الرسائل العملية في إطار نقد الشهيد الصدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: رساله‌های عملیه در بوتۀ نقد شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

المؤلف: الدكتور ولي الله ملكوتي

المقدمة

مع مرور الزمن، يصبح طرح بعض المسائل في الرسائل العملية أمرًا ضروريًا، وبالمقابل يصبح حذف بعض المواضيع وتغيير بعض الأمثلة أمرًا لا مفر منه.

ربما لم يكن هناك شعور بهذه الضرورة في الأزمنة القديمة؛ مثلاً قبل سبعين عامًا عندما كان يُولد مسلم شيعي إيراني، كانوا يؤذنون في أذنه ويُطلقون عليه أسماء من أسماء آل النبي. كان يكبر على الآداب الإسلامية، أي في البيت يتعلم من الأب والأم والأخت وغيرهم الصلاة والصيام والزيارة وما شابه ذلك، وفي المجتمع أيضًا في المدرسة وعلى المنبر يسمع القرآن والحديث وأخبار الجنة والنار؛ باختصار كان مألوفًا مع الإسلام ولا يعرف غيره. لذلك عندما يبلغ سن البلوغ، كان يحتاج فقط إلى تعلم الأحكام وممارسة الفروع. وبالطبع، لمجرد إتمام الشكل واتباعًا للسنة المتميزة للإسلام، كانوا يعلمونه أصول الدين التي تتضمن إجمالًا الاستدلال والتعقل.

لكن اليوم تغير الوضع. الجدران والأزقة تعلم الصغار والكبار، الرجال والنساء، الإلحاد وغرس الشبهات والشكوك. لمواجهة المدارس المادية والاعتراضات والانتقادات العلمية التي تُطرح من كل جانب، وللصمود أمام دعايات الأعداء، يجب إيلاء اهتمام أكبر لأصول عقائد الشباب والشعب المسلم؛ لأن في مثل هذا الجو يحتاج المسلمون إلى المعتقدات الإسلامية أكثر من الفروع والتفصيلات الفقهية!

البيت من الأساس مهدوم                      خواجه مقيد بنقش الإيوان

يجب على رجال الدين الكبار أن ينتبهوا إلى أن بقاء واستمرار رجال الدين ووجود الإسلام في هذا البلد يعتمد على أن يتولى زعماء الدين المبادرة في الإصلاحات العميقة التي تُدرك ضرورتها اليوم. اليوم هم أمام أمة تستيقظ يومًا بعد يوم، والتوقعات التي لدى جيل اليوم من رجال الدين والإسلام تختلف عن تلك التي كانت لدى الأجيال السابقة.

دع عنك التوقعات الساذجة وغير الحكيمة التي لدى البعض، فمعظم التوقعات مشروعة ومناسبة، وإذا لم يتحرك رجال ديننا بسرعة ويحرروا أنفسهم من قبضة العامة ويجمعوا قواهم ويتقدموا بوعي، فسيواجهون خطرًا كبيرًا من جانب الإصلاحيين غير المهتمين بالدين.

اليوم هذه الأمة عطشى للإصلاحات في مواجهة الفوضى، وغدًا ستكون أكثر عطشًا؛ هي أمة تشعر بالتخلف مقارنة بالأمم الأخرى وتتلهف للحاق بها. من جهة أخرى، هناك كثير من المدعين للإصلاح الذين لا يهتم كثير منهم بالدين، وهم في انتظار الشعور الجديد والمرتفع لدى جيل اليوم. إذا لم يستجب الإسلام ورجال الدين لحاجات ورغبات ومشاعر هذه الأمة، فسيتجهون نحو تلك القبلة الجديدة الناشئة. فهل إذا استولى هؤلاء على معقل الإصلاح، هل لن يتعرض وجود الإسلام ورجال الدين للخطر؟

الشهيد الصدر من بين الذين أدركوا هذه الضرورة جيدًا. ففي مقدمة «الفتاوى الواضحة» يحدد خصائصًا للرسالة العملية التي لم تكن موجودة أو كانت ضعيفة في الرسائل السابقة. وهو يرى أنه عندما تصل رسالة عملية إلى يد مسيحي يجب أن تكون بحيث يفهم كيف يدير الإسلام المجتمع البشري من كل جانب، لذا شرع في تأليف رسالة عملية تعبر عن نظام إسلامي شامل وكامل[۱].

