ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: استقراء و علیت ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص: نظرًا للعلاقة الوثيقة بين مبدأ العلية وجواز صدور الأحكام الكلية في العلوم، وبسبب اعتماد قبول قاعدة العلية على حجية الاستقراء، يبدو من الضروري دراسة صحة الاستقراء. تسعى هذه المقالة (الاستقراء والعلية) إلى دراسة العلاقة بين الاستقراء واستنباط الأحكام الكلية من الجزئيات مع العلية العامة والخاصة. في البداية، وبنظرة سريعة إلى آراء هيوم والشهيد الصدر حول الاستقراء التام والناقص والاعتراض على التقسيم الأرسطي، نناقش إشكالية الاستقراء الناقص، ثم نعرض الردود والحلول من وجهة نظر هيوم والشهيد صدر، وفي النهاية نصل إلى أن معظم المسائل تتعلق بمصاديق العلية وبالتالي بالاستقراء وليس بمبدأ العلية. رغم أن هيوم في مسألة العادة يناقش ضرورة العلاقة العلية والمعلولية في سياق مبدأ العلية، إلا أن النقاش في الاستقراء يدور حول ما إذا كان الشيء الذي تم تجربته في زمان ومكان وظروف معينة يحمل في ظروف أخرى نفس الآثار السابقة أم لا؟
المؤلف: مرضیه صادقی
المصدر: فصلنامه فلسفه و کلام اسلامی، السنة الثامنة، خريف وشتاء ١٣٨٣، العدد ٢٦-٢٧، ص ١٠-٢٤
يُعتبر الاستقراء أحد طرق الاستدلال التي لها تاريخ طويل في ثقافة البشرية. فقد عرفه اليونانيون والمسلمون والمدرسيون والمفكرون الجدد جيدًا، وكانوا يستخدمونه في العلم والفلسفة، معرّفين إياه بأنه تفحص التفاصيل للوصول إلى الكليات.
أهمية هذه الطريقة دفعت الكثيرين إلى محاولة إثبات حجيتها. في الواقع، الدافع وراء هذا الجهد هو أهميتها، وأهميتها تكمن في أننا غير قادرين على الوصول إلى جميع الحالات الجزئية في الاستقراء التام، وبالتالي لا يمكننا استخدام الاستقراء التام للوصول إلى القوانين الكلية، لذا يجب أن نفكر في تأسيس التعميم على أساس الاستقراء الناقص وإثبات حجيتها، وإلا فإن عدم إثبات حجية الاستقراء قد يضع صحة جميع القوانين الكلية والنظريات العلمية موضع تساؤل. ومن جهة أخرى، تكمن أهمية هذه الطريقة في العلوم التجريبية في أن معرفتنا التجريبية نمت نتيجة للمشاهدات، وهذا النمو في مسألة المعرفة يتعلق بمعرفة المزيد من أجزاء العالم وجمع المعلومات بمساعدة التجربة، والتي يجب أن تتم بعقل خالٍ من التحيزات المسبقة. كما يقول بوبر، العقل يشبه كيسًا يجمع أجزاء المعلومات بمساعدة التجربة والملاحظة. رغم أن حجية الاستقراء الناقص كانت محل إنكار من قبل أشخاص مثل أرسطو، لأنه اعتبر حجية التجربة مجرد عدّ بسيط، إلا أن مسألة الاستقراء وإشكالية استنباط الأحكام الكلية من الجزئيات طرحت بجدية في القرن الثامن عشر على يد أشخاص مثل هيوم، وأصبحت هذه المسألة معروفة في التقليد الفلسفي بمسألة الاستقراء.
إشكالية الاستقراء وحلها
واجه الاستقراقيون عند الاستدلال بالاستقراء مشكلة منطقية، وهي أنه في الاستقراء الناقص، بسبب كون النتيجة أوسع من المقدمات، لا يستتبع صحة النتيجة من صحة المقدمات، بل إثبات كذب الحالة غير المختبرة يؤدي إلى كذب النتيجة الكلية. في هذا السياق، يذكر راسل قصة الديك الاستقراقي الذي لاحظ في أول صباح في الحظيرة أنه يُطعم في الساعة التاسعة صباحًا، لكنه لم يتسرع في الحكم لأنه استقراقي جيد وانتظر حتى أجرى ملاحظاته في أيام وظروف مختلفة. وأخيرًا استنتج بالاستقراء “أنا دائمًا أُطعم في الساعة التاسعة صباحًا”، لكن للأسف كانت هذه النتيجة خاطئة، إذ في ليلة عيد الميلاد لم يُطعم بل قُطع رقبته؛ لذا هنا مع افتراض صحة المقدمات، كانت النتيجة خاطئة (راسل، 1356، ص85).
