ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: مبانی کلامی تفسیر موضوعی ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
المؤلف: علي نصيري
المصدر: فصلنامه علمیپژوهشی اندیشه نوین دینی، ١٣٨٤، العدد ٣
القرآن هو أمتن وأوثق وثيقة دائمة للإسلام. للوصول إلى تعاليم القرآن، الطريق المعروف هو التفسير الترتيبي الذي يناقش سور وآيات القرآن بناءً على الترتيب الحالي، وقد اتبع هذا الأسلوب في مئات التفاسير منذ البداية وحتى الآن. ومع ذلك، يعترف الجميع بأنه رغم مزاياه، فإن هذا الأسلوب يفتقر إلى الفاعلية في رسم وجهات النظر النهائية للقرآن. الطريقة الوحيدة التي يمكنها تلبية هذه الحاجة هي التفسير الموضوعي. التفسير الموضوعي، الذي يقوم على تصنيف الآيات وجمع مدلولاتها، رغم أنه له تاريخ محدود وطويل، إلا أنه بأسلوب شامل وواسع مع التركيز على نطاق موضوعات القرآن، هو أسلوب جديد وشاب؛ بحيث إن إعادة دراسة مبادئه وأساليبه ومراحله لا تزال في خطواتها الأولى.
مفهوم التفسير الموضوعي
تقسم الدراسات والبحوث القرآنية إلى قسمين خارجي وداخلي. وتسمى الدراسات الخارجية للقرآن اصطلاحًا العلوم القرآنية (نک: زرقانی، 1/28-29)، وتنقسم البحوث الداخلية للقرآن إلى قسمين: ترتيبي وموضوعي. أغلب التفاسير التي كُتبت منذ البداية وحتى الآن هي من نوع التفسير الترتيبي، وبعبارة أخرى من نوع الدراسات الداخلية والترتيبية للقرآن، والتي تعتمد على الترتيب الحالي للسور والآيات، وأحيانًا بشكل محدود على ترتيب النزول. أما البحوث الداخلية للقرآن التي تُجرى متجاهلة ترتيب السور والآيات وبناءً على موضوع قرآني معين، فتسمى اصطلاحًا التفسير الموضوعي أو دراسة معارف القرآن.
بعد تقسيم التفسير إلى ترتيبي وموضوعي، قال السيد محمد باقر الحكيم في تعريف التفسير الموضوعي: «في هذا التفسير يسعى المفسر إلى دراسة أحد الموضوعات القرآنية، سواء كانت عقائدية أو اجتماعية، مثل التوحيد أو النبوة أو السنن التاريخية في القرآن، من منظور القرآن، والهدف هو تحديد وجهة نظر القرآن الكريم بشأن الموضوع، وفي المرحلة التالية تحديد نظرة الإسلام لذلك الموضوع» (ص91). وبعد تقسيم أساليب التفسير إلى تفسير مفردات القرآن، التفسير الترتيبي، التفسير الموضوعي، التفسير الترابطي، والتفسير الكلي أو النظرة العالمية للقرآن (1/19)، قال المكارم الشيرازي عن التفسير الموضوعي: «تُجمع الآيات المختلفة التي تتناول موضوعًا معينًا في جميع أنحاء القرآن الكريم في مناسبات وأحداث مختلفة، ويتم تجميعها وتحليلها، ومن مجموعها يتضح رأي القرآن في ذلك الموضوع وأبعاده. فمثلاً، تُجمع الآيات المتعلقة بآيات دلائل معرفة الله مثل الفطرة، برهان النظام، برهان الوجوب والإمكان وغيرها من البراهين، وبما أن “القرآن يفسر بعضه بعضًا” تتضح أبعاد هذا الموضوع» (1/21).
بعد التأكيد على أسبقية التفسير الموضوعي على التفسير الترتيبي (ص 59)، عرّف جوادي آملي التفسير الموضوعي قائلاً: «يقوم المفسر بجمع الآيات التي تحتوي على هذا الموضوع، ثم يجمعها ويحللها، ثم يجمع ويحلل الأحاديث في ذلك المجال، وفي المرحلة النهائية يقوم بعمل جمع ثالث بين التحليلين الناتجين عن الآيات والأحاديث ليتمكن من تقديمها كوجهة نظر الإسلام والقرآن والعترة» (نفس المصدر).
وقد قدم معرفت تعريفًا قائلاً: «منذ الأيام الأولى، إلى جانب الأسلوب المتبع الترتيبي، ظهر أسلوب آخر في التفسير لم يكن شاملًا، بل كان يركز فقط على أجزاء من آيات القرآن. وبعبارة أخرى، هذا النوع من التفسير يركز فقط على الموضوعات المطروحة في القرآن، ويقوم بتفسيرها وبيانها وتصنيفها وجمعها، ولذلك سُمّي التفسير الموضوعي، ولم يتناول سوى المسائل الدينية في بعدي المعارف والأحكام، والمسائل الاجتماعية والسياسية والأخلاقية في بعديها النظري والعملي، ولم يتطرق إلى الأبعاد الأخرى التي لها طابع لفظي. في الحقيقة، التفسير الموضوعي يهدف فقط إلى إيصال رسائل القرآن، ولم يهتم بالجوانب الفنية إلا إلى الحد الذي يتعلق بالموضوع قيد البحث» ( تفسیر و مفسران، 2/526). ويرى أن الكتب التي تركز فقط على الجوانب اللغوية أو الأدبية للقرآن أو بعض المسائل الفنية والعلمية مثل المحكم والمتشابه، لا تدخل ضمن دائرة التفسير الموضوعي حسب التعريف الحديث (نفس المصدر). وبعبارة أوضح، يؤمن معرفت بأن للتفسير الموضوعي اصطلاحين قديم وجديد؛ فوفقًا للاصطلاح القديم، يُعتبر البحث الموضوعي في المسائل الأدبية والفنية للقرآن جزءًا من التفسير الموضوعي، أما وفقًا للاصطلاح الحديث، فهذه المسائل خارج دائرة التفسير الموضوعي.
ويعتقد مصباح يزدي أيضًا أن التفسير الموضوعي يعني تصنيف الآيات بناءً على الموضوعات واستخلاص مفاهيمها مع مراعاة العلاقة بين الآيات (1/9). وبعد ذكر محدوديات التفسير الترتيبي، قال أمين خولي: «التفسير الموضوعي هو أن يفسر المفسر القرآن بشكل موضوعي، بحيث يجمع الآيات الخاصة بموضوع معين بشكل كامل وشامل وبحث دقيق في القرآن، ويدرس الترتيب الزمني والملاءمات والظروف الخاصة بكل آية، ثم يسعى للوصول إلى تفسير وفهم الآيات في نتائج بحثه» (دایره المعارف الاسلامیه، 1/368).
بعد نقل قول أمين الخولي في تعريف التفسير الموضوعي (ص120-201)، حلل محمد حسين علي صغير الأمر على النحو التالي: «معنى هذا الرأي في التفسير الموضوعي هو أن يقوم عدد من المتخصصين، كلٌ بحسب تخصصه، بدراسة أجزاء من القرآن. يجمعون موضوعًا من موضوعات القرآن ويستقصون الآيات المتعلقة به بشكل كامل ليشكلوا تنظيمًا كاملاً، متماسكًا ومرتبطًا ببعضه البعض. ثم يقومون بتفسير تلك الآيات بناءً على منهجهم الخاص، فمثلاً يجمع متخصص الأحكام آيات الأحكام، والمتخصص في العقائد يجمع آيات العقائد. بناءً على ذلك، سينعكس فن القصص القرآني في مبحث خاص به، وكذلك التشبيه القرآني في مبحثه الخاص، والأمثال القرآنية في رسالة مستقلة» (ص 121). وبناءً على ذلك، عدّ كتاب الفن القصصي في القرآن الكريم لمحمد خلف الله والصورة الفنية في المثل القرآني من التفاسير الموضوعية (نفس المرجع).
بعد ذكر التوجهات التفسيرية، قال محمد حسين ذهبى: بعض العلماء حصروا النقاش في التفسير في مجال واحد من مجالات وموضوعات القرآن المتفرقة؛ فمثلاً ابن القيم خصص كتابًا من مؤلفاته لدراسة أقسام القرآن بعنوان التبيان في أقسام القرآن، وأبو عبيدة كتب في مجاز القرآن، وراغب الأصفهاني في مفردات القرآن… وكذلك تابع كثير من العلماء موضوعًا معينًا في القرآن وجمعوا الآيات المتفرقة المتعلقة به وناقشوها بشكل خاص (1/148-149). ورغم أن ذهبى لم يذكر تعريفًا محددًا للتفسير الموضوعي، إلا أن من شرحه يتضح أن تحديد موضوع قرآني، استخراج وجمع الآيات المتعلقة به، ودراستها هي العناصر الأساسية في تعريفه للتفسير الموضوعي.
في موسوعة العالم الإسلامي جاء: «المقصود بالتفسير الموضوعي هو أن يجمع المفسر آيات القرآن بناءً على موضوع معين، يكون عادةً متناسبًا ومرتبطًا باحتياجات وأسئلة المسلم المعاصر، ومن خلال مقارنة مجموعها مع بعضها البعض، وبناءً على دراسات السابقين وآثار التفسير المتقدم، يحصل على رؤية القرآن حول ذلك الموضوع وأبعاده المختلفة» (حداد عادل، 7 / 627-628). «لكن بعضهم، بتوسيع دائرة التفسير الموضوعي، نسب له تاريخًا طويلًا، واعتبر التفسير الموضوعي هو تناول أحد الموضوعات القرآنية، وكذلك طريقة تفسير القرآن بالقرآن» (المرجع نفسه، 7 / 627).
نقاط حول تعريفات التفسير الموضوعي
جميع التعريفات تتفق في نقطتين: أولاً، التفسير الموضوعي، على عكس التفسير الترتيبي، يركز على أحد موضوعات القرآن ويجمع الآيات المرتبطة به لتصنيفها واستنتاجها. وثانيًا، تؤكد معظم التعريفات أن هدف التفسير الموضوعي هو استخراج الرسائل والآراء التي يطرحها القرآن حول موضوع معين.
يرى معرفت أن الهدف من التفسير الموضوعي، وفقًا للمصطلح الأخير، هو استخراج رسائل القرآن، لذا أولاً لا يُعنى التفسير الموضوعي بالجوانب اللفظية والعلمية والفنية للآيات. ثانيًا، التفاسير التي خصصت لهذه الجوانب ليست ضمن دائرة التفسير الموضوعي.