تاريخ كتابة الرسائل العملية

قبل بيان خصائص رسالة العملية للمرحوم صدر، من الضروري أن نذكر تاريخًا موجزًا لتأليف الرسائل العملية.

يظن البعض أنه لم تكن هناك رسائل عملية أو استفتاءات في الماضي، وأنها ظهرت مثلاً في الخمسين سنة الأخيرة، كما هو الحال مع المرجعية، لكن هذا الظن بعيد جدًا عن الواقع؛ لذا لكي لا تقلل من جهود هؤلاء الرجال العظام وحملة المشاعل في الهداية، نقدم تاريخًا موجزًا لرسائل مراجع التقليد والفقهاء الكرام.

١- الشيخ الصدوق (متوفای ۳۸۱ هـ): كان صاحب رسالتين عمليتين هما «المقنع» و«الهدايه» التي تتبع منهجًا في مناقشة المسائل مثل الرسائل العملية المتداولة اليوم، وبعبارة أدق: الرسائل العملية الحديثة على طريقة هذين الكتابين. والميزة المهمة التي يتمتع بها هذان الكتابان، والتي للأسف لا توجد في الرسائل الأخرى، هي أن جمل الكتاب والفتاوى، قدر الإمكان، هي عبارات من الآيات والروايات المعتبرة والمقبولة من المؤلف. وهذا من علامات التعبد والمحبة للقرآن والسنة.

٢- السيد المرتضى (متوفای ۴۳۶ هـ): كان صاحب «جمل العلم والعمل»، «الناصريات» و«الانتصار». استفتاءاته مدرجة في «رسائل الشريف» التي تشمل: محمديات، بادرائيات، موصلية، حلبيات، طرابليات، طوسية، ديلمية، جرجانية، رزية، طبرية، ميانارقية، رسية وغيرها[۲].

٣- ابن إدريس (متوفای ۵۹۸ هـ): أشهر مؤلفاته «السرائر الحاوي لتحرير الفتاوى» التي طُبعت عام 1270 هـ في طهران. النسخة الخطية من هذا الكتاب موجودة في مكتبات آستان قدس برقم 5713، مجلس الشورى الإسلامي برقم 4554، وآية الله المرعشي برقم 2603. وله أيضًا «مسائل في أبعاد الفقر وأجوبتها» التي توجد نسختها الخطية برقم 570 بتاريخ 588 في مكتبة الحكيم.

٤- المحقق الحلي (متوفای ۶۷۶ هـ): ترك عدة رسائل، مثل «المسائل البغدادية» التي توجد في مكتبة آستان قدس برقم 2655، والمسجد الأعظم وآية الله المرعشي برقم 3/4242.

٥ـ الشهيد الأول (متوفای ۷۸۶ هـ): من الشهيد الأول رسائل متعددة، منها رسالة «أجوبة المسائل الفقهية» التي جمعها ابنه المحترم وهي موجودة برقم عام ٢٣٦٩ ـ ٢٣٧٠ في العتبة المقدسة. ومن رسائله الأخرى رسالة «خلل الصلاة» التي طُبعت مع كتاب «بيان» للشهيد، وكذلك رسالة عن الحج والعمرة التي طُبعت في صيدا ضمن «معادل الجواهر» لسيد محسن أمين العاملي.

٦ـ ابن فهد (متوفای ۸۴۱ هـ): بقيت منه حوالي اثنتي عشرة رسالة، منها «أجوبة المسائل» وهي مجموعة أسئلة وأجوبة فقهية، وكذلك «أجوبة المسائل الفقهية» التي النسخة الخطية منها موجودة برقم عام ١/١٧٢٢ في مكتبة الملك.