بعد التطرق إلى هذه المشكلة، رغم عدم قبوله حجية الاستقراء، اعتبر هيوم العلم قائمًا على الاستقراء، بينما يقول آخرون مثل كارناپ، مع قبولهم اعتماد العلم على الاستقراء ومع الأخذ في الاعتبار إشكالية الاستقراء، “إن أقصى ما يمكن قوله هو أن النتيجة في الاستقراء المبني على الفرضيات الأولية تحمل درجة معينة من الاحتمالية” (کارناپ، 1373، ص 57).
ويرى راسل، الذي يعتبر نفسه محتاجًا إلى مبدأ الاستقراء، ويعتقد أنه إذا لم يكن الاستقراء صحيحًا فلن يكون لدينا أي سبب لقبول أن الشمس ستشرق غدًا، في موضوع تعميم الظواهر المختبرة إلى غير المختبرة بواسطة الاستقراء، يقول: “لقد أظهرت التجربة أن تتابع الأحداث في الماضي كان سببًا لتوقع حدوث هذه الأحداث في المستقبل. ورغم أن هذه التوقعات لن تتحقق دائمًا، ورغم أننا لا نملك دليلًا على تماثل الطبيعة في الماضي والمستقبل، إلا أننا بحاجة إلى مبدأ الاستقراء؛ لذلك يجب علينا، مع اعتبار العلم قائمًا على الاستقراء، قبول النتائج المستخلصة من الاستقراء على شكل احتمالات” (راسل، 1356، ص58).
كما أن الشهيد صدر، بعد بيان الفروق بين الاستقراء التام والناقص، حلل الاستقراء الناقص، وبعد طرح مشكلات الاستقراء ونفي ضرورة ووجود أسس منطقية للاستقراء (المنطقية حسب اصطلاح أرسطو) اعتبر الاستقراء حجّة من خلال الاحتمالات (ولكن ليس عبر احتمالات كارناپ) واعتبره بطريقة ما يقينيًا (صدر، 1368، ص58).
فرانسيس بيكون ينتقد أيضاً الاستقراء عند القدماء ويصفه بأنه استقراء عددي محض وغير كامل، ويرى أنه غير كافٍ لتفسير الطبيعة وكشف أسرارها، ويؤكد أنه لا يقودنا إلى نتيجة مؤكدة، لأن استنتاجه يقوم على العد المحض للتفاصيل، دون النظر إلى التناقضات بينها والاستثناءات الطبيعية والحالات السلبية، وهو في الواقع مجرد تخمين، إذ من يضمن أن الحالات الملاحظة لا تحمل تناقضات (جهانگیری، 1376، ص130).
الشهيد الصدر ومشكلات الاستقراء التام
الشهيد الصدر ينتقد تقسيم أرسطو للاستقراء إلى تام وناقص، ولا يعترف بالاستقراء التام كاستقراء بل يعتبره قياساً، لأنه في رأيه في هذا النوع من الاستقراء تُدرس جميع الأفراد المشمولين بالكلي، وبالتالي تكون النتيجة مساوية للمقدمات. ويرد على رأي أرسطو في حجية الاستقراء التام واعتباره في مرتبة البرهان العقلي قائلاً: قصد أرسطو من أن الاستقراء التام يعطي نتيجة كلية هو أنه مثلاً عندما ندرس جميع أفراد الإنسان ونرى أنهم يجوعون، نكتشف التلازم والسببية بين الجوع والإنسانية، ثم نحكم بالعموم، بينما في النتيجة وصلنا إلى شيء لم يكن موجوداً في المقدمات، وهو التلازم والسببية، فالنتيجة أصبحت أكبر من المقدمات وهذا منطقياً فيه إشكال. أما الإشكال الآخر للشهيد الصدر على الاستقراء التام فهو أن الوصول إليه غير ممكن، لأنه مهما اتسع نطاق الاستقراء فإنه يبقى محدوداً بالأفراد الموجودين في البيئة المعينة، ولا يمكن فحص الأفراد الماضيين والمستقبليين. بالإضافة إلى ذلك، يتضح من الدقة المنطقية أن الاستقراء لا يستطيع حتى إثبات الحكم الذي استخلصه من الأفراد الموجودين على هؤلاء الأفراد أنفسهم بشكل عام، بل يكون خاصاً للحظات التي تم فيها الاستقراء؛ مثلاً عندما درسنا زيد وعمر وفهمنا أنهما يجوعان، لا يمكن القول إن زيد وبكر يجوعان في نفس اللحظات.