هذا الرأي قابل للتأمل من ثلاث جهات: أولاً، ليس من السهل إثبات أن التفسير الموضوعي مصطلح قديم وجديد في آن واحد، بل على العكس، هناك تشابه وتطابق في التعريفات والوظائف لهذا الأسلوب التفسيري بين القديم والحديث. أي أنه حتى اليوم، إذا قدم أحدهم بحثًا موضوعيًا في موضوعات مثل «المجاز في القرآن» أو «العام والخاص في القرآن» بأسلوب التفسير الموضوعي، يمكن اعتباره تفسيرًا موضوعيًا. ثانيًا، لا داعي لأن يقتصر هدف التفسير الموضوعي على تقديم «رسائل من القرآن» التي تركز غالبًا على التقارير القيمية والتشريعية (الواجبات والمحظورات). يمكننا اعتبار هدف التفسير الموضوعي هو تقديم وجهات نظر القرآن، والتي بطبيعة الحال تشمل جزءًا من رسائل القرآن القيمية. بناءً على ذلك، فإن دراسة موضوعات مثل المحكم والمتشابه تدخل ضمن التفاسير الموضوعية. ثالثًا، رغم أن التفاسير الموضوعية المعروضة تناولت القضايا الأدبية والفنية للآيات بشكل أقل، كما سنبين في مراحل التفسير الموضوعي، فإن إحدى هذه المراحل هي تطبيق مبادئ وقواعد تفسير الآيات الفردية، والتي تشمل بطبيعة الحال القضايا الأدبية والفنية لكل آية. لأن الدراسات اللغوية والصرفية والنحوية والدلالية والبيانية والبديعية لكل منها تؤثر في إيصال المعنى بشكل أفضل وأكمل لكل آية. من جهة أخرى، يجب أن نعلم أن كتب غريب القرآن التي تناولت دراسة مفردات القرآن، مثل مفردات راغب، أو الكتب التي خصصت للمباحث الأدبية في القرآن مثل كتاب إملاء ما من الرحمن، لا ينبغي أن تُعد كتبًا أو توجهات تفسيرية بحد ذاتها. بل يجب اعتبارها منهجًا في القرآن يهيئ الأسس والمقدمات للتفسير، لأن المفسر يحتاج عند التفسير إلى المفاهيم التي توضحها المفردات أو نتائج الدراسات الأدبية للآيات. وقد اعتبر بعضهم هذه الكتب منهجًا أو توجهًا (نک: مؤدب، ص 246-248؛ حداد عادل، 7/639-646).
استنادًا إلى التعريف المنقول عن جوادي آملي، فإن جمع وتلخيص الروايات بعد جمع وتلخيص الآيات يُعد من مراحل التفسير الموضوعي وقد أدرجها في تعريف التفسير الموضوعي. لكن التفسير الموضوعي يختص بالقرآن وتقديم وجهات نظره، على عكس فقه الحديث الذي إذا اتبع بطريقة موضوعية وجمع وتلخيص للروايات، فإنه يهدف إلى تقديم وجهات نظر السنة. على أي حال، الرجوع إلى الروايات كأهم قرينة لفهم وتفسير الآيات في جميع مراحل التفسير الموضوعي ضروري ومفيد جدًا. وبالمقابل، فإن جمع وتلخيص الروايات هو عمل يُتابع في فقه الحديث، رغم أن الروايات تلعب دورًا في جميع مراحل التفسير الموضوعي، سواء في دراسة مفاهيم مفردات الآيات، أو المباحث الأدبية والنحوية، أو أسباب وشؤون النزول، وغيرها.
في تعريف أمين خولي تم التأكيد على نقطتين: 1- يعتمد التفسير الموضوعي على البحث والتنقيب الكامل في الآيات. إذ إن الغفلة عن بعض الآيات عمليًا ستؤدي إلى نقص في عملية الاستنتاج. 2- الاهتمام بالترتيب الزمني للملابسات والظروف الخاصة بكل آية يشير إلى دور التفسير الترتيبي في التفسير الموضوعي.
الرؤية التي قدمها صغير من كلام أمين خولي، رغم صعوبة استشهاده بكلام خولي، هي قول مقبول في موضعه. جوهر هذا القول هو أن القرآن أولاً تناول العديد من العلوم والمعارف والقضايا التي حصرها بحد ذاته عمل شاق، كما أن هذا الكتاب السماوي أجاب عن عدد لا يحصى من الأسئلة في ميادين مختلفة. ثانياً، اكتشاف العلوم والتعليمات والإجابات القرآنية في ميادين متعددة ليس أمرًا يمكن لشخص واحد إنجازه؛ ولهذا السبب من الضروري أن يقوم المفسرون، وفقًا لتخصصاتهم وتوجهاتهم العلمية، بدراسة الآيات المتعلقة بمعارفهم. في هذه الحالة، يستند التفسير الموضوعي إلى نتاج فكري لعدد من المفسرين.
قاموس العالم الإسلامي، متوافقًا مع إدراك وجود الاحتياجات والأسئلة المعاصرة، أخذ ذلك في تعريف التفسير الموضوعي، وانتقد ضمنيًا توسيع نطاقه المفهومي ليشمل كل موضوعات القرآن أو تفسير القرآن بالقرآن. ومن جهة أخرى، يرى مؤلفه أن الرجوع إلى دراسات السابقين والآثار التفسيرية السابقة هو من مراحل التفسير الموضوعي.
مع الانتباه إلى التعريفات التي قدمناها حول التفسير الموضوعي، فإن التعريف التالي يتمتع بشمولية أكبر: التفسير الموضوعي هو فهم وتبيين وجهات نظر القرآن في الموضوعات والمجالات المختلفة من خلال الرجوع المباشر أو عرض الأسئلة الخارجية على القرآن واستنطاقه بعد اصطياد واستخراج الآيات، وتصنيفها المنهجي، والاستنتاج منها.
في هذا التعريف تم مراعاة أربع نقاط: 1- التفسير الموضوعي، مثل التفسير الترتيبي، يقوم على مرحلتي الفهم والتبيين؛ بمعنى أن المفسر أولاً يصل إلى فهم صحيح للآيات ثم يعرض هذا الفهم للآخرين، وهذه هي مرحلة التبيين.
2- عبارة «وجهات نظر القرآن في الموضوعات والمجالات المختلفة» تشير إلى نقطتين: أولاً، في التفسير الموضوعي تُتابع التعاليم البصيرية والأنطولوجية والتعليمات القيمية (الحكمة النظرية والعلمية) جنبًا إلى جنب، ولا يقتصر على التعليمات والرسائل القيمية التي يهتم بها بعض المفكرين فقط. ثانيًا، يمكن دراسة موضوعات مثل المرأة، الحكمة، الحياة البرزخية، الجنة والنار ضمن موضوعات القرآن، وموضوعات مثل الأخلاق، العلم، التاريخ ضمن مجالات القرآن.
3- عبارة «الرجوع المباشر أو عرض الأسئلة الخارجية واستنطاق القرآن» تشير إلى أن اختيار الموضوع قد ينشأ من الرجوع والتفاعل المباشر مع الآيات، أو من خلال توجه الأسئلة الجديدة التي تظهر مع ظهور ميادين جديدة في المعرفة البشرية.
4- الاصطياد والاستخراج، التصنيف والاستنتاج، تشير إلى المراحل الأساسية في التفسير الموضوعي التي إذا أُجريت بشكل صحيح ستعكس وجهات نظر القرآن بشكل كامل وشامل.
أساليب التفسير الموضوعي
عموم أصحاب الرأي يقرون بأسلوبين للتفسير الموضوعي. وفقًا للأسلوب الأول، يأتي المفسر إلى القرآن دون اعتبار للفرضيات المسبقة أو ملاحظة الأسئلة والقضايا الحديثة، ويقوم باستخراج وتصنيف الآيات. أما وفقًا للأسلوب الثاني، فيستمد المفسر الأسئلة من توجهات جديدة في ميادين المعرفة البشرية من خارج القرآن، ويعرضها على القرآن ويسأل عن رأي القرآن في ذلك الموضوع. ويبدو أن محمد باقر صدر هو أول من طرح هذين الأسلوبين، وقد أصبحا أساسًا مقبولًا في أعمال باقي أصحاب الرأي.
يرى محمد باقر صدر أن الدراسات والبحوث الموضوعية في القرآن يمكن تحقيقها بطريقتين. الأسلوب الأول هو: يأخذ المفسر موضوعًا من خارج النص ويتوجه إلى القرآن ليكشف موقف القرآن ورأيه في ذلك الموضوع. في هذه الحالة، يركز المفسر على أحد الموضوعات العقائدية أو الاجتماعية أو الأنطولوجية، ثم يجمع إنجازات الفكر البشري حول مشاكل ذلك الموضوع وحلولها والأسئلة والتحديات، ويجري مقارنة تاريخية، ثم يتوجه إلى نص القرآن ويتحاور معه، في هذا الافتراض يسأل المفسر ويجيب القرآن، وهدف المفسر هو استخراج نظر القرآن في ذلك الموضوع (ص 19). ويعتقد صدر أن هذا الأسلوب يمكن أن يسمى أيضًا «الأسلوب التوحيدي والتطبيقي»، لأن المفسر يسعى إلى خلق وحدة وتناغم بين التجربة البشرية والقرآن، وليس بمعنى أنه يريد فرض التجربة البشرية على القرآن (ص 28).
أما الأسلوب الثاني في التفسير الموضوعي فهو: يختار المفسر موضوعًا معينًا من القرآن، ثم يجمع الآيات التي تشترك في ذلك الموضوع ويفسرها (نفس المرجع).
أما معرفت فقد ذكر في تعريف التفسير الموضوعي ما يلي: هذا النوع من التفسير يولي اهتمامًا فقط للموضوعات التي وردت في القرآن، ويقوم بتفسيرها وتبيينها وتصنيفها وجمعها ( تفسیر و مفسران، 2/526).
وهو أيضًا مستلهم من صدر، ويعتقد أن التفسير الموضوعي يمكن تصوره بطريقتين: الأولى اختيار موضوع من خارج القرآن مع توجه نحو القضايا والمواضيع الجديدة، وعرضه على القرآن واستخدام مبدأ الاستنطاق واكتشاف وجهة نظر القرآن في ذلك الموضوع، والطريقة الثانية تتم باختيار موضوع من القرآن وجمع الآيات المتعلقة به وتصنيفها (المرجع نفسه، 2/527-528).