٧ـ المقدس الأربيلي (متوفای ۹۹۳ هـ): مناسك الحج باللغة الفارسية هي الرسالة العملية الوحيدة المتبقية من المقدس الأربيلي، ونسختها الخطية موجودة برقم عام ٢٣٧٣ في مكتبة العتبة المقدسة، و٣/٩٩٨ في مكتبة مسجد جوهرداد، و٥-٣٠٠٨٤٣ في مكتبة آية الله المرعشي.

٨ ـ المحقق السبزواري: من المرحوم المحقق السبزواري بقيت رسائل عملية كثيرة، منها رسالة «خلافية» التي تبدأ ببحث الطهارة وتمتد حتى نهاية الاعتكاف. توجد نسخ خطية متعددة من هذه الرسالة في مكتبات موثوقة. وقد صحح وعلق على رسالة الخلافية طلاب الماجستير في قسم الفقه بجامعة آزاد الإسلامية فرع مشهد. كما بقيت له رسالة عملية أخرى محفوظة برقم عام ٢٤٢٥ في مكتبة العتبة المقدسة.

٩ـ المجلسي الثاني (متوفای ۱۱۱۰ هـ ): له رسائل كثيرة، منها «آداب الصلاة» بالفارسية، «أوقات الصلاة»، «مناهج المسائل» (رسالة عن الزكاة والخمس)، «مناسك الحج» (رسالة فارسية في باب واجبات الحج والعمرة)، «صواعق اليهود»، «أحكام الجزية»، «حكم مال الناصبي»، «النذر»، «الكفارات»، «الحدود والديات»، «الرضاعية» بالفارسية، «صيغ العقود» و«النكاحية». ومن الجدير بالذكر أن جميع هذه الرسائل مكتوبة باللغة الفارسية وموجودة في مكتبات موثوقة.

١٠ـ وحيد بهبهاني (متوفای ۱۲۰۵ هـ): من المرحوم بهبهاني بقيت رسائل متعددة لا يتسع المجال لعدها في هذا المقال؛ منها رسالة «المعاملات» المكتوبة بالفارسية، والتي حاشاها المرحوم آية الله محمد حسن الشيرازي، وأكد صحتها الشهيد سعيد حاج شيخ فضل الله النوري، الذي كان تلميذاً للمرحوم ميرزا، بخط يده في الصفحة الأولى منها، واعتبر العمل بها مجزياً.

١١ـ السيد محمد كاظم طباطبائي اليزدي (متوفای ۱۳۳۷ هـ): العلامة طباطبائي في «رسالة عملية» سماها «العروة الوثقى» بيّن المسائل الشرعية التي يحتاجها المقلدون، ونظراً لأن هذا الكتاب يحتوي على فروعات كثيرة ويتسم بسير منطقي، فقد حظي باهتمام مراجع التقليد الذين كتبوا عليه حواشي.

تشتمل هذه الرسالة الشريفة على أحكام المياه، النجاسات، المطهرات، الصلاة، الصوم، الاعتكاف، الزكاة، الخمس، الحج، الإيجار، المضاربة، المزارعة، المساقات، الضمان، الجعالة، النكاح والوصية. ومن الجدير بالذكر أن موضوع التجارة والطلاق، رغم أهميتهما الكبيرة، للأسف لا يظهران في هذه الرسالة، بينما خصص حوالي اثنتي عشرة صفحة للنكاح بين العبيد والجواري.

بعد عرض موجز لتاريخ كتابة الرسائل، ننتقل الآن إلى دراسة خصائص «الفتاوى الواضحة».

خصائص رسالة «الفتاوى الواضحة»

الحقيقة أن حياة الإنسان تطورت، وظهرت شؤون جديدة وظواهر لا تحصى، ولم يبقَ أي موضوع كان موضوع فتوى الفقهاء السابقين ثابتاً. لذلك، من المستحيل أن تبقى الموضوعات على حالها وتظل أحكامها راكدة وثابتة؛ لأن الحكم متفرع على الموضوع، فبثبوت الموضوع يثبت الحكم، وبزوال الموضوع يزول الحكم، ويتطور معه.