الشهيد الصدر والاستقراء الناقص
الشهيد الصدر يبدأ بتوضيح الاستقراء بمثال بسيط.
لنفترض أننا وضعنا الحديد عدة مرات أمام الحرارة فتمدد، وبعد عدة تجارب نحكم بأن جميعها تتمدد بفعل الحرارة، وإذا سُئلنا كيف نفسر هذا الحدث والاستنتاج، قد نتحدث كشخص عادي قائلاً إنه لأن الظاهرتين الحرارة والتمدد ظهرتا معاً في هذه المرات القليلة ونعلم أن التمدد لا يحدث بدون سبب، نستنتج من هذا التلازم الدائم بين التمدد والحرارة أن السبب هو الحرارة. وعندما نفهم أن الحرارة هي السبب، نحكم بأن كلما وُجدت الحرارة سيكون هناك تمدد.
إذا أردنا تنظيم هذا الاستدلال الاستقرائي بدقة وبترتيب منطقي وفكر فلسفي، نرى أن حجية الاستقراء تعتمد على حل ثلاث مشكلات:
1- الدليل الاستقرائي يتطلب إثبات مبدأ العلية العامة؛ أي أن كل معلول يحتاج إلى سبب، وإلا فلا دليل لدينا لنحكم بوجود سبب عند رؤية التمدد، لأنه قد يُقال إن التمدد تحقق بدون سبب، ولا ضرورة لأن يتمدد حديد آخر بفعل الحرارة.
2- بعد إثبات مبدأ العلية العامة يجب إثبات العلية الخاصة؛ أي إثبات أن سبب التمدد هو هذه الحرارة بالذات، وإلا فإن مجرد تزامن الظاهرتين لا يحكم بأن أحدهما سبب الآخر، لأن سبباً آخر قد يكون متدخلاً هنا ومسبباً للتمدد، لكننا لا نعلمه، وحرارة التمدد حدثتا معاً بالصدفة في هذه المرات القليلة، لذا يجب الانتقال من التلازم إلى السببية.
3- الآن، على فرض أن الاستقراء تمكن من إثبات هذه السببية، يجب أن يثبت أيضاً أن هذه السببية ستظل قائمة في المستقبل، أي أن الحرارة ستكون سبب التمدد في المستقبل أيضاً، وتشمل الحالات التي لم تُجرَب بعد، وإلا فلا يمكننا استنتاج حكم كلي من أحكام جزئية وشخصية.
لذا يجب أولاً أن نعرف ما هو حكم الجملة «كل معلول يحتاج إلى سبب» وهل نؤمن بها أصلاً أم لا؟ ثم نسعى لمعرفة هل يستطيع الاستقراء إثبات العلية الخاصة وهل يمكن بناءً عليها الحكم بأن «ألف» سبب «باء» دائماً لنصدر حكماً عاماً بهذا التعميم؟
هيوم ومشكلات الاستقراء الناقص
هيوم في كتابه «تحقيق في الفهم البشري»، في الفقرات ٢٣ إلى ٣٢، ينفي العلاقة السببية والضرورية بين حدثين متعاقبين ويطرح مسألة العادة الذهنية، ويتناول مشكلة استنتاج القوانين التجريبية وينكر حجية الاستقراء. يقول إن حجية الاستقراء مشروطة بأن يكون السبب بين الحدثين محدداً، بينما الحكم على العلاقة السببية يقوم أساساً على تعميم أن الأشياء المتشابهة في الظروف المتشابهة تثمر آثاراً ومعلولات متشابهة، ولكن لأن الاعتماد على انتظام التجربة الماضية لا يضمن تحقق توقعاتنا بشأن المستقبل، فإن حجية الاستقراء تعتمد على إثبات التناغم والتشابه في عالم الطبيعة، وهذا التشابه غير موجود، لذا الاستقراء غير حجّي. ومع ذلك، في مذهب هيوم، هذا النقص في الحجية لا يعني التخلي عن الاستقراء.