ذكر مكارم شيرازي في هذا الشأن ما يلي: هناك طريقتان للتفسير الموضوعي: الطريقة الأولى التي اختارها بعض المفسرين لعملهم، حيث يطرحون موضوعات مختلفة سواء كانت موضوعات عقائدية أو موضوعات أخلاقية في كلامهم، وبعد التحليلات الفلسفية والكلامية أو التحليلات الأخلاقية، يذكرون بعض آيات القرآن التي وردت في هذا المجال كدليل. أما الطريقة الثانية فهي أن نجمع أولاً جميع الآيات التي وردت في موضوع معين في جميع أنحاء القرآن، ونرتب هذه الآيات جنبًا إلى جنب بدون تحامل مسبق، ثم نفسرها واحدة واحدة، وبعد ذلك نأخذ بعين الاعتبار علاقتها ببعضها في خلاصة، ونصل من مجموعها إلى رسم عام شامل (1/29).
نقد تقسيم طرق التفسير الموضوعي
هذا التقسيم يستحق التأمل من جوانب عدة: 1- التفسير الموضوعي من حيث الموضوع يعتمد على استخراج وتصنيف الآيات حول موضوع معين، ومن حيث الهدف يعتمد على إظهار وجهات نظر القرآن المبنية على ذلك. سواء استخرج المفسر الموضوع في المرحلة الأولى من صلب الآيات، أو اختار موضوعًا بناءً على توجهات المناقشات الحديثة في ميادين العلوم والفنون البشرية واستنطق القرآن وطلب رأيه، فلا فرق في جوهر التفسير الموضوعي. فأساسًا التأكيد على مبدأ الاستنطاق وقاعدة شمولية وخاتمية القرآن يدل على أنه نتيجة لتوجهات المناقشات الجديدة واكتشاف ميادين ناشئة، يجب أن نطلب رأي القرآن في ذلك الشأن. ومن الجدير بالذكر هنا أن القرآن قد يجيب على سؤال جديد بآية أو بضع آيات محدودة. ونتيجة الاستنطاق هي استخراج هذه الآيات وعكسها. لكن أن نطلق على دراسة آية أو اثنتين أو ثلاث آيات محدودة تسمية التفسير الموضوعي، فهذا يحتاج إلى تأمل.
لذا إذا عرضنا مسائل جديدة مثل العلمانية أو التعددية على القرآن، واستخرجنا الآيات التي ترد على هذه المسائل، ودرسناها وفق منهج التفسير الموضوعي وأظهرنا رأي القرآن في هذا الشأن، فسيكون ذلك تفسيرًا موضوعيًا.
2- مما انعكس في شرح مكارم في بيان الطريقة الثانية للتفسير الموضوعي، يبدو أن اختيار الموضوع والدراسات الخارجية وجمع نتاجات الفكر البشري مصحوب بتحامل مسبق؛ لأنه قد قيد الطريقة الثانية، أي الرجوع المباشر إلى آيات القرآن وجمعها، بعدم وجود تحامل مسبق. كما أن صدر سمى هذه الطريقة “الطريقة التوحيدية والتطبيقية” حيث يسعى المفسر إلى تحقيق توافق وتناغم بين تعاليم القرآن ونتاجات العلم البشري.
يبدو أن في هذه التحليلات قد اختلط بين شرح كيفية وطرق التفسير الموضوعي وبين تشخيص أضراره. لكن طرح الأسئلة بناءً على تطور وازدياد نتاجات العلم البشري وعرض هذه الأسئلة الجديدة على القرآن واستنطاقه لا يتعارض مع جوهر التفسير الموضوعي. ومن جهة أخرى، قد يكون هذا الاستنطاق بعد دراسة الآراء والأفكار البشرية حول الموضوع أو قبلها. المهم في هذا السياق هو أن للمفسر الحق في الاستفادة من معارفه السابقة لفهم وتفسير الآيات، لكنه لا يحق له أن يستخدم معارفه السابقة كمسلمات مفروضة في فهم وتفسير الآيات ويفرضها على القرآن [1].
الشخص الذي شكل فكره قبل الرجوع إلى القرآن بناءً على نتاجات الفكر البشري وتنظيمه بشكل خاص، عند الرجوع إلى القرآن لا يخرج عن ثلاثة أحوال:
1- أن يكون مسيطرًا ومتمكنًا من أفكاره ومعتقداته، ومن جهة أخرى يتمتع بتقوى قلبية بحيث يفسر الآيات بعقل صافٍ دون تأثر بتلك المعارف. وهذا الأمر لا يقدر عليه إلا قلة قليلة.
2- في حالة وسطى، بعد الرجوع إلى آيات القرآن، يسعى إلى مطابقة وتوافق بين أدلة الآيات وتعاليم البشر، كما سمى صدر هذه الطريقة “الطريقة التطبيقية”، وقد اعتبر بعض الباحثين في تفسير صدرالمتألهين أنه من هذا النوع (نک: نصیری، ص 66-79؛ ملاصدرا، 4/75).
3- الحالة المتطرفة التي تحققت في كثير من الحالات، وهي أن المفسر يتأثر بنتائج العلم البشري ويفترض مسبقًا بعض المسلمات القطعية من منظوره، وبعد الرجوع إلى القرآن، دون استنطاق صحيح للآيات ودون الانتباه إلى رسائلها، يفرض تلك المسلمات على القرآن.
إن الضرر الناتج عن تشكيل الذهن من تعاليم خارجية وبشرية وتطبيقها أو فرضها على القرآن لا يقتصر على التفسير الموضوعي، بل يمكن أن يتحقق أيضًا في التفسير الترتيبي وفي أي آية حسب موضوعها. لذلك، ليس من المنطقي أن نعتبر ضرر فهم وتفسير الآيات، الذي لا يختص بالتفسير الموضوعي، كأحد طرق التفسير الموضوعي.
هذه النقطة في كلام مكارم الشيرازي جديرة بالتأمل، حيث إن الشخص أحيانًا، دون النظر في مراحل وأساليب التفسير الموضوعي أو دون الالتزام بتقديم وجهات نظر القرآن التي هي هدف التفسير الموضوعي، يتناول مسألة دينية سواء كانت من العقائد أو الأخلاق، ثم يستشهد في نهاية أو وسط مباحثه بآيات من القرآن بشكل ضعيف، وأحيانًا يطلق على عمله وبحثه اسم التفسير الموضوعي. كما أن هذه الظاهرة قد دخلت في عدد من الكتب والآثار التي نُشرت تحت عنوان التفاسير الموضوعية. بلا شك، يجب التنبه إلى أنه إذا كان الاستشهاد بآيات القرآن صحيحًا مع تجنب التحيز والمغرضة، فإنه من غير الصحيح إطلاق لقب «تفسير موضوعي» على مثل هذه الأبحاث. لأن التفسير الموضوعي من حيث الموضوع واضح، وهدفه يختلف عن باقي البحوث في مجال معرفة الدين وحتى معرفة القرآن. موضوع التفسير الموضوعي للقرآن هو النظر الخاص في موضوع معين في المجال القرآني، وطريقته استخراج الآيات، وتصنيفها، والاستنتاج منها، وتقديم وجهات نظر القرآن في مختلف المجالات هو هدفه، ومن الواضح أن العناصر الثلاثة: الموضوع، والطريقة، والهدف في التفسير الموضوعي غير واضحة في هذه الأبحاث.
تاريخ التفسير الموضوعي في القرآن والروايات المعصومة
أهم الأسس التي لعبت دورًا في تأسيس طريقة التفسير الموضوعي هي ضرورة استخدام آيات القرآن في التفسير ودور النظرة الشاملة إلى الآيات المتجانسة حول موضوع واحد. ولهذا، هناك ارتباط وثيق بين التفسير الموضوعي وطريقة تفسير القرآن بالقرآن. وبالنظر إلى هذا الأصل، يجب الاعتراف بأن أول مؤسس لطريقة التفسير الموضوعي هو القرآن نفسه. حيث تولى الله تعالى مهمة بيان القرآن بنفسه: إن علينا جمعه وقرآنه … ثم إن علينا بيانه (قیامت/17-19)، وأحد طرق بيان القرآن من قبل الله هو تفسير الآيات بآيات أخرى، وكذلك حيث أمر الله بإرجاع الآيات المتشابهة إلى المحكم على أساس أن المحكمات في القرآن هي أم الكتاب: هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات (آل عمران)، وذلك لتجنب التأويل الباطل والغير صحيح، فقد أوصى في الحقيقة بدراسة الآيات المتشابهة والمحكمة معًا. وفي السيرة القولية والعملية للمعصومين (ع) أيضًا تم التأكيد على مكانة ودور التفسير الموضوعي. فقد أكد الإمام أمير المؤمنين (ع) في الرواية: «ينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض» (نهج البلاغه، خ 133) على تفسير آيات القرآن بالنسبة لبعضها البعض، وفي الرواية «ذلك القرآن فاستنطقوه» (المرجع نفسه، خ 158) أصر على ضرورة الاستنطاق من القرآن. بالإضافة إلى ذلك، استخدم المعصومون عمليًا في بعض الحالات مقارنة الآيات مع بعضها البعض لإيصال وجهات نظر القرآن. على سبيل المثال، في رواية مطولة، خاطب النبي (ص) عبد الله بن مسعود بذكر آيات من القرآن بجانب بعضها ودعاه إلى الالتزام بالقيم الأخلاقية (مجلسی، 74/92-110). في بداية هذه الرواية عن عبد الله بن مسعود جاء: دخلنا على النبي مع خمسة من الصحابة ونحن نعاني من جوع شديد، ولم يكن طعامنا خلال أربعة أشهر متتالية سوى الماء والحليب وأوراق الشجر. سألنا: يا رسول الله، إلى متى سيستمر هذا الجوع الشديد (ضيق المسلمين)؟ فأجاب النبي الأكرم ابن مسعود مستخدمًا آيات من القرآن في موضوعات أخلاقية مختلفة منها الصبر والزهد والعمل بالعلم… (المرجع نفسه). الآيات التي استشهد بها النبي من حيث الموضوع متجانسة، وقد استُخرجت من سور مختلفة وصُنفت. على سبيل المثال، استشهد النبي لتبيين قيمة الصبر بهذه الآيات: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب (زمر/14)؛ أولئك يجزون الغرفة بما صبروا (فرقان/75)؛ إني جزيتهم اليوم بما صبروا إنهم هم الفائزون (مومنون/15)؛ وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا (دهر/12)؛ أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا (قصص/54).