فقهاؤنا الكرام في عصرهم أدركوا حاجات زمانهم، وبناءً على الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية آنذاك وضعوا الفقه، وخصصوا كتباً للزواج، الطلاق، التجارة والإيجار، وبيّنوا فروعات وافتراضات كثيرة، لكن مع تطور المجتمعات وحياة الإنسان ظهرت مسائل وأسئلة جديدة لم تُطرح في كتبهم، مع أن أهمية بعض هذه المسائل كبيرة لدرجة أنها تتطلب باباً وكتاباً جديدين في الفقه؛ مثل قوانين البحار، التجارة البحرية، أحكام الاتصالات، المراسلات وغيرها من الأمور التي تشكل نسيج حياة الإنسان المعاصر، وقد كتب المشرعون اليوم كتباً ضخمة من مئات الصفحات في هذه المجالات.

الأستاذ صدر، الذي كان متمكناً من مبادئ الشريعة، ومدركاً لمشكلات الأحكام الفقهية والفتاوى في ميادين العمل والقضاء، وكان واعياً لتطلعات جيل اليوم من الحوزات العلمية الدينية، نقد ودرس الرسائل العملية القائمة من زاوية عدم توافقها مع البعد الاجتماعي للإسلام. في نظر الشهيد صدر، إذا ما اهتم الفقهاء بتنقية الكتب الفقهية من هذه الزاوية، وأخذوا في فتاواهم الجديدة البعد الاجتماعي للإسلام مع مراعاة الحياة الواقعية للإنسان المعاصر والتطور الحاصل في العلاقات الاجتماعية، فسيتحول الفقه ويظهر أسلوب جديد في الاستنباط والأحكام. من وجهة نظر الشهيد صدر، فإن الانتباه إلى القرائن والأوضاع الاجتماعية في الفقه أمر في غاية الأهمية؛ فقد يصل الإنسان في كثير من الحالات إلى أحكام لم يكن ليصل إليها لولا هذا النظر الاجتماعي.

على سبيل المثال في موضوع المعاملات الربوية، وردت في الروايات معايير ومقاييس لهذا النوع من المعاملات التي تُعد من أشد المحرمات، فإذا لم نأخذ النظرة الاجتماعية في هذه الروايات بعين الاعتبار، فإن هذه المعايير لا تشمل جميع المعاملات التي هي في حقيقتها ربوية، ويجب اعتبارها حلالاً. وقد تناول معظم فقهاء المتأخرين هذه المسألة واعتبروا الأغطية الشرعية للربا حلالاً. لكن حضرة الإمام (ره) والشهيد الصدر من بين الفقهاء الذين عارضوا هذه الأغطية الشرعية، مع أن هذه المعاملات من حيث المبادئ الفقهية الأولية كانت تُعتبر معاملات غير ربوية. وما جعل هذين العظيمين يحرمانها هو قولهما: هل يمكن أن يكون لدى الإنسان فهم اجتماعي ويقبل محتوى مثل هذا الحرام المؤكد مرفقاً بالبيع؟ أنا أقوم بمعاملة ربوية وأبيع مثلاً عود ثقاب معها، هل يمكن القول إنه لأنها مرفقة وأن هذا العود الثقاب أصبح ملحقاً بها، إذن هذه المعاملة الربوية أيضاً حلال؟ هذا غير ممكن[۳].

من منظور الشهيد الصدر، يجب أن تكون الرسائل العملية ذات خلفية اجتماعية، ووضع المجتمع الإسلامي يستدعي كتابة مثل هذه الرسائل، ولهذا توجد في رسالته العملية مباحث لا تُرى في الرسائل العملية الأخرى. وأهمها هي:

أولاً: وجود مقدمة مختصرة واستدلالية حول أصول الدين تشمل ثلاثة عناوين: «مرسل»، «رسول» و«رسالة».

في بحث المرسل، استخدم استدلالاً علمياً وفلسفياً لإثبات الصانع.

