ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: بازکاوی جایگاه منطقة الفراغ در نظامسازی فقهی ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص: إن إمكانية بناء نظام قائم على الفقه، رغم ما أبداه بعضهم من شكوك، إلا أنه إذا نظر الفقيه بنظرة شاملة وكليّة إلى الأحكام الفقهية، يمكنه أن يشهد وجود نظام معين بين هذه الأحكام. وعلى هذا الأساس، يجب على المجتهد أن يسعى وراء اكتشاف ذلك النظام المتماسك الكامن وراء مفردات الأحكام الفقهية، والذي يلبّي احتياجات الإنسان في مختلف ميادين الحياة الاجتماعية. هذا الجزء الذي يشمل عناصر ثابتة، لا يمكنه أن يؤدي دوره بشكل جيد إلا إذا أُخذ عنصر المرونة إلى جانبه بعين الاعتبار. منطقة الفراغ التي يملؤها ولي الأمر، هي الضامن للاستجابة لمقتضيات التاريخ والمجتمع التي قد توجد في أي زمن، وبذلك يقدم الفقه نظامًا كاملاً يمكنه أن يواجه أي توجه غير ديني بقوة. إن بيان ماهية وحدود منطقة الفراغ، رغم ما ورد في آثار الشهيد صدر، إلا أن هذا البيان قابل للنقد. وقد تناول مؤلفو هذه المقالة، «إعادة النظر في مكانة منطقة الفراغ في بناء النظام الفقهي»، مع الأخذ في الاعتبار المجالين المنصوص وغير المنصوص من الموضوعات، شرحًا لمكانة منطقة الفراغ الحقيقية، وقدموا رؤية جديدة في هذا المجال.
المؤلف: احسان علیاکبری بابوکانی، سید محمدصادق طباطبایی، احسان آهنگری
المصدر: فقه وأُسس الحقوق الإسلامية، السنة الخمسون، العدد الأول، ربيع وصيف ١٣٩٦، ص ١٦٩-١٩٢
المقدمة
إن بناء النظام الفقهي موضوع لا يمكن الوصول إليه دون مراعاة عنصر المرونة والتغيير فيه؛ لأن التركيز الحصري على العناصر الثابتة وغير القابلة للتغيير لا يتيح إمكانية التوافق مع الأزمنة والأمكنة المختلفة والمتنوعة، ولا يمكنه سوى أن يكون مجيبًا في زمان ومكان واحد فقط. وقد أخذ النظام الفقهي الإسلامي هذا الأمر بعين الاعتبار، وأدخل عنصر التغيير والمرونة في قالب منطقة الفراغ، ففتح بذلك طريقًا لا مثيل له لتقديم نظام كامل ومتقدم وفي الوقت نفسه مناسب لجميع الأزمنة والأمكنة. ومع ذلك، فإن معرفة ودراسة الأسس والحدود والمكانة الدقيقة لمنطقة الفراغ في بناء النظام الفقهي أمر لا يزال بحاجة إلى نقاش. ومن جهة أخرى، فإن ماهية هذه المنطقة وإثبات وجودها في النظام الفقهي الإسلامي محل خلاف بين أصحاب الرأي. لذلك، نواجه سؤالين رئيسيين في هذا المجال؛ السؤال الأول هو إمكانية بناء نظام فقهي إسلامي. هذه المسألة التي تتعلق بما إذا كان الفقه يبرر الوضع القائم فقط ويتسم بالسلبية، أم أنه قادر على تقديم نموذج كامل لإدارة شؤون حياة الإنسان وتصميم نظام متماسك ومستجيب في الوقت نفسه، هي ذروة الخلافات والاختلافات في وجهات النظر حول طبيعة النشاط الفقهي. والسؤال الثاني هو ما إذا كان بناء النظام الفقهي قائمًا فقط على العناصر الثابتة وغير القابلة للتغيير الدينية والفقهية، أم أن العناصر المتغيرة التي تسمى منطقة الفراغ يمكن تصورها ضمنه أم لا؟
فيما يتعلق بالعناصر الفقهية المتغيرة وتأثيرها في مسار الاستنباط والاجتهاد، يجب أن نأخذ في الاعتبار أن انتباه الفقهاء إلى هذه العناصر كان دائمًا موجودًا ومنذ فترات بعيدة جدًا، ولكن في العصر الحديث، وبالنظر إلى التطورات التكنولوجية وما نتج عنها من تغييرات في هيكل الحكومات ونمط الحياة وسرعة هذه التحولات والحاجة التي أصبحت أكثر إلحاحًا، تم إيلاء اهتمام أكبر لهذه المسألة. لذلك، قبل العصر الحديث، وبالنظر إلى أن التغيرات في نمط حياة البشر كانت بطيئة جدًا، لم تكن هناك حاجة إلى نظريات خاصة في مجال المتغيرات الفقهية، وبالطبع لم تتشكل مثل هذه النظريات. ولكن العصر الحديث استدعى اهتمامًا أكبر من كبار الفقهاء لحل معضلة الثابت والمتغير، ونشهد نظريات من بعض العلماء الكبار مثل الإمام الخميني، والعلامة الطباطبائي، والشهيد صدر، والشهيد المطهري. ويجب الاعتراف بأن أكثر النظريات تماسكًا وكمالًا في هذا المجال قدمها الشهيد محمد باقر صدر، الذي إلى جانب نظريته حول بناء النظام الفقهي، طرح مفهوم منطقة الفراغ، وبالنظر إلى أهميته، فإنه يستحق الدراسة والتحليل الدقيق.
لذلك في هذا المقال يُبحث أولاً في المبادئ التصورية للنقاش، ثم تُستعرض المبادئ الإثباتية له مثل إثبات وجود هذه المنطقة في النظام الفقهي الإسلامي، والضرورة، والنطاق، وغيرها من المسائل المطلوبة في هذا الشأن، ونظراً لأن فاتح هذا الباب في المناقشات الفقهية هو الشهيد سيد محمد باقر صدر، يُولى اهتمام خاص لآراء هذا العالم الكبير. وبعد عرض وجهة نظر الشهيد الصدر، يُشرح رأي جديد في مواجهة منطقة الفراغ، وهو خالٍ من الانتقادات الموجهة لوجهة نظر ذلك الشهيد، وأكثر تماسكاً. مع أن هذا الرأي لا ينكر استعارته من نظرية الشهيد الصدر ويعتبره رائداً في هذا المجال.
١. المبادئ النظرية
١. ١. النظرة الشمولية للأحكام
لا ينبغي دراسة الأحكام الإسلامية كمفردات لا علاقة لها ببعضها البعض، وكل منها يعبر عن حكم مستقل وغير مرتبط بالأحكام الأخرى؛ لأن هذه الأحكام التي تبدو في البداية غير مرتبطة، إذا ما درست بشكل مجموعي وككل واحد، سنكتشف أنها في الحقيقة تتحرك في مدار واحد، وتكشف عن أهداف وقواعد ونظريات أساسية في الإسلام، وبعبارة أخرى عن البنى التحتية للمذهب. إذ في كل مجال مثل الاقتصاد أو غيره من مجالات الحياة الاجتماعية توجد مجموعة من الأحكام الاقتصادية، وبجانب هذه الأحكام يوجد مذهب اقتصادي يمكن اكتشافه، ويُعد أساس هذه الأحكام. لذلك فإن مهمة المجتهد هي أنه إذا درس مثلاً أحكام الإسلام في المجالات الاقتصادية، فعليه تفسير هذه الأحكام من هذا المنظور ورؤيتها في إطار نظام متكامل تماماً يُعتبر أفضل وصف لتنظيم العلاقات الاجتماعية في ذلك المجال الخاص (مثل الاقتصاد، السياسة، التربية، وغيرها)، ومن خلال النظر إلى الأحكام التفصيلية المختلفة، يصل إلى النظريات الأساسية والجوهرية للإسلام في المجالات المتنوعة؛ لأن هذه الأحكام التي تُعد البنى الفوقية للمذهب، كلها تنبع من نوع النظرة التي يتبناها الإسلام للحياة والطريقة التي يجب اتباعها فيها [١٠، ٣٨]. بناءً عليه، السؤال الأساسي هنا هو كيف وبأي طريقة يمكن اكتشاف هذا النظام الذي هو موجود بالفعل من حيث الثبوت؟
بالطبع، حتى اكتشاف النظام في كل مجال هو في الواقع المستوى الأول من العمل؛ لأنه يمكن القول إن الأنظمة التي يقدمها الإسلام في مجالات الحياة الاجتماعية المختلفة تشكل جميعها نظاماً اجتماعياً كاملاً يشمل كل ما يحتاجه الإنسان. لذلك، كما أشار الشهيد الصدر في مؤلفاته، يجب دراسة كل من هذه الأنظمة في هذا المستوى الواسع وبالنظر إلى النظام الاجتماعي الشامل للإسلام. لذا فإن دراسة النظام الاقتصادي الإسلامي دون الاهتمام بالنظام السياسي والتربوي والأنظمة الأخرى غير صحيحة ولن تؤدي إلى نتيجة مقبولة، لأن هذه الأنظمة مرتبطة ببعضها البعض ولكل منها تأثيره على الآخر [٩، الصفحات ١٦٢ و١٦٣].
