الناطقة ويميزها عن اللغة هو الاستعداد لإنتاج الأقوال (المرجع نفسه، ١٧). لفهم هذا الاستعداد بشكل أفضل، أفضل شرح هو أن استعداد إنتاج الأقوال هو القدرة الطبيعية التي نستخدمها من جهازنا النطقي عند الكلام (هلدکرافت، ۵۶).
من الشرح السابق، أولًا فهمنا أن القدرة الناطقة أعم من اللغة وحتى الكلام. ثم استخلصنا فرقين رئيسيين وضعهما سوسور بين اللغة والكلام. في الواقع، اللغة والكلام كل منهما يظهر تحت ظل القدرة الناطقة وكل منهما مرتبط بها بطريقة ما.
بعد تحديد الفرق بين هذين، حان الوقت لتحديد وتوضيح الفرق بين اللغة والكلام:
٢.١.٢. الفرق بين اللغة والكلام
سبق وقلنا إن القدرة الناطقة تتكون من قسمين: اللغة والكلام. لكن ما هي العلاقة بينهما؟ يجيب سوسور في البداية على هذا السؤال بمثال. يقول: «تمامًا كما أن الأدوات الكهربائية لإرسال أبجدية مورس لا علاقة لها بالعلامات نفسها، فإن أعضاء النطق أيضًا منفصلون عن اللغة نفسها» (سوسور، ٢٧).
بالنظر إلى هذا المثال ندرك أنَّ وفقًا لرؤية سوسور، اللغة نظام وجهاز يتم من خلاله إنتاج الكلام. ثم يطرح هذا السؤال: هل يمكننا تحليل اللغة بشكل مستقل عن الكلام؟ وهل يمكن فعلاً التمييز بين الكلام واللغة؟ بالطبع، الجواب على هذا السؤال إيجابي؛ لأنه يعتقد أن الكلام له جانب فيزيائي-نفسي ويشمل الجانب الفردي للقدرة الناطقة. أما اللغة فهي في جوهرها اجتماعية ومستقلة عن الفرد، وهي نفسية بحتة.
ويشير سوسور بعد ذلك إلى العلاقة بين اللغة والكلام، ويشرح هذا الارتباط بأن وجود اللغة ضروري لكي يكون الكلام مفهوماً ويصل إلى المقصود. لكن الكلام ضروري لكي تُنشأ اللغة. من الناحية التاريخية، ظاهرة الكلام دائماً تسبق اللغة (المرجع نفسه، ٢٨). لذلك، اللغة دائماً أعم من الكلام، ومع أن الكلام يحتاج دائماً إلى اللغة لتحقيق ذاته، إلا أن كل ما هو لغوي لا يتجلى أبداً في الكلام كله (جوادی، ١٩٠).
في الواقع، اللغة هي نتيجة للإدراكات العديدة والتجارب المتتالية التي نمر بها من خلال الكلام والتي تُخزن في الدماغ، وفي النهاية يكون الكلام هو الذي يدفع اللغة إلى التطور. يعتقد سوسور أن اللغة مجموعة من التأثيرات المودعة في ذهن كل فرد من أفراد المجتمع، تشبه إلى حد كبير قاموسًا تُوزع نسخه بشكل متساوٍ بين أفراد المجتمع. وهكذا، فاللغة رغم اشتراك الجميع فيها، فهي خارج إرادتهم. نترك شرح هذه النقطة إلى قسم النظام الإجباري الاختياري للغة.
أما عن كيفية حضور الكلام في المجتمع، فيجب القول إن الكلام هو مجموع ما يقوله الناس، وهذا المجموع يشمل قسمين: الأول التركيبات الفردية التي تعتمد على إرادة المتكلم؛ والثاني أداء الأفعال فوق الكلامية التي هي أيضاً إرادية وضرورية لتحقيق التركيبات. لذلك، الكلام هو الجزء غير المتجانس من القدرة الناطقة، وكما قلنا سابقًا فهو فردي وعابر، على عكس اللغة التي هي منظمة ومتجانسة.
ويتابع سوسور في شرح العلاقة بين الصوت والكلام، والتي سنتجاوزها هنا لعدم ارتباطها بموضوع هذا المقال.
٢. ٢. طبيعة العلامة اللغوية
يرى بعض الناس أن اللغة في جوهرها الأساسي مجرد مخزن للكلمات؛ أي قائمة من المصطلحات التي لكل منها مقابل في العالم الخارجي (سوسور، ٩۵).
يعتقد سوسور أن هذا التصور قابل للنقد ويحمل افتراضات مسبقة؛ لأنه لا يخبرنا ما إذا كانت طبيعة الاسم صوتية أم نفسية؟ لأن طبيعة كل لفظ يمكن دراستها من جانبين. وفقًا لسوسور، كلا المصطلحين المتعلقين بالعلامة اللغوية (العلاقة بين اللفظ والمعنى)؛ أي الدال والمدلول، لهما جانب نفسي، وليس الأمر كما لو أن اللفظ هو الدال والشيء الخارجي المحدد هو المدلول. في الواقع، العلامة اللغوية هي جوهر ذهني ذو وجهين.