هيوم يوضح في استدلاله أن التجربة هي التي تجعلنا ندرك للمرة الأولى ما هو السبب وما هو المعلول؛ مثلاً، آدم أبو البشر لم يكن يعلم من رؤية الماء شفافيته أنه سيغرق فيه، كل القوانين الطبيعية التي تُعرف بها جميع أفعال وحركات الأجسام تُعرف بالتجربة، وإلا فإن عقلنا لا يستطيع أن يستنتج السبب من المعلول دون استخدام الملاحظات السابقة. كما يشير إلى أننا لا نستطيع إثبات العلية بين ظاهرتين من تكرار حدوثهما المستمر، بل أقصى ما يمكن قوله هو أن عقلنا، بناءً على العادة، بعد ملاحظة التتابع بين حدثين، ينتقل من رؤية الأول إلى الثاني.
هيوم في شأن تعميم التجارب على الزمن المستقبلي وتعميم حكم يقول:
«أساس كل الاستدلالات التجريبية هو أن ما يحدث في المستقبل يتطابق مع ما وقع في الماضي (مبدأ انتظام الطبيعة)، وإذا نشأ الشك في احتمال تغير سير الطبيعة وأن الماضي ليس مقياسًا للمستقبل، فإن كل التجارب البشرية ستكون عبثًا (Hume, 1739, P.40) ولن ينتج عنها أي نتيجة.» وهذا الافتراض، بالطبع، ليس بالأمر المستبعد، لأن فرض تغير الطبيعة وترتيب آثار تختلف عن الآثار السابقة لا يستلزم تناقضًا. لذلك لا يمكن لأي دليل تجريبي أن يثبت تشابه المستقبل بالماضي، لأن هذه الأدلة نفسها مبنية على فرض وتقدير هذا التشابه. ومن ثم، بما أن جميع الأدلة المتعلقة بوجود الأشياء الحقيقية تعتمد على علاقة السبب والنتيجة، وأن معرفتنا بهذه العلاقة لا تأتي إلا من خلال التجربة، والنتائج المستخلصة من هذه التجارب مبنية على فرض أن المستقبل سيكون مطابقًا للماضي، فإن محاولة إثبات هذا الافتراض تؤدي إلى دوران وحجة دائرية. بناءً على نظرية هيوم، الاستقراء لا يثبت السببية ولا التعميم.
حل هيوم لمشكلة الاستقراء
حل هيوم، الذي يمكن اعتباره منهجًا نفسيًا (Psychology) في تفسير الدليل الاستقرائي، يقوم على أساس أن كل استدلال في شأن الحقائق مبني على علاقة السبب والنتيجة، والتي يتم شرح طبيعتها من الناحية النفسية والرغبة النفسية للإنسان، ويقول:
«في موضوع السببية، بالإضافة إلى التتابع الزمني والتزامن، هناك حاجة إلى الربط الضروري أو بعبارة أخرى الضرورة والوجود أيضًا. فقد يكون تزامن الأحداث والظواهر في الماضي مجرد صدفة، ولا يكون هناك سببية بينهما. لذلك لكي يكون أمر ما سببًا لآخر، بالإضافة إلى التزامن أو المجاورة، نحتاج إلى الضرورة التي من خلالها يمكننا الادعاء بوقوع الأمر الثاني بعد وقوع الأمر الأول، ولكن كيف يتم الحصول على معرفة هذه الضرورة؟
هيوم يقول: في الواقع، لا توجد ضرورة في العالم الخارجي، وأصلها انطباع في ذهننا قائم بذاته، ولذلك في ملاحظاتنا المتكررة لا يوجد سوى المجاورة والعادة الداخلية التي من خلالها نتوقع استمرار هذا التزامن، وهكذا ننتظر النتائج بعد وقوع الأسباب.
وفي رده على سؤال: ما هو انعكاس فكرة (السببية والضرورة) وحجيتها؟ يقول: «اليقين والضرورة ليستا من الأمور المحسوسة التي يمكن أن تخضع لانعكاسات حسية، لذلك لا يمكن لتكرار تعدد وتكرار الأسباب أن يكون مصدرًا لإنتاج اليقين والضرورة، لأنه في كل مرة يتكرر فيها التجربة يحدث انعكاس، لكن لا يمتلك أي منها قوة توليد فكرة الضرورة والحجية، بل يمكن القول إن الانعكاس ناتج عن تكرار الأمثلة وليس تعبيرًا عن استعداد الذهن للانتقال من موضوع إلى فكرة شيء كان حسب العادة مصاحبًا ومرافقًا لذلك الموضوع، وهذا الانعكاس هو الذي يولد فينا فكرة اليقين بوجود رابطة بين السبب والنتيجة، ومن ثم ينقل ذهن الإنسان هذا المفهوم الذهني إلى الموضوعات الخارجية، إذن الضرورة واليقين لهما أصل داخلي.