ومن الأمثلة البارزة الأخرى رواية مطولة للإمام الكاظم موجهة إلى هشام بن حكم حول مكانة العقل، والتي عكسها كليني في كتاب العقل والجهل من الكافي (1/13-20). على سبيل المثال، استشهد الإمام في بيان علاقة العقل بالعلم بهذه الآيات: وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون (عنکبوت/43)؛ وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون (بقره/44).
تاريخ التفسير الموضوعي في آثار العلماء المسلمين
مع انشطار العلوم الإسلامية المختلفة عن علم الحديث الذي اعتُبر أم العلوم الإسلامية (نک: دایرهالمعارف الاسلامیه، 1/347) وظهور الاتجاهات والمذاهب الفقهية والكلامية والفلسفية والصوفية والأدبية المختلفة التي بدأت من القرن الثاني، وتوجه مؤسسي ومؤيدي هذه المذاهب إلى القرآن للحصول على وجهات نظر القرآن أو في سبيل تقوية وتأييد المذاهب التي يعتنقونها، نشأت طبيعيًا الدراسات والبحوث الموضوعية، وازدهر التوجه الأدبي والفقهي نحو القرآن بشكل واسع، ونتيجة لذلك تشكلت أولى الآثار المنهجية والمتماسكة كالتفاسير الموضوعية في مجال الآيات الأدبية والآيات الفقهية التي يُطلق عليها آيات الأحكام. ومن الكتب التي تُعد من كتب التفسير الموضوعي في المجال الفقهي: زبدة البيان لمحمد اردبيلي، وكنز العرفان لفاضل مقداد، وفقه القرآن لمحمد يزدي، والتفسير الجامع لآيات الأحكام لزين العابدين قرباني (نک: طهرانی، 1/40-41؛ یزدی، 1/9-13؛ قربانی، 1/18-23)، ومن الكتب التي ذُكرت ككتب تفسير موضوعي في المجال الأدبي: البيان في أقسام القرآن لابن قيم، ومجاز القرآن لأبي عبيدة، والمفردات في غريب القرآن لراغب الأصفهاني (نک: معرفت، التفسیر و المفسرون، 2/480-506).
لقد استمر هذا النهج في التعامل مع القرآن بشكل محدود في مجال الآيات الفقهية والأدبية للقرآن خلال القرون التالية، ولكن مثل هذا النهج في المجالات الأخرى للقرآن مثل علم الله، وعلم المعاد، والأخلاق، والحقوق… الذي أدى إلى تأليف تفاسير موضوعية متعارف عليها، لا يُرى عمليًا عبر تاريخ الدراسات القرآنية باستثناء القرن الأخير، وهذا له عوامل وجذور تستحق الدراسة. ومن الجدير بالذكر أيضًا أنه لم يُغفل تمامًا دراسة أجزاء صغيرة ومحدودة من موضوعات القرآن التي تأثرت بأذواق ورغبات العلماء المسلمين، إذ تمت متابعتها إلى حد ما. ومن بين الخطوات الفعالة في مجال التفسير الموضوعي العلامة المجلسي (م1111) الذي في بداية فصول وأبواب بحار الأنوار، وبما يتناسب مع الموضوعات، جمع الآيات ذات الصلة وفسرها مستعينًا بتفاسير مثل مجمع البيان والكشاف. وفي طريقة جمع الآيات عند العلامة المجلسي تم الالتزام بترتيب الآيات وفق ترتيب السور.
التفسير الموضوعي في القرنين الأخيرين
يجب اعتبار القرنين 14 و15 هـ عصر ازدهار ونهضة العلوم الإسلامية ونهاية الركود في الدراسات والبحوث في أجزاء من ميادين العلوم الإسلامية، بما في ذلك علوم القرآن بمعناها الأوسع والتفسير الموضوعي بمعناه الأخص. ويمكن تقييم نمو وازدهار العلوم الإنسانية الأخرى ودخول المجتمع العالمي إلى ميدان العلم والحضارة الحديثة كعوامل مؤثرة في نمو وازدهار العلوم الإسلامية. بناءً على ذلك، في هذين القرنين، تم متابعة النهج في التفسير الموضوعي واكتشاف وجهات نظر القرآن باعتباره الوثيقة الأقوى للإسلام والمصدر لفهم معارف هذا الدين السماوي بحماس واهتمام كبيرين. ويمكن تقييم التفاسير الموضوعية التي أُعدت في هذين القرنين في ثلاثة محاور:
1- تفاسير موضوعية تناولت، كما في السابق، لكن بعمق واتساع أكبر، وجهات نظر القرآن في موضوعات محدودة مثل علم الملائكة وعلم البرزخ.
2- تفاسير موضوعية قدمت أو ادعت وجود هيكل منهجي للنظام الفكري، حيث بحثت في القرآن والمعارف والتعاليم القرآنية بشكل واسع وشامل نسبيًا. ولحسن الحظ، لقي هذا الأمر إقبالًا أكبر بين العلماء الشيعة مقارنة بأهل السنة. ومن بين كتب أصحاب الرأي الشيعة في هذا المجال: منشور جاويد ومفاهيم القرآن من سبحاني، والتفسير الموضوعي للقرآن من جوادي آملي، ورسالة القرآن من مكارم شيرازي وزملائه، ومعارف القرآن من مصباح يزدي.
3- يجب اعتبار الموسوعات القرآنية نوعًا من التفاسير الموضوعية التي تناقش وتبحث وجهات نظر القرآن حول موضوع معين، وإن كان خاصًا وصغيرًا. ومن هذه الموسوعات التي تُعد وتُنشر حاليًا من قبل مركز الثقافة والمعارف القرآنية، وكذلك موسوعة علوم القرآن، وجزء من مدخلات موسوعة القرآن في ليدن، التي تُعد من النهج الحديثة في مجال التفسير الموضوعي.
ضرورة وأهمية التفسير الموضوعي
كان للتفسير الموضوعي ضرورة من عدة جوانب: 1- محدودية وعجز التفسير الترتيبي في تقديم رؤية شاملة للقرآن. لا يمكن التشكيك في أهمية ومكانة التفسير الترتيبي وضرورة استمراره رغم وجود مئات التفاسير، لأنه يتيح الحصول على وفهم رؤى وتعاليم القرآن في كل آية على حدة، وهو ما كان محور اهتمام الدراسات والبحوث القرآنية حتى الآن. ولكن، وباعتراف جميع أصحاب الرأي في علوم ومعارف القرآن، فإن التفسير الترتيبي بسبب تركيزه على الآيات المنفردة وعدم إمكانية النظر في الآيات المرتبطة بموضوع معين في آن واحد، يعجز عن عكس الرؤية الشاملة والمتعددة الأبعاد للقرآن حول موضوع معين. على سبيل المثال، عندما يصل المفسر في التفسير الترتيبي إلى الآيتين: “إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ” (بقره/6-7)، فإنه بسبب ضيق التفسير الترتيبي في ظل مبادئ التفسير، يحاول أن يقدم مفاهيم وأدلة محدودة من مضمون هاتين الآيتين، خاصة فيما يتعلق بمصطلح الكفار ومفهوم الختم، محاولًا قدر الإمكان تجنب إضفاء طابع الجبرية عليها. لكنه، دون استدعاء الآيات الأخرى المرتبطة بمضمون هاتين الآيتين ودراسة شاملة لها، لا يستطيع الإجابة عن جميع الأسئلة المتعلقة بهاتين الآيتين. مثل هذه الأسئلة: هل إنذار الكفار يعود بالنفع على جميع الكفار في كل المستويات والمراتب، أم يقتصر على مراتب معينة أو كفار عصر معين مثل عصر النزول؟ إذا كان الإنذار بلا فائدة، فهل بعثة ودعوة الكفار إلى الهداية إلى طريق الدين لغو؟ ما هو المعنى الدقيق والصحيح للختم والختم على القلوب والآذان؟ هل هذه المفاهيم مجازية وتشير إلى موت القلب للكفار، أم أن الختم حقيقة قائمة؟ وإذا كان المعنى الحقيقي، فما هو الختم وكيف يتم؟ هل الختم على القلوب يتوافق مع الاختيار والإرادة والقدرة الإنسانية؟ لا يمكن تحقيق إجابة شاملة ومقنعة على هذه الأسئلة إلا إذا تم دراسة جميع الآيات المتعلقة بالكفار بدقة وتحليل شامل.
الأمور الأخرى التي يتناولها القرآن صراحة أو إشارة، والتي تُعد مجال هذا الكتاب السماوي، هي كذلك. فهل يمكن الحصول على وجهات نظر القرآن حول مكانة المرأة في نظام الخلق والتشريع دون استدعاء الآيات ذات الصلة وتصنيفها بشكل منهجي ودراسة شاملة لكل آياتها؟
2- اشتراط استناد استجابت قرآن به جميع الأسئلة على التفسير الموضوعي. من جهة أخرى، قدَّم القرآن الإسلام كأشمل وأكمل الأديان السماوية، الذي إلى جانب نسخ الأديان السابقة، أغلق ملف ظهور أي دين سماوي جديد إلى الأبد (مائده/4). ومفهوم هذا القول هو قدرة الإسلام على الإجابة عن جميع الأسئلة القديمة والحديثة في جميع المجالات والميادين واحتياجات البشر ضمن نطاق الدين. فإذا كان نطاق الإسلام تقديم صورة واقعية واضحة في ميدان الوجودية بمعناها العام ورسم ميثاق حسن العيش والنهاية الحسنة، فلا بد أن يكون قادراً على الإجابة عن جميع الأسئلة والالتباسات في تلك الميادين بقدر ما يستوعبه فهم البشر. مثل هذه الأسئلة: ما هو موقف القرآن من مدى اعتبار الإنجازات البشرية؟ ما هو النظام الاقتصادي الذي يريده القرآن؟ ما هو النظام القانوني الذي يقصده القرآن؟ ما هو رأي القرآن في علم النفس؟ وهكذا… إن الإجابة عن هذه الأسئلة تقوم على التفسير الموضوعي.
ومن جهة أخرى، رغم أن تعاليم الإسلام وعباراته انعكست في مصدرين هما الكتاب والسنة، إلا أن مسؤولية هذه الإجابة تقع بشكل أكبر على عاتق القرآن بسبب مكانته السامية واعتباره الثقل الأكبر بلا منازع، ولهذا السبب كان الأئمة الدينيون، إلى جانب التأكيد على الرجوع إلى القرآن، يستندون في المرحلة الأولى إلى القرآن ثم إلى السنة.