لفهم كلام سوسور بشكل أفضل، من الأفضل أولاً التطرق إلى مكانة اللغة وكيفية عملها في القدرة الناطقة. لنفترض أن شخصين اسميهما زيد وعمرو يتحدثان معًا. نفترض أن زيد يريد أن يقول شيئًا لعمرو. في ذهن زيد، الأحداث التي نسميها مفاهيم ترتبط ارتباطًا وثيقًا بما يُظهره من علامات لغوية؛ أي الصور السمعية. (يفرق سوسور بين الصوت والصورة الصوتية، وسنشرح هذا لاحقًا). في الواقع، تدور الدورة على النحو التالي: أولاً، الصورة أو المفهوم المحدد في ذهن زيد يثير الصورة السمعية لذلك المفهوم في الدماغ. هذه الظاهرة التي لها جانب نفسي بحت، تخلق عملية فسيولوجية. بحيث يرسل الدماغ تلك الصورة السمعية إلى أعضاء النطق. تقوم أعضاء النطق بإصدار الصوت، فيصل ذلك الصوت أو الصورة السمعية إلى أذن عمرو؛ على سبيل المثال، أولاً يظهر في ذهن زيد صورة أو مفهوم الشجرة. هذا المفهوم يؤدي إلى ظهور كلمة “شجرة” في ذهنه. ثم يرسل الدماغ كلمة “شجرة” إلى أعضاء النطق. تقوم أعضاء النطق بإيصال صوت كلمة “شجرة” إلى أذن عمرو، وينتقل هذا الصوت في النهاية إلى أذن عمرو. ثم يحدث العكس مما حدث لزيد، حيث تصل صورة الصوت إلى أذن عمرو عبر عملية فسيولوجية، ثم يحدث الارتباط النفسي بين ذلك الصوت والمفهوم المقابل له في ذهن عمرو.
بهذا الشرح نفهم ما يقصده سوسور بعبارة لاحقة؛ العلامة اللغوية لا تربط شيئًا باسم، بل تربط مفهومًا بصورة صوتية. الصورة الصوتية ليست صوتًا ماديًا له جانب فيزيائي، بل هي أثر ذهني لهذا الصوت، وحواسنا تقدم تمثيلاً له (سجودی، ٨٣). بعبارة أخرى، الدال والمدلول لا ينتميان إلى شيء خارجي، بل مصدر تكوين كل منهما معرفيًا هو في الذهن (خبازی کناری، ١۶٢).
باختصار، قلنا إن سوسور يفرق بين هذين. والآن نشرح الفرق بين الصوت والصورة الصوتية لتتضح المسألة أكثر.
من وجهة نظر سوسور، الصوت ظاهرة فيزيائية بحتة؛ بينما الصورة الصوتية[1] ظاهرة نفسية. لذلك، ما يُعتبر حقًا دالًا في العلامة الدلالية ليس الصوت، بل الصورة الصوتية.
يقول سوسور إن الخاصية النفسية للصورة الصوتية تتضح تمامًا عندما نبحث في اللغة نفسها. يقول: «يمكننا أن نتحدث مع أنفسنا دون تحريك الشفاه واللسان، وأن نقرأ قطعة شعر في أذهاننا» (سوسور، ۹۶). هذا يدل على أن الصوت لا يمكن أن يلعب دور الدال في هذه العلاقة. ولتوضيح الفرق بين الصوت والصورة الصوتية، وأيّ منهما يقع في العلامة اللغوية، يجب القول: إذا أخذنا كلمة مثل “كرسي” في الاعتبار، فإن الأصوات التي يستخدمها كل إنسان لنطقها تختلف عن صوت آخر؛ أي إن كل واحد منا ينطق هذه الكلمة بطريقة خاصة، بنغمات ولهجات وأصوات مختلفة. ومع ذلك، نحن دائمًا ننطق نفس الكلمات. والمستمع يشعر بنفس الشيء. ولكن إذا نُطقت هذه الكلمة بشكل مختلف صوتيًا إلى حد يشبه لفظ “قندلي” أو “تنبلي”، فلا يمكننا حينئذٍ الادعاء بأننا نطقنا كلمة “كرسي”. بناءً على ذلك، نواجه كرسياً من نوعين؛ أحدهما هو سلسلة من الأصوات التي تُنتج في كل مرة وتختلف فيزيائيًا عن المرة السابقة، وهو مجرد صوت؛ والآخر هو ما يُطرح في إطار نظام اللغة وفي علاقة متبادلة مع وحدات اللغة الأخرى. يعتبر سوسور هذا الكرسي الثاني صورة صوتية ويعتبرها دالًا (صفوی، ۳۸). بعبارة أخرى، الصورة الصوتية ليست من نوع الصوت؛ لأن الصوت شيء مادي فيزيائي. الصورة الصوتية هي الإدراك النفسي للمستمع للصوت، كما تدركه الحواس.