وقد تم توضيح الاستدلال الأول «العلمي» لديه باستخدام حساب الاحتمالات على خمس مراحل، وهو في الواقع من الابتكارات الكبرى للشهيد الصدر تطبيق حساب الاحتمالات في أبعاد وقضايا مختلفة من الفقه والأصول، مثل بحث الإجماع، الإجماع المنقول، الشهرة، التواتر والسيرة. هذه المباحث، عدا بحث السيرة، هي مباحث تُطرح في الأصول، لكن بحث السيرة لم يُطرح أبداً في الأصول الكلاسيكية، وقد طرحه الشهيد الصدر في كتبه ودروسه الخارجية. وقد قسم السيرة إلى ثلاثة أقسام: سيرة العقلاء، المتشرعة والشارع، وبيّن آلية كشف كل منها عن الحكم الشرعي. كل هذا البحث من ابتكارات الشهيد الصدر، وقبل ذلك لم يكن هناك تمييز واضح بين أنواع السيرة في كلام الأصحاب.

أما أهمية تطبيق حساب الاحتمالات في الأصول في المباحث المذكورة فهي عظيمة، لأن حساب الاحتمالات يعني أن الاحتمالات المختلفة حول الموضوع تؤخذ بعين الاعتبار، وبفحص هذه الاحتمالات يُكشف حقيقة الأمر. ومن الطبيعي أنه إذا حدث ذلك وتم البحث عن الاحتمالات المختلفة في المسألة، فإن ذلك يخلق لدى الإنسان نظرة اجتماعية؛ فطبيعة الانتباه إلى حساب الاحتمالات تقتضي أن تكون نظرة الإنسان شاملة، وأن يبحث في كل ما يمكن أن يؤثر في فهم واستخلاص الحكم الشرعي، مثل الظروف الاجتماعية في زمن صدور النص الشرعي. وبهذا، ينمو في الإنسان روح النظر الاجتماعي والنظر الكلي[۴].

أما الدليل الثاني الذي قدمه الشهيد الصدر لإثبات الصانع فهو دليل فلسفي، وقبل عرضه عرّف الدليل الفلسفي وبيّن الفرق بينه وبين الدليل العلمي. في بحث الرسول، استخدم الشهيد الصدر نفس حساب الاحتمالات الذي أثبت وجود الصانع، وأثبت نبوة الرسول الكريم محمد(ص)، وقدم عبر أمثلة متعددة وبالاستناد إلى آيات القرآن الكريم نقاشاً استدلالياً شيقاً في هذا المجال.

أما آخر بحث طرحه الشهيد الصدر في المقدمة فهو متعلق بـ«الرسالة»، وهي دين الله الذي كلف به محمد(ص) بالتبليغ، ثم ذكر عشر خصال للدين الإسلامي لا توجد في الأديان السماوية الأخرى.

وقد اختتم هذه المقدمة الغنية في عاشوراء سنة 1297 هـ، ووهب ثوابها إلى حضرة أبا عبد الله(ع) الذي ضحى بنفسه في سبيل رفع راية الإسلام[۵].

ثانياً: من الخصائص الأخرى لهذه الرسالة أسلوب الكتابة وتقسيمها. رغم أن فقهاء الشيعة والسنة لديهم تقسيمات مختلفة حول أسلوب الكتابة الفقهية، إلا أن تقسيمه مع الأخذ في الاعتبار رغبته في تقديم نظام إسلامي شامل وكامل يتميز بخصائص معينة. فقد جعل رسالته «الفتاوى الواضحة» تتألف من أربعة أقسام:

1- العبادات (الصلاة، الصيام، الاعتكاف، الحج، العمرة والكفارات)

2- الأموال التي تنقسم إلى قسمين:

أ- الأموال العامة؛ وهي الأموال التي لا تخص شخصاً معيناً، ومخصصة للمصالح العامة والمصارف، مثل الخراج، الأنفال، الخمس، الزكاة. والعنوانان الأخيران رغم طابعهما العبادية، إلا أن لهما جانباً مالياً أقوى وأبرز (ويندرج في هذا القسم بحث الخراج والأنفال ونظائرها).