استدلال هيوم على هذا الأمر هو:
كل واحد منا يدرك بضميره أن هناك فرقًا بين أن يكون الاستدلال على السبب معتمدًا على مثال واحد أو على عدة أمثلة؛ فمن المسلم به أنه لا يمكننا من مشاهدة حالة واحدة فقط، مثل تحرك جسم بالضغط، أن نستنتج أن كل جسم يتحرك بالضغط، لكن في حالات متعددة يكون هذا ممكنًا، وذلك لأننا بحاجة إلى مشاهدة ظاهرتين متزامنتين مرارًا وتكرارًا حتى تتكون لدينا عادة تجعلنا مستعدين للاعتقاد بأن أحدهما سبب للآخر، وإذا لم تكن العادة هي مصدر هذه الفكرة عن السبب والنتيجة، بل كان يجب أن يكون لها أصل في العالم الخارجي، لكان يجب أن تنطبق على حالة واحدة أيضًا. لذلك من وجهة نظر هيوم، يتم حل مسألة الاستقراء والقفز من الخاص إلى العام باعتبارها دليلاً نفسيًا وليس موضوعيًا، أي أنها مستندة إلى العادة وليس إلى قوانين واقعية. ومن ثم، يرى هيوم أن العادة هي أساس الاستدلال الاستقرائي.
مبادئ نظرية هيوم
1- بعد تقسيم الإدراكات الذهنية إلى فئتين: الانطباعات والأفكار، يعتقد هيوم أن كل فكرة حقيقية يجب أن تعود إلى انطباع. لذلك، كل فكرة لا يمكن إرجاعها إلى انطباع هي من صنع الذهن ولا قيمة معرفية لها ولا تمثل شيئًا خارجيًا. لكن مفهوم السببية أيضًا لا يمكن إرجاعه إلى أي انطباع حسي، لذلك هو من صنع الذهن، لأنه لا وجود له في الواقع الحسي، وبناءً على أصالة الحس فهو غير موثوق ولا يمثل شيئًا خارجيًا. وبناءً على هذا، يعتقد أن مفهوم الضرورة السببية هو نتاج تكرار حادثة واستمرار التزامن، وليس دلالة على ضرورة سببية في الخارج. خلاصة قوله هي أننا ندرك فقط التتابع وليس السببية.
2- يشكك في قاعدة «كل حادث له سبب بالضرورة» ويقول إن هذه القضية لا تُدرك بالبديهة العقلية ولا هي برهانية. ولكن بما أن نفي هذه القضية لا يؤدي إلى تناقض، أي أن فرض وجود حادث بلا سبب لا يستلزم تناقضًا، فهي ليست من قبيل التصديقات بين التصورات، ولذلك يجب أن تكون من الأمور الواقعية التي تُعرف بالتجربة، إذن معرفة علاقة السبب والنتيجة ليست عقلية بل تجريبية. وهو يشرح طريقة الوصول إلى مفهوم السبب والنتيجة كما يلي:
يجب أن نرى كيف وصلنا إلى مفهوم السبب والنتيجة. المعرفة بهذه العلاقة لم تكن مسبقة، بل مأخوذة بالكامل من التجربة. لا أحد يستطيع أن يعرف أسباب ونتائج شيء جديد بمجرد ملاحظة صفاته الحسية إلا من خلال التجربة. لذلك من وجهة نظره لا يمكن لعقلنا أن يستنتج السبب والنتيجة بدون مساعدة التجربة[1].
3- يرفض هيوم مبدأ انتظام الطبيعة ويقول:
لا يحدث أي تناقض إذا تغير سير الطبيعة وأصدر شيء يشبه الأسباب السابقة مسببات أخرى. من وجهة نظره، جميع تجاربنا مبنية على هذا الافتراض بأن المستقبل سيكون مطابقًا للماضي، بينما لا يوجد لدينا دليل على هذا الافتراض سوى بطريقة الاستدلال الدائري ((Hume1748, P.23-25. لذلك، فإن مبدأ التشابه في الطبيعة بمعنى أننا نتوقع مسببات مماثلة من أسباب متشابهة ظاهريًا، لا يتمتع بالثبوتية التي تمكنه من أن يكون أساس تجاربنا.