بهذا الشرح، يتضح الفرق بين الصوت والصورة الصوتية. والآن نفهم بشكل أفضل عندما يقول سوسور: «ما هو دال في العلاقة بين اللفظ والمعنى هو الصورة الصوتية وليس الصوت» ماذا يعني.
أما المدلول: عندما نذهب إلى الكرسي في العالم الخارجي، هناك كرسي خشبي في زاوية الغرفة بجانب المزهرية. وفي المطبخ يوجد كرسي معدني كبير. وكذلك في الحديقة وضعنا كرسيًا بلاستيكيًا صغيرًا لطفلنا. كل هذه الكراسي، رغم اختلافها في الشكل ومواد الصنع، نسميها “كرسي”؛ لذلك فإن كل كرسي موجود في العالم الخارجي يُعتبر من مصاديق[2] كلمة “كرسي”. بينما ما هو في نظام اللغة “كرسي” وبسبب ذلك هو كرسي وليس طاولة أو غيرها، هو تصورنا المعنوي لكل من هذه المصاديق. يسمي سوسور هذه الظاهرة الذهنية والمنتمية إلى نظام اللغة مدلول[3] (المرجع نفسه، ۳۹).
٢.٣. المبدأ الأول: اختيارية العلامة
يرى سوسور أن العلاقة بين الصورة والمعنى اختيارية، وبما أن العلامة هي نتيجة عامة للعلاقة بين الصورة والمعنى، فإنه يقول: العلامة اللغوية اختيارية (سوسور، ۹۸). يجب الانتباه إلى أن كلمة “اختيارية” لا تعني بالضرورة أن المتكلم قادر في كل وقت على تغيير وضعها. لا يمكن لأي شخص تحت أي ظرف أن يغير الكلمات التي قبلها المجتمع (خبازی کناری، ۱۶۷). بناءً على ذلك، لا توجد علاقة جوهرية خاصة تربط مفهوم الكرسي بسلسلة الأصوات “كرسي”. أهم دليل على هذا الادعاء هو تنوع اللغات المختلفة واختلافها؛ فمثلاً مفهوم الكرسي في اللغة الفارسية له صوت “كرسي”، أما في اللغة الإنجليزية فصوته مختلف ويسمى “chair”.
ثم يتناول دراسة الأنظمة اللغوية التي تقوم على اختيارية العلامة. يعتقد سوسور أن جميع أدوات التعبير عن مقاصد المجتمع، سواء كانت لغوية أو غير لغوية، تقوم على العادات الجماعية أو بعبارة أخرى، كلها اتفاقية (سوسور، ۹۹). على سبيل المثال، في مجتمع مثل الصين، الانحناء عدة مرات هو علامة على إظهار الاحترام للإمبراطور، لكن في إيران لا يحمل هذا المعنى ويوجد علامة أخرى للاحترام. استخدم سوسور كلمة “رمز”[4] للإشارة إلى العلامة اللغوية أو بدقة أكثر للإشارة إلى ما نسميه الصورة. وهو يعترف بنفسه بأنه يواجه صعوبات في قبول هذا المصطلح، وأول هذه الصعوبات هو أن الخاصية الأساسية للرمز هي أنه لا يكون اختياريًا تمامًا أبدًا؛ بل هناك نوع من الارتباط الطبيعي، مهما كان بدائيًا، بين الصورة والمعنى. على سبيل المثال، لا يمكن أبدًا استبدال عربة بعجلة ميزان (رمز العدالة) (المرجع نفسه، ۱۰۰).
يرد على هذا الاعتراض بأن القول بأن الأصل هو أن العلامة اختيارية لا يعني أن المتكلم يمكنه اختيار أي صورة يريد بحرية، بل يجب القول إن الصورة علامة غير مدفوعة الدافع؛ أي أنها اختيارية من حيث أنه لا يوجد ارتباط طبيعي حقيقي بينها وبين المعنى، لكن لا يمكن القول بالضرورة إنه بما أنه لا يوجد ارتباط طبيعي حقيقي، يمكن اختيار أي صورة لأي معنى. بعبارة أخرى، يجب القول إن اللغة علامة اختيارية إجبارية.