ب- الأموال الخاصة؛ وهي الأموال التي لها مالك أو ملاك محددون. وتُدرس الأحكام المتعلقة بهذا القسم في جزأين منفصلين:

أحدهما: أسباب التملك الشرعي أو الحصول على حق خاص، مثل مباحث إحياء الموات، الحيازة، الإرث، الضمانات والتعويضات ونظائرها.

الثاني: أحكام التصرف في الأموال، وتشمل مباحث البيع، الصلح، الشركة، الوقت، الوصية وسائر التصرفات والمعاملات.

3- السلوك والآداب والسلوك الشخصي، أي الأفعال الشخصية التي لا علاقة لها بالعبادات والأموال، وتنقسم إلى مجموعتين:

أ- العلاقات الأسرية، العلاقات بين الجنسين من الرجال والنساء، مباحث النكاح والطلاق، الخلع والمبارات والظهار واللعان والإيلاء وما شابه ذلك.

ب- العلاقات الاجتماعية والأحكام المتعلقة بتنظيم سلوك الأفراد في المجتمع، مثل الأحكام المتعلقة بالأطعمة والمشروبات، الملابس والمساكن، آداب المعاشرة، أحكام النذر والعهد واليمين، الذبائح، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

4- الآداب العامة، أي السلوك والتصرفات الخاصة بالأجهزة الحكومية والعامة في مسائل القضاء، الحكم، الصلح، الحرب، العلاقات الدولية، أبواب ومباحث الولاية العامة، القضاء، الشهادة، الحدود، الجهاد ونظائرها.

ثالثًا: مصادر الفتوى. على الرغم من أن فقهاء الشيعة العظام قد حددوا مصادر الاستنباط بأربعة أمور، إلا أن أكثر ثقة الشهيد الصدر كانت في الكتاب الكريم والسنة الشريفة، ورأيه أن القياس والاستحسان غير موثوق بهما.

يقول الشهيد الصدر في السبب العقلي: هل يمكن العمل بالسبب العقلي؟ هناك اختلاف في ذلك. برأينا، العمل بالسبب العقلي جائز، ولكن لا يوجد حكم واحد يكون مستنده السبب العقلي فقط، بل كل ما ثبت بالسبب العقلي ثبت أيضًا بالكتاب والسنة.

أما بالنسبة للإجماع، فيجب القول: لا يمكن أن يكون الإجماع سببًا مستقلاً إلى جانب الكتاب والسنة، ولا يُعتد به إلا من باب كونه وسيلة لإثبات الحكم في بعض الحالات.

لذا، فقط الكتاب والسنة يمكن أن يكونا مصدر الفتوى. نسأل الله أن يجعلنا من المتمسكين بهما؛ فمن تمسك بهما فقد تمسك بالعروة الوثقى[۶].

ضرورة تجديد الرسائل العملية

الرسائل العملية التي يكتبها المجتهدون للمقلدين هي للوصول إلى الفتاوى والأحكام الشرعية. وعلى الرغم من أن الرسائل العملية تلعب دورًا مهمًا لهذا الغرض، وتتمتع بالدقة والاختصار الكافيين، إلا أنه لا تزال هناك ملاحظتان يمكن الإشارة إليهما:

الملاحظة الأولى: هذه الرسائل عادةً تفتقر إلى منهج فني في التقسيم وتقديم الأحكام. وهذه المسألة تشمل النقاط التالية:

١- معظم الأحكام وردت ضمن صور جزئية ومحدودة حفاظًا على تقسيم تقليدي، ولا توجد بنية عامة يستطيع المقلد من خلالها الوصول إلى الأحكام ضمن إطار شامل.

٢- بعض الأحكام وردت في أبواب لا علاقة لها بها، فقط بسبب التقيد بالتقسيم التقليدي عند أقل مناسبة.

٣- تم الامتناع عن ذكر بعض الأحكام لعدم وجود مكان لها في التقسيم التقليدي.

٤- في كل بحث، لم تُذكر المعايير العامة أولًا ثم التفاصيل، بحيث يمكن تحديد حكم التفاصيل وفق القواعد العامة، وتمكين المقلد من معرفة حكمه في المسائل المشابهة، كما أن مجموعات الأسئلة لا ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالأصل المجيز لها.