4- على الرغم من أن هيوم ينكر الأصل العقلي والاستدلالي لمبدأ التماثل، إلا أنه يعترف بمنشأ آخر له ويقول:
لدينا ميل داخلي لرؤية آثار متشابهة من أفعال متشابهة. هذا الميل هو نتيجة العادة، أي أننا اعتدنا أن نتوقع آخر عند رؤية سبب أو مسبب. من وجهة نظر هيوم، هذا الافتراض هو الوحيد الذي يمكنه تفسير لماذا لا نستنتج السبب أو المسبب من تجربة واحدة، ولكننا نستنتجه مع تكرار الحدوث. لذلك، فإن العرف أو العادة[2] تبرر مبدأ تماثل الطبيعة، وطالما بقيت طبيعة الإنسان على هذا النحو، سيظل هذا المبدأ قائمًا[3].
التحديات الموجهة لمبادئ هيوم:
1- بما أن منشأ العلوم التجريبية لدينا هو الانطباعات الخارجية، وفي العالم الخارجي توجد حقائق تؤثر على قوى إدراكنا، مما يؤدي إلى حصول المعرفة، فلا يمكن أن تتحقق المعرفة إذا لم تكن هذه الحقيقة الخارجية وهذا التأثير موجودين. وفقًا لهذا القول، يجب أن نقبل أنه في التجربة الأولى نفسها، أي في الاتصال الأول بين العضو الحسي والجزء الخارجي، وبحكم الضرورة السببية، يتكون لدينا تصور، وبالتالي فإن حصول السببية لا يحتاج إلى التكرار، كما أننا أحيانًا نستنتج السبب من مشاهدة حدث واحد فقط، إذًا لدينا مفهوم السببية قبل التكرار.
2- هيوم الذي ينكر السببية ويقول إننا نجد فقط التتابع وليس السببية، السؤال هو: كيف يمكن تفسير الإحساس بالتتابع دون قبول السببية؟ لأنه من وجهة نظره، لكي يتكون تصور السبب في ذهن الإنسان، هناك سبب يسمى العادة، وهذه العادة نفسها هي نتيجة لأحداث.
3- خلط هيوم بين مبدأ السببية وتجليات السببية. يقول المرحوم صدر في توضيح هذا الأمر: هيوم يعتقد أنه لا يمكن أن تكون علاقة السبب والمسبب ناتجة عن العقل، لأن الإنسان يمكنه تصور شيء ما دون الانتباه إلى سببه، ولا يحدث أي تناقض، لذلك ليس لدينا علم مسبق بعلاقة السببية.
ويقول المرحوم صدر إنه يجب التمييز بين قانون السببية (مبدأ السببية) وعلاقة السببية (تجليات السببية) التي توجد بين الأمور الخارجية. ما أشار إليه هيوم في مثاله يوضح العلاقة بين السبب والمسبب، وليس قانون السببية. العقل، دون الاعتماد على التجربة، يدرك قانون السببية، لكنه لا يستطيع فهم الظواهر الخاصة التي توجد بين الظواهر. ومع أن هيوم يعتقد أنه من تصور عدم وجود سبب لظاهرة ما لا ينشأ أي تناقض، لأن مفهوم الحدث لا يتضمن الانتقال إلى السبب؛ إلا أنه يجب تفسير عقلانية قانون السببية (صدر، 1368، ص 132).
بالإضافة إلى أن قول هيوم بأن السببية تُستنتج من كثرة الأمثلة بسبب العادة التي تتكون، قابل للنقد، لأن الفرق بين مثال واحد وعدة أمثلة هو أن المثال الواحد لا يمكنه نفي احتمال الصدفة؛ لأنه إذا حدث التزامن مرة واحدة فقط، فمن الممكن أن يكون بسبب صدفة أو سبب آخر، ولكن عندما يتكرر التزامن، يضعف احتمال الصدفة، وبالتالي العامل الأساسي في الاستدلال الاستقرائي هو المثال نفسه.