لذلك، لكي نحصل على وجهات نظر الإسلام ونجيب عن الأسئلة المختلفة التي يطرحها المؤمنون أو الملحدون والكافرون، لا مفر لنا في المرحلة الأولى والأهم من الرجوع إلى القرآن، وذلك من خلال التفسير الموضوعي.
3- إزالة الالتباس عن وجه بعض الآيات في ظل التفسير الموضوعي. بما أن التفسير الموضوعي يضع الآيات المتعلقة بموضوع واحد، والتي بطبيعة الحال لها علاقة تفسيرية ببعضها البعض، جنباً إلى جنب، فإن الالتباسات في بعض الآيات تُزال في ظل هذا التفسير. وهذا الأمر يشمل جميع الميادين وعبارات آيات القرآن سواء كانت عقائد، أخلاق، أحكام، قصص، وغيرها. ولتوضيح هذا القول نذكر بعض الأمثلة:
أ- تحديد ليلة نزول القرآن. إذا أردنا دراسة موضوع زمن نزول القرآن من منظور القرآن نفسه، نجد في البحث في القرآن الآيات التالية: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان (بقره /185). بناءً على هذه الآية، فإن شهر رمضان هو شهر نزول القرآن. ومع ذلك، لا نعلم هل نزل القرآن طوال شهر رمضان المبارك أم في ليلة أو يوم معين منه! إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم (دخان /3-4). بناءً على هاتين الآيتين، نزل القرآن في شهر رمضان في ليلة واحدة فقط، وهذه الليلة لها صفتان: مباركة وفيها يتم التمييز بين الأمور الحكيمة. ومع ذلك، لم يُحدد الوقت الدقيق لهذه الليلة.
في سورة القدر، تم تقديم توضيح أكثر تفصيلاً عن هذه الليلة. ففي هذه السورة، إلى جانب إعلان اسم هذه الليلة بأنها «ليلة القدر»، ذُكرت لها صفات أخرى، وهي: أن ليلة نزول القرآن أفضل من ألف شهر؛ وأن الملائكة والروح، وهو أعظم الملائكة، ينزلون فيها لأداء أمر الله؛ وأن السلام والتحيات الإلهية تشمل العباد الصالحين حتى مطلع الفجر. ومن مقارنة هذه الأجزاء الثلاثة من آيات القرآن، يمكننا أن نستنتج أن القرآن نزل في شهر رمضان وفي ليلة واحدة تسمى «ليلة القدر».
ب- مفهوم ومراتب اليقين. عند دراسة موضوع اليقين من وجهة نظر القرآن، نصل إلى هذه الآية: و اعبد ربك حتى يأتيك اليقين (حجر/ 99). ويبرز سؤال مهم عند التعامل مع هذه الآية، وهو هل أن العبادة مرتبطة بحدود اليقين؟ بمعنى هل إذا وصل الإنسان إلى اليقين، فلا حاجة له بعد ذلك إلى العبادة؟ هل هذا الادعاء، الذي استند إليه بعض الصوفية بناءً على ظاهر هذه الآية، مقبول؟
القرآن نفسه أجاب عن هذا الشك والسؤال. حيث جاء في كلام أهل النار في بيان سبب عذابهم: و كنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين (مدثر /46-47) [كنا ننكر يوم القيامة حتى جاءنا اليقين]. من الواضح أن المقصود باليقين في هذه الآية ليس اليقين مقابل الشك والريبة، وهو أحد مراتب العلم ويشكل أساس الشبهة في الآية السابقة، بل اليقين هنا يعني الموت، وقد أُطلق على الموت اسم اليقين لأنه عند حدوثه تنكشف الحجب ويتحول كل الشك إلى يقين. بناءً عليه، فإن المقصود باليقين في الآية السابقة هو الموت، ومعناه: اعبد ربك حتى تموت (طبرسی، 6/136؛ طباطبایی، 12/195-196). كما أننا من خلال جمع ثلاث آيات نصل إلى مراتب اليقين وهي علم اليقين، عين اليقين، حق اليقين.
في سورة التكاثر، أعلن القرآن أنه إذا وصل الناس إلى مرتبة علم اليقين أو عين اليقين، فلن ينكروا عذاب الله أبداً. كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (تکاثر /5-7). وفي سورة الواقعة، اعتُبر نعيم الجنة وعذاب النار حق اليقين. إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (واقعه /95). كما أن سورة الحاقة عرّفت النهاية المؤسفة للكافرين بأنها حق اليقين وإنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (حاقه/ 51). ومن جمع هذه الآيات يتضح وجود ثلاث مراتب لليقين.
ج_ضرورة إعادة البحث في موضوعات القرآن تزامناً مع تعميق البحوث في مجال المعرفة الإنسانية. يجب اعتبار ضرورة ومكانة البحوث الموضوعية في القرآن أهم وأساسياً بكثير من البحوث التي تُجرى في فروع العلوم التجريبية المختلفة بمعناها العام وبشكل واسع للغاية. اليوم، أصبحت ضرورة وقيمة البحث الشامل في موضوعات محدودة أو واسعة مثل الدماغ، كيفية عمل الجهاز العصبي، كيفية تشكل النظام الكوني، حجم واتساع الكون… معروفة للجميع، وتُنفق الدول مليارات الدولارات سنوياً لدعم هذه الأبحاث مادياً ومعنوياً. القرآن نفسه يحث على التفكر في كتاب التكوين وآيات الكائنات والذات. ومن الواضح أن التفكر والتعمق وإدراك المقصود الإلهي في آيات القرآن التي تؤدي إلى ازدهار الآخرة للناس أهم بكثير من التفكر في كتاب التكوين.
العلاقة بين التفسير الموضوعي والتفسير الترتيبي
أحد الأسئلة الأساسية حول التفسير الموضوعي هو: ما العلاقة بين هذا التفسير والتفسير الترتيبي؟ خاصة وأن بعضهم يعتقد أنه بسبب كثرة التفاسير الترتيبية يجب التخلي عن هذا الأسلوب واللجوء إلى التفسير الموضوعي. الرسالة التي يحملها هذا التفكير هي أن هناك حدوداً فاصلة بين هذين الأسلوبين وأن التفسير الموضوعي مستقل عن التفسير الترتيبي. إذا كان هذا الفهم صحيحاً وكان لنظرية استقلال التفسير الموضوعي عن التفسير الترتيبي مؤيدون، فيجب اعتبار هذه النظرية خاطئة. لأنه كما سنبين في رسم مراحل التفسير الموضوعي، إحدى أهم المراحل هي المرحلة الرابعة وهي استخراج أدلة كل آية بناءً على مبادئ التفسير. لأن التفسير الموضوعي، بمعنى الحصول على وجهات النظر النهائية للقرآن حول مسألة قرآنية، يشبه سقفاً يستند إلى أعمدة من الآيات، وكل آية من موضوع ما بمثابة عمود مؤثر في كيفية تشكيل واستمرارية هذا السقف. لذلك يجب إعادة البحث في أدلة كل آية على حدة، وهذه إعادة البحث تستند إلى مبادئ وقواعد يتم اتباعها بالكامل في التفسير الترتيبي. بعبارة أوضح، كل أو معظم مبادئ وقواعد التفسير الترتيبي التي تُطبق على كل آية من آيات القرآن تُستخدم بالضرورة لاستخلاص أدلة آية واحدة إلى جانب الآيات الأخرى المرتبطة بها والتي تُبحث في التفسير الموضوعي. على سبيل المثال، تفسير العلاقة بين الكلمات والجمل في آية واحدة، وكذلك العلاقة بين آية وأخرى أو الآيات التي تسبقها وتليها كعوامل مؤثرة في أدلة الآيات، يتم اتباعها في التفسير الترتيبي. ويجب أيضاً اتباع هذين القاعدتين في التفسير الموضوعي. لأن الفرض هو أنه حتى لا تُعاد دراسة أدلة كل آية بشكل صحيح، فإن وجهات النظر النهائية من مجموعة الآيات المرتبطة بعضها ببعض ستكون ناقصة أو حتى خاطئة. ومن قواعد التفسير أيضاً الانتباه والاهتمام بسبب أو سبب نزول الآيات. على سبيل المثال، إذا فسّر شخص آية “والفرش المرفوعة” (واقعه /34) دون الانتباه إلى الآيات التالية، فسيفسرها بمعنى السجاد الثمين، ويُعدّها من نعم الجنة المادية، في حين أن النظر في الآيات التالية “إنا أنشأناهن إنشاءً فجعلناهن أبكاراً” (واقعه /35) يُظهر أن المقصود بالفرش هم زوجات الجنة الذين يُشار إليهن مجازاً بالفرش، كما أن المقصود بالفراش في الحديث النبوي “الولد للفراش وللعاهر الحجر” (کلینی، 5/491) هو نفس المعنى. وبناءً عليه، إذا لم يتضح من هو مخاطب العتاب الإلهي في آية عبس وتولى، أو كما ظن البعض أن المخاطب هو النبي محمد (ص) أو كما يرى آخرون أنه رجل ثري من بني أمية (نک: واحدی، ص 297؛ طباطبایی،20/203- 204)، فإن تطبيق هذه الآية في التفسير الموضوعي سيؤدي إلى نتائج مختلفة. إذا كانت النظرية الأولى صحيحة، فيجب اعتبار هذه الآية من الآيات التي تخص النبوة الخاصة والتي تحتاج إلى نوع من التفسير والتأويل. أما إذا كانت الآية تشير إلى لقاء رجل ثري من بني أمية مع أعمى يُدعى عبد الله بن أم مكتوم، فيجب ذكر هذه الآية في مناقشات أخلاقية وذم التفاخر واحتقار الآخرين. ضرورة تطبيق قواعد التفسير الترتيبي في التفسير الموضوعي تتعلق بالحالات التي يرغب فيها المفسر في اصطياد آية من بين الآيات وربطها بالآيات الأخرى؛ أما في الحالات التي يكون فيها هذا الربط بسبب الترابط الوثيق بين بعض الآيات مرتبطاً بعدة مجموعات من الآيات، فإن تطبيق قواعد التفسير الترتيبي يصبح أكثر ضرورة. على سبيل المثال، إذا كان المفسر يريد دراسة آيات تتعلق بخلق الإنسان معاً وإعادة بحثها، فلا بد له من إعادة دراسة مجموعة الآيات المرتبطة بهذا الموضوع والتي وردت في سورة البقرة /30-38، الأعراف /11-27، طه /115-123. وعند دراسة مجموعات كل جزء من هذه الآيات، لا بد له من اتباع نفس الخطوات التي يتبعها المفسر في التفسير الترتيبي، مع ضرورة إعادة البحث في أدلة مجموعة هذه الآيات وفق مقتضى التفسير الموضوعي. الحاجة إلى التفسير الترتيبي في التفسير الموضوعي لا تقتصر على هذا الحد فقط، لأن الإلمام بالتفسير الترتيبي والألفة مع وجهات النظر التفسيرية في مرحلتي السؤال وتحديد المسألة وكذلك اصطياد الآيات المرتبطة بالمسألة له أثر كبير. في مرحلة تحديد السؤال، يتم الاستنطاق وطرح السؤال الصحيح والمنطقي من الآيات بناءً على نوع من الوعي بجزء من الرسائل، والعبارات، وأهداف الآيات، وبكلمة واحدة النظام الفكري الذي يقصده القرآن، وهذا الأمر لا يتحقق إلا في ظل التفسير الترتيبي واتباع هذا المسار. كما أن اصطياد الآيات، خاصة عندما تكون الأدلة غير واضحة إلى حد ما، يتم من خلال المعرفة المسبقة بتفسير كل آية على حدة. على سبيل المثال، إذا بحث شخص في مسألة الأخلاق الاجتماعية، الأخوة والتآلف بين المؤمنين من منظور القرآن، حتى وإن بحث في جميع آيات القرآن مباشرة، فقد يتجاوز بسهولة آية “إن الله يأمر بالعدل والإحسان” (نحل /90) وكذلك آية “ولا تلمزوا أنفسكم” (حجرات /11). في حين أن في الآية الأولى تنعكس إحدى أهم أسس السلوك الاجتماعي، وهي ضرورة توجيه جميع التفاعلات الاجتماعية على محورين: السلوك العادل والسلوك المحسن. بناءً على ذلك، يؤكد القرآن أولاً على السلوك العادل، أي احترام حقوق الآخرين تماماً، والامتناع عن كل ظلم وظلم في حق الأشخاص، وعدم قبول الظلم من الآخرين، وفي المرحلة الثانية يطلب من المؤمنين أن يغفروا إذا رأوا تقصيراً من الآخرين (نک: طباطبایی، 12/332)، وفي الآية الثانية يعتبر المؤمنون أنفسهم جسداً واحداً، وأن اللوم في الحقيقة يعود إلى الشخص الذي يعيب نفسه وليس إلى الآخرين (نک: المرجع نفسه 18/322). بعبارة أوضح، رسالة الآية هي روح المؤمنين، وفهمها ضروري جداً لرسم نظرة القرآن إلى موضوع الأخوة. هذه الرسائل لا تُدرك إلا من خلال دراسة التفاسير الترتيبية، وبناءً على توجيهات التفاسير الترتيبية يمكن للمفسر اصطياد هاتين الآيتين لموضوعين: الأخلاق الاجتماعية والتآلف.