٢. ١. المذهب والنظام
المذهب في نظر الشهيد الصدر هو مجموعة النظريات الأساسية والجوهرية للإسلام في مجال معين من الحياة الاجتماعية، حيث تكون الأحكام والقوانين التفصيلية للإسلام في ذلك المجال نتيجة لهذا النوع من النظرة، وهذه المجموعة تهدف إلى هداية المجتمع نحو أهدافه السامية.
على سبيل المثال، المذهب الاقتصادي الإسلامي هو مجموعة النظريات التي تشكل أساس أفكار الإسلام حول الاقتصاد وأهدافه، وهو أساس الأحكام التفصيلية للإسلام (القانون المدني الإسلامي) في مجال الاقتصاد والنشاط الاقتصادي. لذلك يمكن القول إن المذهب الاقتصادي الإسلامي يتكون من جزأين: البنية التحتية والبنية الفوقية، حيث الجزء التحتية هو الأصل والأساس للمذهب ويُظهر مبادئ الإسلام ونظرياته وأهدافه في مجال الاقتصاد.
وكذلك، فإن البنية الفوقية أو الأحكام التفصيلية للإسلام في مجال النشاط الاقتصادي هي نتيجة للبنية التحتية وتُنظم بناءً عليها.
٣. ١. الفرق بين العلم والمذهب (النظام)
المذهب أو المذهب هو طريقة تقدم نظرة لتطوير الحياة الاجتماعية للإنسان في مجالات مختلفة مثل الاقتصاد، الثقافة، السياسة، وغيرها. وبعبارة أخرى، وظيفة المذهب هي التوصية، ويُبيّن الواجبات والمحظورات، بحيث يقدم خطة لتنظيم كل مجال من مجالات الحياة. أما العلم فيتحدث عن الحقائق ويُبيّن الموجودات، ويُفسر الظواهر الواقعية والعلاقات بينها، وبكلمة واحدة وظيفة العلم هي الوصف، والعلم يقول ما الذي يحدث فعلاً، والمذهب يقول ما الذي يجب أن يحدث [١١، ١٣١].
على سبيل المثال، المذهب الاقتصادي الإسلامي هو الطريقة العملية التي يقترحها الإسلام للحياة الاقتصادية بناءً على تصوره للعدالة [١١، ١١٤]. والعلم الاقتصادي هو علم يصف الظواهر الاقتصادية وعلاقاتها ببعضها البعض، لكنه لا يقترح طريقة خاصة للحياة الاقتصادية. لذلك، يدير المذهب الاقتصادي الرأسمالي الحياة الاقتصادية بناءً على الحرية الاقتصادية وينظم السوق على أساس حرية البائعين في تحديد سعر السلعة؛ لكن العلم الاقتصادي لا يقدم طريقة خاصة لتنظيم السوق، بل يدرس وضع السوق بناءً على السياسات الاقتصادية للرأسمالية [١١، ١١٥].
لذا، فإن الاقتصاد الإسلامي هو المذهب أو النظام الاقتصادي للإسلام [٩، ١٦١]. والسياسة الإسلامية هي المذهب السياسي للإسلام، وليس لدينا ما يُسمى علم الاقتصاد الإسلامي أو علم السياسة الإسلامية الذي يصف الظواهر الاقتصادية والسياسية. لذلك يمكن تلخيص هذا الأمر بأن نقطة التمييز بين العلم والمذهب هي أن العلم يسعى لاكتشاف الواقع وتفسيره، والمذهب يسعى لتقديم طريقة لتنظيم الحياة الاجتماعية. ونتيجة لذلك، ما يقدمه الدين هو المذهب وليس العلم.
يكتب الشهيد صدر في هذا المجال: إن واجب الإسلام كدين ليس أن يتحدث عن علم الاقتصاد أو علم الفلك أو الرياضيات؛ بل واجبه هو الحديث عن المنهج الذي ينظم الحياة الاقتصادية. وليس أن يدرس بطريقة علمية الأساليب الموجودة في عصره والنتائج التي تنشأ عن تلك الأساليب كما يفعل علماء الاقتصاد [١١، ١١٦].
٤. ١. الفرق بين المذهب والقانون
قلنا إن المذهب هو النظريات الأساسية والقواعد الجوهرية التي تنظم حياة الإنسان في ميادين مختلفة من الحياة الاجتماعية. أما القانون فهو التفاصيل التفصيلية للأحكام والقوانين التي تنظم علاقات الأفراد. لذلك لا يمكن اعتبار القانون مذهباً. بل هذه القوانين التفصيلية هي البناء الفوقي لنفس القواعد الأساسية للمذهب وفروع لنفس الجذور، وتنشأ من تلك النظرة. لذا فإن هذين المكونين الثنائيين يشكلان النظام الاجتماعي معاً، والمذهب هو الأساس والقاعدة، والنظام القانوني هو البناء الفوقي، وهما يشكلان ثمرات نظام ومذهب واحد [٧، صص ٤٢٤ و٤٢٧].
٢. منهج اكتشاف النظام والمذهب
١. ٢. الفرق بين الأنظمة الإسلامية والأنظمة غير الإسلامية
طريقة بيان المذهب والنظام في الإسلام تختلف جوهرياً عن باقي المذاهب، ولذلك ما يسعى إليه المجتهد والطريق الذي يجب أن يسلكه لبيان المذهب يختلف تماماً عن الطريق الذي يتبعه مفكرو المذاهب الأخرى، لأن العملية التي يسعى إليها المجتهد هي اكتشاف المذهب، أما ما يفعله المفكر الرأسمالي أو غيره من المذاهب فهو ابتكار وتكوين. بعبارة أخرى، المجتهد الإسلامي يواجه نظاماً تم بناؤه مسبقاً، ومهمته هي إظهاره كما هو في الواقع، وإظهار هيكله، واكتشاف قواعده الأساسية، وإزالة غبار التاريخ والمسافة الزمنية الطويلة بينه وبين ذلك النظام، وإزالة تأثير أفكار الآخرين التي أحياناً تلقي بظلالها عليه. لذلك، بكلمة واحدة، مهمة المجتهد هي اكتشاف المذهب وليس ابتكاره من عنده. أما ما يفعله المفكر الاشتراكي مثلاً فهو تكوين المذهب وبيان خصائصه من عنده. هذا الاختلاف يؤثر تأثيراً كبيراً في مسار النقاش الذي يقوم به كل من هذين المفكرين. وهكذا، في منهج التكوين الذي يهدف إلى تأسيس بناء نظري، يمر المسار الطبيعي لتشكيل نظرية، ويضع المفكر القواعد الأساسية والجوهرية التي تشكل أساس نظامه، وعلى أساس هذا الأساس يضع البناء الفوقي والقوانين القانونية الخاصة به. لذا في التكوين يكون الانتقال من الأصل إلى الفرع، ومن الأساس إلى البناء الفوقي. أما في منهج الاكتشاف فيكون المسار عكس ذلك تماماً، لأنه عندما نبحث عن اكتشاف نظام لم يتم فيه طرح صورة محددة للكل أو لبعض جوانبه، والأسس غير معروفة، ولا نعلم مثلاً هل هذا النظام يؤمن بالملكية الخاصة أم الملكية العامة، يجب أن نسلك طريقاً مختلفاً عن المنهج السابق. هذا المنهج هو الانتقال من البناء الفوقي إلى الأساس، ومن القواعد والقوانين القانونية إلى القواعد الأساسية والجوهرية التي تعتبر جذور تلك القوانين، لأن القوانين المختلفة دائماً وفي كل نظام قانوني توضع على أساس سلسلة من النظريات الأساسية التي تمثل نظرة ذلك المذهب. ومن الجدير بالذكر أنه ربما يمكن استنباط بعض أسس النظام والمذهب الإسلامي مباشرة من النصوص، لكن الجزء الأكبر منها غير مذكور في النصوص، ولا يوجد سبيل لاكتشافه من البناء الفوقي إلا بالطريقة التي ذكرناها.