٢.٣.١. عدم القابلية للتغيير
قلنا إن العلاقة بين الصورة والمعنى ليست علاقة جوهرية، ولذلك تعتبر علاقة حرة. لكن بالمقابل، بالنسبة للجماعة التي تستخدم اللغة، لا توجد علاقة حرة بهذا الشكل. فالجماعة لا تتدخل في اختيار الصور. ومن هنا يؤكد سوسور على اختيارية-إجبارية اللغة. وهو يعترف بنفسه أن هذا قد يبدو متناقضًا في البداية. والمثال الذي يقدمه لتوضيح هذا الوضع هو أن نفترض أننا نقول لشخص: اختر، ثم نضيف: يجب أن تختار هذه العلامة وليس غيرها (المرجع نفسه، ۱۰۳). يحاول سوسور بهذا المثال أن يوضح أن تحديد العلاقة بين الصورة والمفهوم ليس بيد المجتمع فحسب، بل المجتمع لا يملك حتى القدرة على تغييرها.
والآن نشرح ونوضح هذه النقطة: كيف تهرب العلامة اللغوية من إرادتنا. يذكر سوسور أربعة أسباب لهروب العلامة اللغوية من إرادة الإنسان:
أ. خاصية اختيارية العلامة: بعد أن قبلنا بأن العلامة اللغوية علامة اختيارية، فإن هذه الاختيارية تحافظ عمليًا على ثباتها من أي تغيير. لماذا؟ لأن الجماهير لا يمكنها أن تطرح مسألة إلا إذا كانت على مسار معقول ومنطقي. على سبيل المثال، هل يمكن الحديث عما إذا كان التعدد الزوجي أفضل أم التعدد الزوجي؟ لكن في النظام اللغوي، حيث لا توجد علاقة منطقية بين الدال والمدلول، لا يمكن للمجتمع أن يطرح مثل هذه المسائل؛ لأنه لا يوجد ما يبرر تفضيل كلمة soeur على sister (المرجع نفسه، ۱۰۵).
ب. كثرة العلامات اللازمة لبناء اللغة: لنفترض أننا في فضاء محدود مع خيارات محدودة. في مثل هذا الافتراض، يمكننا بناء تواصل بين هذه الخيارات. لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للغة. العلامات اللغوية لا حصر لها، وهذه الكثرة دليل على أن المجتمع لا يمكن أن يكون قد وضع لكل واحدة منها علاقة أو نظامًا (المرجع نفسه، ۱۰۶).
ج. تعقيد الجهاز اللغوي: الجهاز اللغوي نظامي، وهذا يجعله، إلى حد ما، تابعًا لنوع من المنطق. هذا التعقيد والتنظيم في الجهاز اللغوي يدل على أن الجماهير لا يمكن أن تلعب دورًا في تغييره أو بنائه. لأن فهم وإدراك مثل هذا الجهاز المعقد يتطلب تفكيرًا وتأملًا ودراسة مكثفة، والجماهير غائبة تمامًا عن هذا البناء. لذلك، بدون تدخل الخبراء والمنطقيين وواضعي القواعد، لا يمكن حدوث مثل هذا التغيير (المرجع نفسه، ۱۰۶).
د. المقاومة الجماعية لأي نوع من الابتكار اللغوي: اللغة تخص الجميع في كل لحظة. الناس يستخدمونها يوميًا وساعيًا. لا يمكن مقارنة أي مؤسسة بهذا الشأن. قواعد المرور، آداب وتعاليم دين ما، كلها تستخدمها فئات معينة من المجتمع. لكن اللغة تستخدمها الجماهير كلها في كل لحظة. اللغة مرتبطة بحياة الجماهير، وبما أن الجماهير ثابتة، فإنها تلعب دورًا رادعًا في تغيير اللغة وتحولها (المرجع نفسه، ١٠۶).
٢. ٣. ٢. القابلية للتغيير
بما أن اللغة تستمر عبر الزمن، فإن لها تأثيرًا يبدو متناقضًا مع تأثيرها الأول، وهو التغيير النسبي فيها. اللغة بسبب استمرارها عبر الزمن في حالة تغير، وما يحكم كل تغيير هو بقاء واستمرارية مادتها القديمة (المرجع نفسه، ۱۰۷).
يجب التنويه إلى أن ما قصده سوسور بالتغيير ليس محصورًا في التغيرات الصوتية، رغم أنه يشملها أيضًا. ما يعبر عن قصد سوسور الأساسي هو التغيير والتحول في العلاقة بين الصورة والمعنى. ولتوضيح ذلك، يقدم سوسور مثالًا دقيقًا. يقول: الكلمة اللاتينية necare “القتل” تحولت في الفرنسية إلى noyer “الغرق”. في هذا المثال، تغير كل من الصورة الصوتية والمعنى (المرجع نفسه، ۱۰۸). وهو يرى أن اللغة لا تملك قوة دفاعية أمام العوامل التي تغير الربط بين الصورة والمعنى، وهذا أحد نتائج اختيارية العلامة.