4- النقد الآخر الموجه لمبادئ هيوم هو أن اللجوء إلى العادة أو المألوف لا يفسر شيئًا. رغم أنه في الحياة اليومية، بدون هذه العادة في توقع حدوث المسببات بعد الأسباب، ربما لم يكن للبشرية أن تبقى؛ إلا أنه من الغريب أن هيوم يعتمد على العادة بلا تحفظ ويعتبرها سببًا حقيقيًا. الصحيح أن هيوم، وفقًا لمبادئه، كان يجب أن ينظر إلى العادة، مثل السببية، بشك، ويقول إن تصورنا للعادة ناتج عن عادتنا في توقع أن من يتصرف بطريقة معينة سيفعل ذلك دائمًا، ولكن لو قال ذلك لوقع في حلقة مفرغة. هل الإيمان بوجود العادة أكثر مبررًا من الإيمان بوجود السبب؟ (سروش، 1373، ص 125).
حل صدر
يحاول المرحوم صدر أن يثبت أنه لا يوجد أساس منطقي لحل الاستقراء، وينبه الأذهان إلى أن ليس كل الاستنتاجات قياسية، وأن الإنسان ليس ملزمًا بأن يستنتج كل معارفه اليقينية من مقدمات تربطها بالنتيجة علاقة قياسية. بناءً على هذا التفكير، يطرح نظرية تسمى الولادة الذاتية للمعرفة، التي تساعد في حل مشكلة الاستقراء.
مدرسة الولادة الذاتية للمعرفة
يحل الشهيد صدر مشكلة الاستقراء بقبول طريقة الولادة الذاتية. هذا المصطلح يُطرح مقابل الولادة الموضوعية التي تُستخدم في طريقة أرسطو[4]. لذلك، لتوضيح طريقة المرحوم صدر، يجب أولًا تعريف هذين المصطلحين:
1- الولادة الموضوعية: تتعلق بالمعرفة التي تكون منفصلة عن العالم العارف، وتتحقق من خلال قالب القضايا والقياسات، والتي يُشار إليها بالجانب الموضوعي للمعرفة. لذلك يمكن القول إن الولادة الموضوعية للمعرفة تعني الحصول على معارف لاحقة من معرفة سابقة، دون تدخل الجوانب النفسية والشخصية للعالم، وبهذا يكون هناك علاقة منطقية بين القضايا الصادقة. في هذه الطريقة، منشأ المعارف إلى النتيجة هو المعرفة بالمقدمات. كما نقول: زيد إنسان، وكل إنسان ناطق، إذًا زيد ناطق.
يقول الشهيد صدر في شرح الموضوع:
في كل معرفة هناك جانب جوهري وجانب موضوعي يجب التمييز بينهما. أحدهما هو إدراكنا الذي هو الجانب الجوهري للمعرفة، والآخر هو القضية التي صدقناها، وهذه القضية مستقلة ومنفصلة عن الإدراك. هذا هو الجانب الموضوعي للمعرفة. إذن في هذا المذهب، الإدراكات والاستشعارات الإنسانية، سواء أُهملت الإرادة أو الوعي أو الظن أو اليقين الشخصي، وفقًا للضوابط المنطقية، تستلزم تلقائيًا نتائج تترتب عليها، ولكن في طريقة الولادة الجوهرية يُقال:
هذه الطريقة، التي هي في الواقع الجانب الجوهري والشخصي للمعرفة، تتم عبر الإضافة التدريجية للأظنّة، ومن ثم تحويلها تحت ظروف خاصة يعرّفها المذهب الجوهري إلى يقين، بحيث يمكن من خلالها إيجاد تعميم استقرائي يقيني.
لذا قد تُكتسب معرفة بناءً على معرفة أخرى ويُنتج علم، دون وجود أدنى ارتباط بين موضوعي هاتين المعرفتين، بل هذه الولادة تقوم على التلازم بين المعرفتين ذاتهما، ويجب استخدام هذه الطريقة في تعميم الاستقراء.
وفقًا لرأي صدر، كل معرفة ثانوية يحصل عليها العقل بناءً على الولادة الجوهرية تمر بمرحلتين: البداية هي مرحلة الولادة الموضوعية. في هذه المرحلة، تكون المعرفة في البداية على شكل احتمال. الاحتمال ينمو باستمرار ويتطور في هذه المرحلة، ومن خلال الولادة الموضوعية يصل إلى درجة عالية من الاحتمال. لكن الولادة الموضوعية عاجزة عن رفع المعرفة إلى حد اليقين، ومن هنا تبدأ مرحلة الولادة الجوهرية لترتقي بمعرفتنا إلى مستوى اليقين.