٢. ٢. عمليات اكتشاف النظام
في اكتشاف النظام يجب المرور بمرحلتين يتم شرحهما أدناه:
المرحلة الأولى: البناء الفوقي للنظام
كما ذكرنا، المنهج الذي يجب أن نستخدمه في دراسة الأنظمة الإسلامية في مختلف المجالات هو منهج الاكتشاف، أي أن نستخلص من البناء الفوقي للمذهب أساسه، ونكتشف القواعد الأساسية للمذهب. لذلك في المرحلة الأولى يجب أن نلجأ إلى القواعد الفوقية لنصل إلى الأساس. وهذه المرحلة تتضمن قسمين:
أ. جمع الأحكام
في الخطوة الأولى يجب جمع الأحكام التي تشكل البناء الفوقي للمذهب، وهي في الحقيقة الفروع والفروع الثانوية للجذور التي تمثل أساس المذهب. هذا العمل يختلف حسب النظام أو المذهب الإسلامي الذي نسعى لاكتشافه.
لذا، إذا كنا نسعى لاكتشاف النظام الاقتصادي الإسلامي، يجب جمع الأحكام الاقتصادية الإسلامية، أي الأحكام المتعلقة بالمعاملات والموارد الطبيعية والقوانين التي توضح العلاقة الاقتصادية بين الدولة والشعب، وكذلك الأحكام الأخرى في هذا المجال. وإذا كنا نسعى لاكتشاف النظام السياسي، يجب جمع الأحكام المتعلقة به.
نقطة أخرى هنا هي أننا في هذه المرحلة نأخذ بعين الاعتبار فقط الأحكام التي تعتبر بناء فوقي للمذهب ويمكن أن تساهم في الاكتشاف، أما الأحكام الأخرى التي لا تؤثر في اكتشاف المذهب فستخرج من النقاش. مثلاً، الإسلام حرّم الربا والغش في المعاملات، لكن من هذين الموضوعين فقط تحريم الربا هو جزء من نظرية توزيع الثروة في الإسلام ويساعد في اكتشاف النظام، أما تحريم الغش فلا أساس مذهبي له، وربما تكون مذاهب أخرى ودول بأنظمة اقتصادية مختلفة قد حرّمته أيضاً.
ب. دور المفاهيم في اكتشاف النظام والمذهب
المقصود بالمفاهيم هي الآراء والنظريات والتفسيرات الإسلامية للحقائق الكونية والاجتماعية وكذلك الأحكام التشريعية. مثلاً، الاعتقاد بأن العالم مرتبط بالله وهو له ١ هو رؤية تفسر نظرة الإسلام للوجود.
١. إشارة إلى الآية ١٢٦ من سورة النساء المباركة: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا).
المفاهيم التي تُعد جزءًا هامًا من الثقافة الإسلامية والقرآنية، يمكن أن تساعد في كشف المذهب والنظام، وتؤثر تأثيرًا لا يُستهان به في هذه العملية[٧، ٤٣٩].
ولتوضيح أكثر، نعرض أحد هذه المفاهيم ودوره في كشف القواعد الأساسية للمذهب، ونبحث مفهوم الملكية من هذا المنظور. عقيدة الإسلام حول الملكية هي أن الله تعالى جعل المجتمع البشري خليفة له في الاستفادة من المال والثروات الطبيعية. لذلك، تشريع الملكية هو من أجل أن يحقق الفرد مقتضيات مقام الخلافة (وهو إعمار الطبيعة وتنميتها). فالملكية إذًا هي جهد يبذله الفرد في المجتمع وفي سبيل مصالحه.
أحيانًا يكون دور المفاهيم هو تسليط الضوء على الأحكام، ومساعدة المجتهد على الفهم الصحيح للنصوص الشرعية، وحل المشكلات التي كانت موجودة في فهم النص.
على سبيل المثال، مفهوم الملكية يهيئ الأرضية لقبول النصوص التي تحد من صلاحيات المالك بسبب المصلحة الاجتماعية، لأن الملكية على هذا الأساس هي واجب اجتماعي فرضه الشارع على الأفراد (أي أن الملكية تجلب المسؤولية) ليشاركوا في أداء مهام الخلافة. فإذا لم يحقق الشخص مقتضيات الخلافة والخِلافة، تُسلب منه الملكية. في ضوء هذا المفهوم يمكننا بسهولة قبول النصوص[1] التي تدل على أخذ المال من الشخص في بعض الحالات، مثل النصوص التي تقول إنه إذا ترك الشخص إعمار الأرض ولم يجتهد في إعمارها، تُؤخذ الأرض منه، بينما تجاهل هذا المفهوم يجعل الشخص[2] يرفض مثل هذه النصوص، كما فعل كثير من الفقهاء.
المرحلة الثانية: كشف الأساس والنظام
هذه المرحلة تعني عملية تركيب الأحكام وتنسيقها في نظام معين لتقديم مخطط عام. في هذه المرحلة تُدرس الأحكام التي جُمعت سابقًا ككل، ويُعتبر كل حكم جزءًا من ذلك الكل،
١. على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى هذا الحديث: “إن الأرض لله تعالى جعلها وقفًا على عباده، فمن عطّل أرضًا ثلاث سنين متوالية لغير ما علة أخذت من يده ودُفعت إلى غيره”[٦، ٤٣٣].
٢. فالمحكي عن المبسوط والمهذب والسرائر والجامع والتحرير والدروس وجامع المقاصد أنها باقية على ملكة أو ملك وارثه [٢٣، ج٣٨، ص٢١].
حتى نصل إلى كشف النظام والمذهب. بحيث تُؤخذ كل مجموعة من الأحكام في كل مجال معًا، وبالتحرك من البناء الظاهر إلى الأساس نكتشف القواعد الأساسية والجذرية للنظام. وبذلك تُدرس كل الأحكام، وفي النهاية يُستنبط مجموع النظام ويرتبط ارتباطًا كاملاً بالبناء الظاهر. لكي لا يكون النقاش مجرد تجريد، لا بد من ذكر مثال بسيط لطريقة الكشف في النظام الاقتصادي.
على سبيل المثال، نأخذ مجموعة الأحكام الاقتصادية التالية:
١. الإسلام ألغى اكتساب الحق في مصادر الطبيعة بناءً على مجرد الحيازة والسيطرة دون عمل[3]. لذلك لا يُكتسب حق في مصادر الثروة الطبيعية دون عمل (لا حامي إلا لله ولرسوله).
٢. عندما تزول آثار عمل الشخص على أحد المصادر الطبيعية ويعود المصدر إلى حالته الأصلية، يفقد الفرد الأول حقه في ذلك المصدر، ويجوز لأي شخص غير العامل[4] أن يعيد إحيائه.
٣. العمل على المصادر الطبيعية مثل الأرض لا ينقل الملكية إلى الشخص، بل يمنحه فقط حق الأولوية في الأرض طالما يجتهد في إحيائها وتنميتها.
٤. الإحياء غير المباشر كما هو شائع في الرأسمالية، أي عبر دفع أجر للعامل وتوفير أدوات العمل، لا يحقق حقًا في نتائج الإحياء[5] لرأس المال.
٥. الإنتاج بطريقة الرأسمالية في الصناعات القائمة على استخراج الموارد لا يمنح حق الملكية لرأس المال في السلعة المنتجة. لذلك، الأشخاص الذين يدفعون أجور العمال ويوفرون أدوات استخراج النفط لهم لا يصبحون مالكي النفط[6] المستخرج.
٦. ملكية أدوات الإنتاج في عملية الإنتاج لا تخلق حقًا لصاحب الأدوات في الإنتاج أو السلعة المنتجة. بل يمكن لأصحاب الأدوات فقط أن يأخذوا أجرة استخدام هذه الأدوات[7] من الذين شاركوا مباشرة في الإنتاج.
٧. المستأجر لا يمكنه أن يستغل الأجرة التي دفعها لتحقيق أرباح رأسمالية دون عمل، كأن يستأجر عينًا ويؤجرها بسعر أعلى دون أن يقوم بأي عمل[8] عليها أو يزيد من منافعها.
والعديد من الأحكام الأخرى التي تتماشى مع هذه الأحكام وتتبع نتيجة واحدة.