وفي النهاية، يذكر سوسور حكمًا عامًا وهو أن تحول جميع اللغات أمام التغيير والتحول أمر حتمي.
مقارنة بين النظريتين
بعد شرح وتوضيح نظريات الشهيد محمد باقر الصدر وفردينان دو سوسور، سننتقل الآن إلى مقارنة تحليلية بين هذين المفكرين. كما يتضح من عرض نظرية كل منهما، فإنهما يسعيان إلى هدف مشترك، وهو في المرحلة الأولى اكتشاف نوع العلاقة بين اللفظ والمعنى، وفي المرحلة الثانية ماهية هذا النظام الدال والمدلولي. في ما يلي، من خلال مقارنة المبادئ التصورية للنظريات التي قدمها هذان المفكران، ستتضح أوجه التشابه والتداخل بين هاتين النظريتين.
ما يتضح أولًا من مقارنة هذين الرأيين هو أنه رغم اختلاف المبادئ التصورية التي افترضها الشهيد الصدر كأساس في مناقشاته وبنى عليها استدلالاته عن المبادئ التصورية لسوسور من حيث التعبير، فإن كلاهما يشير إلى حقيقة واحدة بصياغتين مختلفتين. بشكل عام، يمكن طرح هذه المبادئ في ثلاثة مجالات ومناقشتها. في الواقع، ما يُقال في هذا القسم هو تحليل وشرح المبادئ التي قد تُقبل كافتراضات مسبقة أو قد لا ننتبه إليها عند دراسة آثار الشهيد الصدر.
١. القوانين التكوينية أو القوة الناطقة
ما يجب الانتباه إليه في البداية هو أن الشهيد الصدر وسوسور كلاهما نظر إلى أمر واحد، وهو نفس استعداد الاتصال بين شيئين. بالإضافة إلى ذلك، يعتبر هذان العالمان هذا النوع من الاستعداد، خلافًا للعديد من الأصوليين واللغويين، أمرًا غير إرادي. بعبارة أخرى، كلاهما يعتقد أن هذا الاستعداد، وهو الاتصال بين اللفظ والمعنى، موجود بشكل غير مكتسب في ذات الإنسان. وهذه الهيئة غير المكتسبة هي التي تجعل الشهيد الصدر يستخدم كلمة “تكوين” وسوسور يستخدم كلمة “قوة”. لذلك، أول وجه تشابه بين نظرية الشهيد الصدر وسوسور هو الاعتقاد بوجود أمر غير إرادي في تشكيل العلاقة بين اللفظ والمعنى. النقطة الثانية التي يعترف بها كلاهما ويشيران إليها هي البعد النفسي لهذه القوة أو القانون التكويني. سوسور يشير صراحة إلى البعد النفسي؛ لكن الشهيد الصدر لم يستخدم هذه الكلمة، إلا أنه عندما تحدث عن القانون التكويني الثاني وشرحه، كان يشير في الواقع إلى هذه النقطة. على سبيل المثال، في مثال صورة الأسد التي يذكرها في شرح قانونه التكويني، ما ينقل ذهننا من رؤية صورة الأسد إلى الأسد نفسه ليس سوى هذه القوة، ومكان هذا الانتقال هو بالذات البعد النفسي.
في الواقع، إذا أردنا أن ننظر بشكل مقارن إلى مكانة الوضع بين آراء هذا المفكر، يجب أن نقول إن الشهيد الصدر يعتبر مكانة الوضع هي ذاتها التي يسميها سوسور القوة الناطقة. ومن ثم، رغم أنه لا يصرح بذلك، إلا أن ما يستلزم من استدلاله يدل على أنه لا بد أن يؤمن أيضاً بعدم تجانس نظام تركيب الألفاظ. كما أن سوسور يعتبر القوة الناطقة غير متجانسة، فإن الشهيد الصدر لا يحدد نظاماً معيناً لمثل هذا الارتباط. النقطة الوحيدة التي يذكرها الشهيد الصدر هي أنه إذا كان الاقتران كميّاً، فإن الوضع يكون تعّينيّاً، وإذا كان كيفيّاً، فإن الوضع يكون تعيينيّاً. ومن الواضح أن مثل هذا التفسير لا يحمل بأي حال من الأحوال خاصية التعريف النظامي المنظم، بل هو مجرد وصف عام لحالة تشكل الوضع. يجب أن ننتبه إلى أن الشهيد الصدر يستخدم مصطلحي تعييني وتعّيني بمعنى مختلف عن ما يطرحه غيره من علماء الأصول. ما يتحدث عنه علماء الأصول بوصفه وضعاً