مراحل التفسير الموضوعي
أحد المواضيع المهمة في التفسير الموضوعي هو الإجابة على سؤال: ما هي المراحل التي يتبعها هذا الأسلوب التفسيري؟ وبأي مراحل يمكن للمفسر أن يدعي أنه توصل إلى وجهات نظر القرآن حول الموضوع الذي يبحثه؟ جَوَادي آملي يرى أن للتفسير الموضوعي ست مراحل. المرحلة الأولى هي جمع الآيات التي وردت في هذا المجال. في هذه المرحلة يجب أن يكون لدى المفسر حضور ذهن عميق حول القرآن الكريم بحيث يجمع، حسب وسعه وواجبه، كل الآيات التي تتناول هذا الموضوع، سواء بالنفي أو الإثبات. ولا يكتفي في ذلك بالآيات التي تحتوي لفظ الموضوع فقط، بل يولي اهتماماً لمحتوى الآيات. المرحلة الثانية هي تلخيص هذه الآيات المجمعة، أي جمع المطلقات مع المقيدات، والعامة مع الخاصة، والمبهمة مع المبينة، والمتشابهة مع المحكمة، والأجزاء المناسبة مع بعضها، ليحصل على نتائج الآيات المجمعة.
المرحلة الثالثة، في هذه المرحلة يحين دور سيرة العترة، حيث يتم جمع الروايات التي وردت في هذا المجال – نفيًا وإثباتًا – حتى لا يُغفل شيء من الروايات، سواء كانت متعلقة بأقوالهم أو بأفعالهم. المرحلة الرابعة، تقوم بين هذه الروايات المجمعة بعملية تلخيص. أي تقارن بين المطلقات والمقيدات، والعامة والخاصة، والمحكمات والروايات المتشابهة، والناسخات والمنسوخات، والمجملة والمبيّنة، ويجب أن تقوم بنفس العمل الذي يُمارس في الاستنباط الفقهي في كل موضوع، حتى تتمكن من تقديم النتائج التي تم التوصل إليها من خلال دراسة الروايات. المرحلة الخامسة، تحول النتائج المتعددة التي تم الحصول عليها من الآيات إلى مبدأ مهم، وكذلك تقدم ثمرات متنوعة مستخلصة من الروايات على شكل مبدأ شامل. المرحلة السادسة، في هذه المرحلة تقوم بعملية تلخيص نهائية بين النتائج المستخلصة من القرآن والثمار المستنبطة من الروايات، بحيث تستنبط مطلبًا واحدًا بتوافق القرآن والعترة (ص 61-62).
في هذه المراحل الستة تم التأكيد على نقطتين أساسيتين: أولًا، بما أن السنة هي مبين وشارح للقرآن، فإنه إلى جانب جمع وتلخيص الآيات، يجب جمع وتلخيص الروايات أيضًا. ويجب دراسة وتقييم وجهات نظر القرآن إلى جانب وجهات نظر السنة. وثانيًا، فإن استخراج الأصل من تلخيص ودراسة النتائج المستخلصة من الآيات والروايات أمر ضروري. ورغم أن جوادي آملي لم يوضح هذا الأصل، إلا أنه يبدو أن المقصود هو الرسالة والتعليم الأساسي الذي تقدمه غالبًا الآيات المرتبطة بموضوع معين، كما هو الحال في دراسة آيات التوحيد حيث يمكن الاستفادة من الأصل الأساسي للتوحيد كمحور رئيسي لمعرفة القرآن. في المراحل الستة التي نعتبرها، يتوافق ذلك مع جوادي آملي في التأكيد على الرجوع إلى الروايات في مرحلة تطبيق مبادئ تفسير الآيات المفردة. وهذه المراحل هي: 1- تحديد الموضوع؛ 2- اصطياد واستخراج الآيات؛ 3- تصنيف منهجي للآيات؛ 4- استخراج أدلة الآيات بناءً على مبادئ ومراحل التفسير؛ 5- استنتاج وجهات نظر القرآن بمقارنة وتعددية النظر إلى أدلة الآيات؛ 6- تقييم النتائج بمعايير ودلائل أخرى.
من جهة أخرى، فإن التفسير الترتيبي والحصول على وجهات نظر القرآن حول كل موضوع ومجال يعتمد على تفسير صحيح ومنهجي للآيات المفردة؛ لأن هذه الوجهات هي في الأساس مفاهيم وأدلة عامة تُستخلص بشكل تجريدي من جمع الآيات واحدة تلو الأخرى. وبناءً عليه، فإن إحدى أهم مراحل التفسير الموضوعي هي المرحلة الرابعة، أي استخراج أدلة الآيات بناءً على مبادئ ومراحل التفسير. في مبحث منهجية التفسير الترتيبي، افترضنا عشر مراحل للتفسير ونعتقد أن كل مرحلة من هذه المراحل تلعب دورًا في الوصول إلى فهم صحيح لأدلة الآيات. وهذه المراحل هي: 1- فضل وخصائص الآيات؛ 2- سبب أو شأن نزول الآيات؛ 3- ارتباط كلمات وجمل الآيات ببعضها البعض؛ 4- ارتباط الآيات بالآيات السابقة واللاحقة؛ 5- الكلمات الصعبة أو ذات المعنى الخاص في الآيات؛ 6- النقاط الأدبية في الآيات؛ 7- النقاط البلاغية في الآيات؛ 8- إزالة الغموض؛ 9- إزالة الإيجاز؛ 10- إزالة الشبهات؛ 11- الاستنباط والاستلهام من الآيات.
هنا من الضروري التنبيه إلى ثلاث نقاط: أولًا، من بين هذه المراحل، قد لا تكون المرحلة الأولى (فضل وخصائص الآيات)، والمرحلة الثانية (سبب أو شأن النزول)، والمرحلة الثامنة (إزالة الغموض)، والمرحلة التاسعة (إزالة الإيجاز)، والمرحلة العاشرة (إزالة الشبهات) موجودة في جميع الآيات. لأن ليس لكل الآيات فضل أو خاصية أو سبب أو شأن نزول مروي، وأدلة بعض الآيات واضحة جدًا بحيث لا يمكن احتساب غموض فيها. الآيات غير المتعلقة بالأحكام والقصص عادةً لا تحتوي على إيجاز، وإزالة الشبهات تقتصر على الآيات المتشابهة.
ثانيًا، الإلمام العلمي بكل مرحلة من المراحل المذكورة يعتمد كليًا على الرجوع إلى المصادر المناسبة لكل منها. بناءً عليه، للحصول على فضل وخصائص الآيات (المرحلة الأولى) وسبب وشأن النزول (المرحلة الثانية) المصدر الحصري هو الروايات. رغم أن الروايات تلعب دورًا في جميع المراحل السبعة الأخرى أيضًا وتقدم إرشادات فعالة. مرحلة الحصول على الارتباط الداخلي للآيات (المرحلة الثالثة) والارتباط الخارجي للآيات (المرحلة الرابعة) ومرحلة الاستنباط والاستلهام من الآيات (المرحلة الحادية عشرة) تعتمد أكثر من غيرها على التدبر والتفكير في الآيات. الوصول إلى معاني الكلمات الصعبة أو ذات المعنى الخاص (المرحلة الخامسة)، والنقاط الأدبية والبلاغية في الآيات (المرحلتان الخامسة والسادسة) تعتمد على آراء اللغويين والأدباء. في ثلاث مراحل إزالة الغموض، وإزالة الإيجاز، وإزالة الشبهات (المراحل الثامنة والتاسعة والعاشرة) يحتاج المفسر إلى الرجوع إلى آراء مفسرين آخرين بالإضافة إلى القرآن والروايات. ثالثًا، بإضافة هذه المراحل الأحد عشر إلى المراحل السابقة، يصبح عدد مراحل التفسير الموضوعي ست عشرة مرحلة، وسنستعرض الآن بإيجاز ست مراحل رئيسية منها.