في هذا الشأن، تمت دراسة الأحكام المختلفة التي توجد منفصلة في الفقه السائد ككل وبترابط مع بعضها البعض. وإلا فإن هذه الأحكام كانت موجودة سابقًا، لكنها لم تُدرس بهذا الشكل الجماعي. بدراسة هذه الأحكام كحركة من البناء الظاهر إلى الأساس، يمكننا الحصول على نظرية توزيع الثروة في الإسلام التي تُعد من الأسس للنظام الاقتصادي، لأن كل هذه الأحكام وما يشابهها تؤكد على عدم تحقيق الكسب بناءً على الاستفادة من رأس المال، وعدم إنتاج رأس المال باستخدام رأس المال، وأن العمل فقط هو مصدر ملكية الثروات الطبيعية [٢٤، صص ٦٤١ و ٦٥٥ و ٨، صص ٤١ و ٤٤].
هذا نموذج بسيط وصغير من العمل الذي يؤمن به الشهيد الصدر في بناء النظام، وإذا أخذنا في الاعتبار بقية الأحكام الاقتصادية الإسلامية بنفس الطريقة، يمكننا الحصول على صورة كاملة للنظام الاقتصادي الإسلامي.
٣. مكانة منطقة الفراغ في النظام والمذهب
حتى الآن سعينا للإجابة على السؤال الأول لتوضيح النموذج النظري لتصميم النظام بناءً على الفقه الإسلامي. ولكن لإكمال هذا المخطط، من الضروري أيضًا الإجابة على السؤال الثاني ومعرفة مكانة منطقة الفراغ في بناء النظام وعلى أي أساس تقوم.
يتكون المذهب والنظام من قسمين:
قسم يتألف من الأحكام الثابتة التي تبقى ثابتة في كل زمان ومكان، وقسم آخر يشكل العنصر المتغير والمتحرك في النظام ويسمى منطقة الفراغ.
يتم إكمال منطقة الفراغ بواسطة ولي الأمر وبناءً على مقتضيات الزمان والمكان ووفقًا للأهداف الأساسية للنظام [٧، ٤٤٣]. ولكن توضيح منطقة الفراغ يتطلب الإشارة إلى نقاط نناقشها فيما يلي.
١. ٣. ضرورة وجود منطقة الفراغ في النظام القانوني الإسلامي
النظام القانوني الذي يقدمه الإسلام يختلف جوهريًا عن باقي الأنظمة القانونية. الفرق بين القوانين الوضعية والقوانين التي وضعها دين مثل الإسلام هو أن القوانين الوضعية البشرية تتغير كلما تغيرت الظروف الاجتماعية، حيث يقوم المشرعون بتعديل القوانين كلما رأوا أن القوانين القائمة لم تعد تلبي ظروف حياة الأشخاص المشمولين بها، فيصدرون قانونًا جديدًا يتناسب مع الظروف الجديدة ويتم إلغاء القانون السابق؛ لأن فلسفة وضع القوانين هي تنظيم العلاقات الاجتماعية ومنع الفوضى. لذلك في هذا النوع من الأنظمة القانونية، يكون واضع القانون هو نفسه المشرف على اللوائح، ويمكنه إلغاء أي قانون لم يعد مناسبًا واستبداله بآخر.
أما النظام القانوني الذي يقدمه الدين الإسلامي، الذي له رسالة عالمية وأبدية، والمفترض أن ينظم حياة البشر لفترات طويلة وفي كل مكان، ومن جهة أخرى فإن المشرع وهو الشارع، ليس كالمشرعين البشر في المجتمع ليعدل القوانين بما يتناسب مع مقتضيات الزمان، فلا يمكن أن يقتصر على قوانين ثابتة لا تتغير، لأنه في هذه الحالة لن يستطيع تحقيق مزاعمه ولن يكون قادرًا على التكيف مع تغير الظروف الاجتماعية، لأنه يفتقر إلى عنصر المرونة، ولا يمكن أن يتغير بالكامل مع كل تغيير في حياة البشر، لأنه في هذه الحالة بعد فترة قصيرة سيحل نظام قانوني آخر محله. لذلك، الطريق الوحيد المتبقي لهذا المنظور هو أن يحتوي على عناصر ثابتة تلبي الاحتياجات الثابتة للبشر، ومن جهة أخرى يتضمن آلية للتغيير والاستجابة بناءً على ثواباته، بالنسبة للظروف والبيئات والثقافات المختلفة. لأن المشرع هنا لم يعد هو من يغير القانون بما يتناسب مع الظروف الجديدة، بل هم المجتهدون والمستنبطون للأحكام الذين يكتشفون الأحكام الإلهية، وفتح باب الاجتهاد هو الحل لتطبيق المبادئ العامة للدين في الظروف المختلفة وعلى المتغيرات المذكورة. ونتيجة لذلك، يجب أن يكون في النظام القانوني الإسلامي آلية لتنسيق الشريعة مع متغيرات الزمان والمكان. لأنه بعد وضع وإبلاغ القوانين الشرعية من قبل الشارع المقدس، لم يعد هو من ينسقها مع الظروف المختلفة. لذا فإن وجود منطقة الفراغ التي تحقق أهداف الإسلام في مجال المتغيرات يصبح ضروريًا في هذا النظام القانوني. يكتب الشهيد الصدر في هذا المجال: الإسلام لم يضع مبادئه التشريعية المتعلقة بالحياة الاقتصادية[9] مؤقتًا وعابرًا ولمدة زمنية محددة ليتم تغييرها مع تغير العصور التاريخية، بل وضعها كنظرية لجميع العصور. لذلك، لكي يتمتع بعنصر الشمول والعموم، يجب أن تنعكس تحولات العصور المختلفة ضمن عنصر متحرك فيه [٧، ٨٠٠].
٢. ٣. منطقة الفراغ وشمولية التشريع
الكثير من الاعتراضات على موضوع منطقة الفراغ تعود إلى اعتبارها مخالفة لشمولية الشريعة؛ بمعنى أن الاعتقاد بوجود مثل هذا المجال في الشريعة يعني وجود نقص فيها. على سبيل المثال، يقول أحد المعاصرين: «الإمامية يعتقدون أنه لا يوجد شيء لم يرد فيه نص، ولا يوجد أمر خالٍ من حكم شرعي، وأن أصول وفروع الدين كاملة ولا مجال للتشريع لأي أحد… لذلك لا وجود لفراغ قانوني في مذهب أهل البيت عليهم السلام، بل كل ما يحتاجه الأمة حتى يوم القيامة في حياتهم الفردية والاجتماعية والمادية والمعنوية له حكم إلهي في الشريعة. لذلك لا يوجد فراغ أو نقص في الشريعة بأي حال من الأحوال، ولا مجال للتشريع لأي أحد سواء كان فقيهًا أو غيره»[٢٢، ٥١٥].
في نظر الشهيد صدر، وجود منطقة الفراغ في النظام القانوني الإسلامي لا يُعتبر نقصًا في الشريعة فحسب، بل هو سبب كمال الشريعة ويُظهر قدرة الإسلام على إدارة حياة الإنسان في كل زمان ومكان. يقول في هذا الصدد: «منطقة الفراغ لا تعني نقص الشريعة أو تجاهلها لبعض وقائع الحياة، بل تدل على شمولية النظام القانوني الإسلامي وقوة الشريعة في مواكبة العصور المختلفة. لأن وجود هذه المنطقة لا يعني نقصًا أو إهمالًا في الشريعة، بل إن الإسلام قد وضع قواعد خاصة لها. بحيث يُعطى كل واقعة حكمًا خاصًا، وفي الوقت نفسه يُمنح ولي الأمر صلاحية إصدار حكم آخر وفقًا للظروف المختلفة. لذلك، المقصود من وجود هذه المنطقة ليس أن الشريعة لا تملك حكمًا في بعض الوقائع أو تركتها مهملة؛ لأن النصوص الإسلامية تؤكد وجود حكم في كل واقعة[10]؛ بل المراد هو أن الشريعة في الحالات التي لم تصدر فيها حكمًا إلزاميًا[11] تسمح لولي الأمر بإصدار أحكام تحقق أولاً الأهداف الأساسية للدين وثانيًا تستجيب لمقتضيات الزمان. إلى جانب هذا، يجب الانتباه إلى أن هناك مجالًا من السلوكيات ذات طبيعة متغيرة لا تقبل الأحكام الثابتة، وفرض قوانين ثابتة عليها يُعد نقصًا في الشريعة ويحول دون استجابة الإسلام لمقتضيات واحتياجات كل زمان.