تعيينيّاً هو أن الواضع يكون فرداً معيناً. والوضع التعّيني هو أن الواضع لا يكون شخصاً معيناً. على سبيل المثال، نعلم أن كلمة “دماسنج” وُضعت لأول مرة بواسطة الدكتور حسابي لكي لا يُستخدم مقابلها كلمة أجنبية. علماء الأصول يعتبرون هذا الوضع وضعاً تعيينيّاً. أما وفقاً لرؤية الشهيد الصدر، فهذه الكلمة يمكن أن تكون تعيينية أو تعّينية؛ لأنه إذا كان عامل الاقتران بين لفظ “دماسنج” و”الدماسنج” عاملاً كيفيّاً، فإن هذا الوضع يكون تعيينيّاً. في الواقع، كون الوضع تعيينيّاً أو تعّينيّاً يعتمد على نوع الاستدعاء والاقتران الذي يتشكل في نفس الواضع، ولا علاقة له بتحديد أو عدد الأشخاص الذين تسببوا في وضع اللفظ. كما أن نوعية الاقتران، سواء كانت كمية أو كيفية، ليست إرادية بالتأكيد. هذا الأمر يجعلنا ندرك أكثر أن أساس مكانة وضع الألفاظ أثناء الوضع هو مكانة نفسية ومنشأها العقل. بناءً على ذلك، يتضح أن مكانة الوضع وفق رؤية كلا المفكرين نفسية. السؤال التالي هو: وفق رؤية سوسور، أين يتكون وضع الألفاظ، في أي من القوة الناطقة، اللغة أم الكلام؟ في البداية قد نظن أن الوضع يتعلق باللغة، إذن فإن وضع الألفاظ يتشكل في المجال اللغوي النفسي. لكن بالنظر إلى تعريف سوسور الخاص للغة والكلام، يجب القول إنه وفق رؤيته، الوضع يتكون أولاً في الكلام. كما نقلنا عنه، يعتقد سوسور أنه بعد تشكل الكلام، يحصل العقل على نظام معين وثابت منه، وهذا النظام المعين بخصائصه الخاصة التي ذكرناها سابقاً نسميه اللغة. في الواقع، اللغة هي نتيجة الكلام التي استُخرجت منه بشكل منظم. ومن المعروف أن جزءاً مهماً من الكلام هو استعمال الألفاظ. لذلك، وفق رؤية سوسور، يتشكل وضع الألفاظ في المجال الكلامي النفسي لدينا وليس في المجال اللغوي. لا ينبغي أن يضللنا هذا التوضيح لسوسور، لأنه عندما يتحدث عن بناء اللغة، يقصد النظام العام لبنية لغة ما وليس العلاقة بين اللفظ والمعنى. في هذا الصدد، كما تم التحديد، يرى سوسور أيضاً مثل الشهيد الصدر هذه العلاقة في النفس.
٢. تفسير الدال والمدلول
في بداية مناقشات الألفاظ، عندما يحدد الشهيد الصدر موضوع النقاش، لديه تعبير يبدو أنه مفيد جداً لموضوع بحثنا. يقول الشهيد الصدر: «دلالة الألفاظ على المعاني الحقيقية تعود في الحقيقة إلى نوع من السببية؛ بمعنى أن وجود اللفظ الذهني يسبب وجود المعنى الذهني» (صدر، بحوث فی علم الأصول، مقرر: عبد الساتر، ۷/۲).
إن التدقيق في استخدام كلمة “وجود لفظي ذهني” وكذلك كلمة “وجود معنوي ذهني” يشير إلى أن الشهيد الصدر، مثل سوسور، لا يعتبر الصوت دالاً، لكن تفسيرهما لهذا الأمر مختلف. الشهيد الصدر يعتبر لكل من اللفظ والمعنى نوعين من الوجود. يجب الانتباه إلى أن هذا الاعتبار ليس اعتباراً اعتباريّاً، بل اعتبار حقيقي؛ بمعنى أن اللفظ والمعنى لهما وجود ذهني ووجود حقيقي. حيثما تتحقق السببية الحقيقية بين اللفظ والمعنى، تكون في النفس؛ ومن ثم فإن اللفظ والمعنى كلاهما حقيقة ذهنية. بهذا التفسير يتضح أن الوجود الذهني للفظ ليس سوى الصورة الصوتية عند سوسور. كما أوضحنا في القسم المتعلق بسوسور، الصوت من وجهة نظره ظاهرة فيزيائية بحتة، بينما الصورة الصوتية ظاهرة نفسية. لذلك، من وجهة نظره أيضاً، ما يُعتبر دالاً في العلامة الدلالية ليس الصوت، بل الصورة الصوتية، وهذه الصورة الصوتية كما هو واضح أمر ذهني.