٥- في كثير من الحالات، فُرضت صور مختلفة للعبادات دون وجود خلفية ذهنية لها، ولم يبدأ النقاش من الصفر اعتمادًا على تلك الصور فقط.

٦- بسبب انتشار الأحكام بدون منهج، فقد ضاعت العديد من المعايير العامة، وفقد المكلفون فرصة استخراج المبادئ العامة بناءً على تلك المعايير.

الملاحظة الثانية: رسالة الرسائل العملية هي بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بحياة الإنسان، وهذه الأحكام ثابتة، لكن طرق التعبير عنها مختلفة وتختلف من زمن إلى آخر؛ لأن حاجات الإنسان تختلف في كل زمن، وهذا التغير الشامل يؤثر على طرق التعبير والأحداث الحياتية، فينعكس ذلك على الرسائل العملية بشكل مختلف. لذا من الضروري أن تُكتب الرسائل العملية بطريقة أخرى. على سبيل المثال، بعض الكلمات المستخدمة في الرسائل العملية كانت مناسبة لأشخاص في الأزمنة الماضية، بالإضافة إلى أن استخدام الرسائل العملية كان في السابق مقتصرًا على فئات معينة من الناس لأن كثيرًا منهم لم يكونوا متعلمين، أما اليوم فمعظم الناس قادرون على القراءة والكتابة، وإذا كُتبت الرسائل بلغة العصر فستكون مفيدة لهم، لذا يجب على المرجع أن يكتب رسالته العملية مع مراعاة الكلمات والتعابير الجديدة.

كذلك، المصطلحات التي تظهر في الرسائل العملية هي مصطلحات كان الناس في الماضي على دراية بها وشائعة في ثقافتهم، أما اليوم فمعظمهم لا يعرفها جيدًا؛ مثلاً في موضوع الإيجار كان يُستخدم إيجار الدواب كمثال، أما اليوم مع تغير وسائل النقل يجب أن تتغير الأمثلة، والمصطلحات الجديدة هي الأنسب للمقلد المعاصر.

علاوة على ذلك، هناك أحداث وظواهر كثيرة وجديدة تحدث باستمرار اليوم، مما يستلزم تحديد حكم شرعي لها، وإذا اعتُبرت الرسائل العملية تاريخية فإنها تتناول أحكام زمنها فقط، لذا يجب اليوم أن تُكتب تدريجيًا رسائل عملية تشمل كل مسائل الحياة الجديدة للإنسان المعاصر.

كما ذكرنا سابقًا، الأحكام ثابتة لكن أحيانًا يختلف تطبيقها حسب الزمن؛ مثلاً الشرط الضمني (أي الشرط الذي يدل عليه العرف العام) رغم عدم التصريح به في العقد إلا أنه واجب ونافذ، لكن لأن العرف يحدد هذا الشرط فهو يختلف، فقد يُعتبر شيئًا شرطًا ضمنيًا في زمن ما، ولا يُعتبر كذلك في زمن آخر.

لذا يجب على الرسائل العملية أن تولي اهتمامًا كافيًا لمسألة تغير العرف، وألا تغفل عن ذلك في الأحكام التي يلعب العرف دورًا فيها.

وبناءً على هذه المسائل، جرت محاولات لتحديث الرسائل العملية، وكل منها له أهمية وقيمة ملحوظة.

 

[۱] . السيد محمد باقر الصدر، الفتاوى الواضحة وفقاً لمذهب أهل البيت(ع)، المقدمة (لبنان-بيروت، دار التعارف للمطبوعات).

[۲] . فهرس الشيخ الطوسي، ص ٩٨ ورجال النجاشي، ص ٢٧٠.

[۳] . مقابلة حجة الإسلام والمسلمين سيد نور الدين أشكوري، انديشه ماندگار، العدد ١، ص ١١.

[۴] . المرجع نفسه.

[۵] . الفتاوى الواضحة، المقدمة، ص ٨٣-٩.

[۶] . المرجع نفسه، المقدمة، ص ٩٨.