لذا، وجود مجال يُسمى منطقة الفراغ يدل على فقه إسلامي متقدم ومتحضر، وليس نقصًا في الشريعة. وفي هذا السياق نورد مثالًا: في زمن كان ارتباط الإنسان بالطبيعة محدودًا بسبب إمكانياته، إذا أراد إحياء أرض موات[12]، لم يكن يستطيع إحياء سوى جزء صغير منها. لذلك كان الحكم القائل بأن من أحيا أي قدر من الأرض الموات يصبح مالكها[13] يحقق أهدافًا مثل العدالة، ولم يكن يتعارض مع الأهداف الأساسية والجوهرية للإسلام في المجال الاقتصادي. أما في العصر الحالي، حيث تتوفر للبشر أدوات متقدمة، ويستطيع بعض الأشخاص استغلال هذه الإمكانيات للاستيلاء على مساحات واسعة ومنع الآخرين منها، فإن هذا الحق يُعد مخالفًا للعدالة التي هي أساس أهداف الإسلام في المجال الاقتصادي. لذا يمكن لولي الأمر أن يمنع ذلك ويقيد إحياء الأراضي الموات بقيود لضمان تحقيق العدالة الاجتماعية.
٣. ٣. أدلة وجود منطقة الفراغ
أهم دليل للشهيد صدر على وجود هذا الحق لولي الأمر هو الآية ٥٩ من سورة النساء المباركة: «يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم»[14]، بمعنى أن وجوب الطاعة لولي الأمر المذكور في الآية لا يمكن أن يكون إلا من أحد الاحتمالات الثلاثة التالية:
الاحتمال الأول: المقصود هو نفاذ أوامر ولي الأمر في الأمور التي ثبتت أحكامها سابقًا في الشريعة، وبعبارة أخرى، أن يأمر بتنفيذ الأحكام الشرعية فقط، وليس له حق تشريعي من نفسه. وهذا الاحتمال مردود، لأن هذه الطاعة ليست طاعة لولي الأمر، بل طاعة لله؛ بينما الآية تؤكد وجوب الطاعة لولي الأمر. الاحتمال الثاني: أن المقصود وجوب الطاعة لولي الأمر في كل حكم يصدره، حتى لو كان هناك حكم شرعي إلزامي مخالف لما أمر به. وهذا الاحتمال باطل بوضوح؛ لأن هذه الطاعة للمخلوق تعتبر معصية للخالق[15]، وقد نهت الروايات عنها.
الاحتمال الثالث: أن المقصود هو وجوب الطاعة لولي الأمر في كل مكان يصدر فيه أمرًا، وفيه لا يوجد حكم شرعي إلزامي مخالف، فيجب طاعته. وهذا التفسير هو الصحيح، لذا فقد أوجدت الشريعة لولي الأمر هذا الحق لكي يملأ منطقة الفراغ في الحالات التي لا يوجد فيها حكم شرعي إلزامي، وفق مقتضيات الزمان والمكان وبما يتوافق مع الأهداف الأساسية للشريعة الإسلامية(حائری، ١٤١٧: ١١٣١١٤). وقد أشار بعض المفسرين إلى هذا المعنى أيضًا(طبری ،١٤٢٢، ج٧: ١٨٢).
إلى جانب هذه الآية، يشير الشهيد صدر إلى أربع روايات أخرى لفهم أفضل لمنطقة الفراغ وتوضيحها، منها نهي النبي (ص) عن الامتناع عن إعطاء الماء والنبات الزائد[16]، والنهي عن شراء الثمار التي لم تنضج بعد[17]، وتحريم تأجير الأرض في ظروف خاصة[18]، أو أوامر الإمام علي (ع) بشأن تحديد الأسعار والنصح للتجار[19]، والتي لم تكن من الواجبات أو المحرمات الأصلية في الشريعة، بل كانت من صلاحيات الحاكم الإسلامي في هذا المجال [٨، الصفحات ٨٠٥ و٨٠٨].
علاوة على ذلك يمكن الاستدلال بالآيات والأحاديث التي تأمر بالعدل وإقامته في المجتمع الإسلامي[20]، بمعنى أن تكليف المجتمع الإسلامي في سبيل تحقيق العدالة الاجتماعية هو تكليف مستقل. أي أن المقصود من هذه الآيات والأحاديث ليس فقط العمل بالأحكام الشرعية المعلنة التي هي فقط مصداق للعدل، بل في هذه الفئة من الآيات والأحاديث يفرض الله تعالى تكليفًا مستقلاً باسم وجوب إقامة العدل والقسط في المجتمع على عاتق جميع المكلفين وخاصة المتصدين للشؤون الحكومية، ومن جهة أخرى لا حاجة لبيان أن مقدمة تنفيذ هذا التكليف هي وضع القوانين والأنظمة في مختلف المجالات الاجتماعية. فالقوانين التي تُعتبر واجبة أيضًا من حيث كونها مقدمة لوجوبها [٢٠، ٢٦].
٤. ٣. نطاق أحكام منطقة الفراغ
يرى الشهيد صدر أن دائرة منطقة الفراغ التي يمكن للولي الأمر أن يأمر وينهى فيها هي الأمور المباحة بالمعنى الأعم؛ أي كل ما لم يرد فيه نص شرعي يدل على الوجوب أو التحريم. ونتيجة لذلك تشمل هذه المنطقة الأمور المباحة والمستحبة والمكروهة. أما فيما يتعلق بما حكم الشرع بتحريمه أو وجوبه مثل الربا فلا يمكن للولي الأمر أن يفرض حكمًا جديدًا، لأن طاعته في هذه الأمور طاعة لمخلوق في معصية الخالق [٨، ٨٠٤]. والنقطة التي تُعد تأكيدًا لهذه النظرية هي أن الأحكام التي أصدرها النبي والأئمة عليهم السلام من مقام ولايتهم كانت جميعها في دائرة الأمور غير الإلزامية[21] ولم يغيروا أبدًا في الظروف العادية دائرة الإلزاميات، بل ما فعلوه هو توسيع دائرة الواجبات أو المحرمات لا تغيير جوهر الواجبات والمحرمات.
٥. ٣. المرجع المختص لإصدار أحكام منطقة الفراغ
لدى الشهيد صدر نظريتان حول من له واجب وضع القانون في منطقة الفراغ:
النظرية الأولى: بناءً على نظريته الأولى التي وردت في “اقتصادنا” والتي أشرنا إليها أعلاه، من مناصب ولي الأمر أن يضع الأحكام التي تراعي مصالح ومنافع المجتمع والتي تحقق مصلحة المجتمع الإسلامي.
النظرية الثانية: أن تشخيص المصالح وملء منطقة الفراغ يجب أن يُسند إلى مجلس منتخب من الشعب، يتألف من أهل الحل والعقد. ففي كتاب “الإسلام يقود الحياة” يشير إلى مهام المجلس قائلاً: «في المجال الذي لا يوجد فيه حكم شرعي قطعي كتحريم أو وجوب، يضع المجلس المنتخب من الشعب القوانين التي يراها مصلحة، بشرط ألا تتعارض مع الدستور، ويسمى هذا المجال منطقة الفراغ. وهذه المنطقة تشمل جميع الحالات التي لا يحدد فيها الشرع المقدس موقفًا معينًا أو حكمًا خاصًا (وجوبًا أو تحريمًا). وكما أشرنا، يجب أن تكون قوانين المجلس متوافقة مع المصلحة العامة للشعب وألا تتعارض مع الدستور[١١، ١٩].»
ولكن لا يوجد تعارض بين هذين القولين، لأن الشهيد صدر استدل بدليل على أن حق التشريع في هذا المجال مُسند إلى ولي الأمر والولي الفقيه، وهو حق أصيل له في وضع القوانين في هذا المجال. ومع ذلك يمكنه، استنادًا إلى مبدأ الشورى الذي أكد عليه الإسلام كثيرًا وحتى المعصومون كانوا يصرون عليه في القرارات المهمة، أن يفوض هذا الحق إلى السلطة التشريعية ويراقب قرارات المجلس عبر المؤسسات الرقابية ويتابع مدى توافقها مع أهداف الشريعة ومتطلبات العصر.
٦. ٣. نقد رؤية الشهيد صدر وبيان الرأي المختار
بشكل عام، لا يخرج مجال تدخل الحاكم عن أحد الافتراضين التاليين:
١. إما أن يكون في ذلك المجال حكم منصوص.
٢. أو أن لا يكون في ذلك المجال حكم منصوص.
أ: المجال المنصوص
موضوعات المجال المنصوص لا تخرج أيضًا عن حالتين:
أ: الموضوع ثابت ولم يتغير. إذا كان الموضوع ثابتًا، إما أن حكمه لا يتعارض مع حكم موضوع آخر أو أنه تعارض معه. بالنظر إلى الحالتين يمكن نقد نظرية الشهيد صدر. لأنه إذا كان أولاً الموضوع ثابتًا وثانيًا حكم ذلك الموضوع لم يتعارض مع حكم موضوع آخر، فلا سبب لتغيير الحكم ولا يحق للحاكم التدخل في ذلك المجال. لأن تغيير الحكم يكون إما بسبب تغير الموضوع، فإذا لم يكن الموضوع ثابتًا وتغير، فلن يثبت الحكم السابق له، لأن الموضوع هو سبب الحكم [٣، ٤٨٠].