فيما يتعلق بالمعنى، الأمر على نفس النحو. إن التدقيق في عبارة الوجود الذهني للمعنى التي استخدمها الشهيد الصدر يُظهر أنه من وجهة نظره أيضًا، الدلالة الحقيقية هي ذاتها المفهوم الذهني وليست أمرًا خارجيًا. كما أن سوسور، بالنظر إلى تعدد مصاديق الصور المعنوية، يعتبر مدلول الألفاظ، كما شرحنا سابقًا، أمرًا ذهنيًا.
٣. النظام الإجباري الاختياري أو الإجباري
كما بيّنا في قسم تبعية دلالة الألفاظ على إرادة المتكلم، يرى الشهيد الصدر أن الوضع هو عين القطع القطعي، ولأن هذا القطع يحدث وفق قانون تكويني، فإن إرادة المتكلم لا دور لها في وضع اللفظ للمعنى. وهذا الموضوع، شأنه شأن الموضوعين الآخرين، يقرب بين نظريتيهما من جهة. إن تشابه نظرية هذين الاثنين يعود إلى أنهما كلاهما يؤمنان بإجبارية وضع الألفاظ للمعاني. ولكن في هذا الخصوص هناك اختلاف في مجالين؛ المجال الأول هو أن الإجباريّة في مثل هذا الارتباط ليست الحقيقة الكاملة عند سوسور، بل هي جزء من العلاقة بين اللفظ والمعنى، وجزء آخر من هذه العلاقة يعتبره اختياريًا، في حين أن الشهيد الصدر لا يؤمن بمثل هذه النظرية ولا يربط هذه النسبة بإرادة المتكلم؛ والمجال الثاني أو مصدر اختلاف آخر في هذا النقاش بين هاتين النظريتين ينبع من اعتبار العلاقة بين اللفظ والمعنى تكوينية ونتيجة لذلك فردية. بينما وفقًا لرؤية سوسور، جزء من سبب وجود مثل هذه العلاقة هو الاجتماع، وهذه العلاقة ليست فردية فقط. يقول الشهيد الصدر صراحة: حتى لو كتبوا لفظًا لمعنى في القاموس، فلن يتم الوضع إلا إذا رجع المتكلم إلى ذلك القاموس وظهر ذلك اللفظ في ذلك المعنى بشكل كمي أو كيفي في ذهن المتكلم، في حين أن سوسور لا يؤمن بهذا الأمر؛ لأنه يشرح ويبين مكانة اللغة والألفاظ في بُعدها الاجتماعي.
الخاتمة
بعد شرح ومقارنة نظريات هذين المفكرين، يبدو أنه رغم اختلاف المبادئ التصورية للشهيد الصدر عن تلك الخاصة بسوسور، إلا أنهما يشيران إلى حقيقة واحدة بعبارات مختلفة. بشكل عام، يمكن طرح هذه المبادئ ودراستها في ثلاثة مجالات.
أول وجه تشابه بين نظرية الشهيد الصدر وسوسور هو الإيمان بوجود أمر غير إرادي في تشكيل العلاقة بين اللفظ والمعنى. النقطة الثانية التي يعترف بها كلاهما ويشيران إليها هي البُعد النفسي لهذه القدرة أو القانون التكويني.
في الواقع، إذا أردنا النظر بشكل مقارن إلى مكانة الوضع بين آراء هذا المفكر، يجب القول إن الشهيد الصدر يعتبر مكانة الوضع هي ذات المكانة التي يسميها سوسور القدرة الناطقة. في الواقع، إذا أردنا النظر بشكل مقارن إلى مكانة الوضع بين آراء هذا المفكر، يجب القول إن الشهيد الصدر يعتبر مكانة الوضع هي ذات المكانة التي يسميها سوسور القدرة الناطقة. كما أن سوسور يعتبر القدرة الناطقة غير متجانسة، فإن الشهيد الصدر أيضًا لا يحدد نظامًا معينًا لمثل هذه العلاقة. النقطة الوحيدة التي يذكرها الشهيد الصدر هي أنه إذا كان الاقتران كميًا، فإن الوضع تعييني، وإذا كان كيفيًا، فإن الوضع تعييني. ومن الواضح أن مثل هذا التفسير لا يحمل بأي حال من الأحوال صفة تعريف نظامي منظم، بل هو مجرد وصف عام لحالة تشكيل الوضع.
المسألة الثانية هي أن الشهيد الصدر يعتبر وجودًا ذهنيًا لكل من اللفظ والمعنى، وجودًا ذهنيًا للفظ ووجودًا ذهنيًا للمعنى. يجب الانتباه إلى أن هذا الاعتبار ليس اعتباريًا، بل هو اعتباري حقيقي؛ بمعنى أن اللفظ والمعنى كلاهما له وجود ذهني ووجود حقيقي. حيثما يتم إقامة السببية بشكل حقيقي بين اللفظ والمعنى، يكون ذلك في الذهن؛ لذلك فاللفظ والمعنى كلاهما حقيقة ذهنية. بهذا التفسير يتضح أن الوجود الذهني للفظ ليس سوى الصورة الصوتية عند سوسور. كما أوضحنا في القسم المتعلق بسوسور، الصوت من وجهة نظره ظاهرة فيزيائية بحتة؛ في حين أن الصورة الصوتية هي ظاهرة نفسية. لذلك، من وجهة نظره أيضًا، ما يُعتبر دالًا في العلامة المعنوية ليس صوت اللفظ، بل الصورة الصوتية، وهذه الصورة الصوتية، كما هو واضح، أمر ذهني.