١. تحديد الموضوع. إحدى الخطوات الأساسية في أي بحث هي إيجاد السؤال والتحدي، وما يُسمى اصطلاحًا بتحديد المسألة في الموضوع المعني. ربما يكمن سر القول بأن السؤال الجيد هو نصف المعرفة (ص259) في هذه النقطة؛ لأن الفكر والتفكير في الأساس يعني الانتقال من التصورات واليقينات المعروفة إلى التصورات واليقينات المجهولة (مظفر، ص 23).
تُعتبر هذه الحركة ناجعة أو حركة بالمعنى الحقيقي فقط حين يُميز حد المعارف عن المجهولات، لأنه في غير ذلك إما أن تكون الحركة ضمن المعارف التي ستؤدي إلى تحصيل معلوم، أو تكون الحركة ضمن المجهولات التي لن تثمر عن نتيجة. الحد الفاصل بين المعلوم والمجهول هو ذات التحديات والقضايا في كل علم، ويُتحقق السؤال الجيد والمناسب حين تُعرف هذه الحدود. ومن ثم، كل سؤال جيد يعني قطع نصف الطريق، أي معرفة نطاق المعارف من المجهولات. وسر انتهاء أسئلة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باستثناء الإمام علي الذي مدح نفسه بالعبارة «إن الله وهب لي قلباً عقولا ولساناً سؤالا» (مجلسی،40/178) هو هذا المعنى. وبناءً عليه، البحث المرغوب في مجال المعارف والبيانات القرآنية مشروط بأن نُعيد التعرف على نطاق المعارف والمبادئ التي وصل إليها القرآن، وبالاستعانة بها نتابع المجال غير المكتشف.
فيما يخص محور صياغة الأسئلة في التفسير الموضوعي، يجب الانتباه إلى تجنب المواضيع الواسعة جداً التي تضم بدورها مواضيع ومجالات أصغر قدر الإمكان. اليوم، تحديد موضوع البحث بدقة أكبر وتجنب التوسع المفرط يُعتبر من مزايا أي بحث. لذلك، بدلاً من النقاش حول المعاد، من الأنسب توجيه البحث إلى موضوعات أكثر خصوصية مثل براهين المعاد، شروط الساعة، منتخب الخلود، الحياة البرزخية، نعم الماديين أو المعنويين لأهل الجنة، وغيرها. إلا إذا كان شخص أو أشخاص يسعون إلى تفسير موضوعي شامل للقرآن، ففي هذه الحالة يجب إعادة دراسة جميع المجالات والموضوعات الكبرى والصغرى في القرآن.
٢. الاصطياد واستخراج الآيات. بعد تحديد موضوع البحث في مجال معارف القرآن، الخطوة الأهم هي إعادة التعرف واستخراج الآيات المرتبطة بهذا الموضوع. من الواضح أن تقديم تحليل شامل وصورة كاملة من وجهة نظر القرآن حول أي قضية مشروط بإعادة دراسة جميع الآيات ذات الصلة. لأنه قد يحدث أن يغيب جزء من منظور القرآن أو إجابته بسبب إغفال آية واحدة، فيكون ما يُعرض صورة جانبية لوجه.
طرق اصطياد الآيات. هناك على الأقل ثلاث طرق لاصطياد آيات القرآن: أولاً، استخدام معاجم المفردات القرآنية. معاجم المفردات مثل المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم لمحمد فؤاد عبد الباقي وكتاب المعجم الإحصائي لروحاني التي رتبت الآيات بناءً على كلماتها وحروفها، تُعد مفيدة إلى حد ما في عكس وجهات نظر القرآن. مثلاً، للوصول إلى نظر القرآن في الإيمان يمكن دراسة آيات القرآن تحت كلمة «آمن» في هذه المعاجم. لكن هذه الطريقة فعالة فقط للحصول على صورة أولية عن رأي القرآن في الإيمان وليس أكثر، لأن العديد من الآيات المرتبطة بالإيمان وردت دون استخدام الكلمة نفسها. كمثال، إحدى الآيات التي تُطرح في نقاش إمكانية نقصان أو زيادة الإيمان هي: «والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم» (محمد /17) التي لم تُذكر فيها كلمة إيمان، كما أن كلمة الذنب في القرآن وردت بكلمات غير مترابطة مثل: إثم، أصر، ثقل، جناح، حرام، جنث، حوب، رجس، وغيرها.
ثانياً، استخدام معاجم الموضوعات القرآنية. جمع من الكتب لتسهيل الدراسات الداخلية للقرآن آيات مرتبطة بموضوع معين مثل الجامع لمواضع آيات القرآن الكريم لأويس كريم و«ثقافة القرآن» من إعداد مجموعة من المحققين في مركز ثقافة ومعارف القرآن، وهذه الكتب أيضاً غير كافية لتقديم تفسير موضوعي شامل، لأن مؤلفيها جمعوا الآيات ذات المعنى بناءً على مبادئ وآراء خاصة وأحياناً غير منهجية أو استقرائية ناقصة. وحتى لو لم نعتبر الاستقراء ناقصاً واعتبرنا طريقة مؤلفي هذه الأعمال منهجية، فلا يمكن التأكد من شمولية هذه الأعمال. لأن جمع الآيات ذات المعنى فقط ممكن حين تُدرس الأدلة الرئيسية والفرعية والرسائل المباشرة وغير المباشرة للآيات بدقة، وهذا غير عملي بسبب اتساع الموضوعات القرآنية المطروحة في هذه الكتب.
ثالثاً، الرجوع المباشر إلى آيات القرآن. بالنظر إلى ضعف الطريقتين السابقتين، فإن أفضل وأكفأ طريقة لاصطياد واستخراج الآيات هي الفحص الميداني والمباشر للآيات في جميع أنحاء القرآن. ولهذا الغرض يجب الانتباه إلى ثلاث نقاط: 1 ـ لا يمكن توجيه الذهن إلى موضوعين أو أكثر في الوقت نفسه للاصطياد، لأن توزيع الذهن على أكثر من موضوع يقلل من كفاءته في التعمق في أدلة الآيات، وفعلياً بعض الآيات المرتبطة تخرج من دائرة اهتمام الذهن، مثل كاميرا تصوير تحاول التركيز على صورتين في آن واحد، مما يقلل من وضوح الصورة. 2 ـ كما ذكرنا في المحور الأول، كلما كان الموضوع المحدد أصغر، زادت قدرة الذهن على اكتشاف واستخراج الآيات. 3 ـ في المرحلة الأولى من المناسب جمع الآيات التي يحتمل ارتباطها بالموضوع، حتى لو ثبت لاحقاً عدم ارتباطها، لأن البحث الكامل يتطلب جمع كل الأدلة والوثائق المحتملة والمؤثرة في البحث.
3. التصنيف المنهجي للآيات. الآيات التي تشير إلى موضوع كلي وجزئي، بعد استخراجها، تحتاج إلى تصنيف منهجي لكي تستدعي الرسائل والأدلة المرتبطة بها إلى الذهن بنظام وتنظيم مناسب، ولتُعرض بنفس النظام المنهجي. على سبيل المثال، إذا كان من المقرر دراسة موضوع الإمامة والولاية في آيات القرآن، فبعد استخراج الآيات، يجب تقسيمها إلى الإمامة العامة والإمامة الخاصة. الإمامة العامة تشير إلى أصل الخلافة والوصاية الذي كان شائعًا بين الأمم السابقة، مثل خلافة هارون لموسى في فترة ذهابه إلى جبل طور لتلقي التوراة، أما المقصود بالإمامة الخاصة فهو إمامة أهل البيت. وفي موضوع إمامة أهل البيت، من المناسب تقسيم الآيات إلى فئتين: 1- الآيات التي تشير إلى إمامة الإمام علي مثل آية الولاية والتبليغ؛ 2- الآيات التي تشير إلى إمامة ووصاية جميع الأئمة مثل آية يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم (نساء /59).
من جهة أخرى، يجب أن يُعلم أن الآيات التي تشير إلى الأئمة تُفسر من أربعة مناحٍ: 1- سبب النزول؛ مثل آية الولاية (مائده /55) التي كان سبب نزولها إعطاء الخاتم للمحتاج أثناء الركوع من قبل الإمام أمير المؤمنين، وهو السبب والمهيئ لنزول هذه الآية.
2- شأن النزول؛ مثل آية إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية (بینه/ 7) التي لم يسبقها حدث مؤثر في نزولها، ومع ذلك، وفقًا للرواية النبوية، فقد اعتُبرت الآية في شأن الإمام أمير المؤمنين وشيعته (نک: معرفت، التمهید، 1/254).
3- بطن الآيات؛ مثل آية وعلائم وبالنجم هم يهتدون (نحل /16) التي في رواية الإمام الصادق والإمام الرضا (عليهما السلام) استُنتج من بطن الآية أن المقصود بالنجم هو رسول الله، والمراد بالعلائم هم أهل البيت (کلینی، 1/206-207). 4- الجرشي (نک: نصیری، 1380) مثل آية ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين (قصص /5) التي نزلت في سياق نجاة بني إسرائيل من نير فرعون على يد موسى، ولكن من باب الجرشي حملت على الإمام المهدي ووراثة الأرض على يديه وعلى يدي أصحابه (نهجالبلاغه، ح 208؛ کورانی، 4/353- 357). من الواضح أن هذا التصنيف يُسهل استخلاص النتائج النهائية من الآيات بشكل أكبر. ويجب أن يؤخذ في الاعتبار أن تصنيف الآيات في المرحلة الأولى قد يواجه بعض الضعف، ولكن تدريجيًا، كلما تم التدقيق في تفسير كل آية بدقة أكبر، يصبح هذا التصنيف أكثر انتظامًا، وهذه هي طبيعة كل بحث ودراسة التي تزداد وضوحًا وشفافية مع المتابعة، وأحيانًا تؤدي إلى إعادة بناء النظرة والرؤية الأولى.