وكل موضوع هو سبب لحكم ما. فإذا كان الموضوع ثابتًا ولم يتغير، فلا يزال سببًا لنفس الحكم. وإذا لم يكن الموضوع ثابتًا، فلن يكون الحكم ثابتًا أيضًا وسيستلزم حكمًا جديدًا.
أما السبب الثاني لعدم بقاء الحكم على حالته الأصلية فهو تعارضه مع حكم آخر. أي إذا كان الموضوع ثابتًا ولم يتغير، يمكن للحاكم الإسلامي إيقاف حكم ما فقط إذا تعارض مع حكم آخر ولا يمكن تنفيذ كلا الحكمين معًا. في هذه الحالة، وفقًا لقواعد باب التزاحم ومصالح المجتمع الإسلامي، يُقدم الحكم الأهم على المهم، ويُوقف الحكم المهم طالما استمر سبب التزاحم موجودًا.
إذاً فإن النقد الموجه إلى رأي الشهيد الصدر وارد، وهو إما أن الموضوع لم يتغير، ففي هذه الحالة لا يحق للحاكم تغييره، ولا يمكن اعتباره في منطقة الفراغ إلا إذا تعارض مع حكم آخر فيتوقف مؤقتاً. أو أن الموضوع قد تغير، ففي هذه الحالة يكون تغيير الحكم طبيعياً ولا يحتاج إلى تدخل الحاكم، وإذا تدخل فليس لملء الفراغ القانوني، بل لأن الموضوع قد تغير ويقتضي حكماً آخر، وبما أن النقاش في الأحكام الاجتماعية، فإن الحاكم الإسلامي هو الذي يجب أن يحدد موقفه من ذلك الموضوع.
وباختصار، في مجال المنصوص عليه، تكون المسألة كما يلي:
١. إذا لم يتغير الموضوع ولم يتعارض حكمه مع حكم آخر، فلا سبب لتغيير الحكم. وهذا الافتراض يشمله كلام الشهيد الصدر، وليس واضحاً لأي سبب يحق للحاكم التدخل في هذا المجال.
٢. إذا لم يتغير الموضوع لكن حكمه تعارض مع حكم آخر، يمكن للحاكم أن يوقف الحكم بناءً على المصلحة وقواعد باب التعارض، وليس بناءً على ملء منطقة الفراغ.
٣. وإذا تغير الموضوع، فطبيعي وضروري أن يتغير الحكم، وهذا التغيير ليس بناءً على ملء منطقة الفراغ، بل وفق قاعدة مسلم بها أن تغيير الموضوع يؤدي إلى تغيير الحكم، لأن الموضوع هو سبب الحكم، وإذا لم يكن هناك سبب فلا يكون هناك أثر.
المجال غير المنصوص عليه
تفحص الروايات يظهر أن هناك مجالاً من السلوكيات لم يُذكر فيها حكم. على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى هذه الرواية التي توجد لها نماذج كثيرة في المجامع الروائية.
خطب أمير المؤمنين (ع) الناس فقال: إن الله تبارك وتعالى حد حدوداً فلا تعتدوها وفرض فرائض فلا تنقصوها وسكت عن أشياء لم يسكت عنها نسياناً لها فلا تكلفوها رحمة من الله لكم فاقبلوها (صدوق ،١٤١٣: ج٤، ٧٥)
ففي خطبة لأمير المؤمنين (ع) قال: إن الله تبارك وتعالى قد وضع حدوداً فلا تتجاوزوها، وفرض فروضاً فلا تنقصوها، وسكت عن أمور لم يسكت عنها نسياناً، فلا تثقلوا على أنفسكم فيها، وهذا من رحمة الله لكم فاقبلوها برحابة صدر.
وفق هذه الرواية وما شابهها، لا شك أن هناك مجالاً من السلوكيات لا يحمل حكماً معلناً.
في هذا المجال، الإنسان مخير. ولكن بما أنه لا يوجد حكم إلزامي أو غير إلزامي، والسبب في ذلك هو عدم ثبات وتغير الظروف والأحوال الاجتماعية المستمر، والذي يتعارض مع صدور حكم ثابت، يحق للحاكم أن يكمل الحكم وفقاً للظروف والأحوال الاجتماعية.
ومن الجدير بالذكر أن الموضوعات غير المنصوص عليها تنقسم إلى فئتين. فبعض هذه الموضوعات تتعلق بالمجال الفردي والحياة الشخصية للأفراد، ولا تؤثر تأثيراً مباشراً اجتماعياً، وفي هذا المجال لا يمكن اعتبار للحاكم حق التصرف.
أما بعض هذه الموضوعات فهي اجتماعية، وتشمل أفعالاً ترتبط مباشرة بأفراد المجتمع وتفرض حقوقاً وواجبات على كل فرد. وهنا يتدخل الحاكم لإصدار الحكم من أجل إقامة العدل، والحفاظ على الحريات الاجتماعية وحقوق الأفراد، ومنع التعدي عليها.
إذاً باختصار، إذا أردنا شرح وجهة نظر المختار، يجب القول إن الموضوعات إما أن تكون لها حكم، وفي هذه الحالة للحاكم حق التدخل في حالتين: أولاً رفع التضارب في مقام العمل والتنفيذ، وثانياً في حال تغيير الموضوع. أو أن تكون الموضوعات بلا حكم، ففي هذه الحالة لا يُطرح التسلسل الفاسد الذي يمكن تعدادُه في نطاق المنصوص، ويصدر الحكم بناءً على الظروف والأحوال والتغيرات الاجتماعية.[22]
٧. ٣. أسس التشريع في منطقة الفراغ
في المباحث السابقة ذُكر أن من وجهة نظر الشهيد الصدر، اختيار إصدار الأحكام في منطقة الفراغ من اختصاص ولي الأمر، لكن هذا لا يعني أنه قادر على اتخاذ القرار في هذا المجال بلا ضابط وبأي طريقة يشاء؛ ولهذا فإن السؤال الأساسي في الأحكام المتعلقة بمنطقة الفراغ هو: ما هو المعيار والضابط لهذه الأحكام؟ لأن هذه الأحكام من جهة يجب أن تستند إلى الثوابت الشرعية، ومن جهة أخرى يجب أن تكون موجهة لحل المشكلات والأحكام المتغيرة. لم يُدلِ الشهيد الصدر بقول صريح حول معيار هذه الأحكام، لكن من أقواله المتفرقة يمكن التوصل إلى ضابط واحد. أكثر المباحث تماسكاً في هذا الصدد طرحها الشهيد الصدر في مقاله «صورة عن الاقتصاد الإسلامي» بنظرة اقتصادية وذكر المؤشرات العامة التي سنشير إليها.
١. ٧. ٣. اتجاه التشريع
عندما نتبنى منهجاً شاملاً للأحكام الشرعية وننظر إليها في ارتباطها ببعضها البعض لا كمفردات منفصلة لا علاقة بينها، نرى تناغماً تاماً بين كل مجموعة من الأحكام في الكتاب والسنة التي دخلت في مجال معين (مثلاً النشاطات الاقتصادية). بمعنى أن هذه الأحكام لها اتجاه واحد وتسعى لتحقيق هدف كان الشارع المقدس يبتغيه من وضع هذه الأحكام ويهتم به اهتماماً جاداً. إذا ما تتبعنا هذا المنهج يمكننا الوصول إلى أساس الأحكام الشرعية واكتشاف الأهداف الأساسية. على الحاكم أن يولي اهتماماً خاصاً لهذا الهدف وأن يضع القوانين في منطقة الفراغ مع مراعاة هذه الغاية. وبما أن في المباحث السابقة ذُكر نموذج لهذا المنهج الشامل، فسنمتنع عن تكراره.
٢. ٧. ٣. ما ذُكر في النصوص كهدف للحكم الثابت
المقصود هنا أنه عندما يوجد حكم ثابت في الشريعة وذُكر هدف خاص من تشريعه في النصوص، فإن هذا الهدف يُعد من غايات الفقه الإسلامي ويُعتبر أساساً للتشريع في منطقة الفراغ. على سبيل المثال، يمكن ذكر هذه الآية الكريمة: «ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم»[23](حشر/٧). من هذه الآية يتضح أن التوازن الاقتصادي وعدم تراكم المال في يد فئة معينة وعدم نشوء الفوارق الطبقية في المجتمع الإسلامي، وأن تُلبَّى الاحتياجات المالية لجميع الأفراد، هي من أهداف الشريعة الإسلامية. ويُظهر الإسلام موقفاً أشد تجاه هذه الظاهرة في الآية الكريمة: «والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم»[24] (توبه: ٣٤).