لذا نستنتج أنه وفقًا لرأي المرحوم صدر، في تعميمات الاستقراء هناك مرحلتان أساسيتان متداخلتان: 1- الولادة الموضوعية، 2- الولادة الجوهرية. في مرتبة الولادة الموضوعية، البحث في التفاصيل والحالات الخاصة يرفع احتمال وجود علاقة بين حدثين متزامنين إلى حد كبير، لكن في هذه المرحلة لا يحدث قفز من الخاص إلى العام. في المرحلة التالية، وهي الولادة الجوهرية، يتحول الظن المكتسب من المرحلة الأولى عبر المرور بقنوات خاصة إلى يقين، وهذا اليقين ليس يقينًا منطقيًا بل يقين موضوعي (مُدعّم بالقرائن).
في طريقة الاستدلال عند صدر نحتاج إلى مبدأ مفاده:
كلما تركز عدد كبير من القيم الاحتمالية حول محور معين، بحيث يكتسب هذا المحور نتيجة تجمع تلك القيم الاحتمالية قيمة احتمالية كبيرة جدًا، فإن هذه القيمة الاحتمالية الكبيرة تتحول ضمن ظروف خاصة إلى يقين، وكأن بنية المعرفة البشرية لا تستطيع الحفاظ على ذلك القدر من الاحتمال الضئيل، لذا يُمحى ذلك الاحتمال الصغير لصالح الاحتمال الكبير، أي تتحول القيمة الاحتمالية الكبيرة إلى يقين. وما يُفترض في هذا المبدأ هو أن هذا الإلغاء للقيمة الصغيرة هو نتيجة للحركة الطبيعية للمعرفة البشرية[5].
لذا، في نظر شهيد صدر، حل الاستقراء ليس حلًا منطقيًا بل يجب اللجوء إلى علم نفس الإنسان، بمعنى أن بنية ذهن الإنسان هي بحيث مع تراكم القرائن والأدلة، يزداد الظن بقوة العمومية والشمول، وباختصار، وجهة نظر صدر مع الأخذ في الاعتبار المصطلحات الحديثة هي أنه كلما كانت هناك قرائن موحدة تجاه نظريتين متنافرتين H1 و H2، بحيث يكون لـ H1 نصيب ضئيل من هذه القرائن ولـ H2 نصيب كبير، فإن العقل السليم يضحّي بـ H1 من أجل H2 ويخرج من حالة الشك ويصل إلى يقين بصحة H2(صدر، ۱۳۶۸، ص ۲۲۰).
المصادر والمراجع:
– جهانگيري، محسن؛ أحوال وآثار وآراء فرانسيس بيكون، طهران، شركة النشر العلمي والثقافي، 1367 هـ ش.
– راسل، برتراند، قضايا الفلسفة، ترجمة، بزرگمهر، طهران، دار خوارزمي للنشر، 1356 هـ ش.
– سروش، عبد الكريم، نقد وشرح صريح، طهران، سروش، 1373 هـ ش.
– صدر، سيد محمد باقر، أسس منطق الاستقراء، ترجمة: سيد أحمد فهري، طهران، پيام، 1368 هـ ش.
– كارناپ، رودلف، مقدمة في فلسفة العلم، ترجمة، يوسف عقيقي، دار النشر نيلوفري، 1373 هـ ش.
– Hume, David, An Enquiry Concerning Human – understanding,
First Published as Philosophical Essays concerning Human understanding, 1748
– Ibid, A Treatise of Human Nature, 1739
[1]. We must enquire how we arrive at the Knowledge of cause and effect but arise entirely from experience.
[2] .Habit/ Custom
[3]. This is custom or Habit. For wherever the repetition of any particular act or operation produces a propensity to renew the same act or operation… – 36
[4]. في هذه الطريقة يُستخدم قاعدة أخرى تُسمى «الاتفاقي لا يكون دائماً ولا أكثرية» لإثبات العلية الخاصة.
[5]. ينقسم اليقين إلى ثلاثة أقسام هي: أ – اليقين المنطقي الذي يُطرح في الاستنتاجات المنطقية ويتألف من علمين؛ أحدهما العلم والتصديق بالمسألة والآخر التصديق بأن نقيض تلك المسألة غير صحيح. ب – اليقين الذاتي؛ هو حالة الجزم والقطع النفسي بحيث لا يكون هناك أي شك أو احتمال في نفس الإنسان تجاه تلك المسألة، إذًا هذا النوع من اليقين يتعلق بالحالة النفسية. ج – اليقين الموضوعي؛ هو اليقين الذي يُستمد بناءً على القرائن والأدلة الخارجية.