4. استخراج أدلة كل آية بناءً على مبادئ التفسير. بعد أن تُصنف الآيات المتعلقة بموضوع معين بشكل أولي، يجب مناقشة مبادئ وقواعد التفسير لكل آية على حدة. المقصود بمبادئ التفسير هي المبادئ مثل علم المعاني، القواعد الأدبية والبلاغية، دراسة آراء المفسرين، … على سبيل المثال، بعد وضع آية الولاية: إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون (مائده /55) في فئة الآيات المتعلقة بالإمامة الخاصة التي تشير حصريًا إلى الإمام علي (عليه السلام)، يجب إعادة دراسة أدلة هذه الآية. مراحل تفسير هذه الآية التي من خلالها تُستخلص أدلتها، بشكل مختصر وعابر، هي: 1- كيفية دلالة إنما على الحصر؛ 2- مفهوم الولي ودراسة وجوه معناه؛ 3- مقارنة وعلاقة ولاية الله بالرسول والإمام؛ 4- كيفية دلالة التركيب الجمعي والذين آمنوا على شخص واحد؛ 5- إطلاق الزكاة على إعطاء الخاتم؛ 6- روايات الفريقين حول سبب نزول الآية؛ وهكذا. إذا كنا ندرس مسألة الجبر والاختيار، عند الوصول إلى الآية قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون (صافات/96-96) يجب تحديد هل المقصود بـ «وما تعملون» أعمال الإنسان، ففي هذه الحالة مع ربط هذه العبارة بضمير «خلقكم» تصبح أعمال الإنسان مخلوقة مثل نفسه، ويفتح ذلك المجال للرؤية الجبرية. أو هل المقصود أن الله خلقكم وأنتم وأصنامكم المصنوعة بأيديكم، وفي هذه الحالة لا يُستفاد من الآية الجبر وسلب الاختيار من الإنسان (نک: شیخ طوسی، 8/513-514؛ طبرسی، 8/318- 319). من الواضح أن هذه الآية، مثل سلاسل مرتبطة بآيات أخرى، تقدم منظر الله حول الجبر والاختيار، والاستنتاج النهائي والمنهجي من هذه الآيات مرهون بفهم أدلة كل آية على حدة.
5. استنتاج وجهات نظر القرآن بالمقارنة والتعددية في أدلة الآيات. بعد أن تُصاد الآيات وتصنف بشكل منهجي وتُدرس أدلة كل منها، تُستخلص وجهات نظر القرآن حول كل موضوع والأسئلة المحيطة به.
على سبيل المثال، إذا درسنا مسألة علاقة العمل بالجزاء ومسألة الخلود من وجهة نظر القرآن، في ضوء المراحل السابقة نصل إلى النتيجة التالية: أولًا، علاقة العمل بالجزاء علاقة تكوينية وليست تشريعية أو تعاقدية فقط؛ ثانيًا، رغم أن كلمة الخلود في آيات مثل هم فيها خالدون (بقره / 25، 39، 81، 82، 217، 275، آلعمران/107) تُستخدم أحيانًا بمعنى الدوام والاستمرار من الناحية اللغوية، إلا أن الخلود المطلق لا يُستفاد منها (نک: راغب اصفهانی، ص 154). ولكن بالنظر إلى مجموع الآيات في هذا المجال، لا يبقى أي شك في عدم انتهاء عذاب بعض أهل النار، مثل وما هم بخارجين من النار (بقره / 167)، وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يومًا من العذاب قالوا ولم تأتكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال (غافر / 49- 50) التي تؤكد الخلود وعدم رفع العذاب عن عدد من أهل النار. لذلك، يمنع القرآن في الاستنتاج النهائي التأويلات الخاطئة لبعض العلماء التي تدعي انتهاء عذاب جميع أهل النار (نک: نصیری، 1382، ص 41، 238- 246).
6- تقييم النتائج بالمعايير والدلائل الأخرى. على الرغم من أن تطبيق مبادئ التفسير على آحاد الآيات وكذلك النظر إلى الآيات من زوايا متعددة بعد دراسة مقارنة ومقارنة لوجهات نظر القرآن حول الموضوع المعني يعطي رؤية يمكن الاعتماد عليها، إلا أنه بسبب حساسية إبداء الرأي في القرآن واحتمال وقوع الخطأ في أي من المراحل الخمس السابقة، من المناسب بل من الضروري إعادة فحص وجهات النظر التي تم التوصل إليها في ظل معايير ودلائل أخرى. المقصود بهذه المعايير والدلائل على الأقل هما معياران: السنة والعقل. فالسنة في جميع المجالات القرآنية والعقل في مجال القضايا العقلانية القرآنية مع مراعاة المبادئ والأسس المناسبة لكل منهما يمكن أن يلعبا دور الدليل في تفسير آيات القرآن.
وبما أن أهل البيت قد قدموا أنفسهم كوارثين وحاملين ومستمعين حقيقيين للقرآن (نک:کلینی، 1/214- 215)، فإن الانتباه إلى أقوالهم ضروري للوصول إلى فهم صحيح للآيات. على سبيل المثال، قد لا يصل شخص ما إلى عصمتهم من الزلات من خلال الرجوع إلى مجموعة آيات معرفة النبي، وقد يؤمن بإمكانية وقوع الذنب والزلة في فكر أو فعل الأنبياء، ولكن عندما يصادف الروايات الصريحة في هذا المجال التي تؤكد صراحة، مع تأويل الآيات التي توحي بالزلل، عصمة الأنبياء الكاملة، فإنه سيصحح وجهة نظره. قول الإمام أمير المؤمنين مخاطبًا ابن عباس حين قال: في الجدال مع الخوارج استعِن بالسنة بدل القرآن، لأن القرآن يحتمل وجوهًا متعددة ويترك مجالًا للمماطلة من قبلهم، أما السنة فلا مهرب منها (نک: نهجالبلاغه، نامۀ 77)، يشير إلى هذه النقطة بالذات، حيث يمكن للسنة كدليل أن تعيد بناء أي خطأ في أدلة الآيات.
أما العقل، فهو بحكم كونه الحجة الباطنية لله تعالى، كما يقول بعض العلماء، إذا كان سليمًا وخاليًا من الشبهات والأهواء (نک: خراسانی، 1/59)، فيمكنه أيضًا أن يكون دليلاً يصحح الاستنتاجات الخاطئة من أدلة الآيات. على سبيل المثال، إذا لم يستنتج شخص من آيات القرآن استحالة رؤية الله تعالى في الآخرة، واعتبر مثل الإمام فخر الرازي استنادًا إلى آية “إلى ربها ناظرة” (قیامت /22-23) أن رؤية الله في الآخرة ممكنة (15/227-230)، فعليه أن يرضخ للحجة العقلية التي ترى أن الرؤية أمر مادي وجسدي، وأن الجسد والجسدية محالان في حق الله تعالى، وفي هذه الحالة ستُعاد صياغة نظرته للآيات.
المراجع
جواد آملي، عبدالله، المرأة في مرآة الجمال والجلال، قم، مؤسسة إسراء.
حداد عادل، غلامعلي، موسوعة عالم الإسلام، طهران، مؤسسة دائرة المعارف الإسلامية، 1382ش.
حكيم، محمد باقر، تفسير سورة الحمد، قم، مجمع الفكر الإسلامي، 1420ق.
ذهبي، محمد حسين، التفسير والمفسرون، بيروت، دار إحياء التراث العربي، د.ت.
راغب أصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، طهران، مكتبة مرتضوي، 1362 ش.
رضائي أصفهاني، محمدعلي، دليل طرق واتجاهات التفسير القرآني، قم، المركز العالمي للعلوم الإسلامية، 1382 ش.
زرقاني، عبد العظيم، مناهل العرفان، بيروت، دار الكتب العلمية، 1988 م.
شنتاوي، إبراهيم زكي، يونس، عبد الحميد، دائرة المعارف الإسلامية، بيروت، دار المعرفة، د.ت.
شيخ الأنصاري، مرتضى، فروع الأصول، قم، جمعية المدرسين، د.ت.
شيخ الطوسي، محمد بن حسن، التبيان في تفسير القرآن، قم، جمعية المدرسين، 1413 ق.
طباطبائي، سيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم، جمعية المدرسين، د.ت.
طبرسي، أمين الإسلام، مجمع البيان في علوم القرآن، طهران، ناصر خسرو، د.ت.
طهراني، آقا بزرگ، الذريعة إلى تصانيف الشيعة، بيروت، دار الضياء، 1403 ق.
فخر الرازي، محمد بن عمر، مفاتيح الغيب، القاهرة، سيد محمد رمضان، 1308 ق.
قرباني، زين العابدين، التفسير الجامع لآيات الأحكام، قم، نشر سايه، 1380ش.
كليني، محمد بن يعقوب، الكافي، طهران، علمية إسلامية، د.ت.
كوراني، علي، معجم أحاديث المهدي (عج)، قم، مؤسسة معارف الإسلامية، 1411 ق.
مجموعة من المؤلفين (بجت بور، رضائي أصفهاني، كلانتري ونصيري)، التفسير الموضوعي، قم، 1384 ش.
مؤدب، رضا، طرق تفسير القرآن، قم، جامعة إشراق، 1380 ش.
مجتهد شبستري، محمد، هيرمينوطيقا الكتاب والسنة، طهران، طرح نو.
مجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأبرار، بيروت، مؤسسة الوفاء، 1403 ق.
مركز معارف القرآن، دائرة معارف القرآن، قم، بوستان كتاب، 1382ش.
مظفر، محمد رضا، المنطق، بيروت، دار التعارف، 1400 ق.
معرفت، محمد هادي، التمهيد في علوم القرآن، قم، مؤسسة النشر الإسلامية، 1412 ق.
نفسه، التفسير والمفسرون في ثوبه القشيب، مشهد، جامعة العلوم الإسلامية الرضوية، 1418ق.
نفسه، التفسير والمفسرون، ترجمة علي خياط، قم، مؤسسة ثقافية التمهيد، 1379 ش.
مكارم شيرازي وآخرون، ناصر، رسالة القرآن، قم، نسل جوان، 1373 ش.
نصيري، علي، مدرسة التفسير صدر المتألهين، رسالة دكتوراه، كلية الإلهيات جامعة طهران، 1382 ش.
نفسه، «علامة مجلسي والتفاعل مع الروايات التفسيرية لأهل البيت (ع)» مجلة علوم الحديث الفصلية، العدد 24، 1380ش.
وحدتي نيشابوري، أبو الحسن علي بن أحمد، أسباب النزول، قم، منشورات الرضي، 1361ش.
يزدي، محمد، فقه القرآن، قم، مؤسسة الإسماعيليين، 1374ش.
[1]. يعتقد المجتهد شبستري أنه لم تكن أذهان مفسري القرآن خالية من الفرضيات المسبقة أبداً، في حين يبدو أنه قد خلط بين المعارف المسبقة والافتراضات التفسيرية (نک: هرمنوتیک کتاب سنت، ص 95-123).