التوازن الاقتصادي حكم ثابت وغير قابل للتغيير، وما ذُكر كهدف له يجب أن يُؤخذ في الاعتبار في القوانين الموضوعية. لذلك، على ولي الأمر أن يضع قوانين في منطقة الفراغ تضمن تحقيق التوازن الاقتصادي وعدم تراكم المال في يد قلة محدودة. هذه المسألة مهمة إلى درجة أن غير المسلمين الذين يعيشون تحت حكم إسلامي يجب أن يستفيدوا من هذه النعم.
في هذا الصدد، نقرأ في الروايات أن رجلاً مسناً كان يتسوّل مرّ بجانب أمير المؤمنين عليه السلام. فسأل أمير المؤمنين عليه السلام أصحابه: من هذا الشخص؟ قالوا: إنه مسيحي. فقال الإمام: هل استُخدم وعُمل معه حتى شاخ وضعُف، ثم لم يُعطَ أي اهتمام ولا يُعطى شيئاً؟ فليُصرف نفقته من بيت المال [١٣، ج٦، ص٢٩٣].
٣. ٧. ٣. القيم الاجتماعية التي يؤكد عليها الإسلام
النصوص الدينية والروايات الإسلامية تؤكد على قيم خاصة، وتحقيقها يُعد من أهداف إقامة الحكم الديني. بالطبع، كل هذه القيم في سبيل الوصول إلى الهدف الرئيسي من الخلق وهو معرفة الله وعبادته بوعي، وهذا الهدف هو الذي وُضع في التشريع. لكن أحياناً تظهر في آيات القرآن والروايات أهداف أخرى تُعد في الواقع تمهيداً لذلك الهدف الرئيسي؛ مثلاً يقول القرآن الكريم: «كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه»[25] (بقره: ٢١٣) أو «لقد
أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط »[26] (حدید:٢٥). إن تحقيق هذه الأمور التي هي من أهداف تشكيل الحكم الديني للأنبياء الإلهيين يجب أن يؤخذ في الاعتبار من قبل المشرعين عند وضع القوانين في منطقة الفراغ التي تشكل عناصر المتغير في الشريعة الإسلامية. فمثلاً، تحقيق العدالة في كل زمان له مقتضياته الخاصة، ويجب على ولي الأمر أن يضع قوانين تحقق العدالة بأفضل صورة في ذلك الوقت.
٤. ٧. ٣. المنهج الذي سلكه النبي والأئمة في وضع العناصر المتغيرة
كان للنبي الأكرم والأئمة عليهم السلام شأنان في مجال أداء واجباتهم الدينية. الشأن الأول هو مقام تبليغ الدين وبيان الأحكام الثابتة الإلهية، وبناءً على هذا المقام، هم ملزمون ببيان عناصر الشريعة الثابتة للخاتم التي هي ثابتة لكل الأزمان والأمكنة وأن يكونوا مبلغين لهذه الأمور. والشأن الآخر هو مقام القيادة والولاية عليهم السلام بالنسبة للمجتمع الإسلامي، وبعبارة أخرى شأن الولاية السياسية والاجتماعية. وبناءً على ذلك، وبما أنهم كانوا أصحاب ولاية على المجتمع ويعتبرون أولياء الأمر، فقد كانوا يضعون العناصر المتغيرة في منطقة الفراغ مع مراعاة الظروف الاجتماعية والأوضاع الزمانية والمكانية التي عاشوا فيها، ووفقاً لأهداف وأسس الدين. هذه الأحكام، رغم أنها ليست من العناصر الثابتة وقابلة للتغيير، لكنها بما أنهم أصحاب مقام الرسالة والوصاية وأفضل معرفة بالدين، فإنها تحمل روح الشريعة الإسلامية ونظرتها إلى حياة الإنسان. لذا يجب على ولي الأمر أن يولي اهتماماً خاصاً للحالات التي وضع فيها المعصومون العناصر المتغيرة، وأن يزيل العناصر الزمانية والمكانية منها ويأخذ بروحها كدليل له في التشريع ويتبعها. على سبيل المثال، ورد في العديد من الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم منع في فترة ما تأجير الأرض وقال:
«من كان له أرض، إما أن يزرعها بنفسه أو يؤجرها للآخرين ليزرعوها، ولا يجوز أن يؤجرها بثلث أو ربع أو طعام معين». أو قال: «من كان له أرض فليزرعها أو يهديها للآخرين، وإن لم يفعل تُؤخذ منه أرضه» [٢، ٥١٦].
لا شك أن عقد الإيجار في الفقه الإسلامي ليس ممنوعاً ومجاز، ولكن كما يظهر من هذه الروايات، فقد منع النبي الأكرم كولي أمر المجتمع الإسلامي وفي مقام وضع العناصر المتغيرة ذلك. لأن هذا العمل كان يحافظ على التوازن الاجتماعي في مجتمع المدينة، وفي وقت كان فيه عدد من المهاجرين يعيشون في ظروف اقتصادية صعبة جداً، كان يمنع اكتساب الثروة بدون عمل، فقط من خلال إتاحة أرضه للآخرين. هذا العمل للنبي يدل على أن الحفاظ على التوازن الاجتماعي من الأمور التي يمكن للحاكم في بعض الظروف أن يمنع بعض الأعمال من أجل حمايته أو بالعكس يأمر بها.
النتيجة
ما تم بحثه في هذا المقال كان أولاً وقبل كل شيء إجابة على سؤال: ما هو موقع منطقة الفراغ في بناء النظام على أساس الفقه؟ ولكن بما أنه يجب أولاً التأكد من إمكانية بناء النظام الفقهي، فقد تم تقديم نموذج بناء النظام على أساس الفقه. وقلنا إن الفقيه يجب أن ينظر إلى الأحكام بنظرة شمولية ومتكاملة، وأن يعتبر كل الأحكام في اتجاه واحد ومنسجم. هذا الجزء يشكل عناصر النظام الثابتة. ولكن النظام الشامل والعالمي الدائم يجب أن يحتوي على عناصر متغيرة ومرنة لكي يكون قابلاً للتكيف في كل زمان ومكان. هذا هو جزء منطقة الفراغ التي تضمن استجابة الفقه لمقتضيات الزمان. خلاصة النظرية المختارة هي أن مجال تدخل الحاكم لا يخرج عن حالتين: إما أن يكون للحكم نص منصوص أو لا. إذا كان له نص، فإما أن يكون الموضوع ثابتاً أو متغيراً. إذا كان الموضوع ثابتاً، فإما أن يتعارض هذا الحكم مع حكم آخر أو لا. إذا لم يكن هناك تعارض، فلا يمكن للحاكم التدخل في هذا المجال، وإذا كان هناك تعارض والحكم من الأحكام الاجتماعية، يجب عليه تحديد الأهم. وإذا كان الموضوع متغيراً، فبالضرورة يتغير الحكم أيضاً، وهذا ليس بسبب منطقة الفراغ، بل لأن الموضوع هو سبب الحكم، وإذا تغير، يتغير الحكم حتماً. الحالة الثانية هي أن يكون موضوع الحكم معلناً وليس له نص منصوص، وقلنا إن هذه الفئة تنقسم إلى قسمين: إما أن يكون الموضوع فردياً لا علاقة للحاكم به ليصدر حكماً بشأنه، أو اجتماعياً، حيث يتولى التشريع وإصدار الأوامر والأنظمة في هذا المجال من أجل تنظيم العلاقات الاجتماعية بشكل أفضل.
التشريع في منطقة الفراغ ليس اختيارياً، بل ضمن عناصر الفقه الإسلامي الثابتة تم تحديد منهج للتشريع في منطقة الفراغ، ومن هذه الناحية فإن الفقه نفسه قد توقع هذه المسألة ولم يتركها لأراء وأهواء الأفراد.
المصادر والمراجع
[١]. القرآن الكريم.
[٢]. سید رضی (١٤١٤ق ). نهج البلاغة، الطبعة السادسة، قم، مؤسسه نهج البلاغة.
[٣]. ابن ماجه قزوینی، محمد بن یزید(دون تاريخ). السنن، الطبعة الأولى، دار الرساله العالمیه، دون مكان النشر.