في المسألة الثالثة، أي فيما يتعلق بالاختياري أو الإجباري في ارتباط اللفظ بالمعنى، يجب القول إن تشابه نظرية هذين يعود إلى أنهما كلاهما يؤمنان بإجبارية وضع الألفاظ للمعاني. ولكن في هذا الخصوص هناك اختلاف في مجالين؛ المجال الأول هو أن الإجباريّة في مثل هذا الارتباط ليست الحقيقة الكاملة عند سوسور، بل هي جزء من العلاقة بين اللفظ والمعنى، وجزء آخر من هذه العلاقة يعتبره اختياريًا، في حين أن الشهيد الصدر يؤمن تمامًا بهذه النظرية ولا يربط هذه النسبة بإرادة المتكلم؛ والمجال الثاني أو مصدر اختلاف آخر في هذا النقاش بين هاتين النظريتين ينبع من اعتبار العلاقة بين اللفظ والمعنى تكوينية ونتيجة لذلك فردية. بينما وفقًا لرؤية سوسور، جزء من سبب وجود مثل هذه العلاقة هو الاجتماع، وهذه العلاقة ليست فردية فقط.
المصادر والمراجع
اراکی، محسن، اصول فقه نوین، الطبعة الأولى، قم: مجمع الفکر اسلامی، ۱۳۸۹.
نیکپی، امیر، محمداسلم، جوادی، «ساختارگرایی مفهوم و ایده و بررسی آرای لوی استروس و سوسور»، معرفت فرهنگی اجتماعی، تابستان ۱۳۸۹، ش۳، صص۱۷۷تا۲۰۳.
حیدری، سید کمال، الدروس شرح الحلقة الثانیه، الطبعة الأولى، قم: دار الفراقد، ۱۴۲۸ق.
خبازی کناری، مهدی، «تحلیل ماهیت نشانه از منظر سوسور و فارابی»، آموزههای فلسفهی اسلامی، ش۲۶، ۱۳۹۹، صص۱۵۷تا۱۷۰.
خویی، ابوالقاسم، محاضرات فی اصول الفقه، به تقریر محمداسحاق فیاض، دون مكان النشر: منشورات امام موسی صدر، دون تاريخ.
روحانی، محمد، منتقی الأصول، به تقریر عبدالصاحب حکیم، الطبعة الثانية، دون مكان النشر: تک، ۱۴۳۰ق.
سجودی، فرزان، «نشانه و نشانهشناسی، بررسی تطبیقی آراء سوسور و پیرس و اکو»، هنر و معماری، ش۶، ۱۳۸۱، صص۸۳تا۱۰۰.
سوسور، فردینان دو، دورهی زبانشناسی عمومی، ترجمهی کوروش صفوی، الطبعة الخامسة، دون مكان النشر: هرمس، ۱۳۹۰.
صدر، محمدباقر، بحوث فی علم الأصول، به تقریر حسن عبدالساتر، الطبعة الثانية، بیروت: الدارالإسلامیة، ۱۴۱۷ق.
صدر، محمدباقر، مباحث الدلیل اللفظی، به تقریر محمود هاشمی شاهرودی، الطبعة الثانية، دون مكان النشر: مکتبة الأعلام اسلامی، ۱۴۰۵ق.
صفوی، کوروش، درآمدی بر معناشناسی، الطبعة الرابعة، تهران: سورهی مهر، ۱۳۹۰.
قمی، ابوالقاسم، قوانین المحکمة فی الأصول، به تصحيح حسین رضا صبح، الطبعة الأولى، بیروت: دارالمرتضی، ۱۴۳۰ق.
نائینی، محمدحسین، فوائد الأصول، به تقریر محمدعلی کاظمی خراسانی، الطبعة الثامنة، قم: نشر اسلامی،۱۴۲۴ق.
هاشمی شاهرودی، محمود، درسنامهی اصول فقه، الطبعة الأولى، قم: بنیاد فقه و معارف اسلامی، ۱۳۹۱.
هلدکرافت، دیوید، سوسور نشانهها؛ نظام و اختیاری بودن ترجمهی سپیده عبدالکریمی، الطبعة الأولى، تهران، نشر علمی، ۱۳۹۱.
[1] Sound image.
[2] Referent.
[3] Signified.
[4] Symbol.