[٤]. تبریزی، میرزا موسی (١٣٦٩ق ). اوثق الوسائل فی شرح الرسائل، الطبعة الأولى، قم، کتبی نجفی.
[٥]. حائری، سیدعلی اکبر(١٤١٧). منطقة الفراغ فی التشریع الاسلامی، رساله التقریب، العدد ١١.
[٦]. حلی، یحیی بن سعید(١٤٠٥ق ). الجامع للشرائع، الطبعة الأولى، قم، موسسه السید الشهداء العلمیه.
[٧]. حر عاملی، محمد بن حسن (١٤٠٩ق ). وسائل الشیعه، الطبعة الأولى، قم، موسسه آل البیت (ع ).
[٨]. صدر، سید محمد باقر(١٤٢٤ق ). اقتصادنا، الطبعة الأولى، قم، مرکز الابحاث و الدراسات التخصصیه للشهید الصدر.
[٩]. صدر، سید محمد باقر (١٤٠٣ق ). الاسلام یقود الحیاه، طهران، الطبعة الثانية، وزارة الارشاد الاسلامی.
[١٠]. صدر، سید محمد باقر (١٤٢٣ق ). ومضات، الطبعة الأولى، قم، مرکز الابحاث و الدراسات التخصصیه للشهید الصدر.
[١١]. صدر، سید محمد باقر (١٤٢٨ق ). المدرسه القرآنیه، الطبعة الأولى، قم، مرکز الابحاث و الدراسات التخصصیه للشهید الصدر.
[١٢]. صدر، سید محمد باقر (١٤٢١ق ). المدرسه الاسلامیه، الطبعة الثانية، قم، مرکز الابحاث و الدراسات التخصصیه للشهید الصدر.
[١٣]. صدوق، محمدبن علی بن بابویه (١٤١٣ق ). من لایحضره الفقیه، الطبعة الأولى، قم، دفتر منشورات اسلامی.
[١٤]. طوسی، محمد بن حسن (١٣٩٠ق ). الاستبصار، الطبعة الثانية، تهران، دار الکتب الاسلامیه.
[١٥]. طوسی، محمد بن حسن (١٤٠٧ق ). الخلاف، الطبعة الأولى، قم، دفتر منشورات اسلامی.
[١٦]. طبری، محمد بن جریر(١٤٢٢ق ). جامع البیان فی تفسیر القرآن، قاهره، مرکز البحوث و الدراسات العربیه و الاسلامیه بدار هجر.
[١٧]. عاملی کرکی، علی بن حسین (١٤١٤ق ). جامع المقاصد، الطبعة الثانية، قم، موسسه آل البیت (ع ).
[١٨]. علامه حلی، حسن بن یوسف (١٤٢٠ق ). تحریر الاحکام، قم، موسسه الامام الصادق (ع ).
[١٩]. علامه حلی، حسن بن یوسف (١٤١٤ق ). تذکره الفقهاء، الطبعة الثالثة، قم، موسسه آل البیت (ع ).
[٢٠]. علامه حلی، حسن بن یوسف (١٤١٣ق ). قواعد الاحکام، الطبعة الثانية، قم، دفتر منشورات اسلامی.
[٢١]. کریمی، عباس (١٣٧٦). احکام مفوضه در حقوق اسلامی، فصلنامه دیدگاه های حقوقی، العدد ٨.
[٢٢]. کلینی، محمد بن یعقوب (١٤٠٧ق ). الکافی، الطبعة الأولى، قم، دارالکتب الاسلامیه.
[٢٣]. مکارم شیرازی، ناصر(١٤٢٢ق ). بحوث فقهیه هامه، الطبعة الأولى، قم، منشورات مدرسه امام علی(ع).
[٢٤]. نجفی، محمد حسن (١٤٠٤ق ). جواهر الکلام، بیروت، دار احیاء التراث العربی.
[1] على سبيل المثال يمكن الإشارة إلى هذا الحديث: “إن الأرض لله تعالى جعلها وقفاً على عباده فمن عطل أرضاً ثلاث سنين متوالية لغير ما علة أخذت من يده و دفعت إلى غير” [٦، ٤٣٣].
[2] المحكي عن المبسوط والمهذب والسرائر والجامع والتحرير والدروس وجامع المقاصد أنها باقية على ملكه أو ملك وارثه [٢٣، ج٣٨، ص٢١].
[3] انظر: [١٤، ج٣، ص٥٢٨].
[4] انظر: [١٦، ج٧، ص١٧].
[5] انظر: [١٧، ج١٥، ص٤٥].
[6] انظر: [٨، ٤٣].
[7] انظر: [٥، ٣١٧].
[8] انظر: [٨، ٤٤].
[9] بما أن الشهيد الصدر طرح هذا النظر في كتاب اقتصادنا وفي المناقشات الاقتصادية فقد نظر إليه من هذا الجانب. ولكن هذا الأمر لا يخل بالنظرية ككل وهو قابل للاستشهاد به في فقه مواضع متعددة.
[10] عن عمر بن قيس عن أبي جعفر (ع) قال سمعتُه يقول إن الله تبارك وتعالى لم يترك شيئاً تحتاج إليه الأمة إلا أنزله في كتابه وبينَه لرسوله [٢١، ج١، ص٥٩].
[11] لأن كما سيأتي فإن نطاق منطقة الفراغ الأمور مباحة بالمعنى الأعم.
[12] الموات هو الأرض التي تركت وخالية ولا يُنتفع بها إما لعدم وجود الماء أو لأن الماء غمرها أو لأنها من البوص (أو لأسباب أخرى تمنع الانتفاع)(علامه حلی، ١٤٢٠، ج٤: ٤٨٤).
[13] أيها القوم من أحيا شيئاً من الأرض وعمره فهو أحق بها وهي لهم [١٢، ج٣، ص٢٤٠].
[14] يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر منكم.
[15] لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق [١٢، ج٢، ص٦٢١].
[16] عن أبي عبد الله (ع) قال قضى رسول الله ص بين أهل المدينة في مشارب النخل أنه لا يمنع نفع الشيء وقضى ص بين أهل البادية أنه لا يمنع فضل ماء ليمنع به فضل كلأ وقال لا ضرر ولا ضرار [٢١، ج٥، ٢٩٤].
[17] عن الحلبي قال: سُئل أبو عبد الله (ع) عن شراء النخل والكرم والثمار ثلاث سنين أو أربع سنين قال لا بأس به يقول إن لم يخرج في هذه السنة أخرج في القابل وإن اشتريته في سنة واحدة فلا تشتره حتى يبلغ فإن اشتريته ثلاث سنين قبل أن يبلغ فلا بأس وسئل عن الرجل يشتري الثمرة المسماة من أرض فهلكت ثمرة تلك الأرض كلها فقال قد اختلفوا في ذلك إلى رسول الله ص فكانوا يذكرون ذلك فلما رآهم لا يدعون الخصومة نهاهم عن ذلك البيع حتى تبلغ الثمرة ولم يحرمه ولكن فعل ذلك من أجل خصومتهم.
[18] عن رسول الله (ص): «إذا كانت لأحدكم أرض فليمنحها أخاه أو ليزرعها [٢، ٥١٦]».
[19] عن أمير المؤمنين (ع) نقل: «واعلم مع ذلك أن في كثير منهم ضيقاً فاحشاً وشحاً قبيحاً واحتكاراً للمنافع وتحكماً في البيعات وذلك باب مضرة للعامة وعيب على الولاة فامنع من الاحتكار فإن رسول الله صلى الله عليه وآله منع منه ولكن البيع بيعاً سهلاً بموازين عدل وأسعار لا تجحف بالطرفين من البائع والمشتري [١، ٣٧٧]».
[20] على سبيل المثال يمكن الإشارة إلى الآية ٩٠ من سورة النحل التي تقول: «إن الله يأمر بالعدل والإحسان».
[21] في الجزء السابق تم الإشارة إلى بعض الأمثلة في إطار أدلة منطقة الفراغ.
[22] من اللازم الذكر أن بعضهم أطلق على هذا النوع الثاني، أي النطاق الذي لا يوجد فيه حكم معلن، اسم الأحكام المفوضة [٢٢، ٢٣].
[23] تلك الغنيمة التي نصيبها الله من أهل القرى لرسوله هي لله والرسول والذوي القربى واليتامى والمساكين والذين في سبيل الله، حتى لا تتداول بين الأغنياء.
[24] وبشر الذين يخزنون الذهب والفضة ككنز ولا ينفقونه في سبيل الله بعذاب أليم.
[25] كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكموا بين الناس فيما اختلفوا فيه.
[26] لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط والعدل.

